أحدهما: فدية ترك الإِحرام من الميقات.
والثاني: فدية الحلق.
فإن نذر الحج ماشيًا في العام المقبل، فإنه يلزمه الحج فيه، وهل يجوز له تقديمه عليه؟ فيه وجهان: فإن أحرم به ففاته، ففي وجوب قضائه قولان:
أحدهما: أنه يقضيه كغير المصلين، فإن أخر الإِحرام عن عامه، ففي وجوب قضائه قولان أيضًا.
(وإن) (١) نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام لا حاجًا ولا معتمرًا، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا ينعقد نذره.
والثاني: أنه ينعقد وبلزمه المشي بحج، أو عمرة.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا قلنا: يصح نذره، ففي الشرط وجهان:
أحدهما: أنه باطل.
والثاني: أن الشرط صحيح، ولا يلزمه الإِحرام بحج ولا عمرة، فعلى هذا فيه وجهان.
أحدهما: أنه يلزمه أن يضم إلى قصد البيت عبادة من صلاة، أو صيام، أو اعتكاف، أو طواف، ليصير القصد قربة.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا نذر قصد البيت اللَّه الحرام ولم يكن له نية (حج) (٢) ولا عمرة، فالذي عليه الجمهور، أنه يلزمه القصد بحج أو عمرة.
стр. 1087
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يبني على اختلاف قول الشافعي ﵀.
فمن أراد دخول الحرم من غير الخطأ به بغير إحرام، هل يجوز أم لا؟
- فإن قلنا: لا يجوز له دخوله إلَّا بإحرام بحج أو عمرة، انصرف نذره إليه ها هنا.
- وإن قلنا: لا يلزمه الإِحرام لدخوله، ففي تعلق نذره ها هنا بالإِحرام وجهان، تخريجًا من اختلاف قوله فيمن نذر المشي إلى المسجد الأقصى، وهذا التخريج وإن كان محتملًا، فهو مخالف لنص الشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه القصد بحجة ولا عمرة إلَّا فيه إذا نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام، فأما نذر القصد والذهاب إليه فلا يلزمه (به) (١) الإِحرام.
وإن نذر المشي إلى بقعة من الحرم، لزم المشي إليها بحج أو عمرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه مشي، وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام، أو إلى مكة، أو إلى الكعبة استحسانًا.
وإن نذر المشي إلى المسجد الأقصى، أو إلى مسجد رسول اللَّه ﷺ ، فهل يلزمه؟ (فيه) (٢) قولان:
قال في "الأم": لا ينعقد نذره وبه قال أبو حنيفة (٣).
стр. 1088
والثاني: ينعقد نذره، وبه قال أحمد، ومالك (١).
ذكر في "الحاوي": أنا إذا قلنا: يصح نذره، فهل يلزمه مع المشي عبادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه غير قصدهما.
والثاني: أنه يلزمه أن يضيف إلى ذلك عبادة، فعلى هذا فيما يلزمه من العبادة وجهان:
أحدهما: أنه يضيف إليه ما شاء من صوم، أو صلاة.
والثاني: أنه يلزمه أن يصلي فيهما، وهل يلزمه المشي إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: (أنه) (٢) يلزمه المشي.
والثاني: أنه يجوز له الركوب، فإن قلنا: يلزمه المشي فركب، هل يجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه، وعليه إعادة قصده إليه ماشيًا.
والثاني: يجزئه إذا قلنا: (إنه) (٣) يلزمه أن يضيف إليه عبادة فيه، ويصير هو المقصود بالنذر، ولا يلزمه أن يجب بدم، (كالإحرام، لاختصاص) (٤) الإِحرام (بذلك) (٥)، فأما إِذا نذر الصلاة فيه، فإنه يلزمه في أظهر الوجهين.
стр. 1089
فإن نذر الصلاة في مسجد الخيف، ولم يكن من أهل الحرم، انعقد نذره، وفيما ينعقد به نذره وجهان:
أحدهما: أنه ينعقد بما ذكره من الصلاة في الحرم إذا قيل يجوز دخول الحرم بغير إحرام، وفي تعيين (بعض) (١) الصلاة في مسجد الخيف وجهان:
والوجه الثاني: أنه يلزمه بنذره قصد الحرم بحجة أو عمرة، إذا قيل لا يجوز دخوله بغير إحرام، فعلى هذا في التزام ما عقد عليه نذره من الصلاة (فيه) (٢) وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه الصلاة، لأن الشرع نقل نذره إلى غيره.
والثاني: (أنه) (٣) يلزمه.
(قال الشيخ الإِمام فخر الإِسلام ﵀ (٤): وعندي: أنه يلزمه الصلاة بالنذر وقصد الحرم بإحرام إذا نذر الصلاة فيه، لأنه إذا لزمه ذلك بنذر المشي إليه والقصد، فلأن يلزمه ذلك بنذر الصلاة فيه أولى.
