← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وانتشر ذلك عنهم، ولم ي ظهر لهم مخالف. وأيضا فإنه لا يجوز له أن يتيمم للصلاة مع استغنائه عن التيمم لها. ألا ترى أنه لو تيمم مع وجد الماء لمي صح، فإذا ثبت ذلك فإنه إذا تيمم لصلاة الظهر، فهو مستغن عن التيمم للعصر، فلم يجز أن يكون هذا التيمم لصلاة العصر. وإن شئت غيرت العبارة فقلت: إن الصلاة الثانية لم يدخل وقتها.

стр. 1017

ولم يفتقر إلى التيمم لها، وكل تيمم مستغنى عنه غير مضطر إليه لم يجز أداء الفرض به. دليله: التيمم مع وجود الماء. ونقول أيضا: إن التيمم طهارة بدل قد قصرت عن المبدل، فقصرت عنه في الوقت أيضا؛ لأنها لا ترفع الحدث. وأيضا فإن عليه طلب الماء وهو محدث للصلاة الأولى: فإذا لم يجد الماء بعد الطلب تيمم، فكذلك عليه في الصلاة الثانية مثل ما في الأولى، فإذا لم يجد الماء وجب عليه التيمم؛ لأنهما قد اشتركا في وجود الطلب لهما من أجل الحدث، والمتيمم محدث عند الصلاة الثانية لا محالة. فإن قيل: لا نسلم أن عليه طلب الماء. قيل: حقيقة قول القائل لم أجد كذا: معناه طلبت فلم أجد، وإن وقع ذلك على غير طلب فهو مجاز، ويكون معناه: لم أقدر. على أننا لا نعلم أحدا من الناس يريد الصلاة وهو محدث إلا وهو يطلب الماء سواء كان الماء في رحله أو أبعد منه إلا أن يكون جالسا في الماء فإنه قادر، أو من يسقط عنه استعمال الماء مع وجوده لعذر فإن هذا … أو غير مراد بالآية، وإنما الآية في غير المعذورين. وأيضا فقد حكى عن أبي حنيفة أن المحدث لا يجوز له التيمم لصلاة المغرب قبل وقتها. فإن ثبت هذا من مذهبه فإنه إذا جمع بين صلاة العصر والمغرب بتيمم واحد فقد صار متيمما لصلاة المغرب قبل

стр. 1018

وقتها، فنقض أصله في ذلك. ويجوز أن يقال له: كل متيمم قبل وقت الصلاة لا يجوز له ذلك، دليله صلاة المغرب. وأيضا فإن أبا حنيفة يقول: إن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، فنقول: إذا توضأت لوقت الظهر وصلت الظهر ثم دخل وقت العصر وجب عليها أن تتوضأ أيضا لوقت العصر، ولا يجوز أن تصلي العصر بطهارة الظهر بل المستحاضة - عنده - تصلي الفوائت بطهارة واحدة. وعندي أن المستحاضة إذا لم يكن دمها متصلا، وكانت صلاتها تسلم بالوضوء توضأت. فإذا ثبت إنها لا تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد قلنا: هما صلاتا فرض فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما بطهارة ضرورة، فكذلك في التيمم؛ لأنها طهارة ضرورة فلا يجمع بها بين صلاتي فرض. ونقول أيضا: إن التيمم بدل عن مبدل فيجب أن لا يجوز قبل وجوبه، ولا يجوز إلا بعد دخول الوقت. دليله سائر الأبدال التي لا تجوز قبل وجوبها. فإن قيل: فقد روي في حدث أبي ذر أن النبي ﵇ قال: «الصعيد الطيب بوضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج "، فجعله وضوءا له أبدا.

стр. 1019

وأيضا فإنه طهارة يؤدي بها النفل فجاز أن يؤدي بها الفرض. أصله الطهارة بالماء. قيل: عن الخبر جوابان: أحدهما: أنه يقتضي أن الصعيد وضوء ومما يتطهر به، نحن نقول بذلك، وهل يفعله عن كل صلاة أم لا؟. ليس فيه. ولجواب الآخر: هو أن الصعيد اسم للجنس، والوضوء للجنس، فصار جنس الصعيد كجنس الوضوء، فينبغي أن يستوفى جنس التيمم بجنس الصلاة، وإذا تيمم مرة واحدة للصلوات كلها فهو بعض جنس التيمم لا كله. وكذلك إن استدلوا بقوله: «التيمم طهور المسلم وغم لم يجد الماء عشر حجج»، فإن التيمم اسم لجنس التيمم فينبغي أن يستوفي كل التيمم لكل الصلات فيصير لكل صلاة تيمم، وهو أيضا دليلنا؛ لأن التيمم هو القصد والفعل، ونحن نأمر به عند كل صلاة فريضة حتى يستوفى جنسه لجنس الفرائض. وأما قياسهم على الطهارة بالماء فإنه فاسد الموضع؛ لأنه لا يجز اعتبار الفرض بالنفل. ألا ترى أنه يجوز أن يترك في النفل ما لا يجوز تركه في الفرض؛ لأن النفل أخفض رتبة من الفرض فيجوز أن يصلي النفل جالسا مع قدرته على القيام، ويجوز ترك القبلة في النفل في السفر مع القدرة، ولا يجوز ذلك في الفرض، فكذلك يجوز أن يجمع في التيمم بين صلاتي نفل، ولا يجوز الجمع به بين صلاتي فرض.

