← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كما توجب في الشعر الظاهر الخارج، أو تسقط الشعر الظاهر كما أسقطت غسل شعر العين؛ فيجيء من هذا أن غسل الشعر في مسألتنا يسقط فضلاً عما تحته، أو يجب غسل اللحية وما تحتها فيجب غسل الشعر من العين، وهم لا يوجبون ذلك، ففسد الاعتلال بأنه طار. فإن قيل: إن شعر العين الذي ينبت فيها -أعني في داخلها - لو لم ينبت لما وجب غسل ما تحته، وليس كذلك الشعر الذي على البشرة. قيل: نحن قد أفسدنا الاعتلال، والفرق مع النقض والفساد لا يضر. على أننا نحن أيضاً نقول: إن داخل الأنف لو لم ينبت فيه شعر لما وجب غسله، وهو قول الشافعي فكذلك لا يجب غسل الشعر الذي فيه، ويصير الشعر الظاهر متردداً بين أصلين: هما: الشعر الذي داخل الأنف والعين، وبين الأشياء التي تطرأ كالجبائر والخف، فرد ما تحت الشعر إلى من رده إلى غيره، ورد ما يثبت بعد طريانه إلى ما يثبت من شعر الأنف والعين أولى، وبالله التوفيق.

стр. 177

ونقول أيضاً: إنه شعر يستر ما تحته في العادة فوجب أن ينتقل الفرض إليه، أصله الوضوء. هذا على الشافعي. والمزنيُّ يوجب إيصال الماء في الوضوء والجنابة إلي البشرة.

стр. 178

[١١] مَسْأَلَة عند مالك، وأبي حنيفة وجميع الفقهاء، أن المرفقين تدخلان في غسل الذراعين في الوضوء. وذهب زفر بن الهذيل إلى أنه لا يجب غسل المرفقين، قال: لأنَّ الله -تعالى - قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فأمر بغسلهما إلى المرفقين، وجعلهما حدًّا، والحد لا يدخل في المحدود، كقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فجعل الليل حدًّا للصوم، ثم لم يدخل شيء من الليل فيه، وكما يقول: دار فلان تنتهي إلى دار فلان، فتكون دار فلان حدًّا لها، ولا تدخل فيها، فكذلك ههنا.

стр. 179

والدليل لقولنا: قوله تعالى -: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وأن الله -تعالى - لما أراد منا استيفاء الغسل إلى هذا الحد، وعلم أنه لا يمكن تكلف إخراج الْمِرْفَقَيْنِ عنه لمقاربته، وأنَّه لا فصل بينهما أوجب غسل الْمِرْفَقَيْنِ. كما أنه لما لم يكن بين النهار والليل فصل وجب إدخال جزء من اللَّيْل في حكم الصيام بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وكذلك لما لم يكن بين اللَّيْل والْفَجْر فصل وجب أن يدخل جزء من اللَّيْل في ابتداء الصيام في باب النية والإمساك، حَتَّى يحصلا مقدمين على الصوم الذي يجب من طلوع الْفَجْر؛ لأنه لو تكلف ابتداء الإمساك: حين يطلع الْفَجْر لشق ولم يمكن، فكذلك في الْمِرْفَقَيْنِ مع الذراعين. فإن قيل: فينبغي ان يكون الوجب إدخال جزء منه لا جميعه كما ذكرتم في اللَّيْل والنهار. قيل: المرفق، فتكلف إدخل بعض المرفق دون بعض يشق ولا يمكن وإذا لم يمكن، استيفاء الذراع إلاَّ بجزء من المرفق، ويشق تمييز ذلك الجزء منه لقلته في نفسه صار جميعه في حكم الجزء من اللَّيْل.

