← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثم أن الذي يدل على صحة هذا هو: أن العين إذا لم تزل بالثلاث زاد عليها حتى تزول العين دون الأثر، فقد استوى الأمران في سقوط العدد في قلع العين، بل الموضع الذي عفي فيه عن الأثر أولى أن يسقط فيه العدد، والموضوع الذي أخذ عليه قلع العين والأثر أولى أن يعتبر فيه العدد؛ لأنَّ ما تعاظم من حكم الشيء - عندكم - أولى من زيادة العدد فيه، كولوغ الكلب اعتبرتم فيه العدد ولم تعتبروه في غيره. ثم نقول أيضاً: إذا كان زوال العين دون الأثر قد يزول بأقل من ثلاثة أحجار مع جواز أن يكون ألثر قد زال، ويجوز ألا يزول، فليس ههنا أمر متحقق، فينبغي أن ترد هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما في الإناء، لأن هناك أمراً مشكوكاً فيه أل يتحقق، فيكون غسل اليدين مستحبًّا، ويكون المسح بالحجر الثالث مستحبًّا؛ لأنَّه ليس هناك أمر من بقايا العين يتحقق، وهذا من باب الطهارات، وغسل اليدين مثله، وليس كذلك العدة، لأنَّه وإن كان الغرض فيها براءة الرحم، ففي الموضع الذي يتحقق فيه بوضع الحمل تستوي فيه الأمة والحرة، وفي الموضع الذي أل يتحقق فيه بالإقراء والأشهر فإنما هو لأجل الحرم، مع الاستدلال على براءة الرحم، ألا ترى أن عدة الأمة والزوجة على النصف من عدة الحرة بالأقراء، واستبراء الأمة من وطء سيدها بحيضة، فهي كما ذكرنا وفي الحدود والطلاق الذي ينكمل بكمال الحرمة، وينقص بنقصانها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لا يختلف الغض فيه من الإنقاء في الحر والعبد، فحيث وجد أجزأ. وعلى أن العدة مرتبة، ولا يجوز للحامل أن تعتمد بالشهور أو الأقراء، ولا لذات قرء أن تعتد بالشهور، وليس الاستنجاء بالماء

стр. 317

والاستجمار مرتبين، بل هو مخي بينهما، فلم يشبه العدد. وعلى إننا قد ذكرنا أن الحجر الواحد إذا كان له ثلاثة أحرف قام مقام الثلاثة الأحجار والنبي ﵇ نص على ثلاثة أحجار، وليس الحجر الواحد ثلاثة أحجار، فكذلك يقوم الحجر والحجران، وليس الثلاثة إذا حصل قلع العين من النجاسة، وإن جاز أن يقوم حجر واحد له ثلاثة أحرف مقام ثلاثة أحجار؛ لأنه يكون فيه ثلاث مسحات، جاز أني قوم الواحد والاثنان مقام الثلاثة إذا قلع عين النجاسة، وكان اعتبارنا بقلع العين أولى، لجواز الزيادة على الثلاث إذا لم يحصل الإنقاء. ونقول أيضاً: إن الطهارات المتعلقة بالمادات، عينيات كن أو حكميات لا تقتضي اعتبار العدد في الوجوب، أصل ذلك التيمم والدباغ. وأيضاً فقد اتفقنا على أن الثلاثة تجزئه إذا قلعت العين، فكذلك دونها؛ لوجود قلع عين النجاسة. فإن قيل: قد اتفقنا على أن الحج لا أو الحجرين إذا لم يقع الإنقاء لم يجزئ؛ بعلة قصوره عن الثلاثة. قيل: هو منتقض بالحجر الواحد له ثلاثة أحرف.

стр. 318

فإن قيدوه بالمساحات. قيل: المعنى فيه أن الإنقاء لم يحصل، ويكون قياسنا أولى؛ لأنَّه يطرد وينعكس، فأين وجد الإنقاء أجزأ، وإن لم يوجد لم يجزئه الثلاثة بالاتفاق. فإن قيل: قولكم: إن الاستنجاء اسم لإزالة النجو، فإذا انقلع النجو، بحجر واحد لم يبق هناك نجو خطأ؛ لأنَّنا نجد إزالة النجو بحجر ولا يسمى استنجاء، ألا ترى أن النجو يكون على الثوب والبدن فيزول بالحجر، ولا يسمى قلعه بالحجر استنجاء، وقد يسمى في موضع استنجاء ولا نجو هناك، مثل أن ينجي بحجر فيقال: قد استنجى، وإن لم يكن على ذكره نجو، فعلم أن الاستنجاء اسم لإمرار شيء على محل مخصوص. قيل: إنَّما لم يسم قلع النجو على الثوب أو البدن بحجر استنجاء؛ لأنه أخذ عليه قلع أثر النجو مع العين فلم يخص باسم الاستنجاء وإنما يقال له: قد غسل وقلع النجو، ولما أخذ عليه في الاستنجاء قلع العين دون ألثر اختص باسم الاستنجاء قلع عين النجو. وأما مسح الذكر بالحجر فالاسم المختص به الاستبراء لا الاستنجاء، فإن سمي بذلك فإنما هو لمراقبته موضوع النجو.

