Полный текст (1 330 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، الآية، فأجاز -تعالى - فعل الصلاة بغسل هذه الأعضاء، ولم يشترط الاستنجاء، فمن أوجب شرطاً آخر هو الاستنجاء، فعليه الدليل.
وأيضاً فإنه -تعالى - قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فذكر حكم الأحداث وموجبها، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والماء المذكور الذي جعل التيمم بدلاً منه، ولم يذكر مع ذلك أحجار الاستنجاء فلو كان واجباً لذكرها.
وقال النبي ﷺ في خبر الأعرابي: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، فيغسل وجهه»، إلى أن قال: «ثم يكبر».
ولم يذكر الاستنجاء، ولم يجعله شرطاً في قبول الصلاة، وقد كان السائل غير عالم بالحكم، وخرج كلام النبي ﷺ على وجه تعليم الطهارة، التي يحتاج إلى علمها في جميع الأحوال، فلو كان الاستنجاء واجباً مع الوضوء لم يغفل ذكره للمتعلم، فلا يجب إلا بدليل.
وكذلك روي في خبر آخر أنه قال: «لن تجزئ عبداً صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه»، ولم يذكر استنجاء.
ولنا من الظواهر: قوله: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا
стр. 282
قد نوى الوضوء وإن لم يستنج.
وقوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة وإن لم يستنج.
وقوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا قد توضأ، وصلَّى بفاتحة الكتاب وإن لم يستنج.
وأيضاً قوله ﵇: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، وهذا يتوجه إلى ما تقدم ذكره من فعل الوتر -
стр. 283
الذي أقله مرة واحدة، فلا حرج عليه في تركه.
وأيضاً فإنها نجاسة على البدن قد سقط فرض إزالتها بالماء من غير ضرورة، فوجب أن يسقط قلع عينها، دليله اليسير من الدم.
وأيضاً فإنها طهارة لا تجب بالماء مع القدرة فأشبهت المضمضة والاستنشاق.
وأيضاً فإن كل نجاسة عفي عن إزالة أثرها في البدن مع القدرة فإنَّه قد عفي عن إزالة عينها، أصله الدم اليسير أو دم البراغيث.
وأيضاً فإن تخفيفها لو وجب بالأحجار لوجب أن يصير حكم الحادث من جنسها في حكمها؛ بدليل الأصول في سائر النجاسات.
ألا ترى أن الدم يسيل من الجرح، ويحدث مكانه دم آخر، فيجب غسله -عندكم -، وليس كذلك في الاستنجاء؛ لاتفاقهم على أن موضع الاستنجاء لو حصلت عليه نجاسة أخرى من جنسها لم يجب استعمال الحجر فيها بعد الأحجار الأول
стр. 284
ونقول أيضاً: هي نجاسة فلم يكن استعمال الأحجار في تخفيفها فرضاً؛ دليله سائر الأنجاس في غير هذا الموضع.
وأيضاً فإنها نجاسة على بدنه فوجب ألا يلزمه استعمال الأحجار فيها، دليله من كان على بدنه نجاسة وهو عادم للماء.
فإن قيل: فقد روى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا لكم مثل الولد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار»، وقوله: «وليستنج»، أمر ظاهر الوجوب، وقد روي أنه قال: «ولا تستدبرها لغائط أو بول، وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار».
وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ قال:
стр. 285
«إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثاً»، والدلالة منه من وجهين:
أحدهما: أنه أوجب عليه الاستنجاء، قالوا: وأنتم تقولون: إنه لو استنجى مرة واحدة زجروه.
والوجه الآخر: أن النبي ﷺ قيد الاستنجاء بعدد، وكل نجاسة قرنت في الشرع بعدد فإن إزالتها واجب، كولوغ الكلب ودم الحيض؛ لن النبي ﷺ قال لأسماء: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه».
стр. 286
وقد روي أن سلمان قال: نهانا رسول الله أن نستنجي بالعظم والروث، وقال: لا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار».
وقوله ﵇: «لا يكفي»، قد منع الأجزاء؛ لأن الكفاية هي الإجزاء.
قيل: لو تجردت هذه الأخبار جاز أن نحملها على الندب؛ بدليل ما روي أنه ﵇ قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن
стр. 287
لا فلا حرج»، وقوله: «من استجمر فليوتر»، خبر عمن فعل، ليس فيه استجمروا وأوتروا.
وقوله: «فلا حرج»، راجع على الجميع من الاستجمار والإيتار، لأنه لو صرح فقال: «من استجمر فليوتر، من فعل الاستجمار، والإيتار، فقد أحسن، ومن لم يستجمر ويوتر فلا حرج لصح.
فإن قيل: إنَّما ورد الخبر بهذا اللفظ؛ لأن الغسل هو الأصل فقال: من عدل إلى الاستجمار فليوتر، قوله: «فليوتر»، أمر واجب فإذا عدل إلى الاستجمار وجب الإيتار.
قيل: فقد صار الكلام في وجوب الإيتار.
