← Фикх малики

Фикх малики · id 14605

مختصر خليل - ومعه شفاء الغليل في حل مقفل خليل

ابن غازي

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

بِكَإِرْثٍ، وإِنْ قَالَتْ: لا نَعْلَمُ) نصّ هذا الفرع عَلَى ما وقفت عَلَيْهِ فِي كتاب الشركة من أصل " النوادر " عن ابن سحنون: " كتب شجرة (١) إلى سحنون، فِي رجلٍ دفع عن أخيه وهو شريكه مفاوضة صداق (٢) امرأته، ولم يذكر أنّه من ماله ولا من مال أخيه حَتَّى مات الدافع، فقام فِي ذلك ورثته وقالوا: هو من مال ولينا؟ فكتب إليه: " إن دفع وهما متفاوضان، ثُمَّ أقام سنين كثيرة فِي مفاوضهما لا يطلب أخاه بشيء (٣) من ذلك فهذا ضعيف وإن كَانَ بحضرة ذلك فذلك بينهما شطرين، ويحاسب به إِلا أن يكون للباقي حجة ". (٤) انتهى. فمعنى كلام المصنف: أن القول لمن ادعى فِي المسألة أن الصداق المدفوع من المفاوضة إِلا فِي وجهين: أحدهما: أشار إليه بقوله: (إِلا أن يطول كسنة)؛ وكأنه اعتمد فِي التحديد بالسنة عَلَى مفهوم قول سحنون: وإن كَانَ بحضرة ذلك فذلك بينهما، ورأى أن ما عارض هذا المفهوم من قوله: فِي مقابله سنين كثيرة غير مقصود. وثانيهما: أشار إليه بقوله: (وإِلا ببينة بكارثة وإن قالت: لا نعلم) وهكذا [هو] (٥) فِي عدة نسخ بالواو العاطفة قبل إِلا، وهو كالتفسير لقول سحنون: إِلا أن يكون للباقي حجة، فإن الباقي من الأخوين إِذَا قامت له بينة أن الصداق المدفوع كَانَ من إرث آخر مثلاً، كَانَ ذلك له حجة، وإن قالت: البينة: لا نعلم تقدم هذا الإرث عَلَى المفاوضة ولا تأخر (٦) عنها، فهذا أمثل ما انقدح لنا فِي تشقيق كلامه. والله سبحانه أعلم.

стр. 667

وإِنِ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ (١)، وإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشِّرْكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وحَمَلَتْ قُوِّمَتْ، وإِلا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا، أَوْ مُقَاوَاتُهَا، وإِنِ اشْتَرَطَا نَفْيَ الاسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ. قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ، فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ وإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشِّرْكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وحَمَلَتْ قُوِّمَتْ، وإِلا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا، أَوْ تقويمها). درج هنا عَلَى ما بسط فِي " توضيحه " أن لشراء الجارية ثلاثة أوجه: الأول: أن يشتريها لنفسه للوطء أو للخدمة ولم يطأها، ولشريكه ردّها فِي الشركة أو إجازتها له، وإليه أشار بقوله: (وإن اشترى جارية لنفسه فللآخر ردّها) الثاني: أن يشتريها للوطء بإذن شريكه، فلا شكّ أن شريكه أسلفه نصف ثمنها فله نماؤها وعَلَيْهِ تواها، وإليه أشار بقوله: (إِلا للوطء بإذنه). الثالث: أن يكون إنما اشتراها للشركة ثُمَّ وثب عَلَيْهَا فوطأها، وهذا الثالث فِي نفسه عَلَى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون وثوبه عَلَيْهَا بإذن شريكه فهذه محللة فيتعين تقويمها سواءً حملت أو لَمْ تحمل، وإليه أشار بقوله: (وإن وطئ جارية للشركة بإذنه) أي: قومت وليس ذلك مقيداً بحملها كما ظنّ بعضهم. وثانيها: أن يكون ذلك بغير إذن شريكه؛ ولكنها حملت منه، فيجب تقويمها، وإليه أشار بقوله: (أو بغير إذنه وحملت قومت). وثالثها: أن يكون بغير إذنه ولم تحمل فقال عياض فِي كتاب: " أمهات الأولاد ": معروف مذهب مالك فِي " المدونة " فِي هذا الكتاب وغيره: تخيير غير الواطئ فِي التقويم والتماسك ". انتهى، وهو كقوله فِي " الرسالة ": فإن لَمْ تحمل فالشريك بالخيار بين أن يتماسك أو تقوم (٢) عَلَيْهِ (٣). وإليه أشار بقوله: (وإِلا فللآخر إبقاؤها أو تقويمها) والتقويم:

стр. 668

تفعيل من القيمة، وكذا هو فِي هذا القول، وأما المقاواة التي هي المزايدة وهي مفاعلة من القوة ففي قولٍ آخر غير هذا (١). تنبيه: وقع فِي بعض النسخ: إِلا بالوطء أو بإذنه بجرّ اللفظين بالباء وعطف أحدهما عَلَى الآخر بأو بدل قوله: (إِلا للوطء بإذنه)، وهو أتمّ فائدة حسبما يظهر بالتأمل إِلا أن الآخر هو الجاري مع لفظ " التوضيح ". وجَازَ لِذِي طَيْرٍ وذِي طَيْرَةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشِّرْكَةِ فِي الْفِرَاخِ، واشْتَرِ لِي ولَكَ، فَوَكَالَةٌ. وجَازَ وانْقُدْ عَنِّي. إِنْ لَمْ يَقُلْ وأَبِيعُهَا لَكَ، ولَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا، إِلا أَنْ يَقُولَ واحْبِسْهَا، فَكَالرَّهْنِ، وإِنْ أَسْلَفَ غَيْرَ الْمُشْتَرِي جَازَ، إِلا لِكَبَصِيرَةِ الْمُشْتَرِي، وأُجْبِرَ عَلَيْهَا، إِنِ اشْتَرَى [٥٩ / ب] شَيْئاً بِسُوقِهِ، لا لِكَسَفَرٍ أَوْ قِنْيَةٍ، وغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ تُجَّارِهِ، وهَلْ وفِي الزُّقَاقِ لا كَبَيْتِهِ؟ قَوْلانِ. قوله: (وجَازَ لِذِي طَيْرٍ وذِي طَيْرَةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشِّرْكَةِ فِي الْفِرَاخِ) كذا فِي " النوادر " من " العُتْبِيَّة " والموازية عن ابن القاسم عن مالك: إِذَا جاء الرجل بحمام ذكر وآخر بأنثى عَلَى أنّ ما أفرخا بينهما، فلا بأس به، وأرجو أن يكون خفيفاً والفراخ بينهما؛ لأنهما يتعاونان فِي الحضانة (٢). وقبله ابن يونس، ولم يذكر غيره، ونصّها فِي سماع سحنون من شركة " العُتْبِيَّة " قال سحنون: " وأخبرنا ابن القاسم عن مالك فِي الرجل يأتي بحمامة أنثى، ويأتي الآخر [٩١ / أ] بذكر عَلَى أن تكون الفراخ بينهما: أنّ الفراخ بينهما لأنهما يتعاونان جميعاً عَلَى الحضانة. إِلا أن ظاهر كلام ابن رشد: أن هذا بعد الوقوع والفوات؛ لأنه قال: هذا عَلَى قياس قوله فِي أنّ الزرع فِي المزارعة الفاسدة يكون لصاحب العمل والأرض، يريد ويرجع صاحب الحمامة الأنثى عَلَى صاحب الحمامة الذكر بمثل بيض حمامته، ويأتي عَلَى قياس القول: بأن الزرع فِي المزارعة الفاسدة لصاحب البذر أن الفراخ

стр. 669

تكون لصاحب الحمامة الأنثى؛ لأن (١) البيض له ولصاحب الحمامة الذكر قيمة ما أعان به من الحضانة " (٢) انتهى. تكميل: زاد فِي السماع المذكور: " وإن جاء رجل ببيضٍ إلى رجل فقال له: اجعله تحت دجاجتك، فما كَانَ من فراخ فبيني وبينك، فالفراخ فِي هذا (٣) لصاحب الدجاجة، وعَلَيْهِ لصاحب البيض مثله، وهو كمن جاء بقمح إلى رجل فقال له: ازرعه فِي أرضك بيننا، فإنما له مثله، والزرع لربّ الأرض " (٤). وجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إِنِ اتَّحَدَ، أَوْ تَلازَمَ، وتَسَاوَيَا فِيهِ، أَوْ تَقَارَبَا، وحَصَلَ التَّعَاوُنُ، وإِنْ بِمَكَانَيْنِ، وفِي جَوَازِ إِخْرَاجِ كُلٍّ آلَةً واسْتِئْجَارِهِ مِنَ الآخَرِ، أَوْ لا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ؟ تَأْوِيلانِ كَطَبِيبَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الدَّوَاءِ، وصَائِدَيْنِ فِي الْبَازَيْنِ. وَهَلْ وإِنِ افْتَرَقَا؟ رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا، وحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ، ومَعْدِنٍ، ولَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ، وأَقْطَعَهُ الإِمَامُ، وقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ ولَزِمَهُ مَا يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وضَمَانُهُ وإِنْ تَفَاصَلا. قوله: (وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إِنِ اتَّحَدَ، أَوْ تَلازَمَ) قال ابن عبد السلام: " قال أبو عبد الله الذكي: لو كَانَ المعلمان (٥) أحدهما قاريء والآخر حاسب، واشتركا عَلَى أن يقسما (٦) عَلَى قدر عمليهما؛ لجرى ذلك مجرى جمع الرجلين سلعتيهما فِي البيع، وعَلَى هذا تجوز الشركة بين مختلفي الصنعة إِذَا كانت الصنعتان متلازمتين " انتهى. وقبله فِي " التوضيح "، وذكر عَلَى إثره (٧) كلام اللخمي فِي الحائكين وطالبي اللؤلؤ (٨).

стр. 670

وأما ابن عرفة فقال: وقول أبي عبد الله الذكي فِي مسائله: لو اشترك قاريء وحاسب عَلَى أن يقتسما عَلَى قدر عملهما يجري ذلك عَلَى جمع الرجلين سلعتيهما فِي البيع، يردُّ بقوة الغرر (١) فِي الشركة؛ لجهل (٢) قدر عمل كلّ واحد منهما وقدر عوضه، والمجهول فِي السلعتين قدر العوض فقط، ولا يتخرج عَلَى قول اللخمي: لو اشترك حائكان بأموالهما، أحدهما يتولى النسج والآخر لا يحسنه، ويتولى الخدمة والبيع والشراء، وقيمة عملهما سواء، جَازَ؛ لأن معمولهما لا يتمّ إِلا بعملهما معاً كالشريكين فِي استخراج اللؤلؤ، أحدهما يغوص، والآخر يقذف أو يمسك عَلَيْهِ. وأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وغَيْبَتُهُمَا، لا إِنْ كَثُرَ، وفَسَدَتْ بِاشْتِرَاطِهِ كَكَثِيرِ الآلَةِ، وهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ تَرَدُّدٌ، وبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلا مَالٍ. قوله: (وَأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وغَيْبَتُهُمَا) الضمير المثنى لليومين، وهو من الإضافة المقدرة بفي كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] عَلَى رأي ابن مالك. وهُوَ بَيْنَهُمَا، وكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مُنْ رِبْحِهِ، وكَذِي رَحًى وذِي بَيْتٍ، وذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا، إِنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ. قوله: (وهُوَ بَيْنَهُمَا) أي: ما اشترياه أو أحدهما فِي شركة الذمم (٣) فهو بينهما، وهذا هو المشهور، وقال سحنون: من اشترى شيئاً فهو له. وتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ، وتَرَادُّوا الأَكْرِيَةَ، وإِنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا. قوله: (وتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ) قابل لأن يكون بياناً لفرض المسألة كما قبله، أو تقريراً

