← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قيل: إنما أراد ﵇ أن يعلمنا صفة الوضوء الذي لا تصح الصلاة إلا به، سواء توضأنا قبل الوقت أو في أوله أو في آخره، كما علم الأعرابي ذلك، وكما تقولون: إنَّه على الترتيب، ولم يتعرض لوقت الصلاة تضيَّق أو اتسع، وكذلك أعلمنا أن الفرض مرة، والفضل في الثا، ولم يتعرض للأوقات، والتعليم يكون في وقت الصلاة وفي غير وقتها، ونحن أبداً كذلك نعلم الناس كيف يتوضؤون ويصلون، وإن لم يحضر وقت الطهارة ولا وقت الصلاة. ويدل على أن النبي ﷺ قصد تعليمنا صفة الوضوء: قوله لنا: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ولو كان يختلف لكان يقول: وهذا إذا تضيق الوقت، حتى نعلم الفرق بينهما، كذا ينبغي أني كون التعليم، وإلا التبس علينا، ولم نعلم الفرق بين الوقتين، مع جواز أن يكون هناك وضوء على غير هذه الصفة يقبل الله الصلاة به، فلما لم يبن لنا الفرق علم أن الأمر فيها سواء.

стр. 212

فإن قيل: إن الله -تعالى - أمر بغسل هذه الأعضاء في الآية، فمن غسلها مجتمعة، قيل: قد غسلها وإذا غسلها متفرقة، قيل: قد غسل أعضاءه، فإذا كان يسمى غاسلاً لأعضائه سواء فرق أو جمع فقد امتثل المأمور به. قيل: عنه جوابان. أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الأمر يقتضي المبادرة في جملة الطهارة في كل عضو منها. والجواب الآخر: هو أنَّه إذا غسل وجهه وصبر، لا يقال: قد غسل أعضاءه، ولا بد أن يغسل يديه ثم يؤخر الباقي يقال: قد غسل أعضاءه، وأما إذا غسل وجهه وأخر الباقي، قيل: قد غسل وجهه حسب. وقد قلنا: إن التفريق على هذا الوجه يخرج إلى حد التواني واللعب الممنوعين في دين الله ع ز وجل. فإن قيل: فإن الاتفاق قد حصل لو قدم جملة الطهارة من ضحوة من النهار للظهر أجزأه، وهذا قبل توجه الأمر عليه، فإذا جاز تقديم الكل على زمان الأمر كان تقديم بعض الأعضاء على زمان الأمر وتأخير البعض إلى وقت الأمر أولى بالجواز، وتقدير ذلك: أن يغسل

стр. 213

وجهه ويديه، ضحوة النهار، وإذا زالت الشمس غسل الباقي، فيكون قد حصل غسل وجهه ويديه قبل زمان الأمر بغسلهما، وحصل مسح الرأس وغسل الرجلين بعد وقت الأمر فيهما. قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أن الآية خوطب بها من قام إلى الصلاة وهو محدث أيوقع غسل كل عضو على المبادرة، فثبتت الموالاة، وصار لكل عضو في المبادرة به حكم صاحبه، وهو أن يقع الثاني موالياً للأول، فإذا ثبت في الثاني أني كون عقيب الأول، وثبت في الثالث أن يكون عقيب الثاني، فمتى قدمنا الكل لم يتغير حكم كل عضو عما ثبت فيه من موالاته لصاحبه، وليس كذلك إذا قدمنا البعض وأخرنا البعض؛ لأنه يزول الحكم الذي كان يثبت فيه من أن يتلو كل عضو صاحبه. يبين هذا: أن الصلاة الواحدة يتناولها قوله: «صلوا»، ولفظه لفظ الأمر، والأمر يتوجه إلى الركعة الثانية كتوجهه إلى الأولى، وإن الفور في الثانية كهو في الأولى، فلا بد من أن تقع عقيبها ومواليه لها، فإذا ثبت فيها هذا الحكم لم يجز أن يتغير عنه حيث وقعت. ألا ترى أن صلاة الظهر إذا أخر وقتها أوقعت كذلك، متوالية، ولو قدمت في أول وقتها لكانت كذلكن حتى لا يتغير وقت الموالاة فيها ولو جاز إيقاعها قبل الزوال لما جازت إلا كذلك من أجل ما ثبت فيها من الموالاة، فإذا كان هذا هكذا سقط السؤال.