وأيضاً: فإن الغسل في الأصل لم يثبت وهو الذي زعمتم أنَّه أصل، ثم لو ثبت لدل هذا الخبر على أنَّه واجب؛ لأنه لما قال: إن عدل إلى الاستجمار فقد أحسن وإن لم يفعله فلا حرج، فإذا كان لا حرج في تركه مع العدول إليه دل على أن الغسل أيضاً ليس بواجب: لأنه لو كان واجباً لكان الذي عذل إليه من الاستجمار واجباً؛ لأنَّه تخيير بين الغسل والاستجمار، فانتم بين أمرين: إما أن تسقطوا الاستجمار وتوجبوا الغسل وليس هذا مذهبكم، وإذا سقط وجوب الاستجمار سقط حكم الغسل في الوجوب، ويكون التحيير إنما هو - عندنا - في المسنون وهو الغسل أو الاستجمار.
стр. 288
وأما حديث جابر وقول النبي ﷺ : «إذا استجمر»، فليس فيه أيضاً استجمروا، وإنما هو إذا فعل فليس يدل على وجوب الاستجمار.
وقوله: «فليستجمر ثلاثاً»، يصير الكلام في العدد، ونحن نتكلم عليه بعد ذها.
وقولهم: إنه قد قيد فيه النجاسة بالعدد، [ونحن نتكلم عليه بعد هذا]، فصار كالولوغ ودم الحيض، فإنا نقول: ليس غسل الوضوء -عندنا - لنجس، ولا هو واجب أيضاً، والكلام يجيء عليه في موضعه.
وأما دم الحيض فليست إزالته -عندنا - فرضاً، ولا فيه عدد، ونحن نتكلم في إزالة الأنجاس عند الفراغ من عين هذه المسألة.
لإن قيل: فإنها نجاسة لا تلحقها المشقة في إزالتها غالباً، فوجب أن تجب عليه إزالتها، أصله إذا كانت النجاسة من الدم كثيرة، أو كانت في غير هذا الموضع.
قيل: لا يلزم من وجهين:
أحدهما: أن إزالة النجاسة ليست -عندنا - فرضاً في المواضع كلها.
стр. 289
والوجه الآخر: أنه ينتقض بأثر الاستنجاء، لا تلحقه المشقة في إزالتها في الغالب؛ لأنه إما أن يكون مسافراً أو مقيماً، والغالب من عادة المسافر ومن في البرية ألا ماء معه، وإن كان معه فهو يحتاج إليه لشفته، وإن كان مقيماً لحقته المشقة في إزالته بالماء، لأن الغالب أنه يتكرر منه في اليوم المرة والمرتان لا سيما العرب؛ لأن أقواتهم التمر فأجوافهم رقيقة.
قيل: مع وجوده الماء، وتمكنه منه لا تلحقه المشقة في غسله، فلمَّا لم يجب غسل الأثر لم يجب تخفيفه بالحجر، ألا ترى أن سائر الأنجاس -عنكم - لما وجب إزالتها وجبت بالماء الذي يزيل الأثر.
ثم إن العلة منتقضة بما دون اللمعة من الدم فإن غسلها بالماء لا يشق، ومع هذا فليس تجب إزالتها إجماعاً.
فإن قيل: قوله ﵇: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، عائد إلى الشفع وإلى الغسل فتقديره: فلا حرج في أن يعدل إلا هذين.
стр. 290
قوله ﵇: «فلا حرج»، عائد على ما ذكر من فعل الاستجمار والوتر، فلا حرج في تركهما جميعاً، والرجوع إلى الغسل يحتاج إلى دليل؛ لأنَّ الرجوع إليه يدل على أنه أصل، ولم يثبت الأصل.
وعلى أنه لا يجوز صرف الخبر إلى هذا؛ لأن الغسل أحسن، فلا نقول: من عدل عنه إلى المسح أحسن وإن تركه وعاد إلى الغسل فلا حرج.
стр. 291
فصل
فأما إزالة سائر النجاسات من البدن والثياب وغير ذلك فليست بفرض على ظاهر مذهب مالك.
وقال بعض أصحابنا: إزالتها فرض، وبهذا قال أبو حنيفة في غير الاستنجاء إذا زاد عن مقدار الدرهم.
وقال الشافعي: إزالتها فرض، ولم يعتبر مقدار الدرهم.
وأنا أتكلم على إزالتها في الجملة ليس بفرض، فإذا ثبت ذلك دخل فيه الاستنجاء.
والدليل على ذلك: هو أن الأصل أن لا يجب شيء إلا بدليل.
وأيضاً فإنا نفرض المسألة في رجل صلَّى وعليه نجاسة، فقلنا: صلاته صحيحة، وقالوا: هي فاسدة، فالدليل لقولنا: قوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد فعل الصلاة، ونوى أن تكون له صلاة، فله ما نواه.
وأيضاً قوله ﵇: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا قد
стр. 292
صلى وقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
وأيضاً قول الله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، إلى آخر الآية، ولم يذكر غسل شيء سوى ما ذكر من الأعضاء، وهذا قد فعل ما أمره به.
وأيضاً قول النبي ﷺ : «لن تجزئ عبداً صلته حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه»، وأعلمنا أن الصلاة تجزئ بهذا الفعل، ولا تجزئ بما دونه.
وكذلك قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك»، ولم يذكر له شيئاً غير ما ذكره، وهو موضع تعليم، وبين له القدر الذي أمره الله به، فمن فعل ذلك فقد امتثل المأمور به، فلا يلزمه غيره إلا بدليل.
