← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كانت الواو للترتيب لم يمنعه من ذلك؛ لأنها تكون بمنزلة الفاء وثم. فإن قيل: فإن الآية حجة لنا: لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأمر بغسل الوجه عقيب الْقِيَام إلى الصلاة؛ لأن الفاء في لغة العرب للتعقيب بلا خلاف، فإذا ثبت أن غسل الوجه عقيب الْقِيَام إلى الصلاة واجب ثبت قولنا؛ لأن من قال:

стр. 142

الترتيب لا يجب في الوضوء، قال: لا يلزمه غسل الوجه عند القيامن وإن غسل رجليه عند القيام إلى الصلاة فقد امتثل الأمر. قيل له: هذه الدلالة لا تصح من وجهين: أحدهما: أن الفاء ههنا ليست للتعقيب، وإنما دخلت لتعلق الكلام بالكلام، والجملة بالجملة، وجواباً للشرط بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، والفاء التي للتعقيب تكون في الخبر، كقولك: جاء زيد فعمرو، أو في الأمر، كقولك: فعمراً، فأما إذا كانت للجزاء وجواب الشرط فلم تكن للتعقيب. والفرق بين الفاء التي للتعقيب والفاء التي هي جواب الشرط هو: أن الفاء إذا كانت جواباً للشرط والجزاء لم يصح قطع الكلام عنها؛ مثل: إذا جاء زيد فأكرمه، لو وقفت على قولك: إذا جاء زيد لم يتم الكلام، والفاء التي للتعقيب يصح قطع الكلام عنها، كقولك: جاءني زيد فعمرو، ولو وقفت على قولك: جاءني زيد، صح، وكذلك أعط زيداً درهماً فعمراً، لو اقتصرت على قولك: اعط زيداً كان الكلام مفيداً. والوجه الآخر: هو أننا لو سلمنا أنها للتعقيب لم نسلم ههنا؛ لأنها قرنت بعدها بالواو التي هي للجمع، فلما دخلت الواو في باقي الأعضاء بالواو، ثبت أن الفاء ليست للتعقيب؛ لأنَّه لا أحد يمنع من تقديم اليدين على الوجه إذا ثبت جواز تقديم مسح الرأس على اليدين بالواو.

стр. 143

ثم لو ثبت أنه للتعقيب لكان المراد أن تقع جملة الطهارة عقيب الْقِيَام إلى الصلاة؛ لأن الطهارة لا تتم إلاَّ بغسل الأعضاء كلها، ومسح الرأس فيها، ولكن لا يَصِحُّ الابتداء في اللفظ بعد إذا إلاَّ بالفاء، فلو قال: إذا قمتم إلى الصلاة فامسحوا برؤوسكم، لم يكن إلاَّ كقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فإذا كان كل واحد من الأعضاء لا تتم الطهارة إلاَّ به لم يكن بعضه بالتقدمة أولى من بعض. على أننا نقلب هذا عليهم فنقول: إن كان المراد غسل الوجه عقيب الْقِيَام من أجل الفاء التي للعقب، فنحن نقول: إذا قدَّم غسل الأعضاء وأخَّر الوجه إلى آخرها وقع غسله عقيب الْقِيَام إلى الصلاة فينبغي أن نكون نحن أسعد بهذا منكم؛ لأنه إذا تم لنا هذا في الوجه فليس أحدٌ يفرق بينه وبين سائر الأعضاء. فإن قيل: إن الواو - عندنا - للترتيب لغة وشرعاً. فأما اللغة فإن الفراء قال: الواو للترتب لا للجمع، وكذلك

стр. 144

قال أبو عبيد القاسم بن سلام؛ لأنَّه ذهب إلى أن الترتيب في الوضوء واجب، واستدل بالآية،، أن الواو فيها تقتضي الترتيب. فحصل فيها خلاف بين أهل اللغة.

стр. 145

وأما الشرع فإنه رُوِيَ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال له النبي ﵇: «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى». فلما لم يرتب الرجل ذكر النبي ﷺ على ذكر الله تعالى نهاه عنه، وأمره أن يرتب ذكر النبي ﵇ على ذكر الله تعالى، فقال: «قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى». فدل على أن الواو للترتيب؛ إذ لو لم تكن للترتيب لكان معنى الجمع الذي نهاه عنه موجوداً في قوله: «ومن يعص الله ورسوله». وقد رُوِيَ أنه قيل لابن عباس: إنك تقدم العمرة على الحج، والله تعالى قم الحج على العمرة، فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. فقال: كما قدمتم الدَّين على الوصية، والله تعالى قدم الوصية على الدين، فسلم ابن عباس للقوم أن تقديم ذكر الحج على العمرة

стр. 146

يقتضي تقديم فعله عليهما، ولكن ذكر أنه تركه لدلالة قامت له، كما تركوا ذلك للدلالة في قوله - تعالى -: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، فدل على أن الواو عند ابن عباس تقتضي الترتيب، وكفى به من اهل اللغة. فالجواب أن نقول: لأما قولكم: إن الفراء قال: إن الواو للترتيب، فإنه لم يقل: إن موضوعها لذلك، وإنما أراد أنها قد تكون للترتيب، ونحن لا نمنع من ذلك. والدليل على أنه أراد ذلك لا الموضوع: هو أنه لو كان موضوعها لذلك كحروف الترتيب لدخلت حروف الترتيب في كل موضع تدخل الواو فيه، كما يدخل كل حرف من حروف الترتيب المدخل الذي يدخله الآخر، فلما كان قول القائل: تشائم زيد وعمرو لا يصح دخول الفاء وثم فيه علمنا أن موضوع ذلك مختلف. وأما أبو عبيد فيجوز أن يكون استدل بالآية لا من حيث الموضوع. وأما قول النبي ﷺ للخطيب ما قال، فلا دلالة فيه؛ لأن النبي ﷺ لم يحب أن يجمع بينه وبين ربه - تعالى - في كتابة واحدة، وأحب أن يقدم ذكر الله - تعالى - على ذكره، ثم إذا قدم ذكر اسم الله - تعالى - عليه فبدلالة العقل يعلم الترتيب ههنا، ونحن لا نمنع أن تدخل الواو في موضع للترتيب بدلالة، والدليل على النبي ﷺ أراد ما

