Полный текст (1 330 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
قيل: هذا لا فائدة فيه، ولا يجوز أن يقصده ﵇؛ لأنه معقول أن الجنسين إذا اختلطا لم تنقلب أعيانهما حين تصيرا عينين، هذا عين في الماء لم تغير حكمه عما كان عليه قبل حلولها فيه إلا أن تغلب عليه؛ لدليل اتفاقنا أن الماء إذا تغير بالنجاسة ينجس في قليله وكثيره، من بينها بأن جعله طاهرا مطهرا لغيره، وينبغي أن تحمل سنن رسول الله ﷺ على مالا يستفاد إلا من جهته، فأما ما يعلم من غير جهته فلا فائدة في حملها عليه، فإذا ثبت النص في الخبر انتفى معه كل اعتبار وقياس.
على أن الذي ذكروه من تجنب المحظور إذا اجتمع مع المباح وأنه واجب يسقط في أكثر الأصول مع منافاته للنص، وذلك أن النجس يكون محظورا في انفراده، وإذا اجتمع مع الماء يغلب عليه حتى يصير مستهلكا فيه يزول حكم الحظر عنه تخصيصا للماء، وذلك بمنزلة اللبن الذي يحصل بانفراده في جوف الرضيع فتثبت به الحرمة، ولو خلط بماء وغيره من المائعات حتى يغلب ذلك عليه لزال حكمه عما كان عليه، وكذلك قد نهي المحرم عن استعمال الزعفران على انفراده، ثم لو طبخ أو خلط بالمائعات التي تغلب عليه لجاز استعماله، فكذلك لا ننكر حديث النجاسة مع الماء إذا غلبها الماء.
فإن قيل: اللبن والزعفران طاهران يجوز استعمالهما منفردين.
قيل: إنه وإن جاز استعمالهما على انفرادهما فقد صار لهما حكم في المواضع التي ذكرناها في انفرادهما، ثم يزول ذلك الحكم مع مخالطتهما لغيرهما، فكذلك النجس.
стр. 772
على أن بعض النجاسة يجوز استعماله على وجه، كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر والبول في حال ما، ليس لقولنا: نجس، أكثر من أن الحكم فيه أنه لا يستعمل بانفراده، فيجوز أن يزول هذا الحكم في موضع آخر، وهو إذا خالطه غيره فغلب عليه.
وعلى أنه إذا اعتبر مذهب أبي حنيفة في ذلك حق الاعتبار أدى إلى خرق الإجماع، وذلك أن بحار الدنيا لا تخلو من الأنجاس، ولو تحققنا نجسا وقع في موضع منها بعينه، مع علمنا أن عين الماء لا تنقلب، وإنما يتنجس الجزء الذي يجاور النجس بمجاورته، إذا تنجس ذلك الجزء بمجاورته النجس نجس ما يجاور ذلك الجزء الذي يجاور النجس، وكذلك كل جزء مجاور للجزء النجس تنجس، فيؤدي هذا إلى البحار العظيمة المتصلة نجسة لا يجوز استعمال شيء منها.
ومثال هذا: أن كوزا فيه ماء حلت فيه نقطة ما نجس، أو أكثر منها، فإنه يكون نجسا كله، وعلى هذا التقدير بصبه في أكثر منه يتنجس حتى يؤدي ذلك إلى ما لا نهاية له، وهذا شنيع جدا.
وعلى أن هذا المذهب يخالف إجماع المسلمين؛ لأنهم قد أجمعوا على أن نقطة بول أو خمر لو وقعت في غذير كبير لم ينجس وأبو حنيفة يقول: لو وقعت نقطة من ذلك في كوز نجس ماء الكوز بها ولو صب الكوز في الجب وصب ماء الجب في أجباب، ثم قلبت في هذا الغدير العظيم بحيث يتحرك الغدير بوقوع هذا الماء فيه أن الغدير نجس كله، فنجسوا ما اتفق المسلمون عليه أنه لا ينجس، وقد علمنا ضرورة أنه لم تحصل فيه كله إلا النقطة التي حصلت في الكوز، وهذه
стр. 773
النقطة وقعت في الابتداء في الغدير لم ينجس.
قال أبو حنيفة: إذا وقعت نقطة بول أو خمر في بئر نجس الماء كله، ولم يطهر إلا بنزح جميع ذلك، ولو وقعت في البئر فأرة نجس الماء كله، ويطهر بنزح عشرين دلوا، والوزغة بأربعين دلوا، والسنور بستين دلوا.
قال: وإذا نزح تسعة عشر دلوا في الفأرة فالماء كله نجس، فإذا خرج الدلو العشرين طهرت كله، فإن انقلبت الدلو فيه نجس الماء كله فإن نزح منه دلوا طهر كله، وهذا كالتلاعب في الشرع.
فإن قال شافعي: فقد روى أبو أسامة عن الوليد
стр. 774
ابن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل خبثا)
стр. 775
روى الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا بلغ
стр. 776
الماء قلتين لم يحتمل خبثا).
وروي حماد عن عاصم بن المنذر بن الزبير قال: كنت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر في بستان فحضرت الصلاة فقام إلى مقراة فيها جلد بعير ليتوضأ. فقلت: أتتوضأ منها وفيها جلد بعير؟. فقال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس).
