Полный текст (1 330 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فدل على أن غير الماء لا يكون طهورا.
وأيضا ما روي أن أسماء بنت أبي بكر سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال ﵇: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) لا، فأمر ﵇ بغسله بالماء، والأمر إذا توجه معينا بشيء لم يسقط إلا بالإتيان بذلك المعين، فوجب إذا غسل بغير الماء أن يكون حكم الأمر باقيا على المأمور، وإلا فهو بمنزلة من لم يغسله أصلا؛ لأنه خالف الأمر. ودليله ألا يغسل بغير الماء، فقد حصل من هذا الخبر ثلاثة أدلة:
أحدها: أن قوله ﵇: (اغسليه بالماء)، لفظه لفظ أمر فهو على الوجوب، ومن عدل عن الماء ترك الواجب.
والثاني: أنه موضع تعليم وبيان، فلو كان غير الماء
стр. 737
يزيل ذلك لم يغفله وبينه لها.
والثالث: لما نص دل على أن غيره بخلافه.
فإن قيل: الأمر توجه إلى الندم؛ لأن الهاء في قوله: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه) هي ضمير الدم؛ وإذا غسل الدم بالخل متى ذهبت حمرته لم يبق هناك دم يجب غسله، فوجب أن يسقط عنه.
قيل عنه جوابان:
أحدهما: أن كلامنا في أن الذي تزال به النجاسة متعين أو لا. وأنتم تقولون: هو مخير بين أن يزيلها بالخل أو الماء، ولا تعينون شيئا. ونحن نقول: إنه متعين إزالته بالماء؛ لأن الخبر يقتضي تعيين الماء، فإذا صح تعيينه بالنص عليه بقوله: (ثم اغسليه بالماء) سقط التخيير.
والجواب الثاني: أن الهاء فيه راجعة إلى المحل لا إلى الدم، والمحل موجود، فالأمر عليه باق، وإن زال عين الدم بالخل.
فإن قيل: فقد قال ﵇: (حتيه ثم اقرصيه)، وليس كل ذلك واجبا.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن دلكه واجب، وهو قرصه حتى يزول بالماء.
стр. 738
والثاني: أن الظاهر يقتضي عموم ذلك، فما خص منه خرج بالدليل، وبقي الباقي من غسله بالماء على ما يقتضيه الخبر.
على أن سقوط الحت والقرص من الوجوب لا يدل على أن الغسل بالماء ليس بواجب، كما لم يدل على أن نفس الغسل ليس بواجب.
فإن قيل: فإن الأمر بغسله - عندكم - ليس بواجب؛ لأن إزالة الأنجاس ليس بفرض - عندكم -.
قيل: في رواية عن مالك أنه واجب.
وإن قلنا: إنه ليس بفرض وإنما هو مسنون لم يخرج أن تكون صفة غسله المسنون بالماء دون غيره؛ لأن النص والتعيين وقع فيه على الماء دون غيره.
ولنا أيضا ما روي أن أعرابيا بال في المسجد فقال النبي ﵇: (صبوا عليه ذنوبا أو ذنوبين من ماء)، والاستدلال منه كهو من الخبر الأول.
فإن قيل: إن خبر أسماء قد تناول اليسير من الدم؛ لامتناع حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة.
قيل: لو كان الحكم يختلف في غسل القليل من الدم والكثير بالماء
стр. 739
لبينه ﵇؛ حتى يعلم الفرق بين ذلك، فلما لم يفرق علم أن المسنون والمفروض والمستحب كله بالماء.
ولنا من جهة القياس أن نقول: هو مانع من الصلاة، أمر في رفعه بضرب من المائع، فوجب أن يكون ذلك المائع ماء، دليله رفع الحدث.
أو نقول: غسله عبادة تعلقت بالصلاة فلم يجزئ بغير الماء المطلق، دليله ماء فع الحدث.
فإن قل: الفصل بنهما أن من شرط رفع الحدث - عندكم - النية.
قيل: فأنتم لا توجبونها في الجميع.
على أن هذه علة لا تتعدى فلا تصح - عندكم - أيضا، وتصح - عندنا -، ولكن المتعدية أولى منها عند اجتماعها.
ونقول أيضا: هي طهارة لا تلحق المشقة في اعتبار الماء فيها غالبا فوجب أن لا تجوز بغير الماء. أصله طهارة الحدث.
ونقول أيضا: إن المائع إذا لاقى النجس على الثوب والبدن تنجس؛
стр. 740
لأن المائع الكثير إذا حلت فيه نجاسة يسيرة، غيرته أو لم تغيره فإنه نجس كله.
فعلى هذا لا يطهر الثوب؛ لأنه كلما غسله بالخل تنجس الخل، فيلاقي النجس النجس، والماء بخلاف ذلك؛ لأن إذا كثر رفع النجس عن نفسه، كما أنه يرفع الحدث.
ونقول أيضا: هي طهارة شرعية فوجب ألا تصح بالخل، وماء الباقلاء، ولا الماء كرفع الحدث.
أو نقول: هو غسل واجب أن لا يصح بغير الماء، أصله الغسل من الجنابة وغسل الميت.
وهذا التعليل إنما يلزمهم في النجاسة إذا كانت على البدن، ولا يلزمهم ذلك في الثوب؛ لأنهم يقولون غسله ليس بواجب.