стр. 180

وقد حكي عم المبرد أنه قال: لغة العرب أن الحد إذا كان من جنس المحدود داخل الحد في المحدود، كقولهم: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف الآخر، دخل الطرف الآخر في البيع، وإن كان قد جعله حدًّ؛ لأنَّه من جنس الثوب، وإن كان الحد من غير جنس المحدود لم يدخل في المحدود، كقوله -تعالى - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، لما لم يكن الليل من جنس النهار لم يدخل فيه، كذلك أيضاً دخل المرفق فيه؛ لأنه من جنس المحدود. قال القاضي أبو الحسن: وعندي أن إلى إذا كانت في موضعها حقيقة للغاية فلا فصل بين الجنسين وغيره إذا لم يمكن الفصل بينهما عند انتهاء الغاية فأما في المواضع التي تكون إلى بمعنى مع، كقوله - تعالى -: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: مع الله، فهي في هذا الموضع

стр. 181

ليست للغاية، ولا تكون حقيقة فيه؛ لخروجها عما وضعت له. وفي الآية أيضاً دليل آخر، وهو أن اسم اليد يتناول جميعها إلى الإبط، بدليل ما رُوِيَ عن عمار بن ياسر أنه لما تَيَمَّمَ مسح إلى الآباط؛ امتثالاً لما اقتضاه الاسم؛ أعني اسم اليد، وعمار من وجوه

стр. 182

أهل اللغة فإذا تقرر أن اليد اسم لها لها إلى الآباط، ثم أمر الله -تعالى - بغسل اليدين، اقتضى الاسم غسلهما إلى الإبطين، واستثنى مما أوجبه الاسم ونُقص منه بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فبقي المرفق مغسولاً مع الذراعين بحق الاسم؛ لأن الاستثناء لم يلحقه ولم ينته إليه، هذا إن سلمنا أن الحد لا يدخل في المحدود فقد صح ما قلناه. ثم يقوي ما ذهبنا إليه: ما روي أن النبي ﷺ غسل يديه، ثم أدار الماء على مرفقيه، وقال في الحديث: «هذا وضوء لا يقبل الله

стр. 183

الصلاة إلاَّ به». لما تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وهذا يمكن أن يجعل دليلاً مبتدأ، فإذا أورد عليه الكلام في الحد ذكر فيه ما تقدم. ويَدُلُّ على ذلك أيضاً: ما رُوِيَ عن جابر بن عبد الله وأنه قيل له: أرنا كيف كان وضوء رسول الله ﷺ . فأراهم ذلك، وفيه: أنه لما بلغ الْمِرْفَقَيْنِ أدار الماء عليهما، وهو قول عدد من الصحابة، وظاهر أن فعل النبي ﵇ واجب إلاَّ أن تقوم دلالة. ويجوز أن تجعل إلى ههنا بمعنى مع؛ بدليل ما رَوَى عن النبي ﷺ أنه أدار الماء على مرفقيه، وبخبر جابر.

стр. 184

[١٢] مَسْأَلَة والبياض الذي بين شعر اللحية والأذن ليس من الوجه، ولا يجب غسله معه في الوضوء. وذكر الطحاوي أنه من الوجه. وقال الرازي في شرحه إنه كان يجب قبل نبات الشعر غسله؛ لأنه من الوجه، فلا يسقط حكمه بنبات الشعر في غيره. قال: وكان الكرخي يحكي عن

стр. 185

البردعي أن حد الوجه من قصاص شعر الرأس إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن وكذلك قول الاشفعي. وهذا الذي ذكره أنه كان يجب غسله قبل نبات الشعر ليس كذلك، وإنَّما كان يجب غسل الموضع الذي نبت علي الشعر فأما ما وراء ذلك فلم يجب غسله مع الوجه. والدليل لقولنا: قوله -تعالى -: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾،

стр. 186

والوجه عند العرب ما وقعت المواجهة به، ولا تقع في غالب الحال بذلك الموضع. يبين ذلك: أن على المرأة المحرمة أن تكشف وجهها في الإحرام ونحن نعلم أن القناع يغطي ذلك الموضع ولا تكون عليها فيه فدية، ولو غطت موضعاً من وجهها لكان فيه الفدية، وكذلك الذي يجوز لها أن تظهر في الصلاة وجهها، وهو ما ظهر من القناع، وإذا كشفت هذا القدر قيل: قد كشفت وجهها حقيقة. ومن جهة الاستدلال: أن الذي ستره الشعر لما لم يجب غسله، كان الذي وقاه أولى ألا يجب، إما لأنَّه إلى الرأس أقرب، أو لأن الشعر قد حال بينه وبين الوجه. فإن قيل: فإن المرأة إذا لبست الوقاية تغطي رأسها، وانكشف الباقي، فينبغي أن يكون من الوجه، قيل: فيلزمك أن تكون الأذنان من الوجه، وليس الأمر كذلك عندك وهما ينكشفان مع الوجه، ولو فعلت

