وإن وكله في بيع سلعة، لم يملك أن يبيعها من نفسه (١)، وهل يملك بيعها من أبيه، أو ابنه الكبير؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو قول أبي إسحاق المروزي، وقول أبي حنيفة (٢).
والثاني: أنه يجوز، وهو قول أبي سعيد الاصطخري (٣)، (وكذلك) (٤) الوصي، والحاكم بمنزلة الوكيل في ذلك.
ويجوز للأب، والجد، أن يبيع من نفسه, مال ولده الصغير (٥).
стр. 1787
وقال مالك الأوزاعي: يجوز للجميع البيع من نفسه.
وقال أبو حنيفة: يجوز للوصي أن يشتري بأكثر من ثمن المثل زيادة على ما يتغابن الناس بمثله.
وقال زفر: لا يجوز للأب، والجد أيضًا البيع من نفسه، كما لا يجوز لغيرهما.
فإن أذن للوكيل أن يبيع من نفسه، لم يصح بيعه في أصح الوجهين.
والثاني: أنه يجوز.
وحكى الشيخ أبو حامد ﵀: في تزويج بنت عمه من نفسه بإذنها وجهين أيضًا.
(وإن) (١) وكّل وكيلًا في بيع عبده، ووكله آخر في ابتياعه له، لم يجز أن يتولى شطري البيع (٢).
стр. 1788
وحكى الشيخ أبو نصر ﵀ وجهًا آخر: أنه يجوز، بناءًا على ما ذكرناه من الوجهين.
وحكى الشيخ أبو حامد: أنه لا يصح وجهًا واحدًا.
فإن وكل وكيلًا في الخصومة عنه لرجل، ووكله ذلك الرجل في خصومته, ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح (١).
وإن وكل عبد (رجل) (٢) ليشتري له نفسه، أو غيره من مولاه، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز (٣).
والثاني: لا يجوز (٤).
وإن وكل صبيًا في البيع، لم يصح.
стр. 1789
وقال أبو حنيفة: يصح إذا كان يعقل (ما) (١) يقوله، ولا يحتاج إلى إذن وليه (٢).
وإن وكله في إبراء نفسه من دينه، صح إبراؤه، وذكر فيه وجه آخر، أنه لا يصح، والأول: أصح.
فإن باع الوكيل عبد موكله، ثم أقر الوكيل أنه باعه بغير أمر موكله.
فقد حكى في الحاوي عن أبي العباس بن سريج: فيه قولين:
أحدهما: أن البيع لازم، إلا أن يجحد الموكل الإذن.
والثاني: أن البيع لا يلزم، إلا أن يثبت إذن الموكل.
فإن (وكله) (٣) في شراء سلعة، لم يجز أن يشتري سلعة (معيبة) (٤).
وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك، حتى قال: يجوز أن يشتري الرقبة العمياء، ومقطوعة اليدين، والرجلين.
стр. 1790
(فإن) (١) اشترى الوكيل معيبًا، ولم يعلم بعيبه، ثبت له الرد (٢)، فإن قال له البائع (لا ترد) (٣) حتى (تستأذن) (٤) الموكل، فإن رضي به وإلا (قبلته فأقرّ) (٥) الرد بهذا الشرط، سقط حقه من الرد في أحد الوجهين (٦).
فإن رضي الوكيل بالعيب، سقط خياره، (فإن) (٧) لم يرض الموكل بالعيب، ولم يصدق البائع الوكيل أنه اشتراه لغيره، فالمنصوص، أنه يلزم في حق الوكيل (٨).
стр. 1791
ومن أصحابنا من قال: يلزم في حق الموكل، (وقد تعذر الرد بتفريط الوكيل، فيرجع الموكل على الوكيل بنقصان العيب) (١).
وفي الذي يرجع به وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي يحيى (البلخي) (٢)، إنه يرجع بما نقص من قيمته عن الثمن، فإن كان الثمن مائة، وقيمة السلعة مائة، لم يرجع بشيء (وإن) (٣) كان الثمن مائة، (وقيمة السلعة تسعون) (٤) رجع بعشرة (٥).