стр. 1020

وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أنه يرفع الحدث، فلهذا يصلي به ما شاء، وليس كذلك التيمم؛ لاه لا يفع الحدث، وإنما يستباح به فعل الصلاة، ولأنها طهارة ضرورة فلا يجوز أن يستباح بها ما يستباح بالطهارة، كطهارة المستحاضة. فإن قيل: فإن الأصول موضوعة على أن حكم الأبدال حكم المبدلات، فكل ما يستباح بالمبدل يستباح بالبدل، كالصوم في الكفارة، كذلك أيضا التيمم لما كان بدلا عن الماء وجب أن يستباح به من الصلاة ما يستباح بمبدله. وأيضا فلو أوجبنا التيمم لكل صلاة لأوجبنا من حدث واحد طهارتين من جنس واحد، وهذا لا يوجد في الأصول. ألا ترى أنه لو أحدث لم يوجب طهارتين من جنس واحد. قيل: أما قولكم: إن حكم الأبدال حكم المبدلات فإنه باطل على مذهبكم بالمسح على الخفين، هو بدل من غسل الرجلين، ولا يستباح به ما يستباح به إذا غسل الرجلين؛ لأنه إذا غسل رجليه صلى لغير توقيت، وفي مسح الخفين توقيت. وقولكم: إننا نجب طهارتين من جنس واحد من حدث واحد، فإننا نقول: قد يجوز مثل هذا. ألا ترى أنه ل لم يجد الماء فتيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، ثم انقلب الماء قبل استعماله فإن عليه أن يتيمم دفعة أخرى، وهما تيممان لحدث واحد، فسقط ما قلتموه بمحدث لا يزول حدثه، فإذا تيمم لصلاة وصلاها انتقض حكم

стр. 1021

تيممه، فهو كما يتوضأ ويصلي ثم يحدث فإنه يتوضأ للصلاة الأخرى. فإن قيل: هذا يمنع من الجمع بين الصلاتين؛ لأنه إذا صلى صلاة بالتيمم، وأراد أن يجمع بينهما وبين الأخرى، مثل صلاة الظهر والعصر في وقت الظهر، فتشاغله بطلب الماء للثانية فإن لم يجده تيمم يخرجه عن الجمع بين الصلاتين، وقد أبيح له الجمع بينهما لعذر السفر أو المرض، وصورة الجمع أن تكن الصلاة الثانية تالية للأولى لا فصل. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن صورة الجمع تقديم الثانية إلى وقت الأولى، وإن انفصل ينهما بركعتين تنفل جاز، فلا يمنعه الفصل القريب. والجواب الثاني: هو أن يمنع من الفصل بينهما إذا كان الفصل لا لأجل أسباب الصلاة، فأما إذا كان بأسباب الصلاة لم يمنع. ألا ترى أنه قد يفرغ من الصلاة الأولى ثم يجوز أن يؤذن الثانية ويقيم، ولم يمنع هذا من الجمع، لأن الأذان والإقامة من شعار الصلاة، فهو كالشروع فيها، فكذلك طلب الماء والتيمم من شعار الصلاة فهو كالشروع فيها، وكذلك لو جب عليه صلاتان فائتان على ظهر الروايتين عن مالك ﵀. ونقول أيضا: إنه قد صارت الصلاة علة في وجوب الطهارة، كما

стр. 1022

أن السهو فيها علة في وجب سجده، فكل مصل تجب عليه الطهارة، كما أن كل ساه يجب عليه سجود السهو، فإذا صلى صلوات بوضوء واحد حصل طاهرا في كل صلاة، وإذا صلى صلوات بتيمم واحد لم يحصل طاهرا ارتفع حدثه في كل صلاة، وإنما يحصل مستبيحا للصلاة بالتيمم، وه محدث. فإن احتجوا بحديث عبد الرحمن بن عوف وأنه ابتغى يوما ماء فلم يجده فتمسح بالتراب ثم صلى، ثم أدركته السبحة فصلاها ولم يتوضأ، وقال: أنا طاهر ولو أدركني وقت صلاة أخرى لم أبال أن أصلي بتمسحي من التراب الذي تمسحت به إلا إن أحدثت شيئا فأتوضأ.

стр. 1023

وبما رواه هشام بن حسان عن الحسن قال: التيمم بمنزلة الوضوء، إذا تيممت فأنت على وضوء حتى تحدث. قيل: أما حديث عبد الرحمن فإن راويه إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف جدا. وأيضا فإن هذا مذهب عبد الرحمن، وقد عارضه ما هو أقوى منه، وه ما ذكرناه عن علي وابن عباس، وابن عمر فإنهم كانوا

стр. 1024

يتيممون لكل صلاة، وقول الجماعة، وفيهم علي ﵁ وهو إمام - أولى من قول عبد الرحمن بن عوف. على أن قول عبد الرحمن ذلك يدل على أنه كان يتيمم مع وجود الماء؛ لأنه قال: إلا أن أحدث شيئا فأتوضأ، ولم يقل: فأتيمم، وهذا لا يجوز. وما روي عن الحسن فقد عارضه ما رواه حارث العكلي عن إبراهيم النخعي قال: يتمم لكل صلاة،

стр. 1025

وقد ذكرنا ذلك عن جملة من التابعين. وعلى أن قول علي وابن عباس وابن عمر أولى: لأنه كإجماع الصحابة. وقد قيل: إن الوضوء كان واجبا في أول الإسلام على الناس كل صلاة، سواء كانوا محدثين أو متطهرين، فلما صلى النبي ﵇ صلوات بطهر واحد علم أن ذلك قد نسخ، وبقي على ذلك علي ابن مسعود وابن عمر إلى أن ماتوا ﵃، فعلم أنهم كان يستحبون ذلك، وبقي المتيمم على أصله؛ لأنه بدل الوضوء الذي كان واجبا لكل صلاة لم ينسخ، لا يجوز نسخه بقياس خاصة وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر على ذلك. وقد قيل: إن الوضوء لكل صلاة مخصوص بفعل النبي ﷺ حين جمع الصلوات عام الفتح بوضوء واحد، وهذا كله يدل على أن المفهوم من قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة، والله أعلم.

стр. 1026

فصل ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتيممين والمتطهرين جميعا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن ربيعة محمد بن الحسن أنه لا يجوز أن يصلي بالمتطهرين، ويصلي بالمتيممين. قال: محمد: بلغنا ذلك عن علي - رضوان الله عليه -.