فإن نذر المشي إلى بيت اللَّه ولم يقل الحرام، ولا نواه، فالمذهب: أنه يلزمه المشي إلى بيت اللَّه الحرام، وهو ظاهر ما نقله المزني، وظاهر ما قاله الشافعي ﵀ في "الأم".
ونقل القاضي أبو حامد في "جامعه": أنه لا يلزمه.
стр. 1090
فإن قال: للَّه علي أن أمشي ولم يكن له نية (شيء) (١)، فلا شيء عليه.
وحكي عن أحمد أنه قال: إذا نذر فعلًا مباحًا، انعقد نذره، وكان بالخيار بين (الوفاء به) (٢) وبين الكفارة.
فإن نذر الهدي لأهل الحرم وكان ممن يمكن تفرقته عليهم، فرقه فيهم، وإن كان الهدي متاعًا لا يمكن تفرقته (عليهم) (٣) كاللؤلؤ، والجواهر، وغير ذلك، كان حقهم في قيمته، وهل يلزمه بيعه، وتفرقة الثمن، أم يجوز له دفع قيمته؟ فيه وجهان مخرجان من القولين في العبد الجاني، هل يفديه السيد بقيمته أو بثمنه؟
- فإن قلنا: يفديه بقيمته، كان للناذر صرف قيمته إليهم (ولا يبيعه) (٤).
- وإن قلنا: عليه بيع العبد الجاني، لأنه ربما زيد في الثمن، لزم هذا الناذر بيع هذا المتاع.
(قال الشيخ الإِمام ﵀: وعندي: أن هذا بناء بعيد، لأن هذا الهدي للحرم أخرجه إلى اللَّه تعالى، فلا يجوز أن يبقي حقه فيه، ولا يجوز أن يشتريه من نفسه لنفسه، والعبد الجاني ما صار مستحقًا للمجني عليه، وإنما تعلق حقه به تعلق الارتهان، ولهذا له
стр. 1091
(أن) (١) يفديه بإرش الجناية ولا يلزمه البيع، وها هنا لا بد من البيع في أحد الوجهين، ولهذا لو كان فيما يمكنه نقله وتفرقته عليهم، لوجب نقله وتفرقته، فقد صار مستحقًا لهم، غير أنه تعذر نقله إليهم، وتفرقته فيهم، فتعين البيع، فأما أن يدفع هو القيمة فلا.
стр. 1092
باب الأطعمة
يحل من (الدواب) (١): دواب الأنس (كالخيل) (٢)، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يكره كراهة يتعلق بها مأثم، ولا يقول إنها محرمة (٣). ولا تحل البغال والحمير.
وحكي عن الحسن البصري أنه قال: هي حلال.
وحكي عن ابن عباس ﵄: إباحة الحمر الأهلية. وفي السنور البري وجهان:
стр. 1093
ويحل أكل الضبع، والثعلب من الوحوش، وبه قال أحمد، (وعنه رواية أخرى في الثعلب خاصة) (١).
وقال أبو حنيفة: لا يحل أكلها.
وقال مالك: يكره أكلها.
ويحل اليربوع، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
ويحل القنفذ.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يحل.
والوبر مباح، وهو دويبة أنبل من ابن عرس كحلاء العينين، وابن حلال خلافًا لأبي حنيفة وأحمد.
والضب حلال (٢)، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
وفي ابن آوى وجهان:
أحدهما: لا يحل.
والثاني: يحل.
стр. 1094
والشاة الجلالة: هى التي يكون أكثر علفها العذرة اليابسة، يكره أكلها ولا يحرم.
وقال أحمد: يحرم لحمها، ولبنها، وكذا الدجاجة، يحرم لحمها وبيضها، وتحبس وتعلف علفًا طاهرًا حتى تزول رائحة النجاسة فتحل عنده. وتزول الكراهة عندنا.
وقال بعض أهل العلم: يحبس البعير، والبقرة، أربعين يومًا، والشاة سبعة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، وكذا نقول في الزروع التي تطرح فيها النجاسة (وتروى بها) (١).
وذكر في "الحاوي": إذا كان قد تغير رائحة لحمها بالنجاسة تغيرًا كثيرًا، ففي إباحة أكله وجهان: حكاهما أبو علي بن أبي هريرة.
أحدهما: أنه مباح.
والثاني: أنه حرام، وعلى هذا إذا ارتضع الجدي من كلبة، أو خنزيرة حتى نبت لحمه منه، كانت إباحته على الوجهين.
ولا يحل ما يتقوى بنابه كالأسد، والنمر، والذئب (٢). وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يكره ذلك ولا يحرم، وكذا قال في الكلب (٣)،
стр. 1095
واختلف في علة التحريم في نهيه ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع.
فعلل الشافعي ﵀: بما قوي بنابه وعدا على الحيوان.
وقال أبو إسحاق من أصحابنا: هو ما كان عيشه بنابه دون غيره، ولا يأكل إلّا ما يفترس من الحيوان.