стр. 319

فإن قيل: قد سمي استجماراً،، اخذ من اسم الجمار، واستعمال الأحجار فيها فروعي فيه العدد. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن رمي الجمار لا يجوز الزيادة على العدد المحدود فيها ولا النقصان منها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لو لم تزل العين بالثلاثة زاد عليها، وقد يجوز أن يقتصر على حجر واحد له ثلاثة أحرف. والجواب الآخر: هو أن الأخص من أسماء مسألتنا إنما هو الاستنجاء، وعبر عنه بالاستجمار بالحجر، فلمَّا دخل استعمال الحجر ههنا سمَّى استجماراً، والغرض مه الإنقاء لا العدد بما ذكرناه من الزيادة على العدد إذا لم ينق. ويجوز أن نقول: إن الاستجمار ههنا لم يؤخذ من الجمار بل أخذ من استعمال المجمرة يكون الجمر فيها بالبخور لطيب الرائحة، فلمَّا كان الحجر يقلع العين التي منها الرائحة جاز أن نقول: قد استجمر، والله أعلم.

стр. 320

فصل والاستنجاء بما يقوم مقام الحجارة من الآجر، والخرق والتراب وقطع الخشب جائز، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال داود: لا يجوز بما عدا الأحجار. والدليل لقولنا: الظواهر من قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾، وهذا إذا استنجى بغير الحجارة، وغسل أعضاءه فقد امتثل ما أُمر به.

стр. 321

وجميع الظواهر مثل قول النبي ﷺ : «وإنما لامرئ ما نوى». ومن قوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وما أشبهها. وأيضاً ما روي أنه ﵇ قال: «إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب».

стр. 322

ورواه طاووس عن ابن عباس عن النبي ﷺ فقد خيِّر بين الأحجار والأعواد والتراب. وروي عن أنس بن مالك أنَّه كان يستنجي بالحُرُض،

стр. 323

ويذكر أنَّه رأى رسول الله ﷺ يستنجي بالحرض. ، أيضاً قوله ﵇: «من استجمر فليوتر»، ولم يخص ما يستجمر به. وأيضاً ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة»، والدليل فيه من وجهين: أحدهما: أنه لما نص على الروث والرمة بالنهي دل على أن ما عداهما بخلافهما، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة. فإن قيل: إنما نص على الروث والرمة تنبيهاً على غيرهما، وأن ما عداهما وحكمهما. قيل: هذا لا يجوز، لأن هذه التنبيه إنما يفيدنا إذا كان في المنبه عليه معنى المنبه وزيادة عليه، فأما أن يكون دونه في المعنى فلا يجوز، كقوله -تعالى -: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا﴾، دخل فيه الضرب؛ لأن الضرب، فيه أف، وما هو أبلغ من أف، ولو نص على الضرب، لم يقع فيه التنبيه على المنع من أف؛ لأنَّه ليس في أف معنى الضرب، ولا يقع فيه التنبيه على المنع من أف؛ لأنَّه ليس في أف معنى الضرب، ولا الأذى به. ألا ترى أنه لو قيل: فلان يخفر الأمانة في درهم أو دانق،

стр. 324

لكان فيه تنبيه على أنه يخفر في الدينار، وما هو أكثر منه؛ لأن في الدينار الدرهم والدانق، ولو قيل: إنَّه يخفر الأمانة في دينار لم يدل على أنه يخفرها في درهم أو دانق، لأنه ليس في الدرهم والدانق دينار، وقد قال -تعالى -: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، فعلم أن من أدَّى الأمانة في القنطار كان أولى أن يؤديها في الدينار، ومن لم يؤدي الأمانة في الدينار، كان أولى أن لا يؤديها في القنطار، فكذلك أيضاً فيما عدا الروث والرمة من الظاهر، إذا ليس في الطهارات معنى الروث والرمة، فلم يقع التنبيه عليها، بل يقع التنبيه على ما في معناها من سائر النجاسات التي هي أعظم منها أو من الأشياء المبعدات المكرهات. والوجه الثاني: هو أن قول الراوي: ونهى عن الروث والرمة استثناء من عموم قد تضمنه حكم اللفظ، ألا ترى أنه لو قال: استنجوا بثلاثة أحجار إلا الروث والرمة فلا تستنجوا بهما، [و] لكان المعنى تقديره كأنه قال: وليستنج بثلاثة أحجار، وبكل شيء جامد مثل الأحجار إلا الروث والرمة. ولنا أيضاً حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ رمى بالروثة

стр. 325

وقال: «إنه نكس»، فبين أن المعنى في إلقائه أنه ركس، وداود بقول: علة المنع من استعماله كونه غير حجر، فخالف تعليل النبي ﵇. وأيضاً فقد روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا»، ولم يفرق بين الحجر وغيره. وأيضاً فإنَّه جامد طاهر، ينشف رطوبات النجس، منقٍ فوجب أن يجزئ في حكم الاستنجاء به كالحجر. فإن قيل: ينتقض بشيء من الصحف وبالخبز والدقيق وما يؤكل. قيل: لم نقل فوجب أن يجوز، وإنما قلنا فوجب أن يجزئ إذا فعل، - وعندنا - أن هذا كله يجزئ وإن كنا نكره فِعْلَ ذلك. فإن قيل: ينتقض بأصبعه؛ لأنَّه يجوز أن يستنجي بأصبعه.