стр. 147

قلناه لا الترتيب: هو أن الله تعالى قد جمع بين نفسه وبين رسوله ﵇ في كتابة وَاحِدَة، فقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، وهذا أبلغ من قوله: أن يرضوهما؛ لأن ما يرضي الله تعالى فهو يرضي رسوله، وما يرضي رسوله فهو يرضيه تعالى، وكذلك العصيان لرسول الله ﷺ هو عصيان الله تعالى، وإِنَّمَا أحب رسول الله ﷺ أن يقدم ذكر الله تعالى في اللفظ. وأما حديث ابن عباس ﵀ فإنه حجة لنا؛ لأنه رأى أن الواو للجمع في الحج والعمرة. وقد رَوَى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ تَوَضَّأَ فغسل وجهه وذراعيه ثم رِجْلَيْهِ ثم مسح برأسه. فإن قيل: إن الواو التي للجمع تسقط عند الكناية، مثل قول القائل: إذا دخلت الدار فألق زيداً وعمراً وخالداً وبكراً، فإذا لقيتهم فأعطهم كذا وكذا، وهذا المعنى متعذر في هذا الموضع؛ لأنه لا يمكن أن تقول: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، فإذا غسلتموها فصلُّوا؛ لأنه قد تخلل بينها المسح الذي هو خلاف الغسل، فدل على أن الواو ههنا للترتيب. قيل: أقل ما في هذا أنه ينقلب عليكم في الترتيب؛ لأن الواو

стр. 148

تسقط عند الكناية إذا قال: ألق زيداً ثم عمراً ثم خالداً ثم بكراً فإذا لقيتهم فافعل كذا، وفي هذه الآية لا يمكن هذا؛ لأنَّه لاي صح أني قول: اغسل وجهك ثم يديك، ثم امسح براسك ثم اغسل رجليك، فإذا غسلتها فصل؛ لأجل ما قد تخلل بين اعضاء الغسل من المسح، فسقط السؤال. وإنما لم يصح في الوجهين جميعاً للمخالفة كما قلت في الصفة، فإن أراد الكناية ففي اللفظ الواحد وهو إما الغسل وإما المسح لم يصح. ولكن: قد يجتمعان في كناية هي غير اللفظ، وهو أن تقول في كناية الجمع والترتيب جميعاً، فإذا فعلت ذلك بهم أو بهما فافعل كذا وكذا، فاستوى البابان جميعاً في هذه الكناية، وفي الامتناع ممن تلك الكناية، والله أعلم. فإن قيل: لو كانت الواو للجمع لكان يقول: اغسلوا وجوهكم مع أيديكم، ولكان تقدير الكلام: فاغسلوا وجوهكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم إلى الكعبين، وهذا مما لا سبيل إليه ولا دليل عليه. قيل: لو قال - تعالى - فاغسلوا وجوهكم مع أيديكم أو على المرافق لكان يجب علينا أن نغسل وجوهنا مع أيدينا في حال واحدة، بماء واحد، ولكنه أراد منا أن نغسل كل واحد على حدته بماء جديد، غير أننا بأي أعضائنا بدأنا أجزأ، ولو أراد الترتيب على ما تقولون لأتى بحرف من حروف الترتيب.

стр. 149

فإن قائلاً لو قال: خير الناس أبو بكر والنبي لقبح قوله، فعلم أن الواو للترتيب. قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أنه لا يحسن أن يبدأ بذكر أحد من أمة النبي ﷺ قبل ذكره إذا أريد الخبر عنه وعنهم. ألا تَرَى أن النبي ﷺ لو دخل هو وعلي ﵁ على فاطمة ﵂ في حال وَاحِدَة لما حسن أن تقول: جاءني علي والنبي. فتُقَدِّم ذكر علي على ذكره ﵇، ولو بدأت بذكر النبي ﷺ قبل ذكر علي ﵁ لما دل ذلك على أن النبي ﵇ جاءها قبل علي ﵁؛ لأنهما قد جاءاها معاً، ولما كان النبي ﵇ خير البشر لم يحسن أن يقال: خير الناس أبو بكر والنبي؛ لأنه يكون تسوية بينهما، وهذا كله قد فرغنا منه، وقلنا إننا لا نمنع أن تدخل الواو للترتيب في موضع بدلالة. فإن قيل: إن الخبر الذي رويتموه من قول النبي ﷺ : «قل: ما شاء الله ثم شئت». لا دلالة فيه؛ لأن الواو للترتيب، ولكنه ﵇ أراد من القائل أن تكون بين مشيئة الله تعالى وبين مشيئته مهملة، لا أن تكون مشيئته مقرونة تتلو مشيئة الله تعالى، ولا عقيبها. ألا تَرَى أن أتى بحرف ثم - التي هي للتراخي والمهلة - فقال له: «قل: ما شاء الله ثم شئت». فهذا هو المقصود؛ لا أن الواو للجمع.