وقال أبو حنيفة: هو ما فرس بنابه، وإن لم (يبتد بالعدوى) (١) وعاش بغير نابه.
ويحرم أكل حشرات الأرض كالفأر، والخنافس، والعناكب، والوزغ، (والغطاء) (٢) واللحكاء وهي دويبة كالسمكة تسكن الرمل صيفًا، صقيلة الجلد، يعرض مقدمها، ويدق مؤخرها، إذا أحست بإنسان غاصت في الرمل (٣).
وقال مالك: يكره ذلك ولا يحرم.
ويحرم من الطير ما له مخلب، والمستخبث، كالغراب الأبقع والأسود الكبير، وفي الغداف، وهو صغير الجسم، لونه لون الرماد وجهان:
أحدهما: يحل وهو قول أبي حنيفة، وكذا غراب الزرع، ويسمى الزاغ.
стр. 1096
وما عدا المنصوص عليه، فإنه يرجع فيه إلى (العرب) (١) من أهل الريف والقرى (٢)، فما استطابته حل أكله، وما استخبثته، حرم أكله.
وما كان في بلاد العجم ولم يكن له شبه فيما يحل ولا فيما يحرم فيه وجهان:
أحدهما: أنه يحل وهو قول أبي العباس، وأبي علي الطبري. .
والثاني: أنه لا يحل.
فأما إذا اتفق ما استطابه قوم من العرب، واستخبثه قوم، فإنه يرجع فيه إلى الأشبه، فإن استويا في الشبه، ففيه وجهان من اختلاف أصحابنا في الأشياء قبل الشرع، هل هي على الحظر أم على الإِباحة؟
(قال الشيخ الإِمام فخر الإِسلام ﵀ (٣): وعندي أن هذا بناء فاسد، وينبغي أن يحرم.
وأما حيوان الماء، فالسمك (٤) منه حلال، والضفدع (٥) حرام.
стр. 1097
قال القاضي أبو الطيب ﵀: وكذلك النسناس، لأنه يشبه الآدمي.
قال الشيخ أبو حامد ﵀: والسرطان مثله، وفيما سوى ذلك وجهان:
أحدهما: يحل.
والثاني: أن ما أكل مثله في البر، حل، وما لا يحل مثله في البر، لا يحل.
ومن أصحابنا من قال: لا يحل من حيوان الماء إلّا السمك، وما كان من جنسه، وهو قول أبي حنيفة.
- فإن قلنا: أنه يحل جميعه، فإنه يحل إذا أخرجه إلى البر وإن بقي اليوم واليومين، فإن شاء تركه حتى يموت، وإن شاء استعجل قتله، ومن قال: يحل (ما كان يحل) (١) مثله في البر، اعتبر فيه الذكاة.
وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه: أنه لا يحل ما عدا السمك إلّا بذكاة.
ومن قال: يحل السمك، فسواء مات بسبب، أو بغير سبب، فإنه يحل، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا مات بسبب (حل) (٢)، وإن مات بغير
стр. 1098
سبب، لم يحل، وإن مات بسبب حر الماء أو برده، فقد اختلفت الرواية عنه.
ويحل الجراد، ولا فرق بين أن يموت بسبب، وبين أن يموت (من غير سبب) (١).
وقال مالك: لا يحل إلّا إذا مات بسبب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وحكى أصحابنا عن مالك: أنه يعتبر قطف رأسه، فإن أخذ السمك الصغار، فبلغه حيًا.
فقد قال ابن القاص: يحل.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يحل، لأنه تهذيب له، وكذا قال: لا يحل طبخه قبل موته.
فأما إذا ضرب سمكة فانقطع منها قطعة وأفلت باقيها حيًا، هل يحل (أكل) (٢) هذه القطعة؟ فيه وجهان ذكرهما أبو علي بن أبي هريرة.
أظهرهما: أنه يحل.
وإن وجد سمكة في جوف سمكة وانفصلت الداخلة (وقد) (٣) تغير لحمها، ففي إباحة أكلها وجهان:
فأما السمك الصغار الهاربي الذي يقلى من غير أن يشق جوفه،
стр. 1099
فقد قال أصحابنا: لا يجوز أكله، لأن (رجيعه) (١) نجس.
قال الشيخ أبو نصر: غير أن يشق إخراجه.
стр. 1100
فصل
ومن اضطر إلى أكل الميتة، أو لحم الخنزير، جاز له أكله (١)، وهل يجب عليه أكله؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يجب (٢)، وهل يجوز أن يشبع منها؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز (٣)، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني.
والقول الثاني: أنه يجوز (٤)، أن يشبع وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
стр. 1101
(وإن) (١) اضطر إلى طعام غيره، وصاحبه غير مضطر إليه، وجب عليه (بذله له) (٢) فإن طلب منه أكثر من ثمن مثله (٣) وامتنع من بذله له، فاشتراه منه بذلك، فهل يلزمه الزيادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه.
والثاني: لا يلزمه.