стр. 741
ولنا أن نقيسه على الدهن والمرق، لأنه لا يزيل النجس، بعلة أنه مائع لا يرفع الحدث فوجب ألا يرفع النجس. أصله ما ذكرنا من الدهن.
فإن قيل: - عندنا - أن الدهن والمرق يجوز إزالة النجاسة بهما.
قيل: قد قال أبو حنيفة أيضا: إنه لا يجوز. فقولكم: إنه لا يزيل لا يخلو من تريدوا أنه لا يزيل حكمها أو عينها. فإن أردتم أنه لا يزيل عينها فهو دفع المشاهدة؛ لأن النجاسة لو كانت على شيء أملس، وصب عليها الدهن والزيت، وغسلت به انقلع عينها حتى لا يبقى منها شيء.
وإن أردتم أنه لا يزيل حكمها فكذلك سائر المائعات - عندنا - لا تزيل حكمها.
فإن سلموا أن النجاسة لا تزال بالدموع والعرق قسنا عليه المائعات كلها؛ بعلة أنه ليس بماء مطلق، أو بعلة أنها لا ترفع الحدث.
ومن طريق الاستدلال نقول: رأسنا جنس الماء إذا كان كثيرا يدفع الأنجاس عن نفسه إذا لم يتغير، وليس كذلك جنس المائع، فإذا لم يدفع النجس عن نفسه فبأن لا يدفعه عن غيره أولى.
стр. 742
هذا قد ذكره أصحابنا والناس، ولكنهم لا يسلمونه ويقولون: المانع الكثير لا يقبل النجاسة إذا لم تغيره، فيدفعها عن نفسه كالماء، ولكننا إذا اعتبرنا أصولهم كان ما قلناه صحيحا وذلك أن النجاسة أغلظ حكما وأقوى من الحدث أو مثله؛ لأن الماء المزال به النجاسة مسلوب الصفتين - عندهم - من الطهارة والتطهير، فيكون نجسا، أو يسلب التطهير وحده فيكون طاهرا غير مطهر، - وعندهم - أن الماء المستعمل نجس على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف فينبغي أن لا تجوز إزالة النجاسة به.
فإن ركبوا قول محمد بن الحسن في أن الماء المستعمل طاهر.
قيل لهم: فعلى كل حال إزالة النجاسة أكد - عندكم - من رفع الحدث؛ بدليل أن إنسانا لو كان معه ماء لا يكفيه لرفع الحدث وإزالة النجس جميعا، وهو يكفي لأحدهما فإنه يزيل به النجس ويتيمم للصلاة، فإذا كانت إزالة النجس أقوى ولم يرتفع الحدث بالمائع فأولى ألا يزول به النجس.
وأيضا فإن تيمم المحدث يسقط الفرض، وتيمم من عليه نجاسة لا
стр. 743
يسقط الفرض، فإن صلى وعليه النجاسة كانت عليه الإعادة، فعلم بهذا أن إزالة النجس - عندهم - أغلظ وأقوى من رفع الحدث -، فلما كان الحدث الذي هو دونها لا يرتفع إلا بالماء دون سائر المائعات غيره كانت النجاسة التي هي أقوى أن لا ترتفع بالمائعات غير الماء.
وأما على أصولنا فإن إزالة النجاسة أخفض من إزالة الحدث لا محالة؛ لأن الناس اختلفوا في وجوب إزالة النجس. فقال بعضهم: فرض، وقال بعضهم مسنون، ولم يختلفوا في فرض إزالة الحدث.
وإزالة النجس لا تفتقر إلى نية، ورفع الحدث يفتقر إلى نية - عندنا - غير أن إزالة النجس طهارة من أجل الصلاة، ورفع الحدث طهارة، وليس قوة إحدى الطهارتين على الأخرى بمخرج لها عن الماء إلى المائع. ألا ترى أن الوضوء من الحدث طهارة، وغسل الجنابة طهارة، وهو أقوى من الوضوء؛ لأن فيه غسل جميع البدن، ومع هذا فقد استوى حكمها في الماء، فكذلك يستوي حم إزالة النجس والوضوء في الماء، وإن كانت إزالة النجاسة أضعف من الوضوء.
فإن قيل: قد قال النبي ﵇ في المستيقظ من النوم: (لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا)، ولم يخص غسلها بشيء من المائعات، فهو عموم.
стр. 744
وقال في الولوغ: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله).
وقال لعمار: (إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول)، ولم يخص شيئا مما يغسل به، فوجب إجراؤه على عمومه في كل ما يتأتى به الغسل إلا ما خصه الدليل.
قيل: هذه عمومات يقضي عليها نصه على الماء في حديث أسماء،
стр. 745
وهو قوله: (ثم اغسليه بالماء)، دليله ألا يغسل بغير الماء.
فإن قيل: قد روي عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أطيل ذيلي، فأجره على المكان القذر. فقال ﷺ : (يطهره ما بعده)، وليس ما بعده إلا الأرض والتراب.
стр. 746
على أن الغرض من الأخبار الغسل، ثم بماذا يغسل مأخوذ نم قوله: ﴿وأنزلنا من المساء ماء طهورا﴾، وقوله: ﴿ليطهركم به﴾، وقوله لأسماء: (ثم اغسليه بالماء)، وغسل الإناء من ولوغ الكلب - عندنا - ليس بنجاسة، وإنما هو عبادة بالماء.