стр. 150

قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل لما أتى بالواو التي هي للجمع بالغ النبي ﷺ في النكير عليه بأن قال له: «قل: ثم شئت»، كما إذا جلس الدنيء مع الرفيع في مجلس واحد أُنكر عليه، وقيل له: تباعد عن قربه. فإن قيل: إن من عادة العرب في كلامهم أن لا يدخلوا فيه ما لي سمن جنسه إلا لحاجة، ألا ترى أنهم يقولون: ضرب الأمير زيداً وعمراً وبكراً، ولا يقولون: ضرب زيداً وحبس عمراً وضرب بكراً، فإذا كان هذا عادتهم في كلامهم، فقد ذكر الله - تعالى - غسل الوجه واليدين، وأدخل فيه مسح الرأس الذي هو من غير جنس الغسل، ثم أمر بغسل الرجلين، فعلم أمه ادخل المسح بين ذلك لحاجة الترتيب، وأن يكون مستحقًّا، إذ لو لم يكن كذلك لكان أشبه أن يذكر المسح بعد فراغه من الغسل. قيل: ليس هذا مما نحن فيه بسبيل؛ لأن مسح الرأس بالماء من جنس الغسل، والوضوء لا يتم إلا بغسل الأعضاء، فإذا كانت الطهارة لا تتم إلا بالغسل والمسح لم يكن بعض الأعضاء بالتقديم أولى من الآخر. وقد يصح في الكلام أن تقول: أكرم زيداً وأدّب غلامه، وأكرم خالداً وبكراً، وأن تخلل بين الكرامات أدَّب الغلام، ولما كان مسح الرأس لا تتم الطهارة إلا به كما لا تتم إلا بغسل الرجلين، ثم قد سقط حكم الرأس والرجلين في التيمم - الذي هو إحدى الطهارتين - جاز أن يجمع بينهما بالواو. فإن قيل: إن مذهب العرب الحكمة البداءة بالأقرب فالأقرب،

стр. 151

ووجدنا الوجه أقرب إلى الرأس منه إلى الْيَدَيْنِ، فلما أمر الله تعالى بغسل الوجه، ثم بغسل الْيَدَيْنِ، وترك الرأس - الذي هو أقرب إلى الوجه - علم أنه لم يتركه إلاَّ لأن البداءة باليدين مستحق قبل الرأس. قيل: لما بدأ الله تعالى بالوجه الذي لا يسقط في التَّيَمُّم عطف عليه الْيَدَيْنِ؛ لأنهما لا يسقطان في التَّيَمُّم، ثم أتى بالمسح في الرأس، وعطف عليه غسل الرجلين؛ لأنهما يسقطان في التَّيَمُّم. ويجوز أيضاً أن يكون تعالى جمع ما في أعلى البدن في اللفظ، ثم أَخَّرَ الرجلين؛ لأنهما من أسفل البدن. على أن الواو إذا كانت للجمع لا للترتيب فبأي الأعضاء بدأ في الذكر جاز، وهذا يلزمهم؛ لأنه تعالى لو أراد الترتيب لبدأ بالأقرب فالأقرب، فلما بدأ بالوجه وترك الرأس الذي هو أقرب إليه علم أنه لم يرد الترتيب. فإن قيل: إن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق. وقعت الأولى ولم تقع الثانية، فلو كانت الواو للجمع للزمه تطليقتان، كما لو قال: أنت طالق تطليقتين. قيل: تقع عليه تطليقتان - عندنا -، وإِنَّمَا يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة.

стр. 152

فإن قيل: فإن الله - تعالى - ذكر غسل الوجه وكرره، وذكر مسحه في التيمم وكرره، فبدأ في كل المواضع قبل اليدين؛ فلولا أنَّه أراد الترتيب لأشبه أن يذكر تقديم اليدين على الوجه في بعض المواضع ليعلمنا أنه اراد الجمع. قيل: هذا لا يلزم؛ لأننا قد دللنا على أن موضوع الواو للجمع، فلو كرر ذكر الوجه في ألف موضع لم يدل ذلك على الترتيب، ولو ثبت أنها للترتيب حتى تغير في بعض المواضع لما دل ذلك على خلاف الترتيب، ألا ترى أنه لما ثبت الترتيب في الصلاة، وأن الركوع مقدم على السجود، وقد كرر في مواضع كذلك، ثم ورد قوله - تعالى - ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، فقدم السجود على الركوع لم يدل ذلك على أن المراد خلاف الترتيب، وإنما هذا على حسب الأدلة، فإن ثبت أن موضوع الواو للجمع لم يضر ذلك تكرير اللفظ ولا تغييره، وكذلك إن ثبت أنها للترتيب لم يضر ذلك. ثم إننا نحن أيضاً نقول: إنه - تعالى - لما كرر في هذه المواضع بالواو دل أنَّه أراد الجمع، إذ لو أراد الترتيب لأشبه أن يذكره في بعض المواضع بحرف الترتيب، مثل الفاء أو ثم، فلما لم يذكره كذلك، ولا غيَّره عن حرف الجمع علم أنه أراد الجمع، والله أعلم. فإن قيل: فإن الآية محتملة لما نقول: ولما تقولون، ورأينا النبي ﷺ توضأ ورتب، فكان هذا منه بياناً للمراد بالآية. وقد يستدلون بهذا الخبر مفرداً فيقولون: إن النبي ﷺ توضأ

стр. 153

ورتب، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاَّ به». فكان هذا منه بياناً للمراد بالآية، وأيضاً فإن أفعاله على الوجوب. وأنا أتكلم على الجميع، فالجواب أن نقول: إن النبي ﷺ قد رتب تارة، وترك الترتيب تارة أخرى. فروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ تَوَضَّأَ فغسل ونجهه وذراعيه ثم رِجْلَيْهِ ثم مسح برأسه، فليس لكم أن تجعلوا ترتيبه بياناً للآية إلاَّ ولنا أن نجعل تركه الترتيب بياناً لها، وإن المراد بالواو المجمع، وإذا تساوى ذلك، قلنا: إِنَّمَا رتب استحباباً، وترك الترتيب ليعلمنا الجواز. وقد رُوِيَ عن عثمان ﵁ أنه تَوَضَّأَ وعكس بملأ من أصحاب النبي ﷺ ، وقال: أهكذا رأيتم رسول الله ﷺ تَوَضَّأَ؟ فقالوا: نعم. فشهدوا له بذلك فيجب استعمال الأخبار كلها ألا يُسْقط بعضها، ويحصل معنا زيادة حكم، وهو جواز التعكيس الذي تمنعون منه. وقولة: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاَّ به». في خبرنا كما هو في خبرهم، فعلمنا أنه قصد بِالْوُضُوءِ ما تحصل فيه الوضاءة، وهو الغسل لا الترتيب ولا تركه، هذا إن صح الحديث هكذا وإِنَّمَا

