← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الإنسان إذا جدد ثوبه أتى بمثل ما كان له أولاً. قيل: أنا قولكم: إنه كان هناك عذر لنقل فليس كل عذر لنقل فليس كل عذر ينقل، ولكن إذا كان هناك دليل أن مسح العمامة لا يجوز، وورد أنها مسحت مرة واحدة حمل على ذلك. على أنه قد نقل، وهو ما رواه ثوبان، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا عليه أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين، والعصائب:

стр. 107

العمائم. والتساخين: الخفاف. فعلمنا أنه أمرهم بذلك للعذر، وهو البرد الذي وجدوه، فلو كان المسح لغير ذلك جائزاً لم يكن في ذلك فائدة؛ لأنه يكون قد أمرهم بشيء علموا أنه جائز في غير البرد، فلما أمرهم به عند هذا العذر علم أن هذا العذر هو السبب في جواز ذلك، وعلى أن عمائم العرب كانت صغاراً تسمى العصائب، فهي خفاف لعل المسح بالماء يصل منها إلى الرأس فيصير ممسوحاً بالماء. وأما ما ذكروه من التجديد والمثل الذي ضربوه له بأن فلاناً جدد ثوبه إذا لبس ثوباً جديداً مستأنفاً، فقد يجوز أن يكون مثل الأول أو

стр. 108

دونه أو فوقه؛ لأن الأول قد يكون صفيقا، والثاني خفيفاً، وإن كان جديداً، فهذا تجديد الوضوء يكون دون الأول؛ آلأنه لو لم يفعله لما احتاج إليه، ونحن نعلم أن الإنسان إذا توضأ فغسل وجهه مرة ثم ثم أعاد الثانية أنها دون الأولى لا محالة، وأنه ربما تساهل فيها؛ لأنه لو لم يفعلها لأجزأته الأولى. فإن قيل: فإذا كنتم تستعملون الأخبار كلها مع الإمكان، وتجعلون لكل خبر فائدة، فقد روي أنه ﵇ مسح بجميع رأسه، وروي أنه مسح بناصيته، وروي مسح بناصيته وعمامته، وروي مسح على عمامته، فقولوا كما نقول: إن ذلك كله جائز. قيل: الصحيح من الأخبار مسح بجميع رأسه، والباقية

стр. 109

ضعاف، وإنما نستعملها إذا تساوت في الصحة. على أننا قد استعملنا وقلنا: إذا جاءت هذه الأخبار بفعل وقع شاذا في بعض الأوقات حملناها على مل نقدم ذكره من العذر أو التجديد، ولولاها لأوجبنا على من فعل ذلك مع العذر الإعادة، فهذا ضرب من الاستعمال، وقد كلن يجوز أن يكلف مع العذر الإعادة فاستفدنا بها الجواز وسقوط القضاء، ألا ترى أن الناس قد اختلفوا في المسح على الجبائر فجوزناه عند العذر: للخبر الذي ورد فيه.

стр. 110

دليل آخر: وهو استصحاب الحال؛ وذلك أن الصلاة عليه بيقين، وكذلك الطهارة، فمن زعم أنه إذا مسح على العمامة وصلى فقد سقط عنه حكم الطهارة والصلاة فعليه الدليل. فإن قيل: نحن نقول: إنَّه ما تعلق حكم الطهارة إلا على جواز المسح عليها. قيل: قد ذكرنا أن الحكم تعلق عليه بالآية، فإذا تنازعنا ذلك لم يسقط اليقين بهذا المحتمل. دليل من القياس: اتفقنا على أن البرقع والقفازين لا يجوز المسح عليهما من غير علة، والمعنى في ذلك: أنه ماسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، والممسوح ليس بخف. فإن قا سوا مسح العمامة على الخفين: لعلة أنه عضو يسقط في التيمم فكل عض ويسقط في التيمم جاز أن ي مسح الحائل دونه، وهذا المعنى موجود في الرأس. قيل: هذا ينتقض في الجنابة؛ لأن الرجل والرأس يسقطان في التيمم عنها، ولا يجوز غسل الحائل دونهما. وعلى أننا نقول: ليس المعنى ما ذكرتم، ولكن المعنى أنه عضو يلحق في نزع الخف عنه مشقة غالبة؛ لأنه يتكلف نزعه، ولعله ينقطع عن شغله وسفره ورفقته، وليس عليه مش قة غالبة في إدخال يده تحت