واختار أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي تفصيلًا خلاف الوجهين. فقال: ينظر، فإن كانت الزيادة لا تشق عليه ليساره، فهو في بذلها غير مكره فيلزمه، وإن كانت شاقة عليه لإِعساره، فهو مكره في بذلها، فلا تلزمه.
(قال الإِمام أبو بكر) (٤): وهذا عندي خلاف القياس، ولا وجه للتفرقة بين الموسر، والمعسر في الزيادة، فإن الموسر لا يلزمه قبول الزيادة ويجوز له الانتقال إلى أكل الميتة، ولا يلزم صاحب الطعام بذله من غير ثمن، إما في ذمته إن رضي بذمته أو (بمال) (٥) في يده إذا كان في يده مال.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: يلزمه بذله من غير ثمن، وحكاه
стр. 1102
في "الحاوي" عن بعض أصحابنا، فإن امتنع من بذله، كان له (مكابرته) (١) على أخذه وقتاله، (قدر ما يكاثره) (٢) عليه قولان:
فإن وجد ميتة وطعام الغير وصاحبه غائب، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يأكل طعام الغير (ويضمن) (٣) قيمته.
والثاني: أنه يأكل الميتة، وبه قال أحمد.
وإن وجد ميتة (وصيدًا) (٤)، وهو محرم، ففيه طريقان:
أظهرهما: أنا إذا قلنا: إنه إذا ذبح الصيد، صار ميتة، أكل الميتة، وإن قلنا: لا يصير ميتة، ذبح الصيد وأكله.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: لا يصير ميتة، ففيه قولان.
وإن وجد المحرم صيدًا، (وطعام) (٥) الغير، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يأكل الصيد.
والثاني: يأكل طعام الغير.
والثالث: يتخير بينهما.
وإن اضطر ولم يجد ما يأكله، فهل يجوز أن يقطع من بدن نفسه ويأكله؟ فيه وجهان:
стр. 1103
قال (أبو) (١) إسحاق: يجوز (٢).
والثاني: لا يجوز (٣).
فإن اضطر إلى شرب الخمر، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يجوز (شربها) (٤).
والثاني: يجوز وهو قول أبي حنيفة.
والثالث: أنه لا يجوز شربها للعطش (٥)، ويجوز شربها للدواء.
وقيل: بالعكس من ذلك.
فإن وجد آدميًا ميتًا، جاز له أن يأكل منه.
وقال أحمد: لا يأكل منه وحكي ذلك عن داود.
ولا يجوز استعمال الخنزير في غرز ولا غيره، ومتى أصاب شيئًا رطبًا نجسه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز استعماله في الخرز.
стр. 1104
إذا وقعت نجاسة في دهن جامد، ألقيت وما حولها (١)، وإن كان مائعًا، نجس جميعه، ولا يجوز أكله ولا بيعه، ويجوز الاستصباح به.
وقال قوم من أصحاب الحديث: لا يجوز الاستصباح به.
وقال داود: إن كان (سمنًا) (٢) فذلك حكمه، وإن كان غيره، لم ينجس.
وذكر في "الحاوي": إذا وجد المضطر ميتة مأكول اللحم، وغير مأكول، أو ميتة حيوان طاهر في حال حياته، (وميتة) (٣) حيوان نجس، ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه يتخير بينهما.
والثاني: يأكل ميتة المأكول (الطاهر) (٤)، وليس بشيء.
وإن مر ببستان غيره، وهو غير مضطر، لم يجز أن يأكل من ثمره شيئًا بغير إذنه.
وقال أحمد: إذا مر ببستان فيه ثمرة رطبة غير محوّطة، جاز له أن يأكل منه في إحدى (٥) الروايتين، وأما السواقط تحت الأشجار من الثمار إذا لم تكن (محوزة) (٦). وجرت عادة أهلها (بإباحتها) (٧)، فهل
стр. 1105
تجري العادة في ذلك مجرى الإِذن؟ حكى في "الحاوي" وجهين:
أحدهما: أن العادة تجري فيه مجرى الإِذن، فيجوز له الأكل.
فإن استضاف مسلم بمسلم، لم يكن (به) (١) ضرورة، لم يجب عليه (إضافته) (٢)، وإنما يستحب.
وقال أحمد: يجب (٣).
ولا يحرم كسب الحجام، ويكره للحر أن يكتسب بالصنائع الدنيئة، ولا يكره للعبد.
وحكي عن بعض أصحاب الحديث: أنه حرام على الأحرار، واختلف أصحابنا في علة كراهة كسب الحجام (٤).
فقيل: لأجل مباشرة النجاسة، فعلى هذا يكره كسب الكناس،
стр. 1106
والزبال، والقصاب، واختلف قول هذا القائل في (الفصاد) (١) على وجهين:
أحدهما: أنه من جملتهم (٢).
والثاني: هو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكره، لاقترانه بعلم الطب فأما الختان فمكروه كالحجام.
