وقال أبو حنيفة: الإِشعار محرم.
ويقلد الغنم (١).
وقال مالك: لا يستحب تقليد الغنم، ولا يصير محرمًا بتقليدها.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يصير محرمًا بتقليدها. فإن كان الهدي تطوعًا، فهو باق على ملكه وتصرفه إلى أن ينحره.
وحكي عن بعض أصحاب مالك: (أنه) (٢) قال: يصير بالإِشعار والتقليد واجبًا حتى أنه لو كان قد أحرم بالعمرة وساق هديًا تطوعًا، ثم أحرم بالحج، لم يجز أن يصرفه إلى قرانه. وإن كان الهدي منذورًا، زال ملكه عنه، وصار للمساكين، فلا يجوز له بيعه، ولا إبداله بغيره (٣).
وقال أبو حنيفة: يجوز له بيعه وإبداله بغيره.
ويجوز له أن يشرب من لبنه ما يفضل عن ولده.
стр. 1052
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يشوب من لبنه شيئًا، يل يرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن إذا لم يكن هناك ولد.
وحكم الأضحية المنذورة، حكم الهدي في ذلك، وما وجب من الدماء جبرانًا، لا يجوز أن يأكل منه.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يأكل من دم التمتع والقران، لأنه عنده نسك.
وقال مالك: يجوز أن يأكل من جميع الدماء الواجبة إلا جزاء الصيد، وفدية الأذى.
وإن عطب الهدي نحره، وغمس نعله في دمه وضرب به صفحته (١) ولا يجوز أن يأكل منه، وهل يجوز لفقراء الرفقة الأكل منه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز، ومن يمر به بعد ذلك، هل يجوز له الأكل منه بالعلامة من غير سماع الإباحة من المهدي؟ على قولين:
أحدهما: أنه يباح (له) (٢) بالعلامة.
والثاني: لا يباح.
فإن أخر ذبحه حتى مات، أو أتلفه ضمنه بأكثر من الأمرين من قيمته، أو هدي مثله.
وقال أبو حنيفة: يضمنه بقيمته لا غير.
стр. 1053
فإن كانت قيمته أكثر من هدي مثله اشترى هديًا، وينظر في الزيادة. فإن أمكنه أن يشتري بها هديًا آخر، لزمه ذلك، (فإن) (١) لم يمكنه أن يشتري بها هديًا آخر، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: (أنه) (٢) يشتري بها جزءًا من حيوان يشارك فيه غيره، ويذبحه.
والثاني: أن يشتري بها اللحم.
والثالث: أن يتصدق بالفضل.
ذكر في "الحاوي": إنا إذا قلنا يشتري (به) (٣) جزءًا من حيوان، كان حكمه، حكم الهدايا، والضحايا، وإن قلنا: إنه يشتري بها لحمًا، أو يفرق الزيادة، فهل يسلك به مسلك الهدايا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلك به مسلك الهدايا.
والثاني: أنه يختص به الفقراء، فلا يجوز أن يأكل منه شيئًا.
وإن أتلفه أجنبي من غير تفريط من جهة (المهدي) (٤)، وجبت عليه القيمة، فإن زادت القيمة على هدي مثله، كان في الزيادة ما ذكرناه من الوجوه، وإن لم تبلغ قيمته هديًا مثله، فهو على الأوجه المتقدمة.
وحكى في "الحاوي": في (المهدي) (٥) وجهين:
أحدهما: ما ذكرناه.
стр. 1054
والثاني: أنه يلزمه هدي.
وإن ذبحه أجنبي بغير إذنه، وقع الموقع، ويلزمه أرش ما نقص من قيمته.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه.
وقال مالك: لا يجزى عنه، يلزمه هدي (بدله) (١)، أو أضحية إن كانت أضحية، وله على الأجنبي الأرش وتكون شاة لحم.
وحكم الأرش عندنا ما ذكرناه في الزيادة.
وحكي في "الحاوي" في هذا الأرش ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون (للمهدي) (٢).
والثاني: أنه للمساكين خاصة.
والثالث: أنه يسلك به مسلك الضحايا.
فإن ذبح رجلان كل واحد منهما أضحية الآخر، وفرق لحمها، لم يجزه وضمن كل واحد منهما قيمة أضحية صاحبه له. وفي القيمة وجهان:
أحدهما: وهو قول الجمهور أنه يضمن قيمتها قبل الذبح.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يضمن أكثر الأمرين من قيمتها حية، أو قيمة لحمها بعد الذبح (لتعدّيه) (٣) بالتفرقة وهو الأظهر.
стр. 1055
ويكره ذبحها ليلًا.
وقال مالك: لا يجزىء ذبحها ليلًا، حكاه في "الحاوي".
فإن ضل الهدي المعين، فهل يجب عليه مثله؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب.
فإن عين هديًا عما في ذمته، تعيّن وزال ملكه عنه، وحكمه حكم المعين ابتداء، وهل يتبعه الولد الحادث؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يتبعه.
فإن حدث به عيب يمنع الإِجزاء، أو عطب فنحره عاد الواجب إلى ذمته، وهل يعود ما نحره إلى ملكه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعود إلى ملكه، فيجوز له أكله ثم ينظر، فإن كان الذي عينه أعلى مما في ذمته، ففيه وجهان:
أحدهما: (أنه) (١) يلزمه مثل ما عينه.
والثاني: أنه يهدي مثل الذي في ذمته.