стр. 1027

والدليل لقولنا: ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه كان متيمما جنبا فصلى بعمار وآخرين كانوا معه من الصحابة، وهم متطهرون. وأيضا ما روي عن عمر بن العاص - حيث كان واليا - قال: فتيممت وصليت بالناس، ولم يفرق.

стр. 1028

وأيضا فإن كل من جاز له أن يصلي بالمتيممين جاز له أن يصلي بالمتوضئين، أصله المتطهر بالماء.

стр. 1029

فأما ما ذكروه عن علي فإنه لا يصح عنه، ولو صح لكان قول الأكثر من الصحابة - رضوان الله عليهم - أولى. ويجوز أن يكون كرهه، ونحن نكرهه، وجوازه بالقياس، وبقول ابن عباس وعمرو بن العاص.

стр. 1030

فصل قد مضى الكلام على أنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، وتضمن أنه لا يجوز قبل الوقت، ورأيت أن أجرد الكلام في أنه لا يجوز التيمم قبل وقت الصلاة، وأن من شرطه دخول الوقت، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل دخول الوقت. قالوا: لأن كل طهارة صح أن يؤتى بها بعد الوقت صح أن يؤتى بها قبله، كالطهارة بالماء. والدليل لقولنا: ما تقدم ذكره من قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فأباح

стр. 1031

التيمم إذا لم يجد الماء بشرط أن نكون قياما إلى الصلاة، وقبل الدخول الوقت لا نكن قائمين إلى الصلاة. وأيضا فإنه يكون متيمما للفرض في وقت هو مستغن عن التيمم فيه فوجب أن لا يصح له ذلك، أصله إذا تيمم مع وجود الماء وقدرته على استعماله. ولا يلزم على هذا التيمم للنفل قبل وقته؛ لأنه غير مستغن عنه للنفل؛ إذ لا وقت له معين. فإن قيل: هو منتقض به إذا تيمم في أول الوقت فإنه يصح أن يصلي به الفرض وإن كان مستغنيا عنه؛ لأنه يجوز له أن صلي به في آخر الوقت. قيل: إذا … دخل الوقت فقد لزمه الفرض، ومن لزمه الفرض لا يقال: إنه مستغن عن أداء فرضه. وأيضا فإن التيمم أبيح الضرورة على وجه الرخصة؛ بدليل أنه لا يتيمم مع قدرته على استعمال الماء، وما أبيح للضرورة والحاجة لا يستباح قبل وقت الحاجة ووجودها، مثل أكل الميتة وغيرها، ومثل طهارة المستحاضة. فأما قياسهم على الطهارة بالماء فنقول: المعنى في ذلك أنها أبيحت لا لضرورة، ما جاز من غير ضرورة وحاجة جاز أن يؤتى به من غير حاجة، كسائر المآكل المباحة، وما أبيح لحاجة وضرورة فلا بد فيه من وجود الضرورة والحاجة كما ذكرنا في أكل الميتة، والله أعلم.

стр. 1032

فصل وطلب الماء من شرط صحة التيمم عندنا، وعند الشافعي. وقال أبو حنيفة وصاحبناه: لا يفتقر إلى طلب الماء؛ لقوله: - تعالى -: ﴿فلم تجدا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، من عدمه من غير طلبه فهو غير واجد له. ولأنه إذا كان واجدا للرقبة في الكفارة لزمه أن يعتقها، لم ل لم يجدها لم يلزمه أن يطلبها في المواضع، بل يجوز له الانتقال إلى الصوم، كذلك الماء. والدليل لقولنا: ما ذكروه من دليلهم من قوله -

стр. 1033

تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وحقيقة هذا: أنه لا يقال لمن لم يطلب الشيء: إنه لم يجده، وإنما يقال: ليس هو عندي، فإذا وجده من غير طلب لا يقال: إنه وجده، بل يقال: أصابه إن كان عنده. وأما عتق الرقبة في الكفارة فإنه لا خلاف أنه لا يجوز له الانتقال إلى الصوم إلا بعد أن يطلب الرقبة أو يطلب ثمنها في كله، فإن وجد الثمن طلب الرقبة للشراء، فأما قبل الطلب في ملكه فلا يجوز له، كذلك الماء يطلبه أو ثمنه ليبتاعه، والعلة فيه: أنه بدل عن مبدل مر بت فوجب أن لا يجوز له الانتقال إليه إلا بعد طلب المبدل في الموضع الذي يطلب مثله فيه، أصله طلب الرقبة أو ثمنها في الملك، وطلب الماء في المواضع، مثل الآبار والحياض والرفقة، ومواضع بيعه. واحترزنا بقولنا: " مرتب " من مواضع التخيير في جزاء الصيد، وما أشبهه؛ لأنه ليس بمرتب، وبالله التوفيق.

стр. 1034

[٦٠] مَسْأَلَة ويجوز للحاضر إذا تعذر عليه الماء، وخاف فوات الوقت أن يتيمم، مثل أن يعبد منه، أو يكون ي بئر فإلى أن يعالجه تطلع الشمس ولم يكن صلى الصبح فإنه يتيمم يصلي، ولا يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعي. وقد روي عن مالك أنه يعالجه وإن طلعت الشمس. وروي عنه أنه يصلي بالتيمم ويعيد الصلاة. وقال أبو حنيفة، وداود: لا يصلي أصلا، ويتعلق الفرض بذمته إلى أن يقدر على الماء. وقال الشافعي: يلزمه أن يتيمم ويصلي، وإذا وجد الماء أعاد الصلاة، هذا موافق لإحدى الروايات عن مالك.