стр. 671

لحكمها بعد الوقوع كما بعده؛ فكأنه من النوع المسمى عند البيانيين بالتوجيه (١) كقول الشاعر فِي خياطٍ أعور: خَاطَ لِي عَمْرٌو قَبَاءً ... لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءُ فَسَلِ الْنَاسَ جَمِيعَاً ... أمَدِيحَاً أمْ هِجَاءُ وحمْلُه عَلَى تقرير الحكم أولى، وأما فرض المسألة فمفهوم من قوة الكلام كما فِي قوله قبل: (وهو بينهما). وقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ كَذِي سُفُلٍ، إِنْ وَهَى وعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ والسَّقْفُ، وكَنْسُ مِرْحَاضٍ لا سُلَّمٌ، وبِعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلُوِّ، إِلا الْخَفِيفَ وبِالسَّقْفِ لِلأَسْفَلِ، وبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ، لا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ، وإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمْ رَحًى إِنْ أَبَيَا، فَالْغَلَّةُ لَهُمْ ويَسْتَوْفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ، وبِالإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ لإِصْلاحِ جِدَارِهِ ونَحْوِهِ. قوله: (وقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ) ظاهره بيع جميع نصيبه كما فهم ابن عبد السلام من ظاهر إطلاقاتهم لا بقدر ما يعمر كما قال ابن الحاجب (٢) وقبله ابن هارون، وقد جلب ابن عرفة ما فِيهَا من الأسمعة، فعليك به. وبِقِسْمَتِهِ، إِنْ طُلِبَتْ لا بِطُولِهِ عَرْضاً، وبِإِعَادَةِ السَّاتِرِ لِغَيْرِهِ، إِنْ هَدَمَهُ ضَرَراً، لا لإِصْلاحٍ أَوْ هَدْمٍ وبِهَدْمِ بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ، ولَوْ لَمْ يَضُرَّ وبِجُلُوسِ بَاعَتِهِ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إِنْ خَفَّ. قوله: (وبِقِسْمَتِهِ، إِنْ طُلِبَتْ لا بِطُولِهِ عَرْضاً) أي: ويقضي بقسمة الجدار إن طلبت، ولا يقضي بقسمة طوله عرضاً، فإذا كَانَ الجدار مثلاً جارياً من المشرق إلى المغرب عَلَى صورة سور له شرافات وممشى لَمْ يقض عَلَيْهِما بقسمته عَلَى أن يأخذ أحدهما [جهة الشرفات، والآخر جهة الممشى، ولكن عَلَى أن يأخذ أحدهما] (٣) الجهة الشرقية بشرافاتها

стр. 672

وممشاها، والآخر الجهة الغربية بشرفاتها وممشاها، فلفظ (عرضاً) عَلَى هذا متعلّق بالمضاف المحذوف، ويجوز أن يتعلّق بلفظ (قسمة) الظاهر. ولذلك يقع فِي بعض النسخ: وبقسمته إن طلبت عرضاً لا بطوله، وهو فِي المعنى راجع للأول، وعَلَى كلّ تقدير فهو يحوم عَلَى إثبات الصفة التي قال بها اللخمي وابن الهندي، وحكاها ابن العطار عن ابن القاسم، وعَلَى نفي الصفة التي تأولها أبو إبراهيم الفاسي عَلَى " المدونة "، وحكاها ابن العطار عن عيسى بن دينار، ويتمّ هذا بالوقوف عَلَى نصوصهم. وذلك أنّه قال فِي كتاب القسم من " المدونة ": ويقسم الجدار إن لَمْ يكن فِيهِ ضرر (١)، فقال أبو الحسن الصغير: يعني بالقرعة، وإما بالتراضي، فيجوز وإن كَانَ فِيهِ ضرر، ويأتي الاعتراض الذي فِي قسم الساحة بعد قسم البيوت؛ لأنه قد يقع لأحدهما الجهة التي تلي الآخر إِلا أن يقتسماه عَلَى أنّ من صار ذلك له يكون للآخر عَلَيْهِ الحمل. وقال اللخمي: صفة القسم فِيهِ إِذَا كَانَ جارياً من [المشرق إلى المغرب] (٢) أن يأخذ أحدهما طائفة مما يلي المشرق والآخر طائفة مما يلي المغرب، وليست القسمة أن يأخذ أحدهما مما يلي القبلة والآخر مما يلي الجوف؛ لأن ذلك ليس بقسمة؛ لأن كل ما يضعه عَلَيْهِ أحدهما من خشب فثقله ومضرته عَلَى جميع الحائط، وليس يختصّ [٩١ / ب] الثقل والضرر بما يليه، إِلا أن يريد أن يقسما الأعلى، مثل أن تكون أرضه شبرين فيبني كل واحد عَلَى أعلاه شبراً مما يليه لنفسه، ويكون ذلك قسمة للأعلى، وجملة الحائط عَلَى الشركة الأولى أو يكونا أرادا قسمته بعد انهدامه فيقتسمان أرضه ويأخذ كلّ واحد نصفه مما يليه. ابن عرفة: فصفة قسمه عند اللخمي أن يقسم طولاً لا عرضاً، وقال أبو إبراهيم: ظاهر " المدونة " قسمه عرضاً؛ لقوله: وكان ينقسم. قال: وأما طولاً فينقسم وإن قلّ،

стр. 673

وقال ابن فتّوح فِي باب: الإرفاق: قال أحمد بن سعيد - وهو ابن الهندي -: سنّة قسم (١) الحائط أن يقسم بخيطٍ من أعلاه إلى أسفله فيقع جميع الشطر لواحد [وجميع الشطر لواحد] (٢) إِلا أن يتفقا عَلَى قسمة عرضه عَلَى طوله. وقال محمد بن أحمد - وابن العطار -: قال عيسى بن دينار: يقسم بينهما عرضاً، يأخذ كل واحد منهما نصفه مما يليه، فإن كَانَ عرض الجدار شبرين أخذ هذا شبراً مما يلي داره، وهذا شبراً مما يلي داره، ولا تصلح (٣) القرعة فِي مثل هذه القسمة. قال [ابن العطار] (٤) وابن فتّوح فِي باب: الإرفاق، والمتيطي فِي باب القسم " عن ابن القاسم: " يُمدّ الحبل بينهما فِيهِ طولاً لا ارتفاعاً من أوله إلى آخره، ويُرشم (٥) موقف (٦) نصف الحبل ويقرع بينهما، ويكون لكلّ واحد منهما الجانب الذي تقع قرعته عَلَيْهِ. زاد ابن فتّوح: إلى ناحية بعينها، ولا تصحّ قسمة القرعة فِيهِ إِلا هكذا ". انتهى، وإِذَا طوى الحبل المذكور حقق نصفه. وإِذَا عرفت أن الطول والعرض يعقلان نسبة وإضافة أمكنك الجمع بين عبارة المصنف وابن عرفة وغيرهما، وظهر لك أنّ قول اللخمي وابن الهندي راجعٌ لما حكاه ابن العطار عن ابن القاسم، وهو الذي أثبت المصنف، وأن تأويل أبي إبراهيم عَلَى " المدونة " راجع لما حكاه ابن العطار عن عيسى، وهو الذي نفاه المصنف.

стр. 674

تكميل: قال فِي " المدونة ": " وإن كَانَ لكلّ واحد عَلَيْهِ جذوع لَمْ يقسم وتقاوياه (١). قال اللخمي: وليس هذا بالبين؛ لأن الحمل الذي عَلَيْهِ لا يمنع القسم كما لا تمنع (٢) قسمة العلّو والسفل، وحمل العلّو عَلَى السفل، وأرى أن يقسم طائفتين، عَلَى أنّ من صارت له طائفة كانت له وللآخر عَلَيْهِ الحمل، وقد أجاز ابن القاسم المقاواة، وإنما تصح المقاواة عَلَى أنّ من صار إليه الحائط كَانَ ملك (٣) له، وللآخر عَلَيْهِ الحمل، فإذا جازت المقاواة عَلَى هذه الصفة كانت القسمة أولى ". فقال ابن عرفة: ظاهر قول ابن القاسم أنهما يتقاويانه كما لا ينقسم من العروض والحيوان أنّه لا حمل فِيهِ عَلَى من صار له (٤). ولِلسَّابِقِ كَمَسْجِدٍ، وبِسَدِّ كُوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ سَدٌّ خَلْفَهَا، وبِمَنْعِ دُخَّانِ كَحَمَّامٍ، ورَائِحَةِ كَدِبَاغٍ وأَنْدَرٍ قَبْلَ بَيْتٍ، ومُضِرٍّ بِجِدَارٍ. قوله: (ولِلسَّابِقِ كَمَسْجِدٍ) فِي كتاب السلام (٥) من صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ قال: " إِذَا قام أحدكم من مجلس (٦) ثُمَّ رجع إليه فهو أحقّ

стр. 675

به " (١) قال عياض فِي " الإكمال ": إِذَا كَانَ أولى به بعد القيام فأحرى قبله، ثُمَّ إن رجع عن بُعد فليس بأحقّ، وإن رجع عن قربٍ فقيل هو أحقّ به وجوباً؛ لأنه اختصّ به وملك الانتفاع به فكان أحقّ به حَتَّى يفرغ من غرضه. وحمله مالك عَلَى الندب؛ وعَلَى هذا فهو عامّ فِي كلّ مجلس، وحمله محمد بن مسلمة عَلَى مجلس العلم قال: هو أولى به إذا قام لحاجة، وإن قام تاركاً فليس بأولى، وقد اختلف فيمن اتسم بموضع من المسجد لتدريسٍ أو فتيا أو إقراء؟ فقال مالك: هو أحقّ به إِذَا عُرف به. وقال الجمهور هو أحقّ به استحساناً لا وجوباً، ولعلّه مراد مالك، وكذلك اختلف فيمن قعد من الباعة بموضعٍ من أقبية الطرقات غير المتملّكة، ثُمَّ قام ونيته الرجوع من غد؟ فقيل: هو أحقّ به حَتَّى يتمّ غرضه حكاه الماوردي عن مالك قطعاً للنزاع، وقيل: هو وغيره فِيهِ سواء، فمن سبق كَانَ أولى به، وأما إن لَمْ يقم فهو أحقّ به ما دام فِيهِ ". انتهى. وهو الذي اختصر المصنف حيث قضى للسابق للأفنية بها، ثُمَّ شبّه به السابق للمسجد، وكَانَ شيخنا الفقيه الحافظ أبو عبد الله القوري يحكي عن " العوفية ": أن من وضع بمحلٍ من المسجد شيئاً [يحجره به حَتَّى يأتي] (٢) إليه يتخرج عَلَى مسألة: [هل يعرف ملك] (٣) التحجير إحياء (٤).