стр. 326

قيل: لا يدخل على اعتلالنا؛ لأن أصبعه لا ينشف رطوبات النجس، بل تصقع كالعظم والعاج والصفر، وغير ذلك من الأشياء الصقيلة، ولو ترك على أصبعه تراباً أو حرضاً واستنجى به جاز، ولا يدخل على اعتلالنا الخل والماء ورد وسائر المائعات؛ لأننا قلنا جامد طاهر ينشف الرطوبات، وهذه الأشياء لو جمدت لم تنشف. وأيضاً فإن الحجر منصوص عليه، فنقول: هو جامد طاهر منصوص عليه في إزالة النجس فجاز أن يقوم غيره مقامه فيه، أصله الشب والقرظ في الدباغ، فإنه يقوم قشر الرمان وغيره مقام الشب والقرظ. فإن قيل: فقد روى سلمان أن المشركين قالوا: إن صاحبكم علمكم كل شيء حتى يوشك أن يعلمكم الخراءة. فقال: أجل نهانا رسول الله ﷺ عن الاستنجاء بالعظام والرجيع. وقال: «لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار»، فأخبر أنه لا يكفي غير الحجر.

стр. 327

وأيضاً فإنه نص على العدد وعلى نصفه بعيون الأحجار، فلما لم يجز الإخلال بالعدد، كذلك الحجر هو شرط كالعدد. وأيضاً فإنَّه عدد موصوف لا يجوز الإخلال به، فلا يجوز الإخلال بالصفة، كالشهادة، قال الله -تعالى -: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وأيضاً فإن النبي ﷺ نص في رمي الجمار على الحصى، فقال: «خذوا مثل حصى الخذف»، ثم لا يجوز رمي الجمار بغير

стр. 328

الأحجار والحصى فكذلك في الاستنجاء. قالوا: ونقيس على ذلك فنقول: هو فرض يسقط بالأحجار فوجب أن لا يسقط بغير الأحجار كرمي الجمار. والجواب: أما الخبر فقد روينا أنه قال «يكفي دون الثلاثة»، وتكلمنا عليه بقوله ﵇: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، وبالنص على ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب. وأيضاً فإن المقصود من الخبر العدد، ألا تراه قال: «يكفي دون ثلاثة»، ولم يقصد الصفة، ثم لو تجرد جاز أن يجمل على الاستحباب. على أن قولهم: إنه نص على العدد والصفة التي هي الأحجار،

стр. 329

فإننا نقول: الحجر ليس بصفة، وإنما هو اسم المسمى، وتعلق الحكم بالاسم لا يدل على أن ما عداه بخلاف -عند أكثر أصحابنا - وإنما يدل على أن ما عداه بخلاف إذا علق بالصفة دون الاسم، وأنا أقول بالوجهين جميعاً، ولكنا قد قلنا: إن الخبر الذي قيل فيه: نهى عن الروث والرمة، قد تضمن الأحجار وغيرها، فلم يسلم النص على الأحجار، وقد عارضناه بالخبر الآخر الذي فيه: «من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، فصار تقديره: من استجمر بالأحجار فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، وهذا راجع إلى العدد والأحجار جميعاً. وقولهم: لا يجوز الإخلال بالعدد والصفة، غلط؛ لأنه يجوز -

стр. 330

- عندنا - الإخلال بالعدد، وقد دللنا عليها. وأيضاً فقد وافقنا داود في جواز الاقتصار على حجر واحد فسقط السؤال على مذهبهم. وعلى أن الفرق بين الشهادة وبين الاستجمار هو أن القلب على قول الشاهدين أسكن منه إلى قول الواحد إذا كرر الشهادة مرتين؛ لأن الاثنين إلى الصدق أقرب من الواحد، والمعنى الذي في الاثنين غير موجود في الواحد، وكذا قول العدل؛ إلى الصدق أقرب، والتهمة منه أبعد منها إلى الفاسق فلما لم يوجد في الفاسق معنى العدل لم يجز أن يقوم مقامه، وليس كذلك الأحجار؛ لأن المقصود منها قلع عين النجاسة؛ بدليل أن الثلاث لو لم تقلعها وجبت الزيادة عليها، والخرق والآجر وهذه الأشياء تعمل ما يعمل الحجر وأبلغ، فجاز أن تقوم مقامه لوجود معناها فيها. وأما الجمار فعند داود أنه لو رماها بعصفورة ميتة جاز، -

стр. 331

وعندنا - هي عبادة لا يعقل معناها، والعبادة إذا لم يعقل معناها لم يجز القياس عليها، ثم ما قالوه ينتقض بالرجم في الجمار على أصلهم، وينتقض بالرجم في الزنا. وأيضاً فإن الغرض في الاستنجاء إزالة النجو، لأنه أقيم مقام الماء الذي يزيل النجاسات، فلما أقيم الحجر في الاستنجاء مقام الماء، أقيم مقام الحجر غيره فيما يفعل فعله، وإنما خص النبي الحجر بالذكر؛ لأنه أغلب الموجودات من الجمادات عند أهل الحجاز لا أنه اختصه بالحكم، كما ذكر الله -تعالى - الرهن في السفر؛ لأن الأغلب فيه عدم الكاتب والبينة، والحضر بمنزلته، لأن الغرض منه التوثق، ولو منعنا الاستجمار في كل موضع إلاَّ بالحجر لشق، وتعذر على أكثر أهل البلاد؛ لأنه ليس كل البلاد تكون الأحجار فيها غالبة موجودة كوجود التراب وغيره. فإن قيل: فإنها طهارة بجامد أقيم مقام مائع كالتراب في التيمم.