وأيضا قوله ﵇: (إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض). وروي: (فليمسه).
стр. 747
وأيضا فقد روي أن عائشة ﵂ أصاب ثوبها الدم، فبلته بريقها ومصته، فدل على أن الريق يزيل النجاسة.
قيل: أما قوله ﵇ لأم سلمة: (يطهره ما بعده) أراد به إذا علق به النجس اليابس، وجرته على التراب انقلع؛ بدليل أن النجاسة الطرية إذا أصابت ثوبا أو خفا أو نعلا لم تزل بالدلك وغيره بإجماع. وقد وافقونا على أن التراب لا يزل النجس في غير المخرج، فصال للحديث معنى، وهو ما ذكرناه.
стр. 748
فإن قيل: فما معنى قوله: (يطهره ما بعده)؟.
قلنا: لو بقي في الثوب لم يجز أن يصلي به حتى يلقيه، كما لا يصلي إنسان وهو حامل للميتة أو غيرها من الأنجاس؛ لأن الثوب نفسه نجس.
ثم نتأول بتأويل آخر فنقول: يجوز أن يصيب ثوبها شيء نجس رطب فيطهره ما بعده إذا كان ماء واقفا في طرق وانجر الثوب فيه؛ لأن الغريبة من النساء تجر الثوب خلفها نحو الذراع وأكثر، وإذا احتمل هذا خصصناه بما ذكرناه من قوله ﵇ لأسماء في الماء.
وأما قوله ﵇ في الخف يصيبه الأذى. معناه من أرواث الدواب والبغال والحمير؛ لأن الغالب كونها في الطرقات، وهي - عندنا - مكروهة لا نجسة، وليس الغالب أن الناس يتغوطون ويبولون في الطرقات إلا في الجوانب.
ويجوز أن يريد النجاسة اليابسة أيضا بدليل ما ذكرناه من الآيات، وخبر أسماء في الماء.
وأما حديث عائشة في بل الدم بالريق ومصه، فإنه في دم يسير
стр. 749
معفو عنه لو لم تزله؛ بدليل أن الكثير لا يمكن بله بالريق ولا إزالته به.
ثم يجوز أن يكحون مصته ثم غسلته بعد ذلك، كما قال ﵇ لأسماء: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء).
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، ولم يخص ما يطهر به.
وأيضا فإننا نفرض المسألة في هل يجوز أن تطهر النجاسات بغير الماء؟. فإن سلمتم لنا ذلك سلمت المسألة.
قالوا: ولعاب الهر مائع طاهر، ثم قد اتفقنا على أنها لو أكلت ميتة، ثم ولغت في إناء لم تنجسه، ولم نجد ههنا ما أزال تلك النجاسة إلا لعابها فدل على ما ذكرناه.
قيل: أما قوله - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، لا نسلم أنها تطهر بغير الماء، ولكنها تطهر بما ذكره - تعالى - من قوله - تعالى -: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴿، وبما ذكره لأسماء.
стр. 750
على أن قوله ﴿وثيابك فطهر﴾ معناه - عندنا -: وقلبك فنقه على ما ذكره ابن عباس، ولم يرد به طهره من نجاسة.
وأما ولوغ الهر فلا يلزمنا من وجوه:
أحدهما: أن نفس لعابها لو كان نجسا وحل في الماء لم يغيره وهو طاهر كسائر الأنجاس التي لا تغير الماء، فكيف ولعابها طاهر؟. ولو بقي في فمها شيء من دم الميتة، فشاهده، ثم حصل في الماء ولم يغيره لكان الماء طاهرا - عندنا -.
ثم لا يلزم أيضا لغيرنا ممن ألزموه؛ لأنهم على ضربين:
منهم من يقول: إن لم تبرح الهر بعد أكلها الميتة حتى شربت من الإناء فإنه نجس، وإن غابت ثم رجعت فشربت من الإناء كان طاهرا؛ لجواز أن يكون قد شربت في غيبتها ماء فغسل ما فيها.
ومنهم من يقول: هذه حال ضرورة، ولا يمكن الاحتراز منها؛ لأنها من الطوافين عليكم، فعفي عن ذلك للضرورة، كما عفي عن دم البراغيث.
стр. 751
فإن قيل: رأينا المحرم ممنوعا من استعمال الطيب على بدنه، فلو أنه أطلى بخلوق لأجزاه أن يزيله بالخل، كما يجزئه بالماء، فدل على أن المائعات تعمل عمل الماء في العبادات غير إزالة الحدث.
ولأنها عين استحق إزالته لحرمة عبادة فأشبه إزالة الطيب نم ثوب المحرم.
وأيضا فإذا أزيلت بمائع طاهر فإنها عين من النجاسة قد عدمت من الثوب في حال الصلاة فوجب أن يحكم بجوازها. دليله القطع، يعنون إذا قطعت عين الموضع من الثوب.
قيل: أما زوال الخلوق من ثوب المحرم بالخل فهو دعوى، ولا أعرف فيه نصا عن مالك ﵁.