стр. 214

ويجوز أن يستدل في الأصل بكون الحديث حاصلاً بيقين فمن زعم أنه يزول بالوضوء المتفرق فعليه الدليل. وأيضاً فإن النبي ﷺ توضأ بالموالاة، فمن خالف فعله كان مردوداً بقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو مردود»، وقد علم أن الفعل لا يمكن رده، فثبت أنه اراد أنَّ حكمه مردود. وأيضاً فإن الصاة عليه بيقين، فلا تستطيع إلا بيقين. فإن استدلوا بقوله ﷺ : «لا صلاة إلاب فاتحة الكتاب»، وهذا قد صلَّى بفاتحة الكتاب. قيل: وقد قال: «لا صلاة إلاب طهور»، فينبغي أن يسلم أنه قد تطهر. فإن قيل: فقد قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة. قيل: قوله: «لا صلاة إلا بطهور»، أخص منه؛ لأنَّه يتناول اسم الطهارة بالذكر. على أن معنا القياس فنق ول: هي عبادة تسقط إلى شطرها في

стр. 215

حال العذر، فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة. أو نقول: هي عبادة تنتقض بالحدث فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة. أو نقول: هي عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة، فجاز أن تبطلها التفرقة كالأذان، لو قال: الله أكبر ثم سكت ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، فذكر الشهادة الأولى قبل أن تتم التكبيرة لم يجز. وقولنا: تجمع أشياء متغايرة احتراز من الكسوة، فإنه لو غطى عورته بالغداة، وبعضها عند القيام إلى الصلاة جاز. وقولنا: احتراز من الحج؛ لأنَّه لا يراد للصلاة. فإن قيل: فإنَّه تفريق طهارة فوجب أن لا يمنع صحة الطهارة، أصله التفريق اليسير.

стр. 216

ولأن الحدود طهارة وكفارة، وقال النبي ﷺ «الحدود كفارات لأهلها»، ثم يصح تفريق الحد؛ لأنَّه لو جلد عشرين سوطاً بالغداة وعشرين بالعشي جاز، فنقول: هو تفريق تطهير فوجب أن لا يمنع صحته أصله الحدود. أو نقول: كل ما لا يمنع منه التفريق اليسير لا يمنع من التفريق الكثير، أصله الحج، وعكسه الصلاة؛ لأنَّه لو وقف بعرفة وطاف يوم النحر أجزأه، وهذا تفريق يسير، ولو وقف وطاف بعد شهر أجزأه أيضاً.

стр. 217

وكذلك لو طاف خمسة أشواط ثم طاف في وقت آخر أجزأه. قيل: أما قياسكم على التفريق اليسير فغلط؛ لأنَّ الأصول قد جوزت العمل القليل في اصلاة ومنعت من الكثير، ثم ينتقض أيضاً بالصلاة، لأنه لو تعمد قتل عقرب أو خطأ ليسد الصف جاز، ولو اشتغل بإخراج غريق وهو في الصلاة بطلت الصلاة، وقد عفي عن يسير الدماء، ويسير العمل في الصلاة، ويسير الغرر في البياعات، بخلاف الكثيرة، وقد قلنا: إن تعمَّدَ التفرقة ضرب من اللعب، ويؤدي إلى التواني الذي هو ممنوع في الدين. وأما القياس على الحدود فإن الحدود تكون تطهيراً وكفارة بالتوبة، وإن لم يتب فإنها لا تطهره. على أننا قد رددنا ذلك على الصلاة فهو أولى من رده إلى