стр. 332

قيل: أنتم لا تقولون بالقياس فسقط. وعلى أصولنا ليس التراب شرطاً في التيمم -عندنا -، والصعيد هو نفس الأرض سواء كان عليها تراب أو لا، أو كان عليها زرنيخ، أو جص أو غيره. وعلى ا، المعنى في التيمم أنه غير مخير بين الماء والتراب، وليس كذلك الاستنجاء؛ لأنه مخير بين الماء والحجر. وعلى أننا قد عارضناه بقياسات أخرى أولى؛ لاستنادها إلى ما ذكرناه من نص السنة على الأحجار والأعواد أو الحثيات بالتراب، ولأن الصول يشهد له؛ وذلك أن هذه طهارة موضوعة على الرخصة والترفيه والتوسعة والتخفيف، ألا ترى أنه مخير بين المائع الذي هو الماء وبين الجامد من الأحجار، وقد عفي فيها عن إنقاء الأثر، ويجوز فيها الاقتصار على الجامد مع القدرة على المائع، وهذه المعاني كلها معدومة في الطهارة الحكمية والعينية، فغير منكر أن يكون من أحدِ رُخَصِها أن تجوز بكل جامد يكون في المعنى الحجر.

стр. 333

وأيضاً فإن استعمال الجامد في هذا الموضع إنما دخل على سبيل الرخصة لكثرة البلوى، وفي أمرنا له باستعمال الماء في كل مرة يلحقه معه المشقة لتكرر ذلك منه، فلو كُلّف ألا يستعمل غير الأحجار للحقنة المشقة على ما ذكرناه من أن كثيراً من البلدان تخلو من الحجارة، فكانت تزول الرخصة المعتبرة في الأصل، وعلى هذا بني أمر الإبدال في الأصول، والله أعلم.

стр. 334

[٢٠] مَسْأَلَة قال مالك ﵀: ولا يستنجي بعظم ولا روث، ويستحب بالحجارة، وذكر بعض أصحابنا أنه يجزئه، وليس ذلك كذلك، وإن كان نفس الإزالة غير فرض إلاَّ أنه إذا وجب من طريق السنة لم ينبغ أن يجزئه هذا الفعل من السنة، كما أن صلاة التطوع ليست بفرض، وإذا فعلت إلاَّ بطهارة بماء طاهر، كما أن الاعتكاف ليس بواجب، فإذا فعل فمن شرطه أن يقع في صوم. وعند أبي حنيفة أن الاستنجاء بذلك يجزئ، ولكنه مكروه، قال الشافعي: لا يجزئه.

стр. 335

وهذا الذي نختاره، وإن كنا نختلف في نفس الإزالة. والدليل لما قلناه: ما رُوِيَ أن النبي نهى عن الاستجمار بالروث والعظم، وأمر الاستنجاء بالحجر، وظهار النهي إذا تجرد يقضي فساد المنهي عنه أن يقوم دليل، وأمر بالحجر أمر ظاهر الوجوب إلاَّ

стр. 336

أن يقوم دليل، ودليله أن غير الحجر لا يجزئ حتى يقوم دليل. وأيضاً ما رواه أبو هريرة أن النبي قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم أمر دينكم». وأمر أن يستنجي بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة، وهذا موضع تعليم فلا ينبغي عنه إلا بدليل، والاستدلال منه أيضاً كالاستدلال بما قبله. وكذلك أيضاً قال لابن مسعود: «ائتني بثلاثة أحجار»، فأتيته بحجرين وروثة، فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس»، وقيل في بعض الأخبار: «أما العظام فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم»

стр. 337

ومن طريق المعنى: فإن العظم جسم صقيل، لا يزيل العين في غالب الحال، وقد أخذ علينا إزالتها وإن كان قد عفي عن أثرها، وكلك ينبغي أن يكون ما في معناه من الأجسام الصقيلة، مثل الزجاج والصفر والعاج، هذا لو تحققنا أن العظم ذُكي، فكيف وربما كان ميتة؟ فيلاقي النجس فيزداد نجاسة، وليس لشيء من النجاسات في الطهارة مدخل. وأما الرواية فهي -عندنا - مكروهة، وعند قوم نجسة، فإذا لاقتها النجاسة الرطبة تنجست، ولم تكن لها قوة الطاهرات المتفق عليها فتدخل مدخلها في هذا الموضع؛ لأنه موضع رخصة قد أخذ علينا فيه إزالة العين، وعفى عن الأثر خوف المشقة، فلا ينبغي أن يدخل على الرخصة ما فيه رخصة أخرى لقول المخالفين إنه نجس. وأيضاً فقد روى سلمان قال: نهانا رسول الله أن نستنجي بالعظم والرجيع.