стр. 1035

والدليل لقولنا في أنه التيمم ويصلي ولا يعيد: ما روي عن أبي ذر قال: اجتويت المدينة فانتقلت بأهلي إلى الربذة، وكنت أجنب وأعدم الماء خمسة الأيام والستة. فأتيت رسول الله ﷺ ، فقال لي: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج»، والدليل منه على وجهين: أحدهما: أنه عم بجعل الصعيد الطيب وضوء المسلم فلم يفرق بين حاضر ومسافر. والثاني: أنه ورد خاصا في المقيم؛ لأن أبا ذر انتقل بأهله إلى الربذة مقيما بها معهم. وأيضا قول النبي ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأين

стр. 1036

أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام لم يخص سفرا من حضر، فهو على عمومه إلا أن يقوم دليل. يجوز أن نستدل بقوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا﴾، وهذا عام فيمن لم يجد الماء وعدمه فإنه يتيمم إلا أن تقوم دلالة. هذا على أبي حنيفة؛ لأن الشافعي يوافقنا على أنه يتيمم. فإن قيل: هذه الآية حجة لنا: لأنه - تعالى - أباح التيمم بشرط المرض أو السفر، فلو جعلناه عموما في كل محدث حاضر ومسافر لكان ذكر المرض والسفر لغوا لا فائدة فيه، وإن جعلنا نفس المرض والسفر بمنزلة الحدث كان ساقطا، فعلمنا أن المرض والسفر خصا في جواز التيمم عند عدم الماء. قيل: هذا فاسد، وإنما ذكر السفر والمرض لمعنى، هو أنه لو لم يذكرهما لجاز أن يظن ظان أن المرض لشدته وما قد أبيح للإنسان فيه من الفطر والجمع بين الصلاتين وأنه يثقل عليه ما لا يثقل على الصحيح، وكذلك مشقة السفر وقلة المياه في غالب الحال ما يجوز مع ذلك سقوط الطهارة جملة، كما سقط عن المسافر نصف الصلاة، فقيل: تيمموا مع عدم الماء سواء كنتم حاضرين أو مسافرين ومرضى تلحقكم المشقة، فإن الطهارة بالماء أو التيمم لا بد منه مع القدرة عليه، ويصير تقدير الآية: قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وإن كنتم

стр. 1037

- خطابا لهم أيضا - يا محدثين على حال مرض وسفر فلم تستطيعوا استعمال الماء فتيمموا، فهو خطاب للمحدثين على اختلاف صفاتهم إذا لم يجدوا الماء تيمموا. وأيضا فإنه لا يمتنع أن يخرج الخطاب على الغالب، يتعذر معه التمكن من الماء وكذلك المريض إذا اشتد مرضه خاف استعمال الماء، فخرج الكلام على الأغلب ويكون غير المريض والمسافر عند تعذر استعمال الماء ودخول وقت الصلاة بمنزلتهما وفي حكمهما؛ لأن المعنى موجود في الجميع، كما ذكر الرهن بشرط السفر؛ لأن الغالب منه عدم الشهود، ثم قد ثبت جواز الرهن في الحضر كجوازه في السفر؛ ولم يبح التيمم الذي هو بدل الماء إلا لمراعاة وقت الصلاة وخوف فواتها عند تعذر استعمال الماء، وهذا المعنى في الحاضر موجود، كما يوجد فيه لو كان مريضا أو مسافرا، وقد قال الله - تعالى -: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ فخرج الكلام على الغالب من أمر الربيبة أنها تكون مع الزوج، ولو لم تكن عنده مع أمها لكانت أيضا محرمة عليه؛ لأن المعنى الموجب للتحريم فيها موجود. ثم لو ثبت أن المرض والسفر شرطان في إباحة التيمم لم يمتنع أن يلحق بهما غيرهما بالقياس، فنقول: هو غير قادر على استعمال الماء، وقد لزمه فرض الصلاة فوجب أن يلزمها لتيمم، أصله المسافر أو المريض. أو نقول: المعنى في جواز التيمم للمريض أو المسافر هو توجه

стр. 1038

الصلاة عليهما، وخوف فوت وقتها مع العجز عن استعمال الماء، هذا موجود في الحاضر. هذا قياس يلزم من يمنع التيمم أصلا. وأما من يلزمه التيمم ويوجب الإعادة فنقول: اتفقنا في المريض والمسافر أنهما إذا تيمما وصليا لم تجب عليهما الإعادة؛ لأنهما قد تيمما على ما أمرا به، هذا مجد في الحاضر؛ لأنه مأمور بالتيمم عند العجز عن استعمال الماء مع خوف فوت القوت وحضوره، فإذا فعل التيمم على ما أمر به لم تلزمه الإعادة؛ لأن كل واجب مجزئ في السفر والحضر؛ إذ قد أدى ما فرض عليه، ولو لزمته الإعادة مع فعله ما فرض عليه لم يكن فرق بين أن يفعل المأمور به فيطيع، أو يفعل المنعي عنه فيعصي، ولا يجزئه في الأمرين جميعا، وهذا فاسد، بل قد رأينا في الشريعة ضد هذا، وهو أن الإنسان ينهي عن فعل شيء فيفعل فيقع موقع الصحيح، ويجزئ عن الفرض، ولا تجب فيه الإعادة، كالصلاة في الدار المغصوبة، والتوضؤ بالماء المغصوب، ولا يجوز أن يفعل الطاعة المأمور بها ابتداء، فيقع موقع الفاسد حتى لا يجزئه، فإذا كان الحاضر قد تعذر عليه استعمال الماء، وخاف فوت الصلاة مأمورا بالتيمم، مطيعا فيه فقد صلى على ما أمر به أطاع، فلا ينبغي أن يقع موقع الفاسد الذي لا يجزئ تجب فيه الإعادة. فإن قيل: فقد رأينا من يفعل ما افترض عليه، وأمر به، ولا تسقط معه الإعادة، هو موقع موقع الفاسد، مثل من أفسد حجه، وصومه