فإن قلنا: إنه لا يزول إلا بالماء سقط السؤال. وإن قلنا: يجوز. فليس الطبيب نجسا يمنع من الصلاة فيه، وإنما منع منه مع كونه طاهرا؛ لئلا يلتذ بريحه فتدعوه نفسه إلى الجماع، أو يخرج به عن قشف الإحرام ومتعته، وخلافنا وقع في إزالة نجس، فإن كان ذلك من أجل سقوط الفدية وجبت بحقوله إن علم به ولم يزله، وإن أزاله فهو كما يزيله بالماء النجس، فإن الفدية تسقط كما تسقط بزواله بالخل، والأنجاس فلا تزول بالماء النجس.
وأما قطع موضع النجاسة فهو أبلغ من الماء؛ لأن العين والأثر ينقلع لا محالة، فلا يحصل مصليا بما فيه خلاف، كما لو طرح الثوب جملة ولم يصل فيه. وإذا غسله بمائع فإن النجس - عندنا - لم يفارقه؛ لأن المائع ينجس، فإن انقلعت تلك العين النجسة خلفتها نجاسة أخرى، فهو كما يزيل العين بالبول.
стр. 752
فإن قيل: فإنه مائع طاهر فجاز إزالة النجاسة به أصله الماء.
وأيضا فإن الخمر إذا انقلبت خلا فقد طهرت هي والدن جميعا. ونحن نعلم أن الخمر كانت نجسة والدن نجس، ولم يطهره إلا الخل الذي انقلبت عينه من الخمر، فدل على أن الخل يزيل النجاسة.
وأيضا فإن الحكم إذا ثبت بمعنى زال بزوال ذلك المعنى. الدليل على ذلك الأصول كلها، فلما تقرر أن المنع من الصلاة كان لوجود عين النجاسة على البدن والثوب، وقد نفدت العين وعدمت المشاهدة إذا أزيلت بالخل فوجب أن يرتفع المنع منها.
قيل: أما القياس على الماء، فإن المعنى في الماء أنه يرفع الحدث، والمائعات سواه لا ترفع الحدث.
وما قالوه من نجاسة الدن وزوالها بالخل، فإننا نقول: إن الدن جامد كان طاهرا قبل حدوث الشدة في الخمر، وإنما حصل على وجهه أجزاء نجسة من الخمر، فإذا انقلبت الخمر خلا انقلبت تلك الأجزاء أيضا خلا، فلم تزل باخل أصلا، وإنما انقلبت كما انقلبت نفس الخمر، فوزان مسألتنا: أن تصيب الثوب نجاسة، فتنقلب عينها فتصر طاهرة، فنقول: إن هذا لا يحتاج إلى غسل.
ثم نقول: لو كان الدن إنما طهر بالخل على طريق الغسل لوجب أن لا يحكم بطهارته، ولا بطهارة ذلك الخل. ألا ترى أن إناء لو كان فيه بول أو دم فصب عليه الخل حتى ملأ الدن، فإن الخل ينجس ولا يطهر الإناء، فعلمنا أن الدن لم يطهر بكون الخل فيه، وإنما طهر بما ذكرناه. ويبين ذلك: أن الدن لو جرد حتى تنقلع منه تلك الأجزاء لحكمنا بطهارته؛ لأن الأجزاء النجسة زالت عنه.
стр. 753
ثم نقول أيضا: إن من مذهبهم أن الماء الذي تغسل به النجاسة يكون نجسا، فكيف بالخل؟. فلو كان الدن إنما طهر بغسل الخل له لوجب أن يكون ذلك الخل نجسا. ألا ترى أنه لو كان الدن نجسا بالخمر ثم غسل بخل آخر لم يطهر وينجس الخل.
وقولهم: إن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها باطل على مذهبهم بعظم الخنزير أو شعره إذا غمس في الماء فإن الماء نجس بوجوده فيه، ثم إذا أخرجه منه زالت العين ولم تزل نجاسة الماء، وقد ارتفعت العلة ولم يرتفع الحكم، وقال بعضهم: قد يبقى في الماء جزء لطيف فلهذا بقيت نجاسة الماء، وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا ينحل من الشعر شيء.
فإن قيل: النجاسة التي حصلت لأجله قد زالت بزواله ولكن تعقبته علة أخرى، فهو نجس بمعنى آخر؛ لأن العلة تخلف العلة.
قيل: نحن كذلك نقول: إن الخل إذا لاقى النجاسة زالت تلك النجاسة، ولكنه يصير الخل نجسا فيصير الكل نجسا فلم يزل حكم النجاسة.
على أننا نقول: إن العين لو انقلعت بالخل لم نقل: إن أثره ينقلع. ولو قلنا: إنه لم تكن العلة وجود النجاسة حسب لجاز؛ لأننا نقول: إنه قد كان يجوز أن نتعبد بترك زوالها، وإنما منعنا الشرع، فقد صار
стр. 754
الشرع أوجب ذلك مع وجودها، فإذا زال وجودها لم يزل الحكم إلا بشرع.
فإن قيل: إن الشرع قد أوجب زوالها لما حدثت.
قيل: إن الشرع قد يوجب الحكم لوجود شيء، ثم يزول ذلك الشيء فلا يزول الحكم، مثل: المطلقة ثلاثا، قال الله - تعالى -: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، ثم قد تنكح فلا تحل لعلة أخرى، وهكذا الحائض لا يجوز وطؤها لأجل الدم، ثم ينقطع الدم لأكثر مدة الحيض فلا يحل وطؤها لعلة أخرى، وهي الغسل.