والثاني: أنه يرجع بأرش العيب، وهو الصحيح (٦).
فإن ادّعى البائع، أن موكله قد رضي بالعيب، فأنكر الوكيل ذلك، ولم يكن هناك بينة للمدعي، لم يقبل قوله، ولا يمين على الوكيل، إلا أن يدعي علمه بذلك فيحلف إنه لا يعلم ذلك.
стр. 1792
وحكى الشافعي ﵀ في اختلاف العراقيين عن أبي حنيفة أنه قال: لا يحلف (الوكيل) (١).
وعن ابن أبي ليلى أنه قال: لا يرد حتى يحضر الموكل ويحلف.
فإن أذن له في شراء سلعة بعينها، فوجد بها عيبًا، فهل له الرد؟ فيه وجهان (٢):
وإن وكله في شراء عشرة أعبد صفقة واحدة، فابتاع عشرة أعبد من اثنين صفقة، ففيه وجهان:
أحدهما: أن البيع يلزم الموكل, وهو قول أبي العباس (٣).
والثاني: أنه (لا يلزمه) (٤).
ولا يجوز للوكيل أن يبيع إلا حالًا بنقد البلد، وثمن المثل في مطلق الوكالة، وبه قال مالك (٥).
стр. 1793
وقال أبو حنيفة: يبيع بأي ثمن شاء، حالًا، ومؤجلًا من أي نقد شاء.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يبيع حالًا، ومؤجلًا، ولكن (بثمن) (١) المثل، ونقد البلد.
فإن سلم إليه ألفًا: وقال اشتر لي عبدًا بألف في ذمتك، وانقد الألف (منها) (٢) فاشترى (٣) بعينها، ففيه وجهان:
أحدهما: أن (الشراء) (٤) باطل (٥).
والثاني: أنه يصح (٦).
وإن دفع (إليه) (٧) ألفًا، وقال: اشتر لي عبدًا ولم يقل بعينها، ففيه وجهان:
стр. 1794
أحدهما: أنه يقتضي أن يشتري بعينها (١).
والثاني: أنه لا يقتضي ذلك (٢).
وإن وكله في الشراء، ولم يسلم إليه ثمنًا، فاشترى له، ففي الثمن ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه على الموكل، والوكيل ضامن (٣).
والثاني: أنه على الوكيل دون الموكل (٤).
والثالث: أن الثمن على الوكيل، وللوكيل مثله في ذمة الموكل، فيجوز للبائع مطالبة الوكيل دون الموكل، وللوكيل (مطالبة) (٥) الموكل بالثمن، وإن لم يطالبه البائع.
стр. 1795
(فإن) (١) اشترى لغيره شيئًا، وجحد المشتري له (الإذن له) (٢)، وقع الشراء للوكيل، وهل يملك (المشتري) (٣)؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يملكه، وإنما يستوفي الثمن الذي وزنه من ثمنه.
فإن أذن له في البيع إلى أجل مطلق، ففيه وجهان:
أحدهما: (أنه) (٤) لا يصح التوكيل (٥).
والثاني: يصح، ويحمل على العرف في مثله (٦)، فإن لم يكن فيه عرف، باع بأنفع ما يقدر عليه (٧).
ومن أصحابنا من قال: يجوز أن يبيع إلى قليل الأجل، (وكثيره) (٨).
ومنهم من قال: يجوز إلى سنة (٩).
стр. 1796
والأول: أصح.
وإن أذن له في البيع إلى أجل، فباع نقدًا بما يساوي نسيئة في وقت مأمون، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح (١).
(وهل يجوز) (٢) للوكيل أن يشترط الخيار لموكله، أو لنفسه دون (الآخر) (٣)، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز (٤).
