← Фикх малики

Фикх малики · id 14608

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - كتاب الطهارة - ط جامعة الإمام

ابن القصار

Полный текст (1 330 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وأيضا فإن الدباغة بالشب والقرظ تصير عليه مثل الغشاوة فتزول معه الروائح المتغيرة، وتكتسي ريح الشب والقرظ، ولهذا نستعمله نحن في الأشياء اليابسة؛ لأنه يصر بمنزلة شيء قد غشيه شيء طاهر. فأما قوله ﵇ في السقاء الذي استسقى منه: (دباغه طهوره)، أي قد نقله من منع الاستعمال إلى جوازه على ما بيناه، ويجوز ترك الماء فيه؛ لأن الناس مختلفون في تطهيره، والماء في أصله يدفع النجس عن نفسه. ثم مع هذا فإن الميتة إذا لاقت الماء فلم تغيره فإن الماء على أصله في الطهارة - عندنا - قليلا كان الماء أو كثيرا، وليس كذلك المائعات غير الماء، فلهذا جاز استعمال الجلد المدبوغ في الماء ولم يجز في غيره من المائعات. فإن قيل: فإنه جلد طاهر بنجاسته فجاز أن يحكم بطهارته أصله جلد المذكي إذا تلوث بالدم أو غيره. أو نقول: نجاسة طرأت على جلد طاهر فجاز أن يطهر، أصله ما ذكرناه. قيل: الجلد المذكي علته أنه طاهر انتقل إلى طهارة هي التذكية، فأشبه اللحم المذكي، فإذا تلوث بالدم جاز أن يزول عنه كما يزول عن اللحم، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها، فإذا لم تزل نجاسة لحمها لم تزل نجاسة جلدها. فإن قيل: اللحم يتهوا بالدباغة ولا يثبت مثل الجلد.

стр. 807

قيل: وأي حاجة بنا إلى دباغ اللحم والجلد إن كانت النجاسة تزول بعد الموت. فالغسل يكفي فيهما. ألا ترى أنهما في الذكاة على طريقة واحدة، لو أصاب اللحم دم زال بالغسل كما يزول من الجلد، ونحن نعلم أن كل نجاسة تكون في لحم المذكي أو الميت لو نقعت في الماء المسخن أو غيره من الماء والملح والخل، وطال مكثه خرجت كل نجاسة فيه، وقد كان يمكن أن ينقع في الماء والأشنان وغيره مما يقلع النجاسات أكثر مما يقلعه الشب والقرظ، ويثبت مع ذلك ولا يفسد، فلما كان هذا كله لا يزيل نجاسة اللحم؛ لأنها بالموت حصلت، كذلك الجلد لحصول الموت فيه، وعلمنا بهذا أن الشب والقرظ أدخل في الجلد؛ لأنه تصير عليه غشاوة يمكن استعماله معها على وجه ليطول بقاؤه والانتفاع به لا أنه يصيره طاهرا بذلك. على أنهم يدبغون المذكي أيضا لحاجتهم إليه. وعلى أن قياسنا إياه على اللحم أولى؛ لأننا رددنا من نجس بالموت إلى مثله، ورددنا جزءا اكتساه جزء مثله؛ لأنه اكتساه جزء منه نجس، وهو اللحم، والجميع يحله الموت. ولا يلزمنا على هذا الصوف والشعر؛ لأن الحياة والموت لا يحلان فيهما. ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ لأننا وجدنا الجلد مساويا للحم حيث كان، فهما بمنزلة واحدة لو قطعا من الحي، وبمنزلة واحدة في الذكاة، فكذلك ينبغي أن يكون بمنزلة واحدة بعد الممات؛ لأنهما ميتان إذا قطعا في حال الحياة، ميتان في حال موت الحيوان، فلا ينبغي أن

стр. 808

يفرق بينهما كما لم يفترق حكمهما في الذكاة، ولا في كونهما في الحياة إذا لم يقطعا من الحي. فإن قيل: إنها نجاسة طرأت على عين يتأتى غسلها فجاز أن تطهر، دليله الثوب النجس. وأيضا: فإن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو نجاسة الحكم، فإن كانت في معنى نجاسة العين فإنها متى كانت طارئة على العين جاز أن تزال مثل سائر النجاسات، وإن كانت نجاسة من جهة الحكم، وكانت طارئة جاز أن تزال دليله الخمر. وأيضا فلو كان الدباغ لا يطهر جلد الميتة لكان لا يطهر بالذبح، دليله الخنزير. قيل: أما الثوب النجس فقياسه اللحم المذكي والجلد إذا أصابهما نجس، فإن أعيان الجميع طاهرة، وإنما طرأ على طاهرها ما يزول بالغسل. ألا ترى أن بيع الجميع وعليه الدم يجوز، وليس كذلك جلد الميتة؛ لأنه كلحمها. ألاى ترى أن بيع الجلد قبل الدباغ لا يجوز كما لا يجوز بيع اللحم، فعلم أن عينه نجست بالموت كاللحم، والثوب إنما نجس بمجاورة النجاسة له، وجلد الميتة نجست عينه كاللحم الذي نجست عينه بالموت. وقولكم: إن هذه النجاسة لا تخلو أن تكون في معنى نجاسة العين أو نجاسة الحم فإننا نقول فيها ما تقولونه في اللحم سواء، فإذا لم تزل نجاسة اللحم لم تزل نجاسة الجلد. وأما الخمر فإنها نجسة العين فإذا تغيرت صارت العين كلها طاهرة فينبغي أن تصير عين الميتة كلها طاهرة لحمها وجلدها.

