← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فصل فإن سئلنا على مذهب أبي حنيفة والثوري في صلاة الجنازة بالتيمم في الحضر إذا خاف فوتها مع وجود الماء مَسْأَلَة مبتدأة. قلنا: لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد. والدليل لقولنا: الظاهر من قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مضى أو على سفر﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، فعل التيمم بشرط المرض والسفر وعدم الماء، وهذا ليس بواحد منهم. ونورد أسئلتهم التي سألونا عنها في الحاضر يصلي الفرض بالتيمم. فإن قاسوا ذلك على الفرض فهم لا يقولون به في الفرض، وإن

стр. 1052

ألزمونا ذلك على أصلنا فقد فرقنا بينهما بما تقدم. وإن قاسوه على المسافر لزمهم الفروض في الحضر؛ لأن في عدم الماء يجوز التيمم للفروض في السفر وللمسنون وللمستحب، والحكم في الحضر يختلف - عندهم -، ولا يجيزون التيمم للفروض لا للتطوع ويجوزونه لصلاة الجنازة إذا خاف فواتها. فإذا لم يجوزوا التيمم للفروض التي قد روعي فيها الوقت وهي متعينة على كل أحد ففي صلاة لجنازة أولى أن لا يصلي بالتيمم في الحضر. فإن قيل: إن لصلاة الجنازة فضيلة على سائر النوافل، حتى إنه قد اختلف فيها، فقيل: هي فرض على الكفاية، وقيل: سنة مؤكدة، فإذا خيف عيها الفوات واستدراك فضيلتها جاز التيمم لها.

стр. 1053

قيل: إن الجمعة آكد منها، وهو إذا أدرك الركعة الآخرة مع الإمام خاف فوتها، ولم يجز له أن يتيمم - عندكم -، فإذا يجز مع خوف فوات الأوكد كان في الأضعف أولى أن لا يجوز. مع أننا قلنا: إنه لا وقت لها يفوت فيجوز أن يصلي على القبر. فإن قيل: فقد قيل: قال النبي ﷺ : «جعلت علي الأرض مسجدا وطهورا فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام فقي جنس الصلوات، وفي الحضر والسفر، وصلاة الجنازة من جنس الصلوات فقد تناولها ظاهر الخبر. قيل: المقصود من الخبر بيان الفضيلة التي خص ﵇ بها. ألا تراه قد قال: «أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي»، فذكر هذا منها. على أنه لو ثبت العموم فهو مرتب على قوله ﵇: «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء»، هذا واجد له، وعلى قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد للماء. فإن قيل: إن صلاة الجنازة تترك لا إلى بدل، فيجوز أداؤها في الحضر بالتيمم كرد السلام. ق قيل: صلاة الجنازة لا تفوت؛ لأن لا على - قلوكم - بدلين، إما

стр. 1054

الصلاة عليها أو على قبرها. ثم لو كانت كرد السلام لجازت بغير طهارة أصلا، كما يجوز في رد السلام، فإذا أن قد شدد في صلاة الجنازة حتى حصل من شرطها أن تصلى بطهارة جاز أن تستوفي بشرطها. على أن هذا منتقض به إذا لم يخف فوتها. فإن قيل: فهو دعاء، فجاز أن تصلي بالتيمم. قيل: هو فاسد به إذا لم يخف فوتها، وهذا واجد للماء. وعلى أنه يلزم أن تجز بغير طهارة أصلا، ومستقبل القبلة ومستدبرها، وبغير سترة، كما يجوز في الدعاء. ثم نقلو: إن التيمم طهارة ضرورة، وصلاة الجنازة لا ضرورة بالإنسان إليها؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون وحده فيتوضأ ويصلي، أو يكون مع غيره ممن هو على [غير] وضوء، فإن ذلك الغير إذا صلى عليها كفى وسط من غيره. ونقول أيضا: هي صلاة تفتقر إلى القبلة مع القدرة، ولا وقت لها معين يخاف فواته، وهو واجد للماء لا يخاف استعماله فلم تجز بالتيمم، أصله صلاة الخسوف والاستسقاء، وغيرهما. ونقول: كل من لا يجوز له أن يصلي غير صلاة الجناة والعيدين لم تجز له صلاة الجنازة والعيدين، أصله إذا لم يتيمم

стр. 1055

وهذه الأدلة تلزم الطبري. وأيضا فإن النبي ﵇ صلى علا الجنائز فسميت صلاة، وقد قال: «لا صلاة إلا بطهور». وأيضا فإنها مفتقرة إلى التوجه والتكبير فهي كغيرها.

стр. 1056

[٦١] مَسْأَلَة كل من خاف التلف من استعمال الماء جاز له تركه أن يتيمم بلا خلاف من فقهاء الأمصار. وأما إن خاف زيادة في مرضه أو تأخير برئه، أو حدث مرض وإن لم يخف من التلف فعندنا يجوز له أن يتيمم، وبه قال أبو حنيفة، وداود. وقال أبو يوسف ومحمد: يتيمم ويصلي وعليه الإعادة إن كان مقيما، وإن كان مسافرا فلا إعادة عليه. واختلف قول الشافعي، فقال مثل قولنا، وقال: لا يعدل

стр. 1057

عن الماء إلا أن يخاف التلف. وقد روي عن مالك ﵀ مثل هذا. وقال عطاء والحسن البصري: لا يستباح التيمم بالمرض أصلا، وإنما يجوز للمريض التيمم إذا عدم الماء، فإما مع وجوده فلا. والدليل لجواز التيمم وإن لم يخف التلف: قول الله - تعالى - ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ إلى قوله ﴿فتيمموا﴾، ولم يفرق بين مرض ويخاف من التلف أو مرض يخاف زيادته، فهو عام في كل مرض وكل مريض إلا أن يقوم دليل. وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، أي:

стр. 1058

ضيق، فنفي الضيق عنا في الدين، واستعمال الماء مع الخوف من زيادة المرض ضيق. وأيضا قوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، ومن العسر وجوب استعمال الماء مع خوف المرض أو زيادته. وأيضا قوله - تعالى -: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، وزيادة الضنى والعلة من التهلكة، فهو ممنوع منه ومن كل سبب يؤدي إليه. وأيضا قوله - تعالى -: ﴿لا تقلتا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، وزيادة المرض ربما أدى إلى قتلنا. وأيضا ما روى عن عمر بن العاص أنه قال: ولاني رسول الله ﷺ غزاة ذات السلاسل، فاحتملت في ليلة باردة، فقلت: إن اغتسلت هلكت، فتيممت وصليت بالناس فأتيت رسول الله ﷺ فقال «صليت بالناس وأنت جنب». فقلت: سمعت الله - تعالى - يقول ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾. فضحك النبي ﵇، لم يقل شيئا.