(فإن) (٥) دفع رجل إلى رجل مالًا ليشتري (له) (٦) به طعامًا،
стр. 1797
فتسلف المال قرضًا، ثم اشترى (له) (١) بمثله من ماله طعامًا، لم يلزم الشراء (للموكل) (٢).
وقال أبو حنيفة: يقع الشراء للموكل.
فإن قال لوكيله: (اشتر) (٣) لي بمائة درهم من مالك، عشرة أقفزة (حنطة) (٤) ففعل، (ففيه) (٥) وجهان، حكاهما أبو القاسم الصيمري.
أحدهما: أنه قرض فيه وكالة.
والثاني: أنه عقد وكالة، فيه قرض.
وعلى هذا لو قال لغيره: أقرضتك ألفا على أن ما رزق اللَّه من ربح، كان بيننا نصفين.
فعلى أحد الوجهين: هو قرض فاسد.
وعلى الثاني: هو مضاربة فاسدة.
(قال الشيخ الإمام فخر الإسلام أيده اللَّه) (٦): وعندي: أن الشراء في الفرع الأول فاسد، وفي الثاني: هو قرض فاسد، لا يحتمل أن يكون مضاربة.
стр. 1798
فإن قال (بع عبدك هذا) (١): من زيد، بألف درهم عليّ دونه، لم يصحّ في (أصح) (٢) الوجهين.
فإن باع الوكيل بثمن المثل، وحضر من يزيد في حال الخيار، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه فسخ البيع (٣).
والثاني: وهو الأصح، أنه يلزمه ذلك (٤).
إذا باع الوكيل بما لا يتغابن الناس بمثله (بأن) (٥) باع ما يساوي عشرة بثمانية لم يصح البيع (٦).
стр. 1799
فإن كان المبيع تالفًا في يد المشتري، فللموكل أن يضمن المشتري جميع القيمة (١)، وله أن يضمن الوكيل، فإن ضمن الوكيل، ففي قدر ما يضمنه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يضمنه جميع القيمة، وهو عشرة (٢).
والثاني: يضمنه تسعة (٣).
стр. 1800
والثالث: يضمنه درهمًا (١)، ويضمن المشتري ما بقي من القيمة (هو) (٢) تسعة.
وما يضمنه الوكيل، يرجع به على المشتري، وما يضمنه المشتري (لا يرجع) (٣) به على الوكيل (٤).
فإن قال: بع بألف درهم، فباع بألف ثوب، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصح (٥).
والثاني: لا يصح (٦).
فعلى هذا: (هل) (٧) يبطل العقد في الدراهم؟ فيه قولان، بناءًا على تفريق الصفقة.
- فإن قلنا: يصح، فللمشتري الخيار، دون البائع.
وحكى أبو العباس وجهًا آخر: أنه لا خيار للمشتري إذا علم أنه يشتريه لغيره.
стр. 1801
فإن وكله في بيع ثلاثة أعبد بألف درهم، فباع واحدًا منهم بألف (١)، فهل يملك بيع الآخرين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يملك (٢).
وإن أذن له في شراء عبد بمائة وقال: (لا تشتر) (٣) بخمسين، فهل يجوز أن يشتريه بأقل من خمسين؟ فيه وجهان (٤):
فإن قال: اشتر هذا العبد بمائة، فاشتراه بمائة وعشرة، لم يلزم العقد في حق الموكل، (ولزم في حق الوكيل) (٥).
وقال أبو العباس بن سريج: يلزم في حق الموكل بمائة، ويضمن الوكيل ما زاد على المائة (٦)، وليس بصحيح.
стр. 1802
فإن دفع إليه دينارًا وقال: اشتر شاة، فاشترى شاتين تساوي كل (واحدة) (١) منهما دينارًا (في الذمة) (٢) ففيه قولان:
أصحهما: أن الجميع يقع للموكل (٣).
والثاني: أنه يقع للموكل شاة، وللوكيل شاة، وهو قول أبي حنيفة (٤).