فإن قيل: إن المقصود من إزالة النجاسة إزالتها حسب من غير تعبد؛ بدليل أنه لو جاء عليها مطر لطهر الموضع، فإذا كان المقصد فيها إزالتها حسب كان الخل أبلغ في باب الإزالة، وكان إزالتها به أولى.
وأيضا فقد حصل الإجماع بأن لغير الماء مدخلا في إزالة النجاسة، وهو الاستنجاء بالأحجار.
وأيضا فإن النص ورد في الاستنجاء بالأحجار ثم أقيم غيرها مقامها، كذلك أيضا لا ننكر أن يقوم مقام الماء غيره في إزالة النجاسة.
قيل: قولكم إن المقصود من إزالة النجاسة زوالها لا تعبدا فإننا نقول: إنه لابد من اعتبار معنى آخر مع إزالتها. ألا ترى أنه لو أزالها
стр. 755
بالدهن والمرق زالت العين ولم يحكم بزوالها.
على أن قولكم: لا تعبد فيها محال؛ لأن الإزالة وجبت من طرق الشرع، وتعبدنا بأن لا نصلي والنجس في ثيابنا وأبداننا.
وقولهم: إن غير الماء يزيل النجاسة كالأحجار في الاستنجاء فإننا نقول: إن الحجر في الاستنجاء لا يزيل النجاسة، وإنما يخففها، والنجاسة باقية سومحنا بذلك. ألا ترى أنه لو عرق بعد المسح بالحجر، نفسه لا يزيل النجاسة الرطبة من غير هذا الموضع، فعلم أن الاستنجاء مخصوص. ألا ترى أن الاستنجاء - عندنا وعندكم - غير واجب، وإزالة النجاسة - عندكم - في غيره واجب.
وقولهم لما أقيم غير الحجر مقام الحجر في الاستنجاء مع ورود النص في الحجر، كذلك في غير الماء من المائعات فإننا نقول: عنه جوابان:
أحدهما: أن النص هو في حكم الحجر.
والثاني: أن النص ورد في الحجر وأقيمت الجامدات الطاهرات مقامه؛ لأنها في معناه؛ لأنها طاهرة، والحجر طاهر، وليس كذلك
стр. 756
المائعات مع الماء؛ لأنها ليست في معنى الماء الذي هو طاهر مطهر، والمائعات طاهرة غير مطهرة، فلم يجز أن تقوم مقامه.
فإن قيل: قد قلتم إن الأرض إذا وقعت عليها نجاسة، وطلعت عليها الشموس ومضت عليها دهور فإنها تطهر، فقد زالت النجاسة بغير الماء - عندنا وعندكم -.
قل: إن كانت أرضا صلبة لا رمل ولا تراب فإنها لا تطهر، وإن كان عليها رمل أو تراب كثير يعلم أن النجس لم يصل إلى الأرض ثم جاءت الرياح فأزالت ذلك فإن عين النجس وأثره يزول ولم يكن وصل إلى الأرض، اللهم إلا أن تكون الأرض المكشوفة يعلم أن الأمطار قد جاءت علها فأزالت عين النجاسة وأثرها فإنها تطهر، فلم يلزم ما ذكروه.
فذكرنا ظواهر واستدلالات وقياسات، وذكروا مثل ذلك فما قلنا أولى؛ لأن النصوص وردت في طهارة الماء وتطهيره، ووجد العمل على استعماله في الطهارات إلا الموضع المخصوص من الاستنجاء، ولأنه أحوط لزوال الخلاف، ولأنه موجب للماء وهم يخيرون بين الماء وبين المائع، ولأنه يسقط حكم الصلاة بيقين، وهم يسقطونها بخلاف.
стр. 757
[٣٩] مَسْأَلَة
وليس للماء الذي تحله النجاسة، عندنا قدر معلوم، ولكنه إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه منها فهو نجس، قليلا كان الماء أو كثيرا، ولا خلاف في التغير.
وإن لم يتغير طعم الماء ولا لونه ولا ريحه فهو - عندنا - طاهر، قليلا كان الماء أو كثيرا. وبه قال الحسن، والنخعي، وداود.
وقال أبو حنيفة: الاعتبار بالاختلاط، متى اختلطت النجاسة بالماء نجس الماء إلا أن يكون كثيرا، وحد الكثرة - عنده - هو أنه إذا
стр. 758
حرك أحد جانبيه لم يتحرك الجانب الآخر، فإذا وقعت النجاسة في هذا الماء فالجانب الذي لم يتحرك لم ينجس، وأما الجانب الذي تحرك وحلت النجاسة فيه ففيه روايتان.
أصحهما: أنه نجس إلى الموضع الذي تحرك منه، ويعلم انتشار النجاسة إليه.
والرواية الثانية: أن الكل ظاهر، حكاه شيخ من شيوخهم يرجع إليه في مثل هذا، فلا يعتبر أبو حنيفة التغيير.
وقال الشافعي: إنه إن كان الماء دون القلتين نجس وإن لم يتغير، وإن كان قلتين فصاعدا لم ينجس إلا بالتغيير، وبه قال أحمد، وإسحاق.