ولنا أن نفرض المسألة فيمن اخطأ أو نسي غسل النجاسة حتى صلى، قال النبي ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، وهذا عام
стр. 293
في رفع الحكم والمأثم؛ لأنَّ المراد الحكم؛ لأن الفعل قد وقع فلا يمكن رفعه، بل ينبغي أن يحمل على رفع الحكم في الفساد والقضاء لا على رفع المأثم؛ لأن رفع المأثم معلوم من هذا الخبر، فلا يحمل كلامه إلا على ما يعلم من جهته بهذا الخبر حتى تكون فيه فائدة مستأنفة، وهو الحكم الشرعي.
стр. 294
وأيضاً قول النبي ﷺ في المستحاضة: «تصلي وإن قطر الدم على الحصير»، فلو كانت إزالة النجاسة فرضاً لوجب منم هذا أحد أمور: إما أن لا تصلي أصلاً لهذه الضرورة، كما لا تصلي إذا كانت حائضاً، أو إن كان صلت قضت الصلاة حتى تتمكن من إزالتها، فلمَّا جوز لها الصلاة على حل النجاسة، وأجزأتها صلواتها، دل على أن إزالتها ليست بفرض.
وقد صلى عمر بن الخطاب ﵁ وجرحه يثعب دماً بحضرة الصحابة، وكانت حاله كحالة المستحاضة.
стр. 295
وأيضاً فإن النبي ﷺ كان في الصلاة، فخلع نعله فخلع الناس نعالهم، فلمَّا فرغ من صلاته قلا: «ما لكم خلعتم نعالكم؟»، قالوا: رأيناك قد خلعت فخلعنا. فقال: «إنه أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً»، فقد علم ﵇ في الصلاة بالقذر في نعله، وبنى على صلاته، فلو كان إزالة النجاسة فرضاً، لكان فرضه من أجل الصلاة، فلم يجز أن يبني عليها، بل كان الواجب أني قطع ويستأنفها، كما يجوز له أن يبتدئها بالنجاسة.
стр. 296
فإن قيل: فإن النبي ﷺ قد خلع النعلين، فلم تكن إزالة النجاسة فرضاً بها.
خلعهما: ليعلمنا الاستحباب، وبنى على صلاته ليعلمنا أن الإزالة ليست بفرض.
فإن قيل: فقول مالك أنه يجب أني قطع الصلاة إذا رأى في ثوبه نجاسة ويخرج فيغسلهما.
وأيضاً فقد قال مالك: إن من تعمد الصلاة بذلك أعاد في الوقت وغيره، وليس الفرض أكثر من هذا، وان الوعيد يلحقه، ولا يقدح في فرضه قوله: إذا صلَّى ناسياً لنجاسة أنه يعيد في الوقت؛ لأن عنده أن الموالاة واجبة في الوضوء والغسل، ويفرق فيما بين العمد والنسيان، ويكون هذا فرضاً بمنزلة من يصلي أن عليه فرضاً أن أل ي قوم إلا خامسة، فلو قام إليها ناسياً لم يفسد، وكنا يقول على التسمية على الذكاة، إنها واجبة يفرق بين عمدها ونسيانها.
стр. 297
قيل: أما ما كان مثل النعل يلقيها عنه، ومثل أن يرى في ثوبه نجساً، وعليه ما يستره غير ذلك الثوب فإنَّه يلقيه عنه ويمضي على صلاته، كما فعل النبي ﷺ في النعل.
فأما إن كان النجس على بدنه أو في ثوب يستره فإننا نقول:
اقطع صلاتك حتى تأتي بالسنة المؤكدة في صلاتك ولا تعتمد تركها، وقد قال مالك - فيمن نسي الوتر حتى دخل في صلاة الصبح وذكر الوتر -: إنه يقطع الصبح -التي هي فرض - لأجل الوتر - الذي هو سنة - فيصلي الوتر، ثم يعود على صلاة الصبح إلا أن يحاف فواتها، فكذلك نقول له في الصلاة، إنه يقطعها إلا أن يخاف فواتها فيمضي ولا يقطع، كمن لم يجد إلا ثوباً نجساً يستره فإنَّه يصلي به.
وقوله: إن من تعمد الصلاة بالنجس فإنَّه يعيد الصلاة في الوقت وغيره؛ يريد من يتعمدها لغير عذر، فإن الإنسان لا يجوز له تعمد ترك سنن النبي ﵇ لغير تأول أو عذر من نسيان وغيره، وول كانت إزالته فرضاً لم تتخلف لضرورة وغير ضرورة، فلما جاز للمستحاضة، ولمن جرحه يثعب دماً أن يصلي ولا يعيد، ثبت أن ذلك ليس بفرض.
وأما الموالاة في الوضوء فقد تقدم ثبوتها بظاهر الآية، ولم يتقدم ثبوت إزالة النجاسة في الوجوب، وقد يكون في السنن ما بعضه
стр. 298
آكد من بعض، فلما اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو مسنون آكد مما اتفقوا فيه على أنه مسنون، فكل ما كان آكد فإن مالكاً يشدد فيه.
ولنا في المسألة أيضاً: ما روي أن النبي ﵇ صلى صلاة الصبح، فلمَّا قضى صلاته واقبل على الناس بوجهه، نظر فإذا لمعه من دم الحيض، في ملحفة قد صلَّى فيها، فصرها في يد بعض أصحابه، ووجه بها عائشة ﵂ لتغسلها، ولم يعد الصداة،
стр. 299
فلو كانت إزالة ذلك فرضاً لأعاد الصاة، وهذا لا يلزم أبا حنيفة، لأنَّه يجوز أني كون أقل من الدرهم، ولكنه يلزم أصحاب الشافعي؛ لأنهم يسوون بين قليله وكثيره.
