← Фикх малики

Фикх малики · id 14605

مختصر خليل - ومعه شفاء الغليل في حل مقفل خليل

ابن غازي

Полный текст (1 058 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

واختصره ابن الحَاجِب فقال: وإِذَا ذبح الشاة ضمن قيمتها (١). وقَالَ محمد: إِذَا لَمْ يشوها فلربها أخذها مَعَ أرشها. ابن عبد السلام: ظاهره أن ليس لربها فِي القول الأول إِلا قيمتها، وذبحها إفاتة، وهو ظاهر ما حكاه غيره، وقبله فِي " التوضيح " (٢). وقَالَ ابن عَرَفَة: ما حكاه من: أن ذبحها فوت يوجب قيمتها لا أعرفه فِي الذبح نصاً بل تخريجاً مما حكى المازري فِي طحن القمح. وفِي رسم الصبرة من سماع يحيي من كتاب " الدعوى والصلح ": من ذبح لرجلٍ شاة فلزمه غرم قيمتها لَمْ يجز لربها أن يأخذ فيها حيواناً من جنسها؛ لأنّ رب الشاة إِذَا لَمْ يفت لحمها مخيّر فِي أخذها مذبوحة وفي أخذ قيمتها حيّة، فيدخله بيع اللحم بالحيوان، فإن فات لحمها فلا بأس بذلك (٣). ابن عَرَفَة: فقبلها ابن رشد ولم يرد فيها شيئاً، ولا ذكر أن (٤) لربها أخذها مذبوحة خلافاً. انتهى. وباقي النظائر تشبيه. أَوْ أَكَلَ بِلا عِلْمٍ، أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ، أَوْ حَفَرَ بِئْراً تَعَدِّياً. قوله: (أَوْ أَكَلَ بِلا عِلْمٍ) لا يريد بِهِ أنّه لا يضمنه (٥) إلا الأكل بل هي مسألة هبة الغاصب يهب الشيء المغصوب، وقد قَالَ فيها بعد هذا: (ووارثه وموهوبه إِن علما كهو وإِلا بُديء بالغاصب)، بهذا تأول فِي " توضيحه " كلام ابن الحَاجِب (٦) تبعا لابن عبد السلام. وقَالَ ابن عَرَفَة: ظاهره أنّه مبدأ فِي ضمانه عَلَى الغاصب، ومقتضى المذهب أنّه كمن وهب غاصباً ما غصبه، ولا أعلم نفس هذه لغير ابن شاس من أهل المذهب (٧) ". انتهى،

стр. 737

ونصّها فِي " وجيز " الغزالي: " ولَو قدم إليه ضيافة ففيه قَوْلانِ؛ لمعارضة الغرور والمباشرة (١). وقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي. قوله: (وقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي) كذا قَالَ ابن شاس وابن الحَاجِب (٢) تقديماً للمباشر زاد ابن عَرَفَة: وكذا نقله الطرطوشي فِي مسألة حل القفص الآتية. إِلا لِمُعَيَّنٍ فَسِيَّانِ. قوله: (إِلا لِمُعَيَّنٍ فَسِيَّانِ) قاله ابن راشد القفصي وابن عبد السلام، ولهما عزاه فِي " التوضيح " (٣). أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ لِئَلا يَأْبَقَ أَوْ عَلَى غَيْرِ عَاقِلٍ، إِلا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّهِ، أَوْ حِرْزاً لِمِثْلِيٍّ، ولَوْ بِغَلاءٍ بِمِثْلِهِ وصَبَرَ لِوُجُودِهِ، ولِبَلَدِهِ ولَوْ صَاحَبَهُ. قوله: (أَوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ لِئَلا يَأْبَقَ) لام التعليل من قوله: (لئلا) متعلقة (بقيد) نبه، بذلك عَلَى قول ابن عبد السلام: شرط فِي " المدونة " (٤) فِي مسألة العبد أن يكون قيد خوف الإباق وهو شرط ظاهر، ولَو قيّد لقصد النكال بالعبد لَمْ يجب عَلَى من حلّه منه ضمان وقبله فِي " التوضيح " (٥). ومُنِعَ مِنْهُ لِلتَّوَثُّقِ، ولا رَدَّ لَهُ كَإِجَازَتِهِ بَيْعَهُ مَعِيباً زَالَ، وقَالَ أَجَزْتُ لِظَنِّ بَقَائِهِ كَنُقْرَةٍ صِيغَتْ، وطِينٍ لُبِنَ، وقَمْحٍ طُحِنَ وبَذْرٍ زُرِعَ، وبَيْضٍ أُفْرِخَ، إِلا مَا بَاضَ، إِنْ حَضَنَ، وعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، وإِنْ تَخَلَّلَ، خُيِّرَ كَتَخَلُّلِهَا لِذِمِّيٍّ، وتَعَيَّنَ لِغَيْرِهِ. قوله: (ولا رَدَّ لَهُ) هذا معروف المذهب، أن ليس لربه جبر الغاصب عَلَى ردّه لبلد

стр. 738

الغصب خلافاً للمغيرة، وهنا ذكر هذا الفرع فِي " التوضيح " (١) كابن عبد السلام وابن عَرَفَة. وإِنْ صَنَعَ كَغَزْلٍ وحَلْيٍ وغَيْرِ مِثْلِيٍّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ، وإِنْ جِلْدَ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ. قوله: (وإِنْ صَنَعَ كَغَزْلٍ وحَلْيٍ وغَيْرُ مِثْلِيٍّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) كذا فِي النسخ التي وقفنا عَلَيْهَا (صنع) بالصاد المهملة والنون، مبنياً للفاعل أو للنائب، فينبغي أن ينصب لفظ (غَيْرُ) عَلَى الأول أو (٢) يرفع عَلَى الثاني عَلَى حسب محل الكاف، وكأنه من باب: (٦١) عَلَفْتهَا تِبْنًا ومَاءً بَارِدًا (٦٢) أي: وفوت غير مثلي، وإنما خصّ الصنعة أولا نظراً إِلَى الغالب، وفرّ بعضهم من هذا التخصيص فضبطه ضيّع بالضاد المعجمة والياء المشددة المثناة من أسفل [١٠٠ / أ] مبنيّاً للفاعل أو للنائب أَيْضاً، وزعم بعضهم أن قوله: (وإِن صنع) إغياء لمسألة تحليل الخمر أي وإِن خلل وهذا معروف الأَقْوَال عند ابن عَرَفَة إذ قَالَ: ففي كونها بتخليلها عند الغاصب له أو لربها. ثالثها إِن تسبب فِي تخليلها لتخريج عبد المنعم، والمعروف ومفهوم تعليل أبي محمد؛ وعَلَيْهِ فصنع بالصاد المهملة والنون مبني للنائب ليس إِلا، و (غير) مجرور عطفاً عَلَى ما بعد الكاف، و (بقيمته) بباء الجر مكان فاء الجواب، والمشبه بِهِ هو قوله: (المثلي ولو بغلاء بمثله) وكأنه قَالَ: وضمن المثلي بمثله كضمان غزل وحلي وغير مثلي بقيمته.

стр. 739

أَوْ كَلْباً ولَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّياً، وخُيِّرَ فِي الأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الْجَانِيَ، فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ الزَّائِدُ مِنَ الْغَاصِبِ فَقَطْ، ولَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ، وغَلَّةُ مُشْتَغَلٍ (١)، وصَيْدُ عَبْدٍ، وجَارِحٍ. قوله: (ولَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّياً) راجع لقوله: (بقيمته يوم غصبه) ورده لـ (الكلب) كما فِي " الشامل " ليس بشيء. وكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ، كَمَرْكَبٍ خربٍ (٢)، وأَخَذَ مَا لا عَيْنَ لَهُ قَائِمَةٌ، ولِلْغَاصِبِ صَيْدُ شَبَكَةٍ ومَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ، وهَلْ إِنْ أَعْطَاهُ فِيهِ مُتَعَدِّدٌ عَطَاءً فَبِهِ؟ أَوْ بِالأَكْثَرِ مِنْهُ ومِنَ الْقِيمَةِ تَرَدُّدٌ وإِنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيْرِهِ [٦٣ / ب] وغَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ، ومَعَهُ أَخْذَهُ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكَبِيرِ حَمْلٍ. قوله: (وَكِرَاءُ أَرْضٍ بُنِيَتْ، كَمَرْكَبٍ خربٍ) أما إِذَا غصب ساحةً لا بناء فيها فبناها فقال اللخمي: لا أعلمهم اختلفوا فيمن غصب أرضاً فبناها ثم سكن أو اغتلّ أنّه لا يغرم سوى غلة القاعة، وحكى الخلاف فِي غاصب البناء الخرب وهو الذي اختصر ابن الحَاجِب فِي قوله: وإِذَا غصب داراً خراباً أو مركباً خراباً فأصلحه فاغتل فقال أشهب: ما زاد فللغاصب (٣) كساحةٍ يعمرها. وقَالَ محمد الجميع للمالك، ووافق أشهب أصبغ. اللخمي: وهو أبين، فيقوم الأصل قبل إصلاحه فينظر ما كَانَ يؤاجر بِهِ ممن يصلحه فيغرمه، وما زاد عَلَى ذلك فللغاصب. ورأى محمد أن جميع الغلة للمغصوب منه، وله أخذ الدار مصلحة ولا شيء عَلَيْهِ إِلا قيمة ما لَو نزعه لكانت له قيمة، ورأى المالك يستحق البناء بقيمته منقوضاً فتكون غلته له. لا إِنْ هَزِلَتْ جَارِيَةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ. قوله: (لا إِنْ هَزِلَتْ جَارِيَةٌ، أَوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ) هذا مقابل قوله: (كَأنَ مات) قَالَ ابن عَرَفَة: وقول ابن الحَاجِب وابن شاس: لَو هزلت الجارية ثم سمنت أو نسي العبد

стр. 740

الصنعة ثم تذكرها حصل الجبر (١): هو كقوله فِي " المدونة ": من اطلع عَلَى عيبٍ قديم فيما ابتاعه فلم يردّه حتى زال فلا ردّ له (٢)، والهزال والنسيان زوالهما فِي المغصوب كذلك، ولا أعرفها نصاً فِي المذهب لغيرهما، بل للغزالي قَالَ فِي " وجيزه ": ولَو هزلت الجارية ثم سمنت أو نسي العبد الصنعة ثم تذكر أو أبطل صنعة الإناء ثم أعاد مثله ففي حصول الجبر وجهان (٣). ابن عَرَفَة: الأَظهَر أن الإناء لا ينجبر بذلك، ومسألة الغصب عندي تجري عَلَى ما تقدم من الخلاف فِي المودع يتعدى عَلَى الوديعة ثم يعيدها لحالها فِي المثلي منها، ومقتضى قوليهما أن الهزال فِي الجارية يوجب عَلَى الغاصب ضمانها ولم أقف عَلَيْهِ لغيرهما، ومفهوم قوله فِي المدونة: من غصب شابة فهرمت فهو فوت (٤). مَعَ قوله فِي السلم الثاني: منها أن الهزال فِي الجارية لغو، بِخِلاف الدابّة (٥)، خلاف ذلك. أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ. قوله: (أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ) بهذا جزم ابن شاس وابن الحَاجِب (٦)، والذي فِي رسم العرية من سماع عيسى من كتاب " العيوب " قَالَ ابن القاسم: من عدا [على] (٧) غلامٍ فخصاه فزاد فِي ثمنه فإنه يقوم عَلَى قدر ما نقص منه الخصاء.