стр. 187

ذلك في الصلة لم يجز ذلك - عندنا - لأن رقبتها وأذنيها تنكشف. فإن قيل: فلم تقل في هذا كما قلت في المرفقين مع الذراعين، وأنه لما لم يمكن الفصل بينهما لتقاربهما وجب أن يغسل مع الوجه، كالمرفقين. قيل: الفصل بينهما أن اسم اليد يقع من أطراف الأصابع إلى المناكب حقيقة، وكل موضع منه يتناوله اسم يد حقيقة وليس كذلك الوجه مع الرأس، بل جعل بينهما فصل، لا هو وجه حقيقة ولا من الرأس حقيقة، أن الله -تعالى - ذكر غسل الوجه وأفرده؛ لأنَّه المواجه به، ثم عقبه بغسل اليدين، ثم اتى بمسح الرأس بعد ذلك، فعلم بهذا أن هذا مفرد عن هذا وليس كذلك الذراع مع العضد؛ لأنَّ الاسم الواحد يتناولها حقيقة، فبان الفصل بينهما. فإن قيل: فيلزمك هذا في النهار مع الليل. قيل: لا يلزم، لأن الذي جُعل آخر النهار هو غيبوبة الشمس وهي التي جعلت أول الليل فلا فصل، فكأنَّه مشترك بينهما، فلم يمكن الفصل بينهما، وبين الوجه والرأس فصلٌ بيّن فلم يلزم ما ذكرتموه، والله أعلم.

стр. 188

[١٣] مَسْأَلَة غسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند مالك، وأبي حنيفة والشافعي، وجميع الفقهاء، وبه قال أنس بن مالك، وربيعة، والأوزاعي، وأهل الشام، وعبد الله بن الحسن البصري وأهل البصرة وسفيان الثوري، وأبو ثور، وأحمد

стр. 189

وذهب ابن جرير الطبري إلى أن الغسل يجوز، ومسح جميع القدمين يجوز، الإنسان مخيَّر بين الغسل والمسح على هذه الصفة.

стр. 190

وذهب الشيعة إلى أن الفرض هو المسح، ولا يجوز الغسل، وإن مسح البعض أجزأه.

стр. 191

والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فنصب الرجلين، وحدّهما إلى الكعبين، كما نصب اليدين وحدّهما إلى المرفقين. فإن قيل: فقد قرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالخفض، فنسق على المسح بالرأس فينبغي أن يكونا ممسوحين كالرأس، ويكون العطف على ما يليه من الرأس أولى من عطفه على اليدين. قيل: قد حصلت القراءتان جميعاً حجة لنا، فالنصبُ والتحديدُ إلى الكعبين ظاهرٌ في العطف على اليدين، ومن قرأ بالجرِّ خفض بالمجاورة لأن من شأن العرب أن تتبع اللفظ اللفظ على المجاورة، كقوله: هذا جُحرُ ضبٍّ خرب، ومعناه: خربٌ لأنَّه صفة للجحر،

стр. 192

وكقول الشاعر: لقد كان في حولٍ ثواء ثويته … تقضي لبانات ويسأم سائم فخفض الثواء على مجاورته الحول. فإن قيل: حن نعارضك بمثل هذا فنقول: من قرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالنصب، إنما عطفه على موضع الرأس؛ لأنَّ موضع المجرور منصوب ألا ترى قول الشاعر: معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديد فنصب الحديد نسقاً على موضع الجبال؛ لأن موضع المجرور منصوب. قيل: إنما تعمل العرب هذا ضرورة، ولولا أن الشاعر عمله ههنا لتقطعت قافيته، وإنما اراد اتباع القافية. ثم لو سلمنا المساواة والمعارضة في القراءتين لكان استعمالنا في الغسل أولى من وجوه:

стр. 193

أحدهما: أن في الآية صريحاً يدل على أن المراد الغسل، وهو أنه قيد الرجلين بالكعبين، كما قيده في اليدين إلى المرفقين، وتقييده إلى الكعبين يقتضي استيعاب الرجلين إلى الكعبين، وهذا يكون في الغسل؛ لأنَّ من يعتبر المسح يقول: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه دون الباطن. ووجه آخر: وهو أننا نستعمل القراءتين، فنحمل المنصوبة على غسل الرجلين، والمخفوضة على المسح على الخفين. وأيضاً فجعلها على الغسل أولى؛ لأن فيه المسح وزيادة عليه. ووجه آخر: وهو أن معنا من الأخبار ما لا يحمل غير ما نقول؛ وذلك أنه روي النبي ﵇ قال للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، واغسل وجهك ويديك وامسح برأسك، واغسل رجلك»، وهذا موضع تعليم، فذكر فيه أن الذي أمره الله به هو الغسل دون غيره. وأيضاً قوله ﵇ في الخبر الآخر: «لن تجزئ عبداً صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه ويغسل رجليه»، فقوله: «لن يجزئ»، نفي للإجزاء إلا بما ذكره من الغسل، وهذان خبران يصلح الاستدلال بهما في أصل المسالة، ويصلحان لبيان موضع المراد من الآية. ووجه آخر: هو أن الوجه إنما أُمرنا بغسله؛ لكثرة مباشرته

стр. 194

الأشياء من الشموس والغبار والرياح وغير ذلك، وأُمرنا بغسل اليدين؛ لكثرة العمل بهما ومباشرة الأشياء، والرأسُ في أكثر أحواله مغطى، لا يكاد أن يُعمل به شيء ولا يباشر به، فأُمرنا بمسحه تخفيفاً، والرجلان فالسعي بهما وظهورهما أكثر من اليدين وإن كانتا للعمل فلعل عظم الناس تكون أيديهم مغطاة مخبأة، والرجلان أظهر منهما، فلما أمرنا بغسل اليدين كانت الرجلان أولى بأن تكونا مرادتين بالغسل. فإن قال قائل من أصحاب ابن جرير: إن ما ذكرتموه من تقييد الرجلين بالكعبين، وأنه يوجب الاستيعاب فإننا نقول: إن الاستيعاب واجب في المسح كما هو واجب في الغسل. قيل: التخيير إحداث قول ثالث؛ لأنَّ أحداً من الصحابة والمتقدمين لم يحمل الآيتين على التخيير. فإن قيل: معنا أخبار بإزاء أخباركم، وذلك أنَّه روي أن أنس بن

стр. 195

مالك سمع الحجاج يخطب، ويقول: أمر الله -تعالى - بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج. إنما أمر الله -تعالى - بمسح الرجلين فقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالخفض، فدل على أن القراءة بالخفض. وأيضاً فقد روي عن ابن عباس أنَّه قال: «غسلتان ومسحتان»،

стр. 196

وروي عنه أنه قال: كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل، فدل على أن الآية توجب المسح. وروي عن ابن عباس عن علي - رضوان الله عليهما - أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، وأخذ حفنة فصكها على قدميه في نعليه، وبصك الماء على القدم لا يحصل

стр. 197

الغسل فعلم أنه حكي عن النبي ﷺ أنه مسح. وأيضاً فقد روى حذيفة أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً ومسح على نعليه.

стр. 198

وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فمسح على رجليه، فدل على ما ذكرناه. قيل: أما خبر أنس وقوله للحجاج ما قال: فإنما أنكر على الحجاج قوله: أمر الله بغسل الرجلين، فقال: لم يأمر به، وإنما أمر بالمسح، أي أن الكتاب يقتضي المسح ولكن الفرض فيهما الغسل؛ لأنَّ رسول الله ﷺ بيَّن أن الفرض الغسل. وأما حديث ابن عباس: فقد روي عنه أنه قرأ الآية بالنصب فيكون لما قاله تأويلان. أحدهما: انَّه كان يذهب إليه قديماً ثم رجع عنه فقال: الفرض فيهما الغسل. أو يكون قاله على حسب ما قاله أنس؛ لأنَّ الآية تقتضي المسح، ولكن بين رسول الله أن المراد به الغسل، فالفرض فيهما الغسل. وما ذكروه من حديث على أنَّه أخذ حفنة فصك بها قدميه في

стр. 199

نعليه، فإننا نقول: إن هذا ليس بمسح؛ لأنَّ هذا صب ماء، والمسح هو أن يبل يديه ويمسح بهما على قدميه. وحديث حذيفة ففيه أنه مسح على نعليه، وهم لا يجيزون المسح على النعلين.