стр. 676

واصْطَبْلٍ. قوله: (واصْطَبْلٍ) هو من جملة المعاطيف عَلَى دخان، وكأنه أشار به لقول صاحب المفيد تبعاً (١) لابن فتوح: يُمنع من إحداث اصطبل عند بيت جاره؛ لما فِيهِ من الضرر ببول الدوابّ وزبلها ببيت جاره، وحركتها فِي الليل والنهار المانعة من النوم، فتأمله مع ما يأتي فِي الأصوات. أَوْ حَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابٍ، وبِقَطْعِ مَا أَضَرَّ مِنْ شَجَرَةٍ بِجِدَارٍ، إِنْ تَجَدَّدَتْ، وإِلا فقَوْلانِ، لا مَانِعِ ضَوْءٍ، وشَمْسٍ، ورِيحٍ، إِلا لأَنْدَرٍ. قوله: (أَوْ حَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابٍ) كذا هو فِي كثيرٍ من النسخ معطوفاً بأو لا بالواو، وذلك يقتضي أن قوله: (قبالة باب) يرجع للاصطبل والحانوت (٢) عَلَى التعاقب؛ لكن لم أقف عَلَى نصّ فِي إحداث اصطبل فِي مقابلة (٣) الباب بل عَلَى نصّ (٤) المفيد المذكور فوقه، وفِي بعض النسخ: وحانوت بالواو عطفاً عَلَى دخان، وعَلَى كلّ حال فكلامه هنا [٩٢ / أ] محمول عَلَى السكة غير النافذة لقوله فِي مقابله: (وباب بسكة نافذة) عَلَى أنّ ما هنا مستغنى عنه بمفهوم قوله آخراً: (إِلا باباً إن نكب؛ لأنه فِي غير النافذة) وما ذكر من التفصيل هو الذي فِي آخر كتاب القسم من " المدونة " (٥). وقال ابن رشد فِي سماع زونان من كتاب: " السلطان ": يتحصّل فِي فتح الباب وتحويله فِي الزقاق غير النافذ ثلاثة أقوال:

стр. 677

أحدها: أنّه لا يجوز إِلا بإذن أهل الزقاق. قاله ابن زرب، وبه جرى العمل بقرطبة. والثاني: أنّ ذلك جائز فِيمَا لَمْ يقابل باب جاره ولا قرب منه فقطع مرفقاً قاله ابن القاسم فِي " المدونة " وابن وهب هنا. والثالث: أنّ له تحويل بابه عَلَى هذه الصفة إِذَا سدّ الباب الأول، وليس له أن يفتح باباً لَمْ يكن قبل بحال قاله أشهب (١). انتهى. ابن عرفة: ولم يحك المتيطي إِلا منع إحداثه وتحويل القديم بقرب باب جاره بحيث يضرّه ذلك، ثُمَّ قال ولو حوّله عن [بعد من] (٢) باب جاره لَمْ يكن عَلَيْهِ لهم قيام؛ لأنه لَمْ يزدهم شيئاً عَلَى ما كَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ قال ابن رشد: " ويتحصّل فِي فتح الرجل باباً أو حانوتاً فِي مقابلة جاره فِي السكّة النافذة ثلاثة أقوال: الأول: أنّ ذلك له جملةً من غير تفصيل، وهو قول ابن القاسم فِي " المدونة " وأشهب فِي " العُتْبِيَّة " (٣). والثاني: ليس له ذلك جملةً " إِلا أن ينكب، وهو قول سحنون. والثالث: له ذلك إِذَا كانت السكّة واسعة، وهو قول ابن وهب فِي " العتبية " (٤)،

стр. 678

والواسعة سبعة أذرع (١) انتهى، وعَلَيْهِ اقتصر ابن عات. وفِي " أجوبة " ابن رشد: أنّه سئل: عن رجلين متجاورين بينهما زقاق نافذ، فأحدث أحدهما فِي داره باباً وحانوتين يقابل باب [دار] (٢) جاره، ولا يخرج أحد من داره ولا يدخل إِلا عَلَى نظرٍ من الذين يجلسون فِي الحانوتين المذكورين لعمل صناعتهم، وذلك ضرر بين يثبته صاحب الدار، وكشفة عياله بينة؟ فجاوب: إِذَا كَانَ الأمر عَلَى ما وصفت فيؤمر أن ينكب [ببابه وحانوتيه] (٣) عن مقابلة باب جاره، فإن لَمْ يقدر عَلَى ذلك ولا وجد إليه سبيلاً ترك ولم يحكم عَلَيْهِ بغلقها ". انتهى بنصّه وقبله ابن عرفة. وعُلُوِّ بِنَاءٍ. قوله: (وعُلُوِّ بِنَاءٍ) مجرور عطفاً عَلَى مانع، أشار به لقوله آخر كتاب القسم من " المدونة ": ومن رفع بنيانه فجاوز به بنيان جاره ليشرف عَلَيْهِ لَمْ يمنع من رفع بنيانه، ومنع من الضرر، ثُمَّ ذكر الرفع المانع (٤). واللام فِي قوله: " ليشرف " لام الصيرورة، قال معناه أبو الحسن الصغير. وصَوْتِ كَكَمْدٍ، وبَابٍ لِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ. قوله: (وصَوْتِ كَكَمْدٍ) مجرور بالعطف عَلَى المنفي فِي قوله: (لا مانع ضوء) قال فِي كتاب: " كراء الدور " من " المدونة ": ومن اكترى داراً فله أن يدخل فِيهَا ما شاء من الدوابّ والأمتعة، وينصب فِيهَا الحدادين والقصارين والأرحاء ما لَمْ يكن ضرراً عَلَى الدار، أو تكون داراً لا ينصب ذلك فِي مثلها؛ لارتفاعها، ويمنع مما يتعارف الناس منعه (٥). وقال ابن فتّوح: ويمنع من أحدث اصطبلاً عند بيت جاره لما فِيهِ من الضرر ببول الدوابّ وزبولها لبيت جاره، وحركتها فِي الليل والنهار والمانعة من النوم.

стр. 679

وكذلك المطاحن وكير الحداد قال ابن عات: قال ابن عبد الغفور وعَلَى ما فِي " المدونة ": يكون لصاحب الدار أن ينصب فِي داره ما شاء من الصناعات (١) ما لَمْ يضر بحيطان جاره، وأما أن يمنع من وقع [ضرب] (٢) أو دوّي رحا أو كمد لصوته (٣) فلا، وكذلك ما أشبه ذلك، وقال المشاور بمثله كله، وقال: لأن الصوت لا يخرق الأسماع ولا يضر بالأجسام، فإن أضرّ [الضرب] (٤) بالجدارات منع، وذلك بِخِلاف أن يحدث فِي داره أو حانوته دباغاً، أو يفتح بقرب جاره مرحاضاً ولا يغطيه أو ما تؤذيه رائحته؛ لأن الرائحة المنتنة تحرق الخياشيم، وتصل [إلى] (٥) المَعِي (٦) وتؤذي الإنسان؛ ولذلك قال ﵇ " من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا، يؤذينا بريح الثوم " (٧). فكلّ رائحة تؤذي يمنع منها لهذا قال: وبه العمل وفِي " المجالس " وقضى شيوخ الفتيا بطليطلة بمنع الكمادين إِذَا استضرّ بهم الجيران وقلقوا من ذلك؛ لاجتماع وقع ضربهم، والأول أولى إن شاء الله تعالى. انتهى نصّ " الاستغناء "، وفي ضرر الأصوات، طرق استوفاها ابن عرفة فِي إحياء الموات. والمفهوم من كلام المصنف فِي الرحا وشبهها المنع إن أضرّت بالجدارات لقوله: (ومضر بجدار) لا بالأسماع لقوله: (وصوت ككمد)، وحينئذ يكون قوله: (واصطبل) كالمستغنى عنه؛ لأنه باعتبار رائحته داخل فِي قوله: (ورائحة كدباغ)، وباعتبار مضرة الجدارات داخل فِي قوله: (ومضر بجدار) وباعتبار مجرد الصوت ملغي لقوله: (وصوت ككمد)، وأما باعتبار مقابلة الباب فلم أر من ذكره كما تقدم وهو ضعيف. والله تعالى أعلم.

стр. 680

ورَوْشَنٍ وسَابَاطٍ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ، بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ، وإِلا، فَكَالملْكِ لِجَمِيعِهِمْ، إِلا بَاباً إِنْ نُكِّبَ. قوله: (ورَوْشَنٍ (١) وسَابَاطٍ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ، بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ، وإِلا، فَكَالملْكِ لِجَمِيعِهِمْ) أصل التفصيل [٩٢ / ب] فِي هذا بين النافذة وغيرها لأبي عمر فِي " كافِيهِ " قال: لا يحدث فِي غير النافذة عسكراً وهو الذي يدعى التابوت والجناح (٢) والأسقفة، فإن أذن بعضهم فِي ذلك وأبى بعضهم؛ فإن كَانَ الذين أذنوا آخر الزقاق وممرهم إلى منازلهم عَلَى الموضع المحدث فإذنهم جائز (٣). ونقله المتيطي عنه، وعَلَيْهِ اقتصر ابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام وابن هارون والمصنف. وأما ابن عرفة فقال: " لا أعرفه لأقدم من أبي عمر ابن عبد البر، وظاهر سماع أصبغ عن ابن القاسم فِي الأقضية خلافه، ولم يقيده ابن رشد بالطريق النافذة فتأمله ". انتهى. ولم أجدها فِي سماع أصبغ؛ ولكن بعده فِي نوازل سحنون قال فيمن له داران بينهما طريق: له أن يبني عَلَى جداريهما غرفة أو مجلساً فوق الطريق، وإنما يمنع من الإضرار بتضييق الطريق. ابن رشد: هذا إن رفع بناءه رفعاً يجاوز رأس المارّ راكباً (٤)، ونحوه فِي " الزاهي " وكذا الأجنحة. تنبيه: في قوله: (فَكَالملْكِ لِجَمِيعِهِمْ) ولم يقل ملك، إشارة إلى أنها ليست بملكٍ تامّ لهم، وإِلا كَانَ لهم أن يحجروها عَلَى الناس بغلق، قاله ابن عبد السلام فِي عبارة ابن الحاجب (٥) وهي نحو هذه، وزاد ظاهر كلام بعض الشيوخ: أن ليس لهم ذلك، وبه حكم بعض

стр. 681

قضاة بلدنا، وهدّ (١) ذلك عَلَى من فعله، وقبله فِي " التوضيح " (٢)، وهو دليل عَلَى إرادته هنا. وصُعُودِ نَخْلَةٍ. قوله: (وصُعُودِ نَخْلَةٍ) بالجرّ عطفاً عَلَى لا مانع وأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ، ونُدِبَ إِعَارَةُ جِدَارِهِ لِغَرْزِ خَشَبَةٍ، وإِرْفَاقٌ بِمَاءٍ، وفَتْحُ بَابٍ ولَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وفِيهَا إِنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَتَهُ. وَفِي مُوَافَقَتِهِ ومُخَالَفَتِهِ تَرَدُّدٌ. قوله: (وأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ) فِي " أجوبة " ابن رشد: أنّ عياضا سأله عن صومعةٍ أحدثت فِي مسجد فشكى منها بعض الجيران أن (٣) الكشف عَلَيْهِ، هل له فِي ذلك مقال؟، وقد أباح أئمتنا لمن فِي داره شجرة الصعود فِيهَا لجمع ثمرتها مع الإنذار بطلوعه وأوقات الطلوع للأذان معلومة، وفِي مدّة قصيرة، وإنما يتولاها فِي الغالب أهل صلاح ومن لا يقصد مضرةً إن شاء الله تعالى. فأجاب: " ليست الصومعة فِي المسجد كالشجرة فِي دار الرجل؛ لأن الطلوع لجني الثمرة نادر، والصعود فِي الصومعة للأذان يتكرر مراراً فِي كلّ يوم، والرواية فِي سماع أشهب عن مالك بالمنع من الصعود فِيهَا: والرقي عَلَيْهَا منصوصة عَلَى علمك والمعنى فِيهَا صحيح، فِبهَا أقول: وإن كَانَ يطلع منها عَلَى الدور من بعض نواحيها دون بعض، فيمنع من الوصول منها إلى الجهة التي يطلع منها بحاجز يبنى (٤) وبين تلك الجهة وغيرها من الجهات " (٥). انتهى. والرواية عن سحنون فِي سماع أشهب من كتاب الصلاة يمنع الصعود فِيهَا، قال ابن رشد: هناك هذا صحيح عَلَى أصل مذهب مالك فِي أنّ الإطلاع من الضرر البيّن الذي

стр. 682

يجب القضاء بقطعه، وكذلك يجب عنده عَلَى مذهب من يرى من أصحاب مالك أن من أحدث فِي ملكه اطلاعاً عَلَى جاره لا يقضى عَلَيْهِ بسدّه. ويقال لجاره استر عَلَى نفسك فِي ملكك، والفرق بين الموضعين عَلَى مذهبهم أنّ المنار ليس بملك للمؤذن؛ وإنما يصعد فِيهِ ابتغاء الخير والثواب، والاطلاع عَلَى حرم الناس محظور ولا يحلّ الدخول فِي نافلة من الخير بمعصية، وسواءً كانت الدور عَلَى القرب أو البعد إِلا البعد الكثير الذي لا تستبين معه الأشخاص ولا الهيئات ولا الذكور من الإناث، فلا يعتبر الاطلاع معه. وقد كَانَ بعض الشيوخ يستدلّ عَلَى هذا بقول عائشة - رضي الله تعالى عنها - " إن كَانَ رسول الله ﷺ ليصلّي (١) الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن (٢) ما يعرفن من الغلس " (٣). والله تعالى المستعان.