стр. 759
والدليل لقولنا: كون الماء طاهرا قبل حلول النجاسة فيه، فمن زعم أن حكمه قد زال فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وقد بينا أن الطهور صفة للطاهر المطهر، ولم يخص ماء من ماء، فهو على عمومه حتى يقوم الدليل.
وكذلك قوله - تعالى -: ﴿وينزل عليكم من السماء ما ليطهركم به﴾، فهو عام في كل ماء، قليلا كان أو كثيرا حتى يقوم الدليل.
وأيضا فإن الخلاف في رجل معه ماء دون القلتين، ودون الغدير، فيه نجاسة لم تغيره أراد الوضوء من الحدث، قالوا: يتيمم. وقلنا: يتوضأ به ولا يتيمم؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ وهذا واجد لماء؛ لأن النفي في النكرة يتناول النجس، فدليله أنه إذا وجد ماء أي ماء كان لم يتيمم إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما روى أن النبي ﵇ قال: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) فأخبر أنه لا ينجسه إلا ما غيره، والألف واللام في الماء للجنس.
فإن قيل: هذا يتناول المياه كلها، والجنس كله لا ينجسه إلا ما غيره، وليس بعض الجنس هو الجنس كله.
стр. 760
قيل: هذا ساقط بالإجماع، وإنما أراد أن هذا الجنس من الماء مخالف لما سواه من المائعات. ألا ترى أن قليله ينطلق عليه اسم الماء، فإن لم تحله نجاسة كان طاهرا مطهرا بإجماع يجوز استعماله، كالكثير منه، وإن لم تغير لم يجز بالإجماع كالكثير منه. كما أن جنسه مرو، وجنس الخبز مشبع، فكل جزء منه له هذا الحكم.
وأيضا فإن النبي ﷺ سئل عن الحياض ترد عليها السباع والكلاب، فقال: (لها ما أخذت في بطونها، ولكم ما غير شراب وطهور). وسؤر الكلب - عند المخالف - نجس، وقد يكون من الحياض ما فيها من الماء قليل دون الغدير، ودون القلتين، وتنتشر في جميعه، فلو كان الحكم يختلف لبينه ﵇، فلما لم يخص دل على عمومه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإن النبي ﵇ أمر بصب ذنب أو ذنوبين على بول الأعرابي في المسجد، وقد علمنا أنه ﵇ أرد تطهير المكان بهذا القدر من الماء، ولا يطهر إلا بزوال النجاسة، (ولم تزل إلا بزوال
стр. 761
النجاسة)، ولم تزل إلا بغلبة الماء الذي هو دون المقدار الذي يعتبره المخالف، ومعلوم أن هذا القدر من الماء لا يزيل النجس إلا وقد حل فيه النجس أو بعضه، وإذا حصل النجس فيه لم يكن بد من أن يحكم له بالطهارة؛ لأنه لم لوم يطهر لكان نجسا، ولو كان نجسا لما زال حكم النجاسة عن الموضع؛ لأنه كلما لاقى النجس الماء نجسه، وإذا نجسه لاقى ذلك الماء النجس للنجاسة، فأدى ذلك إلى أن لا تزول النجاسة، ولا يطهر المكان.
فإن قيل: إن الجزء الأخير من صب الماء هو الذي يطهره.
قيل: أليس البقعة نجسة على ما كانت قبل الصبة الأخيرة؟، فإذا لاقاها كل جزء من الصبة الأخيرة تنجس ذلك الجزء من الماء، فلاقى النجس النجس فلم تحصل طهارة البقعة على وجه، فلما كانت البقعة قد طهرت علمنا أنها لم تطهر إلا والماء الذي طهرها طاهر، فبان بهذا الحكم لغلبة الماء على النجاسة.
ولنا أيضا ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ سئل فقيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي تطرح فيها المحايض ولحوم
стр. 762
الكلاب وما ينجيه الناس. فقال ﵇: (الماء طهور لا ينجسه شيء) وهذا نص لم يخص فيه القليل من الكثير. وهو شديد على
стр. 763
أبي حنيفة خاصة؛ لأنه يقول: لو وقعت نقطة نجاسة في بئر عمقها إلى تخوم الأرضين السابعة نجس الماء كله.
فإن قيل: إن بئر بضاعة كان ماؤها جاريا. قال الواقدي: كانوا يسقون منها البساتين.
قيل: هذا غلط؛ لأن الناس ضبطوا هذه البئر، وذكروها في كتبهم في مكة والمدينة، فلم يقل أحد منهم: إن ماءها كان جاريا.
стр. 764
قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد الثقفي قال: سألت فيم بئر بضاعة فقلت: كم قدر هذا الماء إذا كثر فيها؟. فقال: إلى العانة. فقلت: وإذا نقص؟. فقال: دون العورة. فقلت: هل غيرت عما كانت عليه أولا؟. فقال: لا قال أبو داود: فجئت إليها بعد ذلك فقدرتها بإزاري فكان فتحتها ستة أذرع.
فضبطوا أمرها هذا الضبط، ولم يذكروا أنها كانت جارية، ولو كانت جارية لم يذهب عليهم ولا على النبي ﵇ أن النجاسة إذا ألقيت فيها انحدرت مع الماء، ولم تبق فلا يحتاجون إلى السؤال عنها.