стр. 809

وقولكم: إن الدباغة إن لم تطهر الجلد لم تطهره الذكاة يلزمكم في لحم الميتة أيضا إن لم يطهره الغسل لم تطهره الذكاة كالخنزير. فإن قيل: قولكم: إن علة التنجيس الموت فلا يجوز ارتفاع النجاسة مع بقاء الموت غير مسلم؛ لأننا نقول: إن علة التنجيس الموت وفقد الدباغ، فعلة التنجيس ذات وصفين، فإذا عدم أحد الوصفين وهو فقد الدباغ جاز أن لا يرتفع الوصف الآخر الذي هو الموت فينبغي ألا يطهر على هذا الحساب. فإن قيل: فإن الموت علة في تنجيسه ابتداء دون الاستدامة، فإذا كان الموت علة في وجود النجاسة دون بقائها واستدامتها جاز أن ترتفع استدامتها وبقاؤها وإن كان علة الوجود في الابتداء لا ترتفع، كما إذا تيمم فإنه يصلي؛ لأنه استباح به الصلاة، ثم لو أحدث لم يجز له أن يصلي بذلك التيمم قطع الاستدامة وبقاء الاستجابة، والله أعلم. قيل: هذا بعينه يلزم في لحم الميتة، وأما التيمم فهو شاهد لنا؛ لأنه لم يرفع الحدث فلهذا انقطعت استدامته فينبغي ألا ترتفع نجاسة الجلد بالدباغ ولكن تنقطع استدامة المنع من الانتفاع به، فيصير منتفعا بالدباغ لا كمنفعة الذكاة، كما أباح التيمم الصلاة لا على معنى الوضوء الذي يرفع الحدث، وبالله التوفيق. ووجه الرواية الأخرى في طهارة الجلد بالدباغ ما ذكرته عن المخالفين وفيه الرد على أحمد في امتناعه من استعماله بكل وجه وإن دبغ.

стр. 810

فصل فأما ما قاله الأوزاعي وأبو ثور في أنه يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون مالا يؤكل لحمه فاحتجوا له بما رواه المليح الهزلي عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن افتراش جلود السباع، ولم يفرق بين أن تكون مدبوغة أو غير مدبوغة. وبما روي أنه قال ﵇: (دباغ الأديم ذكاته)، فأقام الدباغ مقام الذكاة، وبين أنه يعمل عملها، فلما لم تعمل الذكاة فيما لا يؤكل لحمه لم تعمل الدباغة أيضا فيما لا يؤكل لحمه.

стр. 811

قالوا: ولأنه حيوان لا يؤكل لحمه فوجب أن لا يطهر جلده بالدباغ، أصله الكلب والخنزير. والدليل لقولنا: قوله ﵇: (أيما إهاب دبغ فقد طهر). وما روته عائشة أن النبي ﵇ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت ولم يفرق بين جلد وجلد فهو عام إلا ما خصه الدليل. وأيضا فإنه حيوان لم يرد نص القرآن بتحريمه، ولا أجمع عليه فجاز أن يطهر بالدباغ، أصله ما يؤكل لحمه بعلة أنه حيوان يجوز بيعه في حياته. فأما نهيه ﵇ عن افتراش جلود السباع فإنه عام فيما دبغ وما لم يدبغ فخصصناه بقوله: (إذا دبغ فقد طهر).

стр. 812

على أنه لا يجوز أن يكون الخبر واردا إلا في جلود السباع التي لم تدبغ؛ لأن المقصود من جلود النمور شعرها، وهي إذا دبغت شعرها، فهي لا تدبغ، وإنما تستعمل غير مدبوغة. وقولهم إن النبي ﵇ أقام الدباغة مقام الذكاة، وان الذكاة لا تعمل في السباع غلط علينا؛ لأن الذكاة تعمل في السباع ويستغنيى بها عن الدباغة إلا الخنزير. وأما الخنزير فإنما لم تعمل الدباغة في جلده؛ لأن الذكاة - التي هي أقوى منه، وهي الأصل - لا تعمل فيه، فلم تعمل الدباغة. وأما قول داود في الانتفاع بجلد الخنزير إذا دبغ، فإنه احتج بقوله ﵇: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فعم ولم يخص. وأيضا فقد قال: (دباغه ذكاته). فنقول: إن الذكاة في الأصل أقوى من الدباغة والدباغة إما أن تكون بدلا أو فرعا، وإذا لم تعمل الذكاة في جلد الخنزير كانت الدباغة أولى أن لا تعمل. فإن قيل: فإنه حيوان طاهر - عندكم - ينجس بالموت فينبغي ان تعمل الدباغة فيه كسائر الحيوان الذي ينجس بالموت.

стр. 813

قيل: أنتم على أصلكم أن الخنزير نجي، فإذا كان نجسا لم تتأت فيه الذكاة فالدباغة أولى. والفرق - عندنا - بين الخنزير وغيره هو أن النص ورد بتحريمه، والإجماع حاصل على لمنع من اقتنائه فلهذا لم تعمل الذكاة والدباغة فيه. وأما الزهري فإنه اعتمد على خبر رواه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بشاة لمولاة ميمونة ميتة، فقال: (ما على أهلها لو أخذوا إهابها فانتفعوا به)، ولم يذكر فيه فدبغوه، وفي الخبر أنهم قالوا له ﵇: إنها ميتة. فقال: (إنما يحرم لحمها)، فلم يذكر فيه الدباغ، فدل على أنه يجوز الانتفاع به قبل الدباغ. ولنا نحن حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن النبي ﵇ مر بشاة مولاة ميمونة

стр. 814

فقال: (لا على أهلها لو أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به). فقالوا: إنها ميتة. فقال: (إنما يحرم أكلها)، فإذا كان الزهري الراوي للخبرين أخذنا بالزائد منهما، وهو الذي فيه ذكر الدباغة، وكان أولى أيضا للزيادة ولموافقته الأصول في أن لا تقتني النجاسات ولا ينتفع بها مع الحكم لأعيانها بذلك. فإن قيل: إذا روى الراوي خبرين، وعمل بأحدهما وترك الآخر وجب أن يرجع إليه فيما عمله فيعمل به ويترك الآخر. قيل: يجوز أن يكون قد نسي الخبر الآخر الذي فيه الزيادة، أو نسي الزيادة. ثم إنه يجوز أن يراد به اجتهاده إلى العمل بالخبر الآخر ويترك الزيادة فينبغي أن لا يرجع إلى اجتهاده إذا أمكننا بالزيادة، والله أعلم. ونقول أيضا: هو جزء من الميتة يتأتى فيه الأكل فأشبه لحمه.

стр. 815

[٤١] مَسْأَلَة والذكاة تعمل في سائر السباع إلا الخنزير. وإذا ذكي سبع من السباع فجلده طاهر يجوز أن يتوضأ فيه، ويجوز بيعه وإن لم يدبغ، والكلب منها، وبه قال أبو حنيفة، وأن جميع أجزائه من لحم وجلد طاهر إلا أن اللحم - عنده محرم أكله -، - وعندنا - مكروه. وقال الشافعي: إن الذكاة لا تعمل في السباع، وإنها إذا ذكيت صارت ميتة لو ماتت.