стр. 741

قَالَ ابن رشد: يريد إِذَا لَمْ يرد تضمينه، واختار حبسه، ومعنى قوله: يقوم عَلَى قدر ما نقص الخصاء أي ما نقص منه عند غير (١) أهل الطول من الأعراب وشبههم الذين لا رغبة لهم فِي الخصيان، وقَالَ سحنون: معناه أن ينظر إِلَى عبدٍ دني ينقص من مثله الخصاء، فما نقص منه كَانَ عَلَى الجاني فِي هذا المجني عَلَيْهِ ذلك الجزء من قيمته، وقد تأول بعض الناس ما وقع لمالك فِي رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب: الجراحات أن المعنى فِي ذلك أن ينظر ما تقع الزيادة من قيمته فيجعل ذلك نقصاناً منها يكون عَلَيْهِ غرمه، وذلك بعيد لا وجه له فِي النظر، والذي يوجبه النظر أن يكون عَلَيْهِ إِن خصاه فقطع أنثييه أو ذكره جميع قيمته، وإِن قطعهما جميعاً فقيمته مرتين، كما يكون عَلَيْهِ فِي الحر إِذَا قطع ذكره وأنثييه ديتان قياساً عَلَى قول مالك فِي المأمومة والجائفة والمنقلة والموضحة أن يكون عَلَيْهِ فِي ذلك من قيمته بحساب الجزء من ديته، وابن عبدوس يقول: إِذَا زاده الخصاء فلا غرم عَلَى الجاني، ولا يصح ذلك فِي المذهب، وإنما يأتي عَلَى قياس قول من يقول: أنّه لا شيء عَلَيْهِ فِي المأمومة والجائفة وشبههما مما لا نقصان فيه بعد البرء (٢). قال ابن عبد السلام: كلام ابن رشد فِي هذا الفصل حسن، وقول ابن عبدوس: هذا هو الذي حكاه ابن الحَاجِب، زاد فِي التوضيح تبعاً لابن شاس (٣) ومع هذا اقتصر عَلَيْهِ ههنا، ولابن رشد عَلَيْهَا كلام أطول من هذا فِي رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب الجنايات (٤). أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلاةٍ، أَوْ دَلَّ لِصَّاً، أَوْ أَعَادَ مَصُوغاً عَلَى حَالِهِ، وعَلَى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ كَكَسْرِهِ. قوله: (أَوْ جَلَسَ عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ فِي صَلاةٍ) كذا لابن يونس عن ابن حبيب عن مطرف

стр. 742

وابن الماجشون، [١٠٠ / ب] زاد ابن عَرَفَة: [وأخذ] (١) من قوله فِي " المدونة " ضمان موت فرس أحد المصطدمين فِي مال الآخر وحده ضمان الجالس عَلَى الثوب وحده (٢)، وقاله بعض الموثقين من عند نفسه لا بالأخذ منها، والأَظْهَر كونه منهما كمحرم حبس الصيد المحرم [قتله] (٣). أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فَتَلِفَتِ الذَّاتُ. قوله: (أَوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فَتَلِفَتِ الذَّاتُ) فرض ابن الحَاجِب هذا فِي سكنى الدار فقال: فلو غصبه السكنى فانهدمت الدار لَمْ يضمن إِلا قيمة السكنى (٤). فقال ابن عبد السلام: معناه أنّه غير غاصبٍ للذات؛ لأنه لَمْ يقصد ملك رقبتها فهو متعدٍ، وقد علم الفرق فِي المذهب بين المتعدي والغاصب، وهو حسن لَو طردوه، ولكنهم جعلوا المتعدي عَلَى الدابّة فِي الكراء والعارية ضامناً للرقبة. فإن قيل: المتعدي عَلَى الدابّة ناقل لها، وفِي الدار غير ناقل لها؟ قيل: أسقط أهل المذهب وصف النقل فِي المغصوب عن درجة الاعتبار فِي ضمان الغاصب، وكذا ينبغي فِي المتعدي. قَالَ ابن عَرَفَة: ظاهر لفظ ابن الحَاجِب وشارحه (٥): أنّه لا يضمن الدار ولا شيئاً منها سكن جميعها أو بعضها، وهو خلاف نقل ابن شاس عن المذهب قَالَ: فأمّا لَو غصب السكنى فقط فانهدمت الدار إِلا موضع سكناه لَمْ يضمن، ولَو انهدم مسكنه لغرم قيمته (٦).

стр. 743

والتحقيق فِي ذلك: إجراء المسألة عَلَى حكم تلف المتعدي فيه فِي مدة التعدي بأمرٍ سماوي لا تسبب فيه للمتعدي، وتقدم تحصيله فِي العارية، فنقل ابن الحَاجِب بناء عَلَى لغو ضمانه بذلك، ونقل ابن شاس بناء عَلَى ضمانه بذلك فتأمله، وبهذا يتبين لك ضعف مناقضة ابن عبد السلام بين مسألة التعدي بالسكنى ومسألة التعدي بالركوب؛ لأن الهلاك فِي زمن التعدي بالركوب لا يعلم كونه بغير سبب المتعدي بحال، والهدم يعلم كونه لا بسببه (١)، وقياسه فِي آخر كلامه التعدي عَلَى الغصب واضح ردّه بما فرّق بِهِ أهل المذهب بين التعدي والغصب من ذلك اعتبار لازمي ذاتيهما لازم ذات الغصب قصد تملك الرقبة فلم يغتفر معه فِي الضمان إِلَى نقل، ولازم ذات التعدي البراءة من قصد تملك الذات، فناسب وقف ضمانها عَلَى التصرف فيها بالنقل. أَوْ أَكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً، أَوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ، أَوْ رَجَعَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ ولَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ، ولَهُ فِي تَعَدِّي كَمُسْتَأْجِرٍ كِرَاءُ الزَّائِدِ، إِنْ سَلِمَتْ، وإِلا خُيِّرَ فِيهِ، وفِي قِيمَتِهَا وَقْتَهُ وإِنْ تَعَيَّبَ، وإِنْ قَلَّ كَكَسْرِ نَهْدَيْهَا، أَوْ جَنَى هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ. خُيِّرَ فِيهِ كَصِبْغِهِ فِي قِيمَتِهِ وأَخْذِ ثَوْبِهِ، ودَفْعِ قِيمَةِ الصَّبْغِ، وفِي بِنَائِهِ فِي أَخْذِهِ، ودَفْعِ قِيمَةِ نُقْضِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا. قوله: (أَوْ أَكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيَافَةً) أصل هذا قول ابن شاس: لَو قدم الغاصب الطعام إِلَى المالك فأكله مَعَ الجهل بحاله فإن الغاصب (٢) يبرأ من الضمان، وتبعه ابن الحَاجِب (٣)، ولم يعرفه ابن عرفه لغير من ذكر، وقَالَ: الجاري عَلَى المذهب أن لا يحاسب المغصوب من ذلك إِلا بما يقضى عَلَيْهِ أن لَو أطعمه من ماله مما ليس بسرف فِي حقّ الأكل ". انتهى. وكذا استشكله ابن عبد السلام بأن هذا الطعام قد لا يملكه ربه لأن يأكله؛ لأنه ذو ثمن معتبر، وشأن ربه أكل ما هو دونه لضيق حاله، أو لأنها عادة أمثاله، فينبغي فِي مثل هذه الصورة أن يضمنه الغاصب لربه، ويسقط عنه من قيمته القدر الذي انتفع بِهِ ربه أن لَو

стр. 744

كَانَ من الطعام الذي شأنه أكله، وبنحوه قيد فِي " التوضيح " كلام ابن الحَاجِب فيه بقيد كلامه هنا (١). تنبيه: زاد ابن شاس: بل لَو أكرهه عَلَى أكله فأكله كرهاً لبريء الغاصب، فتبعه ابن الحَاجِب، ولَمْ يتبعه المصنف هنا، وكأنه رأى أن الصواب إجراؤه عَلَى حكم الإكراه المتقدم فِي قوله: أو أكره غيره عَلَى التلف. حسبما قبله فِي " التوضيح " من كلام ابن عبد السلام ونحوه لابن عَرَفَة. وقد ذكر الغزالي فِي " الوجيز " الخلاف فيما لَو غرّ الغاصب المالك فقدم إليه الطعام فأكله قَالَ وهاهنا أولى بأن يبرأ الغاصب، ولم يذكر أكل المالك كرها. ومَنْفَعَةَ الْبُضْعِ، والْحُرِّ بِالتَّفْوِيتِ. قوله: (ومَنْفَعَةَ الْبُضْعِ، والْحُرِّ بِالتَّفْوِيتِ) بنصب منفعة عطفاً عَلَى المثلي، ولفظ التفويت عبارة " الوجيز " و " الجواهر " (٢)، وعبّر عنه ابن الحَاجِب بالاستيفاء إذ قَالَ: وأما البضع فلا يضمن إِلا باستيفائه لا بفواته، ففي الحرة صداق مثلها، وفِي الأمة ما نقصها، وكذلك منفعة الحر (٣). ابن عَرَفَة: قول ابن شاس: لا يضمن إِلا بالتفويت هو مقتضى قوله فِي كتاب السرقة من " المدونة " مَعَ سائر الروايات: إِن رجع شاهدا الطلاق بعد البناء فلا غرم عَلَيْهِمَا (٤)، وكذا فِي متعمدة إرضاع من يوجب رضاعها فسخ نكاحها. قَالَ ابن عبد السلام: فمن منع حرة أو أمة التزويج لَمْ يضمن صداقاً، لا أعلم فيه خلافاً، وتقدم فِي كتاب النكاح ما

стр. 745

قد يتخرج منه خلاف لبعض الشيوخ. ابن عَرَفَة: لا أعرف ما يناسب هذا الأصل وهو: [منع] (١) متعة النكاح تعدياً إِلا قول اللخمي فِي النكاح الثاني. قال فِي " الموازية ": إِن قتل السيّد أمته [قبل البناء فله الصداق، وعَلَيْهِ إِن قتلت الحرة نفسها [فله الصداق] (٢)، وهذا كقوله فِي [١٠١ / أ] " المدونة ": إِن باع السيد أمته] (٣) بموضعٍ لا يقدر الزوج عَلَى جماعها فله الصداق ولا أرى للزوجة فِي جميع ذلك شيئاً إِذَا كَانَ الامتناع منها أو من السيّد إِن كانت أمته (٤)، وإشارة ابن عبد السلام إِلَى تخريجها عَلَى ما اختار اللخمي غير تامٍ؛ لأن اللخمي لَمْ يقل بعدم قيمة المنفعة بالعضو من حيث ذاتها، إنما اختار سقوط عوضها [المالي بعد تقرره عوضاً] (٥) فيها لطالبه بتعمده إتلافها، ولا يلزم من سقوط المال بالتعدي ثبوت المال عن مجرد منفعة العضو؛ لأنه غير مالي ولَمْ يحصل له عوض مالي. وقَالَ ابن هارون: خرج بعضهم أن عَلَيْهِ قيمة ما عطله من المنافع كالدار يغلقها، والعبد يمنع منه سيده، ذكره المازري. قَالَ ابن عَرَفَة: وهذا لا أعرفه للمازري؛ إنما قَالَ إِذَا غاب غاصب عَلَى رائعة شك فِي وطئه إياها، فِي ضمانه إياها قولا الأخوين وابن القاسم، وله فِي كتاب الشهادات لَمْ يختلف المذهب أن شهيدي الطلاق بعد البناء إِذَا رجعا لا غرامة عَلَيْهِمَا، وأوجب الشافعي غرامتهما؛ لإتلافهما منافع البضع وهي مما يقوم كالحقوق المالية. واعتمد أصحابنا عَلَى أن من له زوجتين أرضعت كبراهما صغراهما فحرمتا عَلَيْهِ أنّه لا غرم عَلَيْهَا فيما حرمت بِهِ فرجها عَلَيْهِ، وعَلَى أن من قتل [زوجة رجل] (٦) لا يغرم له ما أتلف عَلَيْهِ من متعة.

стр. 746

وقول ابن شاس وابن الحَاجِب: وفِي الأمة ما نقصها (١). هو نصّ " المدونة " فِي الاستبراء، والأمة كالسلعة عَلَى واطئها غصباً ما نقصها الوطء كانت ثيباً أو بكراً (٢)، ومثله فِي القذف، وقَالَ فِي الرهون منها: إِن وطأ الأمة مرتهنها فعَلَيْهِ ما نقصها وطؤه بكراً كانت أو ثيباً إِن أكرهها (٣)، وكذا إِن طاوعته وهي بكر، فإن كانت ثيباً فلا شيء عَلَيْهِ، والمرتهن وغيره فِي ذلك سواء (٤). ابن عَرَفَة: " وفِي تفرقته فِي الثيب بين وطئه إياها طائعة أو مكرهة نظر، والصواب عكس تفرقته؛ لأنه بوطئه إياها طائعة أحدث فيها عيباً وهو زناها، وليس هو كذلك فِي وطئه إياها مكرهة؛ لأنها غير زانية، وتقدم فِي الرد بالعيب أن زناها عيب ". انتهى. وفِي النظر، نظر؛ فإن الغالب أنها لا تزني طائعة إِلا وقد ألفت ذلك قبل. كَحُرٍّ بَاعَهُ وتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ. قوله: (كَحُرٍّ بَاعَهُ وتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ) أي: كما يضمن دية حر ولَمْ يصرح بالدية لتضمن الحرية لها. قَالَ ابن رشد فِي رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الغصب: وقد روى عن مالك فيمن غصب حراً فباعه أنّه يكلف طلبه، فإن أيس منه أدى ديته إِلَى أهله، ونزلت بطليطلة، فكتب القاضي بها إِلَى محمد بن بشير بقرطبة، فجمع القاضي ابن بشير أهل العلم بها، فأفتوه بذلك، فكتب إليه أن أغرمه ديته كاملة، فقضى عَلَيْهِ بذلك (٥). وغَيْرِهِمَا بِالْفَوَاتِ. قوله: (وغَيْرِهِمَا بِالْفَوَاتِ) أي: وضمن منفعة غير البضع والحر بمجرد الفوات فهو مناقض لمفهوم قوله: (وغلة مستعمل) فكأنه اعتمد المشهور أولا، والمصوب ثانياً.