ثم لو كانت جارية كانت نهرا، والمنقول في الخبر البئر.
وقول الواقدي: كانوا يسقون منها البساتين فلا يمتنع أن يسقى منها بالدالاء والنواضج كسائر الآبار.
على أن المارعي نم هذا لفظ النبي ﵇ لما قال: (الماء طهورا لا ينجسه شيء)، فعم الماء؛ ليعلمنا أن ماء بئر بضاعة وغيره سواء في
стр. 765
أنه لا ينجس إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه بالخير الذي قال هذا فيه.
وأيضا فإن الماء قد يرد على النجاسة، وترد النجاسة على الماء، ثم قد تقرر أن الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس إلا أن يتغير، كذلك يجب إذا وردت النجاسة على الماء أن لا ينجس إلا أن يتغير، إذ لا فرق بين الموضعين.
وأيضا فإنه ماء لم تغيره النجاسة فوجب أن يكون طاهرا، أصله الغدير الذي لا يتحرك جوانبه على أبي حنيفة. وإذا كان قلتين على الشافعي.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: (لا يبولون أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، ولا يغتسل فيه من جنابة)، فمنع من البول في الماء الراكد فدل على أنه نجس.
وأيضا فإن النبي ﵇ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا)، فأمر بإراقة ما في الإناء وغسله، ولم يفرق بين تغيره أو لا، ولا بين إناء صغير وكبير، فعلم أنه نجس.
وأيضا فقد روي أن ابن عباس ﵀ نزح زمزم من زنجي
стр. 766
مات فيها، ولم يذكر تغير الماء، فعلم أنه نزحها لوقوع الميتة فيها.
وأيضا فإن القدر الذي حصلت فيه النجاسة قد اجتمع فيه حرام ومباح، وقد أجمعنا على أن اجتناب الحرام واجب، والإقدام على المباح ليس بواجب، فوجب الامتناع من استعمال هذا الماء إلا أن يقوم دليل.
ومنزلة هذا منزلة شاة مذبوحة اختلطت بشاة ميتة، فاشتبهتا
стр. 767
عليه، فإنه يحرم تناولهما، وكالمرأتين إحداهما أجنبية والأخرى اخته من الرضاعة اشتبهتا عليه، فإنه لا يجوز أن يتزوج واحدة منهما، وكالقليل من النجاسة إذا حل في كثير من المائع غير الماء فإنه يجتنب كله، فكذلك القليل من الماء إذا حلت فيه النجاسة وجب أن يغلب التحريم.
قيل: أما قول النبي ﵇: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) فهذا - عندنا - على وجه الكراهية والتنزيه؛ بدليل قوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيره)، وبغيره من الدلائل التي تقدمت، وبما بيناه من الصب على بول الأعرابي، وبالقياس.
وقوله ﵇: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه) فإنما هو مندوب لا لنجس، والكلب - عندنا - طاهر، وريقه طاهر، وإنما هو لأمر آخر، كما قال: (إذا وجد أحدكم قذى في شرابه فليرقه ولا ينفخه).
وأما نزح ابن عباس ﵁ زمزم فيحتمل أن يكون الماء تغير؛ لأنه معلوم أن زنجيا يموت في بئر يسرع التغير إليها. فإن لم يكن تغعير فالمستحب نزحها، وخاصة زمزم من بين الآبار؛ للاستشفاء بها، ونحن نستحب هذا في غيرها فكيف فيها؟. وإذا كانت هذه فعلة من ابن عباس محتملة حملناها على ذلك؛ بدليل قوله: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيره.
стр. 768
وقد قيل: إن نزح زمزم لا يمكن بحال.
قال ابن الزبير: نزحها فغلبه الماء فلم يقدر عليه.
وعلى أن ابن عباس يقول: إن ابن آدم لا ينجس بالموت، فالماء لا ينجس، فلم ينزحها لنجس.
وقولهم: إنه قد اجتمع في الماء مباح ومحظور، وإن اجتناب المحظور واجب، فإننا نقول: إن النجاسة إذا غلبت على الماء وجب اجتناب المحظور، وإذا غلب الماء على النجاسة جاز استعمال المباح؛ لأن للماء خصيصة ليست لغيره. ألا ترى أنه في الغدير والقلتين على ما قلناه، إن تغير وجب اجتنابه، وإن لم يتغير لم يجب اجتنابه، وقد فرقنا وأنتم بينه وبين سائر المائعات، فوجب أن يكون الحكم للتغير حيث كان، وأن يكون الحكم للماء إن يتغير، وهذا مستمر؛ لأن الاتفاق قد حصل عليه إذا تغير في القليل والكثير، وإذا لم يتغير الماء فرق المخالف بين القليل والكثير، فكان اعتبارنا هو الصحيح.
стр. 769
ثم إن هذا الاعتبار يسقط مع النص من قوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غيره)، وهذا كما ترك أصحاب أبي حنيفة قياس الأصول وأجازوا الوضوء بالنبيذ، وكالقهقة في الصلاة، وكذلك فعلنا نحن والشافعي في المصراة، والمساقاة،
стр. 770
والمضاربة، وأشياء كثيرة، وهكذا ينبغي أن تتبع السنة التي أوردنا ويترك لها القياس، فكيف والقياس معنا؟. والاعتبار في التغير في القليل والكثير من الماء؟.