стр. 1056
باب الأضحية
الأضحية سنة مؤكدة (١)، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: هي واجبة على المقيمين من أهل الأمصار (٢) ويعتبر في وجوبها النصاب، وهو قول مالك، والثوري، ولم يعتبر (مالك) (٣) الإقامة.
стр. 1057
ووقت الأضحية إذا طلعت الشمس من يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، صل الإِمام أو لم يصل (١).
فمن أصحابنا من قال: يعتبر قدر صلاة رسول اللَّه ﷺ (وخطبتيه) (٢)، وكان ﷺ يقرأ سورة قاف، واقتربت الساعة، وقد نص الشافعي ﵀ على ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يعتبر قدر ركعتين خفيفتين أقل ما تكون صلاة عامة، وخطبتين خفيفتين.
ومن أصحابنا من قال: وقت الأضحية كان في عهد رسول اللَّه ﷺ (بفعل) (٣) الصلاة والخطبتين، وبعده يدخل وقتها بقدر الصلاة والخطبتين.
وقال عطاء: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: من شرط صحة الأضحية، أن يصلي الإِمام ويخطب، إلا أن أبا حنيفة قال: يجوز لأهل السواد أن يضحوا إذا طلع الفجر الثاني، وآخر وقتها آخر أيام التشريق.
وقال أبو حنيفة، ومالك: وقت الأضحية يوم النحر ويومان بعده.
وقال سعيد بن جبير: يجوز لأهل الأمصار يوم النحر خاصة، ولأهل السواد فيه وفي أيام التشريق.
وقال ابن سيرين: لا يجوز التضحية إلا في يوم النحر خاصة.
стр. 1058
وحكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي: وقتها (من) (١) يوم النحر إلى آخر ذي الحجة. فإن كانت الأضحية واجبة، لم يسقط بفوات أيام التشريق، ويذبحها وتكون قضاء.
وقال أبو حنيفة: يسقط الذبح ويدفعها إلى الفقراء، فإن ذبحها وفرق لحمها، ضمن ما نقصت بالذبح.
وحكي في "الحاوي": قال بعض الفقهاء: ينتظر بها إلى مثل وقتها من العام المقبل كما ينتظر بفوات الحج قضاؤه في مثل وقته.
فإذا ذبحها، كان حكمها (حكم) (٢) ما في وقتها.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إنها تكون للمساكين خاصة لا يأكل منها شيئًا.
ومن دخل عليه عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحي فالمستحب، أن لا يحلق شعره، ولا يقلم (أظفاره) (٣)، وقد روي في الخبر (٤): أن لا يمس شعره ولا بشره شيئًا.
فمن أصحابنا من قال: أراد بالشعر شعر الرأس، وبالبشرة شعر البدن، فعلى هذا لا يدخل منه قلم الظفر (ولا يكره) (٥).
стр. 1059
وقيل: المراد بالشعر جميع الشعر، وبالبشرة الأظفار.
ومن أصحابنا من قال: لا تثبت الكراهة في ذلك إلا بعد تعيين الأضحية من ماشيته، أو (سواها) (١)، والمذهب الأول.
وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك بحال.
وقال أحمد: يحرم ذلك.
ولا يجزىء في الأضحية إلا الأنعام وهي: الإِبل، والبقر، والغنم (٢)، ولا يجزىء إلا الثني من الإِبل والبقر، والمعز، ويجزىء الجذع من الضأن (٣).
والثني من الإبل: ما له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر والغنم ما له سنتان ودخل في الثالثة.
وحكي عن الزهري أنه قال: لا يجزىء الجذع من الضان أيضًا.
وقال الأوزاعي: يجزىء الجذع من جميع الأجناس.
والبدنة أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من شاة، والشاة أفضل من مشاركة ستة في بدنة أو بقرة، والضان أفضل من المعز، وبه قال أبو حنيفة وأحمد (٤).
стр. 1060
وقال مالك: الجذع من الضأن أفضل من الثني من البقر، ثم الثني من الإبل.
ولا يجزىء ما فيه عيب ينقص اللحم كالعمياء، والجرباء، والعرجاء التي تعجز عن المشي في المرعى (١).
وحكي في "الحاوي": عن بعض أهل الظاهر أنه قال: تجزىء العمياء.
ذكر في "الحاوي": في المريضة مرضًا يسيرًا، (أن) (٢) الشافعي ﵀ أشار في القديم: أنها (لا تجزىء) (٣).
وقال في الجديد: تجزىء.
وذكر في "الحاوي" أيضًا: أن (العجز) (٤) إن كان لمرض، لم يجز، وإن كان لغير مرض، أجزأ (وليس بشيء) (٥).
стр. 1061
ويكره (الجلحاء) (١)، وهي التي لم يخلق لها قرن، والعصماء، وهي التي انكسر غلاف قرنها، والعضباء، (وهي) (٢) التي انكسر قرنها، والشرقاء وهي التي (تثقب من الكي) (٣) إذنها، والخرقاء التي شق بالطول إذنها، ويجزىء جميعها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: إن كانت العضباء يخرج من قرنها الدم، لم يجز.
وقال النخعي وأحمد: لا تجوز التضحية بالعضباء.
وتكره التضحية بمقطوعة الإِذن وتجزىء.
وقال أحمد: لا يجوز التضحية بها.
والمستحب أن يذبح أضحيته بنفسه (٤)، فإن استناب يهوديًا، أو نصرانيًا في ذبحها، كره وأجزأه (٥).