стр. 218

لحدود؛ لأن الطهارة تراد للصلاة، والحدود لا تراد للصلاة والا للحج، ورددناه إلى الأذان المراد للصلاة، فرد ما يراد للصلاة إلى مثله أولى. وأما تفريق الطواف حتى يطول فإنه لا يجوز عندنا. فإن قيل: فإن كل عبادة جاز تقطيع النية على أبعاضها جز تفريق أبعاضها، أصله الزكاة، بيان ذلك: أنه لو كان عليه خمسة دراهم زكاة، جاز أن يفرقها دانقاً دانقا، وينوي مع كل دانق أنه زكاة أجزأه، فقد فرق النية على أبعاضها، وفرق أبعاضها، وكذلك الطهارة لو غسل وجهه ونوى رفع الحدث أجزأه، وكذلك في الرجل فلما جاز أن يفرق النية ويقطعها جاز تفريق أبعاضها، وعكس ذلك الصاة؛ لما لم يجز بالتكبير أنه للظهر لم يجزئه، ولو ركع ونوى به ركوعاً عن الظهر لم يجزئه، فلا بدَّ من جملة النية في استفتاح الصلاة فيقول: نويت به صلاة الظهر أو الفرض.

стр. 219

قيل: إن الطهارة جعلت شروطاً تراد لأمر شرطه الموالاة، وهو الصاة، فكان من شرطها الموالاة كالأذان، وليس كذلك الزكاة. ثم لا فرق -عندنا - بين الطهارة والصلاة في المنع من تقطيع النية؛ لأنَّه لو نوى بغسل وجهه رفع الحدث ما ارتفع، وإنما يرتفع الحدث بالفراغ من الطهارة، ألا ترى أنه لو بقي عليه غسل عضو لم يصح أن يصلي فلم يرتفع حدثه، وإنَّمَا ينوي حين يشرع في الطهارة أنه يرفع الحدث بطهارته التامة، فتفرقة النية لا تجوز كما لا يجوز تفرقة النية في الصلاة. على أنه فاسد بالشهرين المتتابعين، فإن تفريق النيات في كل ليلة جائز، ولا يجوز تفريق الفعل الذي هو الصيام، فلو أجزنا تفريق النية في أعضاء الطهارة لم يلزم جواز تفريق الأعضاء، كما لا يجوز تفريق النية في ليالي صيام الشهرين ولا يجوز تفريق الصيام، وكذلك شهر رمضان أيضاً. وقولنا هو قول عمر بن الخطاب ﵀، ولا مخالف له

стр. 220

من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع. وما يحتجون به من خبر ابن عمر أنَّه توضأ وخرج إلى السوق، فدعي إلى جنازة فمسح على خفيه، فإنه حكاية عن فعلة وقعت، فيجوز أن يكون ناسياً لمح الخف فذكر، ويجوز أن يكون كان بخفه أذى من بول أو غائط أو طين فمسحه عنه بالماء، وقد كان يتقبل في أفعاله فعل رسول الله ﷺ ولم يكن ﵇ يتوضأ على الوجه الذي يجيزونه؛ لأنَّه يجري مجرى اللعب، ولم يظهر مظهر ابن عمرو في جواز التفرقة، وظهر مذهب عمر ﵁ فهو حجة. فإن قيل: فإن النسيان إذا حصل في الصلاة حتى طالت التفرقة أعيدت الصلاة من أولها، وليس كذلك الطهارة.

стр. 221

قيل: هذا لا يضر؛ لأن العمد في الصاة قد خالف حكم النسيان، فلو فرق الصاة على طريق العمد أفسد، مثل أن ينصرف من اثنتينن ولو انصرف ناسياً لم يفسد، فكذلك التفريق في الطهارة على طريق العمد في الطول لا يجوز، وفي النسيان لا يفسد، فلا يمنع أن يكون الأمر في الطهارة أوسع منه في الصلاة. فإن قيل: لو كانت الموالاة شرطاً في صحة الطهارة لم ي فترق الحكم بين العمد والنسيان، كالنية والماء الطاهر. قيل: هذا غير لازم؛ لأن في الأصول ما هو واجب وقد افترق عمده ونسيانه، ألا ترى أن الإمساك عن القيام إلى خامسة في الصلاة الرباعية واجب، ولو قام إليها ناسياً لم تفسد، وكذلك الإمساك عن الكلام فيها واجب ويفترق عمده ونسيانه، وكذلك الإمساك عهن الأكل في الصوم واجب ويفترق -عندكم - حكم عمده ونسيانه، وكذلك التسمية على الذبيحة، وكذلك في مسألتنا لم يفترق حكم

стр. 222

النية والماء الطاهر في باب العمد والنسيان، اختلف في الموالاة في الطهارة.