فإن قيل: قوله: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء)، أي جنس الماء لا ينقلب عينه فيصير جنسه جنس النجس إلا أنه قصد به الحكم الذي نحن فيه فكأنه عرفنا أن العين لا تنقلب.
стр. 771
قيل: هذا لا فائدة فيه، ولا يجوز أن يقصده ﵇؛ لأنه معقول أن الجنسين إذا اختلطا لم تنقلب أعيانهما حين تصيرا عينين، هذا عين في الماء لم تغير حكمه عما كان عليه قبل حلولها فيه إلا أن تغلب عليه؛ لدليل اتفاقنا أن الماء إذا تغير بالنجاسة ينجس في قليله وكثيره، من بينها بأن جعله طاهرا مطهرا لغيره، وينبغي أن تحمل سنن رسول الله ﷺ على مالا يستفاد إلا من جهته، فأما ما يعلم من غير جهته فلا فائدة في حملها عليه، فإذا ثبت النص في الخبر انتفى معه كل اعتبار وقياس.
على أن الذي ذكروه من تجنب المحظور إذا اجتمع مع المباح وأنه واجب يسقط في أكثر الأصول مع منافاته للنص، وذلك أن النجس يكون محظورا في انفراده، وإذا اجتمع مع الماء يغلب عليه حتى يصير مستهلكا فيه يزول حكم الحظر عنه تخصيصا للماء، وذلك بمنزلة اللبن الذي يحصل بانفراده في جوف الرضيع فتثبت به الحرمة، ولو خلط بماء وغيره من المائعات حتى يغلب ذلك عليه لزال حكمه عما كان عليه، وكذلك قد نهي المحرم عن استعمال الزعفران على انفراده، ثم لو طبخ أو خلط بالمائعات التي تغلب عليه لجاز استعماله، فكذلك لا ننكر حديث النجاسة مع الماء إذا غلبها الماء.
فإن قيل: اللبن والزعفران طاهران يجوز استعمالهما منفردين.
قيل: إنه وإن جاز استعمالهما على انفرادهما فقد صار لهما حكم في المواضع التي ذكرناها في انفرادهما، ثم يزول ذلك الحكم مع مخالطتهما لغيرهما، فكذلك النجس.
стр. 772
على أن بعض النجاسة يجوز استعماله على وجه، كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر والبول في حال ما، ليس لقولنا: نجس، أكثر من أن الحكم فيه أنه لا يستعمل بانفراده، فيجوز أن يزول هذا الحكم في موضع آخر، وهو إذا خالطه غيره فغلب عليه.
وعلى أنه إذا اعتبر مذهب أبي حنيفة في ذلك حق الاعتبار أدى إلى خرق الإجماع، وذلك أن بحار الدنيا لا تخلو من الأنجاس، ولو تحققنا نجسا وقع في موضع منها بعينه، مع علمنا أن عين الماء لا تنقلب، وإنما يتنجس الجزء الذي يجاور النجس بمجاورته، إذا تنجس ذلك الجزء بمجاورته النجس نجس ما يجاور ذلك الجزء الذي يجاور النجس، وكذلك كل جزء مجاور للجزء النجس تنجس، فيؤدي هذا إلى البحار العظيمة المتصلة نجسة لا يجوز استعمال شيء منها.
ومثال هذا: أن كوزا فيه ماء حلت فيه نقطة ما نجس، أو أكثر منها، فإنه يكون نجسا كله، وعلى هذا التقدير بصبه في أكثر منه يتنجس حتى يؤدي ذلك إلى ما لا نهاية له، وهذا شنيع جدا.
وعلى أن هذا المذهب يخالف إجماع المسلمين؛ لأنهم قد أجمعوا على أن نقطة بول أو خمر لو وقعت في غذير كبير لم ينجس وأبو حنيفة يقول: لو وقعت نقطة من ذلك في كوز نجس ماء الكوز بها ولو صب الكوز في الجب وصب ماء الجب في أجباب، ثم قلبت في هذا الغدير العظيم بحيث يتحرك الغدير بوقوع هذا الماء فيه أن الغدير نجس كله، فنجسوا ما اتفق المسلمون عليه أنه لا ينجس، وقد علمنا ضرورة أنه لم تحصل فيه كله إلا النقطة التي حصلت في الكوز، وهذه
стр. 773
النقطة وقعت في الابتداء في الغدير لم ينجس.
قال أبو حنيفة: إذا وقعت نقطة بول أو خمر في بئر نجس الماء كله، ولم يطهر إلا بنزح جميع ذلك، ولو وقعت في البئر فأرة نجس الماء كله، ويطهر بنزح عشرين دلوا، والوزغة بأربعين دلوا، والسنور بستين دلوا.
قال: وإذا نزح تسعة عشر دلوا في الفأرة فالماء كله نجس، فإذا خرج الدلو العشرين طهرت كله، فإن انقلبت الدلو فيه نجس الماء كله فإن نزح منه دلوا طهر كله، وهذا كالتلاعب في الشرع.
فإن قال شافعي: فقد روى أبو أسامة عن الوليد
стр. 774
ابن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل خبثا)
стр. 775
روى الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا بلغ
следующие страницы →