стр. 683

[باب المزارعة] لِكُلٍّ، فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ [٦٠ / أ]، إِنْ لَمْ يُبْذَرْ، وصَحَّتْ، إِنْ سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ، وقَابَلَهَا مُسَاوٍ، وتَسَاوَيَا. قوله: (وَتَسَاوَيَا) كأنّه أعمّ من قوله قبل: (وقابلها مساوٍ) فيغني عنه. إِلا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ، وخَلْطُ بَذْرٍ إِنْ كَانَ، ولَو بِإِخْرَاجِهِمَا. قوله: (إِلا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ) [أي بعد العقد] (١) الحاصل بالبذر فـ (أل) عهدية. فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بِذْرُ أَحَدِهِمَا وعُلِمَ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ، إِنْ غَرَّ. وعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ. وإِلا فَعَلَى كُلٍّ نِصْفُ بَذْرِ الآخَرِ، والزَّرْعُ لَهُمَا. قوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بِذْرُ أَحَدِهِمَا وعُلِمَ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ، إِنْ غَرَّ. وعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ، وإِلا فَعَلَى كُلٍّ نِصْفُ بَذْرِ الآخَرِ، والزَّرْعُ لَهُمَا) أصل هذا ما نقله ابن يونس عن بعض القرويين وهو أبو اسحاق ونصّه: " قال بعض القرويين: وعند ابن القاسم خلطا أو لَمْ يخلطا الشركة جائزة، وإِذَا صحّت الشركة فِي هذا فنبت زرع أَحَدهمَا ولم ينبت الآخر، فإن غرّ (٢) منه صاحبه وقد علم أنّه لا ينبت فعَلَيْهِ مثل [نصف] (٣) بذر صاحبه [لصاحبه] (٤)، والزرع بينهما ولا عوض له فِي بذره. وإِن لَمْ يعلم أنّه لا ينبت، ولم يغره فإن علم الذي نبت بذره أن يغرم لصاحبه مثل نصف بذره، عَلَى أنّه لا ينبت ويأخذ منه نصف بذره الذي نبت والزرع بينهما عَلَى الشركة غرّه أو لَمْ يغره، ولو (٥) علم ذلك فِي إبان الزراعة، وقد غرّ هذا صاحبه، فأخرج زريعة يعلم أنها لا تنبت فلم تنبت فضمانها منه، وعَلَيْهِ أن يخرج مكيلتها من زريعة تنبت فيزرعها فِي ذلك القليب وهما عَلَى شركتهما ولا غرم عَلَى الآخر للغارّ، [٩٣ / أ] وإن لَمْ يكن غرّ ولا

стр. 684

علما فليخرجا جميعاً قفيزاً آخر فيزرعاه فِي القليب [إن أحبّا] (١) وهما عَلَى شركتهما. قال ابن عبد السلام: سكت فِي الرواية عن رجوع المغرور [على الغارّ بنصف قيمة العمل فيما لَمْ ينبت إِن كَانَ العمل عَلَى المغرور] (٢)، وينبغي أن يكون له الرجوع عَلَيْهِ بذلك؛ لأنه غرور بالفعل، وقبله فِي " التوضيح "، وزاد وينبغي أن يرجع عَلَيْهِ بنصف قيمة كراء الأرض التي غرّه فيها (٣). وأما ابن عَرَفَة فقال: هو كما قال فِي الرواية هنا؛ ولكن ذكر ابن يونس فِي الردّ بالعيب ما يدل عَلَى الخلاف فِي ذلك قال ما نصّه: " قال ابن حبيب: لَو زارع بما لا ينبت فنبت شعير صاحبه دون شعيره، فإن دلّس رجع عَلَيْهِ صاحبه بنصف مكيلته من شعيرٍ صحيح ونصف كراء الأرض الذي أبطل عَلَيْهِ، وقاله أصبغ: وقال ابن سحنون مثله إِلا الكراء لَمْ يذكره ". قال ابن عَرَفَة: فظاهر قول ابن سحنون سقوط الكراء، وهو ظاهر قول ابن القاسم فِي " المدونة " فيمن غرّ فِي إنكاح غيره أمة أنّه يغرم للزوج الصداق، ولا يغرم له ما يغرمه الزوج من قيمة الولد (٤)، ونحوه قوله فِي كتاب: " الجنايات ": من باع عبداً سارقاً دلّس فيه، فسرق من المبتاع فردّه عَلَى سيّده بالعيب، فذلك فِي ذمته إِن عتق يوماً ما (٥)، وأظن فِي " نوازل " الشعبي: من باع مطمورة دلّس فيها بعيب التسويس، فخزّن فيها المبتاع؛ فاستاس ما فيها أنّه لا رجوع له عَلَى البائع بما استاس فيها، قال: ولَو إكراها لرجع عَلَيْهِ.

стр. 685

كَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ، أَوْ قَابَلَ بَذْرَ أَحَدِهِمَا عَمَلٌ أَوْ أَرْضُهُ وبَذْرُهُ، أَوْ بَعْضُهُ، إِنْ لَمْ يَنْقُصْ مَا لِلْعَامِلِ عَنْ نِسْبَةِ بَذْرِهِ. قوله: (كَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ ... [إِلَىآخره] (١)) تمثيل لما تصحّ فيه الشركة. أَوْ لأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ، إِلا الْعَمَلَ، إِنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، لا الإِجَارَةِ، أَوْ أَطْلَقَا. قوله: (أَوْ لأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ، إِلا الْعَمَلَ، إِنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، لا الإِجَارَةِ، أَوْ أَطْلَقَا) أشار بِهِ لما فِي " أجوبة " ابن رشد حيث سئل عن رجلين اشتركا فِي الزرع عَلَى أن جعل أَحَدهمَا الأرض والبذر والبقر، والثاني العمل، ويكون الربع للعامل بيده والثلاثة الأرباع لصاحبه هل يجوز ذلك أم لا. فأجاب: " لا يخلو الأمر فيها من ثلاثة أوجه أحدها: أن يعقداها بلفظ الشركة، والثاني: أن يعقداها بلفظ الإجارة، والثالث: أن لا يسميا فِي عقدهما شركةً ولا إجارة؛ [فإن عقداها بلفظ الشركة جازت، وإن عقداها بلفظ الإجارة لَمْ تجز، وإن لَمْ يسميا فِي عقدهما شركة ولا إجارة] (٢)، وإنما قال له: أدفع إليك أرضي وبذري وبقري، وأنت تتولى العمل، ويكون لك ربع الزرع أو خمسه أو جزء من أجزائه، يسميانه فحمله ابن القاسم عَلَى الإجارة فلم يجزه، وإليه ذهب ابن حبيب، وحمله سحنون عَلَى الشركة فأجازها، هذا تحصيل القول عندي فِي هذه المسألة، وقد كَانَ من أدركنا من الشيوخ لا يحصلونها هذا التحصيل، ويذهبون إِلَى أنها مسألة اختلاف جملة من غير تفصيل، وليس ذلك عندي بصحيح " (٣). انتهى. وقد قال اللخمي: اختلف إِذَا كَانَ البذر من عند صاحب الأرض والعمل (٤)، وكانت البقر من عند الآخر، فأجازه سحنون، ومنعه محمد وابن حبيب فقال سحنون إِذَا

стр. 686

اشتركا عَلَى ذلك، عَلَى أن ما أخرج الله تعالى من شيء فلصاحب الأرض [والبذر] (١) ثلثه، ولصاحب العمل ثلثه، وحقّ البقر الثلث، وكانت القيم كذلك جَازَ. اللخمي: ومثله إِذَا كانت البقر من عند صاحب الأرض والبذر ومن عند الآخر العمل، عَلَى أن له الثلث والقيم في ذلك أثلاثاً فهو جائز. وقال محمد فِي مثل هذا هو فاسد، وقد كَانَ يكون عَلَى أصله جائز إِلا أنه (٢) قال: إِذَا سلم المتزارعان (٣) من أن تكون الأرض لواحدٍ والبذر لواحد جازت الشركة إِذَا تساويا، وقال ابن حبيب: إِن نزل ذلك كَانَ الزرع لصاحب الأرض والبذر وللآخر أجرة عمله إِلا أن يقول، تعالى نتزارع عَلَى أن يكون نصف أرضي ونصف بذري ونصف بقري كراءً لنصف عملك، فيكون الزرع بينهما؛ لأن هذا قبض نصف البذر فِي أجرته وضمنه، والصواب فِي جميع هذا الجواز -[كما] (٤) قال سحنون: إِذَا دخلا عَلَى وجه الشركة، وأن يعمل البذر عَلَى أملاكهما، وإِن كَانَ عَلَى أنّه يعمل عَلَى ملك صاحب البذر وللآخر ثلث ما يخرج كَانَ فاسداً قولاً واحداً؛ لأنه أجر نفسه بمجهول ما يكون بعد الخروج. قال ابن عَرَفَة: قوله: فسدت قولاً واحداً. نصٌّ فِي أن إجازة سحنون إنما هي إِذَا كَانَ عَلَى أن يعمل البذر عَلَى أملاكهما. قال ابن عبد السلام: هذه مسألة الخماس ببلدنا، وقد قال فيها ابن رشد: إِن عقداها بلفظ الشركة جاز اتفاقاً، وإِن كَانَ بلفظ الإجارة لَمْ يجز اتفاقاً، فإن عرى العقد من اللفظين فمحلّ الخلاف. ورأي ابن رشد أن هذا تحقيق المذهب، قال ابن عَرَفَة: زعمه أن مسألة عرفنا هي مسألة سحنون ومحمد، فيه نظر من وجوه: الأول: أن مسألتيهما ليس فيها اختصاص ربّ الأرض والبذر بشيء من غلة الحرث، ومسألة عرفنا بإفريقية فِي زمانه وقبله وبعده إنما هي عَلَى أنّ كلّ التبن لربّ الأرض والبذر.