стр. 777
قالوا: وإذا ثبت هذا فدليله ما دون القلتين يحمل الخبث، فتخص قوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء)، فيكون تقديره: إلا أن يكون دون القلتين فإنه ينجس وإن لم يتغير.
قيل: حديث القلتين عنه أجوبة:
أحدهما: أنه ليس بثابت عند أهل النقل؛ لأن ابن إسحاق قد رواه، وقد تكلم فيه الأئمة مثل: مالك
стр. 778
وهشام بن عروة ويحيى القطان.
وقال غير مالك: إنا يؤخذ عنه ما رواه من المغازي دون غيرها، وهو ضعيف عندهم.
وأما الوليد بن كثير فكثير الغلط مضطرب الرواية. طعن عليه أحمد بن حنبل وغيره.
ورواه أيضا ابن جريج عن محمد عن يحيى بن عقيل
стр. 779
ومحمد مجهول.
وكذلك يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر.
ورواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن الزبير، وتارة يرويه عن محمد بن عباد بن جعفر.
ومحمد بن جعفر بن الزبير يرويه تارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة يرويه عن عبد الله بن عبد الله.
стр. 780
وجملته: أن الوليد مطعون عليه كثير الغلط.
وقيل: إن الحديث موقوف على ابن عمر.
ثم قد اختلف في متن الحديث أيضا.
فروى محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﵇: (إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل نجسا).
стр. 781
وروى أبو هريرة عنه ﵇: (إذا كان الماء قلة أو قلتين لم يحمل خبثا)،
وروي عنه ﵇: (إذا كان الماء قلتين أو ثلاثا لم يحمل خبثا).
فإذا اضطرب المتن هذا الاضطراب الشديد لم يثبت منه تحديد يبطل به ظاهر الأحاديث، ولا يخص بمثل هذا؛ لأن الحدود لا تثبت بمثله حتى تصير مقادير في الشريعة لا تتجاوز.
стр. 782
ولو صح ذلك لكان الأشبه بها أن تكون خرجت على أسئلة سائليها كل سائل يسأل عن شيء فيجاب عنه، لا أنه قصد بذلك الحد؛ لأن الحدود لا تثبت بمثل هذا.
وجواب آخر: وهو أن القلة من الأسماء المشتركة؛ لأنها تقع في اللغة على الكوز؛ وتقع على الجرة، وعلى القربة، وعلى قلة الجبل، وغير ذلك، فصارت كقولنا عين ولسان، وكالأقراء فلا يصح ادعاء العموم في اسم مشترك، ولا صرفه إلى بعض ما يتناوله دون بعض إلا بدليل، ومن صرفه إلى بعضها جاز لآخر أن يصرفه إلى الوجه الآخر، فيجب الوقوف به حتى يثبت المراد منه، ولا يحتج بظاهره.
فإن قيل: فما الفائدة في ذكر القلة إذا كان لا فرق بينها وبين غيرها؟.
قيل: الفائدة في ذلك إن كان ابتداء من النبي ﷺ هو أن يعلمهم أن للماء خصيصة ليست لغيره من المائعات، فيكون قليله من القلة الصغيرة، وكثيره من القلة الكبيرة بمنزلة واحدة في أنه إذا حلت فيه نجاسة لم تغيره فهو على طريقة واحدة في طهارته، وأن غيره من المائعات بخلافه، إذا حلته نجاسة حمل الخبث سواء تغير أو لا، وإن كان ذلك من النبي ﵇ جوابا لسائل سأله فالفائدة فيه أنهم قد عقلوا أن الكثير من الماء إذا حلته نجاسة لم تغيره فإنه طاهر بخلاف المائعات، فأرادوا أن يعلموا أن فضيلته على غيره في قليله كهي في كثيره،
стр. 783
أو في كثيره حسب، فأعلمهم أن قليله وكثيره بمنزلة واحدة من الفضيلة على غيره نم المائعات.
وهذه فوائد حسان أحسن من استعمال التحديد الذي لا يثبت في الشرع بمثل هذا.
ولأن الاعتبار الصحيح في التغير قد استوى في قليل الماء وكثيره فينبغي أن يتفق الحكم بعدم التغير في قليله وكثيره، فيكون طاهرا كما كان نجسا بالتغير في قليله وكثيره.
ومما يقوي ما قلناه وأن المقادير والتحديد لا تثبت بمثل هذا: أن القلال والقرب تختلف وتتباين في الكبير والصغير، ولا يكاد يوجد في بلد من البلدان على تقدير واحد؛ لأنها تحمل على حسب العاملين لها من شيخ وشاب، وكبير وصغير، لابد من تفاضل ما بينها، ولو اتفقت أو تقاربت في بلد من البلدان ل تتفق في سائر البلدان، والعبادة في تقدير الماء لا يختص بها أهل بلد دون بلد، فعلم بهذا أنه ﵇ لم يقصد بذكرها التحديد والمقدار.
فإن قيل: فإن المكاييل والأرطال قد تختلف في البلدان، ولم يدل ذلك على أنها لم تجعل مقادير.