والوجه الثاني: أن كراهة (التكسب) (٣) بالحجامة لدنائتها، وهو مذهب الشافعي ﵀، فعلى هذا يكره (كسب) (٤) الدبّاغ،
стр. 1107
والحلّاق، والقيّم، واختلف في الحمامي على وجهين، وحكي في كراهة ذلك للعبيد وجهين، ذكر ذلك في "الحاوي" والصحيح ما قدمناه.
واختلف في أطيب المكاسب.
فقيل: الزراعة (١).
وقيل: الصناعة (٢).
وقيل: التجارة، وهي أظهرها على مذهب الشافعي (رحمة اللَّه عليه) (٣).
стр. 1108
باب الصيد والذبائح
لا تحل ذبيحة غير أهل الكتاب، وهم اليهود، والنصارى من الكفار (١).
وقال أبو حنيفة: تحل ذبيحة نصارى العرب.
فأما إذا كان ولد كتابي من مجوسية، أو وثنية، ففي ذبيحته قولان:
أحدهما: لا يحل كما لو كان الأب مجوسيًا.
والثاني: يحل، وهو قول أبي حنيفة، وكذا لو كان الأب مجوسيًا، والأم كتابية، حل عنده، وتصح ذكاة الصبي (٢)، والمجنون في أظهر القولين، وكذا السكران.
стр. 1109
وذكر في "الحاوي": أن في النصارى، واليهود من بني إسرائيل من لا يعتقد أن العزيز والمسيح ابن اللَّه، فتحل ذبيحته، ومن اعتقد منهم أن العزيز ابن اللَّه، والمسيح ابن اللَّه (لا تحل) (١) ذبيحته في أحد الوجهين.
ولا يحل الذبح بالسن والظفر (٢).
وقال أبو حنيفة: تصح بهما إذا كانا منفصلين.
ويستحب أن يسمي اللَّه على الذبح (٣)، وإرسال الجارحة على الصيد، فإن ترك التسمية، لم يحرم، وبه قال مالك (٤).
стр. 1110
وقال أبو ثور وداود: التسمية شرط في الإِباحة بكل حال.
وقال أبو حنيفة: هي شرط في حال الذكر.
وعن أحمد: ثلاث روايات، رواية مثل قول داود، ورواية مثل قول أبي حنيفة: ورواية: أن يسمي في إرسال الجارحة على الصيد، ولا يلزمه في إرسال السهم.
(وأما الذكاة، فلا يشترط فيها التسمية في حال النسيان، وفي حال العمد روايتان.
والمستحب: أن يقطع الحلقوم، والمريء، والودجين.
(فالحلقوم) (١): مجرى النفس في مقدم الرئة.
والمريء: مجرى الطعام، والشراب، وبهما تبقى الحياة.
والودجان: عرقان في جانبي العنق من مقدمه (لا تفوت الحياة بفوتهما، وقد يسلان من الحيوان، فيبقى) (٢) ويقال لهما: الوريدان: ولا يعتبر قطعهما في الذكاة.
وقال أبو حنيفة: يعتبر قطع الأكثر من كل واحد منهما.
وقال أبو يوسف: لا يحل حتى يقطع أكثرها عددًا، ثلاثة من أربعة.
وحكي في "الحاوي" عن مالك أنه قال: لا يحل حتى يقطع جميع هذه الأربعة.
وحكي عن سعيد بن المسيب: أنه يحرم إذا فعل ذلك.
стр. 1111
فإن قطع الحلقوم وأكثر المريء، فهل تحصل الذكاة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يحل.
والثاني: يحل.
فإن ذبحه من قفاه، وبقي فيه حياة مستقرة عند قطع الحلقوم، ويعلم ذلك بالحركة القوية حل، وإن بقي فيه حركة مذبوح، لم يحل.
وحكي عن مالك وأحمد أنهما قالا: لا يحل بحال.
وتنحر الإِبل معقولة (١)، ويذبح البقر، والغنم مضطجعة (٢)، فإن ذبح الإِبل ونحر البقر، كره وحل.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يجوز ذبح الجمل، فإن ذبحه لم يحل.
стр. 1112
فصل
ويجوز الصيد بالجوارح المعلمة كالكلب، والفهد، والبازي، والصقر (١) وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الحسن البصري وأحمد: لا يجوز الاصطياد بالكلب الأسود (البهيم) (٢).
وحكى عن مجاهد، وابن عمر: أنه لا يجوز الاصطياد إلّا بالكلب.
والمعلم: هو الذي إذا أرسله على الصيد، طلبه، وإذا زجره، انزجر، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد، أمسكه عليه، وخلّى بينه وبينه، فإذا تكرر ذلك منه مرة بعد مرة، صار معلمًا ولم يقدر أصحابنا عدد المرات، وإنما اعتبروا العرف.
стр. 1113
وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا تكرر ذلك مرتين، صار معلمًا.
وقال الحسن (البصري) (١): يصير بالمرة الواحدة معلمًا.