وقال مالك: لا تكون أضحية.
فإن اشترى شاة بنية الأضحية، لم تصر أضحية.
وقال أبو حنيفة: تصير أضحية.
стр. 1062
ويستحب أن يسمي اللَّه (١)، ويصلي على النبي ﷺ .
وقال مالك وأبو حنيفة: تكون الصلاة على النبي ﷺ (على الذبح) (٢).
وقال أحمد: ليس بمشروع وحكاه في "الحاوي" عن أبي علي ابن أبي هريرة من أصحابنا، أنه لا يستحب ولا يكره.
ويستحب أن يقول: اللهم منك وإليك تقبل مني (٣).
وقال أبو حنيفة يكره ذلك.
وحكي في "الحاوي" وجهًا آخر: أنه لا يستحب ولا يكره. وإذا ذبح الأضحية وكانت تطوعًا، (استحب) (٤) له أن يأكل منها (٥).
وحكي عن بعض الناس أنه قال: الأكل منها واجب وحكاه في "الحاوي" عن أبي حفص بن الوكيل وليس بشيء.
وقال أبو الطيب بن سلمة: الأكل واجب، والصدقة واجبة.
وفي قدر الأفضل في الأكل قولان:
стр. 1063
أحدهما: أن الأفضل أن يأكل النصف، ويتصدق بالنصف.
وقال في الجديد: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث. وأما الجواز.
(فقد قال) (١) أبو العباس بن سريج وابن القاص: يجوز أن يأكل الجميع.
ومن أصحابنا من قال: يجب أن يبقي منه قدر ما يقع عليه اسم الصدقة، فإن أكل الجميع، لم يضمن على قول أبي العباس شيئًا، ويضمن على قول سائر أصحابنا، وكم قدر ما يضمن؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يضمن أقل ما يجزىء (٢).
والثاني: أنه يضمن القذر المستحب بناءً على القولين فيه، إذا فرق (سهم) (٣) الفقراء على اثنين، كم يضمن للثالث (٤).
وحكي في "الحاوي" وجهًا آخر عن أبي إسحاق المروزي، وأبي علي ابن أبي هريرة: أنه يضمن جميعها بأكثر الأمرين من قيمتها، أو مثلها، فحصل في قدر ما يضمنه أربعة أوجه.
أحدها: الجميع.
والثاني: النصف.
стр. 1064
والثالث: الربع.
والرابع: أقل ما يجزىء.
فإن كان ما ذبحه وجب عليه عن نذر مجازاة (١)، لم يجز أن يأكل منه (٢)، فإن أكل منه شيثًا ضمنه، وفيما يضمنه به، الأوجه الثلاثة التي تقدم ذكرها في الهدي (٣).
(فإن) (٤) كان قد التزمه بنذر مطلق، ففيه ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا يجوز أن يأكل (منه) (٥) شيئًا.
والثاني: (أنه) (٦) يجوز أن يأكل منه.
والثالث: أنه إن كان أضحية، جاز له الأكل منه، وإن كان هديًا، لم يجز.
قال أقضى القضاة الماوردي: والأصح عندي أن ينظر إلى المنذور، فإن كان مستعينًا، لم يضمن في الذمة كقوله: للَّه علي أن أضحي بهذه البدنة، جاز له أن يأكل منها، وإن كان مضمونًا في
стр. 1065
الذمة، كقوله: للَّه علي أن أضحي بدنة، فلا يجوز أن يأكل منها، وليس لما ذكره معنى يعول عليه.
فإن أخر الأضحية، فتلفت في يد المستأجر، لم يضمنها المستأجر وضمنها المؤجر، ويضمن المستأجر الأجرة، وفي قدر ما يضمنه وجهان:
أظهرهما: أنه يضمن أجرة المثل.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، أنه يضمن أكثر الأمرين من الأجرة المسماة، أو أجرة المثل، ثم (قال) (١): ماذا يصنع بهذه الأجرة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلك بها مسلك الأضحية.
والثاني: أنها تصرف إلى الفقراء والمساكين.
ولا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية نذرًا كان أو تطوعًا (٢)، وحكي في جواز تفرد المضحي بجلد الأضحية وجهان:
أحدهما: يجوز (٣).
стр. 1066
والثاني: لا يجوز حتى يشارك فيه الفقراء.
وقال الأوزاعي: يجوز بيع جلودها بآلة البيت التي تعار كالفأس، والقدر، والمنخل، والميزان.
وقال عطاء: لا بأس بيع أهب الأضاحي.
وقال أبو حنيفة: إذا ذبحها، جاز له بيع ما شاء منها والتصدق بثمنه، فإن باع جلدها بآلة البيت، جاز له الانتفاع به.
ويجوز أن يشترك السبعة في بدنة، وفي بقرة (١)، سواء كانوا (متقربين) (٢) أو بعضهم يريد اللحم، أهل بيت واحد كانوا أو متفرقين (٣).
وقال مالك: إن كان متطوعًا، جاز إذا كانوا أهل بيت واحد.
وقال أبو حنيفة: إذا كانوا متقربين، جاز.
وقال إسحاق بن راهوية: البدنة عن عشرة، والبقرة عن عشرة.
وحكم الهدايا والضحايا سواء إلّا في المحل، فإن الهدايا تحمل
стр. 1067
(إلى) (١) الحرم، والضحايا تكون في كل بلد، وهل يتعين البلد؟ (ذكر) (٢) فيه وجهان بناء على القولين في نقل الصدقة، فإن ضلت الأضحية في أيام النحر وقد مضى بعضها، وبقي بعضها، فهل يكون مفرطًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يكون مفرطًا.