стр. 816

والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾، وبين النبي ﵇ الذكاة فقال: (الذكاة في الخلق واللبة)، فعم الله - تعالى -

стр. 817

كل ما ذكي، وبما بين النبي ﵇ أن الذكاة - التي هي الشق في اللغة - إنما في الشرع في الحلق واللبة لم يخص حيوانا نم حيوان، فهو عام في الأنعام والسباع وغيرها إلا ما خصته الدلالة. وأيضا فإن النبي ﵇ قال: (دباغ الأديم ذكاته)، وروي: (ذكاة الأديم دباغه)، فأعلمنا في الخبر الأول أن دباغ الأديم كذكاته، فلولا أن الذكاة تعمل لم يشبه الدباغ بها. وقال: (ذكاة الأديم دباغه)، فأقام الذكاة مقام الدباغ لها، وأنها تعمل عمله، فلما كان الدباغ يعمل في ذلك كانت الذكاة كذلك. ويدل على ما نقوله: أن الدباغة بدل من الذكاة؛ بدليل أن الشاة الذكية لا يحتاج جلدها إلى دباغ يطهره، وإذا عدمت الذكاة وحل الموت أقيمت الدباغة في تطهير الجلد مقام التذكية، فإذا كانت الدباغة بدلا من الذكاة فهي فرع لها، ومن المحال أن يعمل الفرع ولا يعمل الأصل الذي هو أقوى منه في التطهير. ألا ترى أن التيمم الذي هو بدل الوضوء يبيح الصلاة ويرفع الحدث.

стр. 818

ولنا أن نقول: هو جلد يطهر بالدباغ فوجب أن يطهر بالذكاة. أصله ما يؤكل لحمه. فإن قيل: جلد الميتة - عندكم - لا يطهر بالدباغ. قيل: يطهر ثم صفة الطهارة هي على وجه دون وجه، وعلتنا تنتظم أنه يطهر، وقد صحت، ولنا رواية أخرى أنه يطهر على كل وجه. فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، وقال ﵇: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا ميتة؛ لأن الذكاة لا تبيح أكل لحمه فيصير كذبح المجوس والمحرم. قيل: جميع ذلك دليل لنا؛ لأن الله - تعالى - حرم الميتة واستثنى منها ومما ذكر معها المذكي، فقال: ﴿إلا ما ذكيتم﴾. معناه: لكن ما ذكيتم؛ لأن هذا من الاستثناء المنقطع، فلما استثنى المذكي صار قوله - تعالى - ﴿إلا ما ذكيتم﴾ خارجا من حكم الميتة، ولو كان ميتة لكان حراما. وكذلك نقول في قول النبي ﷺ : (لا تنتفعوا من الميتة بشيء): إن

стр. 819

هذا خارج عن حكم الميتة، داخل في قوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، فقد صار لنا من قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، ومن قوله ﵇ دليل الخطاب في أن غير الميتة ليس بمحرم علينا؛ لأن ما عدا المذكور بخلافه. فإن قيل: الاسم لا دليل له. قيل: - عندنا - له دليل كدليل الصفة. فإن قيل: إنها ذكاة لا تفيد جواز الأكل فوجب ألا تفيد الطهارة أصله ذكاة المجوسي، وذكاة الخنزير. وعكسه ذكاة ما يؤكل لحمه لما أفادت جواز الأكل أفادت الطهارة. قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأنها تعمل في لحم السبع، وإنما أكله مكروه، إن أكله إنسان أساء ولم يعص، وإنما يلزم أصحاب أبي حنيفة. وعلى أن أصحاب أبي حنيفة أيضا يقولون لحمها مباح ولكنهه ليس مما يؤكل؛ لأن اللحم - عندهم - طاهر بالذكاة كالجلد. فأما المجوسي فلا فرق في تذكيته بين ما يؤكل لحمه أو لا يؤكل؛ لأنه ليس من أهل التذكية، ولا تلزمنا ذكاة المحرم للصيد؛ لأنه ممنوع من حال دون حال. ألا ترى أن ذكاته صيدا يؤكل لحمه بمنزلة مالا يؤكل لحمه، وقد اتقنا على أن غير المحرم تعمل ذكاته فيما يؤكل لحمه فجاز أن يعمل في السباع غير الخنزير. ويجوز أن نقول: السبع والكلب بهيمة يجوز تمليكها بالوصية

стр. 820

والميراث فأشبها الشاة، ولا يلزم عليها الخنزير؛ لأن تمليكه لا يجوز. وأيضا فإنه حيوان لا حرمة له أبيح الانتفاع بعينه من غير ضرورة فأشبه الضبع. ولأنه بهيمة أبيح إمساكه واقتناؤه فأشبه ما يؤكل لحمه. ولنا أن نفرض المسألة في أن الذكاة تصح في الحمار فنقول: لما جاز أن يطهر جلده بالدباغ أن تعمل فيه الذكاة بالذبح، أصله الشاة والبقرة. وأيضا فإن الدباغة هي الذكاة الثانبة تقوم مقام الأول في حال الفوات، فإذا جاز أن تؤثر الدباغة في جلد فلأن تؤثر فيه الذكاة أولى. وأيضا فإن الحمار والبغل حيوان مختلف في جواز أكل لحمه فأشبه الضبع. فإن قيل: فقد نهى النبي ﷺ عن افتراش جلود السباع، وهذا عموم، سواء ذكي أو لا. قيل: هو محمول على غير المذكي؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، وبما ذكرناه من القياس. فإن قيل: فإن الذكاة إخراج روح لا تعمل في إباحة لحمه بحال فوجب أن لا تعمل في تطهيره، مثل ذكاة المجوسي. قيل: هي تعمل في إباحة لحمه، وإنما نكرهه كما نكره أكل الضبع، وإن كانت الذكة تعمل فيه - عندنا وعندكم -.