стр. 223

[١٥] مَسْأَلَة ولا يمس المصحف ولا يحمله إلا طاهر غير محدث ولا جنب. هذا مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي. وقال حماد، والحكم: يجوز للمحدث والجنب

стр. 224

مسه، وبه قال داود. والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فأخبر -جل ثناؤه - أن الكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون؛ لأنَّ القرآن لا يمس، ولكن المس وترك المس يقعان على الكتاب، ولن الكتاب أيضاً أقرب مذكور إليه، فكانت الهاء في ﴿يَمَسُّهُ﴾، راجعة غليه -أعني إلى الكتاب الذي فيه القرآن -، لأنه قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. وقوله -تعالى -: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾، يحتمل معنيين. أحدهما: أن يكون لفظه نهياً، كما إذا نهيت غائباً قلت: لا يَمسَ فلانٌ هذا، ويحتمل أن يكون لفظه للخبر، والمراد به النهي أو الأمر؛

стр. 225

لأنه لو كان خبراً حقيقة لما جاز أني كون بخلاف مخبره، فلمَّا وجدنا أنه يمسه من ليس على صفة الطهارة من جنب وغيره علمنا أن المراد به النهي، فصار تقديره: لا تمسوا المصحف إلا وأنتم مطهرون، ومثل هذا قوله -تعالى - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والمراد به ألمر، وصيغته صيغة الخبر، وهذا في القرآن كثيرٌ. فإن قيل: المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ، وبالمطهرين: الملائكة، بدليل أنَّه سمَّاه محفوظاً مكنوناً، والمصاحف ليست بمحفوظة. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا يعرف قرآن منزل إلا ما في المصحف. والجواب الثاني: هو أنه غير جائز أني كون المراد غير المصحف، لأن من لا يتوهم عليه غير الطهارة لا يصح أن يتوجه عليه هذا الخطاب، وليس للملائكة حال غير حال الطهارة، فدل أن المراد به ما ذكرناه. فإن قيل: لو أراد ما ذكرتم لقال: إلا المطهرون. قيل: من تطهر بالماء يكون متطهراً ومطهراً، ولأنَّه قد يصح أيضاً

стр. 226

أن يطهره بالماء غيره فيقال: قد تطهر وهو مطهر. فإن قيل: إنما اراد الله -تعالى - بالمطهر الذي قد ارتفعت درجته، كقوله في عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾،؛ أي مبعدك من هؤلاء الأنجاس، فكذلك أراد الملائكة ههنا، لأنهم مميزون ممن يلحقهم التنجيس والتطهير. قيل: فينبغي أن يكون هذا فضيلة للقرآن؛ لأنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فلا ينبغي أن يمسه منا إلا طاهر؛ لأن التنبيه على فضيلته يوجب ذلك. فإن قيل: نحن إذا جعلنا قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾، خبراً لا يجوز أن يوجد بخلاف مخبره حملنا على الحقيقة إذا كان خبراً عن الملائكة في اللوح المحفوظ، وأنتم تجعلونه للنهي بغير دليل. قيل: نحن جعلناه بدليل؛ لأنه لو كان خبراً لم يفد؛ لأننا قد علمنا أنه ليس في الملائكة غير طاهر، ولا أحد ممن يمس اللوح المحفوظ غير طاهر، فلا فائدة في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، إذا حمل على الملائكة. وأيضاً فإن التنبيه على عظم منزلته يوجب ألا يمسه إلا من عظمت حرمته؛ لأنه تنزيل من رب العالمين، وقد نزل إلينا فلا ينبغي أن نمسه إلا على أكمل أحوالنا.

стр. 227

ولنا من السنة ما رواه عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب له كتاباً إلى اليمن، وذكر فيه: «وأن لا يمس المصحف إلا طاهر».