والثاني: أنه مفرط.
فإن ولدت الأضحية، تبعها ولدها فيذبحهما جميعًا، فإن تصدق بأحدهما وأكل الآخر، (فهل) (٣) يجوز؟ ، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يجوز حتى يتصدق من كل واحد منهما ويأكل.
والثاني: أنه يجوز ذلك.
والثالث: أنه إن تصدق (بالأم) (٤)، وأكل الولد، جاز، وإن تصدق بالولد، وأكل الأم لم يجز.
فإن التزم أضحية (معينة سليمة من العيوب، فحدث بها عيب، لم يمنع إجزاءها.
وقال أبو حنيفة: يمنع.
فإن أوجب أضحية (٥) (معيبة) (٦) فزال عيبها، فهل تجزئه؟ فيه قولان:
стр. 1068
قال في الجديد: لا تجزىء.
وقال في القديم: (تجزىء) (١).
ويجوز الإدخار من لحوم الأضاحي، واختلف أصحابنا في قوله ﷺ إنما نهيتكم (من) (٢) أجل الدافة، يعني (عن) (٣) الإدخار.
فمنهم من قال: هو نهي تحريم على العموم في المدينة التي دفت البادية إليها، وفي غيرها، يحرم إدخار لحم الأضاحي بعد ثلاث في جميع البلاد، (وعليه) (٤) جميع المسلمين، وكانت الدافة سببًا (للتحريم) (٥)، ثم وردت (الإباحة) (٦) بعده نسخًا للتحريم، فعلى هذا: إذا قدم إلى بلد، لم يحرم فيه ادخار الأضاحي.
والوجه الثاني: أنه نهي تحريم خاص لمعنى حادث اختص بالمدينة (ومن) (٧) فيها دون غيرهم لنزول الدافة فيهم، ثم ارتفع التحريم بارتفاع علته، (فعلى) (٨) هذا اختلف أصحابنا إذا حدث مثل ذلك في زماننا، فدف ناس إلى بلد هل يحرم على أهله إدخاره؟ فيه وجهان:
стр. 1069
أحدهما: أنه يحرم عليهم كما حرم على أهل (المدينة) (١).
والثاني: لا يحرم.
فأما العبد إذا ضحى بإذن مولاه عن نفسه وقلنا: إنه (يملك) (٢)، صح ذلك، وليس للسيد أن يرفع فيها بعد الذبح، فأما قبل الذبح، فإن كان قبل إيجاب الأضحية وتعيينها، صح رجوعه فيها، وإن كان بعد إيجابها وتعيينها، لم يجز.
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (٣): وعندي (أنه) (٤) لا فرق بين ما قبل الذبح، وبين ما بعده فيما ذكره من الرجوع وعدمه، ويجوز أنا يختلف الإِيجاب والتعيين وعدم الإِيجاب.
وأما المكاتب إذا أذن له المولى في التضحية، ففيه قولان.
(قال الإمام أيده اللَّه) (٥): إن ذلك يبنى على أن تبرعات المكاتب بإذن المولى، هل تصح أم لا؟ .
стр. 1070
فصل في العقيقة
العقيقة سنة، (وهو) (١) ما يذبح عن المولود (٢).
وقال أبو حنيفة: ليست بسنة.
وقال الحسن البصري وداود: هي واجبة.
ووقت الذبح: اليوم السابع (٣)، وفي أول وقت جوازه وجهان:
стр. 1071
أحدهما: من يوم الولادة.
والثاني: بعد يوم الولادة.
ويستحب (أن) (١) يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة (٢).
وقال مالك: شاة عن الغلام أيضًا.
وفي كسر عظمها وجهان:
أحدهما: وهو قول البغداديين (٣).
والثاني: لا يكره وهو قول البصريين.
ولا يمس رأس المولود بدم العقيقة (٤).
وقال قتادة: تؤخذ صوفة من صوفها، فيستقبل بها أوداجها، ثم تجعل على يافوخ الصبي حتى يسيل، ثم يغسل.
стр. 1072
باب النذر
يصح النذر من كل مسلم بالغ عاقل، ولا يصح نذر الكافر، وقيل: يصح (١). ولا يصح النذر إلّا بالقول: فيقول: للَّه علي (كذا أو علي كذا) (٢).
وقال في القديم: إذا اشترى بدنة وقلدها ونوى أنها هدي أو أضحية، صارت هديًا وأضحية (٣).
وخرج أبو العباس وجهًا آخر: أنه يصير هديًا وأضحية بمجرد النية.
стр. 1073
فإن قال: إن اشتريت شاة فللَّه على أن أجعلها أضحية، فاشتراها، لزمه أن يجعلها أضحية، وهو نذر مضمون في الذمة، غير متعلق بعين فلزم.
وإن قال: إن اشتريت هذه الشاة، فللَّه علي أن أجعلها أضحية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يغلب حكم التعيين، فلا يلزمه.
والثاني: أنه يلزمه، والفرق بين المسألتين في الوجهين لا يتحقق.
ونذر المعاصي لا يصح (١) ولا يلزم بة قربة كنذر صوم يوم العيد وأيام التشريق وأيام الحيض وغير ذلك.