стр. 1059

ففي هذا الخبر فوائد كثيرة. أحدها: جواز التيمم للخائف من استعمال الماء، وقد يقول الإنسان: هلكت ولم يمت لم يخف الموت، مثل من يقع في شدة فيقول: هلكت. والفائدة الثانية: جواز التيمم لجنب خلاف ما روي عن عمر، وابن مسعود. والثالثة: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه ﵇ قال له: «صليت بالناس وأنت جنبي؟». والرابعة: جواز التيمم لأجل البرد.

стр. 1060

والخامسة: أن التيمم يصلي بالمتطهرين. وأيضا ما ري في حديث جابر قال: خرج أصحاب رسول الله ﷺ وجابر فيهم - في غزوة، فأصاب أحدهم حجر فشجه، فاحتلم، فقال لهم: هل تجدون لي رخصة؟. فقالوا: لا نجد لك رخصة. فاغتسل فمات، فأتوا رسول الله ﷺ فأخبره به، فقال: «قتله قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلما؛ فإن شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يعصب رأسه ويتيمم، أو يمسح على العصابة ويغسل سائر جسده»، وفي هذا دليل على جواز التيمم للمشجوج إذا خاف ضرر الماء، ولو كان الحكم يختلف فيه لبينه ﵇، وقال: إنما كان يكفيه أن

стр. 1061

يتيمم إن خاف التلف من استعمال الماء، وفي الابتداء لم يعلم له كان يخاف التلف أو الزيادة في العلة؟. وفي ها الخبر أيضا دليل على جواز المسح على العصائب. وفيه أيضا دليل على أن الغسل والتيمم لا يجتمعان في وجوبهما عليه في حالة واحدة. ونقول أيضا: إنه يستنصر باستعمال الماء فيجب له جواز التيمم. أصله إذا خاف التلف. وأيضا فإنه إذا خاف التلف جاز له التيمم فكذلك إذا خاف زيادة المرض؛ لأن خوف التلف موجود فيه؛ إذ لا تلف إلا من زيادة المرض. أيضا فإن الرخص كلها تستباح بلحوق المشقة، ولا تقف على خوف التلف، كالفطر وترك القيام في الصلاة، وما أشبه ذلك، فإن المريض يفطر إذا شق عليه الصوم، ولا يجوز أن يقال له لا تفطر حتى تخاف التلف، وكذلك إذا شق عليه القيام في الصلاة جاز له القعود وإن لم يخف من القيام التلف، كذلك المريض يتيمم للمشقة وخوف المرض أو الزيادة فيه إن استعمل الماء، وكذلك المضطر يأكل الميتة إذا لحقه الجوع الشديد وإن لم يخف التلف، وكذلك خائف اللصوص وقطاع الطريق والخوف من الجراح وأخذ المال قد رخص له في ترك الحج، وحرمة النفس أعظم من حرمة المال، فإذا كانت الرخص على ما قلنا، والأصول تشهد له صح ما قلناه. فإن قيل: آية التيمم لا حجة لكم فيها من وجهين:

стр. 1062

أحدهما: إنها تضمنت حكم المريض العادم للماء، نحن نجوز له التيمم، ومسألتنا غير هذه، وهي في المريض الواجد للماء، وليس في الآية حكمه. والوجه الآخر: هو أن ابن عباس - رحمة الله عليه - فسر الآية فقال: المراد بالمريض القرح المجروح الذي يتلف من مس الماء. قيل: أما الوجه الأول فساقط باتفاق، وبالظاهر أيضا؛ لأن من لم يجد الماء فالتيمم له جائز لعدمه الماء لا لأجل المرض، وإنما خص المريض بالذكر ليخص بالحكم، فيكون مرضه في جواز التيمم مخالفا للصحيح، سواء وجد الماء أو عدمه، وإلا فهو داخل في جملة المحدثين إذا عدموا الماء مسافرين وغيرهم.

стр. 1063

وأما تفسير ابن عباس فلا يلزم؛ لأنه لم يذكره عن الله - تعالى -، ولا عن رسوله، والظاهر أولى من التفسير؛ لأنه ليس بمجمل فيحتاج إلى تفسير. على أن قوله: الذي يتلف من مس الماء لا يعلمه إلا الله، وهذا قطع على أنه يتلف من مسه وإنما يغلب على ظنه أنه يتلف، وقد يغلب على ظنه زيادة في المرض تجر إلى التلف، فأسباب التلف أيضا ممنوع من فعلها كما يمنع من التلف، وما ذكرناه من الرخص وشهادة الرخص أولى. فإن قيل: قياسكم على الخائف من التلف لا معنى له؛ لأنه يخاف التلف، ومن خاف الزيادة في المرض لم يخف التلف، وقد يباح عند خوف التلف ما لا يباح عن عدمه. وقولكم: إن الخوف من الزيادة في المرض كالخوف من التلف؛ لأن سبب التلف هو الزيادة في المرض فليس من مسألتنا؛ لأن الذي يخاف زيادة في المرض وهي مؤدية إلى التلف يجوز له التيمم - عندنا، وإنما كلامنا فيمن يخاف زيادة في المرض فقط، مثل: أن يكون في رجله قرح إن أصابه الماء زاد في وجعه ومرضه، ولا يخاف التلف من زيادته. قيل: قولكم: إن من خاف الزيادة في المرض لم يخف التلف فإنه ليس كذلك؛ لأن كل عليل خائف من التلف يخوفه تزايد علته، وهذا كله اجتهاد، وقد يعلم أن من بدا به المرض يخاف الموت ما لا يخافه وهو صحيح، فكلما تزايد مرضه تزايد خوفه، كله مخافة الموت. وقولكم: إن كلامنا فيمن يخاف زيادة المرض فقط فإن هذا أمر لا

стр. 1064

يعلمه إلا الله - تعالى -، كل من خاف زيادة المرض لا يتحقق زيادة تقف دون زيادة تزيد وتقوى فتؤدي إلى التلف، بل الطباع مجبولة على أن أول العلة يخاف معها التزايد الذي يؤدي إلى التلف، والحذر كله من الموت، ومن برجله قرح يخاف تزايده يمس الماء، فليس يخاف تزايده إلا خيفة أن تؤدي إلى التلف. فإن قيل: هذا يلزم في المحموم والمصدع. قيل: الغالب من أمر المحموم المصدع أن ينفعه الماء. ألا ترى أن النبي ﵇ قال: «اكسروها بالماء»، وليس كلامنا فيمن لا يخاف استعمال الماء، ولا فيمن يستشفى بالماء، وإنما كلامنا فيمن يخاف أن يحدث به مرض، أو يخاف زيادة مرضه فقد أرخص الله له - تعالى - أن يعدل إلى الرخص، كما ذكرناه في فطر العليل وتركه القيام في الصلاة المفروضة. فإن قيل: الفرق بين فطر المريض وتركه القيام في الصلاة وبين