стр. 338

وقد قال أبو عبيد: الرجيع ما رجع عن حالة الطعام، فهو عام في كل ما يسمى رجيعاً من جهة اللغة إلاَّ أن يقوم دليل. وعند أبي حنيفة أن الروث نجس فيقال له: إنه أحد ما يستعمل في إزالة النجاسة فوجب أن لا يجوز استعماله فيها وهو نجس؛ أصله الماء؛ لأن النجاسة تزال بمائع وجامد، ثم إذا كان المائع نجاساً لم يجز، فكذلك إذا كان الجامد - عندك - نجساً. وأيضاً فإن النجاسة تزيد في النجاسة ولا تزيلها، فوجب أن لا يجوز الاستنجاء به على أصلك. وقد روى رويفع عن النبي أنه قال له: «عسى أن يطول بك العمر بعدي، فأخبر الناس أن من استنجى بالعظم والروث فقد برئت عنه ذمة محمد»، وقد رُوِيَ: «برئت ذمتي منه»، وهذا توعد، ولا يمتنع أن يكون التوعد في الفرع أشد منه في ترك الأصل، ألا ترى أنه لو ترك صلاة التطوع أصلاً لم يتوعد، ولو قام يصليها بغير أصلاً

стр. 339

مع القدرة كان متوعداً، وكذلك حج التطوع لم يتوعد عليه ثم لو دخل فيه وتعمد إفساده كان متوعداً. فإن قيل: الغرض في الاستنجاء إزالة النجو مع بقاء أثره اللاصق، فمتى ذلك حصل الإجزاء. قيل: هذا غلط؛ إنما الفرض إزالته بما يزيله من الأشياء الطاهرة الناشفة التي تقلع عينه، ولو كان على ما تقول لجاز أني زيله بالعذرة اليابسة كما يجوز - عندك - بالروث، ويجب أيضاً أن يجوز له دلكه بأنه كما يجوز بالعظم. فإن قيل: فإن النبي علل فقال: «أما العظم فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم»، فينبغي أن يكون زادهم مثل زادنا نحن، وهو -عندكم - يعمل في الاستنجاء ويجزئ. قيل: لا يمتنع فيه معنى معقول قد عقلناه فلم يحتج إلى ذكره لنا، ثم بينهما على معنى آخر يزيد على ما عقلناه، فكأنه أعلمنا أن الذي نجتنبه نحن ونرمي به ونبتعد عنه يتزودونه هم، فينبغي ا، نتركه لهم، فهذا يؤكد ما نقول في ألا ينبغي أن نتعرض له، وأما زادنا فليس مقصوراً على شيء واحد كاقتصار الجن على العظام. فإن قيل: ظاهر النهي في ذلك على الكراهية، كما نهى أن يستنجي الرجل بيمينه،

стр. 340

ويأكل بشماله، بدليلٍ وهو ما ذكرناه من المعنى في الإزالة. قيل: ظاهر النهي على التحريم، وما ذكرتموه لم يستقم، وهو ساقط. ورأيت هذا الإنسان من أصحابنا قد ألزم ظاهر النهي، وأنخه للتحريم كالنهي عن الذبح والظفر، فالتزم أن هذا محرم، فرّق بينه وبين العظم في الاستنجاء، ولم يكن ينبغي له ذلك؛ لأنَّ الذبح بالسن والظفر إن كان السن مركباً غير منزوع فإنما منع لأنه يقرض الحلقوم، وكذلك الظفر المركب إن كان رقيقاً فهو يثقب الحلقوم، فيكون فيه التعذيب للبهائم المنهي عنه. وإن كان السن منزوعاً عريضاً يشق الحلقوم ويقطع الودجين فإنه يجوز، وكذلك الظهر مثله، وهذا

стр. 341

لا يكره ولا يراعى فيه أنه صقيل؛ لن السكين أصقل منه، ولا تراعى نجاسته، لأنه لو ذبح بسكين ملطخة بدم أو بغيره من النجاسات لوقعت الذكاة موقعها، والذي رؤي في إزالة النجو أن يكون المزيل طاهراً يقلع العين وينشف رطوبتها فإذا لم يقع بذلك لم يقع موقعه. وهذا الذي ذكرته في السن والظفر في الذكاة قد ذكره جماعة من شيوخنا منهم أبو بكر وغيره. فإن قيل: هذه المسألة فرع على أن ألاستنجاء غير واجب، ومتى ثبت ذلك صح جوازه بهذه الأشياء؛ لن أحداً لا يفصل بينهما. قيل: هذا غلط، وقد بينا أنه قد يكون الأصل غير واجب، ثم إذا فعل كان فعله على صفة تجب لأجل فعله. فإن قيل: إن الإبقاء الذي ندب الله غليه يحصل بهذا الفعل - عندنا -، وإن كانت الآلة التي حصل بها الإنقاء قد مُنع من استعمالها، كما أن إزالة الحديث تحصل بالماء المغصوب، وإن كان المستعمل له منهيًّا عن استعماله.