ولنا أيضاً: القياس على المستحاضة إذا صلت، فإن صلاتها مجزئة، فكذلك إذا صلَّى من به نجاسة، والمعنى فيه: أنه مصل بجميع شرائط الصلاة، غير أن عليه نجاسة لم يتعمد تركها لغير تأويل.
فإن قيل: المستحاضة معذورة بها ضرورة، ولا يمكن زوالها حتى يزول الوقت.
قيل: هذا منتقض بمسألة فرع، وذلك أن رجلاً لو اقعد في ماء نجس إلى نصفه أو إلى حلقه، ومع أن يخرج منه أياماً، وأوقات الصلاة تحضر، وهو لا يقدر أن يتوضأ إلا بالماء النجس، وهو لا ينفك من النجاسة عليه، وهو مع هذا يخالف المستحاضة -عنكم -؛ لأنَّكم إما أن تقولوا يصلي ويعيد، أو لا يصلي في الحال ويصلي إذا تخلص، أو لا يصلي أصلاً، فأمتا أن يصلي ويجزئه كالمستحاضة فلا نظنه قولكم؛ لأنَّه كالمحبوس في الحش، وقولكم فيه معروف، وضرورة هذا أشد من ضرورة المستحاضة.
стр. 300
فإن قيل: فإن الدليل قد قام على وجوب إزالة الأنجاس، وهو قوله -تعالى - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، والثياب في الإطلاق وما جرى به العرف، والتطهير بما علمناه في الشرع من نجس.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن الثياب وإن كانت من العرف على ما نعلمه من ثيابنا فإن هذه الآية قد وقع التنازع في المراد منها، فقال ابن عباس ﵁: إن الله -تعالى - أراد وقلبك فطهر، واستشهد على ذلك بقول امرئ القيس:
وإن تك قد ساءتك مني خليقة … فسُلِّي ثيابي من ثيابِك تَنْسُلِ
стр. 301
فإذا كان الخلاف بيننا فيما أريد بالثياب في هذه الآية لم تكن لكم فيها حجة، لأننا لا نوجب شيئاً ونفرضه بأمر متنازع فيه.
وجواب آخر؛ وهو أن حقيقة قولنا: طهر ثوبك، إنما هو أمر لمن في ثوبه نجس، ولا يقول أحد: إنه كان في ثوب النبي ﷺ نجس، فيحمل قوله -تعالى -: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، على معنى بعدها من النجس، وهكذا نقول: وهذا مثل قوله -تعالى - في عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي مبعدك منهم.
لا إن قيل: يحتمل أن يكون كان في ثيابه شيء من نجس.
قيل: ويحتمل ألا يكون، فلا نوجب شيئاً بمحتمل.
وجواب آخر: وهو أن التطهير اسم مشترك، فلا نجعل هذا لنجاسة إلا بدليل، وقد قيل: إنه لنا أمر بتطهير الثياب قبل اجتناب الرجز دل على أن المراد القلب، لأنه محال أن يؤمر بإزالة النجاسة عن ثوبه أو بدنه قبل اجتناب الرجز، وقبل أن تفرض عليه الصلاة التي لأجلها أمر بتطهير الثياب.
стр. 302
فإن قيل: فإن النبي ﷺ أمر بصبِّ الماء على بول الأعرابي، وأمره على الوجوب.
وكذلك في دم الحيض حيث قال لأسماء: «حتيه ثن اقرصيه ثم اغسليه بالماء»، وهذا كله على الوجوب.
قيل: هذا واجب كما ذكرتم وجوب سنة، وخلافنا في الفرض، والفرض كما يفرضه القرآن، أو يكون ذكره مجملاً في القرآن فيبينه ﵇ فأما ما يبتدئ ﵇ فيبينه فليس بفرض.
قوله: فليس بفرض من عندي، وقد فرق المسلمون بين الفرض والسنة، فالفرض ما كان بالقرآن، والسنة ما كان من النبي ﵇ وهكذا قولنا، وهذه كان الشيخ أبو بكر ﵀ يختارها.
وقد حُكي عن سعيد بن جبير لما قيل له: إن إزالة النجاسة
стр. 303
فرض أنه قال: اتل علي بها قرآناً، فرأى أن الفرض لا يكون إلا بقرآن.
وعلى أن هذا يجوز أن يصرف إلى السنة والندب بالدلالة، وقد ذكرنا في المسألة دلائل من الأخبار والقياس.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستنزه»، وفي خبر: «لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، وهذا إخبار منه ﵇ عن تعذيبه بسبب البول، وتوعد وتحذير لمن يسمع ذلك، فثبت بهذا أن الإزالة فرض.
قيل: هذا إخبار عن عين واحدة، واللفظ قد اختلف فيه، فقيل: «لا يستبرئ». وقيل: «لا يستنزه»، فيحتمل أن يكون يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهر؛ لأن الوضوء لاي صح مع وجوده.