стр. 1803
وعندنا: الموكل فيها بالخيار، إن شاء أقرها على ملك وكيله، وإن شاء انتزعها.
قال القاضي أبو الطيب ﵀: لا وجه لهذا القول، إلا أن يكون على قول يحكى عن الشافعي ﵀ في البيع الموقوف.
وذكر الشيخ أبو حامد: إنه إذا اشترى ذلك في الذمة، وقع للموكل في أصح القولين، ويقع احداهما للوكيل في القول الثاني، وللموكل أخذها منه.
وحكي عن أبي العباس بن سريج: أن ذلك (جار) (١) مجرى الأخذ بالشفعة لتعلقه بملكه ومشاركته له في العقد.
- فإن قلنا: (تقع) (٢) الشاتان للموكل، فباع الوكيل (إحداهما، ففيه وجهان) (٣):
أحدهما: يصح (٤).
والثاني: لا يصح (٥).
(فإن) (٦) اشترى شاتين بدينار (تساوي) (٧) إحداهما دينارًا، والأخرى لا تساوي دينارًا، ففيه وجهان:
стр. 1804
أصحهما: أنه يصح للموكل فيهما.
والثاني: أنه لا يصح الشراء للموكل.
وإن اشترى شاتين بعين الدينار، فإن قلنا: فيما اشتراه في الذمة يقعان للموكل، فهاهنا أولى.
وإن قلنا: بالقول الثاني، وقعت احداهما للموكل، وبطل العقد في الأخرى (١).
(إذا) (٢) اشترى الوكيل لموكله ما أذن له فيه، دخل في ملك الموكل (٣).
وقال أبو حنيفة: (يدخل) (٤) في ملك الوكيل أولًا، ثم ينتقل إلى الموكل (٥).
стр. 1805
فإن وكل المسلم ذميًا في شراء خمر، لم يصح التوكيل، ولا يصح الشراء.
وقال أبو حنيفة: يصح، ويقع للمسلم.
فإن اشترى لموكله ما لم يأذن له في ذمته (وذكر) (١) موكله، ففيه وجهان:
أحدهما: أن العقد باطل (٢).
والثاني: أنه يصح، ويلزم في حق الوكيل، وهو قول أبي إسحاق، وهو الصحيح (٣).
فإن وكله في بيع عبد، فباع نصفه بأقل من ثمن الكل، لم يجز، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز، وبناه على أصله، (فإنه) (٤) لو باع الجميع بما باع به النصف صح.
стр. 1806
فإن وكله في شراء عبدين (صفقة واحدة، فاشترى عبدين) (١) مشتركين بين إثنين منهما، صح العقد.
قال أبو العباس: ويقع الشراء للموكل (٢).
وقيل: إنهما يقعان للوكيل، لأنهما صفقتان (٣).
إذا قال: اشتر لي بالألف التي في ذمتك عبدًا، فاشترى له، جاز سواء عين العبد، أو لم يعينه، وبه قال أبو يوسف ومحمد (٤).
وقال أبو حنيفة: إن عين العبد جاز، وإن لم يعينه لم يجز (٥).
стр. 1807
فإن دفع إليه ألفًا وقال: أسلمها في طعام، ففعل، ولم يسلم الموكل، ثم اختلفا، فقال: إنما أسلفت لنفسي، وقال الموكل، بل لي، فالقول: قول الوكيل مع يمينه، فإذا حلف، حكم له به في الظاهر، وللموكل أن يرجع عليه بالألف.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يكون السلم للموكل.
واختلفوا فيه إذا تصادقا على أنه لم ينو السلم للموكل، ولا للوكيل:
فقال أبو يوسف: يكون للموكل.
وقال محمد: يكون للوكيل.
إذا وكله في قضاء دينه، لزمه أن يشهد على الدفع (١).
فإن أشهد شاهدًا واحدًا في غيبة الموكل، ففيه وجهان:
أحدهما: (أنه) (٢) يضمن (٣).
стр. 1808
والثاني: لا يضمن (١).