стр. 154

الصحيح أنه توضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصالة إلا به». وقولهم: إن أفعاله على الوجوب، فمثله نقول في أخبارنا، فإذا تعرضنا وجب الاستعمال على ما بينا من الجواز والاستحباب. ويجوز: أن نستدل نحن بأخبارنا ابتداء فإذا عارضونا بأخبارهم التي فيها الترتيب حملناها على الاستحباب وأخبارنا على الجواز، وهم لا يمكنهم استعمال أخبارنا. ولنا ما روي عن عمار أنه قال لعمر ﵁: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت ولم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، ويمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه»، فدل هذا على جواز ترك الترتيب؛ لأنَّه لا أحد يفرق بين الوضوء والتيمم في وجوب الترتيب أو تركه، فإذا ثبت جوازه في التيمم ثبت جوازه في الوضوء.

стр. 155

فإن قيل: رأينا في الآية تقديم بعض الأعضاء على بعض، ورأينا النبي ﷺ قد رتب، وأجمعت الأمة على أن من تَوَضَّأَ ورتب أجزأه، ولم يجمعوا على أن من ترك الترتيب أجزأه فعلمنا أن المراد من الآية الترتيب؛ إذ لو كان المراد غيره لما أجمعوا عليه؛ إلاَّ أنهم لا يجمعون على الخطأ الذي هو خلاف المراد. قال القاضي أبو الحسن: وأَوَّل ما سمعت هذا الفصل من القاضي أبي حامد ﵀ بالبصرة وكلمته عليه بما أذكره فقلت له: هذا ينقلب عليك مثله في الموالاة وترك التفرقة، وفي مسح بعض الرأس؛ وذلك أن الله تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء، وبمسح الرأس وتَوَضَّأَ النبي ﷺ وَوَالى، ومسح بجميع رأسه، وأجمعت الأمة على أن من فعل خلاف ذلك أنه يُجْزِئه، فعلمنا أن المراد بالآية ما أجمعوا عليه؛ لأنهم لا يجمعون على خلاف المراد. وهذا حذر النعل بالنعل. على أن النبي ﷺ قد رتب تارة، وترك الترتيب تارة، نعلى ما رويناه كما رُوِيَ عندك أنه مسح جميع رأسه تارة ومسح ببعضه

стр. 156

تارة ولم يكن إجماعهم على أحد الفعلين أنه يجزئ، واختلافهم في الفعل الآخر أنه لا يجزئ يسقط عندك جواز ما اختلفوا فيه. دليل آخر: وهو أننا وجدنا الصحابة قد أجازوا ذلك ولا نجد بينهم اختلافاً فيه. فمنهم على وعبد لله بن مسعود وابن عباس. قال علي وابن مسعود: إذا أتممنا وضوءنا فلا نبالي بأي أعضائنا بدأنا.

стр. 157

وقال ابن عباس: إذا أسبغت وضوءك فسواء بدأت برجليك أو بيديك.

стр. 158

روى هذا الحديث ابن الجهم في كتابه عن مجاهد عن ابن عباس.

стр. 159

إذا كان هذا إجماع الصحابة مع روايتهم أن النبي ﷺ ترك الترتيب، دل على أن ترتيبه حيث رتب استحباب، وأنه أحب أن يطابق لفظ الآية؛ للترتيب حيت ترك ليدل على الجواز. فإن ذكروا آيات في كتاب الله تدل على الترتيب، ذكرنا الآيات التي يجوز فيها ترك الترتيب، مثل قوله - تعالى - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، وأنه لو قدم المساكين على الفقراء جاز. على أن الواو إذا وقعت للترتيب، فإنما تصير إليه بدلالة، وإلا فالظاهر أن موضوعها للجميع على ما بيناه. فإن قيل: فقد روي جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر أن النبي ﷺ طاف وخرج من المسجد وبدأ بالصفا، وقال: «ابدؤوا بما بدأ

стр. 160

الله به وقوله «ابدؤوا»، لفظه الفظ أمر يقتضي أن يكون كل موضع بدأ بذكر الوجه فالبداءة به فعل ولجب بظاهر الأمر. قيل: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الواو لو كانت في لسانهم للترتيب لعقلوا من قوله - تعالى - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾، أن الصفا مقدم، ولم يحتج أني قول لهم ﵇: «ابدؤوا بما بدأ الله»؛ لأن الواو في لسانهم للترتيب على ما تذكرون، فلما قال لهم: بدؤوا بما بدأ الله به»، علم أن الواو للجمع، وإنما أريد في هذا الموضوع المعقول في لسانهم. والجواب الآخر: هو أن قوله ﵇: «ابدؤوا بما بدأ الله به»، مقرن بسبب، هو الصفا وإذا خرج الخبر مقروناً بسبب حمل عليه، ولم يحمل على عمومه، هذا مذهب مالك ﵀.