وحكى الربيع: أن المرأة إذا نذرت صوم أيام حيضها، لزمها كفارة يمين (٢).
وقال أبو حنيفة: (ينعقد) (٣) نذره بصوم العيد، وأيام التشريق، غير أنه لا يجوز أن يصوم المنذور (فيها) (٤)، فإن صامه صح.
فإن نذر الصلاة في أوقات النهي، فقد حكي فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: وهو اختيار الشيخ الإِمام أبي إسحاق، أنه لا يصح نذره.
стр. 1074
والثاني: أنه يصح نذره، ويجوز أن يصليها في هذا الوقت.
والثالث: أنه ينعقد نذره على القضاء في غيره دون (الوفاء فيه) (١).
وإن نذر ذبح ولده، لم ينعقد نذره ولم (يلزم به شيء) (٢)، وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يلزمه (ذبح) (٣) شاة، وكذا إذا نذر ذبح نفسه.
وإن نذر ذبح والده أو عبده، لم يلزمه شيء.
وعن أحمد: روايتان.
إحداهما: أنه يلزمه ذبح كبش.
والثانية: أنه يلزمه كفارة يمين، وحكي ذلك عن سعيد بن المسيب.
فإن قال: للَّه علي صوم، أو صلاة، لزمه ذلك في أظهر الوجهين، وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي سعيد الإصطخري، وأبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: لا يلزمه، وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي بكر الصيرفي.
وإن نذر قربة في (لجاج) (٤) بأن قال: إن كلمت فلانًا فلله علي
стр. 1075
صوم، أو صلاة، أو صدقة بماله، خير بين كفارة يمين، أو بين الوفاء بما التزمه.
ومن أصحابنا من قال: إن كانت القربة حجًا أو عمرة، لزمه الوفاء به.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الوفاء به بكل حال إن لم يكن (له) (١) مال. فإن كان صدقة بمال، لزمه أن يتصدق بالمال (الزكاتي) (٢).
وقال مالك: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، وبه قال الزهري.
وقال النخعي وعثمان البتي (٣): يتصدق بجميع ماله (الزكاتي) (٤) وغير الزكاتي.
وقال ربيعة: يلزمه أن يتصدق من ماله بقدر الزكاة.
وقال جابر بن زيد بن (الشعثاء) (٥): إن كان ماله كثيرًا، لزمه أن يتصدق بعشره، وإن كان وسطًا تصدق بسبعه، وإن كان قليلًا، تصدق بخمسه، والكثير ألفان، والوسط ألف، والقليل: خمس مائة.
стр. 1076
وحكي عن الحكم وحماد أنهما قالا: لا يلزمه شيء.
فإن نذر أن يتصدق بماله، لزمه أن يتصدق بجميعه (١).
وقال أبو حنيفة: يتصدق بالمال الزكاتي.
وإن نذر أن يعتق رقبة، أجزأه ما يقع عليه اسم الرقبة على ظاهر المذهب (٢).
وقيل: لا يجزئه إلَّا ما يجزىء في الكفارة، (وأصله القولان فيه) (٣): إذا نذر هديًا.
قال في القديم: يهدي (ما شاء) (٤) (ما يقع) (٥) عليه الاسم (٦).
وقال في الجديد: لا يجزئه إلَّا ما يجزىء في الأضحية، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.
стр. 1077
فإن نذر أن يهدي بدنة، أو بقرة، أو شاة، أجزأه على القول الأول (ما يقع عليه الاسم) (١).
(وعلى القول الثاني) (٢): لا يجزئه إلَّا ما يجزىء في الأضحية.
فإن نذر أن يهدي شاة، فأهدى بدنة، أجزأه، وهل يكون جميعها واجبًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن جميعها واجب (٣).
والثاني: أن سبعها واجب (٤).
فإن نذر بدنة وهو واجد لها تعينت عليه في أحد الوجهين، فإن لم يجد بدنة، فبقرة، فإن لم يجد، انتقل إلى سبع من الغنم.
ومن أصحابنا من قال: ثبتت البدنة في ذمته إلى أن يقدر عليها.
والوجه الثاني: أنه يتخير بينها وبين (البقرة) (٥) وبين السبع من الغنم.
فإن نذر بدنة من الإِبل، تعينت عليه، فلا تجزئه البقرة، والغنم وجهًا واحدًا كذا ذكره الشيخ أبو نصر ﵀.
فإن عدمت الإِبل، فالمنصوص عليه: أنه يجزئه البقرة بالقيمة، فإن كانت قيمتها كقيمة البدنة من الإِبل، أجزأت، وإن كانت أقل أخرج الفضل، ولم يعتبر القيمة إذا أطلق.
стр. 1078
ومن أصحابنا من قال: تجب البدنة في ذمته، كذا حكى الشيخ أبو نصر ﵀، ولم (يحك) (١) في البدنة المطلقة ذلك.
وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا نذر بدنة من الإِبل، (فلا بدل لها) (٢) في أحد الوجهين.
وفي الثاني: لها بدل.
وفي حكم انتقاله إليه وهو البقرة وجهان:
أحدهما: (ينتقل) (٣) من غير اعتبار قيمة، فإن لم يجد بقرة، انتقل إلى سبع من الغنم، فإن لم يجد، لم ينتقل إلى صيام ولا إطعام.
والوجه الثاني: أنه يعدل إلى البقرة بأكثر الأمرين منها، أو قيمة البدنة، وكذا في انتقاله من البقرة إلى الغنم، وفي القيمة التي تعتبر في الانتقال إلى الغنم ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعتبر أكثر الأمرين من قيمة البدنة، أو سبع من الغنم.