قيل: إن هذه وإن اختلفت في البلدان فإن أصلها وما كان في زمن النبي ﵇ مضبوط متفق عليه غير مختلف فيه، ولم يثبت تقدير القلة ولا ضبط ولا اتفق عليه وقد ضبطت مقادير النصب في الزكاة، وضبط كل ما كان مقدرا ضبطا لا يشكل، وليست القلة كذلك؛ لأنها لم
стр. 784
تضبط برطل معلوم وقدر معلوم، ولم يفرق بين قلة مع كثرة اختلاف القلل وتقاربها ولابد من تباين ما فيها.
فإن قيل: قد حال جريج بقلال هجر، ورفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فقد أحالنا على قلال بلد معلوف، كما أحالنا في مقدار الصاع والوزن على صاعه ﵇ ووزنه بالمدينة.
стр. 785
قيل: أما تفسير الشافعي وابن جريج فهو واحد، فلم يلزمنا تفسيرهما.
وأما رفع ابن جريج ذلك إلى النبي ﵇ بهذا اللفظ فلا يعرف من طريق صحيح؛ لأن أصل الحديث فيه اضطراب ولين فكيف بهذه الزيادة؟.
على أنها لو ثبتت لم يثبت التحديد بمثلها لما بيناه من اختلاف قلال هجر وتباينها، ولم تحصر بوزن معلوم وكيل معلوم فكان أحسن الأحوال أن تحمل على ما تقدم ذكره من الفوائد التي حملناه إياها.
وقد قال سعيد بن جبير ومسروق: القلة: الجرة. وقال مسروق:
стр. 786
الرطبة من رطب الجنة مثل القلة. فخشي أن لايفهم عنه فقال: هي الجرة. والجرة لا تسع قربتين وشيئا كما قال الشافعي.
وقد قيل أيضا في حديث ابن جريج: إنه ورد بلفظ آخر، قيل عنه فيه إنه قال: إن القلة تسع فرقين أو فرقين وشيئا، فصحف وإنما هي قربتين.
وقيل: إن القلة تسعة قربتين أو قربتين وشيئا، فجعل الشافعي الشيء نصفا على التقريب والاحتياط، وجعل الجميع خمس قرب، وقدر كل قربة مائة رطل، فتصير القلتين خمسمائة رطل بضرب من الاجتهاد، وهذا لا يمنع أن يخالفه غيره فيقدره بستمائة رطل، أو أربعمائة رطل؛ إذ لا نص في تحديده بخمسمائة رطل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس محقق، وليس يجوز العدول عن الظواهر من الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح بمثل هذا، وقد ثبت ما قلناه بما ذكرناه من الاعتبار الصحيح الذي هو علامة في الطرد والعكس؛ لأن الجميع قد اتفقوا على أن الماء الكثير والقليل إذا تغير أحد أوصافه
стр. 787
بالنجس فإنه نجس فيجب إذا لم يتغير أن لا يختلف أيضا في قليله وكثيره.
ويحقق هذا: قوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وبهذا تنتظم الدلالة على أبي حنيفة والشافعي.
فإن قيل فأنتم قد فصلتم بين قليل الماء وكثيره، وقلتم: لا يبولون في الدائم ثم يتوضأ منه، وقد فرقتم بينه وبين البرك العظام فقلتم: لا بأس به فيها، فحملتم الخبر على الكراهية في القليل، واستعملتم قوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء) على الكثير منه، فصرتم إلى مثل قولنا في الفصل، فقولنا أحسن؛ لأننا فصلنا بين القليل والكثير بفصل معلوم، وأنتم لم تفعلوا ذلك، فلم ينحصر مذهبكم لعدم الفصل الصحيح بين الماءين.
قيل: إننا لن نفصل بين القليل والكثير في تطهير ولا تنجيس، وجعلناهما سواء في الأمرين جميعا، وإنما فصلنا بينهما في الكراهية؛ لأجل خلف الناس في القليل، فإن مالكا ﵀ لا يقطع على مسائل الاجتهاد أن الحق عند الله - تعالى - فيما يقول دون ما ذهب إليه من خالفه؛ لأنه غلبة ظن يجوز أن يكون مخالفه فيه مصيبا، وهو مخطئ عند الله - تعالى - خطأ يعذر به، فاستعمل خبر البول في الماء والوضوء منه على الكراهية؛ لأن هذا الضرب نم الاجتهاد يجوز.
стр. 788
فإن قيل: فإن النبي ﵇ قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده)، فمنعه من إدخال يده فيه احتياطا لنجاسة مسكوك فيها لم يتحقق وجودها، فعلم أنها لو كانت متحققة نجس ذلك الماء.
قيل: إن النبي ﵇ لم يمنع من ذلك على وجه التحريم، وإنما هو كراهية لأجل نجس، ولكن تنظفا لئلا يتكون يده لاقت موضعا يكره أن يخالط الماء، مثل أن يدخلها في أنفه، أو يلاقيها دنس ووسخ دون النجاسة، ولو لاقت نجسا لم يغير الماء كرهنا له ذلك أيضا.