стр. 161

ثم لو ثبت العموم فيه لحملناه عليه إلا أن تقوم دلالة، وقد ذكرنا في الوضوء دلائل تُجوز ترك الترتيب فيه، والبداءة بغير ما بدئ به في اللفظ. وأيضاً من جهة القياس قد اتفقنا على أنه لو قدم غسل اليسار على اليمين في الوضوء أجزأه؛ لعلة أنها طهارة تبيح الصلاة، فجاز تقدمة بعض الأعضاء فيها على بعض. وأيضاً فقد اتفقنا على لطهارة من الحيض والجنابة، وأن الترتيب لا يجب فيها، والعلة في ذلك؛ أنها طهارة تنتقض بالحدث، وكذلك الوضوء. فإن قيل: قياسكم على تقدمة اليسار على اليمين غير صحيح؛ لأن اليدين في حكم اليد الواحدة، وكذلك الرجلان؛ بدليل أنه لو لبس خفيه على طهارة ومسح عليهما جاز أن يصلي، ولو نزع أحد خفيه انتقص الطهر في قدميه ويصير كأنه نزع خفيه جميعاً ولا يجوز أن يمسح عليه ي، كما لو تطهر في الابتداء ولبس أحد خفيه لم يجز أن يمسح عليه، فإذا كانا في حكم العضو الواحد لم يعتبر فيه الترتيب، وليس كذلك الأعضاء في الطهارة؛ لأن حكم كل عضو منفرد عن الآخر فوجب أن يرتب.

стр. 162

وأما القياس على غسل الحيض والجنابة فلا يصح؛ لأن الغسل لا يتبعض، فجميع البدن في الجنابة كالعضو الذي لا يتبعض، وليس كذلك الوضوء؛ لأنَّه ذو أركان فكل عضو فيه كالغسل من الجنابة، وليس في الغسل موضع ترتيب. قيل: أما قولكم: إن اليدين في حكم العضو الواحد، وكذلك الرجلان فغلط؛ لأن الوضوء لا يصح بغسل أحدهما دون الآخر، كما لا يصح بغسل عضو دون العضو الآخر مع القدرة، فأما المسح على الخفين فإنما هو رخصة، جُوِّز على صفة، هي أن تكون الرجلان مستورتين في الخفين بعد طهارة كاملة، ولم يرخص له أن يمسح على واحدة ويغسل الأخرى؛ لأن الرجلين عضو واحد، ألا ترى أن الرخصة لم تدخل في اليدين بالمسح، وقد رأينا النبي ﷺ رتب فيهما فبدأ باليمين على الشمال، كما بدأ بغسل الوجه عليهما. وأما الغسل من الحيض والجنابة فقد رتب النبي ﷺ فيه، فغسل يديه، ثم غسل ما به من الأذى، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم خلل أصول شعره بالماء، ثم أفاض على جسده، وهذا كله ترتيب كما رتب في الوضوء، ولو ترك عضواً من جسده لم يغسله لم تتم طهارته، كما لو ترك عضواً من أعضاء الوضوء لم يجزئه، فليس لكم أن تجعلوا اليدين ولا غسل الحيض والجنابة في حكم العضو الواحد إلا ولنا أن نجعل

стр. 163

الأعضاء كلها في حكم العضو الواحد؛ لأن الطهارة لا تتم إلاَّ بالجميع. دليل لنا لو كان الترتيب فرضاً في الطهارة لكان حكمه حكم النية، والماء الطاهر الذي لا يسقط بوجه إلاَّ لضرورة أو نيابة شيء عنه فلما جاز للمحدث بالغائط والبول الغوص في الماء - الذي يسقط معه الترتيب ويكون مختاراً - ولا تسقط معه النية والماء الطاهر علمنا بهذا أنه ليس بفرض. فإن قيل: على هذا الفصل إنه إذا غاص في الماء لم يحصل الوضوء دفعة وَاحِدَة - عندنا - بل يترتب من غير فعل، ومعنى هذا: أنه إذا انغسل في الماء فقد عم الماء جميع بدنه، وكل جزء وقع منكساً لم يعتد به، وكل جزء وقع مرتباً، فهو الذي صحح الوضوء، وهذا معنى الترتيب - عندنا -. وعلى أن هذا يلزمكم في المصلي منفرداً عليه فرض في قِرَاءَة فاتحة الكتاب، كالنية وتكبير الإِحْرَام ثم إن القراءة تسقط عنه خلف الإمام، ولا تسقط ولا تَكْبِيرَة الإِحْرَام، فينبغي أن لا تكون القراءة على المنفرد فرضاً، وكذلك يلزمكم في الموالاة؛ لأنها لو كانت فرضاً في الوضوء لكانت كالنية والماء الطاهر، فلا يسقط حكمها بالنسيان كما

стр. 164

لم يسقط حكم النية والماء الطاهر. قيل: أما قولكم في الانغماس في الماء يقع مرتباً فهذا دفع المشاهدة؛ لأنَّه إذا غاص فيه لم يسبق أحد الأعضاء صاحبه في الغسل ولم يتقدم في الفعل بعض الأعضاء على بعض، فإن جعلتموه الرتب حكماً فجوزوا تقدمه اليدين على الوجه، واجعلوه مرتباً حككماً ونحن نعلم أن المنغمس في الماء دفعة ما حصل غسل أعضائه إلا دفعة، لم يتقدم الفعل في أحد الأعضاء على صاحبه، فقد سقط الترتيب الذي هو الداءة بعضو على عضو فعلا. فأما المنفرد بالصلاة فعليه القراءة، فإذا صلى مأموناً ناب الإمام منابه في القراءة، وليس ينوب على الترتيب في الانغماس في الماء شيء. وأما الموالاة فالنسيان لها ضرورة، كما لو قام إلى خامسة ناسياً لم يفسد، وكلك - لو أكل ناسياً في صومه لم يفسد، ولو تعمد لأفسد وإذا انغمس في الماء فقد ترك الترتيب متعمداً مختاراً قد سقط السؤال. ونقول أيضاً: إنها طهارة للصلاة فوجب أن لا يستحق الترتيب فيها، أصله إزالة النجاسة. ونقول أيضاً: إن الفرض إذا سقط دفعة واحدة لم يستحق الترتيب فيه، أصله الزكاة؛ وذلك أنه لو كان معه شيء من الزكاة فدفعه