стр. 1065

تيممه حيث قلنا له: لا تتيمم وأنت واجد للماء إلا أن تخاف الماء من استعماله من وجهين. أحدهما: أنه إنما جاز له أن يفطر وإن لم يخف التلف على نفسه إذا لحقته المشقة في الصوم؛ لأن للمسافر أن يفطر إذا لحقته في الصوم مشقة وإن لم يخف التلف، ولما لم يجز للمسافر الواجد للماء أن يتيمم إلا إذا خاف التلف من استعمال الماء، كذلك المريض مثله، فيجعل حكم المريض كحكم المسافر في الفطر والتيمم جميعا؛ لأن الفطر مباح للمريض والمسافر كما يباح التيمم للمريض والمسافر. الفرق الثاني: وهو الفقهي أن المريض إنما جاز له أن يفطر ويقعد في الصلاة عن لم يخف التلف منه على النفس؛ لأن عذره موجود في الحال متحقق؛ لأن وجود المشقة في الصيام والقيام حاصلة، فكان له أن ينتقل عنه، وليس كذلك في مسألتنا إذا خاف زيادة المرض؛ لأنه لم يتحقق العذر الذي هو زيادة المرض، وإنما يخاف وجوده فيما يأتي، وقد يوجد وقد لا يوجد، فلما لم يتحقق العذر لم يجز له أن يتمم إلا في الموضع الذي هو تعزير بالنفس، وهو أن يخاف التلف؛ لأن التغرير بالنفس ممنوع منه. قيل: أما الفرق الأول فغلط، ولا فرق بين المسافر والمريض، لأن المسافر إن خاف من استعمال الماء حدوث مرض جاز له أن يتيمم وإن لم يخف التلف، كما يجوز له إن خاف التلف، كالمريض سوءا فسقط هذا الفرق. وأما الفرق الثاني وقولكم: إن المريض عذره موجد متحقق؛ لأن

стр. 1066

وجود المشقة في الصيام والقيام في الصلاة حاصلة، وأن الزيادة في المرض لا يتحقق فإن هذا ليس بشيء، وليس فطر المريض إلا لرجاء برئه أو خوف زيادة مرضه. ألا ترى أن المشقة في الصيام تلحق الصحيح ولا يجوز له الفطر حتى يخاف مرضا يحدث - عندنا -، أو يخاف التلف من الصوم، وإنما الاعتبار مشقة تؤدي إلى المرض أو التلف. وعل أن المريض الخائف من استعمال الماء عذره في المرض موجود متحقق، وما يخافه من الزيادة هو المراعى، كما أن مرضه موجود وخوفه من الصوم مراعى، فلا فرق بينهما. فإن قيل: فقد روى في حديث أبي ذر أن النبي ﵇ قال: «الصعيد الطيب ضوء المسلم ول لم يجد الماء عشر سنين، فإذا جد الماء فليمسه بضرته»، فأمره بإمساس الماء البشرة إذا جده، ولم يفرق بين أن يخاف التلف، أو الزيادة في المرض، أو كيف ما كان، فهو على عمومه حتى يقوم دليل.

стр. 1067

قيل: هذه الآية مرتبة على قوله - تعالى -: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ أي من ضيق، واستعمال الماء للمريض الذي يخاف هو من أشد الضيق. مرتبة أيضا على قوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، من أشد العسر استعمال الماء الذي تخاف منه زيادة المرض. ومرتبة على قل النبي ﵇ في المشجوج: «إنما كان كيفيه أن يتيمم». ويؤيد هذا: ما … ذكرناه من الرخص وشهادة الأصول والقياس الذي يخص الظاهر، فيصير تقدير قول النبي ﵇: «فليمسسه بشرته»، إذا لم يخف الضنى وزيادة المرض، كما لو خاف التلف. فإن قيل: فإنه واجد للماء لا يخاف من استعماله التلف فوجب أن لا يجوز له التيمم ولا يعتد به. أصله إذا كانت به حمى أو صداع. قيل: إن كان الصداع يصره الماء البارد الشديد البرد حتى يخاف

стр. 1068

منه تزايد الصادع فله أن يتيمم، فإما أو كان الصداع من شدة الحمى ينفعه الماء فإنه يستعمله، وكذلك الحمى التي تكسر بالماء، فالمعنى في هذا النوع أنه لا يخاف مرضا ولا زيادة فيه، بل هو ينفعه. فإن جعلوا العلة في الصحيح. قيل: إن كان الصحيح يخاف أن تحدث به علة، مثل النزلة من شدة برد الماء إن اغتسل وهو جنب، أو يخاف حمى فإنه يتيمم، وإن لم يخف شيئا من ذلك فالمعنى فيه أنه غير خائف، وليس كذلك المريض الذي يخاف تزايد ما به؛ لأن تزايده من أسباب التلف، وقياسنا أولى بشهادة الأصول له. فإن قيل: إن الله - تعالى - ما أباح للمريض التيمم إلا وأباح للمسافر التيمم؛ لأنه قال: «﴿وإن كنتم مضى أو على سفر﴾، ثم تقرر أن المسافر الواجد للماء لا يجوز له أن يتيمم إلا عند الخف من التلف. قيل: عن هذا جوابان: أحداهما: أن المسافر إذا خاف العطش فليس يخاف التلف، وليس كل عطش يخاف منه التلف، وله أن يحبس الماء خوف العطش، والإنسان لا يعلم مقدار ما يحدث له من العطش، فينبغي أن يكن المرض الخائف من حدوث المرض أو تزايده، كالخائف من العطش أو تزايده.