فإن قيل: فقد روى في خبر أبي قتادة حين أصغى الإناء للهر وقال لكبشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الهر ليس بنجس؛ إنها نم الطوافين عليكم والطوافات)، فجعل العلة في جواز شربها طهارتها، فعلم أنها لو كانت نجسة لم يجز أن تشرب منه، ومن اعتبر عدم التغير في جواز شربه أسقط تعليل أبي قتادة.
قيل: قوله ﵇: (إنها ليست نجسة) أي بمبعدة؛ لأنها من الطوافين، وإن كانت سبعا من السباع، ودليله: أنها لو كانت مبعدة كرهنا شربها من الإناء؛ لأن الكلب وغير الهر من السباع التي تأكل الجيف في غالب الحال يمكن التحرز منها وحفظ الماء عنها؛ لأن غير
стр. 789
الهر يكون نجسا؛ لأه ليس - عندنا - في الدنيا حيوان نجس.
ثم إن النجاسة لو حصلت في الماء ولم تغيره فإن الماء طاهر، فلم يلزمنا ما ذكروه، ولكنه مكروه لأجل خلاف الناس فيه.
فإن قيل: فإنه ماء قليل خالطته نجاسة فوجب أن يكون نجسا، أصله إذا تغير بها.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه إذا تغير بها صار الحكم للنجاسة كالكثير من الماء إذا تغير بها؛ لأن الاتفاق قد حصل على أن العلة في الكثير إذا تغير هو غلبة النجاسة على الماء، وهذا موجود في القليل، وإذا لم يتغير الكثير من الماء كان الحكم للماء فكذلك القليل منه، وهذا مستمر.
والجواب الآخر: هو أننا قد قسناه إذا لم يتغير على الكثير إذا لم يتغير، فكان قياسنا أولى؛ لأن الحكم يوجد بوجوده، ويرتفع بارتفاعه حيث كان، والنصوص تؤيده.
فإن قيل: فإن الأصل موضوعه على أن كل نجاسة لا يمكن الاحتراز منها، وتشق إزالتها لم يكمن معفوا عنها. ألا أرى أن دم البراغيث والقليل نم الدم على بدن الإنسان معفو عنه؛ إذ لا يمكن الاحتراز منه، وكذلك أثر الاستنجاء، والمستحاضة وسلس البول يصلي
стр. 790
به ولا إعادة عليه؛ لان الاحتراز منه لا يمكن ولو خرج البول منه دفعة أو دم الفصاد كانت عليه الإعادة؛ لأن الاحتراز منه يمكن، كذلك أيضا إذا كان الماء دون القلتين يمكن الاحتراز من وقوع النجاسة فيه؛ لأنه يحفظ من الأواني، فلم تكن هذه النجاسة معفوا عنها، والماء إذا كان قلتين وأكثر لا يمن الاحتراز من وقوع النجاسة فيه؛ لأنه لا يحفظ في العادة في الأواني، فكان معفوا عنها.
قالوا: وهذه نكتة المسألة، وفيها جواب عما قلتموه. ألا ترى أن سائر المائعات من الخل واللبن وغيرهما لما أمكن حفظه من النجاسة لم تكن النجاسة فيها معفوا عنها، سواء كان المائع قليلا أو كثيرا فإنه ينجس؛ لأنه يحفظ في الأواني وإن كان كثيرا.
قيل: هذا اعتبار فاسد في هذه المسألة.
ثم لو جعلناه دليلا لصح، وذلك أن ما زاد على القلتين بمقدار رطل أو رطلين أو عشرة في معنى ما نقص من القلتين بهذا القدر يمكن حفظ الجميع في الأواني ولا يشق، فينبغي أن يتفقا في الحكم، إما في النجاسة أو الطهارة، وأنتم تفرقون بينهما.
وعلى أنه يلزمكن إذا كان الماء كثيرا لا يمكن التحرز منه بحفظه أن تعفوا عن النجاسة وإن أثرت فيه؛ لأنه حفظه يشق.
ثم إن الماء هو دون القلتين لا يمكن حفظه في العادة من يسير نجاسة تقع فيه، إما من ذباب يموت فيه، أو برغوث، أو وزغة صغيرة تدخل فيه وتموت، أو ما أشبه ذلك فينبغي أن يكون معفوا عنه؛ لأن هذا يسير يشق التحفظ منه فهو في الماء القليل كهو في، ويستوي هذا الحكم فيه في كل موضع سواء أصاب دم
стр. 791
البراغيث الثوب والبدن أو الماء؛ لأن دم الرعاف معفو عنه إذا كان يسيرا في الثوب كدم البراغيث، وكذلك قليل من الدم إذا لم يكن مسفوحا بخلاف غيره م الأنجاس، فينبغي أن يستوي حكمه سواء حل في الثوب أو الماء؛ إذ لا يمكن التحرز منه، وقد عفي عنه، والبول وما أشبهه إذا خرج على وجه العادة يمكن التحفظ منه، غير أنه إذا أصاب الثوب والبدن تنجس، وليس حكمه في الماء كحكمه في الثياب والمائعات غير الماء؛ لأن الماء يطهر الأنجاس ما دام غالبا عليها، ويدفعها عن نفسه، فسواء كان قليلا أو كثيرا، أمكن حفظه أو لا. ألا ترى أن إزالة الأنجاس والأحداث به لا يفترق الحكم بين قليله وكثيره إذا لم يخالطه نجس، فكذلك إذا خالطته نجاسة لم تؤثر في عينه لم يفترق الحكم فيه بين قليله وكثيره؛ لأن الحكم له لغلبته على النجس.