стр. 342

والذي يدل عليه: أنَّ المأمور به الإبقاء، وهذا معنى يرجع إلى المشاهدة وقد حصلت،، لن النبي بيَّن العلة في الروث أنها علف دوابهم - يعني الجن - والعظم طعامهم، فدل ذلك على أ، المنع لم يثبت فيه لحق الله - تعالى -، وإنما ثبت لحق الغير، فلم يمنع الإبقاء، مثل مَنْ غصب حجر غيره فاستنجى به، أو ماء غيره فتطهر به. وعلى أن النهي فيه غير متعلق لمعنى في نفس المنهي عنه فلا يفيد الفساد، مثل البيع يوم الجمعة عند إتيانها، والصلاة في الدار المغصوبة وقياساً على الحجر بعلة وجود الإنقاء. قيل له: نظير مسألتنا الماء النجس؛ لأنه لا يزول به الحدث، والماء المغصوب يُمنع منه لأجل حق الآدمي، فلما كان النهي عن الماء النجس من اجل حق الله - تعالى - كان العظم والروث مثله. وقولكم: إن الإبقاء موجود مشاهد، فهو يوجد أيضاً بالماء النجس، ومع هذا لا يجوز. ثم لا نسلم أن الإبقاء بالعظم، يصقله ويلبده في مكانه. وقولكم: إن النبي علل بأن العظم والروث ممنوع لأجل حق الغير من الجن عنه جوابان: أحدهما: إنه قد يجوز أن يكون علفهم الأشياء النجسة؛ لأنه لا عبادة عليهم، وليس كل ما تعلق به حكم الغير يجوز أن يتطهر به.

стр. 343

ألا ترى أن الخمر يتملكها الكفار، ولا يجوز أن يزوال بها الحديث، وكذلك الدهن النجس - عندكم - يجوز بيعه وتملكه، ولا مدخل له في الطهارات، فسقط هذا. وأما الحجر الغصب فهو كالماء الغصب، فلما جاز الوضوء بالماء الغصب جاز الاستنجاء بالحجر الغصب، ولما لم يجوز رفع الحدث بالماء النجس لم يجز الاستجمار بالنجس، وكذلك لا يجوز الاستنجاء بالماء النجس؛ فالاستجمار مثله لا يجوز بالنجس. وقولكم: عن النهي غير متعلق بمعنى في نفس المنهي عنه غلط؛ لأنه لم يتعلق إلاَّ بمعنى في العظم، لأنه جسم صقيل لا يقلع العين ولا ينشف رطوبتها، وأما البيع يوم الجمعة - فعندنا - أنه يفسخ، فلم يلزم ما ذكرتموه.

стр. 344

[٢١] مَسْأَلَة عند مالك ﵀ أن الذي يخرج من السبيلين نادراً غير معتاد لا ينقض الطهارة، مثل سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة والحجر والدود، وبه قال داود. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الطهارة تنتقض بجميع ذلك، كما تنقص بالمعتاد. وَوَافَقَنا أبو حنيفة في أن المني إذا خرج لغير شهوة لا يوجب الغسل. والدليل لقولنا: هو أن الإنسان إذا تطهر قبل أن يحدث شيء من

стр. 345

هذا، فهو على طهارته، فمن قال: إن طهارته تنقص فعليه الدلالة. وأيضاً فإن إيجاب الوضوء يحتاج على دليل شرعي، والأصل براءة الذمة. فإن عورضنا باستصحاب حال أخرى، وهي أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلاَّ بدليل. قيل: قد اتفقنا على أن الصلاة تسقط بفعل الطهارة مع سائر شروطها، واتفقنا على أن هذا قد تطهر للصلاة، فمن زعم أن الطهارة المتفق عليها - وقد فُعلت للصلاة - قد انتقضت فعليه الدليل. وأيضاً قول النبي: «لا وضوء إلاَّ من صوات أو ريح»، فنفى

стр. 346

إيجاب الوضوء إلاَّ من هذين حتى يقوم الدليل. وأيضاً ما رُوِيَ عنه ﵇ أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصافة، إذا ذهب قدرها فاغسلي عند الدم وصلي»، فأمرها بغسل الدم فحسب، ثم تُصَلِّي ولم يأمرها بطهارة. فإن قيل: غُسلها واجب، وهو طهارة. قيل: «وصلي»، لا يختص صلاة دون صلاة، فقامت الدلالة على غسلها عند انقطاع الحيضة، ولم تقم دلالة على وضوء لكل صلاة. فإن قيل: قوله لها: «وصلي»، أمر يقتضي ظاهره فعل مرة واحدة. ولا يقضي التكرار إلاَّ بدليل، وقد اتفقنا على أنها تغتسل لأول صلاة بعد انقطاع الحيضة، فلم يبق في الخبر دليل على موضع الخلاف. قيل: قد جعل إقبال الحيض دليلاً على ترك الصلاة، وجعل انقطاعها دليلاً على وجوب الصلاة، فعقل منه أنه اطراد الصالة التي بين الحيضتين كلتيهما، فتقديره: إذا فعل قدرها فصلي حتى تقبل فتتركي الصلاة.