стр. 1069

الجواب الآخر: هو أن المسافر لو لم يخف العطش، وخاف استعمال الماء لحدوث مرض فإنه يتيمم، فلم يلزم ما ذكروه. ووجه قول مالك في الرواية الأخرى أنه لا يتيمم إلا عند خوف التلف ما ذكرته من الحجاج للمخالفين، والله أعلم. وقد تضمن حجاجنا فيما مضى من الكلام على عطاء والحسن فتؤخذ من خبر عمرو بن العاص حين ولاه النبي ﵇ الغزاة، وأنه تيمم لما خاف التلف، وأخبر النبي ﵇ بذلك، فقال له: «أصليت بالناس وأنت جنب؟» فاحتج بالآية، فتيمم مع وجد الماء، ولم ينكر عليه، ولا أمره بالإعادة. وبما ذكرناه أيضا من تغيير الفروض بلحوق المشقة وإن لم يخف معها التلف، مثل الصائم يفطر وإن لم يخف التلف إذا كان مريضا يخاف الصوم، ومثل صلاته جالسا وإن لم يخف التلف من القيام، ومثل ما ذكرناه من قطاع الطريق وترك الخروج إلى الحج، والسعي إلى الجمعة، ففيه كفاية، والله التوفيق. وما قاله محمد وأبو يوسف من أنه وإن كان مقيما تيمم وصلى وأعاد تكون الحجاج عليه ما احتججنا به على الشافعي في الحاضر إذا عدم الماء فتيمم وصلى؛ لأنه قد أدى ما كلف ووجب عيه من التيمم والصلاة، وكل من صلى على ما أمر به سقط فرضه ولم تجب عليه الإعادة، والله أعلم.

стр. 1070

[٦٢] مَسْأَلَة عند مالك ﵀ أن من كان معه من الماء ما لا يكفيه لغسله من الجنابة، مثل أن يكفيه لبعض أعضائه، ولا يكفي الباقي فإنه يتيمم ولا يجب عليه استعماله، وكذلك لو كان معه ما يكفي بعض أعضائه في الوضوء، ولا يكفي جميع أعضائه فإنه يتيمم ويترك الماء الذي لا يكفيه. وبه قال أبو حنيفة، والمزني، والشافعي في أحد قوليه، وهو القديم. وقال في الحديد: يستعمل الماء في بعض أعضائه ويتيمم للباقي.

стр. 1071

والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ إلى قوله: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، فأمر - تعالى - بغسل الأعضاء وبطهارة جميع البدن في الجنابة، ولم يذكر بأي شيء يغسل ويتطهر، فلما قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ علمنا أنه أراد غسل جميع ذلك بالماء، وعلمنا أن بعدم ما كيفي غسل ما تقدم ذكر يجب الغسل، ومن معه ماء كفي لبعض ما أمر بغسله فإنه غير واجد لما يكفي ما تقدم ذكره، فوجب عليه التيمم؛ لأنه بدل الماء المقصود به غسل جميع الأعضاء. فإن قيل: السؤال عليكم من هذه الآية من وجوه: أحدها: أن الله - تعالى - لو أراد عدم ما يكفي جميع تلك الأعضاء التي قدم ذكرها لعرفه بالألف اللام، فقال: فلم تجدا الماء؛ لأن إعادة المذكور كذا يكون معرفا، فلما قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ ونكره كان شائعا في كل ماء، قليلا كان أو كثيرا. والسؤال الثاني: هو أنا لا نخالفكم في وجوب التيمم، وإنما خلافنا في الماء القليل قبل التيمم. والثالث: أن الآية حجة لنا، والمعنى فيه: فلم تجدوا ماء أصلا، فإنه غير قادر على استعماله أصلا، فلهذا يكون فرضه

стр. 1072

التيمم، ليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه واجد الماء قادر على استعماله، فكان فرضه استعماله. قيل: عن هذا أجوبة. فأما السؤال الأول فساقط؛ لأن الله - تعالى - لم يذكر في أول الآية بأي شيء تغسل، بماء أو غيره. فلم يجر الماء ذكر فيحتاج إلى إعادته بالتعريف فردد منكرا، ونبهنا - تعالى - بذكره أنه أراد غسل الأعضاء بماء دون غيره من المائعات، ولكنه ماء يكفي الأعضاء التي تقدمت. ألا ترى أنه لو صرح فقال: فلم تجدوا ماء يكفيكم لتلك الأعضاء فتيمموا لصح. وعلى أنه لو ذكر - تعالى - في أول الآية ماء منكرا، ثم قال: فلم تجدوا ماء لم يجب أن يعرف بالألف واللام؛ لأنه لو عرف لصار الأمر مقصورا على ماء بعينه من بين سائر المياه، فأعاد بلفظ منكر؛ ليعلمنا أننا إذا عدمنا ماء من المياه يكفينا لجميع الأعضاء وجب التيمم، ومثل هذا: قوله - تعالى -: ﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾ فأراد باليسر الثاني غير ما أراد باليسر الأول، ولها قال ابن عباس ﵁: لن يغلب عسر يسرين. ومثل هذا من الكلام لو قال قائل لغلامه: اطلب لي خياطا يخيط

стр. 1073

لي قميصا وجبة وقلنسية، فإن لم تجد خياطا فجئني بكذا. لكان كلاما صحيحا، ولم يجز أن يقول له: فإن لم تجد الخياط؛ لأنه يصير معرفا في إنسان بعينه. وأما السؤال الثاني واتفاقنا على التيمم فإن الآية تقتضي أننا إذا عدمنا ماء يكفي جميع الأعضاء التي تقدم ذكرها وجب التيمم، فإذا لم نعدم ماء هذه صفته، وإنما عدمنا وجب أن لا نتيمم، فلما أجمعنا على وجوب التيمم سقط وجوب استعمال الماء الذي لا يكفي. وأما السؤال الثالث: فإن دليل الخطاب يلزم؛ لأنه قال: فلم تجدوا ماء أصلا فتيمموا، فدليله أنا إذا وجدنا ماء أي ماء كان لا نتيمم، وهذا واجد لماء على ما تذكرون فوجب أن لا يتيمم، فلما قلتم: يتيمم، علمنا أن المراد فلما تجدوا ماء يكفيكم فتيمموا وهذا غير واجد لماء كيفيه فوجب أن يتيمم، ويترك الماء الذي لا يكفيه؛ لأنه إن استعمله وتيمم ترك حكم الآية. فإن قيل: فإن الله - تعالى - قال: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، فمن قدر على غسل وجهه توجه الخطاب إليه بالأمر، فينبغي أن يستعمل القدر الذي يتهيأ له من الماء في غسل وجهه فقوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، أباح التيمم بشرط العدم، والوجود يمنع منه.