стр. 111

عمامته، وقد كان للنبي ﷺ عمامة قِطْرية، فادخل يده ومسح ما تحتها، ألا ترى أن القفازين أشد ضرورة من العمامة، لأنه قد يشتد البرد على قوم ويكون غسلهم في الشوك ثم لا يجوز أن يمسح عليهما فبطل ما ذكروه. وعلى أننا قد ذكرنا قياساً آخر على البرقع والقفازين وليس الرد إلى أحدهما باولى من رده إلى الآخر. فأما سقوطهما في التيمم؛ فلأن طرح التراب على الرأس ومسحه بعد مس الأرض - التي لا تخلو في غالب الحال من شيء يكون عليها -فربما تطيَّر به الناس، وتجافته نفوسهم، ولعلهم لو كلفوه لم يفعلوه، والرِّجل فمن عادتها في الغالب ملاقاة التراب فنهوا عن

стр. 112

مسحها في التيمم لذلك، فكان الجمع بين الفقازين وبين العمامة في اعتبار حكم المشقة الأولى. وجواب آخر: وهو أن الرأس قد لحقته رخصة، وهي كونه ممسوحاً لا مغسولاً، فلم ينقل من رخصة إلى بدل، وليس كذلك الرجل؛ لأنها مغسولة فجاز أن تنقل فجاز إلى رخصة، هي المسح على الخف، والله أعلم.

стр. 113

[٧] مَسْأَلَة المستحب والمسنون عند مالك ﵀ في الرأس مسحة واحدة. وهي عندي أن يرد يديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه؛ لأن مسح جميع الرأس واجب؛ وهو أن بدأ من مقدمه إلى مؤخره فرد يده بعد ذلك إلى مقدمه مسنون، ولو بدا بالمسح من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم إلى المؤخر، وهذا مذهب ابن عمر، ووالحسن البصري، وأحمد بن حنبل.

стр. 114

وقال أبو حنيفة: المسنون مرة واحدة على الصفة التي ذكرتها من مذهبنا، ولكنه يقول: الفرض مسح الرأس، وتمامه رد اليدين إلى المقدم، وهو المسنون وسمعت بعض أصحابه يقول: ثلاث مسحات بماء واحد. وقال الشافعي: المسنون ثلاث مسحات، في كل واحدة يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ثم يردها إلى حيث بدأ، فهذه مسحة واحدة وكذلك الثانية والثالثة. والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وان المسنون والمستحب يحتاجان إلى شرع كما يحتاج الوجوب إلى دلالة من الشرع. فإن قيل: قد قامت الدلالة، وهب أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصالة إلا به»، والوضوء عبارة عن غسل جميع أعضائه، ثم توضأ مرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وبيَّن الفضل في ذلك.

стр. 115

قيل: الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهذا يتوجه إلى ما يغسل حتى يضء. فإن قيل: فقد بيَّن ما أردناه في الخبر الآخر، وهو أنه ﵇ مسح برأسه ثلاثاً، كما غسل وجهه ثلاثاً.

стр. 116

قيل: لعمري إنه قد رُوِيَ هكذا، ولكن الذي داوم على فعله هو الأفضل، وفي عُظْم الأخبار عن عثمان، وعلي، وابن عباس ﵁، وعن غيرهم أيضاً مثل عبد لله بن زيد،