стр. 200

وحديث ابن عباس: أنه ﵇ مسح على رجليه معناه أنَّه مسح على خفيه؛ بدليل قراءة ابن عباس بالنصب، وبالدلائل التي ذكرناها. على أن هذا كله حكاية أفعال، والأفعال لا تقع إلا على وجه واحد، فيجوز أن يفعل الشيء في وقت لعذر، وما كان فيها من الأقوال فهي محتملة، وقد روينا بإزاء هذه الأخبار ما هو أقوى منها، وذلك انَّه روي عن عبد الله بن زياد، قال: مر بنا أبو هريرة ونحن نتوضأ، فقال: أحسنوا الوضوء، قال أبو القاسم ﷺ : «ويل للأعقاب من النار». وروت عائشة أنَّ النبي ﷺ قال: «ويل للأعقاب من النار». فتواعد على ترك غسل العقب، فلو كان يجوز له تركه لم يكن متواعدً عليه؛ لأن الشيعة تقول: إذا مسح ظاهر القدم ولم يمسح على عقبيه جاز. وروى عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قلت يا رسول الله:

стр. 201

كيف الوضوء؟ فقال: «أسبغ وضوءك وخلل بين الأصابع»، وهم يقولون: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه. وهذه الأخبار لا تلزم الطبري؛ لأنه لا يجوز في المسح ترك شيء من القدم حتى يستوفيه كالغسل، ولكن الخبرين اللذين ذكرتهما من قوله ﷺ للأعرابي: «توضأ كما امرك الله»، إلى أن قال: «واغسل رجليك»، وقوله: «ويغسل رجليه» يلزمان الطائفتين جميعاً. ونحن وإن قلنا: إن الفعل يقع به البيان كما يقع بالقول، فإننا نقول: إن البيان بالقول أبلغ منه بالفعل؛ لأن الأمر إنما يكون لغير الآمر وهو لا يدخل تحت ما يأمر به، وفعله يخصه، ونحن وإن جعلنا أفعاله

стр. 202

يقع بها البيان لأن القول في باب البيان أبلغ منه لا محالة بلا خلاف بين من تكلم في أصول الفقه، فإذا كان هذا هكذا، فقوله ﵇ للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله»، إلى أن قال: «واغسل رجليك»، وقوله: «لن تجزئ عبداً صلاته حتى يسبغ الوضوء»، إلى أن قال: «ويغسل رجليه»، ابلغ من فعله ﵇، هذا لو تجرد ما روي من فعله المسح فكيف وقد روينا عنه فعله الغسل؟ وعندي أن هذه الطريقة في لزوم هذين الخبرين لا تثبت لهما شيئاً من الأخبار. وأيضاً فإنَّه إجماع الصحابة لأنه روي عن علي وابن عباس وابن مسعود أنهم قرأوا بالنصب، وقال انس: كتاب الله المسح، وبين

стр. 203

رسوله ﷺ أنه الغسل، فدل أنه إجماع منهم. وقد روي عن عثمان وجابر وغيرهما لأنهم كانوا إذا قيل لهم: أرونا وضوء رسول الله ﷺ حكوا وضوءه، وأنه غسل رجليه، وهذه أفعالكما رووا أنه مسح، غير أننا نقول: إنه قد يفعل الشيء تارة يريد به البيان، وتارة يفعله لعذر، وتارة للتعليم إلا

стр. 204

أن البيان بالقول أبلغ على ما بيناه. ونقول: هما عضوان تجب فيهما الدية، أمرنا بإيصال الماء إليهما في الوضوء، فوجب أن يكونا مغسولين مع القدرة كاليدين. أو نقول: هما عضوان تُعُبِّدنا بتطهيرهما في الوضوء، مذكوران بحدٍّ فيهما، فهما كاليدين. أو نقول: الرجل عضو مفروض في أحد طرفي الطهارة، فوجب أن يكون مغسولاً كالوجه. فإن قيل: هو عضو يسقط في التيمم فكان فرضه المسح كالرأس. وأيضاً فإن الخف بدل عن الرجلين فلما كان البدل ممسوحاً فكذلك مبدله. قيل: القياس على الرأس منتقض بالجنب، قد يسقط حكم رأسه ورجليه في التيمم، ثم فرض في ذلك الغسل في الجنابة. وقولهم: لما كان بدله ممسوحاً وكذلك مبدله، باطل بالوجه هو بالتيمم ممسوح، وفي المبدل في الوضوء والجنابة مغسول. ثم لو صح القياس لرجح قياسنا من وجوه: أحدها ما ذكرناه من مباشرة الرجلين بالسعي وظهورهما كالوجه واليدين. ومنها: استناده إلى تعليم النبي ﷺ وتفسيره لما أمر الله -تعالى - به.