وأما سائر المائعات غير الماء فإنما تنجست بقليل النجاسة سواء كانت قليلة أو كثيرة، وسواء حفظت في الأواني أو غيرها؛ لأنها لا تدفع النجاسة عن نفسها؛ لأن الأنجاس لا تزال بها، ولا يرتفع بها الحدث، لا لأنها تحفظ في الأوني؛ لأننا نعلم أن بعضها قد تعمل في غير الأواني مثل الحياض التي تنقع فيها التمور للخل، وعصير العنب الكثير، وما أشبه إنما يكون في الحياض، ثم تنقل إلى الأواني، ومع هذا فيسير النجاسة تنجسه سواء كانت المائعات قليلة أو كثيرة، محفوظة في الأواني أو غيرها؛ لأن جنسها لا تزال به النجاسة، ولا يرتفع به الحدث، والماء بخلافها، فإن لم تؤثر النجاسة فيه فهو
стр. 792
يدفعها كما تزال به النجاسة من الثوب والبدن، فقد أزالها عن نفسه وهذا موجود في القليل منه والكثير. ألا ترى أن النجاسة على الثوب والبدن إذا غسلناها بماء حتى زالت بذلك القدر من الماء فإن الماء أزالها عن الثوب، وانتقلت النجاسة إلى الماء، والماء طاهر لولا هذا لما زالت النجاسة، فإذا كان قد أزالها عن الثوب ودفعها عنه وهو طاهر فقد دفعها عن نفسه أيضا؛ لأنه إذا دفعها عن غيره كان دفعها عن نفسه أولى، وهذا الذي يكشف أنه لا فرق بين وروده على النجاسة أو ورود النجاسة عليه، وبالله التوفيق.
стр. 793
[٤٠] مَسْأَلَة
اختلفت الرواية عن مالك ﵀ في جلود الميتة إذا دبغت. فالظاهر من الروايتين أنها لا تطهر، ولكنها تستعمل في الأشياء اليابسة وفي الماء خاصة من بين سائر المائعات، فإنه قال في الماء: أتقيه في نفسي خاصة، ولا أضيقه على الناس.
والرواية الأخرى: أنها تطهر طهارة تامة، وهذا في كل جلد ميتة إلا الخنزير وحده؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه فالدباغة أولى، وسائر الحيوان غيره تتأتى فيه الذكاة.
وبالرواية الأولى قال أحمد، ولكنه لا يبيح الانتفاع بها في شيء؛ لأنها كلحم الميتة.
стр. 794
وبالرواية الثانية قال أبو حنيفة إلا في الخنزير كقولنا، وبها قال الشافعي إلا في الكلب والخنزير.
فيحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي في الرواية الأخرى، وبيننا وبين الشافعي في الكلب على الرواية الثانية.
وقال داود: يطهر جلد جميع الحيوان بالدباغ حتى الخنزير، وقد حكي عن أبي يوسف مثله.
وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر جلد ما يؤكل من الحيوان ولا يطهر جلد مالا يؤكل.
قال الزهري: يجوز الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ مع كونها نجسة لا أنها طاهرة.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم﴾، والميتة اسم للجملة، ولكل جزء منها، والجلد منها.
стр. 795
وأيضا: ما رواه جابر عن النبي ﵇ أنه قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلي عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر (ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب
стр. 796
ولا عصب)، وهذا نص في الجلد مع كونه متأخرا.
стр. 797
ينسخ المتقدم، وهذا عمدة في المسألة.
وأيضا ما روته عائشة - رحمها الله - عن النبي ﵇ أنه أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت، والاستمتاع بالشيء مأخوذ من المتعة
стр. 798
به، والمتعة به تمنع من بيعه؛ لأنه إذا بيع صار الاستمتاع بالثمن لا بالجلد، فدليله أن غير المتعة به لا يجوز إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما روي أن ابن الأشعث قال لعائشة - رحمها الله -: ألا نعمل لك فروا تلبسينه في اليوم الشاتي. فكرهته؛ لأنها تريد الصلاة فيه، فقال: ألا نعمل لك ذكيا؟ فلا بأس، فلم تمتنع من الذكي وامتنعت من غيره، ولم يكن هذا إلا وقد فهمت نم قصد النبي ﵇ في الاستمتاع بالجلد المدبوغ في غير الصلاة، وعلى وجه دون وجه، وأنه فرق بين المدبوغ والذكي.
стр. 799
وأيضا فإن الجلد لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قبل الدباغ نجسا لذاته وعينه فوجب أن لا يطهر بالدباغ كاللحم - عندنا وعندكم -، وكجلد الخنزير والكلب - عندكم -.
أو يكون نجسا لأجزاء نجسة جاورته بالموت فينبغي أن يجوز بيعه قبل الدباغ كالثوب النجس، فلما لم يجز بيعه قبل الدباغ علم أنه كاللحم الذي نجست عينه بالموت.
ونقول أيضا: هو جزء من الميتة تلحقه الحياة والموت فأشبه اللحم.