стр. 747

وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمٍ زَائِداً عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إِنْ ظَلَمَ. قوله: (وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمٍ زَائِداً عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إِنْ ظَلَمَ) (زائداً) مفعول يضمن، وفاعل (ظلم) للشاكي ومفهوم الشرط أنّه إِن لَمْ يظلم لَمْ يغرم الزائد عَلَى قدر أجرة الرسول، بل يغرم قدر أجرة الرسول فقط. أَوِ الجَّمِيعَ. قوله: (أَوِ الجَّمِيعَ) أي: أو يضمن [الجميع] (١) إِن ظلم جميع المغرم من قدر أجرة الرسول والزائد، ومفهوم الشرط أنّه إِن لَمْ يظلم لَمْ يغرم القدر ولا الزائد، وبهذا يتّضح الفرق بين القولين. أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ. قوله: (أَوْ لا؟) أي أو لا يضمن الشاكي الظالم شيئاً، فأحرى إِن لَمْ يظلم فهذا مفهوم موافقة، واللذان قبله مفهوما مخالفة، فقد اشتمل كلامه نصاً ومفهوماً عَلَى أَقْوَال ابن يونس الثلاثة، وأما ابن عَرَفَة فكأنه اقتصر عَلَى طريقة المازري فقال: قَالَ المازري فِي ضمان المتسبب فِي إتلاف بقول كصيرفي يقول فيما علمه زائفاً: طيب، وكمخبر من أراد صبّ زيت فِي إناء علمه مكسوراً بأنه صحيح، وكدالّ ظالماً عَلَى ما أخفاه ربه عنه عَلَيْهِ قَوْلانِ، وعزاهما أبو محمد للمتأخرين، المازري كقول أشهب وابن القاسم فِي لزوم الجزاء عَلَى من دلّ محرماً عَلَى صيدٍ فقتله بدلالته. ولَو شكى رجل رجلاً لظالم يعلم أنّه يتجاوز الحق فِي المشكو ويغرمه مالاً والمظلوم لاتباعه للشاكي عَلَيْهِ ففي ضمان الشاكي ما غرمه المشكو قَوْلانِ، وثالثها قول بعض أصحابنا لا ضمان عَلَيْهِ إِن كَانَ مظلوماً. ومَلَكَهُ إِنِ اشْتَرَاهُ، ولَوْ غَابَ أَوْ غَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يُمَوِّهْ. قوله: (ومَلَكَهُ إِنِ اشْتَرَاهُ، ولَوْ غَابَ) أشار بِهِ إِلَى قوله فِي كتاب الصرف من " المدونة " ولَو غصبك جارية جَازَ أن تبيعها منه وهي غائبة ببلد آخر، وينقدك إِذَا وصفها؛ لأنها فِي

стр. 748

ضمانه، والدنانير فِي ذلك أبين (١). وأشار بالإغياء إِلَى خلاف أشهب القائل: إنما يجوز أن [١٠١ / ب] تبيعها منه وهي غائبة بشرط أن تعرف القيمة، ويبذل ما يجوز فيها، والقَوْلانِ مبنيان عَلَى أصلي السلامة ووجوب القيمة. قال ابن عبد السلام: ودلت هذه المسألة عَلَى أن ليس من شرط بيع المغصوب من الغاصب أن يخرج من يد الغاصب، ويبقى بيد ربه ستة أشهر، فأكثر كما شرطه بعضهم، وقبله فِي " التوضيح " (٢) مَعَ أنّه قَالَ أول البيوع: (وَمَغْصُوبٌ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، وهَلْ إنْ رُدَّ لِرَبِّهِ مُدَّةً تَرَدُّدٌ). ورَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةٍ أَخْفَاهَا، والْقَوْلُ لَهُ فِي تَلَفِهِ ونَعْتِهِ وقَدْرِهِ، وحَلَفَ. قوله: (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةٍ أَخْفَاهَا) أشار بِهِ لقول ابن القاسم فِي " المدونة ": إِلا أن يظهر أفضل من تلك القيمة (٣) [بأمر بيّن فلربها الرجوع بتمام القيمة، وكَانَ الغاصب لزمته القيمة] (٤) فجحد بعضها (٥). عياض: وفِي بعض رواياتها: لرب الجارية أخذها وردّ ما أخذه، وإِن شاء تركها وحبس ما أخذ من القيمة. وحصّل ابن عَرَفَة فيها ثلاثة أَقْوَال الأول: انحصار حقه فِي تمام قيمتها، للمدونة. الثاني: تخييره فيه وفِي أخذها بردّ ما أخذ، وهو الذي أنكره أشهب. والثالث: تخييره فِي أخذها وفِي التمسك بما أخذ فقط لبعض رواياتها. قال: وعبّر المازري عن الأول بالمشهور، ولم يفسّر مقابله، فيحتمل كلاً من الأخيرين، وكَانَ يمضي لنا إجراء القولين عَلَى القول: بعدم التكفير بنفي الصفات بناءً عَلَى أن نفي الصفة الثابتة للموصوف لا يستلزم القول بنفيه، وعَلَى القول بالتكفير بِهِ بناءً عَلَى أن نفي الصفة الثابتة للموصوف يستلزم القول بنفيه.

стр. 749

كَمُشْتَرٍ مِنْهُ، ثُمَّ غَرِمَ لآخِرِ رُؤْيَةٍ، ولِرَبِّهِ إُمْضَاءُ بَيْعِهِ، ونَقْضُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي، وإِجَازَتُهُ وضَمِنَ مُشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمْ فِي عَمْدٍ، لا سَمَاوِيٍّ، وغَلَّةٍ، وهَلِ الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ؟ تَأْوِيلانِ، وإِرْثُهُ، ومَوْهُوبُهُ إِنْ عَلِمَا كَهُوَ، وإِلا بُدِئَ بِالْغَاصِبِ، ورَجَعَ عَلَيْهِ بِغَلَّةِ مَوْهُوبِهِ، فَإِنْ أَعْسَرَ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ. قوله: (كَمُشْتَرٍ مِنْهُ، ثُمَّ غَرِمَ لآخِرِ (١) رُؤْيَةٍ) أي كما يحلف عَلَى التلف مشترٍ من الغاصب لَمْ يعلم بالغصب، ثم يغرم القيمة لآخر رؤية وهذا مبسوط فِي رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الغصب (٢)، وفِي كتاب ابن يونس. ولُفِّقَ شَاهِدٌ بِالْغَصْبِ لآخَرَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ كَشَاهِدٍ بِمِلْكِكَ لآخَرَ (٣) بِغَصْبِكَ. وجُعِلْتَ حَائِزاً، لا مَالِكاً، إِلا أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ، ويَمِينَ الْقَضَاءِ. قوله: (وَلُفِّقَ شَاهِدٌ بِالْغَصْبِ لآخَرَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ كَشَاهِدٍ بِمِلْكِكَ لآخَرَ بِغَصْبِكَ. وجُعِلْتَ حَائِزاً، لا مَالِكاً، إِلا أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ، ويَمِينَ الْقَضَاءِ) هاتان مسألتان، أما الأولى: فقال فيها فِي " المدونة ": وإِن أقمت شاهداً أن فلاناً غصبك هذه الأمة، وشاهداً آخر عَلَى إقرار الغاصب أنّه غصبكها تمت الشهادة (٤). قَالَ أبو الحسن الصغير: أي تمت الشهادة بالغصب ويقضى لك بها من غير يمين القضاء ولم تتم بالملك، إذ قد تكون بيده وديعة أو عارية أو رهنا أو بإجارة. وأما الثانية: فقال فيها فِي " المدونة ": ولَو شهد أَحَدهمَا أنها لك، وشهد آخر أنّه

стр. 750

غصبكها فقد اجتمعا عَلَى إيجاب ملكك [لها] (١)، فيقضى لك بها ولم يجتمعا عَلَى إيجاب الغصب، فإن دخل الجارية نقص كَانَ لك أن تحلف مَعَ الشاهد بالغصب ويضمن الغاصب القيمة (٢)، هكذا اختصرها أبو سعيد وأكثرهم تبعاً لأبي محمد، والذي فِي الأمهات (٣): لَو أني أقمت شاهداً عَلَى أنّه غصبنيها، وأقمت آخر عَلَى أنها جاريتي قَالَ: لا أراها شهادة واحدة، [فإن دخل الجارية نقص حلف مَعَ الذي شهد له أنّه غصبها وأخذ قيمتها إِن شاء. قال عياض: لَمْ يجعلها] (٤) شهادة واحدة فِي الفوات إذ لَمْ يتفقا عَلَى الغصب فيضمنه ولا عَلَى الملك فِي القيام فيأخذها بعد يمين القضاء أنّه لَمْ يفوت، وأنها ملكه إذ لَمْ يشهد شاهد الغصب بالملك التام، وإذ لَو شهد شاهدان بالملك ما حكم له بها حتى يحلف يمين القضاء أنها ما خرجت عن ملكه، ولَو تمت الشهادة عَلَى الغصب رُدت إليه ولم يحلف؛ ولأن الشهادة عَلَى الغصب ليست بشهادة عَلَى الملك إذ يقول: لا أدري أنها ملكه، ولعلها عنده وديعة أو عارية أو رهن أو بإجارة، وإنما رأيته أخذها من يده. وقد ذكر أبو عمران عن أصبغ أن ابن القاسم رجع عما فِي كتاب الغصب وقَالَ: أراها شهادة واحدة إِن لَمْ [تفت الأمة. قَالَ عياض: وهذا كله عندي غير اختلاف، وإنما لَمْ يرها فِي كتاب الغصب شهادة واحدة لما قلناه، وجعلها فِي الرواية الأخرى شهادة واحدة] (٥)، ولم يقل: تامة؛ لأنها توجب فِي قيامها تقدم يدي القائم عَلَيْهَا دون الحكم له بملكها حتى يحلف مَعَ شاهد الملك ويمين القضاء، وحتى لَو جاء آخر بشاهدين عَلَى الملك أو شاهد عَلَيْهِ، وأراد أن يحلف [معه كَانَ أحق بِهِ إِلا أن يحلف هذا] (٦) مَعَ شاهد الملك.

стр. 751

واختلف: هل يمينه مَعَ شاهد الملك معارض لشاهدين بملك غيره أو يرجح عَلَيْهِ الشاهدان، وعَلَى هذه الرواية [١٠٢ / أ] الأخرة فِي المسألة اختصرها أبو محمد وقَالَ: فقد اجتمعا عَلَى إيجاب الملك، ولم يجتمعا عَلَى إيجاب الغصب، واتبعه أكثر المختصرين، وقد قَالَ بعد هذا: إِذَا شهدوا أنّه غصبها منه فقد شهدوا أنها له، وإِن قالوا: لا ندري هي للمغصوب أم لا؟ ثم قَالَ أما كنت ترده عَلَيْهِ، وهذا إنما يريد ردها إليه بتقديم يده عَلَيْهَا عَلَى ما قدمناه ". انتهى. وقد ظهر لك أن قول المصنف: (وجعلت [ذا يد] (١) لا مالكا) راجع للمسألتين، وأن قوله: (إلاَّ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ) خاص بالثانية إذ لا شاهد ملك فِي الأولى. والله تعالى أعلم. وإِنِ ادَّعَتِ اسْتِكْرَاهاً عَلَى غَيْرِ لائِقٍ بِلا تَعَلُّقٍ، حُدَّتْ لَهُ. قوله: (وَإِنِ ادَّعَتِ اسْتِكْرَاهاً عَلَى غَيْرِ لائِقٍ بِلا تَعَلُّقٍ، حُدَّتْ لَهُ) قَالَ ابن رشد فِي كتاب: الغصب من " المقدمات ": إِن ادعت الاستكراه عَلَى رجلٍ صالحٍ لا يليق بِهِ ذلك، وهي غير متعلقة بِهِ، فلا اختلاف أنّه لا شيء عَلَى الرجل، وأنها تحدّ له حدّ القذف وحد الزنا إِن ظهر بها حمل، وأما إِن لَمْ يظهر بها حمل فيتخرج عَلَى وجوب حدّ الزنا عَلَيْهَا عَلَى الاختلاف فيمن أقرّ بوطءِ أمة رجلٍ، [وادعى أنّه اشتراها منه. أو بوطءِ امرأة] (٢) وادعى أنّه تزوجها، فتحدّ عَلَى مذهب ابن القاسم إِلا أن ترجع عن قولها، ولا تحدّ عَلَى مذهب أشهب، وهو نصّ قول ابن حبيب فِي الواضحة " (٣)، وقد أشبع القول فيها، فقف عَلَيْهِ.