وإن كان بمحضر من الموكل (٢)، ولم يشهد، فهل يضمن؟ فيه وجهان (٣):
فإن ادعى الوكالة، وأقام شاهدين، (فشهدا) (٤) له بالوكالة مطلقًا ثم عاد أحدهما قبل الحكم فقال: (قد كان عزله) (٥) بعد ما وكله، لم يحكم بالشهادة (٦). (وحكي) (٧) في التعليق عن أبي العباس بن سريج وجه آخر: أنه لا يقبل الرجوع، وليس بشيء.
إذا شهد الوكيل لموكله في ملك، كان وكيلًا فيه، وعزل عنه، ولم يكن قد خاصم فيه، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يقبل، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: لا يقبل، وهو قول أبي يوسف, ومحمد.
стр. 1809
فإن شهد (للوكيل) (١) بالوكالة (ابنا) (٢) الموكل، أو أبواه.
فقد قال بعض أصحابنا: لا تثبت الوكالة.
قال الشيخ أبو نصر ﵀: (فيه) (٣) نظر، لأن هذه الوكالة تثبت بقول الموكل، (فتثبت بشهادة) (٤) القريب عليه، كالإقرار.
فإن ادعى المكاتب الوكالة، فشهد له سيده، أو (ابنا) (٥) سيده، أو أبواه، لم يقبل.
فإن عتق المكاتب، (فأعادوا) (٦) الشهادة، ففيه قولان:
أحدهما: (لا تقبل) (٧).
والثاني: تقبل (٨).
فإن ثبت وكالة رجل عند الحاكم، فادعى الخصم، أن موكله قد عزله، وأنه يعلم ذلك، وسأل يمينه، حلف أنه لا يعلم.
وإن ادعى أن موكله قد أبرأه من الحق، أو قضاه ولم يدع (علم
стр. 1810
الوكيل بذلك) (١) (لم تسمع) (٢) دعواه، (ويقال له) (٣): ادفع الحق واليمين موقوفة على حضور الموكل، فإن ادعى علم الوكيل بذلك، سمعت دعواه، وحلف الوكيل، وبه قال زفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يحلف.
فإن وكله في شراء عبد، فاشتراه، ثم اختلفا، فقال الوكيل: اشتريته بألف وقال الموكل: بل بخمسمائة، كان ذلك على القولين، إذا اختلف الوكيل، والموكل في التصرف، لأنه إثبات لحق البائع على الموكل.
وقال أبو حنيفة: إن كان الشراء في الذمة، فالقول قول الموكل، وإن كان قد اشترى بمال (الموكل) (٤) فالقول قول الوكيل.
فإن كان عليه دين لرجل فجاء رجل وادعى أنه وكيل صاحب الدين في قبضه وصدقه، جاز له الدفع إليه، ولا يجب عليه الدفع إليه.
وقال المزني ﵀: يجب عليه الدفع إليه (٥)، وهو قول أبي حنيفة، وله في تسليم العين إليه روايتان:
فإن دفع إليه، ثم حضر الموكل، وأنكر التوكيل، فالقول: قوله مع
стр. 1811
يمينه (١)، فإن كان الحق دينًا فله أن يطالب به الدافع (٢). وليس له أن يطالب القابض في أصح الوجهين (٣).
والثاني: له ذلك، وهو قول أبي إسحاق (٤).
فإن جاء إليه رجل فقال: قد (أحالني) (٥) عليك فلان بما له عليك من الحق، فصدقه وجب التسليم إليه في إحد الوجهين، كما لو ادعى أنه وارثه، فصدقه.
والثاني: لا يلزمه (٦).
стр. 1812
وإن كذبه في المسائل كلها، لم يلزمه الدفع إليه، وهل يحلف له؟ (يبني) (١) على وجوب الدفع إليه عند التصديق (٢).
فإن أمر عبده بعقد، ثم أعتقه (أو باعه) (٣)، انعزل في أحد الوجهين (٤).