ويجوز أن يكون أيضاً يفعل ذلك على عمد له لغير عذر، - وعندنا - أن من تعمد ترك سنن النبي ﵇ لغير عذرٍ ولا تأويلٍ متوعد مأثوم، وكذلك من لا يستنزه ويتعمد استعمال النجس ولا يجتنبه، فأما إذا لم يتعمد ذلك أو ترك إزالته متأولاً أو لعذر فصلاته ماضية وقد
стр. 304
أساء، ألا ترى أننا قدذ كرنا حديث المستحاضة، وحديث عمر ﵁ أنَّه صلَّى وجرحه يثعب دماً، وكذلك تأول أكثر أصحابنا في الناسي إذا صلَّى وفي ثوبه نجس أو في بدنه جَعْلَه معذوراً بالنسيان كالمستحاضة، وقالوا في العمد لغير عذر، لا تجوز الصلاة وتعاد في الوقت غيره، فإن كان هذا هكذا فالمعذور لا يلحقه الوعيد، وإنما يلحق القاصد لغير عذر.
لإإن قيل: فما الفرق بين الفرض والسنة إذا كنتم توجبون الإعادة في ترك الفرض في الوقت وغيره، وتوجبونها في السنة كذلك؟!
قيل: الفرق بينهما هو أنه قد صلَّى وترك فرضاً أعاد الصلاة، سواء تعمد ذلك أو نسي أو لعذر، وإذا صلَّى وترك السنة لضرورة أو نسيان لم يعد، فأما إذا تعمَّد لغير عذر أو تأويل أعاد أبداً.
كما لو ترك الفرض.
مثال هذا: لو فاتته صلاة العيد، ونام عن الوتر حتى طلعت الشمس لم يعد، ولو تعمد ترك ذلك أعاد الوتر، فأما العيد فسنتها الجماعة فإذا فاتت لم تجب إعادتها إذا تركها عمداً، كما لو تعمد ترك الجمعة لم يعدها جمعة.
стр. 305
فإن قيل: فقد بان بهذا أن الموالاة في الوضوء والغسل مسنون؛ لأنَّه يمضي مع النسيان، وإن كان يعيد مع العمد إذا صلَّى.
قيل: قد بينا أن في الفروض مثل ذلك، ألا ترى أن الإمساك عن الأكل والشرب قي رمضان فرض، ثم لو نسي فأكل لم يبطل صومه - عندكم -، ولو تعمد بطل.
وكذلك الإمساك عن القيام إلى خامسة في صلاة الفرض، ويفترق عمده ونسيانه.
فإن قيل: فقد استوت الفرائض والسنن في مواضع فبأي شيء يعلم الفرق بينهما في الابتداء؟
قيل: ما كان فرضاً فأصله في القرآن، إما مفسراً، أو مجملاً يبينه النبي ﵇، وما كان مسنوناً فهو ابتداء من النبي ﵇.
стр. 306
وقد دخل في الحِجَاجِ حجةُ مَنْ قال مِن أصحابنا: إن إزالتها فرض، وبيّنا حجةَ ظاهر قول مالك ﵀ إن إزالتها سنة، فمن قال: إنها فرض، لزمه أن يكون الاستنجاء فرضاً، وعلى قول مالك يكون الاستنجاء مسنوناً، والله أعلم.
ب ل يكون الفرق بين الاستنجاء وبين سائر الأنجاس على قول من يقول: إن الإزالة فرض أو سنة من وجه، وهو: أنَّه خفف في الاستنجاء بالأحجار دون الماء؛ ليقلع العين دون الأثر، والموالاة داخلة في جملة الفرض، لأن ظاهر القرآن يدل عليها، ولي سفي إزالة النجس ظاهر القرآن، فهو في حيز المسنونات، والله أعلم.
стр. 307
[١٩] مَسْأَلَة
وعدد الأحجار غير مستحق عندنا، وعند أبي حنيفة، فإن اقتصر على دون ثلاثة مع الإنقاء جاز، وبه قال داود.
وقال الشافعي: لا يجوز الاقتصار عن ثلاثة أحجار وإن أنقى.
وهذه المسألة فرع أتى على أن الاستنجاء غير واجب، وقد دللنا عليه، وإذا سقط وجوبه سقط اعتبار صفته ومقداره، لأن أحداً لا يفرق بينهما.
وكان الشيخ أبو بكر ﵀ يقول: إنَّه لا يعرف عن مالك ﵀ نصًّا: هل يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا أنقى؟ قال: والذي أدركت عليه شيوخنا أنه يجوز الاقتصار عن ثلاثة
стр. 308
إذا أنقى إلا أبا الفرج المالكي فإنَّه في كتابه الحاوي: لا يقتصر على ثلاثة أحجار، والذي أقول أنا: وهذا يتخرج على قول أبي الفرج: إن الاستنجاء وإزالة الأنجاس فرض.
وأنا أدل على أن العدد غير واجب فيه؛ لأنَّ أحداً لا يفصل بين الأمرين، فيسقط وجوب الأصل بسقوط وجوب ص فته.
والدليل على أن العدد غير معتبر: أنَّ رسول الله ﷺ في ليلة الجن طلب للاستنجاء أحجاراً من ابن مسعود، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: «إنها ركس»، وذكر في بعض الأخبار: أنَّه أتاه
стр. 309
بالثالث وروي: أنَّه لم يأته بشيءٍ، وأي الأمرين كان فالاستدلال به صحيح؛ لأنه ﵇، اقتصر للموضعين على ثلاثة أحجار، فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة أحجار، ألا ترى أنه لا يقتصر على الاستنجحاء لأحد الموضعين ويتر الآخر.