стр. 821

وعلى أنها تعمل في إباحة لحمه أيضا، لأن من اضطر إلى أكل لحم الكلب والحمار جاز له ذبحه وأكله بعد الذبح فقد فسد قولكم. فأما المجوسي فالمنع في ذكاته لأجل دينه، ولهذا المعنى استوى حكمه فيما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وفي مسألتنا نرجع إلى المذبوح فالأمر فيه مختلف. ألا ترى أن ذبح ملك الغير بغير إذنه لما كان النهي عنه يعود إلى نفس المذبوح دون غيره لم تمتنع الذكاة فيه، وكذلك النهي متى توجه إلى الآلة، مثل السكين المغصوبة كان أخف منه إذا توجه إلى غيرها، فلم يجز قياس أحد الموضوعين على الآخر، وكذلك المحرم منع من ذكاة الصيد بمعنى فيه من جهة الدين، وفعل غيره أخف من فعله. فإن قيل: ليست الذكاة من الدباغة في شيء؛ لأن الدباغة تصح ممن لا تصح منه الذكاة، والذكاة تصح في موضع لا تصح فيه الدباغة، والدباغة تصح في موضع لا تصح فيه الذكاة، ويعتبر في الذكاة صفة المذكي والآلة والموضع. قيل: هذا لا دلالة فيه؛ لأن اختلافهما لا يمنع من تساوي حكم الذكاة والدباغ في حكم جلد ما يؤكل لحمه؛ إذ لا فرق بين أن يذكي ويطهر، وإن مات دبغ وطهر. ولأن الذكاة على ضربين: أحدهما: في السمك، وهي تحصل بأخذه ولا تعتبر فيه الآلة ولا الموضع ولا صفات الآخذ له، وذلك كله معتبر في الذكاة التي هي الذبح، ولم يكن اختلافهما مانعا من تأثيرهما في إباحة الأكل، فكذلك مخالفة الدباغة للذكاة في هذه الوجوه لا يمنع تساويهما في حكم التطهير، والله أعلم.

стр. 822

[٤٢] مَسْأَلَة شعر الميتة وصوفها ووبرها طاهر - عندنا - وليس مما يحله الموت، وسواء كان مما لا يؤكل لحمه أو مما يؤكل لحمه، كشعر ابن آدم، وشعر الكلب والخنزير طاهر في الحياة والموت جميعا. وبه قال أبو حنيفة، ولكنه زاد علينا فقال: القرن والسن والعظم مثل الشعر. قال: لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها فلا تنجس بموت الحيوان. وقال الحسن البصري والليث بن سعد الأوزاعي: إن الشعور كلها نجسة، ولكنها تطهر بالغسل. وعن الشافعي ثلاث روايات: أحدهما: أن الشعور كلها تنجس بالموت. والثانية: أنها كلها طاهرة كقولنا. والثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر، وأن ما عداه نجس.

стр. 823

والدليل لقولنا: كونه طاهرا قبل موت الحيوان، فمن زعم أنه قد انتقل إلى نجاسة فعليه الدليل. وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها بوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾، فمن الله - تعالى - علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها، ولم يخص شعر الميتة من الذكاة، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل. فإن قيل: لا دلالة لكم في هذه الآية من وجوه. أحدهما: أنه - تعالى - قرن ذكر الأصواف والأوبار والأشعار بالجلود كقوله: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا﴾، وأنتم لا تجيزون هذا في جلد الميتة، فكذلك في الباقي، فصار المقصود منها إذا ذكيت جاز الانتفاع بالجميع. ووجه آخر: وهو أنه - تعالى - قال: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، اسم للجملة ولكل جزء منها، فوجب أن تكون الجملة وكل جزء منها

стр. 824

محرما؛ لأنه صريح في الميتة، بل هو عموم فصار ذكر الميتة قاضيا عليها؛ لأنها أخص منها. وأيضا قوله: ﴿ومتاعا إلى حين﴾، والحين غير معلوم مدته، فصارت الآية مجملة تفتقر إلى بيان، فلا يصح الاحتجاج بها حتى يثبت تفسيرها. وأيضا فإن الحين متردد بين زمانين فيكون المراد به حال الحياة إلى حين الممات؛ لأنه يقال: قد حان حينه، إذا جاء الموت، فكأنه قال: ما دامت حياته. قيل: الجواب عن هذا أيضا من وجوه: أحدهما: أن قولكم: إنه - تعالى - قرن ذكر الصوف والوبر والشعر بالجلد لا يقدح في الاستدلال بالعموم، ثم تقوم دلالة على إخراج الجلد. ثم إنه ينقلب عليكم؛ لأنكم تجوزون الانتفاع بالصوف والشعر في حال الحياة، ولا تجيزونه في الجلد إذا أخذ فيحال الحياة، فنحن وأنتم في هذا سواء. وأما حال الممات فأنتم تدبغون الجلد وتنتفعون به، ولا تنتفعون بالصوف والشعر، فقد فرقتم بين ذلك وبين الجلد في الحياة والممات وإن كان الله - تعالى - قد امتن بهما جميعا، وقد اتفقنا جميعا على جواز الانتفاع بالجميع مع الذكاة، والانتفاع بالصوف والشعر دون الجلد في الحياة، وبقيت حال الممات فأجزتم الانتفاع بالجلد إذا دبغ ومنعتم من الصوف والشعر، وأجزنا نحن الانتفاع بالشعر والجلد في الحال التي امتن الله - تعالى - علينا؛ لأن الجلد

стр. 825

إذا دبغ جاز أن نتخذ منه بيوتا نستخفها يوم ظعننا ويوم إقامتنا، وإنما تمنع من بيعه على إحدى الروايتين كما تمنعون من أكلة، وننتفع بالصوف والشعر كما كنا ننتفع به في حال الحياة، وصرنا أسعد منكم؛ لأن الامتنان من الله - تعالى - لم يفرق فيه بين الحياة والموت، وصار المباح من الآية الانتفاع بالجلد في حال الذكاة، وبالدباغ في الموت، وحصل الانتفاع بالصوف والشعر على كل حال في الحياة والذكاة والموت، كما جاز الانتفاع به في حال الحياة وإن لم يجز ذلك في الجلد، فيكون هذا أبلغ وأعظم في الامتنان لكثرة المنفعة به. وقولكم: إن الميتة تتناول الجملة وكل منها، وأنه نص في ذكر الميتة، ولا ذكر للميتة في الآية الأخرى، وأن تخصيص الميتة يقضي عليها فإننا نقول: إن قوله - تعالى -: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ تخصيصا لذكر الصوف والشعر، وليس في ذكر الميتة تخصيص لذلك، فقد حصل معنا خصوص في ذكر الصوف والوبر والشعر، وحصل في الآية التي معكم خصوص ذكر الميتة، فصار خصوص آيتكم يقضي على عموم آيتنا، وخصوص آيتنا يقضي على عموم آيتكم، فننظر أينا أولى. فوجدنا النص ورد بذكر الصوف والوبر والشعر الذي فيه اختلفنا، وليس في آيتكم ذكره صريحا، والخلاف حاصل في الشعر هل يحله الموت أو لا؟، فاستعمالنا أولى. ويقوي استعمالنا أيضا أن النبي ﷺ قال: (ما قطع من حي

стр. 826

فهو ميت لا يجوز الانتفاع به وإن دبغ، وأن الشعر إذا قطع في حال الحياة فليس بميت، ويجوز الانتفاع به، فإذا كان طاهرا في الحال التي لو قطع فيها الجلد كان نجسا فطهارته وجواز الانتفاع به في الحال التي يجوز فيها الانتفاع بالجلد إذا دبغ أولى.