стр. 687

الثاني: أن مسألة سحنون ومحمد أن المنفرد بالعمل أخرج معه البقر، ومسألة عرفنا لا يأتي العامل [٩٣ / ب] فيها إِلا بعمل يد هـ فقط، [وفي] (١) كونه كذلك يصيره أجيراً ويمنع كونه شريكاً، ودلالة كلام ابن رشد فِي المسألة التي سئل عنها عَلَى خلاف ما قلناه، وكذلك قول اللخمي ومثله إِن كَانَ من [عند أَحَدهمَا] (٢) العمل فقط يردّ بمخالفته لأَقْوَال أهل المذهب، وقول ابن يونس: أراهم أنهم جعلوا إِذَا لَمْ يخرج العامل إِلا عمل يده فقط أنّه أجيراً وإِن كافأ عمله ما أخرج صاحبه، وإِن أخرج العامل شيئاً من المال إما بقراً أو بعض الزريعة وإِن قلّ وكافأ ذلك عمل يده ما أخرج الآخر فإنهما شريكان، وهم أهدى للصواب. ابن عَرَفَة: فحقيقة الشركة عدم انفراد أَحَدهمَا بإخراج المال والآخر بإخراج العمل، والإجارة بعكس ذلك. الثالث: ظاهر أَقْوَال أهل المذهب أن شرط الشركة كون العمل فيها مضموناً لا فِي عمل عامل معين، ومسألة عرفنا إنما يدخلون فيها عَلَى أن العمل معين بنفس العامل والحامل عَلَى هذا خوف الاغترار بقوله: فيعتقد فِي مسألة عرفنا قول بالصّحة وليس كذلك. فتأمله منصفاً. ولقد أجاد ونصح شيخ شيوخنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن شعيب بن عمر الهنتاتي الهسكوري حيث سئل عن مسألة الخماس فِي الزرع بجزءٍ معين هل يجوز أم لا؟، وهل ينتهض عذر فِي إباحته بتعذر من يدخل عَلَى غير هذا (٣)؟ فأجاب: بأنها إجارة فاسدة وليست شركة؛ لأن الشركة تستدعي الاشتراك فِي الأصول (٤) التي هي مستند الأرباح وعدم المساعد عَلَى ما يجوز من ذلك لا ينهض عذراً؛ لأن علة الفساد فِي ذلك وأمثاله إنما هي من إهمال حملة الشريعة، ولَو تعرضوا لفسخ عقود ذوي الفساد لما استمروا عَلَى فسادهم، فإن حاجة الضعيف للقوي أشدّ قال الله العظيم

стр. 688

﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٦ - ٨]. انتهى [مختصراً] (١)، ونقلناه فِي: " تكميل التقييد وتحليل التعقيد " أشبع من هذا. تفريع: قال المتيطي: وإِن شرط (٢) ربّ الأرض هدايا فِي العيدين والنيروز والمهرجان وساوى ذلك مَعَ عمل العامل كراء الأرض فهو جائز، ولا يجوز أن يشترط عَلَى العامل جزوراً مذبوحة ولا تيساً خصياً ولا بيضاً ولا حيواناً لا يراد إِلا للحم، ويدخل ذلك كلّه في كراء الأرض بالطعام. ومن الموثقين من يعقد هذه الهدايا عَلَى الطوع بعد الصفقة، ومنهم من يعقدها فِي صفقة أخرى، ويجعل ذلك عوضاً من كراء الدار التي يسكنها لعمارة (٣) الملك، ومنهم من يعقدها شرطاً فِي الصفقة عَلَى ما قدمناه. قال بعض الموثقين: وهو أولى إِذَا كَانَ ذلك كلّه مَعَ عمل العامل مساوياً لكراء الأرض أو يفضل عَلَيْهِ بقليل، وأما الدار إِن سكتا عنها فِي صفقة المزارعة فهما يحملان فيها عَلَى عرف المكان إِذَا طلب ربها كراءها. تكميل: إذا فرعنا عَلَى جواز شركة الخماس فما حكم ما يعطي من جلّابيّه ومأكله؟ ذُكر أن فقهاء فاس سئلوا عنها، فأفتى أبو العباس القباب بالمنع وهو الظاهر فتفسد العقدة باشتراطه، وأفتى أبو عمران العبدوسي بالجواز، وزعموا أنّه وجده لابن العطار، وأفتى أبو موسى عيسى بن علال بأنه يمكن إجراؤها عَلَى إعانة المغارسة، كما أفتى بمنع المزارعة فِي القطن لأعوام لأنها مساقاة ومزارعة. كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ، وتَسَاوَيَا غَيْرَهَا. قوله: (كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ، وتَسَاوَيَا غَيْرَهَا) التشبيه راجع لقوله: (لا الإجارة) قال

стр. 689

فِي " المدونة " فِي المتزارعين يشتركان فيخرج أَحَدهمَا أرضاً لها قدر من الكراء فيلغيها [لصاحبه] (١) ويعتدلان فيما بعد ذلك من العمل والبذر فلا يجوز إِلا أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض، ويكون جميع العمل والبذر بينهما بالسوية أو تكون أرضاً لا خطب لها فِي الكراء كأرض المغرب وشبهها فيجوز أن يلغى كراؤها لصاحبه، ويخرجا ما بعد ذلك بينهما بالسوية (٢). أبو الحسن الصغير: لعلّ أرض المغرب كانت فِي وقته لا خطب لها؛ لقلّة عمارتها، أو أراد أرض برقة، ولم يسثن هنا ما لا خطب له من الأرض لاعتقاده أن استثناء التافه لا يختصّ بالأرض لقوله فِي " توضيحه ": لعلّ ابن الحَاجِب خصص الأرض تبعاً للمدونة، وإِلا فينبغي أن التطوع بالتافه مُطْلَقاً كذلك، وعَلَيْهِ تدل " الرسالة "؛ لأن فيها: " ولَو كانا اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعَلَى الآخر العمل جَازَ إِذَا تقاربت قيمة ذلك " (٣). انتهى؛ مَعَ أنّه لَمْ ينبه هنا عَلَى استثناء التافه جملة. أَوْ لأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وعَمَلٌ عَلَى الأَصَحِّ. قوله: (أَوْ لأَحَدِهِمَا [٩٤ / أ] أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وعَمَلٌ عَلَى الأَصَحِّ) الظاهر أنّه معطوف عَلَى قوله: (كإلغاء الأرض) فهو أَيْضاً مشبه بقوله: (لا الإجارة) وعن (٤) هذا عبّر فِي " توضيحه " بقوله: " إِذَا أخرج أَحَدهمَا البذر والآخر العمل والأرض، فإن كانت الأرض لها خطب لَمْ يجز، وإِن لَمْ يكن لها خطب فقَوْلانِ، الجواز لسحنون، وهو مبني عَلَى جواز التطوع بالتافه فِي العقد، والمنع لابن عبدوس، ورأى أنّه يدخله كراء الأرض بما يخرج منها. ابن يونس: وهو الصواب ". انتهى (٥).

стр. 690

فلعلّ قوله: (عَلَى الأَصَحّ) مصحّف من الأَرْجَح (١). وإِنْ فَسَدَتْ وتَكَافَآ عَملاً، فَبَيْنَهُمَا، وتَرَادَّا غَيْرَهُ، وإِلا فَلِلْعَامِلِ، وعَلَيْهِ الأُجْرَةُ، كَانَ لَهُ بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ، أَوْ أَرْضٌ، أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ. قوله: (وَإِنْ فَسَدَتْ وتَكَافَآ عَملاً، فَبَيْنَهُمَا، وتَرَادَّا غَيْرَهُ، وإِلا فَلِلْعَامِلِ، وعَلَيْهِ الأُجْرَةُ، كَانَ لَهُ بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ، أَوْ أَرْضٌ، أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ) تصوّر أوله ظاهر، واشتمل آخره عَلَى ثلاث صور: الأولى: أن يضيف العامل البذر إِلَى عمله، وإليها أشار بقوله: (كَانَ له بذر مَعَ عمل) وفرض الكلام فِي العامل مغنٍ عن قوله: (مَعَ عمل). الثانية: أن يضيف الأرض إِلَى عمله، وإليه أشار بقوله: (أو أرض) وهو مرفوع عطفاً عَلَى بذر. الثالثة: أن يكون الكلّ من عندهما إِلا العمل، فمن أَحَدهمَا وإليها أشار بقوله: (أو كل لكل) وفهم منه أنّ العامل إِذَا لَمْ يضف لعمله شيئاً كالخماس عندنا لا يكون له الزرع، وإنما له أجرة المثل فِي عمله، وهذا الذي اقتصر عَلَيْهِ هنا عقد فيه قول ابن يونس. قال ابن المواز من قول مالك وابن القاسم: إِن الزرع كلّه فِي فساد الشركه لمن تولى القيام بِهِ كَانَ مخرج البذر صاحب الأرض أو غيره، وعَلَيْهِ إِن كَانَ هو مخرج [البذر كراء أرض صاحبه، وإِن كَانَ صاحبه مخرج] (٢) البذر فعَلَيْهِ له مثل بذره. وإِن وليا العمل جميعاً غرم هذا لهذا مثل نصف بذره، وهذا لهذا مثل كراء نصف

стр. 691

أرضه، وكَانَ الزرع بينهما. قال ابن عَرَفَة فِي نقل ابن يونس: هذا يدلّ عَلَى أن من ولي القيام بِهِ إنما وليه بعمل يده مَعَ شيءٍ آخر، بقر أو بذر، ثم نقل ابن يونس فِي باب بعد هذا عن أبي محمد بن أبي زيد أنّه قال: الذي ذكر محمد عَلَى أصل ابن القاسم أن الزرع لصاحب العمل إِذَا أسلمت الأرض إليه ويغرم مثل البذر لمخرجه، وكراء الأرض لربها، وإِن بعض القرويين اعترضه بأنه لَمْ يوجد لابن القاسم أن من انفرد بالعمل وحده بدون شيء آخر معه يكون له الزرع إنما جعل له الزرع إِذَا انضاف إِلَى ذلك أرض أو بذر ". انتهى. وقد أشار إليه فِي " توضيحه " (١) فدلّ أنّه قصده هنا.

стр. 692

[باب الوكالة] (١) صِحَّةُ الْوَكَالَةِ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ مِنْ عَقْدٍ وفَسْخٍ، وقَبْضِ حَقٍّ وعُقُوبَةٍ، وحَوَالَةٍ، وإِبْرَاءٍ وإِنْ جَهِلَهُ الثَّلاثَةُ وحَجٍّ، ووَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ، وإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ، لا إِنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلاثٍ، إِلا لِعُذْرٍ وحَلَفَ فِي كَسَفَرٍ، ولَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ، ولا لَهُ عِزْلَ نَفْسِهِ، ولا الإِقْرَارُ، إِنْ لَمْ يُفَوِّضْ لَهُ، أَوْ يَجْعَلْ لَهُ ولِخَصْمِهِ اضْطِرَارُهُ إِلَيْهِ قَالَ: وإِنْ قَالَ أَقِرَّ عَنِّي بِأَلْفٍ، فَإِقْرَارٌ، لا فِي كَيَمِينٍ، ومَعْصِيَةٍ كَظِهَارٍ بِمَا يَدُلُّ عُرْفاً. قوله: (كظهار) كذا قَالَ ابن شاس: لا تصحّ بالظهار (٢)؛ لأنه منكر من القول وزور (٣). وخرّج عَلَيْهِ ابن هارون الطلاق. وقَالَ ابن عبد السلام: الأقرب عندي فِي الظهار أنّه كالطلاق، وتعقبه ابن عَرَفَة بما يوقف عَلَيْهِ فِي " مختصره ". لا مُجَرَّدَ وَكَّلْتُكَ، بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ. قوله: (لا مُجَرَّدَ وَكَّلْتُكَ) ابن عبد السلام: اتفق مالك والشافعي عَلَى عدم إفادة الوكالة المطلقة، واختلفا فِي الوصية المطلقة؟ فقال الشافعي: هي فِي مثل الوكالة المطلقة. وقَالَ مالك: هي صحيحة، ويكون للوصي أن يتصرف فِي كلّ شيء لليتيم كوكالة التفويض، ولعلّ الفرق بينهما قرينة الموت، فإن اليتيم محتاج؛ لأن يتصرف له فِي كلّ شيء، فإذا لَمْ يوص عَلَيْهِ أبوه غير هذا الوصي ولم يستثن عَلَيْهِ شيئاً، والسبب الذي لأجله أوصى عَلَيْهِ وهو الحاجة إِلَى النظر عام وجب عموم المسبب ولا كذلك الوكالة، فإن الموكلّ قادر عَلَى التصرف فِي كلّ شيء مما له التصرف فيه ولا بد له من أمرٍ يستبدّ بِهِ عادة فاحتيج من أجل ذلك إِلَى تقييد الوكالة بالتفويض أو بغيره وقد ذكرت هنا فروق ليست بالبينة. وقَالَ ابن عَرَفَة: فلو أتى بلفظ التوكيل مُطْلَقاً كـ: أنت وكيلي، أو وكلتك؛ فطريقان. ابن بشير وابن شاس: لغو، وهو قول ابن الحَاجِب (٤)، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون،