стр. 347

+وأيضاً قوله ﵇ لفاطمة بنت قيس في دم الاستحاضة: «إنما هو دم عرق وليس بالحيضة»، فعلل ﵇ دم الاستحاضة بأنه دم عرق، أو خبر بأنه دم عرق، ودم العرق لا ينقض الوضوء. وأيضاً فإنَّه خارج نادر فوجب ألا ينقض الوضوء، كما يخرج من غير مخرج الحدث. وأيضاً فإن الخارج المعتاد إذا خرج من غير مخرج معتاد لم ينقض الوضوء، مثل أن يتقيأ أو يخرج من انفه، فكذلك يجب أيضاً إذا خرج ما ليس بمعتاد من مخرج ألا ينقض الوضوء حتى يكون الاعتبار بالعادة. فإن قيل: هذا يد لعلى أن الاعتبار بالمخرج لا بالخارج. قيل: الاعتبار بالمخرج وما يخرج منه، فإن خرج منه معتاد وهو معتاد، نقض الطهارة، ألا ترى أن دم الحيض يخرج معتاداً ففيه الغسل، ويخرج دم الاستحاضة فلا يجب فيه الغسل لخروجه عن العادة سقط الوضوء لخروجه عن العادة. ويجوز أن نقول: دم الاستحاضة دم نجس خارج من البدن على غير وجه العادة فلا ينقض الطهارة، قياساً على دم القرح

стр. 348

والدمل والفصاد. أو نقول: إذا خرج الدم من فرج الرجل، وهو شيء نجس خارج من بدنه على وجه المرض فلا يجب فيه الوضوء، أصله دم الرعاف، أو القرحة تكون على ظاهر البدن. وأيضاً فإننا رأينا الأحداث التي تفسد الطهارة في غير الصلاة هي في حال الصلاة أغلظ؛ لأنه لأنه قد تفسد الطهارة في الصلاة أشياء لا تفسدها في غير الصلاة عند قوم من أهل العلم، مثل القهقهة في الصلاة، وهذا لِغِلَظِ أمر الصلاة فلو كان دم الاستحاضة حدثا يفسد الصلاة لوجب أن يكون في الصلاة أولى أن يوجب طهارة مستأنفة، فلما وجدنا المستحاضة تُصَلِّي وإن قطر الدم على الحصير، ولا تخرج فتتوضأ، وجب أن يكون في غير الصلاة أولى أن لا تنقض طهارتها، ولا يجب عليها طهارة مستأنفة. فإن قيل: فإننا لو أوجبنا عليها أن تخرج من الصلاة وتتوضأ ودمها متتابع أدى ذلك إلى أن لا تُصَلِّي حتى يخرج الوقت. قيل: وكذلك لو أوجبنا عليها قبل الصلاة أن تتوضأ كما رأت الدم الذي ينقض الوضوء، وهو يحدث بعد الوضوء، أدى على أن

стр. 349

لا تدخل في الصلاة، وخرج الوقت. وجرى الكلام بيني وبين أبي الحسن المرزبان ﵀ في هذه المسالة على هذا الفصل، فقال لي: إذا كان الم متتابعاً لا يمكن أن ينفصل يجعلها داخلة في الصلاة، بعد وضوئها إلاَّ بوجود الدم قبل دخولها في الصلاة، فلا فرق - عندنا - بين قبل الصلاة، وبين دخولها في الصلاة، في أنها لا تتوضأ. وإن كان غير متتابع، وإنما هو المرة بع المرة، فإن حكمها في الصلاة وفي غير الصلاة واحد، في أن الوضوء واجب عليها قبل الصلاة، وإذا طرا في الصلاة خرجت فتوضأتـ فقلت له: الذي كنا نعرف ويحكيه شيوخنا عنكم الفرق بينهما من أنكم تراعون دخولها في الصلاة، بأن تتوضأ وتدخل فيها إما مع الدم أو قبل أن يحدث، فإذا دخلت ثم حدث

стр. 350

بها مضت، ونحن نعلم أن المدة التي بين وضوئها وبين دخولها في الصلاة مدة قريبة، فإذا توضأت فإن كانت مستحاضة وكان الدم ينقطع عنها هاذ القدر حتى تدخل في الصالة بالوضوء، فحال الصلاة أطول، فلا يمهلها الدم حتى تخرج من الصلاة، فإذا طرأ عليها في نصف الصلاة، فإن أوجبتم عليها الخروج من الصلاة وأن تتوضأ أدى إلى أن تُصَلِّي ويخرج الوقت؛ لأنها تتوضأ فيمهلها الدم حتى تدخل في الصلاة، ولا يمهلها إلى أن تنقضي الصلاة، فمن قال: لا فرق بين الحالين سقط قوله بها، وبان أن الدم الذي هذه صفته ليس بحدث ينقض الطهارة. فإن قيل: فأوجبوا عليها الطهارة إذا الدم يمهلها بعد الوضوء حتى يتصل وضوؤها بدخولها في الصالة، وإن كان لا يمهلها حتى تنقي الصلاة. قيل: لا فائدة في هذا؛ لأنه ليس بحدث - عندنا - إذ لو كان حدثاً لاستوى فيه حكم الجزء الأول من الصلاة، وحكم الجزء الأخير، والطهارة ترد للصلاة، وإن كان ذلك حدثاً معفُّواً عنه، فينبغي أن يعفي عنه في الجزء الأول من الصلاة، كما يعفي عنه في الجزء الأخير، فثبت بهذا الاعتبار أن العلة في سقوط الوضوء هي: أن هذا الدم خرج عن الصحة إلى حال المرض، فلا فرق بين الحالين قبل الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، وصار في حكم دم الرعاف والدمل الذي يخرج عن الصحة.