والثاني: أنه يعتبر أكثر الأمرين، من قيمة البقرة، أو سبع من الغنم.
والثالث: أنه يعتبر أكثر الثلاثة من قيمة البدنة أو البقرة، أو سبع من الغنم.
فإن نذر أن يهدي إلى الحرم، لزمه ذلك، وفيه إذا أطلق وجهان:
أظهرهما: أنه يلزمه أن يهدي إلى الحرم.
стр. 1079
والثاني: أنه لا يتعين الحرم، فيهدي حيث شاء (١) فعلى هذا إذا نذر أن يهدي (لرتاج) (٢) الكعبة، أو عمارة مسجد، صرفه فيما نذره، وإن لم يعين ما يصرفه فيه، بل نذر أن يهدي، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصرفه فيما شاء من القرب.
والثاني: أنه يصرفه إلى الفقراء والمساكين في البلد الذي نذر أن يهدي إليه.
ومن أصحابنا من حكى: أنه إذا قال: للَّه علي أن أجعل هذا المتاع هديًا، لزمه نقله إلى الحرم، وإن قال: للَّه علي أن أهدي هذا المتاع، ولم يجعله هديًا، فقد تقابل فيه عرف اللفظ وهو (الهدية) (٣) بنية الهبة وعرف الشرع، فإن لم يكن له نية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحمل على عرف الشرع.
стр. 1080
والثاني: أنه يجمل على عرف اللفظ (١).
فإن نذر هديًا للكعبة، صرف في مصالحها، فإن نذر هديًا لأهل الحرم، صرف إلى المساكين، وهل يصرف منه إلى ذوي القربى؟ فيه وجهان:
وإن نذر النحر في الحرم، لزمه النحر فيه، وهل يلزمه تفرقة اللحم (فيه) (٢)؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يلزمه النحر والتفرقة في الحرم.
والثاني: أن له التفرقة في غير الحرم.
وإن نذر النحر في الحرم، والتفرقة على أهل الحل، لزمه التفرقة على مساكين الحل، وهل يلزمه النحر في الحرم؟ فيه قولان حكاهما أبو علي ابن أبي هريرة.
وإن نذر النحر في بلد غير الحرم، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه النحر وتفرقة اللحم.
والثاني: أنه لا يصح نذره.
وذكر في "الحاوي": أنه إذا نذر النحر بالبصرة وتفرقة اللحم بها، لزمه تفرقة اللحم بالبصرة، وهل يلزمه النحر بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه النحر بها، كما لو نذر النحر في الحرم.
والثاني: لا يلزمه النحر بها.
وإن نذر النحر بالبصرة وأطلق، ففيه ثلاثة أوجه:
стр. 1081
أحدها: أنه يلزمه النحر بالبصرة، والتفرقة بها.
والثاني: يلزمه النحر في البصرة، والتفرقة حيث شاء.
والثالث: أنه ينحر حيث شاء، ويفرق في البصرة.
وإن نذر النحر مطلقًا، ففيه قولان بناء على نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، وفي هذا البناء في هذه الصورة نظر.
وإن نذر الصلاة، لزمه أن يصلي ركعتين في أظهر القولين، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، ويلزمه في القول الثاني ركعة.
وإن نذر صلاة في المسجد الحرام، تعين عليه فعلها فيه (١)، وإن نذر صلاة في المسجد الأقصى، ومسجد رسول اللَّه ﷺ ، لزمه ذلك في أصح القولين.
وقال أبو حنيفة: لا يتعين الصلاة بالنذر في مسجد بحال.
(فإن) (٢) نذر صوم سنة بعينها، لزمه صومها متتابعًا، فإن كان الناذر امرأة فحاضت، فهل تقضي أيام حيضها؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يلزمه قضاؤها (٣).
стр. 1082
والثاني: أنه لا يلزمها (١).
وإن أفطر في هذه السنة لمرض، فهل يقضي ذلك؟ فيه وجهان، وإن أفطر لسفر، لزمه قضاؤه وجهًا واحدًا، فإن كان قد شرط التتابع في (صوم) (٢) هذه السنة، فأفطر من غير عذر، لزمه الاستئناف، وإن أفطر لمرض، فهل يلزمه الاستئناف؟ فيه قولان: وإن أفطر لسفر وقلنا: ينقطع (التتابع) (٣) بالمرض، ففي السفر أولى، وإن قلنا: لا ينقطع بالمرض ففي السفر وجهان:
وإن نذر صوم سنة مطلقة، وشرط (فيها) (٤) التتابع، كان الحكم فيها على ما ذكرناه. وإن نذر صوم كل اثنين، لم يلزمه قضاء أثانين رمضان، وفيما يوافق أيام العيد قولان:
أصحهما: أنه لا يقضيها.
فإن (لزمه) (٥) صوم شهرين متتابعين، ثم نذر صوم كل اثنين فإنه يصوم الشهرين ويقضي الأثانين التي تقع (فيهما) (٦)، كما لو سبق نذر الأثانين.
وقيل: لا للزمه قضاء الأثانين في هذا النذر.
стр. 1083
فإن نذر صوم يوم بعينه وأفطر لعذر قضاه.
وقال مالك: إذا أفطر لمرض، لم يلزمه قضاؤه.