стр. 827

وقولكم: إن الحين يصير في حيز المجمل ليس كذلك؛ لأن الناس اختلفوا في الحين. فقال بعضهم: هو سنة؛ لقوله - تعالى -: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾، وقال بعضهم: هو عموم في كل زمان، فلا يسقط التعليق به، وإنما أراد الله - تعالى - بقوله: ﴿ومتاعا إلى حين﴾ أي أنكم تنتفعون به مدة من الزمان، ولكنه لم يعينه؛ لأن استعمال الناس له يختلف على حسب حاجتهم إليه، ويختلف فيما له يستعمل أيضا، ولو قال - تعالى -: إني جعلت لكم ذلك لتنتفعوا به كلما احتجتم إليه لما صار هذا في حيز المجمل. ألا تراه قال: ﴿تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم﴾، وليس لظعننا ولا إقامتنا وقت معلوم، فليس هذا في حيز المجمل. وقولكم: إن الحين يتردد بين زماننين فنصرفه إلى حال حياة الأنعام حتى يحين الموت فإنه غلط؛ لأنه الله - تعالى - امتن علينا باستعماله، ولم يفرق بين حياتنا نحن أو حياة الأنعام، فيجوز أن نستعمله إلى أن نموت نحن، كما يجوز استعماله إلى موت الحيوان. وعلى أنه أيضا من وجه آخر؛ لأن قولكم يدل على أننا إذا جوزناه في حال الحياة فلا نستعمله إلا ما دام الحيوان حيا حتى إذا مات لم نستعمله، وهذا لا يقوله أحد.

стр. 828

وعلى أننا لا نسلم أن الصوف والشعر يقع عليهما اسم ميتة حقيقة وإن تناول الجملة فإنما يتوجه إلى اللحم والجلد والعظم. فإن قيل: قد يقول الإنسان: رأيت ميتة، وإنما رأى الشعر الحائل. ويقول: مسست الميتة، ولم يمس إلا الشعر، فدل ذلك على أن الميتة يتناول الجمع. ويدل على أن الميتة اسم لجميع الجملة: أن الجملة إذا فرقت لا يقال لها ميتة، وإنما يقال: لحم الميتة، وجلد الميتة، ورجل الميتة، فدل على ما ذكرناه. قيل: أما قول الإنسان: رأيت الميتة، وإنما رأى الشعر الحائل، ويقول: مسست الميتة، ولم يمس إلا الشعر فإنه لا يدل على حقيقة. ألا ترى أنه لو رآها مسلوخة من الجلد جاز أن يقول: رأيت الميتة، ولو مسها مسلوخة قال: مسست الميتة، وفي الحقيقة لو مس الشعر دون الجلد لقال: مسست شعر الميتة، وإنما الحقيقة تتناول الجملة سواء كان عليها شعر أم لا. فإن قيل: ما ذكرتموه من المساواة في استعمال الآيتين من قوله - تعالى -: ﴿ومن أصوافها وأوبارها﴾ فلنا نحن الترجيح؛ لأن آيتنا في ذكر الميتة قصد بها بيان الأعيان المحرمة، وآيتكم قصد بها الامتنان وعدد النعمة علينا، والآيتان إذا تقابلتا وقصد بأحدهما تحريم العيان التي وقع فيها الاختلاف وقصد بالأخرى غير ذلك، كان ما قصد به بيان التحريم والتحليل أولى، كما نقول في قوله - تعالى -:

стр. 829

﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، وفي قوله - تعالى -: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ كل واحد منها عام من وجه خاص من وجه، فكان تقديم قوله - تعالى -: ﴿حرمت علكم أمهاتكم﴾ أولى؛ لأنه قصد بها بيان الأعيان المحرمة، وقصد بقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ بيان العدد الذي يحل ولا يحل. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ يفيد تحريم ما يموت، والشعر لا يحله الموت، وإنما ينقطع نماؤه بموت ما يموت فلم نسلم لكم أن الشعر ميتة. ألا ترى - تعالى - استثنى في الميتة فقال: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾، والضرورة تدعو إلى أكل الميتة، والشعر لا يؤكل، فثبت أن الميتة اسم لما عدا الصوف والشعر، وحصل النص في الامتنان بالصوف والشعر عاما، فلا يقضي عليه، فلا يخصه ذكر الميتة. والجواب الآخر: هو أن الامتنان أيضا يقع بالانتفاع بالأعيان كما يقع تحريمها، فما أمكننا أن نحس موضع النعمة والمنة فهو أولى، وقد بينا أن المنة في سعة استعماله أولى، يشهد لما قلناه: التفرقة بينه وبين الميتة في حال حياة الحيوان فإن الشعر ينتفع به، وجلد الحية لا ينتفع به، وهو ميتة، والمنة في الشعر قد أباحته بخلاف الجلد، ولم يقضوا

стр. 830

بتحريم الجلد الذي هو ميتة في حياة الحيوان على الشعر الذي حصل به الامتنان، فكذلك لا يقضي بتحريم الميتة في حال الموت على الشعر الذي وقع الامتنان به. ويدل على صحة قولنا أيضا: ما روي عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها ووبرها وشعرها إذا غسل بالماء)، وهذا نص، فسقط معه كل ظاهر وقياس، وقوله ﵇: (لا بأس) أي لا ضيق ولا حرج. فإن قيل: هذا الحديث لا يصح، ولو صح لكان السؤال عليه م وجهين. أحدهما: أن قوله ﵇: (لا بأس) لا يفيد الطهارة ورفع النجاسة كما روى البراء بن عازب أن النبي ﵇ قال: (لا بأس ببول ما أكل لحمه).