стр. 117

والرُّبيِّع، وأكثر الصحابة أنهم كانوا يحكون وضوءه، ويعلمونه الناس أنه ﵇ غسل وجهه ويديه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرة واحدة، ففرق بين الغسل والمسح، وقد تقدم العلم بالفرق بينهما من طريق الصورة والهيئة، فلم يكن الفرق بينهما ههنا إلا في العدد، فإذا تبين أن الفضل في غسل اليدين ثلاثاً تبين أن الفضل في مسح الرأس مرة واحدة، إذ المداومة لا تكون إلا في الأفضل، ويكون مسحه إياه في بعض الأحوال ثلاثاً ليعلم أنه جائز؛ لئلا يظن ظان أنه لا يجوز. ويحتمل أن يكون الماء الذي مسح به رأسه جف في يده، -

стр. 118

وعندنا - يجب مسح جميعه فاحتاج أن يجدد الماء حتى يتممه بثلاث مسحات؛ لأن أرض الحجاز حارة، والريح بها يجفف، والمياه قليلة يشفق الإنسان في استعمالها، فإذا كان هذا محتملاً مع كون لفظ مسح لفظ فعل لا يقع إلاَّ على فعلة واحدة لم يترك بهذا المحتمل ظواهر الأحاديث، ومداومته ﵇ على الفرق بين الغسل والمسح مثل هذا. دليل من القياس: اتفقنا في التيمم على المرة الواحدة، والمعنى في ذلك: أنه مسح في طهارة، فكل مسح في طهارة مثله، سواء كان مسحاً بماء أو بغير ماء، فإن المستحب فيه مرة واحدة. وإن شئت قسته على مسح الخفين والجبائر؛ بعلة أنه مسح بالماء. فإن قيل: لأصحابنا في الخف والجبائر وجهان. قلت: الصحيح منهما ما قلناه. فإن قيل: نحن نقيس ذلك على غسل الوجه؛ بعلة أنه عضو تعبدنا بمباشرته بالماء فإذا كان المستحب فيه ثلاثاً كان الرأس مثله. قيل: قد حصل لنا قياس بإزاء هذا القياس، ولنا فضل الترجيح، وهو أن قياسنا يسند إلى مداومة فعل النبي ﷺ في مسحه الرأس واحدة، وإلى فعل الصحابة ﵃ الأكثر في أكثر أفعالهم.

стр. 119

فإن قيل: قلنا الترجيح برد الماء إلى الماء. قيل: ونحن رددنا مسحاً إلى مسح، ومسحاً بالماء أيضاً إلى مسح بالماء على ما بيناه في أظهر الوجهين في الجبائر والخف. ولنا ترجيح آخر: وهو أن مسح الرأس أخف من الغسل، فلما خفف بأن جعل فيه المسح في العدد، ولما كان الغسل في الوجه أثقل من المسح أكد بالعدد، ألا ترى أالخلاف قد حصل في مسح جميع الرأس ولم يحصل في جميع الوجه. وأيضاً فلو كررنا المسح في الرأس لصار أشق من الغسل أو حصل في معناه، وكل أحد يعلم أن الوجه في غالب الأحوال مكشوف يلاقي البرد والرياح ويصير من ذلك على ما لا يصير عليه ما يتستر من الإنسان وكذلك اليد يعمل بها ويباشر بها وبالرجل ما لا يحصل في الرأس مثله، ولهذا يتوقى الإنسان من كشف ﴿اسه أو شيء منه وخاصة في الأوقات التي تتخوف فيها النزلات والزكام، فكان المسح فيه على كل حال أخف، وكذلك خفف في العدد، والله أعلم. فإن قيل: فإن الطهارة تشتمل على مغسول وممسوح، فلما ساوى الممسوح المغسول في الوجوب وجب أن يساويه في المسنون، ألا ترى أن

стр. 120

الصلاة تشتمل على أفعال وأذكار، ثم لما ساوت الأذكار الأفعال في الوجوب ساوتها في المسنون، فالذكر الواجب فاتحة الكتاب، والمسنون السورة. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن أركان الطهارة قد اختلفت في الممسوح والمغسول في الوجوب - عندكم -، فقيل جميع الوجه واجب، وليس مسح جميع الرأس واجباً، فلما افترقا في الوجوب من هذا الوجه وجب أن يفترقا في المسنون من المسح. والجواب الآخر: هو أن المسح الواجب في الأصول قد فارق موضع الوجوب في الغسل. ألا ترى أن المسح في التيمم لم يسن فيه التكرار، وإن كان قد سن في غسله بالماء. وأما الذكر في الصلاة فقد اختلف المسنون منه والمفروض، فقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة منها، وقراءة السورة في ركعتين من الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة، فإن أردتم أن يكون في الطهارة شيء مسنون في المسح فالسنة في مسح الرأس مرة واحدة؛ لخفة المسح من الغسل، وبالله التوفيق.