стр. 1074

قيل: إن الله - تعالى - لم يقتصر على غسل الوجه دون باقي الأعضاء. ألا ترى أنه لم يذكر الماء حتى ذكر غسل الأعضاء كلها، وفرغ من ذكر حكم طهارة الجنابة، ثم قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، فثبت أنه أراد ماء للحكم الذي تقدم ذكره، فلا فرق بين ذكر الوجه وبين غيره من المذكور؛ لأن حكم الجميع حكم واحد في أن الطهارة لا تتم إلا بجميعه، فهي في حكم العضو الواحد، فعلمنا أنه أباح التيمم عند عدم الماء الذي تعلق الحكم به في الطهارتين جميعا. وقولكم: إن الوجود يمنع العدم فإننا نقول: إنما الوجود لماء يكفي الطهارة كلها يمنع التيمم، وليس ها هنا ماء هذه صفته، وقد كان أيضا ينبغي على ما تقولون أن لا يجوز التيمم أصلا؛ لأن الوجد الحاصل ينفيه، لما أوجبتم التيمم سقط حكم الماء الموجود. فإن قيل: إنما أوجبنا التيمم عبد استعمال هذا القدر من الماء في بعض أعضائه، ثم يصير عادما لما يكفي باقي الأعضاء فيجب عليه أن يتيمم. قيل: هذا لا يلزم من وجهين: أحدهما: أن الأمر بغسل الأعضاء كلها قد تقدم على فعلنا جملة الطهارة، وذكر كيف الحكم فيها، فلما انقضى ذكرها قال: وإن كنتم يا محدثين مأمورين بالطهارة على غير هذه الصفة في وجود الماء الذي

стр. 1075

تتطهرون به فاعدلوا إلى التيمم، ولم يقل: فاغسلوا بماء فإن لم تجدوا بعد ذلك ماء لباقي الأعضاء فتيمموا. والوجه الثاني: هو أنه كان يجب إذا غسلنا وجوهنا أن نمسح أيدينا حسب بالتيمم، فلما قلتم: إنه يتيمم تيمما تاما علمنا سقوط ما ذكرتم، وأن ذلك الماء لم يفد شيئا؛ لأن التيمم الذي هو بدل في عدم الماء الكافي للأعضاء كلها مقصود بحاله. ولنا أن نستدل بقول النبي ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركتني تيممت وصليت»، وهذا عام، سواء وجد ماء أو لم يجده إلا أن تقوم دلالة. فإن أوردوا الآية فقد تكلم عليها ما تقدم ذكره. فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته»، ففيه دليلان: أحدهما: يفيد كونه طهورا بشرط عدم الماء. والثاني: إيجاب إمساس بشرته بالماء عند الوجود، ولم يفرق بين ماء قليل يكفيه أو لا يكفيه.

стр. 1076

قيل: قوله ﵇: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء»، فعرف الماء بالألف واللام: لأنه منكر في آية الوضوء، فالمراد به ما يكفي لجملة الوضوء، فلما عرفه بالخبر علمنا أنه مشار به إلى المعهود، وهو الكافي للوضوء أو لغسل الجنابة. وقوله: «فليمسه بشرته» يدل على ما قلناه أيضا؛ لأنه لم يقل: فليمسه بعض بشرته، فالظاهر منه أنه إذا جد ماء يكفيه لإمساس بشرته كلها استعمله، ودليله أنه إذا وجد ماء يكفي بعض بشرته يستعمله، فسقط ما ذكروه. ونقول أيضا: إنه لا ي قدر على رفع حدثه بها القدر من الماء فوجب أن يكون فرضه التيمم، كما لم يجد الماء أصلا. وأيضا فإنه لا يلزمه الجمع بين البدل والمبدل منه جميعا. ألا ترى أن الواجد لبعض الرقبة هو عادم للبعض، فصار كالعادم للكل في أن فرضه الصيام، ولا يعيق بعض الرقبة المقدور عليه، كذلك أيضا العادم لبعض الماء كالعادم للكل. ونقول أيضا: قد اتفقنا على أنه لو عدم جملة الماء وجب عليه التيمم بدلا عن الأعضاء كلها، وكذلك إذا وجد بعض الماء وجب أن يتيمم عن الأعضاء كلها؛ بعلة أنه حدثه غير مرتفع بهذا التيمم. فإن قيل: فإنه واجد للماء لا يخاف من استعماله فوجب أن يلزمه استعماله، أصله إذا وجد ما يكفيه. وأيضا فإن كل جملة صح أن يتيمم عنها صح أن يتيمم عن

стр. 1077

بعضها، أصله البدن في الجنابة، فنقيس جواز التيمم للرجل على جواز التيمم للأعضاء الأربعة؛ لأن الرجل هي بعض الأعضاء الأربعة، كما أن الأعضاء هي بعض جميع البدن؛ لأن الجنب حدثه متعلق بجميع البدن، وهو يتيمم فيمسح وجهه ويديه. قيل: أما إذا وجد ماء يكفيه لجميع أعضائه فإن حدثه يرتفع، وإذا استعمل الماء القليل وتيمم لم يرتفع حدثه، فلم يجز رده إليه، وكان رده إلى من لا يجد الماء أصلا حج لأن التيمم لا يرفع حدثه. وقيل قولكم: إن كل جملة صح أن يتيمم عنها صح أن يتيمم عن بعضها باطل به إذا لم يجد الماء أصلا، فإنه يصح أن يتيمم عن الأربعة الأعضاء ولا يصح أن يتيمم عن بعضها، وكذلك إذا لم يجد الماء أصلا تيمم عن الجنابة، فيمسح وجهه ويديه، ولا يصح تيممه عن وجهه دون يديه، لو مسح وجهه ويده ونوى به عن يديه حسب لم يجزئه، وإن كان لو نوى به الجميع أجزأه. فإن قيل: إن حكم كل عضو غير متعلق بعضو آخر، بل لكل عضو حكم نفسه. ألا ترى أنه لو قطع شيء من أعضائه لم ي سقط فرض الطهارة عما لم يقطع من أعضائه، كذلك أيضا العجز عن طهارة بعض الأعضاء لا يكون عجزا عن طهارة جميع الأعضاء. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن قطع العضو يسقط حكمه في التيمم والطهارة بالماء جميعا، ولم يجز إذا وجد ماء لجميع بدنه أن يجمع بين استعمال الماء