стр. 752

والْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِباً، فَإِنْ أَفَاتَ الْمَقْصُودَ كَقَطْعِ ذَنَبِ دَابَّةٍ ذِي هَيْئَةٍ، أَوْ أُذُنِهَا، أَوْ طَيْلَسَانِهِ، أَوْ لَبَنِ شَاةٍ هُوَ الْمَقْصُودُ، أَوْ قَلْعِ عَيْنَيْ عَبْدٍ أَوْ يَدَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُ ونَقْصُهُ، أَوْ قِيمَتُهُ، وإِنْ لَمْ يُفِتْهُ فَنَقْصُهُ كَلَبَنِ بَقَرَةٍ ويَدِ عَبْدٍ أَوْ عَيْنِهِ، وعَتَقَ عَلَيْهِ، إِنْ قُوِّمَ، ولا مَنْعَ لِصَاحِبِهِ فِي الْفَاحِشِ عَلَى الأَرْجَحِ، ورَفَا الثَّوْبَ مُطْلَقاً، وفِي أُجْرَةِ الطَّبِيبِ قَوْلانِ. قوله: (وَالْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِباً) اختصر هنا قول ابن الحَاجِب: وفيها والمتعدي يفارق الغاصب؛ لأن المتعدي جنى عَلَى بعض السلعة، والغاصب أخذها ككسر الصحفة وتحريق الثوب (١). وزاد غالباً، لقول ابن عبد السلام: أنّه لا يعمّ صور التعدي ألا ترى أنّ المكتري والمستعير إِذَا زاد فِي المساقة يكون حكمهما حكم المتعدي لا حكم الغاصب، وكذلك من أودعت عنده دابّة أو ثوب فاستعملهما، فهذا الفرق الذي ذكره عن " المدونة " لا يكفي فِي هذا الموضع. وقبله فِي " التوضيح " (٢). وقَالَ ابن عَرَفَة: قول ابن عبد السلام لا يعمّ صور التعدي بناءً منه عَلَى أن جناية المكتري والمستعير عَلَى الدابة، ويردّ بأن من أجزائها من حيث كونها مأخوذة ملكها وجنايتهما لَمْ تتعلق بِهِ؛ ولذا فرق فِي " المدونة " وغيرها بين هبة العبد وبين هبة خدمته لرجل حياته، ورقبته بعده لآخر فِي زكاة الفطر والجناية (٣)، قَالَ: ومقتضى الروايات أن التعدي هو التصرف فِي شيء بغير إذن ربه دون قصد تملّكه. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 753

[باب الاستحقاق] وإِنْ زَرَعَ فَاسْتُحِقَّتْ فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزَّرْعِ أُخِذَ بِلا شَيْءٍ، وإِلا فَلَهُ قَلْعُهُ، إِنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ. قوله: (وإِلا فَلَهُ قَلْعُهُ، إِنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ) شمل ما تراد له الزرع والمقاثي والبقل وغيرها من جنس ما زرع فيها الغاصب ومن غير جنسه، وهذا خلاف ما لأصبغ فِي " نوازله " من كتاب: كراء الأرضين، وخلاف ما حمل عَلَيْهِ عبد الحقّ وغيره لفظ " المدونة " من أن المراد بالإبان إبان ما زرع فيها الغاصب خصوصاً؛ مَعَ أنّه اقتصر عَلَى ذلك فِي " التوضيح " (١)، ولعله اعتمد هنا عَلَى قول ابن رشد فِي " نوازل " أصبغ المشار إليها: القياس أن يكون له قلعه بعد خروج إبان الزرع إِذَا كانت الأرض مما تصلح للمقاثي والبقل، وتبين أن رب الأرض لَمْ يقصد الإضرار بالغاصب بقلع زرعه، وإنما رغب فِي الانتفاع بأرضه للمقاتي أو البقل، إذ قد تكون المنفعة بذلك أكثر من المنفعة بالزرع. وقد يدلّ عَلَى ذلك قول ابن الماجشون فِي " المجموعة " عن مالك، وقول المغيرة: إِذَا أسبل الزرع فلا يقلع؛ لأنه من الفساد العامّ للناس، ويمنع من قلعه ذلك كما يمنع من ذبح الفتايا مما فيه الحمولة من الإبل والحرث من البقر وذوات الدر من الغنم؛ لأن الزرع إِذَا كَانَ يقلع عندهما ما لَمْ يسبل، ولا شكّ فِي أن إبان حرث الزرع ينقضي قبل أن يسبل الزرع بكثير فقد أوجبا قلع الزرع بعد خروج الإبان، وذلك لا يكون إِلا لمنفعة تكون لصاحب الأرض فِي أرضه بقية العام من مقثاة يضعها فيها أو بقل ... وما أشبه ذلك. وقد روى ابن عبد الحكم عن مالك: أن له أن يقلع الزرع، سواءً قدر أن يزرع أم لا، والأول أحبّ إلينا، وظاهر قوله: أن له أن يقلع الزرع وإِن لَمْ يقدر أن يزرع فِي الأرض شيئاً أصلاً، ومعنى ذلك عندي إِذَا كَانَ ينتفع بذلك بحمام أرضه [١٠٢ / ب] أو لوجهٍ من وجوه المنافع غير الزرع؛ لأنه إِذَا لَمْ يكن له بذلك منفعة بحال فهو بقلعه قاصد للإضرار،

стр. 754

وقد قَالَ رسول الله ﷺ " لا ضرر ولا ضرار " (١). ولَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ، [٦٤ / أ] وإِلا فَكِرَاءُ السَّنَةِ كَذِي شُبْهَةٍ. قوله: (كَذِي شُبْهَةٍ) يريد إِن لَمْ يفت الإبَّان، وأشار بِهِ لقول ابن القاسم فِي " المدونة ": وإن كانت الأرض تزرع فِي السنة مرة، فاستحقها وهي مزروعة قبل فوات إبان الزرع، فكراء تلك السنة للمستحق، وليس له قلع الزرع؛ لأن المكتري زرع بوجه شبهة (٢). أَوْ جُهِلَ حَالُهُ. قوله: (أَوْ جُهِلَ حَالُهُ) قَالَ فِي " المدونة ": وإِذَا كَانَ مكري الأرض لا يعلم أغاصب هو أم مبتاع، فزرعها مكتريها منه، ثم استحقت فمكريها كالمشتري حتى يعلم أنّه غاصب (٣). وفَاتَتْ بِحَرْثِهَا فِيمَا بَيْنَ مُكْرٍ ومُكْتَرٍ، ولِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُهَا، ودَفْعُ كِرَاءِ الْحَرْثِ فَإِنْ أَبَى قِيلَ لَهُ أَعْطِ كِرَاءَ سَنَةٍ، وإِلا أَسْلِمْهَا بِلا شَيْءٍ، وفِي سِنِينَ يُفْسَخُ أَوْ يُمْضِي، إِنْ عَرَفَ النِّسْبَةَ، ولا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي لِلْعُهْدَةِ، وانْتَقَدَ إِنِ انْتَقَدَ الأَوَّلُ، وأَمِنَ هُو والْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ أَوِ الْمَجْهُولِ لِلْحُكْمِ كَوَارِثٍ ومَوْهُوبٍ. قوله: (وفَاتَتْ بِحَرْثِهَا فِيمَا بَيْنَ مُكْرٍ ومُكْتَرٍ) السياق يعطي أن هذا فِي استحقاق الأرض، كالذي قبله والذي بعده؛ وإنما فرضه فِي " المدونة " فِي استحقاق ما أكريت بِهِ فقال: ومن اكترى أرضاً بعبدٍ أو بثوب، ثم استحق أو بما يوزن من نحاس أو حديد بعينه يعرفان وزنه، ثم استحق ذلك، فإن كَانَ استحق قبل أن يزرع أو يحرث انفسخ الكراء، وإِن كَانَ [بعد] (٤) ما زرع أو أحرث فيها عملاً فعَلَيْهِ قيمة كراء الأرض (٥). عياض: هو بين أن نفس الحراثة وإن لَمْ يزرع فوت، وللمكري كراء (٦) المثل كما لَو زرعت،

стр. 755

ولا يختلف أن ذلك كله فوت بين المكري والمكتري، فأنت ترى المصنف قد استعمل هنا عبارة عياض بعينها. ومُشْتَرٍ [مِنْهُ] (١)، إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِخِلافِ ذِي دَيْنٍ عَلَى وَارِثٍ كَوَارِثٍ طَرَأَ عَلَى مِثْلِهِ، إِلا أَنْ يَنْتَفِعَ. وإِنْ غَرَسَ، أَوْ بَنَى قِيلَ لِلْمَالِكِ أَعْطِهِ قِيمَتَهُ قَائِماً، فَإِنْ أَبَى فَلَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الأَرْضِ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكَانِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْحُكْمِ، إِلا الْمُحَبَّسَةَ فَالنَّقْضُ. قوله: (بِخِلافِ ذِي دَيْنٍ عَلَى وَارِثٍ كَوَارِثٍ طَرَأَ عَلَى مِثْلِهِ) لَو قدم طرأ فقال: بِخِلاف ذي دين طرأ عَلَى وارث كوارثٍ عَلَى مثله؛ لاتّضح مراده وظهر تصوّره. وضَمِنَ قِيمَةَ الْمُسْتَحِقَّةِ، ووَلَدَهَا يَوْمَ الْحُكْمِ، وإلا أقَلَّ (٢)، إِن أَخَذَ دِيَّةً لا صَدَاقَ حُرَّةٍ أَوْ غَلَّتَهَا، وإِنْ هَدَمَ مُكْتَرٍ تَعَدِّياً فَلِلْمُسْتَحِقِّ النَّقْضُ وقِيمَةُ الْهَدْمِ، وإِنْ أَبْرَأَهُ مُكْريهِ كَسَارِقِ عَبْدٍ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ. قوله: (وضَمِنَ قِيمَةَ الْمُسْتَحِقَّةِ، ووَلَدَهَا يَوْمَ الْحُكْمِ) لا يخفى أن هذه مستحقة بملك لا بحرية. قَالَ ابن الحَاجِب: وكَانَ مالك يقول لمستحقها أخذها إِن شاء مَعَ قيمة ولدها، ثم رجع فقال قيمتها يوم استحقاقها، ثم رجع فقال: قيمتها وحدها يوم وطئها. قَالَ أشهب: ثم رجع إِلَى القول الأول (٣). قَالَ ابن عبد السلام: والقول الثالث هو الذي أفتى بِهِ مالك لما استحقت أم ولده [إبراهيم قال فِي " التوضيح ": كذا سماه اللخمي والمازري، والذي نقله ابن رشد وعياض أم ولده] (٤) محمد، قيل: وهو الصواب " انتهى (٥)؛ إنما صوّب؛ لأنه لا يعرف له ولد اسمه إبراهيم، وإنما قَالَ فِي " المدارك ": [كان لمالك] (٦) ابنان يحيي ومحمد؛ ولهذا قَالَ أبو الحسن الصغير: لعلّ إبراهيم تصحيف؛ وعَلَى هذا فلا يصحّ قول الشارح فِي " الكبير ": لعلها أمهما معاً.

стр. 756

بِخِلافِ مُسْتَحِقِّ مُدَّعِي حُرِّيَّةٍ، إِلا الْقَلِيلَ، ولَهُ هَدْمُ مَسْجِدٍ. قوله: (بِخِلافِ مُسْتَحِقِّ مُدَّعِي حُرِّيَّةٍ، إِلا الْقَلِيلَ) هذا فِي مقابلة قوله: (لا صداق حرة أو غلتها) فلو وصله بِهِ لكان أولى وإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضٌ فَكَالْعَيْبِ (١). قوله: (وَإِنِ اسْتُحِقَّ بَعْضٌ فَكَالْعَيْبِ) كذا فِي بعض النسخ، وفِي بعضها فكالبيع، والأول أنصّ عَلَى المقصود. ورُجِعَ لِلتَّقْوِيمِ. قوله: (ورُجِعَ لِلتَّقْوِيمِ) أي لا للتسمية، وكذا فِي " المدونة " (٢). ولَهُ رَدُّ أَحَدِ عَبْدَيْنِ اسْتُحِقَّ أَفْضَلُهُمَا بِحُرِّيَّةٍ. قوله: (وَلَهُ رَدُّ أَحَدِ عَبْدَيْنِ [اسْتُحِقَّ أَفْضَلُهُمَا] (٣) بِحُرِّيَّةٍ) كذا فرض الاستحقاق فِي " المدونة ": بحرية (٤). قَالَ أبو الحسن الصغير: ولم يره من باب صفقة جمعت حلالاً وحراماً؛ لأنهما لَمْ يدخلا عَلَى ذلك، فجعل ذلك من قبيل العيوب، وكذلك من اشترى