стр. 121

[٨] مَسْأَلَة والأذنان عند مالك ﵀ من الرأس في الطهارة يمسحان معه، ويُستحب أن يُؤخذ لهما ماءٌ جديدٌ. ومذهبنا مذهب ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وعطاء،

стр. 122

والحسن، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل.

стр. 123

وقال الزهري: هما من الوجه يغسل ظاهرهما وباطنهما معاً، وقال الشعبي: والحسن بن صالح، وإسحاق، ما اقلب منهما من الوجه يغسل معه، وما أدبر منهما من الرأس يمسح معه. ولا خلاف بين الأمة أنه عن اقتصر على مسح الأذنين لم يجزئه، وقال الشافعي: هما سنة على حيالهما، يمسحان بماء جديد بعد الفراغ من مسح الرأس.

стр. 124

والدليل لقولنا: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وقد اتفقنا على أن كل عضو في الوجه هو منه. وليست الأذنان منه فثبت أنهما من الرأس؛ لأننا قد تعبدنا فيهما بحكم من الطهارة بلا خلاف، وقد خرج حكمهما في التعبد من الوجه فوجب أن يكون حكمهما في الرأس؛ إذ لم يذكر الله تعالى مما يقارنهما من الأعضاء غيرهما. فإما أن يكونا في العبادة من الوجه أو من الرأس، فمن أثبت لشيء آخر بين الوجه والرأس حكماً يخالفهما فعليه الدلالة. فإن قيل على هذا: أليس الفم والأنف من الوجه وقد سُنَّ لهما سنةٌ غير ما في الوجه، وهي المضمضة والاستنشاق، فكذلك إن كانت الأذنان من الرأس كانت لهما سنةٌ في المسح غير ما في الرأس. قيل: إن الفم والأنف لما بطن داخلهما سُنت لهما سنةُ المضمضة والاستنشاق. ألا ترى أن ظاهرهما مغسول مع الوجه. ولما كان باطن الأذنين ظاهراً لم تسن له سنة تخالف مسح الرأس؛ لأن المسح يأتي على الظاهر والباطن منهما مع الرأس. والدليل أيضاً على أنهما من الرأس: ما رواه ابن عباس وأبو أمامة

стр. 125

عن النبي ﷺ قال: «الأذنان من الرأس»، وإذا قيل: هذا الشيء من

стр. 126

هذا الشيء، فهو بعضه لا محالة. فإن قيل: فإنَّه ﵇ أراد أنهما تمسحان كما يمسح الرأس، ردًّا على من قال: إنَّهما من الوجه. قيل: إنَّه إذا قيل لنا: هذا الشيء من هذا الشيء، فهو بعضه، فمسحه داخل في مسح الرأس كدخول بعض من الرأس في باقيه. ولو أراد ما قلتم لقال: الأذنان تمسحان كمسح الرأس، ولم يجعلهما منه. فإن قيل: فقد علمنا لأنهما ليسا كالرأس صورة وهيئة، وأن لهما أحكاماً كثيرة تنفرد عن الرأس. قيل: لا يمنع أن يكونا منه في باب المسح، ألا ترى أن ظاهر الأنف والشفتين تغسل مع الوجه، ولهما حكم في الجنايات يخالف باقي أل وجه، فكذلك الأذنان. دليل آخر: وهو ما روي أن النبي ﷺ مسحهما مع رأسه، كما

стр. 127

غسل مرفقه مع ذراعيه وكعبيه مع رجليه. وأيضاً ما روى الصُّنَابِحِيّ أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المؤمن فغسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وإذا مسح برأسه خرجت من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه». فعلمنا بهذا أنهما