стр. 693

وقَالَ ابن رشد فِي رسم أسلم من سماع عيسى ما نصّه: " وإنما تكون الوكالة مفوضة فِي كلّ شيء إِذَا لَمْ يسم فيها شيئاً، وكذلك الوصية إِذَا قَالَ الرجل: فلان وصيي ولم يزد عَلَى ذلك كَانَ وصياً له فِي كلّ شيء: فِي ماله [٩٤ / ب] وأبضاع بناته؛ ولهذا المعنى قالوا فِي الوكالة: إنها إِذَا طالت قصرت وإِذَا قصرت طالت. ابن عَرَفَة: فظاهر قوله أنّه إِذَا قَالَ: أنت وكيلي أو وكلتك عمّ ذلك وصحّ، وكان تفويضاً. فَيَمْضِي النَّظَرُ، إِلا أَنْ يَقُولَ وغَيْرُ النَّظَرِ، إِلا فِي الطَّلاقِ، وإِنْكَاحِ بِكْرِهِ، وبَيْعِ دَارِ سُكْنَاهُ وعَبْدِهِ، أَوْ يُعَيِّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ، وتَخَصَّصَ، وتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ، فَلا يَعْدُهُ إِلا عَلَى بَيْعٍ، فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وقَبْضُهُ، أَوِ اشْتِرَاءٍ فَلَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ ورَدُّ الْمَعِيبِ، إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ، وطُولِبَ بِثَمَنٍ ومُثْمَنٍ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ كَبَعَثَنِي فُلانٌ لِتَبِيعَهُ، لا لأَشْتَرِي مِنْكَ، وبِالْعُهْدَةِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ، وتَعَيَّنَ فِي الْمُطْلَقِ نَقْدُ الْبَلَدِ ولائِقٌ بِهِ، إِلا أَنْ يُسَمِّيَ الثَّمَنَ، فَتَرَدُّدٌ، وثَمَنُ الْمِثْلِ وإِلا خُيِّرَ، كَفُلُوسٍ، إِلا مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ لِخِفَّتِهِ، وكَصَرْفِ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ إِلا أَنْ يَكُونَ الشَّأْنُ، وكَمُخَالَفَتِهِ [مُشْتَرًى عُيِّنَ، أَوْ سُوقاً، أَوْ زَمَاناً] (١) أَوْ بَيْعِهِ بِأَقَلَّ، أَوِ اشْتِرَائِهِ بِأَكْثَرَ كَثِيراً. قوله: (فَيَمْضِي النَّظَرُ، إِلا أَنْ يَقُولَ وغَيْرُ النَّظَرِ) كذا لابن بشير، وتبعه ابن شاس وابن الحَاجِب (٢) وابن عبد السلام وابن هارون. قَالَ فِي " التوضيح ": وفيه نظر؛ إذ لا يأذن الشرع فِي السفه، فينبغي أن يضمن الوكيل إذ لا يحلّ لهما ذلك. وقَالَ ابن عَرَفَة: مقتضى المذهب منع التوكيل عَلَى غير وجه النظر؛ لأنه فساد، وفِي [البيوع] (٣) الفاسدة من " المدونة ": تقييد بيع الثمر قبل بدو صلاحه بقوله: إِذَا لَمْ يكن فساداً، ونقل اللخمي عن المذهب منع توكيل السفيه.

стр. 694

[لا] (١) كَدِينَارَيْنِ فِي أَرْبَعِينَ وصُدِّقَ فِي دَفْعِهِمَا وإِنْ سَلَّمَ، مَا لَمْ يَطُلْ، وحَيْثُ خَالَفَ فِي اشْتِرَاءٍ لَزِمَهُ، إِنْ لَمْ يَرْضَهُ مُوَكِّلُهُ، كَذِي عَيْبٍ، إِلا أَنْ يَقِلَّ، وهُوَ فُرْصَةٌ، أَوْ فِي بَيْعٍ، فَيُخَيَّرُ مُوَكِّلُهُ. قوله: (لا كَدِينَارَيْنِ فِي أَرْبَعِينَ) كذا فِي بعض النسخ بلا النافية دون الاستثنائية؛ وهو أصوب. ولَو رِبَوِيَّاً بِمِثْلِهِ، إِنْ لَمْ يَلْتَزِمِ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ عَلَى الأَحْسَنِ لا إِنْ زَادَ فِي بَيْعٍ، أَوْ نَقَصَ فِي اشْتِرَاءٍ، أَوِ اشْتَرِ بِهَا فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ونَقَدَهَا وعَكْسُهُ، أَوْ شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهِ اثْنَتَيْنِ لَمْ يُمْكِنْ إِفْرَادُهُمَا وإِلا خُيِّرَ فِي الثَّانِيَةِ [٦٠ / ب]، أَوْ أَخَذَ فِي سَلَمِكَ حَمِيلاً، أَوْ رَهْناً وضَمِنَهُ قَبْلَ عِلْمِكَ بِهِ، ورِضَاكَ. قوله: (ولَو رِبَوِيَّاً بِمِثْلِهِ) أصل هذا قوله فِي كتاب السلم الثاني من " المدونة ": وإِن وكلت رجلاً عَلَى بيع طعام أو عرض، فباعه بغير العين من عرض أو طعام أو غيره، وانتقد فأحبّ إِلَى أن يضمن المأمور حين باع بغير العين إِلا [أن يجيز الآمر فعله ويأخذ ما باع به] (٢). عياض: قيل معنى المسألة: باع الطعام بالعرض أو العرض بالطعام، وأما لَو باع الطعام بالطعام لَمْ يصح تخييره؛ لأنه كَانَ يصير طعاماً بطعام فيه خيار، وحمل بعض القرويين المسألة عَلَى وجهها، وأنّه جائز أن يقبل ما اشترى، ويجيز فعله ولم يعتبر الخيار، وهذا أصل مختلف فيه. وقَالَ اللخمي: اختلف إِذَا باع الطعام بالطعام، فأجاز ابن القاسم للآمر أن يأخذ الطعام الثاني، ومنعه أشهب وقَالَ: ليس للآمر إِلا مثل طعامه، ويباع له الثاني إِن كان فيه فضل، وهذا لئلا يربح الغاصب والمتعدي. انتهى. فقوله فِي " التوضيح ": مثاله لَو قَالَ بعها بقمح، فباعها بفول أو بدراهم، فباعها بذهب، صوابه لَو قَالَ: بع القمح بدراهم، فباعه بفول أو اشتر بالعين سلعة، فصرف العين بعين وجاءه بها.

стр. 695

وفِي ذَهَبٍ فِي بِدَرَاهِمَ، وعَكْسِهِ، قَوْلانِ، وحَنِثَ بِفِعْلِهِ فِي لا أَفْعَلُهُ إِلا بِنِيَّةٍ. قوله: (وفِي ذَهَبٍ فِي بِدَرَاهِمَ) كذا فِي بعض النسخ بإدخال (فِي) عَلَى الباء الجارة لـ (دراهم) عَلَى سبيل الحكاية، وهو صواب. ومُنِعَ ذِمِّيٌّ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَقَاضٍ وعَدَوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ، والرِّضَا بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ، إِنْ دَفَعَ لَهُ الثَّمَنَ، وبَيْعُهُ لِنَفْسِهِ ومَحْجُورِهِ بِخِلافِ زَوْجَتِهِ ورَقِيقِهِ إِنْ لَمْ يُحَابِ. واشْتِرَاءُ مَنْ يَعْتَقَ عَلَيْهِ إِنْ عَلِمَ ولَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ وعَتَقَ عَلَيْهِ، وإِلا فَعَلَى آمِرِهِ، وتَوْكِيلُهُ إِلا أَنْ لا يَلِيقَ بِهِ أَوْ يَكْثُرَ، فَلا يَنْعَزِلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الأَوَّلِ. قوله: (ومُنِعَ ذِمِّيٌّ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَقَاضٍ) أصله فِي كتاب السلم الثاني من " المدونة " لا يجوز لمسلمٍ أن يستأجر نصرانياً إِلا للخدمة، فأما لبيعٍ أو شراءٍ أو تقاضٍ أو ليبضع معه فلا يجوز، وكذلك عبده النصراني (١). ابن يونس: لعملهم بالربا واستحلالهم له. قَالَ بعض القرويين: لأنه فِي وكالته [على الاقتضاء] (٢) يتسلط عَلَى المسلمين بتسليط الوكالة، ويغلظ عليهم إِن منعوه، فكره ذلك لئلا يذل المسلمين. ابن الحَاجِب: وفيها لا يوكل الذمي عَلَى مسلم. (٣) فناقشه ابن عبد السلام وابن عَرَفَة بأنه ليس فيها كونه عَلَى مسلم. وفِي رِضَاهُ إِنْ تَعَدَّى بِهِ تَأْوِيلانِ. قوله: (وفِي رِضَاهُ إِنْ تَعَدَّى بِهِ تَأْوِيلانِ) يريد (٤) فِي سلم (٥). ورِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بِمُسَمَّاهُ. قوله: (ورِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بِمُسَمَّاهُ) (ورضاه) عطف عَلَى نائب (منع) وبمخالفته متعلق (برضاه) وَ (بمسماه) متعلق (بمخالفته) فالمخالفة هنا فِي المسمى فليس بتكرار مَعَ قوله قبل: (والرضا بمخالفته فِي سلم إِن دفع له الثمن) لأن المخالفة

стр. 696

هناك فِي الجنس أو النوع، وقد ذكرهما معاً فِي السلم الثاني من " المدونة " (١). أَوْ بِدَيْنٍ إِنْ فَاتَ، وبِيعَ، فَإِنْ وفَّى بِالْقِيمَةِ أَوِ التَّسْمِيَةِ، وإِلا غَرِمَ، وإِنْ سَأَلَ [الْوَكِيلُ] (٢) غُرْمَ التَّسْمِيَةِ، [أَوِ الْقِيمَةِ] (٣)، ويَصْبِرَ لِقَبْضِهَا، ويَدْفَعَ الْبَاقِي جَازَ، إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَهَا فَأَقَلَّ، وإِنْ أَمَرَ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ فَأَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ أُغْرِمَ التَّسْمِيَةَ أَوِ الْقِيمَةِ، واسْتُؤْنِيَ بِالطَّعَامِ لأَجْلِهِ فَبِيعَ وغَرِمَ النَّقْصَ، والزِّيَادَةُ لَكَ. قوله: (أَوْ بِدَيْنٍ) الوجه عطفه عَلَى (بمخالفته) ويحتمل عَلَى (بمسماه). وضَمِنَ، إِنْ أَقْبَضَ (٤) ولَمْ يُشْهِدْ أَوْ بَاعَ بِكَطَعَامٍ. نَقْداً مَا لا يُبَاعُ بِهِ وادَّعَى الإِذْنَ، فَنُوزِعَ، أَوْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ، فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالتَّلَفِ كَالْمِدْيَانِ، ولَو قَالَ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ: قَبَضْتُ وتَلِفَ، بَرِئَ ولَمْ يَبْرَإِ الْغَرِيمُ، إِلا بِبَيِّنَةٍ، ولَزِمَ الْمُوَكِّلَ غُرْمُ الثَّمَنِ إِلَى أَنْ يَصِلَ لِرَبِّهِ، إِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ لَهُ. قوله: (وَضَمِنَ، إِنْ أَقْبَضَ ولَمْ يُشْهِدْ) كذا فِي بعض النسخ بحذف مفعول (أَقْبَضَ) فيعمّ الدين والمبيع. وصُدِّقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَعِ، فَلا يُؤَخِّرُ لِلإِشْهَادِ. قوله: (وصُدِّقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَعِ، فَلا يُؤَخِّرُ لِلإِشْهَادِ) تبع فِي عدم التأخير للإشهاد ابن الحَاجِب إذ قَالَ: والمصدق فِي الرد ليس له التأخير لعذر الإشهاد (٥). وقال فِي " توضحيه " تبعاً لابن عبد السلام وابن هارون لَو قيل إِن للوكيل والمودع تأخير الدفع حتى يشهد لكان حسناً؛ لأنهما يقَوْلانِ إِذَا لَمْ نشهد تتوجه علينا اليَمِين. قلنا: التأخير لتسقط اليَمِين ولا سيما الوَكِيل للخلاف الذي فيه.