والثاني: لا ينعزل (٥).
وإن وكل عبد غيره (بإذن) (٦) سيده في عقد فأعتقه مولاه، فعلى ما ذكرناه من الوجهين.
ومن أصحابنا من قال: لا ينعزل وجهًا واحدًا.
فإن وكله في بيع (عين) (٧) فتعدى فيها بأن كان ثوبًا فلبسه، ففيه وجهان:
стр. 1813
أحدهما: أن وكالته تبطل (١).
وإن جن الموكل زمانًا يسيرًا ثم أفاق، بطلت الوكالة.
وحكى عن أبي العباس بن سريج: أنها لا تبطل.
فإن عزل الوكيل، ولم يعلم بالعزل، لم ينعزل في أحد القولين (٢)، وهو قول أبي حنيفة.
стр. 1814
والوكيل أمين فيما (يتلف) (١) في يده (٢).
وحكي عن أبي علي الطبري: أن الوكيل إذا كان (بجعل) (٣) يجري مجرى الأجير المشترك، وليس بشيء.
فإن وكله في بيع سلعة، فباعها، وقبض الثمن (وتلف) (٤) في يده من غير تفريط واستحق المبيع، رجع المشتري بالثمن على الموكل (٥).
وقال أبو حنيفة: يرجع (بالعهدة) (٦) على الوكيل.
فإن وكل وكيلين في تصرف (ثم) (٧) عزل أحدهما لا بعينه، لم يجز لواحد منهما أن يتصرف في أصح الوجهين.
والثاني: أنه يجوز لكل واحد منهما أن يتصرف ما لم يعين المعزول.
وللوكيل أن يعزل نفسه بعد الشروع في الخصومة وقبله في حضور الموكل وغيبته (٨).
стр. 1815
وقال مالك: إن كان على الموكل ضرر في عزل نفسه، لم يجز له أن يعزل نفسه إلا بحضرته.
وقال أبو حنيفة: إذا كان قد شرع في الخصومة، لم يجز له أن يعزل نفسه من غير حضوره (١).
стр. 1816
فإن اختلفا في التصرف، فادعى الوكيل أنه ابتاع ما وكل فيه، وأنكر (الموكل) (١) أو ادعى أنه قبض الثمن، وأنكر الموَكل، ففيه قولان منصوصان.
أحدهما: وهو اختيار القاضي أبي الطيب ﵀، وقول أبي حنيفة: أنه يقبل إلا أنه (ناقض) (٢) في مسألة وهي: إذا قال: زوجني
стр. 1817
امرأة (فأقر) (١) الوكيل أنه قد تزوجها له، وادعت المرأة ذلك، وأنكر الموكل، لم يقبل قول الوكيل.
والقول الثاني: أنه لا يقبل إقراره على موكله (٢).
وذكر أبو العباس بن سريج: وجهين آخرين.
أحدهما: أنه إن كان ما أقر به، مما يتم به وحدة كالعتق، والطلاق، والابراء، قبل قوله (٣) وإن كان بخلافه لم يقبل.
والوجه الآخر: أن ما كان الإقرار به (كايقاعه) (٤) قبل قوله فيه، وما كان بخلافه، لم يقبل قوله فيه (٥).
والمذهب: (ما تقدم) (٦).
فإن وكله في ابتياع جارية، فابتاعها، ثم اختلفا، فقال الوكيل: ابتعتها بإذنك بعشرين، وقال الموكل: بل أذنت لك في ابتياعها بعشرة، وقد ابتعت بذلك، فالقول: قول الموكل، فإن حلف، كانت الجارية
стр. 1818
للوكيل (١)، فإن كان صادقًا (فالجارية) (٢) له في الظاهر، وللموكل في الباطن.
قال المزني ﵀: استحب الشافعي في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالموكل، فيقول: إن كنت أمرتك أن تشتريها بعشرين، فقد بعتكها بعشرين (٣).