стр. 757

شاتين مذبوحتين، فوجد إحداهما غير ذكية أو قلّتا خل فوجد إحداهما خمراً أو داراً فوجد بعضها حبساً مقبرة أو غيرها ". انتهى. فكأنه قصد الوجه المشكل. كَأَنْ صَالَحَ عَنْ عَيْبٍ بِآخَرَ، وهَلْ يُقَوَّمُ الأَوَّلُ يَوْمَ الصُّلْحِ أَوْ يَوْمَ الْبَيْعِ؟ تَأْوِيلانِ. قوله: (كَأَنْ صَالَحَ عَنْ عَيْبٍ بِآخَرَ) هذا هو الصواب بكاف التشبيه، فلا يخالف ما فِي " المدونة (١) ". وإِنْ صَالَحَ فَاسْتُحِقَّ مَا بِيَدِ مُدَّعِيهِ رَجَعَ فِي مُقِرٍّ بِهِ لَمْ يِفُتْ، وإِلا فَفِي عِوَضِهِ كَإِنْكَارٍ عَلَى الأَرْجَحِ، لا إِلَى الْخُصُومَةِ. قوله: (وإِنْ صَالَحَ فَاسْتُحِقَّ مَا بِيَدِ مُدَّعِيهِ رَجَعَ فِي مُقِرٍّ بِهِ لَمْ يِفُتْ، وإِلا فَفِي عِوَضِهِ كَإِنْكَارٍ عَلَى الأَرْجَحِ) لا يخلو هذا الكلام من نظر؛ لأنه [إن] (٢) أراد بعوضه قيمة المقرّ بِهِ الفائت إِن كَانَ من ذوات القيم، ومثله إِن كَانَ من ذوات الأمثال فهذا صحيح فِي نفسه، ولكن لا يصحّ تشبيه مسألة الإنكار بِهِ، وإِن أراد بعوضه عوض المستحق فليس بصحيح فِي نفسه، ولكن تشبيه مسألة الإنكار بِهِ صحيح. ومَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَفِي الإِنْكَارِ يَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ [إن لم يفت] (٣)، وإِلا فَبِقِيمَتِهِ، وفِي الإِقْرَارِ لا يَرْجِعُ كَعِلْمِهِ صِحَّةَ مِلْكِ بَائِعِهِ، لا إِنْ قَالَ دَارُهُ، وفِي عَرْضٍ بِعَرْضٍ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ، إِلا نِكَاحاً وخُلْعاً، وصُلْحَ عَمْدٍ، ومُقَاطَعاً بِهِ عَنْ عَبْدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ عُمْرَى، وإِنْ أُنْفِذَتْ وَصِيَّةُ مُسْتَحِقٍّ بِرِقٍّ لَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ وحَاجٌّ إِنْ عُرِفَ بِالْحُرِّيَّةِ، وأَخَذَ السَّيِّدُ مَا بِيعَ، ولَمْ يَفُتْ بِالثَّمَنِ كَمَشْهُودٍ بِمَوْتِهِ، إِنْ عُذِرَتْ بَيِّنَتُهُ، وإِلا فَكَالْغَاصِبِ. قوله: (وَمَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَفِي الإِنْكَارِ يَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ إن لم يفت) كذا ثبت هذا الشرط فِي بعض النسخ، وهو صواب؛ ولذا قَالَ بعده: (وَإِلا فقيمته).

стр. 758

ومَا فَاتَ، فَالثَّمَنُ كَمَا لَو دَبَّرَ، أَوْ كَبِرَ صَغِيرٌ. قوله: (ومَا فَاتَ، فَالثَّمَنُ) هذا مقابل قوله: (ولَمْ يفت) أي: وما فات رجع [١٠٣ / أ] المستحق بثمنه عَلَى من باعه. [باب الشفعة] الشُّفْعَةُ أَخْذُ شَرِيكٍ ولَوْ ذِمِّيَّاً بَاعَ الْمُسْلِمَ لِذِمِّيٍّ كَذِمِّيَّيْنِ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا، أُوْ مُحَبِّساً لِيُحَبِّسَ كَسُلْطَانٍ لا مُحَبَّسٍ عَلَيْهِ، ولَوْ لِيُحَبِّسَ وجَارٍ ولَوْ مَلَكَ تَطَرُّقاً. قوله: (ولَوْ ذِمِّيَّاً بَاعَ الْمُسْلِمَ لِذِمِّيٍّ) كذا هو فيما رأينا من النسخ، والأليق إدخال واو الحال عَلَى جملة باع أي: ولَو كَانَ الشريك الشفيع ذمياً، والحالة أن شريكه المسلم باع لذمي، وبهذا يظهر لك أنّه إنما خصّ البيع لذمي بالذكر؛ لأنه محل الخلاف الذي أشار إليه بلو، وأما البيع لمسلم فمسلم. ونَاظِرِ وَقْفٍ، وكِرَاءٍ، وفِي نَاظِرِ الْمِيرَاثِ. قَوْلانِ مِمَّنْ تَجَدَّدَ مِلْكُهُ اللازِمُ اخْتِيَاراً بِمُعَاوَضَةٍ. قوله: (ونَاظِرِ وَقْفٍ) بهذا قطع فِي التوضيح [أن ليس لناظر وقف المسجد أن يأخذ بالشفعة (١)، وزاد فِي " الشامل "] (٢): عَلَى الأَصَحّ ولا أدري من أين نقله، [وليس] (٣) يدخل ذلك فِي قول ابن رشد فِي رسم كتب من سماع ابن القاسم من كتاب: الشفعة: لَو أراد رجل أجنبي أن يأخذ بالشفعة للحبس كَانَ ذلك له عَلَى قياس ما تقدم فِي المحبس والمحبس عليهم إِذَا أرادوا الأخذ بالشفعة لإلحاقها بالحبس (٤)، وقد قبل هذا الإلزام أبو الحسن الصغير وابن عَرَفَة. ولَوْ مُوصًى بِبَيْعِهِ [٦٤ / ب] لِلْمَسَاكِينِ عَلَى الأَصَحِّ والْمُخْتَارِ. قوله: (وَلَوْ مُوصًى بِبَيْعِهِ لِلْمَسَاكِينِ عَلَى الأَصَحِّ والْمُخْتَارِ) اللخمي عن سحنون: إِذَا

стр. 759

أوصى ببيع نصيبه ليصرف ثمنه فِي المساكين فلا شفعة للورثة فيه. قَالَ: لأنه كَانَ الميت باعه، والقياس أن يستشفع؛ لأن الميت أخّر البيع لبعد الموت، ولوقت لَمْ يقع البيع فيه إِلا بعد ثبوت الشركة، وذكر الباجي قول سحنون ثم قَالَ: والأَظْهَر عندي فِي هذه المسألة: ثبوت الشفعة؛ لأن الموصى لهم وإِن كانوا غير معينين فهم أشراك بائعون بعد ملك الورثة بقية الدار، وقد بلغني ذلك عن محمد ابن الهندي. لا مُوصًى لَهُ بِبَيْعِ جُزْءٍ. قوله: (لا مُوصًى لَهُ بِبَيْعِ جُزْءٍ) أشار بِهِ لقول اللخمي: وإذا أوصى الميت أن يباع نصيب من داره من رجلٍ بعينه، والثلث يحمله لَمْ يكن للورثة فيه شفعة؛ لأن قصد الميت أن يملكه إياه، فالشفعة ردٌّ لوصيته، ثم قَالَ: ولَو أوصى أن يباع من رجلٍ بعينه والشريك أجنبي كانت فيه الشفعة. عَقَاراً، ولَوْ مُنَاقَلاً بِهِ، إِنِ انْقَسَمَ، وفِيهَا الإِطْلاقُ، وعُمِلَ بِهِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ولَوْ دَيْناً، أَوْ قِيمَتِهِ بِرَهْنِهِ وضَامِنِهِ، وأُجْرَةِ دَلاَّلٍ، وعَقْدِ شِرَاءٍ وفِي الْمَكْسِ تَرَدُّدٌ، أَوْ قِيمَةِ الشِّقْصِ فِي كَخُلْعٍ، وصُلْحِ عَمْدٍ. قوله: (عَقَاراً) منصوب عَلَى أنّه مفعول بأخذ شريك، وهو بيان لجنس المأخوذ بالشفعة، ومن لفظ الشريك يعلم أنّه أخذ جزء لا كلّ، فلا يحتاج لما فِي بعض النسخ من وصل لفظ جزء الذي قبله بِهِ منصوباً وجره بإضافته إليه. وجَزَافِ نَقْدٍ، وبِمَا يَخُصُّهُ إِنْ صَاحَبَ غَيْرَهُ، ولَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَاقِي، وإِلَى أَجَلِهِ إِنْ أَيْسَرَ أَوْ ضَمِنَهُ مَلِيءٌ، وإِلا عُجِّلَ الثَّمَنُ، إِلا أَنْ يَتَسَاوَيَا عُدْماً عَلَى الْمُخْتَارِ، ولا يَجُوزُ إِحَالَةُ الْبَائِعِ بِهِ، كَأَنْ أَخَذَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مَالاً لِيَأْخُذَ ويَرْبَحَ، ثُمَّ لا أَخْذَ لَهُ، أَوْ بَاعَ قَبْلَ أَخْذِهِ. قوله: (وَجَزَافِ نَقْدٍ) كذا فِي " الوجيز " و " الجواهر " (١)، وعَلَيْهِ درج ابن الحَاجِب حيث قَالَ: فإن لَمْ يتقوم كالمهر والخلع وصلح العمد ودراهم جزافاً فقيمة الشِقْص يوم

стр. 760

العقد، وقيل فِي المهر صداق المثل، وقيل: يبطل فِي الدراهم (١). ابن عبد السلام: فِي صحة فرض دراهم جزافاً عَلَى المذهب نظر؛ لأن الدنانير والدراهم لا يجوز بيعها جزافاً، وإنما تبع ابن الحَاجِب فيه من تبع الشافعية. ابن عَرَفَة: ظاهر قوله: فِي صحة فرضها عَلَى المذهب نظر. أن كلّ المذهب عَلَى المنع، وقد قَالَ ابن حارث وغيره: أجاز ابن عبد الحكم فِي الدراهم السكيّة الجزاف، وتقدم ما فيها من الخلاف. انتهى. ولَمْ يتتبع بقية كلام ابن عبد السلام؛ لأنه أورد بعد هذا أن يقال: يحمل كلامه عَلَى ما إِذَا كَانَ التعامل بالوزن حيث يجوز الجزاف عَلَى قول، وانفصل بأن ذلك لا يصحّ؛ لأنه لَو كَانَ كذلك لرجع لقيمة الجزاف كما لَو وقع بصبرة طعام فقال فِي " التوضيح ": " يمكن أن يقال: لا يلزم ما ذكره؛ لأن الطعام إِذَا قوّم بالعين يقوّم بما هو الأصل فِي التقويم بِخِلاف الدراهم؛ لأنك إما أن تقومها بعرضٍ أو عين موافق أو مخالف، ففي العرض يلزم منه مخالفة الأصل؛ إذ الأصل [عدم] (٢) تقويم العين بالعرض، وفِي [العين] (٣) الموافق أو المخالف يلزم البدل أو الصرف المستأخر. ولهذا قيل فِي العين: إِن الشفعة تبطل، وهذا وإن كَانَ ممكناً من جهة القيمة، إِلا أن اللخمي نقل خلافه فقال: وإِن كَانَ الثمن جزافاً فقال محمد: إِن اشترى بحليٍ جزافاً فإن الشفيع يشفع بقيمته فإن كَانَ ذهباً قوّم بالفضة أو فضة قوم بالذهب، يريد: والقيمة فِي ذلك يوم الشراء لا يوم الأخذ بالشفعة، وكذلك كل ما اشترى بِهِ جزافاً فالقيمة يوم الشراء " (٤) انتهى نصّ " التوضيح " بلفظه. وليس ببين، وما نقله من نصّ اللخمي يحيل إمكانه. والله سبحانه أعلم.

стр. 761

بِخِلافِ أَخْذِ مَالٍ بَعْدَهُ لِيُسْقِطَ كَشَجَرٍ وبِنَاءٍ بِأَرْضِ حُبُسٍ، أَوْ مُعِيرٍ. قوله: (بِخِلافِ أَخْذِ مَالٍ بَعْدَهُ لِيُسْقِطَ) أي بعد عقد البيع. وقُدِّمَ الْمُعِيرُ بِنَقْضِهِ، أَوْ ثَمَنِهِ، إِنْ مَضَى مَا يُعَارُ لَهُ، وإِلا فَقَائِماً، وكَثَمَرَةٍ، ومَقَاثِ، وبَاذِنْجَانٍ، ولَوْ مُفْرَدَةً، إِلا أَنْ تَيْبَسَ. قوله: (وقُدِّمَ الْمُعِيرُ بِنَقْضِهِ، أَوْ ثَمَنِهِ، إِنْ مَضَى مَا يُعَارُ لَهُ، وإِلا فَقَائِماً) [١٠٣ / ب] قَالَ فِي " المدونة ": وإِذَا بنى رجلان فِي عرصة رجل بإذنه ثم باع أَحَدهمَا حصته من النقض فلرب الأرض أخذ ذلك النقض بالأقل من قيمته أو من الثمن الذي باعه بِهِ، فإن أبى فلشريكه الشفعة فيه بالضرر، والضرر أصل الشفعة (١). عياض: لَمْ يختلف أن رب العرصة مقدم فِي الأخذ عَلَى الشفيع ليس للشفعة لكن لرفع الضرر، ولما جلب فِي " التوضيح " نص " المدونة " هذا نقل قول أبي الحسن الصغير: ظاهرها أنّه يكون عَلَى المعير قيمة النقض مقلوعاً، سواءً مضى زمن تعار تلك الأرض إِلَى مثله أم لا؛ لكن قيّدها أبو عمران بما إِذَا مضى زمن تعار فيه، وإِلا فله قيمة بنائه قائماً وقال: هكذا وقع لسحنون. أبو الحسن الصغير: وهو مشكل؛ لأنه وإن لَمْ يمض أمد تعار إِلَى مثله فقد أسقط حقه فِي بقية المدة لما أراد الخروج فكان مثل ما إِذَا مضى أمد تعار إِلَى مثله ". انتهى نقل " التوضيح " (٢)، وإليه أشار هنا، وما ذكره عن أبي الحسن الصغير قاله عند قوله فِي " المدونة " قبل النص المتقدم: ومن بنى فِي عرصة رجل بأمره، ثم أراد الخروج منها فلربّ العرصة أن يعطيه قيمة النقض أو يأمره بقلعه، فرأى المصنف أن لا فرق، وكأنه يقول هنا وقدم المعير بقيمة نقضه مقلوعاً أو ثمنه إِن مضى ما يعار له، وإِن لَمْ يمض ما يعار له فقيمته قائماً أو ثمنه. والله سبحانه أعلم.