فإن نذر صيام عشرة أيام مطلقة، وشرط أن يصومها (فصامها) (١) متتابعة، ففيه وجهان:
أظهرها: أنه يجزئه، فإن قال: للَّه علي أن أصوم عشرة أيام، جاز أن يصومها متتابعًا ومتفرقًا.
وقال داود: يلزمه أن يصومها متتابعًا.
فإن نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، ففي صحة نذره قولان:
أحدهما: أنه صح نذره، وهو اختيار القاضي أبي الطيب ﵀، واختيار المزني.
والثاني: لا يصح، وهو اختيار الشيخ أبي حامد.
- فإن قلنا: يصح نذره، وكان الناذر في يوم قدومه صائمًا صوم التطوع، فإنه يتمه، ويقضي عن نذره، وهل يلزمه إتمامه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يتحتم إتمامه.
وإن كان صائمًا فيه صوم قضاء، أو كفارة، لزمه إتمامه عن فرضه، وهل يلزمه قضاؤه عن ذلك الفرض؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يلزمه قضاؤه.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، أنه يستحب له قضاؤه ولا يجب، وعليه أن يقضي صوم النذر للقدوم، وإن كان صائمًا يوم
стр. 1084
القدوم عن فرض (متعين) (١) كصوم رمضان، والنذر المعين، أكمل صومه عن فرضه ولم يلزمه قضاؤه ويستحب له قضاؤه، ويقضي عن النذر، هذا كله ذكره في "الحاوي".
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (٢): وعندي أن ذكر القضاء، للصوم الذي وافق يوم القدوم لا وجه له واجبًا ولا مستحبًا، لأنه يعتد به عما شرع فيه لا خلاف فيه، وموافقة النذر له ما أوجبت خللًا فيه محال، وكذا (إيجاب) (٣) الإتمام في التطوع لا وجه له، فإنه لم يخرج عن كونه تطوعًا، والزمان لا حرمة له في نفسه.
فإن نوى صيام غد عن نذر القدوم وهو على ثقة من قدومه فيه فقدم فيه، فهل يجزئه صيامه؟ حكى فيه في "الحاوي" وجهين:
أظهرهما: أنه يجزئه.
والثاني: لا يجزئه وليس بشيء.
وإن نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه قولان، صح نذره، فإن قدم نهارًا لزمه اعتكاف بقية النهار، وهل يلزمه قضاء ما مضى منه؟ (٤) فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه.
والثاني: يلزمه وهو اختيار المزني.
وإن قدم فلان وهو محبوس أو مريض، فالمنصوص: أنه يلزمه القضاء.
стр. 1085
وقال القاضي أبو حامد، وأبو علي الطبري: لا يلزمه.
وإن نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام، لزمه المشي إليه بحج أو عمرة، ومن أي موضع يلزمه المشي؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، أنه يلزمه ذلك من دويرة أهله.
والثاني: أنه يلزمه من الميقات، وهو قول عامة أصحابنا، ويلزمه أن يمشي إلى أن يتحلل التحلل الثاني في الحج، فإن فاته، لزمه أن يقضيه ماشيًا، وهل يلزمه المشي في فائتة؟ فيه قولان:
فإن حج راكبًا لعجزه عن المشي، فهل يلزمه دم؟ فيه قولان:
ومن أصحابنا من حكى: في وجوب المشي، والركوب إلى بيت اللَّه الحرام إذا نذرهما ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يتعين واحد منهما بالنذر (ونسبه إلى أحمد) (١).
(والثاني: أنه يلزمه الأمران بالنذر) (٢).
والثالث: أنه يلزمه المشي بالنذر، ولا يلزمه الركوب به.
فإن قلنا: بوجوبهما، فترك أحدهما إلى الآخر، فهل يلزمه الجبران؟ فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا يجب (بواحد) منهما جبران.
والثاني: أنه يجبر كل واحد منهما بدم إذا تركه إلى الآخر.
والثالث: أنه يجب بترك المشي إلى الركوب دم، ولا يجب عليه بتركه الركوب إلى المشي، وذكر في الفدية وجهين.
стр. 1086
أحدهما: فدية ترك الإِحرام من الميقات.
والثاني: فدية الحلق.
فإن نذر الحج ماشيًا في العام المقبل، فإنه يلزمه الحج فيه، وهل يجوز له تقديمه عليه؟ فيه وجهان: فإن أحرم به ففاته، ففي وجوب قضائه قولان:
أحدهما: أنه يقضيه كغير المصلين، فإن أخر الإِحرام عن عامه، ففي وجوب قضائه قولان أيضًا.
(وإن) (١) نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام لا حاجًا ولا معتمرًا، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا ينعقد نذره.
والثاني: أنه ينعقد وبلزمه المشي بحج، أو عمرة.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا قلنا: يصح نذره، ففي الشرط وجهان:
أحدهما: أنه باطل.
والثاني: أن الشرط صحيح، ولا يلزمه الإِحرام بحج ولا عمرة، فعلى هذا فيه وجهان.
أحدهما: أنه يلزمه أن يضم إلى قصد البيت عبادة من صلاة، أو صيام، أو اعتكاف، أو طواف، ليصير القصد قربة.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا نذر قصد البيت اللَّه الحرام ولم يكن له نية (حج) (٢) ولا عمرة، فالذي عليه الجمهور، أنه يلزمه القصد بحج أو عمرة.
стр. 1087
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يبني على اختلاف قول الشافعي ﵀.