فإن أرسل مسلم كلبه على صيد، وأرسل مجوسي كلبه أيضًا عليه، فرد كلب المجوسي الصيد على كلب المسلم، فعقره كلب المسلم وقتله، حل أكله، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
فإن عقر الصيد ولم يقتله، فأدركه وفيه حياة مستقرة، غير أنه مات قبل أن يتسع الزمان لذكاته، فإنه يحل.
وقال أبو حنيفة: لا يحل.
فإن قتل الجارحة المعلمة الصيد بثقله من غير جرح، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يحل، وروي ذلك عن أبي حنيفة، (رواه) (٢) الحسن ابن زياد.
والقول الثاني: لا يحل وهو رواية أبي يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، وقول أحمد واختيار المزني ﵀.
إذا أرسل مسلم كلب مجوسي على صيد (فقتله، حل، وإن أرسا مجوسي كلب مسلم على صيد) (٣)، لم يحل.
وحكي في "الحاوي" عن ابن جرير الطبري: أن الاعتبار (بمالك) (٤) الكلب دون مرسله.
стр. 1114
فإن قتل الكلب المعلم الصيد وأكل منه، ففيه قولان:
أحدهما: يحل وبه قال مالك (١).
والثاني: لا يحل، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد (٢).
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل مما أكل منه، ولا مما صاده قبل ذلك (مما) (٣) لم يأكل منه.
وأما جارحة الطير إذا أكلت فهو كالكلب وغيره.
وقال المزني: لا يحرم ما أكل (منه) (٤) جوارح الطير، وهو قود أبي حنيفة.
وقال أبو علي في "الإِفصاح": إذا قلنا: يحرم ما أكل الكلب منه، ففيما أكل البازي، والصقر وجهان:
فإن حسا الجارح دم الصيد ولم يأكل منه شيئًا لم يحرم أكله قولًا واحدًا (٥). وحكى ابن المنذر عن النخعي والثوري: أنهما كرها أكله لذلك.
стр. 1115
وإن رمى سهمًا إلى صيد (فأثبته وفاته) (١) ذكاته مع مبادرته، حل له أكله، واختلف أصحابنا فيما يعتبر في مبادرته إليه (على وجهين) (٢).
أحدهما: أنه يعتبر في المبادرة (المشي) (٣) على المألوف.
والثاني: أنه يعتبر فيه السعي المعتاد (لطلب) (٤) الصيد.
إذا أدخل الكلب ظفره، أو نابه في الصيد، نجس، وهل يجب غسله؟ فيه وجهان.
أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب.
ويجوز الصيد بالرمي (٥)، فإن رمى سهما فازدلف وأصاب الصيد وقتله، فهل يحل أكله، فيه وجهان بناء على القولين فيمن رمى إلى الفرض في المسابقة، فوقع السهم دون الفرض، فازدلف وبلغ الفرض.
فإن رمى صيدًا أو أرسل عليه كلبًا، فعقره وغاب عنه، ثم وجده
стр. 1116
ميتًا، العقر مما يجوز أن يموت منه، ويجوز أن لا يموت، فقد قال الشافعي ﵀: لا يحل إلّا أن يكون (خبر، فلا رأي) (١).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان (٢).
ومنهم من قال: يؤكل قولًا واحدًا، فإنه قد صح الخبر فيه.
وقال أبو حنيفة: إن اتبعه عقيب الرمي، فوجده ميتًا، حل، وإن أخر اتباعه، لم يحل.
وحكي عن مالك أنه قال: إن وجده في يومه، حل أكله، وإن وجده بعد يومه، لم يحل.
فإن أرسل كلبًا على صيد في جهة أخرى فأصاب صيدًا غيره ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يحل، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: يحل.
قال أقضى القضاة (أبو الحسن) (٣) الماوردي: وأصح من هذين الوجهين عندي، أن يراعى مخرج الكلب عند إرساله، فإن خرج (وعاد
стр. 1117
لا عن) (١) جهة إرساله إلى غيرها، لم يؤكل صيده فيها، وإن خرج في جهة إرساله خلف صيد، فعدل إلى غيرها فأخذ صيدًا، حل، وهذا يدل على فراهته.
(قال الإِمام أبو بكر) (٢) وهذا ليس (بجيد) (٣) فإن عدوله عند إرساله إن كان طلب صيد فسنح له فلا فرق بين أن يكون في جهة إرساله، وبين أن يكون في غيرها عند ابتداء إرساله، وإن كان عدوله لغير صيد، فهذا يخرج عن كونه معلمًا، لأن من صفة شرط التعليم أن يطلب الصيد إذا أرسله، فإذا عدل عن الصيد إلى غير صيد، دل على عدم التعليم.
فإن (رمى) (٤) سهمًا في (الهواء) (٥) وهو لا يرى صيدًا، فأصاب صيدا، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحل, وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: لا يحل.
فإن رأى صيدًا، فظنه حجرًا، أو حيوانًا غير الصيد، فرماه، فقتله، حل أكله، وإن أرسل عليه (كلبًا) (٦)، فقتله، ففيه وجهان.
أحدهما: يحل.