стр. 762

وحُطَّ حِصَّتُهُا إِنْ أَزْهَتْ، أَوْ أُبِّرَتْ. قوله: (وحُطَّ حِصَّتُهُا إِنْ أَزْهَتْ، أَوْ أُبِّرَتْ) أي: إِن كانت يوم البيع مزهية أو مأبورة وأخذ بالشفعة بعد يبسها فإنه لا شفعة له فِي الثمار، ويأخذ الأصل بالشفعة بحصته، ويحطّ عنه ما ينوب الثمرة؛ لأن لها حصة من الثمن، وأما إِن كانت غير مأبورة فلا يحط عنه من الثمن شيء، إذ لا حظَّ لها من الثمن. وفِيهَا أَخْذُهَا مَا لَمْ تَيْبَسْ أَوْ تُجَذَّ. وهَلْ هُوَ اخْتِلافٌ؟ تَأْوِيلانِ. وإِنِ اشْتَرَى أَصْلَهَا فَقَطْ أُخِذَتْ، وإِنْ أُبِّرَتْ ورَجَعَ بِالْمَؤُنَةِ. قوله: (وفِيهَا أَخْذُهَا مَا لَمْ تَيْبَسْ أَوْ تُجَذَّ. وهَلْ هُوَ اخْتِلافٌ؟ تَأْوِيلانِ) الأَظْهَر أن يكون معناه فِي موضع من " المدونة " أخذها ما لَمْ تيبس، وفي موضع آخر منها ما لَمْ تجذ، وكذا هو في الأمهات (١). فقال عياض: قَالَ بعضهم فرق بينهما إِذَا اشتراها مَعَ الأصل فقال يأخذها ما لَمْ تجد، وإِذَا اشتراها بغير أصل قَالَ: الشفعة فيها ما لَمْ تيبس، وعَلَى هذا تأول مذهبه فِي الكتاب، وقَالَ آخرون هو اختلاف من قوله فِي الوجهين فمرة يقول: فِي الوجهين حتى تيبس: ومرة يقول: حتى تجد، وظاهر اختصار ابن أبي زمنين وابن أبي زيد وغيرهما التسوية بين هذه الوجوه، وأن الشفعة فيها ما لَمْ تيبس. لكن ابن أبي زمنين قَالَ: وفِي بعض الروايات فإن كَانَ بعد يبس الثمرة وجدادها، فنبه عَلَى الخلاف فِي الرواية بما ذكره لا غير. انتهى. وأما أبو سعيد فإنه قَالَ فِي الموضع الأول ما لَمْ تيبس قبل قيام الشفيع، وقَالَ فِي الثاني: فإن قام بعد يبس الثمرة أو جدادها لَمْ يكن له فِي الثمرة شفعة (٢). قَالَ أبو الحسن الصغير: هذه الرواية التي ذكرها عياض عن ابن أبي زمنين.

стр. 763

فإن قلت: فيما حملت عَلَيْهِ كلام المصنف تكرار مَعَ قوله أولاً: (إِلا أن تيبس)، ولعل المصنف إنما حاذى اختصار أبي سعيد فأشار لما فِي الموضع الأول بقوله: (إِلا أن تيبس) الأول ولما فِي الموضع الثاني بقوله: (وفيها أخذها ما لَمْ تيبس أو تجذ). قلت: النسج عَلَى منوال الأمهات أصوب وأجرى مَعَ قوله: (وهل هو اختلاف؟ تَأْوِيلانِ) وكَبِئْرٍ لَمْ تُقْسَمْ أَرْضُهَا، وإِلا فَلا، وأُوِّلَتْ أَيْضاً بِالْمُتَّحِدَةِ، لا عَرْضٍ، أَوْ كِتَابَةٍ ودَيْنٍ، وعُلْوٍ عَلَى سُفْلٍ وعَكْسِهِ. قوله: (وكَبِئْرٍ لَمْ تُقْسَمْ أَرْضُهَا، وإِلا فَلا، وأُوِّلَتْ أَيْضاً بِالْمُتَّحِدَةِ) اختصر هنا بعض كلام ابن رشد إذ قَالَ فِي سماع يحيي: لا خلاف أعلمه فِي المذهب فِي إيجاب الشفعة فِي الماء إِذَا بيع مَعَ الأرض أو دونها ولم تقسم الأرض، واختلف فِي إيجاب الشفعة فيه إِذَا قسمت الأرض فقال فِي " المدونة ": لا شفعة فيه قَالَ فِي هذه الرواية: إِن فيه الشفعة فذهب سحنون وابن لبابة إِلَى أنّ ذلك ليس باختلاف من القول إِلا أنهما اختلفا فِي تأويل الجمع بينهما فقال سحنون: معنى مسألة " المدونة " أنها بئر واحدة فلا شفعة فيها إذ لا تنقسم، ومعنى رواية يحيي هذه أنها آبار كثيرة؛ لأنها (١) تنقسم لأن الشفعة تكون فيما ينقسم دون ما لا ينقسم. [١٠٤ / أ] وقَالَ ابن لبابة معنى مسألة " المدونة ": أنها بئر لا فناء لها ولا أرض، ومعنى رواية يحيي أن لها فناء وأرضا مشتركة يكون فيها القلد وذهب الباجي إِلَى أنّه اختلاف من القول (٢) جار عَلَى الخلاف فِي الشفعة فيما لا ينقسم كالنخلة أو الشجرة [بين النفر، إذ لا تنقسم العين والبئر كما لا تنقسم النخلة والشجرة] (٣). وكَانَ من أدركت من الشيوخ يقول: أنّه اختلاف من القول جارٍ عَلَى اختلاف قول مالك فيما هو متعلق بالأرض ومتشبث بها كالنقض والنخل دون الأرض، وكالكراء أو ما أشبه ذلك وهو أبين وأولى (٤).

стр. 764

فإن حملنا المتحدة فِي كلام المصنف عَلَى غير المتعددة وغير ذات الفناء ولَو بنوع تجوّز كَانَ تلويحاً بقولي من جعله وفاقاً، كما أن مفهوم (أَيْضاً) تلويح بقولي من جعله خلافاً، وفِي الإشارة ما يغني عن الكلم. وزَرْعٍ، ولَوْ بِأَرْضِهِ، وبَقْلٍ. قوله: (وزَرْعٍ، ولَوْ بِأَرْضِهِ) قَالَ فِي " المدونة ": ولم يكن له فِي الزرع شفعة؛ لأنه غير ولادة والثمرة ولادة (١). وعَرْصَةٍ، ومَمَرٍّ قُسِمَ مَتْبُوعُهُ. قوله: (وعَرْصَةٍ، ومَمَرٍّ قُسِمَ مَتْبُوعُهُ) ينبغي أن يرجع ضمير متبوعه لهما؛ ولكنه أفرده عَلَى ملاحظة ما ذكر. وحَيَوَانٍ إِلا فِي كَحَائِطٍ وإِرْثٍ، وهبةٍ بِلا ثَوَابٍ، وإِلا فبه (٢) بَعْدَهُ، وخِيَارٍ إِلا بَعْدَ مُضِيِّهِ، ووَجَبَتْ لِمُشْتَرِيهِ، إِنْ بَاعَ نِصْفَيْنِ خِيَاراً ثُمَّ بَتْلا (٣) فَأَمْضَى، وبَيْعِ فَاسِدٍ، إِلا أَنْ يَفُوتَ، فَبِالْقِيمَةِ، إِلا بِبَيْعٍ صَحَّ، فَبِالثَّمَنِ فِيهِ. قوله: (وحَيَوَانٍ إِلا فِي كَحَائِطٍ) فِي " المقدمات ": " وأما رقيق الحائط والرحا - أي حجر الرحا - فإنما الاختلاف فِي وجوب الشفعة فيهما إِذَا بيعا مَعَ الأصل، فإذا انفرد البيع فيهما عن الأصل لَمْ يكن فيهما شفعة باتفاق (٤) " انتهى. وله مثله فِي سماع عيسى (٥). ابن عَرَفَة: هذا خلاف قول اللخمي: اختلف فِي رحا الماء ورحا الدوابّ إِذَا بيعت بانفرادها أو مَعَ الأرض، ويختلف عَلَى هذا فِي رقيق الحائط ودوابّه إِذَا بيعت مَعَ الأصل أو بانفرادها. ابن عَرَفَة: والرحا أشبه بالأرض من الحيوان الباجي عن " الموازية ": لَو اقتسما الحائط، ثم

стр. 765

باع أَحَدهمَا حظّه من الرقيق والآلة فلا شفعة فيه للآخر. أبو محمد عن " الموازية ": " لو (١) بيع شيء من ذلك عَلَى حدته ففيه الشفعة ما دام الأصل لَمْ ينقسم ". انتهى. وأما الشفعة فِي نفس دابّة بيت الرحا والمعصرة فلم أر من ذكرها، فانظر ما فائدة الكاف فِي قول المصنف: (كحائط). وتَنَازُعٍ فِي سَبْقِ مِلْكٍ، إِلا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدُهُمَا، وسَقَطَتْ إِنْ قَاسَمَ. قوله: (وَتَنَازُعٍ فِي سَبْقِ مِلْكٍ، إِلا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدُهُمَا) تصورها ظاهر، ونصّ عَلَيْهَا ابن شاس، وتبعه ابن الحَاجِب (٢). قَالَ ابن عَرَفَة: لا أعرفها بنصها لأحد من أهل المذهب، وإنما هو نصّ " وجيز " الغزالي، فأضافها ابن شاس للمذهب، وأصول المذهب لا تنافيها، وهي كاختلاف المتبايعين فِي كثرة الثمن وقلته. أَوِ اشْتَرَى، أَوْ سَاوَمَ، أَوْ سَاقَى. قوله: (أَوِ اشْتَرَى) هذا المذهب، وذكر ابن شاس وابن الحَاجِب: أن أشهب يخالف فيه (٣)، وقَالَ ابن عبد السلام: لا يتصور فيه اختلاف؛ لأنه إِذَا اشترى منه فإن شفع بالصفقة الأولى فذلك يستلزم فسخ الثانية مَعَ إبطال الصفقة الأولى، ودليل الرضا بها موجود وإِن شفع بالصفقة الثانية فقد أبطلها أَيْضاً، ولا فائدة فِي الانتقال من الشراء الثاني إِلَى الشفعة بثمنه، وكذلك أنكر هذا الخلاف ابن عَرَفَة وقَالَ: العجب من شيخنا السّطي فِي عدم تعقبه ذلك عَلَى ابن شاس فِي مسائله التي تعقبها عَلَيْهِ. أَوِ اسْتَأْجَرَ، أَوْ بَاعَ حِصَّتَهُ أَوْ سَكَتَ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ. قوله: (أَوِ اسْتَأْجَرَ) زاد فِي " التوضيح " ويؤخذ من إسقاطه فِي " المدونة " الشفعة