стр. 1078

وبين التيمم؛ لأن الماء يرفع الحدث، فإذا وجد بعض الماء الذي لا يرتفع معه الحدث صار في حكم من لا يجده أصلا. والجواب الآخر: هو أن لكل عضو حكما في نفسه في باب الغسل الذي هو الفعل، ولكن الطهارة لا تتم به دون غيره. ألا ترى أنه لو بقي عليه عضو واحد لم يغسله مع قدرته لم تعم الطهارة، وكذلك لو مسح وجهه في التيمم دون يديه مع القدرة لم يستبح الصلاة، ثم لو قطعت إحدى يديه أو رجليه وغسل الباقي ارتفع حدثه. وكذلك لو قطعت إحدى يديه وعدم الماء فمسح وجهه ويده الباقية لاستباح الصلاة، وهو مع وجود اليد المقطوعة بخلاف ذلك، وإنما كلامنا في أن لا يجتمع الغسل والتيمم في حال واحدة؛ لأن استعمال الماء القليل في بعض الأعضاء لا يرفع الحدث، ولا بد معه من التيمم، فلم يستفد باستعمال الماء شيئا؛ لأن التيمم الذي هو بدل عن جميع الأعضاء لا بد منه؛ لأن حدثه غير مرتفع، بمنزلته لو لم يجد الماء أصلا. والجواب الآخر: هو إذا غسل وجهه بالماء القليل وتيمم ومسح وجهه ويديه فقد حصل وجهه مغسولا ممسوحا عن كان للوجه حكم نفسه، فيكفي فيه غسله، لا يحتاج إلى مسحه بالتراب؛ لأن حكم نفسه بالغسل قد زال ومضى، فينبغي أن يكون المسح فيما لم يغسل، فيكون للمغسول حكم نفسه، وللممسوح حكم نفسه. فلما قلتم: يمسح الوجه بالتراب بعد غسله علمنا أنكم لم تجعلوا له حكما في نفسه في إحدى الحالين، بل جمعتم له حكمين: أحدهما: الغسل، والآخر: المسح

стр. 1079

- الذي هو حكم اليدين - ولا يجوز أن يجمع في عضو واحد المبدل والبدل؛ إذ لو جاز في واحد من الأعضاء لجاز في جميعها، ليس جمع الغسل والمسح في الوجه - والحد لا يرتفع - بأولى من أن يجمع في اليدين تيممين والحدث غير مرتفع، فبان سقوط ما ذكروه. فإن قيل: فإننا ما ألزمناه الجمع ين المبدل البدل، إنما يتيمم عن الرجل التي سقط عنها الغسل، ولا يتيمم عن الذي غسله، كما نقول: إذا كان جنبا تيمم عن جميع البدن بأن يمسح وجهه ويديه، وإن كان محدثا فحدثه متعلق ببعض تلك الجملة - أعني البدن في الجنابة، ثم يتيمم فيمسح وجهه يديه، فجاز له أن يتيمم لبعض جملة البدن، كما جاز لجملة البدن، كذلك لما جاز التيمم للأعضاء الأربعة جاز التيمم لبعضها، وهو الرجل. قيل: إن الجنب إذا لم يجد الماء تيمم فمسح وجهه ويديه سقط حكم باقي بدنه فلم يجتمع فيه غسل ومحس، بل سقط جملة، فناب عنه مسح الوجه واليدين. فوزان هذا أن لا يجتمع ي عضو واحد من الأربعة الأعضاء يتيمم فيمسح وجهه ويديه، يسقط حكم رأسه رجليه، ليس كذل إذا غسل وجهه ثم تيمم، يمسح وجهه ويديه، لأنه يجتمع في الوجه الغسل المسح جميعا، وهذا مبدل وبدل في عضو واحد فلم يلزم.

стр. 1080

ما ذكرتموه من وجد بعض الرقبة في الكفارة وعدم البعض لا يلزمنا؛ لأنه دعوى بلا دليل. على أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن صيام الشهرين - اللذين هما بدل عن الرقبة في الكفارة - لما لم يجز أن يكونا عدلا عن بعض الرقبة لم يلزمه أن يأتي ببعض الرقبة وبالصوم، لما جاز التيمم - الذي هو بدل عن جميع البدن - أن يكن بدلا عن بعض البدن، كذلك أيضا جاز أن يقع عن بعض الأعضاء الأربعة، وهو الرجل. الفرق الثاني: هو أنه لا يستفيد بعتق بعض الرقبة إذا أتى بصوم شهرين شيئا، لا في هذ … هـ الكفارة ولا كفارة أخرى؛ لأنه إذا وجد تمام الرقبة في كفارة أخرى لم يبن على البعض الذي مضى في الكفارة الأولى، فلهذا لم يلزمه عتق بعض الرقبة، فكان فرضه الصيام أو الإطعام، وليس كذلك في الماء؛ لأنه يستفيد باستعمال الماء الذي وجده، وهو أنه إذا وجد الماء الذي يتمم به غسل باقي الأعضاء غسل به العضو الذي لم يغسله وبني عليه، وارتفع حدثه فلهذا لزمه. قيل: أما ما ذكرتموه أنه دعوى بلا دليل فمحال؛ لأننا قلنا: إن البدل والمبدل لا يجتمعان، كما أن بعض الرقبة هو مبدل فلا يجتمع معه الصيام، كذلك غسل الوجه بالماء القليل لا يجتمع معه التيمم؛ لأن الماء القليل مبدل، والتيمم بدله.

стр. 1081

وأما الفرق الأول فليس بشيء؛ لأنه لم يجز أن يجتمع في الكفارة عتق هو مبدل، وصيام هو بدل، بل يسقط حكم بعض الرقبة أصلا، وعدل إلى البدل الذي هو الصيام، كذلك يجب أن يسقط حكم الماء القليل في الطهارة، يعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولا يجتمع في الوجه غسل هو مبدل مع مسح هو بدل، وقد ذكرنا أن التيمم في الجنابة يسقط حكم سائر البدن أصلا فلا يجتمع فيه غسل ومسح، لأن الخلاف فيه واحد، فكذلك يسقط حكم الماء القليل أصلا في الوجه، ويعدل إلى التيمم الذي هو البدل، ولا يجتمع في الوجه غسل في الوضوء ومسح في التيمم. وأما الفرق الثاني فليس بشيء أيضا؛ لأن الذي استعمل الماء القليل في بعض الأعضاء، ويتيمم لتلك الصلاة لو وجد عند صلاة أخرى ماء قليلا يكفي باقي أعضائه التي لم يغسلها في الصلاة الأولى لم يبن؛ لأن تفرقة الوضوء - عندنا - لا يجوز في صلاة واحدة فكيف في صلاتين، وحدثه قائم في الأولى بالتيمم الذي كان منه، فلا هو يستفيد بالأولى شيئا إذا تيمم، ولا في الثانية، وهو يتيمم، لأن حدثه باق كما كان. فإن قيل: إن الطهارة شرط من شرائط الصلاة لا تصح دونه، فوجب أن يكون العجز في بعضها لا يسقط الفرض في باقيها كتسر العورة.