فمن أصحابنا من قال (٤): لا يصح البيع بهذا الشرط، وما قاله المزني إنما هو من كلام الحاكم.
ومن أصحابنا من قال: يصح (٥).
فإن امتنع من ذلك.
стр. 1819
قال المزني: (يبيعها) (١) الوكيل، ويأخذ حقه من ثمنها.
وقال أبو سعيد الاصطخري: فيه وجهان:
أحدهما: ما قاله المزني.
والثاني: أنه يملكها باطنًا وظاهرًا، بناء على القولين (فيمن) (٢) ادعى على رجل أنه اشترى منه دارًا (وأنكر) (٣)، وحلف أن المستحب للمشتري بأن يقول للبائع: إن كنت اشتريته منك فقد فسخت البيع، فإن لم يفعل المشتري ذلك، ففيه قولان:
أحدهما: أن البائع يبيع الدار، ويأخذ ثمنها.
والثاني: أن البائع يملكها (٤).
قال أبو إسحاق المروزي: لا يملك الوكيل الجارية، قولًا واحدًا في الباطن (٥)، ويكون بمنزلة من له على غيره (حق) (٦) لا يصل إليه، فوجد له مالًا، فإنه يبيعه ويستوفي حقه من ثمنه على أحد الوجهين.
стр. 1820
فإن أمره أن يشتري له عبدًا بألف، فاشتراه وقال: اشتريته بألف، وقال الموكل: بل بخمسمائة، فالقول: قول الوكيل.
وقال أبو حنيفة: إن كانت الألف في يد الوكيل، فالقول: قوله (١)، وإن لم (تكن) (٢) في يده، فالقول: قول الموكل.
فإن ادعى الوكيل (بجعل) (٣) الرد على موكله، ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل قوله كمودع (٤).
والثاني: لا يقبل كالمستأجر، وهو المذهب.
فإن أودعه وديعة، وأذن له في التوكيل في ردها، فهل يقبل قول المودع في التوكيل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقبل قوله، ويكون قول الوكيل مقبولًا في الرد على المالك (٥).
стр. 1821
والثاني: لا يقبل قوله في (التوكيل) (١)، ولا يقبل قول الوكيل في الرد، ويصير ضامنًا (٢).
فإن قبض (الوكيل) (٣) الثمن (فطالبه) (٤) الموكل بدفعه، فوعده، وأخره عنه، ثم ادعى أنه كان قد تلف قبل مطالبته، أو قال: كنت قد رددته قبل مطالبته، لم يقبل، فإن أقام (بينة) (٥) على ذلك، لم (تسمع) (٦) على أحد الوجهين، وهو اختيار القاضي أبي الطيب ﵀.
فإن ادعى أنه وكله في بيع عبد، فباعه، وقبض ثمنه، فجحد ذلك، ثم أقر وادعى أنه كان قد تلف، أو رده، لم يقبل قوله، وسماع البينة على الوجهين (٧).
стр. 1822
فإن امتنع من التسليم إلى موكله حتى (يشهد) (١)، ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه ليس له ذلك (٢).
والثاني: (له ذلك) (٣).
قال الشيخ أبو نصر ﵀: لا بأس به عندى إذا كان الإشهاد ممكنًا لا يؤدي إلى تأخير الحق، فأما إذا أدى إلى تأخير (الدفع) (٤) لتعذر الإشهاد (٥)، (فيفصل) (٦) بين أن يكون مضمونًا، أو غير مضمون عليه، ببينة، أو لا بينة عليه.
стр. 1823
والثالث: (أنه إن كان قد قبض) (١) المال بإشهاد، لم يلزمه الدفع، (وإن قبضه من غير إشهاد) (٢) لزمه دفعه من غير إشهاد، وهو قول مالك (٣):
فإن امتنع (الوكيل) (٤) من دفع الثمن، ثم بان له أنه كان تالفًا قبل امتناعه، ولم يعلم بحاله، فلا ضمان عليه في أصح الوجهين.