стр. 766

بالكراء أن الشفيع إِذَا قاسم المبتاع الأرض للحرث أنّه تسقط شفعته؛ لأن كل واحد أكرى نصيبه من صاحبه، وقاله ابن عبد الغفور، ولو قاسمه الغلة فقال ابن القاسم: لا تسقط، وقَالَ أشهب: تسقط كما لَو قاسمه بالخرص فيما يخرص للحاجة، وأما إِن جذت الثمرة فاقتسماها بالكيل فلا يقطع ذلك الشفعة (١). أَوْ شَهْرَيْنِ، إِنْ حَضَرَ الْعَقْدَ، وإِلا سَنَةً كَأَنْ عَلِمَ فَغَابَ، إِلا أَنْ يَظُنَّ الأَوْبَةَ قَبْلَهَا، فَعِيقَ، وحَلَفَ إِنْ بَعُدَ وصُدِّقَ إِنْ أَنْكَرَ عِلْمَهُ لا إِنْ غَابَ أَوَّلاً، أَوْ أَسْقَطَ لِكَذِبَ فِي الثَّمَنِ، وحَلَفَ. قوله: (أَوْ شَهْرَيْنِ، إِنْ حَضَرَ الْعَقْدَ) يريد أن من سكت شهرين ثم قام بعدهما يطلب الشفعة فإن شفعته تسقط إِن كَانَ حضر عقد الشراء وكتب شهادته فيه، وهذه طريقة ابن رشد، فإنه قَالَ فِي رسم البزّ من سماع ابن القاسم: تحصيل هذه المسألة أنّه إِن لَمْ يكتب شهادته، وقام بالقرب مثل الشهر والشهرين كانت له الشفعة دون يمين، وإن لَمْ يقم إِلا بعد السبعة أو التسعة أو السنة عَلَى ما فِي " المدونة " كانت له الشفعة بعد يمينه أنّه لَمْ يترك القيام راضياً بإسقاطه حقه، وإِن طال [١٠٤ / ب] الأمر أكثر من السنة لَمْ تكن له شفعة. وأما إِن كتب شهادته وقام بالقرب العشرة الأيام ونحوها كانت له الشفعة بعد يمينه، وإِن لَمْ يقم إِلا بعد الشهرين لَمْ تكن له شفعة (٢). تنبيهان: الأول: قد علمت من كلام ابن رشد هذا أن الوصف المعتبر فِي إسقاط شفعة الساكت شهرين هو كتب شهادته فِي رسم الشراء الذي هو أخص من حضور العقد، فلو قَالَ المصنف: إِن كتب شهادته فيه لكان أولى. الثاني: قبل ابن عبد السلام تحصيل ابن رشد، وقال أبو الحسن الصغير وابن عَرَفَة: قول ابن رشد: إِن كتب شهادته ولم يقم إِلا بعد شهرين فلا شفعة له خلاف ظاهر " المدونة "؛ لأنه

стр. 767

لَمْ يجعل فيها لكتب الشهادة فِي عقد الشراء تأثيراً إذ قَالَ فيها: والشفيع عَلَى شفعته حتى يترك أو يأتي من طول الزمان ما (١) يعلم أنّه تارك لشفعته، وإِذَا علم بالاشتراء فلم يطلب شفعته سنة فلا يقطع ذلك شفعته وإِن كَانَ قد كتب شهادته فِي الاشتراء، ومثله فِي " التوضيح " (٢)؛ مَعَ أنّه قطع هنا بقول ابن رشد. وللمتيطي فِي المسألة كلام ينبغي أن يوقف عَلَيْهِ. أَوْ فِي الْمُشْتَرَى، أَوْ فِي الْمُشْتَرِي، أَوِ انْفِرَادِهِ، [عليه] (٣). قوله: (أَوْ فِي الْمُشْتَرَى [أَوْ فِي الْمُشْتَرِي] (٤)) يغلب عَلَى الظن أن المصنف هكذا قاله بلفظين الأول اسم مفعول والثاني اسم فاعل لعود الضمير من قوله بعده: (أو انفراده (٥) عَلَيْهِ)، ولعل الناسخ من المبيضة ظن التكرار فأسقط أحد اللفظين. أَوْ أَسْقَطَ وَصِيٌّ أَوْ أَبٌ بِلا نَظَرٍ. قوله: (أَوْ أَسْقَطَ وَصِيٌّ أَوْ أَبٌ بِلا نَظَرٍ) قَالَ فِي " المدونة ": ولو سلم من ذكرنا من أب أو وصي أو سلطان شفعة الصبي لزمه ذلك، ولا قيام له إِن كبر (٦). قَالَ فِي: " الوثائق المجموعة " وغيرها: إِلا أن يكون الأخذ نظراً وسداداً فيكون له الأخذ، قَالَ أبو الحسن الصغير: وظاهر الكتاب سواءً كَانَ الآخذ نظراً أم لا، وبِهِ قَالَ أبو عمران فِي الأب والوصي دون السلطان، وسبب الخلاف: هل الشفعة استحقاق أو بمنزلة الشراء.

стр. 768

وشَفَعَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِيَتِيمٍ آخَرَ. قوله: (وشَفَعَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِيَتِيمٍ آخَرَ) هكذا هو مصدَّر بالواو لا بأو، وأشار بِهِ لما فِي " النوادر " عن " الموازية "، وهو لعبد الملك فِي " المجموعة " أن الوصي إِذَا باع شِقْصا لأحد الأيتام فله الأخذ بالشفعة لبقائهم، لا يدخل فيه من بيع عَلَيْهِ، ولا حجة عَلَى الوصي بأنه بائع؛ لأنه باع عَلَى غيره. محمد: ولَو كَانَ له معهم شِقْص لدخل فِي تلك الشفعة أحب إلي، وينظر فإن كَانَ خيراً لليتيم أمضى وإِلا ردّ لتهمته أن يغتزي بالبيع رخصا لأخذه بالشفعة. قَالَ فِي " التوضيح ": وكذلك إِذَا باع نصيب نفسه وأراد أخذه ليتيمه فلابد من نظر القاضي (١). قال ابن عبد السلام: ولابد من مراعاة موجب بيع عقار اليتيم وأن يكون الشِقْص المبيع لليتيم لا يقلّ ثمنه إِذَا بيع مفرداً عمّا لَو بيع الجميع، وأما لَو كَانَ وهو الغالب عَلَى الرباع إِذَا بيع الجميع كَانَ أوفر لنصيب اليتيم لبيع الجميع. أَوْ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ وحَلَفَ وأَقَرَّ (٢) بَائِعُهُ، وهِيَ عَلَى الأَنْصِبَاءِ، وتُرِكَ لِلشَّرِيكِ حِصَّتُهُ، وطُولِبَ بِالأَخْذِ بَعْدَ اشْتِرَائِهِ لا قَبْلَهُ، ولَمْ يَلْزَمْهُ إِسْقَاطُهُ، ولَهُ نَقْضُ وَقْفٍ كَهِبَةٍ، وصَدَقَةٍ والثَّمَنُ لِمُعْطَاهُ، إِنْ عَلِمَ شَفِيعُهُ، لا إِنْ وَهَبَ دَاراً فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهَا. قوله: (أَوْ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ وحَلَفَ وأَقَرَّ بَائِعُهُ) هذا من المسقطات فلعلّ الناقل من المبيضة وضعه فِي غير محله. ومُلِكَ بِحُكْمٍ أَوْ دَفْعِ ثَمَنٍ، أَوْ إِشْهَادٍ. قوله: (ومُلِكَ بِحُكْمٍ أَوْ دَفْعِ ثَمَنٍ، أَوْ إِشْهَادٍ) أصل هذا قول ابن شاس ما نصّه: " الباب الثالث فِي كيفية الأخذ والنظر فِي أطراف الأول فيما يملك بِهِ ويملك بتسليم الثمن وإِن لَمْ يرض المشتري ويقضي القاضي له بالشفعة عند الطلب وبمجرد الإشهاد عَلَى الأخذ

стр. 769

وبقوله: " أخذت وتملكت ثم يلزمه إِن كَانَ علم بمقدار الثمن، وإِن لَمْ يكن علم لَمْ يلزمه " (١) فقال ابن الحَاجِب فِي " اختصاره ": ويملك بتسليم الثمن أو بالإشهاد أو بالقضاء (٢)، فقال ابن عبد السلام: يعني أن الشفعة يملكها الشفيع بأحد هذه الوجوه الثلاثة، ومراده بالإشهاد أنّه بمحضر المشتري وإِلا فلا معنى له. ويصلح أن يفسر هذا الموضع بما نقل ابن يونس عن ابن المواز: أنّه إِذَا أخره السلطان بالثمن اليومين والثلاثة فلم يأت بِهِ إِلَى ذلك الأجل فالمشتري أحقّ بها، وقَالَ عن أشهب وهو لابن القاسم فِي " العتبية ": أنّه إِذَا طلب التأخير بعد الأخذ فأخّر ثم بدا له وأبى المشتري [١٠٥ / أ] أن يقيله فالأخذ قد لزم الشفيع، فإن لَمْ يكن له مال بيع حظه الذي استشفع فيه وحظه الأول حتى يتم للمشتري جميع حقّه ولا إقالة له إِلا برضى المشتري. وقَالَ ابن رشد: يعني فِي سماع يحيي: " إِذَا وقّف الإمام الشفيع فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقول الشفيع قد أخذت، ويقول المشتري: وأنا قد سلّمت، فيؤجله الإمام فِي دفع المال للشفيع (٣) فلا يأتي بِهِ، فليس لأَحَدهمَا أن يرجع عما التزمه ويحكم عَلَى الشفيع بما قدمناه عن " العتبية " قَالَ: والوجه الثاني: أن يوقفه الإمام فيقول قد أخذت ويسكت المشتري ويؤجله فِي الثمن فلا يأتي بِهِ فهذا إِن طلب المشتري أن يباع له فِي الثمن ملك الشفيع فذلك له، وإِن أحبّ أن يأخذ شقصه كَانَ له ذلك، ولا خيار للشفيع عَلَى المشتري، وهذا الوجه فِي " المدونة ". والثالث: أن يقول الشفيع: أنا آخذ ولا يقول قد أخذت، فيؤجله الإمام فِي الثمن، فاختلف فيه إِذَا لَمْ يأت بالثمن، فقيل: يرجع الشِقْص إِلَى المشتري إِلا أن يتفقا عَلَى إمضائه للشفيع وابتاعه بالثمن، وقيل: إِن أراد المشتري أن يلزم الشفيع الأخذ كَانَ ذلك له، ويباع

стр. 770

ماله فِي الثمن، وإِن أراد الشفيع أن يردّ الشِقْص لَمْ يكن له ذلك، [وهو قول] (١) ابن القاسم وأشهب، والأول أبين (٢). " انتهى ما أشار ابن عبد السلام إِلَى أنّه يصلح أن يفسر بِهِ هذا المحل. وقَالَ ابن عَرَفَة: لا أعلم هذا المعنى الذي قَالَ ابن شاس لأحدٍ من أهل المذهب، وتبع فيه " وجيز " الغزالي عَلَى عادته فِي إضافة كلام الغزالي للمذهب لظنه موافقته إياه، وهذا دون بيان لا ينبغي، وظاهر كلامهم أن المملوك بأحد هذه الوجوه هو نفس الأخذ بالشفعة لا نفس الشِقْص المشفوع فيه، وروايات المذهب واضحة بِخِلافه وأن ملك الآخذ نفسه، إنما هو بثبوت ملك الشفيع لشقص شائع من ربع واشتراء غيره شِقْصا آخر فهذا هو الموجب لاستحقاقه الأخذ؛ ولذا يكلفه القاضي إِذَا طلب منه الحكم له بالأخذ إثبات ذلك. قال ابن فتّوح والمتيطي وغيرهما، واللفظ لابن فتّوح: " وإِذَا طلب الشفيع المبتاع بالشفعة عند السلطان لَمْ يقض له بها حتى يثبت عنده البيع والشركة أو يحضر البائع ويثبت [عينه عنده] (٣)، ويقرّ للشفيع بالبيع وبالشركة، ويقرّ المبتاع بالابتياع عَلَى الإشاعة، ويثبت أَيْضاً عينه عنده فيقضي عَلَيْهِ بالشفعة دون ثبوت الشركة والإشاعة، ولابد من ثبوت البيع أو إقرار البائع بِهِ فينظر السلطان حينئذٍ بينهما فِي الشفعة، ولا يحكم بإقرار المشتري والشفيع حتى يثبت عنده البيع، ومما يتم بِهِ تسجيل الحكم، ويوجب إنزال الشفيع أن يثبت عنده البيع عَلَى الإشاعة والشركة وملك البائع لما باعه من المبتاع ويثبت عنده الأعيان المذكورين. قال ابن عَرَفَة: وأما ملك الشفيع الشِقْص المشفوع فيه فلا أعلم فيه نصاً جلياً إِلا ما تقدم من نصّ " المدونة "، كأنه يشير إِلَى قوله فيها: وإِذَا قَالَ الشفيع بعد الشراء: اشهدوا أنّي قد أخذت بشفعتي ثم رجع، فإن علم الثمن قبل الأخذ لزمه، وإِن لَمْ يعلم بِهِ فله أن يرجع (٤).