وأيضاً فإن الأصل أن أل يجب شيء، وقد لتفقنا على إ ثبات حجر واحد إذا أنقى، واختلفنا في الزيادة عليه، فنحن على موضع الاتفاق حتى يقوم دليل الاختلاف.
وأيضاً فقد روي أنه ﵇ قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، فقوله: «فليوتر»، يقتضي أن يفعل ما يسمى وتراً، وأول الوتر [هو الوتر] هو الواحد، ولو ثبت أنَّه أراد الثلاث لكان قوله: «فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، يدل على جواز ترك الثلاث، ولا حرج عليه.
فإن قيل: حملكم له على الواحد لا يفيد؛ لأن الواحد لا بد منه.
стр. 310
قيل: فائدته أنه إذا أنقى بالواحد لا يفعل الشفع الذي هو الاثنان.
فإن قيل: دليل الشفع لا يجوز، ويجوز أن يكون قوله: «فلا حرج»، في العدول إلى الشفع أو إلى الغسل.
قيل: إنما يرجع الكلام إلى ما تقدم ذكره، ولم يجر لغير الإيتار ذكر، فقوله: «فلا حرج» راجع إليه، ولو كان قوله: «فلا حرج»، راجعاً إلى أنه يفعل الشفع فأول الشفع بعد أول الوتر هو الاثنان، وأنتم لا تجيزون الاقتصار على الاثنين.
وعلى أنه أل يصح أن يعود قوله: «فلا حرج»، إلى الغسل؛ لأنَّ الغسل أحسن من الاستنجاء، فلا يكون قوله: «فقد أحسن»، للاستجمار، «فلا حرج»، في الغسل.
فإن قيل: فإنَّه مجمل يقضي عليه ما رويناه من الأحاديث التي في بعضها: «وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار»، وفي بعضها: «لا يجتزئ»، و «لا يكتفي بدون ثلاثة أحجار».
قيل: هذه الأخبار حجة عليكم؛ لأنَّ الغائط يؤتى للأمرين من الغائط والبول، وقد اقتصر ﵇ على ثلاثة أحجار فيها، فحصل لكل موضع منهما أقل من ثلاثة أحجار، وليس فيه ذكر أحد الموضعين
стр. 311
دون الآخر، فيحتمل أن يكون أراد الموضعين جميعاً أو أحدهما، فليس أحد الأمرين بأولى من الآخر.
ويحتمل أني كون أراد بذكر الثلاثة أن الغالب وجود الإنقاء بها، كما ذكر في المستيقظ من النوم أن يغسل يده ثلاثاً قبل إدخالها في وضوئه على غير وجه الشرط، وليس في خبرنا إجمال يحتاج إلى تفسير.
وأيضاً فإن الثلاثة ليست بحد، ألا ترى أنَّه لو لم ينق بها لزاد عليها.
ثم إننا نستعمل الأخبار كلها، فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار على ثلاثة إذا أنقت، ولا يجتزئ عنها إذا لم تنق الاثنان، لأنَّه لي سفي إيجاب الثلاثة حكم يتقدر حتى لا يتجاوز، لأنه إذا لم ينق لزم الزيادة عليها، فعلم أن الفرض الإنقاء، ويجوز أن نحمل الثلاثة على الاستحباب إذا أنقى بما دونها.
ونقول أيضاً: إن الاستنجاء مسح، والممسوحات في الشرع لا يجوز فيها التكرار دليله مسح الرأس، ومسح الخفين.
وأيضاً: فإنها نجاسة عفي عن أثرها، فوجب ألا يجب تكرار المسح فيها، دليله سائر النجاسات.
وأيضاً فإن الماء أبلغ في الإزالة؛ بدليل أنَّه لا يبقي حكم النجاسة، وإنما الاستنجاء يخفف قذرها ولا ينقي أثرها، فإذا سقط التكرار في موضع إزالة الأثر كان سقوطه في الموضع الذي لا يقصد به إزالة الأثر أولى؛ لأنه أخف.
стр. 312
وأيضاً فإنه مقام تطهير، هو أصل، فأشبه التيمم، ومسح الخفين لا يستحق التكرار فيه.
وأيضاً فإن المقصود من المسح الإنقاء، بدليل الاتفاق على أنَّه إذا لم ينق بثلاثة زاد عليها، وبدليل الاتفاق على جواز الاقتصار على حجر واحد له ثلاثة أحرف، ولو كان العدد معتبراً لاعتبر عدد الأعيان، كأحجار رمي الجمار، فلمَّا سقط اعتبار العدد دل على اعتبار الإنقاء، وقد وجد فبان بما ذكرناه سقوط العدد، وإذا ثبت ذلك، صح أنه في الأصل غير واجب؛ لأن من أوجب الاستنجاء لم يوجبه إلا على هذه الصفة.
وأيضاً فإن الاستنجاء اسم لإزالة النحو، ومنه اشتق فإذا زال بالحجر الواحد والحجرين لم يبق هناك نجو يقع الاستنجاء له.
فإن قيل: فإنه نجاسة قرن إزالتها في الشرع بعدد من جنس فوجب أن يكون العدد فيه شرطاً كالولوغ.
قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأنَّ غسل الإناء من الولوغ لا لنجاسة، ثم شرط العدد فيه غير مستحق وإنما هو مندوب.