فمن أراد دخول الحرم من غير الخطأ به بغير إحرام، هل يجوز أم لا؟
- فإن قلنا: لا يجوز له دخوله إلَّا بإحرام بحج أو عمرة، انصرف نذره إليه ها هنا.
- وإن قلنا: لا يلزمه الإِحرام لدخوله، ففي تعلق نذره ها هنا بالإِحرام وجهان، تخريجًا من اختلاف قوله فيمن نذر المشي إلى المسجد الأقصى، وهذا التخريج وإن كان محتملًا، فهو مخالف لنص الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه القصد بحجة ولا عمرة إلَّا فيه إذا نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام، فأما نذر القصد والذهاب إليه فلا يلزمه (به) (١) الإِحرام.
وإن نذر المشي إلى بقعة من الحرم، لزم المشي إليها بحج أو عمرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه مشي، وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام، أو إلى مكة، أو إلى الكعبة استحسانًا.
وإن نذر المشي إلى المسجد الأقصى، أو إلى مسجد رسول اللَّه ﷺ ، فهل يلزمه؟ (فيه) (٢) قولان:
قال في "الأم": لا ينعقد نذره وبه قال أبو حنيفة (٣).
стр. 1088
والثاني: ينعقد نذره، وبه قال أحمد، ومالك (١).
ذكر في "الحاوي": أنا إذا قلنا: يصح نذره، فهل يلزمه مع المشي عبادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه غير قصدهما.
والثاني: أنه يلزمه أن يضيف إلى ذلك عبادة، فعلى هذا فيما يلزمه من العبادة وجهان:
أحدهما: أنه يضيف إليه ما شاء من صوم، أو صلاة.
والثاني: أنه يلزمه أن يصلي فيهما، وهل يلزمه المشي إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: (أنه) (٢) يلزمه المشي.
والثاني: أنه يجوز له الركوب، فإن قلنا: يلزمه المشي فركب، هل يجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه، وعليه إعادة قصده إليه ماشيًا.
والثاني: يجزئه إذا قلنا: (إنه) (٣) يلزمه أن يضيف إليه عبادة فيه، ويصير هو المقصود بالنذر، ولا يلزمه أن يجب بدم، (كالإحرام، لاختصاص) (٤) الإِحرام (بذلك) (٥)، فأما إِذا نذر الصلاة فيه، فإنه يلزمه في أظهر الوجهين.
стр. 1089
فإن نذر الصلاة في مسجد الخيف، ولم يكن من أهل الحرم، انعقد نذره، وفيما ينعقد به نذره وجهان:
أحدهما: أنه ينعقد بما ذكره من الصلاة في الحرم إذا قيل يجوز دخول الحرم بغير إحرام، وفي تعيين (بعض) (١) الصلاة في مسجد الخيف وجهان:
والوجه الثاني: أنه يلزمه بنذره قصد الحرم بحجة أو عمرة، إذا قيل لا يجوز دخوله بغير إحرام، فعلى هذا في التزام ما عقد عليه نذره من الصلاة (فيه) (٢) وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه الصلاة، لأن الشرع نقل نذره إلى غيره.
والثاني: (أنه) (٣) يلزمه.
(قال الشيخ الإِمام فخر الإِسلام ﵀ (٤): وعندي: أنه يلزمه الصلاة بالنذر وقصد الحرم بإحرام إذا نذر الصلاة فيه، لأنه إذا لزمه ذلك بنذر المشي إليه والقصد، فلأن يلزمه ذلك بنذر الصلاة فيه أولى.
فإن نذر المشي إلى بيت اللَّه ولم يقل الحرام، ولا نواه، فالمذهب: أنه يلزمه المشي إلى بيت اللَّه الحرام، وهو ظاهر ما نقله المزني، وظاهر ما قاله الشافعي ﵀ في "الأم".
ونقل القاضي أبو حامد في "جامعه": أنه لا يلزمه.
стр. 1090
فإن قال: للَّه علي أن أمشي ولم يكن له نية (شيء) (١)، فلا شيء عليه.
وحكي عن أحمد أنه قال: إذا نذر فعلًا مباحًا، انعقد نذره، وكان بالخيار بين (الوفاء به) (٢) وبين الكفارة.
فإن نذر الهدي لأهل الحرم وكان ممن يمكن تفرقته عليهم، فرقه فيهم، وإن كان الهدي متاعًا لا يمكن تفرقته (عليهم) (٣) كاللؤلؤ، والجواهر، وغير ذلك، كان حقهم في قيمته، وهل يلزمه بيعه، وتفرقة الثمن، أم يجوز له دفع قيمته؟ فيه وجهان مخرجان من القولين في العبد الجاني، هل يفديه السيد بقيمته أو بثمنه؟
- فإن قلنا: يفديه بقيمته، كان للناذر صرف قيمته إليهم (ولا يبيعه) (٤).
- وإن قلنا: عليه بيع العبد الجاني، لأنه ربما زيد في الثمن، لزم هذا الناذر بيع هذا المتاع.
(قال الشيخ الإِمام ﵀: وعندي: أن هذا بناء بعيد، لأن هذا الهدي للحرم أخرجه إلى اللَّه تعالى، فلا يجوز أن يبقي حقه فيه، ولا يجوز أن يشتريه من نفسه لنفسه، والعبد الجاني ما صار مستحقًا للمجني عليه، وإنما تعلق حقه به تعلق الارتهان، ولهذا له