стр. 128

من الرأس، كما علمنا أن العينين من الوجه. فإن قيل: ليستا من الرأس؛ لأنهما لا تنبتان الشعر. قيل: هذا غلط؛ لأن الشعر ينبت فيهما، ولو لم ينبت لما دل ذلك على ما تقولون، لأنَّ الجَلَخَة لا يكون عليها شعر وهي من الرأس، وليس إذا لم ينبت في موضع شعر لم يكن من ذلك الشيء، ونحن نعلم أن في الوجه مواضع يقل الشعر فيها ولا ينبت أيضاً، ولا يدل على أنها ليست من الوجه. فإن قيل: الخط الدائر وراء الأذنين لما لم يكن من الرأس وهو إليه أقرب، والأذنان منه أبعد فهما أولى أن لا يكونا منه. قيل: الخط الدائر - عندنا - من الرأس فسقط ما قلت. فإن قيل: عندكم أنهما لو سقطتا في الطهارة على طريق النسيان لم يكن عليه إعادة الصلاة، ولو سقط موضع من الرأس بيقين لأعاد الصلاة.

стр. 129

قيل: اليسير من الرأس الذي لا يعرف بعينه قد تركه ناسياً فعليه الإعادة على ظاهر قول مالك، وكذلك يجب في الأذنين بحق القياس، إلاَّ أننا نفرق بينهما بفرق، وهو: أن الأذنين في قد وقع الخلاف فيهما هل هما من الرأس أو لا؟ ولم يقع الخالف في بعض من أبعاض الرأس هل هو منه أو لا؟ فيجوز إذا نسي مسح أذنيه أن لا يعيد الصلاة؛ للخلاف فيما هل هما من الرأس أو لا؟ وإن قلنا أيضاً: إنه إن نسي شيئاً يسيراً من موضع بعينه من رأسه لم يُعد الصلاة جاز؛ لوقوع الخلاف في مسح جميعه، وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة ومن تابعه في ترك الثلث، ولكن لا يجوز أن يتعمد ذلك. فإن قيل: لو كانتا من الرأس لأجزأ المحرمَ حلقهما أو تقصيرُهما. قيل: لو ترك ما لا يختلف فيه أنه من الرأس لم يجزئه؛ لأن عليه استيفاء الحلق أو القصر في جميعه، فكيف يجزئ الاقتصار على الأذنين؟ وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه لا يتممون بهما ربع الرأس.

стр. 130

فإن قيل: فإنه لا يجب على المحرم في تغطيتهما الفدية. قيل: الدليل على أنهما ليسا من الرأس ما روي أن النبي ﷺ مسح برأسه ثم بأذنيه، وثم للتراخي. وما روي أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديداً. قيل: هذا لا يدل على ما قلت؛ لأنَّه يحتمل أن يكون بدأ من مقدم رأسه، فلما فرغ من جميع مسح أذنيه، فأعلمنا أن البداءة وقعت بغير الأذنين؛ لأنَّه لو قال: غسل كفيه ثم ذراعيه لكان كذلك. وأيضاً: إذا ثبت أنَّهما من الرأس بما ذكرناه فقوله: مسح برأسهن قد دخلتا فيه، ثم بأذنيه، أعلمنا أنه أخذ لهما ماء جديداً على وجه الاستحباب بعد أن مسحهما مع الرأس لأنها معه.