стр. 1082

قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن ستر العورة ليس من شرائط الصلاة التي تختصها، فإنما هو فرض في الجملة يستر عورته عن أعين المخلوقين، والطهارة من فروض الصلاة تختصها. وأيضا فإنه إذا صلى بعض الصلاة بغير سترة، ثم وجد السترة في خلالها استتر وبنى على صلاته، فعروض هذا أن يتيمم ويصلي بعض الصلاة ثم يجد الماء فينبغي أن يستعمله لباقي صلاته، - ونحن وأنتم - لا نقول هذا. وإن استعمل الماء وتيمم ثم دخل في الصلاة ثم وجد ماء يكفيه لما بقي من أعضائه يجب أن يستعمله ويبني على صلاته، وأنتم لا تقولون هذا أيضا. فإن قيل: فإن الطهارة عبادة على البدن، يؤتى بها جزءا فجزءا، لا تجمع أفعالا متغايرة، فوجب أن يكون العدل إلى البدل عن الأصل فيه لا يصح إلا عند العجز عن كمال الأصل. دليل ذلك: الصلاة لا يسقط عنه ما قدر عليه من الركوع والسجود لعجزه عن القيام، ولا يسقط القيام لعجزه عن الركوع. قيل: … هذا غلط؛ لأننا قد بينا أن عجزه عن الماء المأمور به لجملة الطهارة يدخل تحت شرط العدم. وأيضا فإن العاجز في الصلاة عهن ركن من أركانها يأتي بدله حسب مع عجزه عنه، ولا يحتاج إلى بدل لما لم يعجز عنه، وأنتم

стр. 1083

توجبون على هذا تيمما كاملا مع استعمال الماء في وجهه، فيجتمع في وجهه غسل ومسح، ولم يكن عاجزا عن غسل الوجه وقد غسله، فكان ينبغي أن يبقى عليه بدل غسل يديه حسب، فلما أوجبتم عليه التيمم الكلي الذي هو بدل عن غسل جميع الأعضاء علمنا أن غسل وجهه لم يفده شيئا. وعلى أن هذا ينعكس عليكم بوجود بعض الرقبة في الكفارة؛ لأنه ينبغي أن لا يسقط حكم ما وجده من الرقبة وقدر عليه من أجل مالا يقدر عليه، كما قلتم في الصلاة. ولنا أن نقول: إن التيمم بدل عن الماء، وعدم بعض الأصل كعدم الأصل. دليل ذلك: الرقبة في الكفارة إذا ملك بعضها ولم يقدر على الباقي صار حكم ما قدر عيه مها في حكم عدم الكل، فوجب العدول إلى البدل وترك استعمال ما يجده منها. فإن قيل: إنما عدل إلى الصوم في الكفارة مع وجود بعض الرقبة؛ لأن اسم رقبة لا يتناول بعض رقبة، والماء القليل يتناوله اسم ماء كما يتناول الكثير. قيل: إن أردت اسم ماء يكفي لعضوين يقع على اسم ماء يكفي لأربعة أعضاء، فإن ها محلا، وقد بينا أن المارد بقوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ يكفي للوضوء وللجنابة، والكلام معكم في الحكم، فالتفرقة بالأسماء لا معنى له. ألا ترى أنه - تعالى - قال في الكفارة: ﴿فمن لم يد فصيام شهرين متتابعين﴾، فأصناف اسم جنس الصيام

стр. 1084

إلى الأصل المذكور، فل قال قائل: أنا إذا صمت يوما أو شهرا فإنه يقع عليه اسم صوم، كما يقع على صوم شهرين اسم صن فأجوز بعض الصيام إذا قدر عليه واستعمل الإطعام عن الباقي، وأفرق بينه وبين الرقبة؛ لأن بعضها لا يتناوله اسم رقبة، وصوم يوم من شهرين يتناوله اسم صوم لكان قوله ساقطا؛ لأننا نقول له: إذا … أضيف اسم الجنس إلى شيء فالمقصود الاسم على الصفة التي وصف عليه، فكذلك قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، أي ماء يكفي الوضوء فتيمموا، فالمقصود أنه دم ماء هذه صفته. وعلى أن ذلك الخاطب يقتضي أن لا يتيمم مع وجود الماء القليل، فإن قام دليل جواز التيمم زيادة على الماء جاز على أن يقوم دليل على إسقاط الماء. والاكتفاء بالتيمم؛ إذ حدثه لا يرتفع مع استعمال الماء والتيمم. فإن قيل: فقد روي عن رسول الله ﷺ في الرجل الذي أصابته شجة واحتلم، فسال بعض الصحابة: هلي من رخصة؟. فلم يرخص له في المسح فاغتسل فمات. . الحدث إلى قول النبي ﵇: «إنما كان يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده»، فأخبر النبي ﵇ عن الجمع بين التيمم والغسل بالماء لما قدر عليه، والمسح على ما عجز عنه. قيل: هذا كلام في مَسْأَلَة أخرى خارجة عن مسألتنا؛ وذلك أنه إن كان قادرا على غسل أكثر بدنه عاجزا عن غسل أقله، فإنه يمسح

стр. 1085

على ما يعجز عن غسله، ويغسل الأكثر، ويصير في حكم المغتسل لزوال حدثه، فلا يكن لتيممه معنى؛ لأن لا يرتفع الحدث، وما مسح عليه وغسل الباقي قد ارتفع حدثه بذلك، كما لو مسح على خفيه مع غسل بعض أعضائه لم يحتج معه إلى تيمم؛ لأن حدثه قد ارتفع. ولو كان أكثر بدنه جريحا لا يستطيع غسله، ولم يبق منه إلا يد أو رجل صحيحة فإنه يتيمم حسب لا يلزمه غير ذلك، فثبت أن الحديث لم يرد لما ظننتموه. على أنه قد روي فيه: «إنما كان يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده»، فأفرد التيمم عن المسح والغسل، لا دلالة لكم في الخبر؛ لأننا نقول: إنه لا يجمع بينهما. فإن قيل: وجدنا الأبدان على ضربين: ضرب منها يتبعض، وضرب لا يتبعض، والماء مما يتبعض في الاستعمال في العرف والدين، والرقبة لا تتبعض، فوجد الجزء من المتبعض في منع بدله كوجود الكل. يدل على ذلك: أن من وجد شيئا من طعام حلال يقع موقعا لكنه لا يشبع، ولا لكل الجوع يدفع، فإنه بالإجماع يبدأ بالحلال فيتناوله، ثم يصله بما قد أبيح للضرورة إن دامت حاجته إليه، كذلك في مسألتنا. قيل: هذا غير صحيح في التشبيه؛ وذلك أنه قد استوى في سد