стр. 228

وروى حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ قا: «لا يمس المصحف إلا طاهر». وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لا تمس

стр. 229

المصحف إلا وأنت طاهر»، وهذا خبر صحيح جيد. فإن قيل: قوله ﵇: «لا يمس المصحف إلا طاهر»، أراد أن لا يمسه مشرك. قيل: الجواب عن هذا من وجوه: أحدهما: أن خبر ابن عمر يسقط؛ لأنَّ ابن عمر كان مسلماً، وقد نهي أن يحمله إلا وهو طاهر.

стр. 230

ووجه آخر: وهو أنه عام في كل مشرك ومسلم ليس على الطهارة. وجه آخر: وهو أن المشرك ليس بنجس البدن، وإنَّما هو معبد لدينه؛ لأن أصل النجس هو المعبد، ألا ترى أنه لو كان نجس في بدنه لم يطهر باعتقاد الإسلام، وإذا حمل للمشرك لم يكن للاستثناء والتخصيص معنى ولاف فائدة؛ إذ ليس للمشرك حالة طهارة، ثم لو أراد المشرك ولا يحمله إلا مؤمن لقال: لا يسمه إلا مؤمن، فلما أتى بذكر طاهر، إلى صفته زائدة على كونه مؤمناً، علمنا أنه أراد المؤمن إذا كان متطهراً؛ لأننا نعلم أنه لا يحكم له بالطهارة إلا بعد تقديم الإيمان منه، كما لو قال: لا يمسه إلا مصل، فلا يكون مصلياً صلاة شرعية إلا بعد كونه مؤمناً. وأيضاً فإنَّه ﵇ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن تناله أيدي المشركين، الذي لا يجتنبون الأنجاس، ولا تصح لهم طهارة، ولا يعظمون حرمته، فينبغي أن نعظم حرمته، ولا نمسه إلا على طهارة. ، أيضاً فلنا إجماع في المسألة؛ لأنَّه روي عن علي ﵁ أنه سئل عن المحدث أيمس المصحف؟ فقال: لا.

стр. 231

وروي أن عمر ﵁ تسمع على أخته وهي تقرأ سورة طه وزوجها سعيد بن زيد وعندهم خباب بن الأرت، فسألهما عمر أن يخبراه بما قرأته، وان يعطياه لينظر إليه، فقالت له أخته: إنَّك لا تتوضأ من الحدث، ولا تغتسل من الجنابة، فلا أعطيكه تمسه، وهذا كان قبل إسلام عمر ﵁.

стр. 232

وروي أن مصعب بن سعد كان يمسك المصحف لأبيه سعد حتى يقرأ فيه، فحك مصعب بدنه فقال له أبوه سعد: أراك قد حككت ذكرك؟ فقال: نعم. فأمره بوضع المصحف، وقال له: توضأ ثم امسسه.

стр. 233

وقد روي عن سلمان أنه قيل له، وقد تبرز: لو توضأت فسألناك عن آي من القرآن. فقال: سلوني، فإنِّي لست أمسه، لأنه لا يمسه إلا المطهرون، وهذا صحابي تأول الآية على ما نقول فلم ينكر عليه. ومن الاعتبار: أنه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه، فوجب أن لا يجوز له مس المصحف؛ كالمشرك. وأيضاً فإنه ممنوع من الصالة لمعنى تعلق حكمه بيده، فوجب أن يمنع من مسِّ المصحف بتلك اليد ما دام على صفته تلك، أصله إذا غمس يده في نجاسة لا يجوز مسه بها. وأيضاً فإن الجنابة لما منعت نم دخول مكان الصلاة منع الحدث

стр. 234

من نفس الصلاة. وأيضاً فإن مباشرة ما قد تناهت حرمته لا يجوز مع كونه محدثاً، كالطواف. وأيضاً فإن الأصول تشهد لقولنا: وذلك أالحدث حدثان: أعلى وأدنى، وللمصحف حرمتان، أعلى وأدنى، فلما منع الحدث الأعلى - وهو الجنابة - عن الحرمة العليا - وهي القراءة -، فكذلك يجب أن يمنع الحدث الأدنى من الحرمة الدنيا - وهي حمل المصحف ومسه -، وهذا إذا سلم لنا لأن الجنب لا يقرأ؛ لأنه عندهم - يقرأ. فإن قيل: فقد كتب النبي ﷺ إلى قيصر كتاباً فيه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وكتب إليهم آيتين»، مع علمه