стр. 1039

المفترض، فإنه مأمور بالمضي فيه فرضا عليه، ومع هذا فعليه الإعادة. قيل: هذه غفلة وسهو؛ لأن القضاء عن الحج والصوم الفاسد إنما جب بالفساد الذي تقدم على المضي في باقيه، وعوقب بالمضي فيه، والحاضر إذا تعذر عليه استعمال الماء وخاف فوات الوقت صار مطيعا بالتيمم والصلاة ابتداء، فاعلا لما أمر به، لم يفسد شيئا يجب عليه معه القضاء. فعروضه في الحج والصوم أن يؤمر قبل الدخول فيها فيهما بالدخول، ويكون مطيعا لم تتقدم منه إفساد فدخل فيهما بالأمر الممتثل مطيعا فيه فلا يجب عليه إعادة، فإن أفسد بعد الدخول وجب القضاء بالإفساد، كما لو أفسد الحاضر ما دخل فيه من الصلاة لوجب عليه القضاء، فصار تيمم الحاضر بمنزلة الليل للصائم، فإن أمر بالدخول في التيمم والصلاة، ولم يطرأ عليه الفساد لم يجب القضاء. وأيضا فإن الماضي في الحج الفاسد والصوم الفاسد مأموران بذلك، فإذا فعلا ما أمر به أجزأهما في المضي ولا يجزئهما في إسقاط القضاء الواجب بالإفساد الذي هو غير المضي. فإن قيل: هذا فاسد بالمصلوب، والذي تحت الهدم، والمحبوس في الحش فإنهم مأمورون بالصلاة وعليهم بالإعادة. قيل: هؤلاء لا تجب عليهم الصلاة إذا لم يقدروا على الماء والتيمم، ولا يجب علهم القضاء، كالحائض والمغمى عليه؛ لأن المنع أتاهم بغير اختيارهم حيث لا يمكنهم دفعه.

стр. 1040

ومن قال من أصحابنا: عليهم الإعادة، فمعناه - عندي -: إذا كانوا على طهارة ولم يصلوا بالإيماء وغيره، ومعهم عقولهم، فتصير منزلتهم منزلة من وجب عليه التيمم فتيمم ولم يصل فعليه الإعادة. ثم هذا بعينه يلزمهم في المسافر إذا تيمم وصلى ينبغي أن تكون عليه الإعادة، وإن كان قد فعل المأمور به، كما ظنوا أنه يلزمنا فيما أورده. فإن قيل: المسافر والمريض قد أبيح لهما الفطر في رمضان، ففعلا المأمور به ولم يسقط عنهما القضاء، فكذلك الحاضر يفعل التيمم والصلاة، ولا يسقط عنه القضاء. قيل: أيضا هذا سهو؛ لأن الفطر رخصة ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعل الواجب، وفعل الصلاة، فل رخص له في الخروج من الصلاة كما رخص للمسافر في الفطر لوجب عليه القضاء. ألا ترى أن المصلي لو رأى إنسانا يغرق، أو شيئا له يتلف لخرج منها، وكان عليه القضاء؛ لأنه لم يصل، فسقط ما ذكروه. وعلى أن هذا نفسه يلزم في المسافر والمريض إذا عدما الماء وتيمما ثم صليا. فإن قيل: فإن الله - تعالى - لما أباح التيمم بشرط المرض والسفر دل على أن ما عداهما بخلافهما

стр. 1041

قيل: عنه جوابان: أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الحكم من نص الآية لم يعلق بشرط المرض والسفر، وإنما خصا بالذكر للمعنى الذي بيناه. والجواب الثاني: أن لو ثبت حكم دليل الخطاب لم يمتنع أن تقوم دلالة القياس، فيلحق المسكوت عنه بالمنطوق به، وقد ذكرنا دليل القياس. ونقول: إن كل من لزمه فرض التيمم فتيمم فإنه يسقط فرضه كالمسافر. وأيضا فإن القادر على استعمال الماء لا يفترق حكه بين أن يكون مقيما أو مسافرا في سقوط الفرض عنه، فكذلك العادم للماء يجب أن لا يفترق حكمهما. هذا يحتمل أن يلزم أبا حنيفة والشافعي. ولنا أن نخص كل واحد منهما بلفظ فنقول: لما كان الواجد للماء، القادر على استعماله، وقد حضر وقت الصلاة يجب عليه استعماله، ولم يفترق حكم الحاضر والمسافر في وجوب استعماله، وجب أن يكون العام للماء الذي لا يقدر على استعماله في جب التيمم عليه والصلاة به لا يفترق حكم المسافر والحاضر فيه؛ لأن وقت الصلاة قد حضر، ويخاف فواته. هذا على أبي حنيفة. ونقول للشافعي: لما كان واجدا للماء إذا استعمله عل ما أمر به لم يفترق حكم المقيم والمسافر فيه وجب أن يكون لعام له يستوي فيه

стр. 1042

المقيم والمسافر في أنه إذا فعله لم يجب عليه القضاء، كواجد الماء سواء. فإن قيل: فإن قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، فشرط - تعالى - في جواز التيمم السفر، فلا يخلو أن يكون شرطا في جواز التيمم، أو شرطا في سقوط الفرض بذلك التيمم، فبطل أن يكون شرطا في جواز التيمم؛ لأن المقيم - عندنا وعندكم - يتيمم، فدل أنه شرط في سقوط الفرض بذلك التيمم، ولم يوجد ها هنا سفر فلم يسقط فرضه. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أننا قد ذكرنا أنه ليس بشرط وإنما خص المرض والسفر بالذكر لما بيناه، على أن يكون شرطا يتعلق بالحكم به لا يجزئ مع عدمه. والجواب الآخر: هو أن ظاهره شرط في جواز التيمم، ثم قامت دلالة على جواز التيمم ووجوبه مع عدم السفر، فسقط أن يكون شرطا في الجواز، إذا سقط أن يكون شرطا في إباحة التيمم - وقد وجب التيمم - سقط الفرض على ما شرحناه. ثم لا يمتنع مع هذا أن تقوم دلالة تسقط الفرض [كما أسقطت مع التيمم]، وقد ذكرنا قياسا يوجب ذلك.