стр. 313
فإن قيل: قوله ﵇: «من استجمر فليوتر»، عام في الوتر الذي هو مرة واحدة، وفي الوتر الذي هو الثلاث والخمس والسبع، وأخبارنا خاصة في وتر بعينه وهو الثاث.
قيل: قوله: «فليوتر»، يتعلق الحكم بأول الوتر، وهو أمر يقتضي فعل مرة، وأول الوتر مرة، ثم قوله: «فقد أحسن»، يدل على أنه لم يرد ما زاد عن الثلاث مع الإنقاء؛ لأنَّه يكون مسيئاً غير محسن.
فإن قيل: إنه وإن أنقى بما دون الثلاث فعليه أن يأتي بالثاث تعبداً مع إزالة النجس وقد يزول حكم النجاسة، ويبقى التعبد، كما نقول: إن العدة لبراءة الرحم، ألا ترى أته إذا طلقها قبل الدخول لا عدة عليها؛ لعلمنا ببراءة رحمها، ثم أوجبنا على الحرة ثلاثة أقراء وإن كانت البراءة تعلم بقرء واحد.
والدليل على أن البراءة تقع بقرء واحد؛ أن الأمة إذا بيعت تستبرأ
стр. 314
بحيضة واحدة، ثم أوجبنا على الحرة ما زاد على القرء الواحد تعبداً، وإن كان القصد من العدة براءة الرحم، كذلك أيضاً وإن كان القصد من الاستنجاء إزالة النجاسة جاز أن توجد الإزالة ويبقى الوجوب للعبد.
قيل: قولكم: إن ما زاد على الحجر الواحد إذا أنقى يجب تعبداً، فإننا نقول: إن العبادة ما كان واجباً يفعل على طريق القصد إلى القربة، فلو منعناكم من اسم العبادة على إزالة النجس لجاز، على أن الاستنجاء لم يوضع لإزالة النجس وإنما هو لتخفيفها والعدة لم توضع لإزالة المعنى، وإنما وضعت لتبيين أن الحمل ليس بموجود، وأن الرحم غير مشغولة، ويفترق حكم ما به يعلم عدم الشيء، وحكم ما يزيله ويؤثر في رفعه بعد وجوده.
وعلى أن مراعاة العدد لوجب أن يستوي فيه حكم الحرة والأمة وأم الولد؛ لأنَّ عدة أم الولد على -أصولهم - عدة، ولم يعتبر فيها
стр. 315
العدد وإن روعي في الحرة، وإنما اختلف حكم العدة لاختلاف الحُر! م كالحدود وطلاق الحر والعبد، ولم يكن الاستنجاء لأجل الحُرَم معتبراً؛ لأنَّه يستوي فيه الحر والعبد، والحرة والأمر، لأن الفرض فيه التخفيف للنجاسة فحيث وجد إلقاء العين وقلعها دون أثرها جاز، ألا ترى أن الحرة والأمة قد اشتركا يف وضع الحمل، واعتبرا فيه جميعاً اعتباراً واحداً؛ لاستوائهما في الاستبراء، فكذلك لما استوى الفرض في الاستنجاء وهو خفيف النجاسة بقلع عينها لم يعتبر فيه العدد.
فإن قيل: فإن الاستنجاء بالأحجار كالعدة بالأشهر والإقراء، والاستنجاء بالماء كالعدة بوضع الجمل؛ لأن الماء يزيل العين والأثر على الحقيقة، ووضع الحمل براءة للرحم على اليقين، فوجب ألا يثبت قولكم بالشهور والإقراء، وإنما هي دعوى.
على أننا نقول لكم: أليس قد جاز الاستجمار الذي يقطع العين دون الأثر في أن الاستنجاء يقوم مقام الماء في ترك العدد؟
قيل: إنكم لم تذكروا معنى تجمعون به بين الاستجمار وبين العدد، فقد صار الغرض منه قلع العين حسب، كما أن الغرض من الماء قلع العين والأثر، فإذا لم يعتبر العدد فيما قصد له من قلع العين والأثر لم يعتبر العدد فيما أريد له من إزالة العين دون الأثر، لأن الغرض زوالها دون أثرها.
стр. 316
ثم أن الذي يدل على صحة هذا هو: أن العين إذا لم تزل بالثلاث زاد عليها حتى تزول العين دون الأثر، فقد استوى الأمران في سقوط العدد في قلع العين، بل الموضع الذي عفي فيه عن الأثر أولى أن يسقط فيه العدد، والموضوع الذي أخذ عليه قلع العين والأثر أولى أن يعتبر فيه العدد؛ لأنَّ ما تعاظم من حكم الشيء - عندكم - أولى من زيادة العدد فيه، كولوغ الكلب اعتبرتم فيه العدد ولم تعتبروه في غيره.