стр. 771

قال: ونزلت عندنا هذه المسألة عام خمسين وسبعمائة فِي شفيع أخذ بشفعته فِي دارٍ يملك باقيها بشهادة عدلين دون أن يقف المشتري ويشهد عَلَيْهِ بذلك، ثم إِن الشفيع باع جميع الدار فقام المشتري فخاصم فِي الدار المذكورة لبيعها دون إشهاد الشفيع عَلَيْهِ بالأخذ، ولم يأت بشيءٍ لَو أتى بِهِ قبل البيع قدح فِي الشفعة عَلَيْهِ، فوقف القاضي فِي إمضاء البيع وفسخه، وشاور فِي ذلك شيخنا أبا عبد الله السطي فلم يذكر فِي ذلك شيئاً غير كلام ابن الحَاجِب، وما أشار إليه ابن [١٠٥ / ب] عبد السلام من كلام ابن رشد. وكنت أنا وبعض فقهاء الوقت وهو الفقيه أبو عبد الله بن خليل السكوني شهيدي النازلة، فعاتبنا القاضي فِي الشهادة فِي البيع، وكانت شهادتي فيها [عاطفاً] (١) عَلَيْهِ؛ لاعتقادي فقهه وكونه من خواصّ القاضي المذكور، فاحتججت عَلَى القاضي بنصي المدونة الأول قوله فِي كتاب الخيار: " إِذَا اختار من له الخيار من المتبايعين وصاحبه غائب، وأشهد عَلَى ذلك جَازَ عَلَى الغائب. والشفيع بمنزلة من له الخيار من المتبايعين، فهذا يدلّ عَلَى صحة أخذه فِي غيبة المشتري " الثاني: قوله فِي كتاب الشفعة: " ولا يجوز بيع الشفيع الشِقْص قبل أخذه بالشفعة، (٢) فمفهوم قوله: (قبل أخذه) أنّه يجوز بعد أخذه، والعمل بمفهومات " المدونة " هو المعهود فِي طريقة ابن رشد وغيره من الشيوخ، وإِن كَانَ ابن بشير يذكر فِي ذلك خلافاً، فعمل الأشياخ الجلّة إنما هو عَلَى الأول. وانفصل الخصمان بعد طول ومرافعة لأهل الأمر عَلَى صلحٍ وقع بينهما " انتهى. وفِي استدلاله الثاني ضعف. وأما المصنف ففسر قول ابن الحَاجِب بأن معناه يملك الشفيع الشِقص بأحد الأمور الثلاثة (٣)، وكذا قَالَ ابن راشد القفصي، ورأيت فِي " الكافي " لأبي عمر بن عبد البر ما نصّه: " والشفعة تجب بالبيع التامّ، وتستحقّ وتملّك بأداء الثمن " (٤)، وقد ذكر بعد هذا فِي هذا المختصر وجوه ابن رشد الثلاثة المنقولة من سماع يحيي.

стр. 772

فرع: في الحمالة من تقييد أبي عمران العبدوسي: من وجبت له شفعة فأشهد فِي خفية أنّي عَلَى شفعتي، وسكت حتى جاوز الأمد المسقط حق الحاضر ثم قام لَمْ ينفعه هذا الإشهاد، قيدتها من أحكام الدبوسي بعد ما بحثت عن هذه الأحكام فلم أجدها إِلا بسبتة. واسْتُعْجِلَ، إِنْ قَصَدَ ارْتِيَاءً أَوْ نَظَراً لِلْمُشْتَرَى إِلا كَسَاعَةٍ. [٦٥ / أ] وَلَزِمَ إِنْ أَخَذَ وعَرَفَ الثَّمَنَ فَبِيعَ لِلثَّمَنِ، والْمُشْتَرِيَ إِنْ سَلَّمَ، فَإِنْ سَكَتَ فَلَهُ نَقْضُهُ، وإِنْ قَالَ أَنَا آخُذُ أُجِّلَ ثَلاثاً لِلنَّقْدِ. قوله: (وَاسْتُعْجِلَ، إِنْ قَصَدَ ارْتِيَاءً (١) أَوْ نَظَراً لِلْمُشْتَرَى إِلا [كَسَاعَةٍ] (٢)) المشترَى بفتح الراء، وظاهر الاستثناء أنّه راجع للارتياء والنظر للمشترى، وهو ظاهر ما فِي سماع أشهب إذ قَالَ سئل عمن باع شِقْصاً فِي حائط غائب فقال: الشفيع: حتى أذهب وانظر إِلَى شفعتي وهي ليست [معه] (٣) فِي القرية؟ قَالَ: ليس ذلك له. فراجعه السائل فقال: إِن كَانَ الحائط عَلَى ساعة من نهار فذلك له، وإِلا فليس له ذلك يخرج فيقيم أَيْضاً عشرة أيام ثم يجيء. قَالَ ابن رشد: هذا مثل ما فِي كتاب ابن المواز، وظاهر ما فِي " المدونة " من أن الشفيع إنما يؤخر فِي النقد لا فِي الارتياء فِي الأخذ (٤). انتهى. فأنت ترى ابن رشد ساوى بين الارتياء والنظر للمشتري بعد تسليم استثناء الساعة، فلعلّ المصنف اعتمد عَلَى ذلك، وإِن كَانَ مخالفاً لقول المتيطي المشهور من المذهب. والذي عَلَيْهِ العمل وانعقدت بِهِ الأحكام فيمن طلب التأخير لينظر ويستشير أنّه لا يؤخر ساعةً واحدة، ويجبره السلطان عَلَى الأخذ أو الترك وقاله مالك فِي " العتبية "، ونحوه فِي كتاب ابن المواز، وظاهر ما فِي " المدونة ": أن الشفيع إنما يؤخر فِي النقد لا فِي

стр. 773

الارتياء فِي الأخذ (١). انتهى. فأنت ترى مخالفة المتيطي لنصّ " العتبية " (٢) فِي استثناء الساعة، بل نسب لها ما ليس فيها. والله تعالى أعلم. وإِلا سَقَطَتْ. قوله: (وَإِلا سَقَطَتْ) أي: وإن لَمْ يأت بالثمن فِي الثلاث سقطت شفعته. وإِنِ اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وتَعَدَّدَتِ الْحِصَصُ والْبَائِعُ لَمْ تُبَعَّضْ. قوله: (وإِنِ اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وتَعَدَّدَتِ الْحِصَصُ والْبَائِعُ لَمْ تُبَعَّضْ (٣)) أي فإذا اتحد البائع فأحرى كاتحاد الحصّة. قَالَ فِي " المدونة ": ولَو اشترى رجل ثلاثة أشقاص من دار أو من دور فِي بلد أو بلدان من رجل أو رجال، وذلك فِي صفقةٍ واحدة وشفيع ذلك كلّه واحد فليس له أن يأخذ إِلا الجميع أو يسلم، وكذلك إِن اشترى من أحدهم حصّته من نخلٍ ومن آخر حصته من قرية، ومن آخر حصته من دار فِي صفقةٍ واحدة، أو كَانَ بائع ذلك كلّه واحداً [١٠٦ / أ] [أو وشفيع ذلك كله واحداً] (٤)، فإما أخذ الجميع أو يدع (٥). كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، عَلَى الأَصَحِّ. قوله: (كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، عَلَى الأَصَحِّ) هو قوله فِي " المدونة " بعد النصّ السابق: ولَو ابتاع ثلاثة ما ذكرنا من واحدٍ أو من ثلاثة فِي صفقةٍ والشفيع واحد فليس له أن يأخذ من أحدهم دون الآخر، وله أخذ الجميع أو يدع (٦)، فهو باقتصاره عَلَى مذهب " المدونة " مستغنٍ عن أن يقول عَلَى الأَصَحّ، فلو قَالَ عوضاً من هذا كله: ولَو تعدد المشتري لكان أبين وأوجز.

стр. 774

وَكَأَنْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ، أَوْ غَابَ أَوْ أَرَادَهُ الْمُشْتَرِي. قوله: (أَوْ أَرَادَهُ الْمُشْتَرِي) أي أو أراد المشتري وحده (١) التبعيض فلا يجبر عَلَيْهِ الشفيع كالعكس. وَلِمَنْ حَضَرَ حِصَّتُهُ. قوله: (وَلِمَنْ حَضَرَ حِصَّتُهُ) أي ولمن صار محاضراً بعد الغيبة، ولَو قَالَ: ولمن قدم كَانَ أبين. وهَلِ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ. قوله: (وَهَلِ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، [أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي] (٢) أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ) هكذا فِي بعض النسخ، وبِهِ تصحّ المسألة عَلَى ما ذكر ابن رشد فِي " المقدمات " إذ قَالَ: قَالَ أشهب: إِذَا غاب الشفعاء إِلا واحداً، فأخذ جميع الشفعة، ثم جاء أحد الغُيّب كَانَ مخيراً فِي كتب عهدته إِن شاء عَلَى المشتري، وإِن شاء عَلَى الشفيع لأنه كَانَ مخيراً فِي الأخذ فهو كمشترٍ من المشتري وإِن جاء ثالث كَانَ مخيراً إِن شاء كتب عهدته عَلَى المشتري وإِن شاء عَلَى الشفيع الأول، وإِن شاء عَلَيْهِ، وعَلَى الثاني فقيل: إِن قول أشهب هذا خلاف لمذهب ابن القاسم، وأنّه لا يكتب عهدته عَلَى مذهب ابن القاسم إِلا عَلَى المشتري، وليس ذلك عندي بصحيح؛ والصواب أن قول أشهب مفسر لمذهب ابن القاسم (٣). فقول المصنف: (وَهَلِ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي) هو التأويل الذي اختاره ابن رشد أن القادم مخير، فأو فيه للتخيير وقوله: (أو عَلَى المشتري فقط) هو التأويل الذي أنكره ابن رشد، ولكن بِهِ قطع عبد الحقّ فِي النكت، وعَلَى هذه الصورة ذكر التأويلين فِي " التوضيح (٤).

стр. 775

فلعلّ بعض من نَسَخَ من المبيضة ظنّ تكرار إحدى الجملتين فأسقطها، وهذا محتملٌ؛ لأن مقتضاه أن التأويل الأول تعيين عهدة القادم عَلَى الشفيع الأول ولم أر من قاله. كَغَيْرِهِ، ولَوْ [أَقَالَهُ] (١) إِلا أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَهَا؟ تَأْوِيلانِ، وقُدِّمَ مُشَارِكُهُ فِي السَّهْمِ، وإِنْ كَأُخْتٍ لأَبٍ أَخَذَتْ سُدُساً. قوله: (كَغَيْرِهِ، ولَوْ أَقَالَهُ إِلا أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَهَا) لا يخفى عَلَى من مارس اصطلاحه فِي هذا المختصر أن هذا التشبيه راجع للتأويل الثاني فقط، وأن قوله بعد ذلك: (تَأْوِيلانِ) راجع لأول الكلام. ودَخَلَ عَلَى غَيْرِهِ كَذِي سَهْمٍ عَلَى وَارِثٍ، ووَارِثٌ عَلَى مُوصًى لَهُمْ، ثُمَّ الْوَارِثُ، ثُمَّ الأَجْنَبِيُّ، وأَخَذَ بِأَيِّ بَيْعٍ شَاءَ، وعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ، ونُقِضَ مَا بَعْدَهُ، ولَهُ غُلَّتُهُ. قوله: (ودَخَلَ عَلَى غَيْرِهِ) أي: ودخل الأخصّ عَلَى غيره من ذوي الفروض، وأما دخوله عَلَى الغاصب فمستفاد من قوله بعد: (كذي (٢) سهم عَلَى وارث) أي: عَلَى عاصب. وفِي فَسْخِ عَقْدٍ كِرَائِهِ تَرَدُّدٌ، ولا يَضْمَنُ نَقْصَهُ. قوله: (وفِي فَسْخِ عَقْدٍ كِرَائِهِ تَرَدُّدٌ) مبناه عَلَى الشفعة هل هي كالاستحقاق قاله القرطبيون أو كالبيع قاله الطليطليون، فالقاف للقاف، والياء للياء. فَإِنْ هَدَمَ وبَنَى فَلَهُ قِيمَتُهُ قَائِماً، ولِلشَّفِيعِ النُّقْضُ إِمَّا لِغَيْبَةِ شَفِيعِهِ فَقَاسَمَ وَكِيلُهُ، أَوْ قَاضٍ عَنْهُ، أَوْ تَرَكَ لِكَذِبٍ فِي الثَّمَنِ، أَوِ اسْتُحِقَّ نِصْفُهَا، وحُطَّ مَا حُطَّ لِعَيْبٍ، أَوْ لِهِبَةٍ، إِنْ حُطَّ عَادَةً أَوْ أَشْبَهَ الثَّمَنَ بَعْدَهُ. وإِنِ اسْتُحِقَّ الثَّمَنُ، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ بَعْدَهَا رَجَعَ الْبَائِعُ بِقِيمَةِ شِقْصِهِ، ولَوْ كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيَّاً إِلا النَّقْدَ، فَمِثْلُهُ، ولَمْ يَنْتَقِضْ مَا بَيْنَ الشَّفِيعِ والْمُشْتَرِي. وإِنْ وَقَعَ قَبْلَهَا بَطَلَتْ. وإِنِ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي بِيَمِينٍ فِيمَا يُشْبِهُ. قوله: (فَإِنْ هَدَمَ وبَنَى فَلَهُ قِيمَتُهُ قَائِماً، ولِلشَّفِيعِ النُّقْضُ إِمَّا لِغَيْبَةِ شَفِيعِهِ فَقَاسَمَ وَكِيلُهُ، أَوْ قَاضٍ عَنْهُ، أَوْ تَرَكَ لِكَذِبٍ فِي الثَّمَنِ، أَوِ اسْتُحِقَّ نِصْفُهَا) قد عرفت وجه السؤال الوارد هاهنا، وقد انفصل المصنف عنه هنا بخمسة أجوبة:
следующие страницы →