أو نقول: هي نجاسة حدثت بالموت فوجب أن تكون مؤبدة كاللحم.
وأيضا فإن علة التنجيس هو الموت فلا يجوز أن ترتفع النجاسة مع بقاء العلة؛ لأن الموت لا يمكن دفعه.
ونقول أيضا: أتسلمون أن الجلد بعد الدباغ لا يجوز أكله؟. فإن سلموا ذلك: قلنا إنما لم يجز أكله لأنه نجس بالموت فصار كاللحم.
وإن لم يسلموا المنع من أكله دللنا عليه بما روي أن النبي ﵇ مر بشاة ميمونة - وقد طرحت وهي ميتة - فقال: هلا دبغتم إهابها فانتفعتم به). فقالوا: إنها ميتة - وقد علم ﵇ أنها ميتة - فقال: (إنما حرم أكلها)، ومن المحال أن يكون إنما أعلمهم أن اللحم حرم أكله دون الجلد؛ لأنهم طرحوها وهم يعلمون أن لحم الميتة محرم، ويعتقدون ذلك، وكذلك الجلد فوجب أن تكون الفائدة في إعلامهم
стр. 800
حكم الجلد الذي أباحهم الانتفاع به، وأنه الذي حرم أكله دون النفع به، أو تكون الفائدة هي أن الذي يتأتى أكله منها محرم أكله، وأن الجلد منه أيضا، وإذا كنا قد اتفقنا على أن الموت يحل في الجلد كما يحل في اللحم، ثم اتفقنا على أن غسل اللحم أقوى من الدباغ، وهو لا يزيل حكم النجاسة الحالة فيه بالموت كانت الدباغة أولى ألا تزيل حكم النجاسة الحالة بالموت في الجلد، أو تكون كالغسل لا يزول به حكم النجاسة.
وفارق حكم هذه النجاسة حكم سائر النجاسات العارضة في الثياب؛ لأنها لو كانت بمنزلتها لزالت بالغسل عن اللحم كما يغسل عنه الدم في الذكاة، ولجاز بيعه وبيع الجلد من الميتة قبل أن يدبغ كما يباع لحم المذكي وعليه دم.
فإن قيل: جميع ما ذكرتموه مخصوص بما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بشاة لمولاة ميمونة ميتة، فقال: (ما على أهلها أن لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به)، فقال: (إنما حرم أكلها)، فأباح ﵇ الانتفاع بإهاب الميتة إذا دبغ فسقط قول من يقول: لا
стр. 801
يجوز الانتفاع به، والانتفاع أيضا عام من كل وجه يتبعه والصلاة عليه وغير ذلك.
وأيضا ما رواه زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة المصري عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر).
ومالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت.
وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: (دباغ الأديم ذكاته)،
стр. 802
فأقام الدباغ مقام الذكاة.
وأيضا ما رواه أنس أن النبي ﵇ أتى على سقاء أخضر قد برد فيه الماء فاستقى. فقالت صاحبته: إنه لمن جلد كيتة. فقال ﵇: (دباغه طهوره).
стр. 803
وروى سلمة بن المحبق قال: قال رسول الله ﷺ : (ذكاة كل أديم دباغه).
قالوا: وهذه الأخبار تلزم أحمد بن حنبل في امتناعه نم استعماله بعد الدباغ، وتلزمكم أنتم في طهارته بكل وجه.
قيل: لعمري إنها تلزم أحمد فأما نحن فإنا نستعملها على ما تحتمله فنقول: قوله: (هلا انتفعوا به بالدباغ)، فظاهره يقتضي الانتفاع بالجلد نفسه دون ثمنه، ونحن نجيز الانتفاع به على وجه مخصوصة بالدلائل التي ذكرناها.
وقوله ﵇ (فقد طهر)، وجميع ما ذكر في الطهارة، فإننا نقول:
стр. 804
طهارة وطهور اسم مشترك في اللغة والشريعة فتارة يكون لزوال حم النجاسة، ويصلح للعبادة، ولرفع درجة، وللتمييز على ما بيناه في مَسْأَلَة الكلب، وحقيقة الطهارة إنما هي نقل من حال إلى حال، فقد نقلت الدباغة من منع استعماله فإلى استعماله على وجه دون وجه، ولا ينبغي أن يكون كالذكاة التي تبيحه على كل وجه؛ لأن الذكاة هي الأصل، وهي طهارة فلا ينبغي أن يكون حكم الفرع كحكمها من كل وجه، وإن كانا جميعا يسمان بالطهارة. ألا ترى أن الطهارة بالماء ترفع الحدث فإذا عدم الماء جاز التيمم، وقد سمي طهارة. ثم مع هذا فلم يساو حكم الأصل لضعفه عنه، فلم يجز أن يتيمم قبل الوقت، ولا يرفع الحدث، ولا يجمع به بين صلاتي فرض - عندنا وعند الشافعي -، فلما كان البدل فيما يسمى طهارة أضعف من المبدل، فكذلك الدباغة أضعف من حكم الذكاة التي هي الأصل، وإن كان اسم الطهارة يتناولها جميعا.