стр. 205

ومنها: استنتاده لفعل الصحابة ﵃، ومداومتهم على الفعل وحكايتهم لوضوء رسول الله ﷺ . ومنها: أن رد المذكور بحد إلى مثله من اليدين أولى. ومنها: أننا نرى أشياء من البدن يجب غسلها في الجنابة، مثل الرجلين، ولا يجوز المسح فيها مع القدرة، ثم تسقطان مع سائر الجسد في الجنابة عند التيمم. وأيضاً: فقد أجمعوا على أنه إذا توضأ وغسل رجليه فقد فعل المراد، واختلفوا فيه إذا مسح، فالتمسك بموضع الإجماع أولى. فإن قيل: ما ذكرتموه أن العرب تتبع اللفظ اللفظ للمجاورة، وأن القراءة بالجر في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، عطف بها على الرأس للمجاورة، فإنما تعمل العرب ذلك في الموضع الذي لا يلتبس، وها الموضع ملتبس؛ لأنَّه يجوز مسح الرجلين كما يجوز مسح الرأس. قيل: قد رأيناهم يفعلون ذلك، وليس علينا تفصيل المواضع. على أنه لما كان يلتبس قُيِّدت الرجلان بالكعبين كاليدين، فإذا عطف بهما على الرأس للمجاورة لم يلتبس، والله أعلم.

стр. 206

[١٤] مَسْأَلَة ولا يجوز تفرقة الوضوء وغسل الجنابة إلا اليسير منه، فأما إن فرقه حتى طال مقدار ما يجف فيه الماء على وجهه في هواء معتدل لم يجزئن وهو قول الشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة: يجوز، وهو قول الشافعي في الجديد. ونحن نوافقهم إذا كان على وجه النسيان ونخالفهم في العمد. ومن أصحاب مالك ﵀ من قال: الموالاة مستحبة. والظاهر من قول مالك أنها واجبة على الوجه الذي بيناه.

стр. 207

وبمثل قولنا قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وربيعة، وأحمد. وروي هذا عن عمر ﵀. وقول المخالف هو قول سعيد بن المسيب،

стр. 208

وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري. والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأمر بغسل الوجه وما معه من الأعضاء والأمر يقتضي المبادرة والفور، وحقيقة الفور: أن يقع الفعل في الزمان الثاني من الأمر، وإذا خرج بعض الأعضاء فقد غسل بعض ما أمر به على الفور لا كله. وأيضاً فإن العضو الثاني مأمور به كالأول، وتقديره: فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم، فإذا ثبت غسل الأول على الفور، فالثاني مثله على الفور، والدليل في هذه المسألة مبني على الأصل. فإن قيل: فإن الواو للترتيب، فتصير بمنزلة ثم التي هي للمهلة والتراخي.

стр. 209

قيل: الواو للجمع على ما بيناه في مَسْأَلَة الترتيب، ثم مع هذا لو ثبت أنها للترتيب لكان أحسن أن يكون بمعنى الفاء، غير أنها توقع الثاني عقب الأول؛ لأنها للعقب، ولو كانت للترتيب لكان قولكم في أول الاية: إنها للعقب في غسل أل وجه يلزمكم التعقيب في باقي الأعضاء للنسق على أل وجه. وأيضاً: قد روي عن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به»، ونحن نعلم أنه ﵇ لم يغسل وجهه بالغداة، ويديه ضحوة النهار، بل والى تابع بين غسل الوجه واليدين ثم بين أن الله -تعالى - لا يقبل الصلة إلا بذلك الوضوء. وقد روي أنه ﷺ توضأ، ووالى، وقال: «هذا وضوء لاي قبل الله الصاة إلا به»، وفيه دليلان: أحدهما: أنه فعل ذلك، وفعله على الوجوب. والثاني: أنه أعلمنا من طريق القول أن الله لا يقبل الصاة إلا بوضوء هذه صفته، إلا أن تقوم دلالة. فإن قيل: الرواية أنه ﵇ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصاة إلا به»، عليه سؤالان.