стр. 165

إلى مستحق أجزأه عن فرضه، ثم الترتيب فيه غير مستحق؛ لأنه لو فرق ذلك القدر من الزكاة جزءاً جزأه، فقدم وأَخَّرَ أجزأه، فكذلك فرض الطهارة في الانغماس في الماء يسقط دفعة وَاحِدَة، فلا يستحق الترتيب فيه إذا فرق. فإن قيل: فإنها عبادة ترجع إلى شطرها حال العذر، فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقاً كالصلاة. وأيضاً فإنها عبادة تجمع أفعالاً متغايرة نقلاً وفرضاً فوجب أن يكون فيها ترتيب مستحق، كالحج لا يجوز تقديم الطواف فيه على الوقوف بعرفة. وأيضاً فإنه فعل معلق أوله على آخره، ويفسد أوله بفساد آخره، فأشبه الصلاة لا يجوز تقديم السُّجُود على الرُّكُوع. قيل: لم يكن المعنى فِي الصَّلَاةِ ما ذكرتموه، وإِنَّمَا المعني فيه: أنها عبادة لا يجوز تعمد تفرقتها على وجه؛ لاتصال نظامها، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه لو فرقه عامداً على وجه أجزأه. وعلى أنا نقيس ذلك على الصلاة فنقول: إذا جاز أن يسقط فرض الوجه في الوضوء مع بقاء الفرض على الْيَدَيْنِ أو غيرهما لم يستحق فيه الترتيب، كالصلاة والزكاة، أو الصوم والزكاة لما جاز أن يسقط فرض الصلاة عنه، وفرض الزكاة والصوم باق عليه، وقد يسقط عنه فرض الصلاة عليه باق لم يستحق بينهما ترتيب، وكذلك

стр. 166

إذا اجتمعت صلوات كثيرة، وقد ذكر أصحابنا أن في الصلاة موضع ترتيب - وقدم لجاز؛ وذلك أن الصاة على النبي ﷺ في التشهد فرض وهو بعد قول: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فلو قدم قوله: اللهم صل على محمد، على ما قبله أجزأه. واما قياسهم على الحج؛ فإن أرادوا أن يكون في الوضوء ترتيب مستحق، فنحن نقول فيه بتقديم النية والماء الطاهر، كما نقول: إن النية والإحرام تتقدمان في الحج، وفي الحج مواضع قد رتبت ويجوز تأخير ما قدم فيها، ألا ترى أن السعي - عندنا وعندهم - فرض، وسنته أنَّ يكون عقيب طواف القدوم، فلو أخره حتى يوقفه عقيب طواف الفرض جاز ولم يفسد حجه.

стр. 167

ولقياساتنا فضل الترجيح من وجوه: منها: أنها تستند إلى أقوال الصحابة في جواز ترك الترتيب في الطهارة. ومنها: أن الرد إلى الجنس من الطهارة أولى، ورد ما تجوز التفرقة فيه على وجه إلى مثله أولى، ورد ما يراد لغيره إلى ما يراد لغيره أولى من رده إلى ما يراد لنفسه، ونحن قد رددنا الوضوء إلى الغسل وإلى الغسل إزالة النجاسة، ورد ما يسقط إلى بدل إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يسقط إلى بدل، ورد ما ينوب عنه فيه غيره إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يجوز ذلك فيه؛ لأن الإنسان يجوز أن يوضئه ويغسله غيره، ويزيل عنه النجس مع القدرة، ولا يجوز ذلك فِي الصَّلَاةِ والحج، وبالله التوفيق. فإن قيل: فإنها عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة فوجب إذا لم يرتبها ألا يعتد بها، أصله الأذان. قيل: هذا منتقض؛ لأن غسل الجنابة واستقبال القبلة والطهارة، جميع ذلك عبادة تجمع أشياء متغايرة تتقدم على الصلاة

стр. 168

للصلاة، ومع هذا [أن] لو قدم الطهارة، ثم غسل ثوبه، أو بدنه من النجاسة، ثم استقبل القبلة جاز، وكذلك لو قدم استقبال القبلة، أو قدم غسل النجاسة. فإن قيل: هذه عبادات لا عبادة واحدة. قيل: كذلك غسل الأعضاء، كل واحد منها غسله عبادة، والطهارة عبادات، فإن أردتم أن الطهارة لا تتم إلا بجميعها، قلنا لكم: الصلاة لا تتم إلا بإزالة الأنجاس، واستقبال القبلة، والطهارة، كما لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها. فإن جعلتموها عبادة واحدة [فكذلك ما ذكرتموه، وإن جعلتموها]، فكذلك ما ذكرناه. على أن ردّ الوضوء إلى غسل الجنابة أولى منه إلى الأذان؛ لأنَّه لو أسقط الأذان مع القدرة لصحت صلاته ولو أسقط الوضوء مع القدرة لم تصح، وكذلك ما ذكرناه من غسل النجاسة واستقبال القبلة والطهارة، ولو أسقط واحداً منها مع القدرة وعدم العذر لم يصح، وليس كذلك الأذان، والله أعلم.

стр. 169

[١٠] مَسْأَلَة تخليل اللحية في الطهارة من الجنابة ليس بمفروض. ورَوَى ابن وهب عن مالك ﵀ أنه في الغسل من الجنابة واجب، غير أن إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر ليس بمفروض. وقال الشافعي: التخليل مسنون، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض في الجنابة، مثل أن يغلغل الماء في شعره أو يبله في الماء حَتَّى يعلم أنه قد وصل إلى البشرة.