стр. 131

فإن قيل: فما الفائدة في تجديد الماء لأذنيه وقد دخلتا في مسح الرأس؟ ولم اختص الأذنين بذلك؟ قيل: لما كانت الأذنان منفصلتين منه في الانتشار استحب ذلك فيهما؛ لجواز أن لا يستوعب المسح في المرة الواحدة ظاهرهما وباطنهما. على أن قوله: مسح. حكاية عن فعلة وقعت، فيحتمل أن يكون فَنِي الماء الذي مسح به رأسه وجف فأخذ للأذنين ماء؛ لأنهما من الرأس، ويجب - عندنا - استيفاء الجميع. فإن قيل: فقد قال ﵇: «عشر من الفطرة، خمس منها في الرأس». فذكر من جملتها مسح الأذنين، والفطرة هي السنة، وقد أضاف إلى السنن أيضاً المضمضة والاستنشاق. قيل: معنى ذلك أنهما من فطرة الإسلام، ويكون في فطرة الإسلام الفرض والسنة. ألا ترى أنه قد … ذكر فيها الختان وهو - عندكم - فرض، فكأنه أراد أنَّ مَسْحَ الأذنين - لأنهما من الرأس -

стр. 132

فرضٌ؛ لئلا يظن ظان كما ظننتم وأنه لو تركهما عامداً لأجزأه كما لو ترك بعض رأسه. وينبغي أن يحمل قول أبي زيد في كتابه: وسنَّ ﷺ مَسْحَ الأذنين، على تجديد الماء لهما. فإن قيل: فإن الأصول تشهد بما نقول؛ وذلك أننا وجدنا أعضاء الطهارة كل واحد منها قد استلحق موضعاً مسنوناً، ثم وجدنا تلك الأعضاء المسنونة اللاحقة بالمواضع المفروضة على ضربين: ضرب من جنس الموضع وجوداً وحكماً واجتزئ في أداء السنة بالماء المأخوذ للمفروض، وهما ما وراء المرفقين والكعبين. وضرب من غير جنس الموضع المفروض وجوداً وحكماً فأخذ له ماء جديد سوى ماء المفروض، وهو المضمضة والاستنشاق، ووجدنا

стр. 133

الأذنين من غير جنس الموضع المفروض وجوداً وحكماً، فونجب أن يؤخذ لهما ماء جديد. قيل: هذا غلط؛ لأن ما وراء المرفقين واجب غسله، وكذلك ما وراء الكعبين؛ لأنه لما كان مقارناً لما دونه حتى لا ينفك منه، ولا يكن الاقتصار في الغسل على ما دونه جعل في حكمه، وليسا بمسنونين، فلما صارا واجبين كوجوب ما دونهما وجب غسلهما بماء واحد. على أننا نعلم أن ما وراء الكعبين ليس من جنس الكعبين وما دونهما لا وجوداً ولا حكماً؛ لأنه في الوجود على هيئة وصورة تخالفانه، وفي الحكم قد فرق بينهما، وذلك أن الله تعالى لما أوجب قطع رجل المحارب وجب القطع من المفصل، وهو أسفل الكعبين، ولا تدخل الكعبان في القطع، فقد علمنا أيضاً أنهما ليسا من جنس الرجل في الحكم. ثم مع هذا فقد غسل ما وراء الكعبين بماء الرجل وهي المفروضة على ما قلتم، وكذلك يكون للأذنين حكم وصورة تخالفان الرأس ويكون مسحهما بماء الرأس على حسب ما قلتموه فيما وراء الكعبين والمرفقين. وكذلك أيضاً ما وراء المرفقين يخالف جنس ما قبلهما في الهيئة والصورة، والمفصل منه دون المرفقين، ومع هذا فقد غسل بماء الذراعين.

стр. 134

فإن أردتم أن ام اليد والرجل يتناول الجميع منعناكم منه، وقلنا: حقيقة اليد إلى الكوعين -كما قال الله -تعالى - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والقطع من الكوع، وكذلك الرجل فيما دون الكعبين، كما قيل في المحاربين: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾، ثم لو انطلق الاسم على الجميع مع خلافه في الصورة لكان منطلقاً في اسم الرأس عليه وعلى الأذنين، وإن كانتا مخالفتين له في الصورة والحكم على ما بيّنه النبي ﷺ بقوله: «الأذنان من الرأس»، فينبغي أن تمسح بماء الرأس، كما قلتم فيما وراء الكعبين إلى المرفقين، والمسنون في اليدين التبدئة من أطراف الأصابع إلى المرفقين، وفي الرجلين كذلك؛ لأن ما وراء المرفقين كذلك، لأن ما وراء المرفقين والكعبين من المسنون بل واجب على ما بيناه. ويجوز أن نقول: إنه أصل ممسوح بالماء في الطهارة فوجب أن يمسح مع الرأس أصله أبعاض الرأس، ولا يلزم عليه الخف؛ لأنَّه ليس بأصل، وإنما هو بدل. فإن قيل: إن فعل الوضوء نوعان: غسل ومسح، ثم الغسل منه