стр. 235

بأنهم يمسونه ويبتذلونه، وليسوا بمتطهرين، فدل على ما ذكرناه. قيل عن هذا جوابان: أحدهما: أنه لا يصح لداود الاحتجاج بهذا؛ لأنَّه لا يجوز للمشرك مسه. والجواب الآخر: هو أنَّه يجوز للجنب أن يقرأ -عندنا - الآية والآيتين، وأن يمس ما فيه آية أو آيتان؛ لأنه يسير. على أننا نجوز للمحدث أن يحمل المصحف إذا لم يكن قصده حمله ومسه. فإن قيل: فإن المحدث تجوز له قراءة القرآن، فجاز له مسه، كالمتطهر. ولأن حرمة المصحف لما فيه من القرآن، ولا حرمة للجلد ولا للورق والسواد، فلما جاز للمحدث قراءة القرآن؛ فلأن يجوز له مس المصحف أولى.

стр. 236

وأيضاً فإن النجاسة تمنع من الصلاة كالحدث، ثم لو كان على يديه نجاسة لم يمتنع من مسِّ المصحف وإن كان ممنوعاً من الصلاة. وأيضاً فإن الصبيان في الكتاتيب يمسون المصحف والألواح، ويتعلمون فيها، وكذلك التعاويذ، وهذا كله يدل على صحة قولنا. والجواب: أما قياسهم على المتطهر فلا يصح، وذلك أن المتطهر ممنوع من الصلاة، وليس كذلك المحدث؛ لأنَّه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه. ثم إنَّه منتقض بمن كان على جميع بدنه نجاة، يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له مس المصحف. وقولهم: إن حرمة المصحف لما فيه من القرآن فإننا نقول: ليس من حيث جاز له أن يقرأ القرآن ما يدل على أنه يجوز له حمل المصحف، كمن كان في دار العدو يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له حمل المصحف إلى دار العدو.

стр. 237

وعلى أن الفرق بين القراءة ومس المصحف هو: أنه لو منع المحدث من قراءة القرآن لأدى إلى أن ينسى القرآن، لأن الناس في غالب أحوالهم يكونون محدثين، فلهذا جاز لهم أن يقرؤوا وليس كذلك مس المصحف؛ لأنَّه لا يؤدي إلى هذا، لنه يمكنه أن يقرأ فيه وإن لم يمسه، بأن يتصفح الورق بخشية، وبمن يمسكه له؛ ولهذا المعنى قلنا: لا يقرأ الجنب القرآن؛ لأنَّ الجنابة تقل، ولا يؤدي إلى نسيان القرآن، والحدث بغير الجنابة يكثر ويعتاده. وماذ كروه من النجاسة فهو دليل لنا؛ لأن كل عضو لحقته النجاسة لم يجز أن يمسه به، كذلك الحدث لما كان حكمه حالاً في جميع أعضائه منع من مسه. وما ذكروه من مسِّ الصبيان المصاحف والألواح، فإن الصبيان لا عباده عليهم، فطهارتهم ناقصة، ولا فرق بين مسهم إياها على طهارة أو غير طهارة، وليس كذلك الكبير؛ لأن طهارته تكون تامة فمنع من مسه إلا على طهارة. وأيضاً فلو منعنا الصبيان من مسه إلا على طهارة أدَّى إلى أن لا يتعلموا القرآن؛ لأنَّهم إنما يتعلمونه في المصاحف والألواح، والغالب من أحوالهم أن يكونوا غير متطهرين. وعلى أن قياسنا ترجح باستناده إلى ظاهر القرآن، وسنة النبي ﷺ وفعل الصحابة ﵁ والاحتياط إعظام حرمة المصحف والله أعلم. وقد روي أن عائشة ﵂ كانت تقرأ القرآن وهي

стр. 238

حائض، ويمسك لها المصحف، ولا تمسكه هي، فلو كانت قراءتها في المصحف كقراءتها في غير المصحف لما امسك لها غيرها، ولعرفها أحد الصحابة جوازه، وهذا ظاهر منها، لا يعرف لها فيه مخالفة، وعائشة ﵂ مع اختصاصها برسول الله ﷺ واختصاصها بمعرة أحكام الحيض، لا يجوز في ظاهر الحال أن تكون فعلت ذلك إلا وعندها من النبي ﷺ فيه توقيف، وبالله التوفيق.