стр. 170

والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، ولاغتسال معقول؛ فإذا غسل ظاهر لحيته مع سائر بدنه فهو كغسله ظاهلا وجهه، ويقال: قد اغتسل، وإن لم يصل الماء إلى ما تحت شعره. وقوله -تعالى - ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، مثل ذلك، فإذا اغتسل قيل: قد اغتسل وتطهر. وأيضاً قول النبي ﷺ لأبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك»، إنما يتوجه إلى ما ظهر من الجلد، وهو الذي يمكنه إمساسه بالماء الذي يكون في يده، ويسمي به غاسلاً ونحن نعلم أن المماسة باليد بالماء لا يمكن الماء تحت الشعر حتى يكون به غاسلاً، وإنما تبلغ يده مبلولة إما ماسحاً أو ماسًّا غاسلاً، والذي أخذ عليه أن يكون غاسلاً بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. فإن قيل: الخبر حجة لنا؛ لأن النبي ﵇ قال: «فأمسسه جلدك»، فلم يعقل منه غير المس. قيل: يحتاج أن يكون ماسًّا لكل جزء من الجلد بالماء لا بالبلل، ومع الغسل يحصل كل جزء، وداخل اللحية لا يحصل في الغالب مماسًّا بالماء، وداخل اللحية لا يحصل ف الغالب مماسًّا بماء، ولكن بالبلل فعلم أن المراد الجلد الظاهر الذي يحصل في الغالب على هذه

стр. 171

الصفة بفعل اليد فيه بِالْمَاءِ. وأيضاً قوله ﷺ : «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعرة جنابة وأنقوا البشرة»، وقد علمنا أن ما تحت الشعر لا يمكن غسله، وأن ما بين الشعر الكثيف لا يباشر به وإِنَّمَا يباشر بالجلد الذي يبين من الشعر، والإنقاء أيضاً مبالغة في الغسل، وهذا لا يكاد أن يتأتى إلاَّ في الظاهر من الجلد الذي يتناوله اسم الغسل على ما نقوله في الدلك بِالْمَاءِ وأيضاً قوله ﵇: «الأعمال بالنيات». وهذا إذا اغْتَسَلَ ونوي فقد حصل العمل بالنية. وأيضاً قوله ﵇: «وإِنَّمَا لامرئ ما نوى». وهذا قد نوى غسل الجنابة بما فعله فله ما نواه. وأيضاً قوله ﵇: «لا صلاة إلاَّ بطهور». وهذا قد فعل ما به متطهراً ويُسَمَّى فعله طهوراً وصلاة. فإن قيل: إننا لا نسمي هذا الغسل طهوراً حَتَّى يصل الماء إلى ما تحت لحيه. قيل: النبي ﷺ سمَّاه طهوراً بِقَوْلِهِ: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت».

стр. 172

وقيل لأم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت»، وهذان الخبران يصلح أن يستدل بهما ابتداء، ويصلح أن يعارض بهما السؤال الذي تقدم. وأيضاً قوله ﵇: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا إذا اغتسل على ما قوله، وصلى بقراءة فاتحة الكتاب فقد حصلت له الصالة بحكم الظاهر. فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ كان يخلل أصول شعره بالماء في غسل الجنابة. قيل: ليس في التخليل أكثر من أنه يبل الشعر؛ لأنَّه ربما لم يبتل، وخاصة الشعر الكثيف المتجعد، فإذا خلله وصل الماء فابتل الشعر الذي يتجمع ويخفي، وقد قال: «بلوا الشعر»، فأما أن يكون في الخبر أن غسل الجلد الذي بين أصول الشعر فليس فيه، ولو صح ذلك لكان مستحبًّا، كما روي أنه توضأ واغتسل، ليس الوضوء

стр. 173

واجباُ؛ بدليل قوله: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت». وبما قاله لأم سلمة. فإن قيل: الطهارة عليه بيقين، ولا تسقط إلاَّ بيقين، وهذا إذا لم يوصل الماء إلى ما تحت اللحية فلسنا على يقين من طهارته. قيل: الذي تعلق عليه ما يُسَمَّى به مغتسلاً ومتطهراً، فإذا فعل ذلك تناوله الاسم، وحصلت له الصلاة التي لها تراد الطهارة بقول: «لا صلاة إلاَّ بطهور». فإن قيل: الصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلاَّ بدليل. قيل: قد قال النبي ﷺ : «لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب». وهذا إذا اغتسل ولم يوصل الماء إلى ما تحت لحيته، وصَلَّى وقرأ فقد أتى بالصلاة التي فيها فاتحة الكتاب. فإن قيل: فقد فال: «لا صلاة إلاَّ بطهور» قيل: هذا قد فعل ما يُسَمَّى طهوراً في اللغة والشرع، على ما ذكرناه عنه ﵇ في فعله، وفي قوله لأم سلمة. وكل ظاهر يأتون به فلنا من الظواهر ما يعارضه.

стр. 174

دلائل القياس: اتفقنا على أنذ لك في الوضوء غير واجب، والمعنى فيه: أنَّها طهارة تبيح الصلاة، أو تنتقض بالحدث، أو تجب عن حدث فكذلك غسل الجنابة. وأيضاً قد اتفقنا على على أن داخل العينين لا يجب غسله؛ بعلة أن دونه سائر من نفس الخلقة، أو بعلة أنه باطن بطوناً مستداماً في الأغلب. وأيضاً فإنا اتفقنا على أن داخل العينين لا يجب غسله، ونذكر العلة التي في العينين. فإن قيل: هذا منتقض بتخليل أصابع الرجلين. قيل: إذا كانت متلاصقة لم يجب غسل ما بينها. فإن قيل: يفسد بالخفين. قيل: قد احترزنا وقلنا: بطونا مستداماً، وقلنا أيضاً، دونه ساتر من نفس الخلقة. فإن قيل: يفسد بما تحت ثدي المرأة، وبالسلعة إذا نزلت فإنه يجب غسل ما تحت ذلك. قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأن ثدي المرأة إذا كان منكسراً