стр. 351

فإن قيل: ألا جعلتم ها بمنزلة المتيمم الذي يجد الماء قبل الصلاة فيجب عليه استعماله، ولو وجده في الصالة مضى على صلاته. قيل: إن روية الماء ليس حدثاً، وإنما قلنا: إن الأحداث التي تنقض الطهارة لا فرق بين طُرُوِّها قبل الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، والمتيمم - عندنا - حدثُه لم يرتفع قبل الصلاة ولا بعدها، وإنما قلنا يرجع قبل الصلاة إلى الماء حتى يرفع حدثه؛ لأن الطلب لا يسقط حتى يدخل في الصلاة، فيسقط عنه، فيمضي بالتيمم الذي يستبيح به الصلاة، فالعلة ههنا هي الطلب، فإذا لم يسقط الطلب رجع إلى الماء، وإذا سقط الطلب مضى، وإن كان حدثه لم يرتفع، والعلة في دم الاستحاضة خروجه عن الصحة، فأي موضع وجد لم يجب استئناف الطهارة، وإذا عدم وجبت الطهارة. ولنا أيضاً الاعتبار الصحيح بدم الحيض ودم الاستحاضة؛ وذلك أن هذا الدم إذا خرج في زمانه على وجه العادة تعلقت به أحكام منها: ترك الصلاة والصيام وامتناع الوطء والغسل عند انقطاعه، فإذا خرج عن هذا الوجه، وصار دم فساد على ما قاله صاحب الشريعة ﵇ سقطت عنه هذا الأحكام، ولم يكون هذا إلاَّ لخروجه عن وجهه في العادة، فوجب أن تكون سائر الأحداث التي تتعلق عليها أحكام الطهارة

стр. 352

إذا خرجت عن وجهها في الصحة والعادة أن تكون كذلك في سقوط الأحكام المتعلقة بها. فإن قيل: فقد استويا في كونهما نجسين يجب غسلهما عن الثوب والبدن. قيل: لا يجب غسلهما وقد سبق كلامنا عليه. وأيضاً فقد وافقونا على أن المستحاضة تجمع بين صلاتي نفل بوضوء واحد وفي الحديث المعتاد لا يجوز ذلك مع تخليل الحدث بين الصلاتين، فعلمنا بهذا أن الاستحاضة ليس بحدث، ولا تجب طهارة مستأنفة. فإن قيل: إنما جوزنا هذا لأجل أن النفل أخف، كما جوزنا وأنتم أن يجمع بينهما بتيمم واحد، ولم يجوز ذلك في صلاتي فرض. قيل: أمر النافلة وإن كان أسهل من الفريضة فقد اتفقنا على أنه لا يجوز أن يُصَلِّي صلاة نافلة بوضوء، ثم يطرأ عليه حدث معتاد قبل

стр. 353

دخوله في الثانية فيدخل فيها حتى يزيله، وقد جوزتم أن تدخل في الثانية وقد طرا عليها الدم قبل دخولها فيها، فعلمنا أنه ليس بحدث، وأما المتيمم فقد دخل فيها ببدل من الوضوء وهو التيمم، ولم تدخل المستحاضة بأصل ولا بدل. فإن قيل: فقد قال الله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأوجب على كل قائم إلى الصلاة غسل هذا الأعضاء، وهذا عموم في كل صلاة. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، يقتضى فعل مرة لكل الصلوات؛ الألف واللام في ﴿الصَّلَاةِ﴾، للنجس، فإذا تطهر عند

стр. 354

القيام إلى الصلاة فقد غسل اعضاءه لكل الصلوات، ولم يقل: اغسلوا لكل صلاة وأيضاً فإن المراد بالآية أحد أمرين: إما أن يكون أراد إذا قمتم من النوم على ما قيل في التفسير، أو أنتم محدثون على ما قيل فيه أيضاً، وهذا لم يقم من النوم، ولا هو - عندنا - محدث. وأيضاً فإنه - تعالى - قال في سياق الآية ما يدل على ما نقول: وذلك أنه - تعالى - قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فكنير بالغائط عما ينوب الناس في صحتهم من الحدث الذي اعتادوه، لا عن دم أو حصى أو دود، لأن هذه الأشياء تكون من البول تجب عن غلبة، وليس لها موضع يقصد فلا تدخل تحت الكناية بالغائط. فإن قيل: فقد روى في حديث صفون بن عسال المرادي

стр. 355

أنه ﵇ قال في نزع الخف: «لكن من غائط وبول ونوم»، ولم يفرق بين بول معتاد وبين سلس البول، وأمَرَ بالمسح على الخف من البول عموماً. قيل: هذا أيضاً إشارة إلى ما يعتاد الناس من الغائط والبول والنوم؛ لأنه قرن البول بغيره من المعتاد، والكلام أيضاً يخرج على الإطلاق، ومن جرت عادته بالبول إذا بال قيل فيه قد بال: وإذا سلس بوله قيل: قد سلس بوله، والنبي ﵇ لم يقل: لكن من سلس البول، ثم لو ثبت العموم لقضى عليه بعض ما ذكرناه. فإن قيل: فإنه خارج من مخرج معتاد للحدث فوجب أن ينقض الوضوء أصله الخارج المعتاد.
следующие страницы →