ثم نقول أيضاً: إذا كان زوال العين دون الأثر قد يزول بأقل من ثلاثة أحجار مع جواز أن يكون ألثر قد زال، ويجوز ألا يزول، فليس ههنا أمر متحقق، فينبغي أن ترد هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما في الإناء، لأن هناك أمراً مشكوكاً فيه أل يتحقق، فيكون غسل اليدين مستحبًّا، ويكون المسح بالحجر الثالث مستحبًّا؛ لأنَّه ليس هناك أمر من بقايا العين يتحقق، وهذا من باب الطهارات، وغسل اليدين مثله، وليس كذلك العدة، لأنَّه وإن كان الغرض فيها براءة الرحم، ففي الموضع الذي يتحقق فيه بوضع الحمل تستوي فيه الأمة والحرة، وفي الموضع الذي أل يتحقق فيه بالإقراء والأشهر فإنما هو لأجل الحرم، مع الاستدلال على براءة الرحم، ألا ترى أن عدة الأمة والزوجة على النصف من عدة الحرة بالأقراء، واستبراء الأمة من وطء سيدها بحيضة، فهي كما ذكرنا وفي الحدود والطلاق الذي ينكمل بكمال الحرمة، وينقص بنقصانها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لا يختلف الغض فيه من الإنقاء في الحر والعبد، فحيث وجد أجزأ.
وعلى أن العدة مرتبة، ولا يجوز للحامل أن تعتمد بالشهور أو الأقراء، ولا لذات قرء أن تعتد بالشهور، وليس الاستنجاء بالماء
стр. 317
والاستجمار مرتبين، بل هو مخي بينهما، فلم يشبه العدد.
وعلى إننا قد ذكرنا أن الحجر الواحد إذا كان له ثلاثة أحرف قام مقام الثلاثة الأحجار والنبي ﵇ نص على ثلاثة أحجار، وليس الحجر الواحد ثلاثة أحجار، فكذلك يقوم الحجر والحجران، وليس الثلاثة إذا حصل قلع العين من النجاسة، وإن جاز أن يقوم حجر واحد له ثلاثة أحرف مقام ثلاثة أحجار؛ لأنه يكون فيه ثلاث مسحات، جاز أني قوم الواحد والاثنان مقام الثلاثة إذا قلع عين النجاسة، وكان اعتبارنا بقلع العين أولى، لجواز الزيادة على الثلاث إذا لم يحصل الإنقاء.
ونقول أيضاً: إن الطهارات المتعلقة بالمادات، عينيات كن أو حكميات لا تقتضي اعتبار العدد في الوجوب، أصل ذلك التيمم والدباغ.
وأيضاً فقد اتفقنا على أن الثلاثة تجزئه إذا قلعت العين، فكذلك دونها؛ لوجود قلع عين النجاسة.
فإن قيل: قد اتفقنا على أن الحج لا أو الحجرين إذا لم يقع الإنقاء لم يجزئ؛ بعلة قصوره عن الثلاثة.
قيل: هو منتقض بالحجر الواحد له ثلاثة أحرف.
стр. 318
فإن قيدوه بالمساحات.
قيل: المعنى فيه أن الإنقاء لم يحصل، ويكون قياسنا أولى؛ لأنَّه يطرد وينعكس، فأين وجد الإنقاء أجزأ، وإن لم يوجد لم يجزئه الثلاثة بالاتفاق.
فإن قيل: قولكم: إن الاستنجاء اسم لإزالة النجو، فإذا انقلع النجو، بحجر واحد لم يبق هناك نجو خطأ؛ لأنَّنا نجد إزالة النجو بحجر ولا يسمى استنجاء، ألا ترى أن النجو يكون على الثوب والبدن فيزول بالحجر، ولا يسمى قلعه بالحجر استنجاء، وقد يسمى في موضع استنجاء ولا نجو هناك، مثل أن ينجي بحجر فيقال: قد استنجى، وإن لم يكن على ذكره نجو، فعلم أن الاستنجاء اسم لإمرار شيء على محل مخصوص.
قيل: إنَّما لم يسم قلع النجو على الثوب أو البدن بحجر استنجاء؛ لأنه أخذ عليه قلع أثر النجو مع العين فلم يخص باسم الاستنجاء وإنما يقال له: قد غسل وقلع النجو، ولما أخذ عليه في الاستنجاء قلع العين دون ألثر اختص باسم الاستنجاء قلع عين النجو.
وأما مسح الذكر بالحجر فالاسم المختص به الاستبراء لا الاستنجاء، فإن سمي بذلك فإنما هو لمراقبته موضوع النجو.
стр. 319
فإن قيل: قد سمي استجماراً،، اخذ من اسم الجمار، واستعمال الأحجار فيها فروعي فيه العدد.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن رمي الجمار لا يجوز الزيادة على العدد المحدود فيها ولا النقصان منها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لو لم تزل العين بالثلاثة زاد عليها، وقد يجوز أن يقتصر على حجر واحد له ثلاثة أحرف.
والجواب الآخر: هو أن الأخص من أسماء مسألتنا إنما هو الاستنجاء، وعبر عنه بالاستجمار بالحجر، فلمَّا دخل استعمال الحجر ههنا سمَّى استجماراً، والغرض مه الإنقاء لا العدد بما ذكرناه من الزيادة على العدد إذا لم ينق.
ويجوز أن نقول: إن الاستجمار ههنا لم يؤخذ من الجمار بل أخذ من استعمال المجمرة يكون الجمر فيها بالبخور لطيب الرائحة، فلمَّا كان الحجر يقلع العين التي منها الرائحة جاز أن نقول: قد استجمر، والله أعلم.
стр. 320
فصل
والاستنجاء بما يقوم مقام الحجارة من الآجر، والخرق والتراب وقطع الخشب جائز، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال داود: لا يجوز بما عدا الأحجار.
والدليل لقولنا: الظواهر من قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾، وهذا إذا استنجى بغير الحجارة، وغسل أعضاءه فقد امتثل ما أُمر به.
следующие страницы →