стр. 239

[١٦] مَسْأَلَة والجنب ممنوع عند مالك ﵀ من قراءة القرآن إلا الآية والآيتين. وعند أبي حنيفة إلا من بعض آية. وعند الشافعي من قليله وكثيره. وقال داود: يجوز له أن يقرأ القرآن كله، وكيف شاء. والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا

стр. 240

يقرأ الجنب شيئاً من القرآن»، وهذا نهي عام إلا فيما قامت دلالته. وما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة،

стр. 241

وقد قال -تعالى -: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾.

стр. 242

وروي عن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إنَّك تأكل، وتشرب وأنت جنب، فقال ﵇: «آكل وأشرب وأنا جنب، ولا اقرأ وأنا جنب، فأعلمنا الفرق بين الأكل والشرب، والقرآن». وأيضاً ما روي أن عبد الله بن رواحة وطئ أمتهن فقالت له امرأته: إنك وطئت المملوكة. فقال: ما وطئت. فقالت له: إن كنت

стр. 243

صادقاً فاقرأ لي قرآناً. فلبس عليها وقال: شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمين وتحمله ثمانية شداد … ملائكة الإله مسومينا فقالت: صدق الله وكذب بصري، ثم مرَّ عبد الله بن رواحة، وذكر ذلك للنبي ﷺ فتبسم وقال: «امرأتك أفقه منك»،

стр. 244

ففي هذا الخبر دليل من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه كان ظاهراً مكشوفاً عند الصحابة حتى عند النساء أن الجنب لا يقرأ القرآن. والثاني: أن النبي ﷺ لم يقل له: ما احتجت إلى هذه الحيلة، هلا قرأت القرآن فإنه مباح للجنب. والثالث: قوله ﵇: «امرأتك أفقه منك»، حيث اعتمدت على أن طالبتك بالقرآن الذي لا يقرأه الجنب. ومن القياس: أن القراءة ركن ثابت في الصلاة في كل ركعة فوجب أن لا يجوز للجنب الإتيان به ودليله الركوع والسجود. وأيضاً فإن حرمة القرآن أعظم من حرمة المسجد، فلمَّا منع الجنب من اللبث في المسجد كان منعه من قراءة القرآن أولى.

стр. 245

فإن قيل: فقد قال -تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾، وهذا عام في الجنب وغيره. وقال النبي ﷺ : «من قرأ: قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث القرآن»، وهذا عام لم يخص به جنباً من غيره. قيل: الجواب عن الاستدلال بقوله -تعالى -: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾، من وجهين: أحدهما: أنه أراد فصلوا ما تيسر، فعبر عن الصلاة ببعض أركانها؛ بدليل أنه قال: ﴿اأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ. . .﴾، الآية على قوله: ﴿آخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾؛ أي الذي أوجبت عليكم من قيام الليل قد خففت عنكم منه؛ لأن فيكم المريض والمسافر والمقاتل.

стр. 246

وجواب آخر: وهو أن لفظ -اقرؤوا - لفظ أمر، يقتضي قراءة مرة واحدة، وهذا قرأ قبل هذا، فلا يتكرر عليه إلا بدليل، ثم لو ثبت التكرار لكان لفظ الآية يدل على اليسير الخفيف، وكذلك نقول: ألا ترى أن القائل يقول: اعطني ما تيسر عليك، يريد به السهل اليسير. وجواب آخر: وهو انَّه لو ثبت العموم فيه لكان خبراً أخص منه؛ لأنه في ذكر الجنب. إن قيل: الخاص والعام -عندنا - سواء. قيل: هذا في الخبرين إذا تقابلا أحدهما خاص والآخر عام، فإن مذهب داود فيهما كما تقولون، وعنه في الآيتين روايتان، فأما الآية والسنة فلا خلاف بين أصحاب داود أن الخاص مقدم على العام، وفي غير هذا يتعارضان ويسقطان.