стр. 210

أحدهما: أنه لم ينقل أنه والى وتابع، وإذا لم يكن في الخبر هذا لم يصح الحجاج به؛ لأنَّه حكاية فعل يجوز أن يكون وقع على الوجه الذي ذكرتموه، ويجوز أن يكون وقع على غير ذلك الوجه، فإذا لم يعلم على أي وجه وقع لم يصح الحجاج به. على أن لو صح أنه والى لم تكن فيه دلالة، لأن قوله: «هذا وضوء»، إشارة إلى الأفعال، والموالاة من صفات الفعل، وليست من أفعال الوضوء، فيقتضي أن لا يقبل الله الصلاة إلا بتلك الأفعال، لا بأفعالٍ صفاتها تلك الصفات. قيل: أما قولكم: ليس في الخبر أنه والى وتاعن فعليه جوابان: أحدهما: أننا قد روينا في خبر أنه توضأ متوالياً. والجواب الآخر: هو أنه لا يجوز أن يظن ﵇ غير ذلك؛ لأن التفريق لغير عذر يخرج على طريق اللعب في الدين، وهذا مثله لا يظن به، وإنما يُظهر لنا ما يفعله لِيَسُنّ فَيُتَّبَع، ويُقتدَى به في فعله، ولا يجوز أن يُظن به أنه غسل وجهه بالغداة، وتمم وضوءه عند الظهر، لأن من يرى فعله الثاني يظن أن هذا القدر من الأعضاء يجزئ في الوضوء. وقولكم: إنه أشار إلى الأفعال، والموالاة من صفة ألفعال فإننا نقول: إنه إذا فعل فعلاً على صفة ثم أشار إليه، وقعت الإشارة إلى ذلك الفعل على صفته إلا أن تقوم دلالة. فإن قيل: يحتمل أن يكون ﵇ فعل ذلك في الوقت المضيق، الذي لو أخر الطهارة أو بعضها حتى خرج الوقت لم يجز، وهذا الوقت لا يمكن فيه إلا الموالاة، فأما إذا كان الوقت متسعاً، أو لم يدخل جازت التفرقة.

стр. 211

قيل: إنما أراد ﵇ أن يعلمنا صفة الوضوء الذي لا تصح الصلاة إلا به، سواء توضأنا قبل الوقت أو في أوله أو في آخره، كما علم الأعرابي ذلك، وكما تقولون: إنَّه على الترتيب، ولم يتعرض لوقت الصلاة تضيَّق أو اتسع، وكذلك أعلمنا أن الفرض مرة، والفضل في الثا، ولم يتعرض للأوقات، والتعليم يكون في وقت الصلاة وفي غير وقتها، ونحن أبداً كذلك نعلم الناس كيف يتوضؤون ويصلون، وإن لم يحضر وقت الطهارة ولا وقت الصلاة. ويدل على أن النبي ﷺ قصد تعليمنا صفة الوضوء: قوله لنا: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ولو كان يختلف لكان يقول: وهذا إذا تضيق الوقت، حتى نعلم الفرق بينهما، كذا ينبغي أني كون التعليم، وإلا التبس علينا، ولم نعلم الفرق بين الوقتين، مع جواز أن يكون هناك وضوء على غير هذه الصفة يقبل الله الصلاة به، فلما لم يبن لنا الفرق علم أن الأمر فيها سواء.