стр. 1118
وحكى أبو علي بن أبي هريرة عن بعض أصحابنا: أنه إذا أخطأ في قطع حلق شاة، لم تؤكل، وقد نص الشافعي ﵀ على إباحة أكلها، وهذ أقيس وأصح، لأن ذكاة الصبي والمجنون، تصح ولا قصد لهما.
فإن رمى سهمًا إلى الهواء، فسقط من علوه على صيد فقتله، حل (أكله) (١) في أحد الوجهين.
وفي الثاني: لا يحل وكذا (إن) (٢) كان في يده سكين (فسقطت) (٣) على حلق شاة فذبحتها، كان على (وجهين) (٤) ذكره ذلك في "الحاوي".
فإن رمى صيدًا يمتنع بالجناح والرجل كالقبج، والقطا، فأصاب رجله، ورماه آخر فأصاب جناحه، ففيه وجهان.
أصحهما: أنه يكون للثاني (٥).
والثاني: (أنه) (٦) بينهما (٧).
وحكى في "الحاوي" وجهًا آخر: أنه يكون من كسر الجناح، تقدم أو تأخر.
стр. 1119
فإن نصب أحبولة (١)، فوقع فيها صيد، ومات, لم يحل، كان فيها سلاح أو لم يكن.
وحكي في "الحاوي" عن أبي حنيفة: (أنه) (٢) إذا كان فيها سلاح، فقتله بحده، حل.
فإن رمى اثنان صيدًا، أحدهما بعد الآخر، ولم يعلم بإصابته، أيهما زال امتناعه، فقد قال الشافعي ﵀ في المختصر: يؤكل ويكون بينهما، فحمله أبو إسحاق على (ظاهره) (٣).
ومن أصحابنا من قال: لا يحل.
وذكر في "الحاوي" أنه إذا كانت إصابة أحدهما موجية (٤)، وإصابة الآخر غير موجية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحل ويكون بينهما.
والثاني: أنه للموجي خاصة، وهذا وجه لا معنى له.
فإن شك في الأول، هل أثبته أم لا ووجأه الثاني في غير محل الذكاة، فقد حكى في "الحاوي": في إباحته وجهين:
أصحهما: أنه يحل.
والثاني: (لا يحل) (٥) وليس بشيء.
стр. 1120
فإن رمى صيدًا، فأزال امتناعه، فقد ملك، فإن رماه آخر ولم يوجبه، وبقي مجروحًا ومات، فإن لم يكن قد تمكن من ذبحه، وجب عليه قيمته مجروحًا، وإن كان قد تمكن (من) (١) ذبحه، فلم يذبحه حتى مات، حرم أكله (٢).
واختلف أصحابنا فيما يجب من ضمانه.
فقال أبو سعيد الاصطخري: يجب على الثاني كمال قيمته للأول بعد جراحته.
والمذهب: أنه يجب عليه (كمال قيمته، وإنما يجب عليه) (٣) ما يخص جنايته من القيمة، ويقسط القيمة على الجنايتين.
وحكي في "الحاوي" عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه ينظر في الصيد، فإن حصل في يد صاحبه حيًا، فعلى الثاني قسط قيمته، وإن لم يحصل في يد صاحبه إلّا ميتًا، فعلى الثاني جميع قيمته.
وحكى أيضًا وجهًا آخر: وذكر أنه عنده الأظهر، أنه إن مضى من الزمان بين الجراحتين قدر ما يدركه صاحبه، فعلى الثاني قسطه من القيمة، وإن لم يكن بين الجراحتين (زمان) (٤) يمكن فيه إدراكه، فعلى الثاني جميع القيمة.
وفرض أصحابنا المسألة: في جنايتين مضمونتين، ليعرف ما يجب على كل واحد منهما، فيحط عن الأول قسطه، فيقال: صيد مملوك
стр. 1121
يساوي عشرة، جرحه رجل، فنقص من قيمته درهم، وجرحه آخر، فنقص من قيمته أيضًا درهم، ومات المعيد من سراية الجنايتين، فاختلف أصحابنا فيه على ستة طرق:
أصحهما: أن أرش جناية كل واحد منهما يدخل في جنايته، فيضم قيمة المعيد عند جناية الأول إلى قيمته عند جناية الثاني، فتكون تسعة (١)، ثم يقسم قيمة المعيد وهو عشرة على تسعة عشر، فما يقابل عشرة، يجب على الأول، وما يقابل تسعة، يجب على الثاني، هذه طريقة أبي علي بن خيران (٢).
والثاني: وهو قول المزني ﵀: أنه (يجب) (٣) على كل واحد منهما أرش جنايته، ثم يجب عليهما قيمته بعد الجنايتين، فيجب على كل واحد منهما خمسة.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق: أنه يجب على كل واحد منهما نصف أرش جنايته ونصف قيمة يوم جنى عليه، فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف، وعلى الثاني خمسة، ثم يرجع الأول على الثاني بنصف درهم، وحكى في "الحاوي" وجهين: في صفة حمل الثاني عن الأول:
أحدهما: أنه يكون في ضمان الأول حتى يؤخذ من الثاني،
стр. 1122
والثاني أنه يسقط عن الأول نصف درهم بضمان الثاني كما يسقط عنه نصف القيمة بضمان الثاني له.