стр. 1043

فإن قيل: فإنه مقيم صحيح فوجب أن لا يسقط فرضه بالتيمم. أصله إذا كان واجدا للماء. وأيضا: فإن عدم الماء في الحضر عذر نادر لا يدوم؛ لأن الأوطان والبنيان لا تبنى على غير مياه، والأعذار النادرة لا تسقط الفرض، وإنما يسقطه الأعذار العامة السائدة ألا ترى أنه إذا لم يجد ماء ولا ترابا يصلي ويعيد، وكذلك إذا صلى وعلى ثوبه أو بدنه نجاسه [و] سقط فرضها؛ لأنه عام يدوم، وكذلك سلس البول، وكذلك السفر، وكذلك الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لأنه لا تحلقها المشقة في قضاء الصوم؛ لأنه في السنة مرة، والصلاة تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات فتلحقها المشقة في قضائها، وكذلك نكتتهم. والجواب أما قولهم: إنه مقيم صحيح فوجب أن لا يسقط فرضه بالتيمم، كواجد الماء غلط؛ لأن واجد الماء، القادر على استعماله منهي عن التيمم، فإذا تيمم لم يجزئ في حضر ولا سفر، وعادم الماء مأمور بالتيمم، حتى إن لم يفعله عصى، فوجب أن يسقط فرضه، كالمسافر إذا عدم الماء، وهذا أولى من قياسهم؛ لأن رد المأمور بالتيمم إلى مثله أولى من رد المأمور بالتيمم إلى المنهي عن التيمم. أما قولهم: إن عدم الماء في الحضر عذر نادر لا يدوم إلى آخر الفصل فعنه جوابان: أحدهما: أن واجد الماء في السفر العام نادر، كما أن عادم الماء في الحضر عذر نادر، فلما ردوا واجد الماء في السفر إلى الغالب من

стр. 1044

حكم الحضر، لزم أن يرد نادر، وواجد الماء في السفر نادر. وعلى أن المسافر ربما احتاطوا في جميع الماء خوفا أن يقطع بهم أكثر من احتياطهم في الحضر، ومع هذا فقد جوز لمن عدمه التيمم، فكذلك الحاضر. على أن هذا يستمر لمن لا يوجب على الحاضر التيمم، فأما من يوجبه عليه كما يوجبه على المسافر فينبغي أن يسقط رضه كالمسافر. والجواب الآخر: أنه ساقط من " ب ": بمن لم يجد ما يستر عورته، فصلى عريانا فإنه نادر ويسقط فرضه إذا صلى، وكذلك الخائف من عدو وسبع وأفعى وغيره، وهذا كله نادر. فأما من صلى وعليه نجاسة فلا إعادة عليه؛ لأن إزالتها ليست بفرض - عندنا -، وقد قلنا: إن من لم يجد ترابا ولا ماء فإن الصلاة تسقط عنه، ولو صلى لم تجب عليه الإعادة. أما من سلس مذيه وبوله فإن طهارته لا تنتقض، وليس عليه أن يتوضأ لكل صلاة، وكذلك المستحاضة ليست بمحدثة - عندنا -. ثم لو أوجبنا على هؤلاء الطهارة لم يكن هذا عاما بل هو نادر؛ لأن العادة جارية بالحيض لا بالاستحاضة، فهي نادرة، وكذلك سلس

стр. 1045

البول والمذي نادر، فإذا توضأ أو تيمم وصلى سقط فرضه وإن كان نادرا لولا ذلك لم يجب عليه التيمم. وقد ثبت أيضا أن التيمم يجب لمراعاة الوقت، والصلاة في وقتها بالتيمم الذي هو طهارة ناقصة أولى من الصلاة في غير وقتها بطهارة تامة، فإذا وجب التيمم لمراعاة الوقت لم تجب الإعادة في غير الوقت بالطهارة الكاملة؛ لأنها قد مضت في وقتها، كما مضت في السفر بالتيمم. وأما قضاء الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة فهو حجة عليكم؛ لأن الصلاة لما كانت تتكرر ثم سقط قضاؤها فيجب إذا صلى من لزمه التيمم ألا يكون عليه قضاؤها؛ لأنه قد أداها على ما أمر به، فهو أولى بسقوط القضاء عنه من الحائض، وهو كالمسافر إذا تيمم. ألا ترى أن الحائض غير مخاطبة بالصلاة ولا بالصوم، ولوصلت وصامت لم يصح منها، وعادم الماء في الحضر مخاطب بالتيمم والصلاة، وإن تركهما عصى كالمسافر سواء، فدق استيا ففي وجوب التيمم والصلاة فوجب أن يستويا في سقوط الفرض، كما استويا في فعل الصوم إذا صاما، وافترقهما في أن المسافر مرخص له في الفطر ولم يرخص للحاضر لا يضر في الجمع بينهما في الصلاة؛ لأن كل واحد منهما غير مرخص له في ترك التيمم والصلاة. ألا ترى أنهما قد استويا في الاجتهاد في القبلة، وكلفا طلبها، ووجب عليهما الصلاة إلى حيث يغلب على ظنهما؛ لمراعاة الوقت، وكذلك الخائف مسافرا كان أو حاضرا يجتهد في القبلة، فيصلي إليها مع القدرة ويصلي إلى غير القبلة مع عدم القدرة، وإن كانا يعلمان جهتها إذا لم يتمكنا من الصلاة إليها، وهذا كله لمراعاة وقتها، إذا فعل ذلك على ما أمر به سقط فرضه في