стр. 697

وأما ابن عَرَفَة فقال بعد كلام طويل: الحقّ أن لا تعقّب عَلَى ظاهر لفظ ابن الحَاجِب؛ لأنه يصدق بحمله عَلَى الصور التي يصدق فيها الدافع بغير يمين كالوَكِيل عَلَى قبض شيء يطلبه منه موكله بعد قبضه بمدة طويلة - يصدق فيها الوَكِيل دون يمين. ولأَحَدِ الوَكِيليْنِ الاسْتِبْدَادُ، إِلا لِشَرْطٍ، وإِنْ بِعْتَ وبَاعَ، فَالأَوَّلُ، إِلا بِقَبْضٍ، ولَكَ قَبْضُ سَلَمِهِ لَكَ، إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، والْقَوْلُ لَكَ إِنِ ادَّعَى الإِذْنَ، أَوْ صِفَةً لَهُ، إِلا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ، فَزَعَمْتَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِغَيْرِهِ، وحَلَفَ كَقَوْلِهِ أَمَرْتَ بِبَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ، وأَشْبَهَتْ، وقُلْتَ بِأَكْثَرَ، وفَاتَ الْمَبِيعُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ، أَوْ لَمْ يَفُتْ، ولَمْ تَحْلِفْ. وإِنْ وَكَّلْتَهُ عَلَى أَخْذِ جَارِيَةٍ فَبَعَثَ بِهَا فَوُطِئَتْ، ثُمَّ قَدِمَ بِأُخْرَى، وقَالَ هَذِهِ لَكَ، فَالأُخْرَى وَدِيعَةٌ، وإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وحَلَفَ أَخَذَهَا، إِلا أَنْ تَفُوتَ بِكَوَلَدٍ أَوْ تَدْبِيرٍ، إِلا لِبَيِّنَةٍ، ولَزِمَتْكَ الأُخْرَى، وإِنْ أَمَرْتَهُ بِمِائَةٍ، فَقَالَ: أَخَذْتُهَا بِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفُتْ خُيِّرْتَ فِي أَخْذِهَا بِمَا قَالَ، وإِلا لَمْ يَلْزَمْكَ إِلا الْمِائَةُ، وإِنْ رْدَّتْ دَرَاهِمُكَ لِزَيْفٍ، فَإِنْ عَرَفَهَا مَأْمُورُكَ لَزِمَتْكَ وهَلْ، وإِن قَبَضْتَ؟ تَأْوِيلانِ وإِلا فَإِنْ قَبِلَهَا، حَلَفَتْ وهَلْ مُطْلَقاً؟ أَوْ لِعُدْمِ الْمَأْمُورِ مَا دَفَعْتَ إِلا جِيَاداً فِي عِلْمِكَ ولَزِمَتْهُ؟ تَأْوِيلانِ. قوله: (ولأَحَدِ الوَكِيليْنِ الاسْتِبْدَادُ، إِلا لِشَرْطٍ) كذا قَالَ ابن الحَاجِب، تبعاً لابن شاس (١) فقال ابن عبد السلام: يعني أنّ أمر الوَكِيلين مخالف للوصيين فإنه لا يجوز لأَحَدهمَا الاستبداد. ونحوه لابن هارون فقال ابن عَرَفَة: لا أعرفه لغيرهم، وكذا تعقبه المصنف فِي " توضيحه " فيشبه أن يكون قَالَ هنا: ولا لأحد الوَكِيلين بزيادة لا النافية عطفاً عَلَى قوله: (فلا يؤخر [للإشهاد] (٢)) ولكن سقط للناقل لفظ لا، ويمكن أن يكون اتبع من ذكرنا منشداً بلسان حاله: وهَلْ أنا إلاّ مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ، وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ (٣)

стр. 698

وإِلا حَلَفْتَ (١) كَذَلِكَ، وحَلَفَ الدافع (٢)، وفِي الْمُبَدَّإِ تَأْوِيلانِ. وانْعَزَلَ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ، إِن عَلِمَ، وإِلا فَتَأْوِيلانِ، وفِي عَزْلِهِ [٦١ / أ] بِعَزْلِهِ. ولَمْ يَعْلَمْ خِلافٌ وهَلْ لا تَلْزَمُ، أَوْ إِن وَقَعَتْ بِأُجْرَةٍ أَوْ جُعْلٍ، فَكَهُمَا، وإِلا لَمْ تَلْزَمْ؟ تَرَدُّدٌ. قوله: (وَإِلا حَلَفْتَ كَذَلِكَ، وحَلَفَ الدافع) (٣) كذا هو فِي أكثر النسخ أي: وإِن لَمْ [٩٥ / أ] يقبلها المأمور ولا عرفها حلفت أيها الموكل ما دفعت إِلا جياداً فِي علمك؟ وحلف أَيْضاً الدافع الذي هو الوَكِيل، وهو راجع لما فِي " المدونة " (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 699

[باب الإقرار] يُؤَاخَذُ الْمُكَلَّفُ، بِلا حَجْرٍ بِإِقْرَارِهِ لأُهْلٍ لَمْ يُكَذِّبْهُ، ولَمْ يُتَّهَمْ، كَالْعَبْدِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وأَخْرَسَ (١). قوله: (بِلا حَجْرٍ) أحاله عَلَى ما تقدّم فِي باب الحجر، ومن جملة ذلك قوله: (وحجر عَلَى الرقيق إِلا بإذن) فيفهم منه أن إقرار المأذون له فِي التجارة والمكاتب لازم، وقد قَالَ فِي " النوادر " عن ابن سحنون قَالَ مالك وأصحابه: إقرار المأذون له من عبد أو مدبر أو أم ولد بدين أو وديعة أو عارية أو غصب لازم. ابن مُيَسِّر: وكذا بقراض لَمْ يستنكر (٢). وفِي " الموازية " وكتاب ابن سحنون: إقرار المكاتب جائز ببيعٍ أو دين أو وديعة أو عارية أو بدار فِي يده بكراء المسلم أو كافر حر أو عبد، ولَو أحاط ما أقرّ بِهِ من دين بما فِي يده. وقَالَ ابن عبد الحكم: مثله فِي إقراره بالدين والبيع قَالَ: وإقراره بوديعة لا يحكم بِهِ عَلَيْهِ فيها إِلا أن يعتق وهي فِي يده، فإن تلفت قبل عتقه فلا شيء عَلَيْهِ فيها، ولا يلزمه إقراره بالعارية إِلا أن يعتق فتؤخذ منه، وإِن عجز أخذها سيده، وإقراره بغصبٍ أو جناية فِي غير بدنه لغو، وقاله محمد فِي الغصب والجناية، ونحوه فِي كتاب ابن سحنون. ومَرِيضٍ، إِنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ لِلأَبْعَدِ أَوْ لِمُلاطِفِهِ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَرِثْهُ، أَوْ لِمَجْهُولٍ حَالُهُ كَزَوْجٍ عُلِمَ بُغْضُهُ لَهَا أَوْ جُهِلَ، له (٣) ابْنٌ أَوْ بَنُونَ، إِلا أَنْ تَنْفَرِدَ بِالصَّغِيرِ، ومَعَ الإِنَاثِ والْعَصَبَةِ، قَوْلانِ كَإِقْرَارِهِ لِلْوَلَدِ الْعَاقِّ. قوله: (وَمَرِيضٍ، إِنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ لِلأَبْعَدِ أَوْ لِمُلاطِفِهِ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَرِثْهُ، أَوْ لِمَجْهُولٍ حَالُهُ) الشرط كما قيل: راجع لما بعد الأبعد، واحترز بالأبعد من الأقرب والمساوي والمتوسط بينهما، وقد صرّح بأحكامهم فيما بعد، وقصده اختصار تحصيل ابن رشد فِي ثاني مسألة من

стр. 700

رسم ليرفعن من سماع ابن القاسم من كتاب " المديان والتفليس " (١)، وفِي كثيرٍ من النسخ: إِن لَمْ يرثه بالنفي، وليس بشيء. أَوْ لأُمِّهِ، أَوْ لأَنَّ مَنْ لَمْ يُقَرَّ لَهُ أَبْعَدُ وأَقْرَبُ، لا الْمُسَاوِي والأَقْرَبِ. قوله: (أَوْ لأُمِّهِ) مقتضاه إجراء القولين فِي إقرار الزوج لزوجته إِذَا كَانَ لها منه ولد عاقّ له، فهو فِي معرض الاستثناء من قوله: (أو جهل وله ابن أو بنون) إِلا أن كون الزوجة المقرّ لها أم العاقّ ليس بشرط، بل لا فرق بين أن يكون منها أو من غيرها. قَالَ فِي " المقدمات ": فإن كَانَ الولد الكبير فِي الموضع الذي ترتفع التهمة فيه عن الأبّ فِي إقراره لزوجه عاقاً له لَمْ ترتفع عنه التهمة، وبطل الإقرار عَلَى ما فِي سماع أصبغ من " العتبية "، وإحدى الروايتين فِي " المدونة " وإِن كَانَ بعضهم عاقاً له، وبعضهم باراً له تخرج ذلك عَلَى الاختلاف فِي إقراره لبعض العصبة إِذَا ترك ابنة وعصبة. انتهى (٢). ومثله فِي آخر مسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب " المديان والتفليس " (٣)، وما نسبه للمدونة وهو فِي كتاب " المديان " منها (٤).

стр. 701

كَأَخِّرْنِي لِسَنَةٍ، وأَنَا أُقِرُّ، ورَجَعَ لِخُصُومَتِهِ. [قوله: (كَأَخِّرْنِي لِسَنَةٍ، وأَنَا أُقِرُّ، ورَجَعَ لِخُصُومَتِهِ) التشبيه راجع للمنفي فِي قوله: (لا المساوي والأقرب) وعلى نفي اللزوم يتفرع قوله: (ورجع لخصومته)] (١) والذي فِي " الاستغناء ": فيمن قَالَ لرجلٍ: اقضني المائة التي قبلك فقال: إِن أخرتني بها سنة أقررت لك بها، أو إِن صالحتني عنها صالحتك لَمْ يلزمه ويحلف. ولَزِمَ لِحَمْلٍ (٢)، إِنْ وُطِئَتْ، [لِأَقَلَ مِنْ أَقَلِّهِ] (٣)، وإِلا فَلأَكْثَرِهِ، وسُوِّيَ بَيْنَ تَوْأَمَيْهِ، إِلا لِبَيَانِ الْفَضْلِ بِعَلَيَّ، أَوْ فِي ذِمَّتِي أَوْ عِنْدِي، أَوْ أَخَذْتُ مِنْكَ، ولَو زَادَ إِنْ شَاءَ اللهُ، أَوْ قَضَى، أَوْ وَهَبْتَهُ لِي، أَوْ بِعْتَهُ، أَوْ وَفَّيْتَهُ. قوله: (وَلَزِمَ لِحَمْلٍ، إِنْ وُطِئَتْ، لِأَقَلَ مِنْ أَقَلِّهِ) كذا فِي بعض النسخ وهو الصواب. أَوْ [أَلَيْسَ] (٤) أَقْرَضْتَنِي، أَوْ مَا أَقْرَضْتَنِي أَوْ أَلَمْ تُقْرِضْنِي. قوله: (أو أليس أقرضتني) كذا فِي بعض النسخ وهو الموافق لما فِي الرواية عن كتاب ابن سحنون. أَوْ سَاهِلْنِي. قوله: (أَوْ سَاهِلْنِي) الذي فِي " النوادر " عن ابن سحنون وابن عبد الحكم فيمن قَالَ لرجلٍ: أعطني كذا [فقال] (٥) نفسني بِهِ أو أجلني بِهِ شهراً. أنّه إقرار. قَالَ ابن عَرَفَة: ولفظ ابن شاس عنه: ساهلني فيها (٦)، دون: نفسني بها. لَمْ أجده فِي " النوادر " ولا فِي نقل المازري. انتهى. وتقدّم أخّرني لسنة وأنا أقرّ، ولم يذكره ابن عَرَفَة هنا. أَوِ اتَّزِنْهَا مِنِّي. قوله: (أَوِ اتَّزِنْهَا مِنِّي) الجوهري: يقال وزن المعطي واتزن الآخذ، وهو افتعل قلبوا