والرابع: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال جنايته، ونصف أرش جنايته كما قال أبو إسحاق، غير أنه لم (يثبت) (١) للأول الرجوع على الثاني بشيء، وإنما (جميع) (٢) ما يجبء (عليهما) (٣)، وهو عشرة ونصف، فقسم العشرة التي هي قيمة (الصيد) (٤) عليه، فما يخص خمسة ونصف، يكون على الأول، وما يخص خمسه، يكون على الثاني.
والخامس: أنه يجب على الأول أرش جنايته، ثم تجب بعد ذلك قيمته بينهما نصفين، ولا تجب على الثاني أرش جنايته.
والسادس: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن الأرش يدخل في قيمة الصيد، فيجب على الأول نصف قيمته حال جنايته، وعلى الثاني نصف قيمته حال جنايته، فيذهب نصف درهم من قيمة الصيد (كله) (٥).
فإن توحش أنسي، بأن ندّ بعير، فلم يقدر عليه، فذكاته حيث قدر عليه (٦) منه كذكاة الوحشي، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، والثوري.
стр. 1123
وقال سعيد بن المسيب، ومالك، وربيعة: ذكاته في الحلق واللبة، وعلى هذا: لو تردى بعير في بئر أو (وهدة) (١)، فلم يمكن ذكاته في مذبحه، فعقره حيث أمكنه، ذكاه خلافًا لمالك.
فإن أرسل عليه كلب صيد حتى عقره، لم يحل في أصح الوجهين، ذكر (ذلك) (٢) في "الحاوي".
وذكر أيضًا: أنه إذا تنازع الراميان للصيد، فادعى أحدهما اجتماعهما على الإِصابة، وادعى الآخر التقدم في الإِصابة، وكان الصيد خارجًا عن يدهما، فالظاهر تساويهما فيه، (فهل) (٣) يحكم بالظاهر، أو بموجب الدعوى؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بالظاهر، فيكون القول قول المدعي للاجتماع على الإِصابة، فيكون بينهما نصفين.
والثاني: (أنه) (٤) يحكم بموجب الدعوى، فعلى هذا يكون (للمدعي) (٥) المتقدم النصف من غير يمين، والنصف الآخر: يتحالفان فيه ويكون بينهما.
стр. 1124
فإن رمى صيدًا فقطعه باثنين، ومات الصيد، هل كل (واحدة) (١) من القطعتين بكل حال، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين.
وقال أبو حنيفة: إن كانتا سواء (حلتا) (٢)، وكذا إن كانت القطعة التي مع الرأس أقل، وإن كانت القطعة التي مع الرأس أكثر، حلت ولم تحل الأخرى.
فإن استرسل الكلب على الصيد، فزجره صاحبه فوقف، ثم أشلاه فاستشلى وأخذ الصيد، حل أكله. وإن لم يقف، ولكنه زاد في عدوه وأخذ الصيد وقتله، لم يحل.
قال أبو حنيفة وأحمد: يحل.
وعن مالك: روايتان.
فإن أرسل مسلم كلبًا على صيد، فأغراه مجوسي، فزاد (في) (٣) عدوه، وقتل الصيد، (فقد) (٤) ذكر الشيخ أبو حامد: أنه يحل، وهو قول أحمد.
وذكر القاضي أبو الطيب ﵀: أنه لا يحل، وهو قول أبي حنيفة.
فإن رمى طائرًا، فجرحه، فسقط إلى الأرض، فوجده ميتًا، حل، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 1125
وقال مالك: إن مات قبل سقوطه، حل، وإن مات بعد سقوطه إلى الأرض، لم يحل.
وذكر في طير الماء: إذا رماه، فوقع في الماء، حل في أحد الوجهين، ذكرهما في "الحاوي" (١).
وإن أفلت الصيد من يده، لم يزل ملكه عنه.
وحكي عن أحمد أنه قال: إذا أبعد في البرية، زال ملكه عنه. فإن كان في ملكه صيد، فخلاه زال ملكه عنه في أحد الوجهين، وفي الثاني لا يزول.
وحكي في "الحاوي": أنه إذا قصد بتخليته التقرب إلى اللَّه تعالى بإرساله، زال ملكه عنه كالعتق، وهل يحل صيده بعد امتناعه؟ فيه وجهان إذا عرف:
أحدهما: وهو قول كثير من البصريين، أنه لا يحل صيده.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، أنه يحل صيده.
وإن لم يقصد بإرساله التقرب إلى اللَّه تعالى، ففي زوال ملكه بالإِرسال وجهان:
أحدهما: يزول ملكه.
والثاني: لا يزول كما لو أرسل بعيره أو فرسه.