стр. 831

والوجه الآخر: أن النبي عيه السلام إنما حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل. وهذا معنى غير معتبر - عندنا وعندكم - لأنه - عندنا - لا يطهر بالغسل، و - عندكم - لا يفتقر إلى الغسل، وقد جعل ﵇ من شرطه الغسل. قيل: أما قولكم: إن الحديث لا يصح دعوى بلا برهان فلا يسمع. وقوله ﵇: (لا بأس ببول ما أكل لحمه) فكذلك نقول أيضا، فلا فرق بين الموضعين. وقولكم: إن النبي ﵇ حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل، وأنه

стр. 832

لا يفتقر إلى الغسل - عندكم - فإننا نقول: إنما ذكر الغسل على طريق الندب تنظفا لما يحدث من الحيوان عند موته، والمقصد إعلامنا جواز استعماله، وأنه طاهر في نفسه، ولا ينجسه الموت. ويدل على صحة قولنا: ما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﵇ مر بشاة مولاة ميمونة ميتة، فقال: (ما على أهلها أن لو أخذها إهابها فدبغوه فانتفعوا به). فقالوا: إنها ميتة. فقال: (إنما حرم أكلها)، وروي: (إنما حرم لحمها)، فلم يحرم منها غير ما يؤكل، والشعر لا يؤكل، ولو كان في الشعر روح لوجب أن لا يستباح أخذه إلا بالذكاة، كالجلد واللحم وغيرهما، فما أجمعنا على أنه لو أخذ من حيوان يؤكل لحمه في حال حياته كان طاهرا من غير تذكية علم أنه لا روح فيه. وأيضا فإن النبي ﵇ قال: (ما قطع من حي - وهو حي - فهو ميتة)، فلو كان الشعر فيه روح لوجب إذا جز مما يؤكل لحمه في حياته أن يكون ميتا نجسا، وهم لا يقولون إنه ميت، بل يقولون مثل قولنا إنه طاهر، فدل على أنه لا روح فيه. فإن قيل: فإن الصوف والشعر إذا قطع من حي يؤكل لحمه في حال حياته فإن ذلك ميتة، فإن لم يكن نجسا فقوله ﵇: (فهو ميت)

стр. 833

صحيح لا بدل على تنجيسه. ألا ترى أن السمك ميت وليس بنجس. قيل: فينبغي أن يكون جلد الحي إذا قطع منه ميتا ولا يكون نجسا، وإنما أراد ﵇ أن الذي يقطع من الحيوان في حياته يكنن ميتا كما لو مات الحيوان؛ بدليل الجلد، فإذا كان الشعر يسمى ميتا كان مثل الجلد. فأما السمك فلو قطع جلده أو بعض لحمه وهو حي فإنه بمنزلته لو مات لا فرق بين حياته وموته، فلما تقرر أن الجلد من الشاة لو قطع في حياتها لكان ميتا نجسا كان كذلك في موتها، كان الشعر إذا قطع منها في حياتها لم يكن ميتا نجسا كان كذلك في موتها. فإن قيل: خبر شاة مولاة ميمونة حجة لنا؛ لأنه ﵇ بين حكم الجلد بأنه إذا دبغ انتفع به، وأعرض عن غيره؛ لأنه لا سبيل إلى الانتفاع بشيء من هذه الجملة إلا بالجلد حسب دون غيره، لاسيما على مذهب من يقول: إن الشعر طاهر، فهو في الحال مال عنده، ولم يبين حكمه، فدل على ما ذكرناه. قيل: النبي ﵇ بين حكم الجلد الذي الشعر والصوف عليه فقال: (هلا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به)، فعلم أنه أباح الجلد والشعر جميعا، فلما قالوا له: إنه ميتة، علم أن الجلد ميتة، فقال: (إنما حرم أكلها) إشارة إلى الجلد الذي يتأتى فيه الأكل، وإلى اللحم

стр. 834

أيضا وبقي الجلد والشعر الذي عليه على جملة الانتفاع بقوله: (ألا انتفعوا به)، فلم يحتج إلى بيان ثان. وليس قوله ﵇: (إنما حرم أكرها) بيانا لحكم الانتفاع بها؛ لأنه قد تقدم، وإنما هو بيان لحكم الأكل، وأنه محرم دون الانتفاع به. ولنا أيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن رجلا سأل النبي ﵇ عن الصلاة في الفرا. فقال: (أين الدباغ؟)، ومعلوم أن الدباغ يؤثر في الجلد حسب، فكان حكم على أصل طهارته ويجوز أن نقول: هو شعر منفصل من عين يجوز الانتفاع بها على وجه من غير عذر فأشبه الحي منها. ونقول أيضا: إن الذي ينجس بالموت في حين اتصاله بالحيوان فإن انفصاله منه في حال حياته بمنزلته. دليل ذلك: سائر أبعاضه،

стр. 835

فلما كان الشعر يفارق سائر أبعاضه في حال حياته فارق سائر أبعاضه في حال مماته. ألا ترى أنه لو قطع عضو منه في حال حياته كان بمنزلته في حال مماته، فعلم مخالفة الشعر لسائر أبعاض الميتة. وأيضا فإن تأثير الموت في الجلد الذي هو محل الشعر أبلغ من تأثيره في الشعر. ألا ترى أنه في إبطال الحسن منه، ووصول الألم إليه، وتوكد الإجماع في تحريمه. فإذا لم يوجب نجاسة الشعر في الحال التي فيها ألم الجلد فلأن لا ينجس في حال انقطاع الحس عن الجلد الذي هو محل الشعر أولى. وأيضا فإن صفة الشعر في نفسه لما لم يتغير بموت الأصل عما كان عليه لم يعتبر نفس انقطاع النماء فيه، دليله: الجنين لما كان باقيا على حالته لم يكن انقطاع النماء موت الأصل مانعا نم طهارته. فإن قيل: الجنين في وعاء، والشعر على عين نجسة. قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الشعر على وهاء ينمي بنمائه، فإذا انفصل انقطع نماؤه من الأصل، والجنين في وعاء ينمي بنمائه، فإذا انفصل منه انقطع نماؤه من الوعاء فإذا انفصل من الأصل في حياته فهو كانفصال الشعر منه والنماء منقطع عنهما جميعا من الأصل. ويجوز أن نجعل الجنين أصلا فنقول: هو عين ينفصل في حال حياة الأصل فيحكم بطهارتها، فكان انفصالها بعد الممات على تلك الصفة وفي حكمها، وهذا المعنى موجود في الشعر.