стр. 702

الواو تاءً وأدغموا (١). انتهى. ولفظ (مِنِّي) هنا مقصود فلو قَالَ اتزنها ولم يقل مني لكانت مسألة القولين كما قَالَ بعد: (وَفِي حَتَّى يَأْتِيَ وَكِيلِي وشِبْهِهِ، أَوِ اتَّزِنْ، أَوْ خُذْ قَوْلانِ) واختصرها ابن عَرَفَة. قَالَ المازري: ولَو قَالَ له اجلس فزن أو فاتزنها أو انتقد أو انتقدها ففي كونه إقراراً نقل أبي محمد عن ابن سحنون وابن عبد الحكم قَالَ ابن عبد الحكم: اتزنها مني إقرار، وبإسقاط لفظ مني: لغو. أَوْ لأَقْضِيَنَّكَ (٢) الْيَوْمَ. قوله: (أَوْ لأَقْضِيَنَّكَ الْيَوْمَ) فِي بعض النسخ: بلا النافية والفعل الماضي، وفِي بعضها باللام، والمضارع المؤكد، وفِي " النوادر " عن ابن سحنون وابن عبد الحكم ما يدل عَلَى صحتهما قَالَ: من قَالَ لرجلٍ أعطني كذا فقال: نعم أو سأعطيكه (٣) أو أبعث لك بِهِ أو ليس عندي اليوم أو ابعث من يأخذه مني فهو إقرار. انتهى باختصار. ابن عَرَفَة: ويقوّي الأول اقتصاره عَلَيْهِ فِي " توضيحه " ناقلاً عن ابن عبد الحكم لَو قَالَ: والله لا أقضيكها اليوم أو لا أعطيكها أو لا أزنها لك أو لا تأخذها اليوم مني فإقرار. أَوْ نَعَمْ، أَوْ بَلَى، أَوْ أَجَلْ جَوَاباً لأَلَيْسَ لِي عِنْدَكَ؟. قوله: (أَوْ نَعَمْ، أَوْ بَلَى، أَوْ أَجَلْ جَوَاباً لأَلَيْسَ لِي عِنْدَكَ؟) الظاهر أن التقييد بالجواب راجع لهذه الحروف دون ما [٩٥ / ب] قبلها، فهو كقول ابن الحَاجِب: ولو قَالَ أليس لي عندك ألف؟ فقال: بلى أو نعم لزمه (٤). أَوْ لَيْسَ لِي مَيْسَرَةٌ لا أُقِرُّ، أَوْ عَلَيَّ، أَوْ عَلَى فُلانٍ، أَوْ مِنْ أَيِّ ضَرْبٍ تَأْخُذُهَا مَا أَبْعَدَكَ مِنْهَا، وفِي حَتَّى يَأْتِيَ وَكِيلِي وشِبْهِهِ، أَوِ اتَّزِنْ، أَوْ خُذْ قَوْلانِ كَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ فِيمَا أَعْلَمُ، أَوْ أَظُنُّ، أَوْ عِلْمِي، ولَزِمَ إِنْ نُكِرَ فِي أَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، أَوْ عَبْدٍ، ولَمْ أَقْبِضْهُ كَدَعْوَاهُ الرِّبَا، وأَقَامَ بَيِّنَةً أنّه رَابَاهُ فِي أَلْفٍ، لا إِنْ أَقَامَهَا عَلَى إِقْرَارِ الْمُدَّعِي أنّه لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا إِلا الرِّبَا، أَوِ اشْتَرَيْتُ خَمْراً بِأَلْفٍ، أَوِ اشْتَرَيْتُ عَبْداً بِأَلْفٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ.

стр. 703

قوله: (لا أُقِرُّ) لا النافية من كلام المصنف، ومراده: أن من قَالَ أقرّ بصيغة المضارع المثبت لَمْ يلزمه إقرار، ولَمْ أجد هذا الفرع هكذا لأهل المذهب، وإنما رأيت فِي " وجيز " الغزالي: لَو قَالَ أنا أقر بِهِ. فقيل: إنّه إقرار، وقيل: أنّه وعد بالإقرار (١)، والذي فِي " مفيد الحكام " لابن هشام: أن من قَالَ: أقرّ لك بكذا عَلَى أنّي بالخيار ثلاثاً فِي التمادي والرجوع عن هذا الإقرار لزمه [الإقرار] (٢) دماً كَانَ أو طلاقاً. أَوْ أَقْرَرْتُ بِكَذَا وأَنَا صَبِيٌّ. قوله: (أَوْ أَقْرَرْتُ بِكَذَا وأَنَا صَبِيٌّ) هذا خلاف ما فِي نوازل سحنون من الغصب، فيمن قَالَ لرجلٍ: كنت أقررت لك بألف دينار (٣) وأنا صبي [أنّ ذلك يلزمه كما لَو قَالَ: كنت غصبتكها وأنا صبي؛ لكن قَالَ ابن رشد: قوله: (غصبتك ألف دينار وأنا صبي] (٤) لا خلاف فِي لزومه؛ لأن الصبي يلزمه ما أفسد وكسر، وقوله: كنت أقررت لك بألف دينار وأنا صبي. يتخرّج عَلَى قولين أَحَدهمَا: أنّه لا يلزمه ذلك إِذَا كَانَ كلاما نسقاً متتابعاً وهو الأَصَحّ، وعَلَيْهِ يأتي قول ابن القاسم فِي " المدونة ": إِذَا قَالَ لزوجته قد طلقتك وأنا صبي أنّه لا يلزمه شيء، وكذا إِذَا قَالَ: طلّقتك وأنا مجنون؛ إِذَا كَانَ يعرف بالجنون (٥). وإِذَا أقرّ بالخاتم لرجل، وقَالَ الفصّ ليّ، أو بالبقعة وقَالَ: البنيان ليّ، وكان الكلام نسقاً، والثاني أنّه يلزمه وإن كَانَ الكلام نسقاً متتابعاً؛ لأنه يتهم أن يكون استدرك ذلك ووصله بكلامه ليخرج عما أقرّ بِهِ، وعلى ذلك قول ابن القاسم فِي سماع أصبغ فِي تفرقته بين أن يقول: لفلان عليّ ألف دينار، وعَلَى فلان وفلان، وبين أن يقول: لفلان عليّ وعلى فلان وفلان ألف دينار قَالَ: لأن الأول أقرّ عَلَى نفسه بألف دينار فلا يقبل قوله بعد ذلك، وعلى فلان وفلان وإن كَانَ نسقاً.

стр. 704

وعلى قول ابن القاسم فِي هذه المسألة يأتي قول سحنون فِي هذه الرواية، وهو قول ضعيف وما فِي " المدونة " أصحّ وأولى بالصواب، فالمسألتان مفترقتان، وإنما قوله: كنت أقررت لك بألف دينار وأنا صبي مثل قوله: [كنت] (١) استسلفتها منك وأنا صبي؛ لأن الوجهين جميعاً يستويان فِي أنهما لا يلزمانه فِي حال الصبا (٢) ". انتهى. فاعتمد المصنف تصحيح ابن رشد و " إِن كَانَ [خلاف الرواية] (٣)؛ فلذا عطفه عَلَى ما ينتفي فيه اللزوم. كَأَنَا مُبَرْسَمٌ إِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُهُ أَوْ أَقَرَّ اعْتِذَاراً. قوله: (كَأَنَا مُبَرْسَمٌ إِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُهُ) تقدم فوقه كلام ابن رشد، وفي " المفيد " إِذَا قَالَ: أقررت لك بألف درهم ديناً وأنا ذاهب العقل من برسام (٤) نظر: فإن كَانَ يعلم أن ذلك أصابه صدّق، وإن لَمْ يعلم منه فلا يصدّق (٥). أَوْ بِقَرْضٍ شُكْراً أَوْ ذَمَّاً عَلَى الأَرْجَحِ (٦). قوله: (أَوْ بِقَرْضٍ شُكْراً أَوْ ذَمَّاً عَلَى الأَرْجَحِ) هكذا فِي بعض النسخ وهو الصواب إِن شاء الله تعالى قال فِي كتاب " الشهادات ": ومن أقرّ أنّه كَانَ تسلّف من فلان الميّت مالاً، وقضاه إياه، فإن كَانَ ما يذكر من ذلك حديثاً لَمْ يطل زمانه لَمْ ينفعه قوله: قضيت، وغرم لورثته إِلا أن يقيم بينة قاطعة عَلَى القضاء، وإن طال زمان ذلك حلف المقرّ، وبريء إِلا أن

стр. 705

يكون ذلك عَلَى معنى الشكر يقول: جزى الله فلاناً خيراً؛ أسلفني وقضيته، فلا يلزمه فِي هذا شيء مما أقرّ بِهِ، قرب الزمان أو بعد (١). قال ابن يونس: يريد وكذلك إِذَا كَانَ على (٢) معنى الذم، [وقيل إِذَا كَانَ عَلَى معنى الذم] (٣) مثل أن يقول: أساء معاملتي، وضيّق عليّ حتى قضيته، فإنه يغرم، ولا وجه للفرق بين المدح والذم، والصواب أنهما سواء ". انتهى، وعَلَيْهِ فالأَرْجَح راجع للذم فقط، ولو قَالَ كالذم عَلَى الأَرْجَح لجرى عَلَى قاعدته الأكثرية، ونسب ابن محرز واللخمي التفريق بين الشكر والذم لسحنون. وقُبِلَ أَجَلُ مِثْلِهِ فِي بَيْعٍ، لا قَرْضٍ (٤). قوله: (وقُبِلَ أَجَلُ مِثْلِهِ فِي بَيْعٍ، لا قَرْضٍ) أصل هذا قول ابن الحَاجِب، وألف مؤجلة يقبل فِي تأجيل مثلها عَلَى الأَصَحّ بِخِلاف مؤجلة من قرض (٥). قَالَ ابن عَرَفَة: فقبل ابن هارون وابن عبد السلام نقله أن حكم القرض الحلول دون ذكر خلاف فيه، ولا أعرف هذا لغير ابن الحَاجِب، وظاهر لفظ " الواضحة " و " الزاهي ": ألا فرق بين القرض وغيره، بل قبول قوله فِي القرض أقرب وأحرى من قبوله فِي المعاوضة؛ لأن غالب المعاوضة النقد وغالب القرض التأجيل. وتَفْسِيرُ أَلْفٍ فِي كَأَلْفٍ، ودِرْهَمٍ، وخَاتَمٍ فَصَّهُ لِي نَسَقاً، إِلا فِي غَصْبٍ، فَقَوْلانِ، لا بِجِذْعٍ، وبَابٍ فِي لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، أَوِ الأَرْضِ كَفِي عَلَى الأَحْسَنِ، ومَالٌ نِصَابٌ والأَحْسَنُ تَفْسِيرُهُ كَشَيْءٍ، وكَذَا. قوله: (وَتَفْسِيرُ أَلْفٍ فِي كَأَلْفٍ، ودِرْهَمٍ) قطع هنا بقول ابن القصار فِي قبول (٦) تفسير المقرّ وإن خالف جنس المعطوف مُطْلَقاً، وهو نقل صحيح بِخِلاف مقابله، فقد قَالَ فيه
следующие страницы →