فإن قيل: إطلاق طهارة تقتضي طهارة من رفع حدث أو إزالة نجس، فإذا لم تكن في الدباغ لرفع حدث فهي لرفع نجاسة.
قيل: إطلاق طهارة تقتضي طهارة من رفع حدث أو إزالة نجس، فإذا لم تكن في الدباغ لرفع حدث فهي لرفع نجاسة.
قيل: قد بينا في مَسْأَلَة ولوغ الكلب أنها تكون أيضا للتنظف فلا نسلم أنها لا تكون في الشريعة إلا لما ذكرتم، والتيمم أيضا يسمى طهارة، ولم يرفع الحدث، فإذا كان أريد من أجل الحدث وإن لم يرفعه
стр. 805
جاز أن تراد الدباغة من أجل النجس ولا تدفعه، فتكون إباحة الداباغة دون إباحة الذكاة، كما كان حكم التيمم دون حكم الماء، ثم لو كان طهارة تتناول ما ذكرتموه جاز أن نحملها على ما ذكرناه بما بيناه من حكم الميتة، ومساواة الجلد للحم.
وأما قوله ﵇: (دباغ الأديم ذكاته)، فإن جلد الميتة قبل دباغه لا يتناوله اسم أديم، وإنما يسمى أديما بعد الدباغ، فكأنه قال ﵇: دباغه ذكاته. أي ذكاته ريحه طيبها فصارت ذكية، وكذلك نقول: إن ذكاته التي هي طيب رائحته إنما تكون بالدباغ الذي يخرج معه السهوكة وتغير الريح، وهذا هو الأصل في الذكاة. والذكي: هو الطيب الريح، وإنما نقل إلى اسم الريح؛ لأن الحيوان إذا ذبح كان طيب الريح بخلاف الميت، فإذا كان أصل الذكاة ما ذكرناه حملنا قول النبي ﵇ على هذا، ونكون بهذا أولى منكم في اللغة؛ لأنكم تجعلون الدباغة تشبيها بالذكاة، فتقديره: كذكاته، أي: مثل ذكاته، فتضمرون كاف التشبيه، ونحن لا نضمر شيئا، بل نجعل الدباغة بالشب والقرظ هي بعينها ذكاته وطيب ريحه، فتقديره: تقديره قولنا: الله ربنا، فربنا هو الله، والله هو ربنا، وكذلك محمد نبينا، وزيد قائم، زيد هو القائم والقائم هو زيد، وقولكم أنتم بمنزلة قولهم: شربك شرب الإبل، وليس شربه شرب الإبل، وإنما هو كشرب الإبل أي: مثله.
стр. 806
وأيضا فإن الدباغة بالشب والقرظ تصير عليه مثل الغشاوة فتزول معه الروائح المتغيرة، وتكتسي ريح الشب والقرظ، ولهذا نستعمله نحن في الأشياء اليابسة؛ لأنه يصر بمنزلة شيء قد غشيه شيء طاهر.
فأما قوله ﵇ في السقاء الذي استسقى منه: (دباغه طهوره)، أي قد نقله من منع الاستعمال إلى جوازه على ما بيناه، ويجوز ترك الماء فيه؛ لأن الناس مختلفون في تطهيره، والماء في أصله يدفع النجس عن نفسه. ثم مع هذا فإن الميتة إذا لاقت الماء فلم تغيره فإن الماء على أصله في الطهارة - عندنا - قليلا كان الماء أو كثيرا، وليس كذلك المائعات غير الماء، فلهذا جاز استعمال الجلد المدبوغ في الماء ولم يجز في غيره من المائعات.
فإن قيل: فإنه جلد طاهر بنجاسته فجاز أن يحكم بطهارته أصله جلد المذكي إذا تلوث بالدم أو غيره.
أو نقول: نجاسة طرأت على جلد طاهر فجاز أن يطهر، أصله ما ذكرناه.
قيل: الجلد المذكي علته أنه طاهر انتقل إلى طهارة هي التذكية، فأشبه اللحم المذكي، فإذا تلوث بالدم جاز أن يزول عنه كما يزول عن اللحم، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها، فإذا لم تزل نجاسة لحمها لم تزل نجاسة جلدها.
فإن قيل: اللحم يتهوا بالدباغة ولا يثبت مثل الجلد.
стр. 807
قيل: وأي حاجة بنا إلى دباغ اللحم والجلد إن كانت النجاسة تزول بعد الموت. فالغسل يكفي فيهما. ألا ترى أنهما في الذكاة على طريقة واحدة، لو أصاب اللحم دم زال بالغسل كما يزول من الجلد، ونحن نعلم أن كل نجاسة تكون في لحم المذكي أو الميت لو نقعت في الماء المسخن أو غيره من الماء والملح والخل، وطال مكثه خرجت كل نجاسة فيه، وقد كان يمكن أن ينقع في الماء والأشنان وغيره مما يقلع النجاسات أكثر مما يقلعه الشب والقرظ، ويثبت مع ذلك ولا يفسد، فلما كان هذا كله لا يزيل نجاسة اللحم؛ لأنها بالموت حصلت، كذلك الجلد لحصول الموت فيه، وعلمنا بهذا أن الشب والقرظ أدخل في الجلد؛ لأنه تصير عليه غشاوة يمكن استعماله معها على وجه ليطول بقاؤه والانتفاع به لا أنه يصيره طاهرا بذلك.