стр. 1046

الباب كله مستمر - عندنا -؛ لأن الصلاة في وقتها بالتيمم أولى منها في غير وقتها بالوضوء. فإن قل: فجوزوا للحاضر أن يتمم ويصلي الجمعة إذا خاف فواتها مع الإمام إلى أن يفرغ من الوضوء بالماء؛ لأنه إن تشاغل بطلب الماء فاتته الجمعة مع الإمام، وكذلك يجب أن تجوز له الصلاة على الجنازة في الحضر بالتيمم إذا خاف فاتها. قيل: أما الجمعة فليس فيها نلب مالك، قد قال بعض أصحابنا: إن القياس يوجب ذلك، فعلى هذا لا يلزم السؤال، وينبغي أن يكن هذا سؤالا لأصحاب الشافعي؛ لأننا ألزمناهم في الموضع الذي يوجبون فيه التيمم والصلاة كما نوجبه فقلنا: كل من وجب عليه التيمم والصلاة سقط فرضه، كالمريض والمسافر، ونحن هم نقل: لا يجب عليهم التيمم للجمعة وإن خافوا فوات الجماعة والماء موجود؛ لأن الظهر هي الأصل، فإن فاته فرض الجماعة فليس يفوته وقت الظهر وهو قادر على استعمال الماء، ووقت الظهر باق، فمن كان قادرا على الماء وخاف إن تشاغل به فاته الجمعة مع الإمام فإنه لا يتيمم - عندنا وعند الشافعي -. فإن كان عادما للماء ووجب عليه التيمم فلا فرق ين الجمعة وغيرها في أن فرضها يسقط بصلاته بالتيمم إن خاف فوات الوقت المضيق؛ لأن التيمم قد وجب عليه كلف الصلاة، فلما وجب

стр. 1047

عليه أن يتيمم ويصلي فعل ذلك سقط فرضه، وليس الكلام في هذه المسألة فيمن يقدر على الماء يخاف إن تشاغل به فات الوقت، وإنما الكلام في عادم الماء ولا يعرف له موضعا فيجب عليه التيمم والصلاة، فإذا فعل ذلك قلنا: سقط فرضه. فأما الذي يجد الماء في الحضر أو السفر فيخاف إن استعمله فات الوقت فإننا نقول: إن خاف فوات الوقت المضيق بتشاغله بالماء فإنه - عندنا - يتيمم ويصلي، والمخالف يقول: لا يتيمم مع جوده إلا أن يخاف على نفسه التلف باستعماله وإن خاف فوات الوقت، وقد قال مالك ﵀: فيمن جاء ماء وخاف إن عالجه طلعت الشمس وفاتته صلاة الصبح فإنه يتيمم ويصلي. وقد ذكرت اختلاف الرواية عنه فيه. فعلى هذا ينبغي أن يفصل، فإن كان عادما للماء أصلا فإنه إذا خاف فوات الوقت المختار يتيمم لكل صلاة جمعة كانت أو غيرها، في سفر أو حضر. وإن كان واجدا للماء يخاف بتشاغله أن يفوته الوقت المضيق فإنه - عندنا - يتيمم ويصلي ويسقط فرضه؛ لأن التيمم جعل لمراعاة الوقت، إما المختار وإما المضيق. وقد يجوز أن ي فرق بين صلاة الجمعة وغيرها فنقول: إن الحاضر الذي عليه صلاة الجمعة إذا عدم الماء وخاف فوتها مع الإمام فإنه لا يتيمم ويصبر حتى يجد الماء إلا أن يخاف فوات الوقت المضيق، مثل أن لا يصلوا الجمعة حتى بقى من لانهار قدر ثلاث ركعات ثم تغيب

стр. 1048

الشمس فإنهم يصلون الجمعة، فإن خاف فاتها تيمم وصلى، سواء كان عادما للماء أصلا أو واجدا له يخاف إن اشتغل به فاتته الجمعة، فأما إن صلاها الإمام في الوقت الأول أو الأوسط فإن المأموم لا يصليها بالتيمم؛ لأن الظهر هي الأصل. ألا ترى إنها تجب على الحاضر والمسافر والعبد والمرأة، والجمعة لا تجب إلا على الحاضر الحر الذكر، فإن فاته الجمعة مع الإمام فإنما تفوته الجماعة، والوقت - الذي هو الظهر - باق لم يفته، وينتظر حتى يأس من الماء إلا أن يخاف أن يفوته الظهر المختار فيتيمم، وكذلك إن صلاها الإمام في آخر الوقت المختار لم يجد المأموم ماء فإنه يتيمم يصلي معه. فأما صلاة الجنازة فإن كان الحاضر واجدا للماء غير أنه إن توضأ فاتته صلاة الجنازة فإنه لا يصلي بالتيمم؛ لأنه ليس بها مخاطبا في عينه؛ لأن غيره ينوب عنه، وليست الجمعة والظهر كذلك؛ لأن كل إنسان مخاطب بها في نفسه، وليست على الكفاية كصلاة الجنازة، وإن كان عادما للماء أصلا هو ممن يلزمه التيمم لصلاة الفرض جاز له - عندي - أن يصلي على الجنازة كالمسافر. هذا هو القياس. وفرق مالك ﵀ بين الحضر والسفر في صلاة الجنازة، فقال: المسافر إذا عدم الماء ووجب عليه التيمم للفرض جاز أن يصلي على الجنازة بالتيمم، وأما الحاضر فإنه يتيمم للفرض ولا يصلي على

стр. 1049

الجنازة؛ لأن الفرض يتعين عليه في الحضر والسفر، وله وقت مخصوص يخاف فواته فهو آكد، وقد دخلت الرخص في السفر بخلاف الحضر، فيجوز أن يصلي على الجنازة في السفر بالتيمم، ولأجل خلاف الناس في صلاة الفرض في الحضر بالتيمم. فإن قيل: فما تقول إن تعينت عليه الصلاة على الجنازة في الحضر ولم يكن غيره، وخاف التغير على الميت ولا يقدر على الماء؟. قيل: قد ذكرت أن القياس يوجب الصلاة عليه. ويحتمل أن لا يصلي عليها؛ لأن من الناس من يجز الصلاة على القبر، وقدر روي ذلك عن مالك، فيدفن الميت، ثم إذا وجد الماء توضأ وصلى على القبر هو أو غيره. ويحتمل أن يصلي عليه … إذا لم يكن غيره من يحمل الميت إلا من هو مثله في عدم الماء، وهذا هو القياس كالمسافر إذا عدم الماء. وقد جمعت في هذه المسألة الكلام على أبي حنيفة في أن