стр. 135

واجب ومنه سنة منفردة هي المضمضة والاستنشاق فكذلك المسح لما كان منه واجب وجب أن يكون منه مسنون منفرد، وليس - عندكم - مسنون منفرد في المسح. قيل: إنما سنت المضمضة والاستنشاق؛ لأن داخل الأنف والفم باطن، والأذنان ظاهرتان، ولم تسن للرأس سنة منفردة في المسح، ألا ترى أن اليدين والرجلين فرضهما الغسل، ولم تسن لهما سنة منفردة لظهورهما ولا باطن فيهما، وبالله التوفيق. واستدل الزهري بقوله ﵇ في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره». فأضاف السمع إلى الوجه، والمعنى - عندنا - سنجد ذاتي، وقوله: «الأذنان من الرأس». أخص من هذا، وكذلك قوله في حديث الصُّنَابِحِي: «إذا توضأ فغسل وجهه خرجت الخطايا منه حتى تخرج من تحت أذنيه»، فعلمنا بهذا أنهما من الرأس كما علمنا أن العين من الوجه. واحتج من قال باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وباطن الأذنين يواجه به مع الوجه. وما ذكرناه يقضي عليه، مع أنهما تغطيهما العمامة وغيرها، والمواجهة لا تقع بهما، والله أعلم.

стр. 136

وقد روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ مسح رأسه وأذنيه بماء واحد. وكذلك روي أنه ﵇ أتي بوضوء فتوضأ فغسل وجهه وكفيه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وهذا يفيد مسحاً واحداً، فلو كان أخذ لهما ماء جديداً لقال: مسحين، أو كان يفرد أحدهما عن الآخر كإفراده سائر الأعضاء. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ

стр. 137

سأله رجل فقال: كيف الطهور. فدعا بماء فغسل كفيه وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: «هذا الوضوء، فمن زاد أو نقص فقد أساء وظلم»، وهذا

стр. 138

خارج على وجه التعليم والبيان لصفة الطهارة وأحكامها، وبالله التوفيق والتسديد.

стр. 139

[٩] مَسْأَلَة الترتيب في الطهارة ليس بواجب عند مالك، وأبي حنيفة، وهو مذهب علي، وابن مسعود، والزهري، والأوزاعي، وسفيان الثوري. وقال الشافعي: الترتيب مستحق.

стр. 140

والدليل لقولنا: قوله - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فجمع بين الأعضاء بالواو، التي موضوعها للاشتراك والجمع، كقولهم: جاءني زيد وعمرو، وليس عندهم فيه دلالة على أن أحدهم جاء قبل صاحبه. وقد ذكر سيبويه أن موضوع الواو للجمع لا للترتيب. وقد نبه الشرع أيضاً على ذلك فروي أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، فقال له: «أمثلان؟ قل ما شاء الله، ثم شئت». فنهاه أن يجمع بين مشيئة الله تعالى وبين مشيئته، فلو

стр. 141

كانت الواو للترتيب لم يمنعه من ذلك؛ لأنها تكون بمنزلة الفاء وثم. فإن قيل: فإن الآية حجة لنا: لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأمر بغسل الوجه عقيب الْقِيَام إلى الصلاة؛ لأن الفاء في لغة العرب للتعقيب بلا خلاف، فإذا ثبت أن غسل الوجه عقيب الْقِيَام إلى الصلاة واجب ثبت قولنا؛ لأن من قال:

стр. 142

الترتيب لا يجب في الوضوء، قال: لا يلزمه غسل الوجه عند القيامن وإن غسل رجليه عند القيام إلى الصلاة فقد امتثل الأمر. قيل له: هذه الدلالة لا تصح من وجهين: أحدهما: أن الفاء ههنا ليست للتعقيب، وإنما دخلت لتعلق الكلام بالكلام، والجملة بالجملة، وجواباً للشرط بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، والفاء التي للتعقيب تكون في الخبر، كقولك: جاء زيد فعمرو، أو في الأمر، كقولك: فعمراً، فأما إذا كانت للجزاء وجواب الشرط فلم تكن للتعقيب. والفرق بين الفاء التي للتعقيب والفاء التي هي جواب الشرط هو: أن الفاء إذا كانت جواباً للشرط والجزاء لم يصح قطع الكلام عنها؛ مثل: إذا جاء زيد فأكرمه، لو وقفت على قولك: إذا جاء زيد لم يتم الكلام، والفاء التي للتعقيب يصح قطع الكلام عنها، كقولك: جاءني زيد فعمرو، ولو وقفت على قولك: جاءني زيد، صح، وكذلك أعط زيداً درهماً فعمراً، لو اقتصرت على قولك: اعط زيداً كان الكلام مفيداً. والوجه الآخر: هو أننا لو سلمنا أنها للتعقيب لم نسلم ههنا؛ لأنها قرنت بعدها بالواو التي هي للجمع، فلما دخلت الواو في باقي الأعضاء بالواو، ثبت أن الفاء ليست للتعقيب؛ لأنَّه لا أحد يمنع من تقديم اليدين على الوجه إذا ثبت جواز تقديم مسح الرأس على اليدين بالواو.

стр. 143

ثم لو ثبت أنه للتعقيب لكان المراد أن تقع جملة الطهارة عقيب الْقِيَام إلى الصلاة؛ لأن الطهارة لا تتم إلاَّ بغسل الأعضاء كلها، ومسح الرأس فيها، ولكن لا يَصِحُّ الابتداء في اللفظ بعد إذا إلاَّ بالفاء، فلو قال: إذا قمتم إلى الصلاة فامسحوا برؤوسكم، لم يكن إلاَّ كقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فإذا كان كل واحد من الأعضاء لا تتم الطهارة إلاَّ به لم يكن بعضه بالتقدمة أولى من بعض. على أننا نقلب هذا عليهم فنقول: إن كان المراد غسل الوجه عقيب الْقِيَام من أجل الفاء التي للعقب، فنحن نقول: إذا قدَّم غسل الأعضاء وأخَّر الوجه إلى آخرها وقع غسله عقيب الْقِيَام إلى الصلاة فينبغي أن نكون نحن أسعد بهذا منكم؛ لأنه إذا تم لنا هذا في الوجه فليس أحدٌ يفرق بينه وبين سائر الأعضاء. فإن قيل: إن الواو - عندنا - للترتيب لغة وشرعاً. فأما اللغة فإن الفراء قال: الواو للترتب لا للجمع، وكذلك

стр. 144

قال أبو عبيد القاسم بن سلام؛ لأنَّه ذهب إلى أن الترتيب في الوضوء واجب، واستدل بالآية،، أن الواو فيها تقتضي الترتيب. فحصل فيها خلاف بين أهل اللغة.

стр. 145

وأما الشرع فإنه رُوِيَ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال له النبي ﵇: «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى». فلما لم يرتب الرجل ذكر النبي ﷺ على ذكر الله تعالى نهاه عنه، وأمره أن يرتب ذكر النبي ﵇ على ذكر الله تعالى، فقال: «قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى». فدل على أن الواو للترتيب؛ إذ لو لم تكن للترتيب لكان معنى الجمع الذي نهاه عنه موجوداً في قوله: «ومن يعص الله ورسوله». وقد رُوِيَ أنه قيل لابن عباس: إنك تقدم العمرة على الحج، والله تعالى قم الحج على العمرة، فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فقال: كما قدمتم الدَّين على الوصية، والله تعالى قدم الوصية على الدين، فسلم ابن عباس للقوم أن تقديم ذكر الحج على العمرة
следующие страницы →