стр. 836

وأيضا فإن وقوع الفعل في نفس الجنين لا يؤثر في إيلام الأصل، فأشبه من هذا الوجه الشعر فوجب أن يتفقا في الحكم. ونقول أيضا: قد اتفقنا على أن صوف الحي من الأنعام وشعره طاهر فكذلك إذا مات؛ بعلة أنه متصل بحيوان لو قطع جلده لكان نجسا. فإن قيل: فإنه متصل بذي روح ينمو بنمائه فوجب أن يكون فيه روح، أصله الجلد واللحم. أو نقول: فوجب أن ينجس. أو نقول: فوجب أن يموت بموت ذاته. واحترزوا بقولهم: متصل بذي بوح من الجنين، وهو ينمو بنماء أمه، ولا ينجس بموتها؛ لأنه ليس متصل بذي روح، وإنما هو في وعاء. وقولهم: ينمو بنمائه احتراز إذا جف بعض بدنه أو أصابه شلل هو متصل بذي روح ثم لا روح فيه، ولا ينجس أيضا بموته؛ لأنه لا ينمو بنمائه؛ لأنه إذا سمن لم يسمن موضع الشلل. قيل: إن الشعر ليس بجزء من الأصل ولا هو من أبعاضه وإن كان متصلا به، ولو كان في حكم الأجزاء لنجس بقطعه في حياة الأصل مثل سائر أجزائه، ولكان يؤلم أخذه ويحس به كما يوجد ذلك في سائر أبعاضه من غير آفة به. ولو صح هذا لكان الأولى أن يحكم بنجاسة الولد؛ لأنه متصل بأمه، ويعتق بعتقها ويصير مذكى بتذكيتها - عندنا وعندهم -. وقولهم: ينمو بنمائه فاسد؛ لأن النماء قد يحصل مع انقطاع نماء الحي، ولا يفسد بموته في العادة الجارية. على أن سائر الأعضاء من اللحم الجلد حجة لنا؛ لأنها لما كانت تنجس بالموت كان كذلك حكمها

стр. 837

إذا انقطعت في حال الحياة، ولما كان الشعر ينفصل في حال الحياة ولا يحكم بنجاسته كان انفصاله بعد الموت كذلك، مثل الجنين. ولا يلزمنا شعر الكلب والخنزير؛ لأنه طاهر في الحياة والموت - عندنا -. فإن قيل: فإن كل ما كان مضمونا من الصيد بالجزاء كأنه فيه روح، أصله اللحم والجلد وتأثيره عندي، وعكسه دمعه وبوله لما لم يكن فيه روح لم يضمن بالجزاء. قيل: لا جزاء - عندنا - في أبعاض الصيد، وإنما الجزاء في إتلاف الصيد جملة سواء كان عليه شعر أو لا فلا يلزم ما ذكرتموه على أننا قد ذكرنا قياسات هي أولى من كل قياس؛ لاستمرارها في الشعر سواء قطع من حي متفق عليه أو ميت، ويطرد لنا في شعر ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه إذا ثبت أنه لا روح فيه لم يختلف حكمه. فإن قيل: قولكم: إن الشعر لا روح فيه ولا يموت غلط؛ لأنه ينمو بنماء الحياة حتى إذا عدم لم ينم. قيل: النماء لا يدل على أن في الشعر حياة؛ لأن الذي فيه الحياة من الحيوان يلحقه الألم؛ ويحس إذا قطع ولا آفة به، والشعر إذا قطع لم يؤلم. فإن قيل: فإن الجلد الغليظ في العقب به آفة فزال الألم منه

стр. 838

بعد أن كان موجودا فيه، فهو كاليد الشلاء، والشعر على كل حال بمنزلة واحدة لا يتعير، ألا ترى أن عقب الصبي ومن هو مترف يألم كما خلق، وشعر الصغير والكبير والمترف على صفة واحدة. فإن قيل: فإن الظفر يقص ولا يؤلم كالشعر، ومع هذا فإن الظفر فيه حياة، وينجس بالموت. قيل: الظفر لا حياة فيه غير أن أصله يسقيه الدم كالريش، فهو ينمس كما ينمي الشعر، ولكن الشعر لا تسقي أصوله الدم. فإن قيل: فإن الرجل الخدرة، ومن شرب البنج، والجنون لا حس لهم ولا ألم، ولم يدل على أنه لا يحكم لهم بحكم الحي، فكذلك الشعر. قيل: إن الرجل الخدرة كان الألم فيها مخلوقا موجودا، ثم قد تعود إذا زال الخدر، وليس كذلك الشعر. وأما المجنون والسكران فبهذه المنزلة، على أنهما يحسان، وإنما تذهب عقولهم فلا يميزون، والشعر ينمي بنماء الحي لاتصاله به، كما ينمي النبات باتصاله بالأرض. فإن قيل: إن في الأرض حساة، قال الله - تعالى -: ﴿أحييناها﴾. قيل: لا يقال فيها روح، فعلم أن ذكر الحياة فيها مجاز، وإنما شبهت بما فيه الحياة. ألا ترى أن الله - تعالى - قال في الزرع إذا

стр. 839

هلك: ﴿ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما﴾، ولم يقل: إنه يموت. وإنما نحن نقول ذلك مجازا، وحقيقة الموت إنما هو فيمن له روح وليس في الأرض ولا في الزرع روح. فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا عام في جميعها. قيل: قد ذكرنا أن حقيقة الميتة لما فيه روح فعدمت منه، وذلك لا ينتفع منه بشيء إلا بدليل. ثم لو تناوله العموم لجاز أن يخص كما خص الجلد بالدباغ، وكما جاز استعمال الشعر في حال الحياة، وقد ذكرنا ما يخص ذلك. فإن قيل: فإن اللبن يؤخذ في حياة الحيوان فيكون طاهرا، ثم إذا مات الحيوان وهو فيه نجس، فكذلك الشعر. قيل: إنما نجس اللبن إذا مات الحي؛ لأنه يحصل بالموت في وعاء نجس لا أنه نجس بموت الحي، وليس كذلك الشعر. ونظير البن وحصوله في وعاء نجس أن يتلوث الشعر بالدم أو يحصل فيه فإنه يغسل، واللبن مائع ينجس بكونه في الوعاء النجس، ولا يمكن غسله. فإن قيل: فإن الشعر والصوف جزء متصل بالبدن مشاهد، له مدخل في الطهارتين الأعلى والأدنى، فيلحقه حكم الحياة والموت كالجلد. قيل: إن الشعر المتدلي من اللحية والرأس مثل الضفائر لا مدخل