стр. 1050

الحاضر إذا عدم الماء فإنه - عندنا - يتيمم ويصلي الفرض، وعنده - لا يتيمم ولا يصلي، ويكون الفرض في ذمته، والكلام على الشافعي في أنه يجب عليه أن يتيمم ويصلي كما نقول، وأن فره لا يسقط - عنده -، - وعندنا - يسقط. وذكرت الفرق بين الفرض وصلاة الجنازة، والتيمم في الحضر فاستغنيت عن إفراد المسائل في ذلك. ووجه قول مالك إنه يعالج الماء ويبلغ إليه وإن طلعت الشمس يوافق قول أي حنيفة، والحجة له هي حجة أي حنيفة. ووجه قوله يصلي بالتيمم ويعيد هو قول الشافعي، فما ذكرته من حجتهم هو حجه لهذه الراية، والله الموفق للصواب.

стр. 1051

فصل فإن سئلنا على مذهب أبي حنيفة والثوري في صلاة الجنازة بالتيمم في الحضر إذا خاف فوتها مع وجود الماء مَسْأَلَة مبتدأة. قلنا: لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد. والدليل لقولنا: الظاهر من قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مضى أو على سفر﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، فعل التيمم بشرط المرض والسفر وعدم الماء، وهذا ليس بواحد منهم. ونورد أسئلتهم التي سألونا عنها في الحاضر يصلي الفرض بالتيمم. فإن قاسوا ذلك على الفرض فهم لا يقولون به في الفرض، وإن

стр. 1052

ألزمونا ذلك على أصلنا فقد فرقنا بينهما بما تقدم. وإن قاسوه على المسافر لزمهم الفروض في الحضر؛ لأن في عدم الماء يجوز التيمم للفروض في السفر وللمسنون وللمستحب، والحكم في الحضر يختلف - عندهم -، ولا يجيزون التيمم للفروض لا للتطوع ويجوزونه لصلاة الجنازة إذا خاف فواتها. فإذا لم يجوزوا التيمم للفروض التي قد روعي فيها الوقت وهي متعينة على كل أحد ففي صلاة لجنازة أولى أن لا يصلي بالتيمم في الحضر. فإن قيل: إن لصلاة الجنازة فضيلة على سائر النوافل، حتى إنه قد اختلف فيها، فقيل: هي فرض على الكفاية، وقيل: سنة مؤكدة، فإذا خيف عيها الفوات واستدراك فضيلتها جاز التيمم لها.

стр. 1053

قيل: إن الجمعة آكد منها، وهو إذا أدرك الركعة الآخرة مع الإمام خاف فوتها، ولم يجز له أن يتيمم - عندكم -، فإذا يجز مع خوف فوات الأوكد كان في الأضعف أولى أن لا يجوز. مع أننا قلنا: إنه لا وقت لها يفوت فيجوز أن يصلي على القبر. فإن قيل: فقد قيل: قال النبي ﷺ : «جعلت علي الأرض مسجدا وطهورا فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام فقي جنس الصلوات، وفي الحضر والسفر، وصلاة الجنازة من جنس الصلوات فقد تناولها ظاهر الخبر. قيل: المقصود من الخبر بيان الفضيلة التي خص ﵇ بها. ألا تراه قد قال: «أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي»، فذكر هذا منها. على أنه لو ثبت العموم فهو مرتب على قوله ﵇: «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء»، هذا واجد له، وعلى قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد للماء. فإن قيل: إن صلاة الجنازة تترك لا إلى بدل، فيجوز أداؤها في الحضر بالتيمم كرد السلام. ق قيل: صلاة الجنازة لا تفوت؛ لأن لا على - قلوكم - بدلين، إما

стр. 1054

الصلاة عليها أو على قبرها. ثم لو كانت كرد السلام لجازت بغير طهارة أصلا، كما يجوز في رد السلام، فإذا أن قد شدد في صلاة الجنازة حتى حصل من شرطها أن تصلى بطهارة جاز أن تستوفي بشرطها. على أن هذا منتقض به إذا لم يخف فوتها. فإن قيل: فهو دعاء، فجاز أن تصلي بالتيمم. قيل: هو فاسد به إذا لم يخف فوتها، وهذا واجد للماء. وعلى أنه يلزم أن تجز بغير طهارة أصلا، ومستقبل القبلة ومستدبرها، وبغير سترة، كما يجوز في الدعاء. ثم نقلو: إن التيمم طهارة ضرورة، وصلاة الجنازة لا ضرورة بالإنسان إليها؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون وحده فيتوضأ ويصلي، أو يكون مع غيره ممن هو على [غير] وضوء، فإن ذلك الغير إذا صلى عليها كفى وسط من غيره. ونقول أيضا: هي صلاة تفتقر إلى القبلة مع القدرة، ولا وقت لها معين يخاف فواته، وهو واجد للماء لا يخاف استعماله فلم تجز بالتيمم، أصله صلاة الخسوف والاستسقاء، وغيرهما. ونقول: كل من لا يجوز له أن يصلي غير صلاة الجناة والعيدين لم تجز له صلاة الجنازة والعيدين، أصله إذا لم يتيمم

стр. 1055

وهذه الأدلة تلزم الطبري. وأيضا فإن النبي ﵇ صلى علا الجنائز فسميت صلاة، وقد قال: «لا صلاة إلا بطهور». وأيضا فإنها مفتقرة إلى التوجه والتكبير فهي كغيرها.
следующие страницы →