стр. 212

فإن قيل: إن الله -تعالى - أمر بغسل هذه الأعضاء في الآية، فمن غسلها مجتمعة، قيل: قد غسلها وإذا غسلها متفرقة، قيل: قد غسل أعضاءه، فإذا كان يسمى غاسلاً لأعضائه سواء فرق أو جمع فقد امتثل المأمور به. قيل: عنه جوابان. أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الأمر يقتضي المبادرة في جملة الطهارة في كل عضو منها. والجواب الآخر: هو أنَّه إذا غسل وجهه وصبر، لا يقال: قد غسل أعضاءه، ولا بد أن يغسل يديه ثم يؤخر الباقي يقال: قد غسل أعضاءه، وأما إذا غسل وجهه وأخر الباقي، قيل: قد غسل وجهه حسب. وقد قلنا: إن التفريق على هذا الوجه يخرج إلى حد التواني واللعب الممنوعين في دين الله ع ز وجل. فإن قيل: فإن الاتفاق قد حصل لو قدم جملة الطهارة من ضحوة من النهار للظهر أجزأه، وهذا قبل توجه الأمر عليه، فإذا جاز تقديم الكل على زمان الأمر كان تقديم بعض الأعضاء على زمان الأمر وتأخير البعض إلى وقت الأمر أولى بالجواز، وتقدير ذلك: أن يغسل

стр. 213

وجهه ويديه، ضحوة النهار، وإذا زالت الشمس غسل الباقي، فيكون قد حصل غسل وجهه ويديه قبل زمان الأمر بغسلهما، وحصل مسح الرأس وغسل الرجلين بعد وقت الأمر فيهما. قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أن الآية خوطب بها من قام إلى الصلاة وهو محدث أيوقع غسل كل عضو على المبادرة، فثبتت الموالاة، وصار لكل عضو في المبادرة به حكم صاحبه، وهو أن يقع الثاني موالياً للأول، فإذا ثبت في الثاني أني كون عقيب الأول، وثبت في الثالث أن يكون عقيب الثاني، فمتى قدمنا الكل لم يتغير حكم كل عضو عما ثبت فيه من موالاته لصاحبه، وليس كذلك إذا قدمنا البعض وأخرنا البعض؛ لأنه يزول الحكم الذي كان يثبت فيه من أن يتلو كل عضو صاحبه. يبين هذا: أن الصلاة الواحدة يتناولها قوله: «صلوا»، ولفظه لفظ الأمر، والأمر يتوجه إلى الركعة الثانية كتوجهه إلى الأولى، وإن الفور في الثانية كهو في الأولى، فلا بد من أن تقع عقيبها ومواليه لها، فإذا ثبت فيها هذا الحكم لم يجز أن يتغير عنه حيث وقعت. ألا ترى أن صلاة الظهر إذا أخر وقتها أوقعت كذلك، متوالية، ولو قدمت في أول وقتها لكانت كذلكن حتى لا يتغير وقت الموالاة فيها ولو جاز إيقاعها قبل الزوال لما جازت إلا كذلك من أجل ما ثبت فيها من الموالاة، فإذا كان هذا هكذا سقط السؤال.

стр. 214

ويجوز أن يستدل في الأصل بكون الحديث حاصلاً بيقين فمن زعم أنه يزول بالوضوء المتفرق فعليه الدليل. وأيضاً فإن النبي ﷺ توضأ بالموالاة، فمن خالف فعله كان مردوداً بقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو مردود»، وقد علم أن الفعل لا يمكن رده، فثبت أنه اراد أنَّ حكمه مردود. وأيضاً فإن الصاة عليه بيقين، فلا تستطيع إلا بيقين. فإن استدلوا بقوله ﷺ : «لا صلاة إلاب فاتحة الكتاب»، وهذا قد صلَّى بفاتحة الكتاب. قيل: وقد قال: «لا صلاة إلاب طهور»، فينبغي أن يسلم أنه قد تطهر. فإن قيل: فقد قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة. قيل: قوله: «لا صلاة إلا بطهور»، أخص منه؛ لأنَّه يتناول اسم الطهارة بالذكر. على أن معنا القياس فنق ول: هي عبادة تسقط إلى شطرها في

стр. 215

حال العذر، فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة. أو نقول: هي عبادة تنتقض بالحدث فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة. أو نقول: هي عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة، فجاز أن تبطلها التفرقة كالأذان، لو قال: الله أكبر ثم سكت ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، فذكر الشهادة الأولى قبل أن تتم التكبيرة لم يجز. وقولنا: تجمع أشياء متغايرة احتراز من الكسوة، فإنه لو غطى عورته بالغداة، وبعضها عند القيام إلى الصلاة جاز. وقولنا: احتراز من الحج؛ لأنَّه لا يراد للصلاة. فإن قيل: فإنَّه تفريق طهارة فوجب أن لا يمنع صحة الطهارة، أصله التفريق اليسير.
следующие страницы →