على أنهم يدبغون المذكي أيضا لحاجتهم إليه.
وعلى أن قياسنا إياه على اللحم أولى؛ لأننا رددنا من نجس بالموت إلى مثله، ورددنا جزءا اكتساه جزء مثله؛ لأنه اكتساه جزء منه نجس، وهو اللحم، والجميع يحله الموت.
ولا يلزمنا على هذا الصوف والشعر؛ لأن الحياة والموت لا يحلان فيهما.
ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ لأننا وجدنا الجلد مساويا للحم حيث كان، فهما بمنزلة واحدة لو قطعا من الحي، وبمنزلة واحدة في الذكاة، فكذلك ينبغي أن يكون بمنزلة واحدة بعد الممات؛ لأنهما ميتان إذا قطعا في حال الحياة، ميتان في حال موت الحيوان، فلا ينبغي أن
стр. 808
يفرق بينهما كما لم يفترق حكمهما في الذكاة، ولا في كونهما في الحياة إذا لم يقطعا من الحي.
فإن قيل: إنها نجاسة طرأت على عين يتأتى غسلها فجاز أن تطهر، دليله الثوب النجس.
وأيضا: فإن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو نجاسة الحكم، فإن كانت في معنى نجاسة العين فإنها متى كانت طارئة على العين جاز أن تزال مثل سائر النجاسات، وإن كانت نجاسة من جهة الحكم، وكانت طارئة جاز أن تزال دليله الخمر.
وأيضا فلو كان الدباغ لا يطهر جلد الميتة لكان لا يطهر بالذبح، دليله الخنزير.
قيل: أما الثوب النجس فقياسه اللحم المذكي والجلد إذا أصابهما نجس، فإن أعيان الجميع طاهرة، وإنما طرأ على طاهرها ما يزول بالغسل. ألا ترى أن بيع الجميع وعليه الدم يجوز، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها. ألاى ترى أن بيع الجلد قبل الدباغ لا يجوز كما لا يجوز بيع اللحم، فعلم أن عينه نجست بالموت كاللحم، والثوب إنما نجس بمجاورة النجاسة له، وجلد الميتة نجست عينه كاللحم الذي نجست عينه بالموت.
وقولكم: إن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو نجاسة الحم فإننا نقول فيها ما تقولونه في اللحم سواء، فإذا لم تزل نجاسة اللحم لم تزل نجاسة الجلد. وأما الخمر فإنها نجسة العين فإذا تغيرت صارت العين كلها طاهرة فينبغي أن تصير عين الميتة كلها طاهرة لحمها وجلدها.
стр. 809
وقولكم: إن الدباغة إن لم تطهر الجلد لم تطهره الذكاة يلزمكم في لحم الميتة أيضا إن لم يطهره الغسل لم تطهره الذكاة كالخنزير.
فإن قيل: قولكم: إن علة التنجيس الموت فلا يجوز ارتفاع النجاسة مع بقاء الموت غير مسلم؛ لأننا نقول: إن علة التنجيس الموت وفقد الدباغ، فعلة التنجيس ذات وصفين، فإذا عدم أحد الوصفين وهو فقد الدباغ جاز أن لا يرتفع الوصف الآخر الذي هو الموت فينبغي ألا يطهر على هذا الحساب.
فإن قيل: فإن الموت علة في تنجيسه ابتداء دون الاستدامة، فإذا كان الموت علة في وجود النجاسة دون بقائها واستدامتها جاز أن ترتفع استدامتها وبقاؤها وإن كان علة الوجود في الابتداء لا ترتفع، كما إذا تيمم فإنه يصلي؛ لأنه استباح به الصلاة، ثم لو أحدث لم يجز له أن يصلي بذلك التيمم قطع الاستدامة وبقاء الاستجابة، والله أعلم.
قيل: هذا بعينه يلزم في لحم الميتة، وأما التيمم فهو شاهد لنا؛ لأنه لم يرفع الحدث فلهذا انقطعت استدامته فينبغي ألا ترتفع نجاسة الجلد بالدباغ ولكن تنقطع استدامة المنع من الانتفاع به، فيصير منتفعا بالدباغ لا كمنفعة الذكاة، كما أباح التيمم الصلاة لا على معنى الوضوء الذي يرفع الحدث، وبالله التوفيق.
ووجه الرواية الأخرى في طهارة الجلد بالدباغ ما ذكرته عن المخالفين وفيه الرد على أحمد في امتناعه من استعماله بكل وجه وإن دبغ.
стр. 810
فصل
فأما ما قاله الأوزاعي وأبو ثور في أنه يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون مالا يؤكل لحمه فاحتجوا له بما رواه المليح الهزلي عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن افتراش جلود السباع، ولم يفرق بين أن تكون مدبوغة أو غير مدبوغة.
وبما روي أنه قال ﵇: (دباغ الأديم ذكاته)، فأقام الدباغ مقام الذكاة، وبين أنه يعمل عملها، فلما لم تعمل الذكاة فيما لا يؤكل لحمه لم تعمل الدباغة أيضا فيما لا يؤكل لحمه.
следующие страницы →