стр. 840

له في الوضوء فلا يلحقه حكم التطهير. على أن ثمرة هذا القياس ونتيجته أن الشعر إذا مات نجس فلم يجز استعماله، كالجلد واللحم وهذا فاسد؛ لأنه يوجب إذا قطع من الحي أن يكون كذلك فينبغي أن يكون نجسا كالجلد، فلما جاز الانتفاع به إذا أخذ في الحياة - وهو مع هذا طاهر - سقط ما قلتموه مع استواء حكمهما في الطهارتين. على أن داخل العين لا مدخل له في الطهارتين، وهو يلحقه حكم النجاسة، فعلم أنه لا تعلق لأحدهما بالآخر، وكذلك ما ستره الشعر لا يلحقه حكم التطهير - عندنا -، وهو ينجس بالموت، فلم يكن أحدهما علة في الآخر. ثم لنا أن نعكس عليهم فنقول: لما كان الشعر يلحقه حكم الطهارتين وجب أن يتفق حكمه في انفصاله في الحياة والموت، دليله تساوي سائر الأجزاء في الحياة والموت. فإن قيل: رأينا الجلد له حالتان: إحداهما: تمكن الانتفاع به فيها، وهي الذكاة، والأخرى: يمتنع الانتفاع به فيها، وهو إذا قطع منها في حياتها، فالشعر المضموم إليه مثله بحق القرآن، فينبغي أن يجوز الانتفاع به في حالتين، هما: واحدة في حياة الحيوان، والأخرى في الذكاة. قيل: هذا فاسد؛ لأنه كان ينبغي أن لا يجوز استعماله إلا في الحال التي يجوز فيها الانتفاع بالجلد، لأنه مضموم إليه، فلما جاز

стр. 841

الانتفاع به في الحال التي لا يجوز استعمال الجلد فيها، وهو إذا أخذ في حال الحياة، كذلك يجوز الانتفاع به في حال الممات، وهي حال يكون الجلد فيها نجسا كالحياة. وأيضا فإن الشعر يحدث في الحيوان بعد وجود الحيوان، فهو كالولد يحدث فيه وأجزاء الحيوان موجودة في الخلقة قبل حدوثه، ولا يجوز أن يقال: إن الشعر يجب قطعه الغرم والضمان كالأجزاء؛ وذلك أن وجوب الغرم لا مدخل له في حكم النجاسة والطهارة. ألا ترى أن ما لا قيمة له في الأشياء الطاهرة لا يجب به ضمان، وما له قيمة من النجس يتعلق به الضمان، فصار هذا الكلام لغوا؛ لأن قائلا لو قال: لما جاز أن تكون الأجزاء مغصوبة جاز أن تلحقها النجاسة لكان ذلك لغوا. وأيضا فإن تساوي الشعر والأجزاء في الضمان لما لم يوجب تساويهما في حال الحياة في النجاسة والطهارة وجب أن يكون كذلك بعد الموت، فكل فرق يفرقون به بين الأمرين فهو فرقنا في السؤال. فإن قيل: لما كان تحريم الميتة يعم سائر المسلمين غير المضطرين، كما أن تحريم الصيد يعم جميع المحرمين غير المضطرين، ثم لو كان أحد التحريمين يتعلق بجميع أجزائه من الصيد فوجب أن يكون كذلك حكم الأجزاء في الميتة. قيل: هذه دعوى لم تجمعوا بينهما بمعنى فلا تقبل إلا بدليل. وأيضا تعليل بحكم مجهول؛ لأن أحد التحريمين يعود إلى إتلاف، وهو صيد المحرم، والتحريم في الميتة يعود إلى نجاستها، وإلى بطلان

стр. 842

الصلاة معها، فقولكم: إن أحد التحريمين يتعلق بجميع أجزائه من غير أن تبينوا حكم التحريم وكيفيته تعليل بمجهول، وهذا غير صحيح. وعلى أن هذا منتقض بالحيوان في حياته؛ لأن تحريم سائر أجزائه يعم سائر المسلمين غير المضطرين، لأنه ما قطع منه فهو حرام ولم تستو أجزاؤه وما هو متصل به من صوفه وشعره، فكذلك في مسألتنا، وبالله التوفيق.

стр. 843

فصل فأما عظم الميتة وسنها وقرونها وريشها فهو - عندنا - نجس، وكذلك عظم الفيل ونابه، فإن ذكي فهو طاهر بناء على أصلنا في أن الذكاة تعمل في جلود السباع ولحومها. وقال أبو حنيفة: عظام الميتة وسنها وقرونها وريشها طاهر، وكذلك عظام الفيل، بناء على أصله أنه لا حياة فيها، وأن الذكاة تعمل في السباع وتطهرها وإن كانت نجسة في حياتها، فسواء ذكيت أو ماتت فإن العظام طاهرة؛ لأنه لا روح فيها. ووافقنا الشافعي على أن عظام الميتة نجسة وقرونها وسنها، وإنما خالفنا في صوفها ووبرها وشعرها، وقد مضى الكلام معه في ذلك، وخالفنا في أن الذكاة لا تعمل فيما لا يؤكل لحمه وقد مضى الكلام عليه.

стр. 844

والدليل لقولنا وقول الشافعي على أبي حنيفة في أن عظام الميتة نجسة: قول النبي ﵇: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله. فإن قيل: ليس العظم منها فلا يتناوله اسم ميتة. قيل: عن هذا أجوبة. أحدهما: أن اسم الميتة يقع على جملتها والسن فيها. وأيضا: ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن الفيل، وقال: إنه ميتة، وهذا تعليل منه فكأنه قال: لأنه ميتة.

стр. 845

وأيضا: فإن الله - تعالى - قال: ﴿من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾، وقال: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما﴾، وقال: ﴿أءذا كنا عظما نخرة﴾، وقال: ﴿فكسونا العظام لحما﴾، فالأصل هو العظام، والروح والحياة فيها كما هي في اللحم والجلد. وأيضا: يألم كما يألم اللحم والجلد. فإن قيل: القرن يقطع فلا يألم، ويتبرد السن فلا يألم، وكذلك الريش. قيل: يجوز أن يكون الظفر والسن والقرن والريش لا روح فيه غير أن أصله يسقيه الدم، فهو بخلاف الشعر والصوف، وأما العظم الذي تحت اللحم فإنه يؤلم كما يؤلم اللحم. ولنا أيضا قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله، وقد بينا أن العظم يموت ويدخله الحياة بقوله - تعالى -: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾، وبما تقدم ذكره.
следующие страницы →