стр. 175

على صدرها فليس يحصل ما تحته باطناً بطوناً مستتداماً؛ لأنها إذا نامت أو مشت أو التوت زال عن موضعه، وليس كذلك ما تغطيه اللحية وداخل الفم والأنف والعين. فإن قيل: فإنَّ شعر اللحية طارٍ، وليس كذلك داخل الفم والعين فينبغي أن يكون الشعر كالخف. قيل: أليس الأمرد الذي لا لحية له يجب عليه غسل ذقنه في الوضوء والجنابة، ثم يسقط غسله في الوضوء إذا غطَّاه الشعر؟ فينبغي أن يسقط في الجنابة إذا غطاه الشعر، وإن كان طارئاً فيهما. فإن كان المخالف مِمَّنْ يوجب ذلك في الوضوء والجنابة، قلنا: القياس على داخل العين بما ذكرنا من العلة. فإن ذكر هذا السؤال في الشعر وأنه طار. نقضنا عليه ذلك بالمسح على العمامة في الوضوء؛ لأنه يجيزه، والعمامة طارئة. فإن فصل بينهما بأن العمامة لا تثبت دائماً مع طريانها. قيل: فقد صار ثبوت الشعر ودوامه مع طريانه يشبه الشعر الذي يخرج في العين. فإما أن توجب غسل شعر العين وما تحته من العين،

стр. 176

كما توجب في الشعر الظاهر الخارج، أو تسقط الشعر الظاهر كما أسقطت غسل شعر العين؛ فيجيء من هذا أن غسل الشعر في مسألتنا يسقط فضلاً عما تحته، أو يجب غسل اللحية وما تحتها فيجب غسل الشعر من العين، وهم لا يوجبون ذلك، ففسد الاعتلال بأنه طار. فإن قيل: إن شعر العين الذي ينبت فيها -أعني في داخلها - لو لم ينبت لما وجب غسل ما تحته، وليس كذلك الشعر الذي على البشرة. قيل: نحن قد أفسدنا الاعتلال، والفرق مع النقض والفساد لا يضر. على أننا نحن أيضاً نقول: إن داخل الأنف لو لم ينبت فيه شعر لما وجب غسله، وهو قول الشافعي فكذلك لا يجب غسل الشعر الذي فيه، ويصير الشعر الظاهر متردداً بين أصلين: هما: الشعر الذي داخل الأنف والعين، وبين الأشياء التي تطرأ كالجبائر والخف، فرد ما تحت الشعر إلى من رده إلى غيره، ورد ما يثبت بعد طريانه إلى ما يثبت من شعر الأنف والعين أولى، وبالله التوفيق.

стр. 177

ونقول أيضاً: إنه شعر يستر ما تحته في العادة فوجب أن ينتقل الفرض إليه، أصله الوضوء. هذا على الشافعي. والمزنيُّ يوجب إيصال الماء في الوضوء والجنابة إلي البشرة.

стр. 178

[١١] مَسْأَلَة عند مالك، وأبي حنيفة وجميع الفقهاء، أن المرفقين تدخلان في غسل الذراعين في الوضوء. وذهب زفر بن الهذيل إلى أنه لا يجب غسل المرفقين، قال: لأنَّ الله -تعالى - قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فأمر بغسلهما إلى المرفقين، وجعلهما حدًّا، والحد لا يدخل في المحدود، كقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فجعل الليل حدًّا للصوم، ثم لم يدخل شيء من الليل فيه، وكما يقول: دار فلان تنتهي إلى دار فلان، فتكون دار فلان حدًّا لها، ولا تدخل فيها، فكذلك ههنا.

стр. 179

والدليل لقولنا: قوله تعالى -: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وأن الله -تعالى - لما أراد منا استيفاء الغسل إلى هذا الحد، وعلم أنه لا يمكن تكلف إخراج الْمِرْفَقَيْنِ عنه لمقاربته، وأنَّه لا فصل بينهما أوجب غسل الْمِرْفَقَيْنِ. كما أنه لما لم يكن بين النهار والليل فصل وجب إدخال جزء من اللَّيْل في حكم الصيام بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وكذلك لما لم يكن بين اللَّيْل والْفَجْر فصل وجب أن يدخل جزء من اللَّيْل في ابتداء الصيام في باب النية والإمساك، حَتَّى يحصلا مقدمين على الصوم الذي يجب من طلوع الْفَجْر؛ لأنه لو تكلف ابتداء الإمساك: حين يطلع الْفَجْر لشق ولم يمكن، فكذلك في الْمِرْفَقَيْنِ مع الذراعين. فإن قيل: فينبغي ان يكون الوجب إدخال جزء منه لا جميعه كما ذكرتم في اللَّيْل والنهار. قيل: المرفق، فتكلف إدخل بعض المرفق دون بعض يشق ولا يمكن وإذا لم يمكن، استيفاء الذراع إلاَّ بجزء من المرفق، ويشق تمييز ذلك الجزء منه لقلته في نفسه صار جميعه في حكم الجزء من اللَّيْل.

стр. 180

وقد حكي عم المبرد أنه قال: لغة العرب أن الحد إذا كان من جنس المحدود داخل الحد في المحدود، كقولهم: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف الآخر، دخل الطرف الآخر في البيع، وإن كان قد جعله حدًّ؛ لأنَّه من جنس الثوب، وإن كان الحد من غير جنس المحدود لم يدخل في المحدود، كقوله -تعالى - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، لما لم يكن الليل من جنس النهار لم يدخل فيه، كذلك أيضاً دخل المرفق فيه؛ لأنه من جنس المحدود. قال القاضي أبو الحسن: وعندي أن إلى إذا كانت في موضعها حقيقة للغاية فلا فصل بين الجنسين وغيره إذا لم يمكن الفصل بينهما عند انتهاء الغاية فأما في المواضع التي تكون إلى بمعنى مع، كقوله - تعالى -: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: مع الله، فهي في هذا الموضع
следующие страницы →