стр. 1086

الرمق الحلال والحرام. ألا ترى أن الماء النجس والماء الطاهر في شربهما للضرورة على منزلة واحدة، وقد اختلف حكمهما في الطهارة حتى جعل بدل الماء النجس التيمم إذا عدم الماء الطاهر، ولم يجز استعمال الماء الطاهر والماء النجس في الطهارة. ثم إن ها ينقلب عليكم في الوضوء والتيمم جميعا؛ لأنه مع استعمال الماء الذي يكفي لغسل وجهه لا يتمه بالتيمم الذي هو بلد عند الضرورة، وإنما يأتي بالتيمم الكامل على صفته لو لم يجد ماء أصلا. وأيضا فإن التراب - عندكم - شرط في التيمم، وهو مما يتبعض، ولو لم يقدر منه على ما يمسح به وجه فقط، مثل أن يكون في بحر ولا يقدر على ماء، ولا يجد من التراب ولا ما يكفيه لضربة واحدة لوجهه فإنه لا يجب عليه استعمال الضربة لوجهه؛ لأنها لا تفيده شيئا، وهذا هو بدل مما يتبعض وهو عبادة على البدن. وأيضا فإن ما ذكرتموه على الإطلاق يتبعض في الصوم؛ لأن صوم التتابع في الشهرين هو بدل على البدن، وهو يتبعض في الشهرين؛ لأن صيام يوم ويومين هو بعض الشهرين، كما أن غسل الوجه بماء كيفيه هو بعض ما يكفي الكلم، وهو أيضا بعض الأعضاء، فإذا لم يكن واجد الماء القليل في حكم من عدم الكل لزم الذي يقدر على الكل، فيلزمه صيام ما قدر عيه وأن يتمه بالإطعام، وبكل الإطعام أيضا في كفارة الظهار، فلما لم يجب ذلك فكذلك في مسألتنا.

стр. 1087

فإن قيل: لما كانت المعتدة متى قاربت حد الإياس، وقد اعتدت بقرء، ثم خرجت بعده من الحيضة إلى الإياس فإنها تعتد بالأشهر، فتكون جامعة بين البدل والمبدل منه فكلك لا يمتنع أن يكون الذي يجد بعض ما يكفيه لوضوئه جامعا بين البدل والمبدل منه. فإن قيل: هذا مع أنه دعوى منتقض بالذي يقدر على نصف رقبة ولا يقدر على باقيها؛ فإنه لا يلزمه عتق نصف رقبة وصيام شهر، وكذلك لو عجز عن الرقبة وقدر على إطعام ثلاثين مسكينا وعلى صيام شرهي لم يلزمه الجمع بينهما. ومع هذا فإن العدة بالشهور ليست بدلا، بل هي أصل في نفسها، والحيض أصل في نفسه، والوضع من الحمل أصل في نفسه. فالعدة بالأقراء لمن عادتها الحيض، والعدة ثلاثة أشهر لمن لم تحض واليائسة من الحيض، والوضع للحامل، وأربعة أشهر وعشرة أيام للمتوفى عنها زوجها، وليست واحدة من ذلك بدلا عن الأخرى. وعلى أن التي حاضت حيضة لم تقطع على عدتها في الابتداء، ولو تيقنت عدتها لعملت عليها، فهي تعمل على الظاهر، ولا تقطع على حقيقة ذلك إلا بعد انقضائه. فعروض مسألتنا أن يكون من معه ماء قليل يغلب علة ظنه أنه يكفيه، ثم لا يكون كذلك فإنه يعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولو تحقق من أول أمرة أنه لا يكفيه لم يجب عليه استعماله ووجب التيمم الذي هو بدل.

стр. 1088

فإن قيل: فيجب استعماله لعله إلى أن يستعمله يقدر على ما يتمم به طهارته فيبني عليه. قيل: هذا يلزم في واجد بعض الرقبة فإنه يعتقها، ثم يجوز، يملك الباقي فيبني عليه، وكذلك يلزم في الصيام لبعض الشهرين والإطعام، وبالله التوفيق.

стр. 1089

فصل إذا كان أكثر بدنه جريحا لا يقدر على استعمال الماء عليه، ولم تبق له إلا يد ورجل فإنه يسقط عنه غسل ذلك ويتيمم، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يغسل الصحيح منه ويتيمم. والأصل في هذا الفصل ما قدمنا ذكره في المسألة التي تقدمت إذا كان معه ماء قليل لا يكفيه لطهارته فإنه لا يلزمه استعماله ويتيمم؛ لأن استعماله لا يفيده شيئا، إذ لا بد له من التيمم الذي قد جعل بدلا عن الكل، فلا يجمع شيء من المبدل مع البدل. فإن قيل: فقد قال الله - تعالى - ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى آخر الآية، فلا يسقط فرض ما قدر عليه من أجل ما عجز عنه.

стр. 1090

قيل: لم يذكر الله - تعالى - في الآية الجمع بين استعمال الماء والتيمم، إنما ذكر الماء إذا قدر عليه أو التيمم مع عدمه وتعذر استعماله، وهذا ممن قد تعذر عليه استعماله في جملة الأعضاء أو أكثرها، فصار من أهل التيمم لا من أهل الماء. ولنا أن نقول: إن التيمم بدل عن الطهارة بالماء، فلا يجوز الجمع بين الأصل والبدل الذي مناب جملته مفردا، كالرقبة في كفارة الظهار. فإن قيل: هو منتقض بالمسح على الخفين والجبائر مع غسل الباقي. قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأننا قلنا: لا يجوز جمع الأصل مع البدل الذي ينوب مناب جملته مفردا، والمسح على الخفين والجبيرة ليس هما بدلا ينوب في الإفراد عن جميع الأصل. وأيضا فإن الخفين بدل من غسل الرجلين اللتين تحتهما، لا بدلا عن جملة الأعضاء، فالحدث يرتفع وإن مسح على الخفين والجبيرة، وليس كذلك التيمم؛ لأنه بدل عن الجملة، ألا ترى أنه لو لم يجد ماء أصلا كان هذا التيمم هو البدل والحدث غير مرتفع. وأسئلة هذه المسألة هي أسئلة المسألة التي تقدمت فتنقل الأجوبة هناك إلى الأسئلة ها هنا، وبالله التوفيق.
следующие страницы →