стр. 247

فإن قيل: فقد قال ﵇: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث القرآن»، وهذا عام لم يخص جنباً من غيره. وأيضاً فقد روي أنه ﵇ قال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار»، وهذا عام في الجنب وغيره. قيل: هو على أصلنا مخصوص بما ذكرناه م أالجنب لا يقرا: لأنه أخص منه. فإن قيل: فقد قال -تعالى -: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، وهذا عام. قيل: عنه جوابان: أن القراءة قول وليست فعلاً، فلم يدخل تحت الظاهر. والجواب الآخر: هو أن قراءة الجنب ليست من فعل الخير، بل هي من فعل الشر، وإن كان القرآن في نفسه خيراً. فإن قيل: فقد روت عائشة أن النبي ﵇ كان لا يمتنع من ذكر الله على كل حال.

стр. 248

قيل: عنه جوابان: أحدهما: أننا نقول: إن الجنب غير ممنوع من ذكر الله -تعالى -، وليس كل الذكر القرآن. والجواب الثاني: هو أنه لو كان في الخبر أنه ما كان يمتنع من قراءة القرآن على كل حال لكان خبرنا أخص منه. فإن قيل: فإنه حدث يمتنع من الصلاة فوجب أن لا يمتنع من القراءة؛ كالطهارة الصغرى. قيل: المعنى في المحدث أنه يجوز له دخول المسجد والجلوس فيه، وليس كذلك الجنب، وعلى هذا التعليل لا تقرا الحائض. وإن شئنا قلنا: الغالب من أمر الناس الحدث فتلحقهم المشقة بالامتناع من القرآن خوف نسيانه. على أنهم لا يقولون بالقياس فسقط، فإن نقلناه على أصولنا فنقول أيضاً: إن المحدث تحل له الصلاة بالطهارة الصغرى فجاز أن يقرأ. ثم قياسنا أولى؛ لأن السنة تعضده، وفعل الصحابة يؤيده، والاحتياط يطابقه، وإعظام حرمة الدين وإعزاز القرآن يوافقه.

стр. 249

وأيضاً فإن اعتبار الأصول يشهد لما قلناه؛ وذلك أن للمصحف حرمتين: أعلى وأدنى، كما أن للصلاة حرمتين: أعلى وأدنى، فلمَّا منعت الجنابة حرمتي الصلاة، وهما دخول المسجد واللبث فيه وفعلها، وجب أن تمنع حرمتي المصحف، وهما حمله وقراءة ما فيه من القرآن، ولما كان الجنب ممنوعاً من اللبث في المسجد تعظيماً له، وهو مكان القراءة والصلاة كان بالمنع من نفس القرآن أولى.

стр. 250

فصل فأما قراءة الجنب الآية والآيتين فجائز؛ لأن الامتناع من ذلك يشق؛ لأن الناس في أكثر أحوالهم يذكرون الله - تعالى - ويتعوذون، فخفف عنهم وعفي لهم عن ذلك، والأصول تشهد لما قلنا؛ وذلك أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يبتذله المشركون، ثم كتب إليهم: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. إلى آخر الآيتين. وكذلك عفي عن العمل اليسير في الصلاة؛ لأن الامتناع منه يشق، وعفي عن دم البراغيث وعفي للصائم عن غبار الدقيق والطريق، وعن الغرر اليسير في البياعات؛ لأنَّها لا تخلو منه ولو امتنعوا منه لضاق عليهم، ولحقت فيه المشقة، وقد يباح من الأشياء عند الضروريات ما لا يباح عند عدمها؛ ليخف عن الناس. من ذلك: دخول الحمام بقطعة لا يعلم الحمامي ولا الداخل كم
следующие страницы →