أنها تجلس ما دام الدم إلى أن يبلغ خمسة عشر يومًا، وهذه الرواية أيضًا في المعتادة التي لا تمييز لها، وهو رواية عن أحمد.
وقال أبو يوسف: تأخذ في الصوم، والصلاة بالأقل، وفي وطء الزوج بالأكثر، فأما في الشهر الثاني وما بعده، إذا جاوز الدم الست، أو السبع، اغتسلت وصلت، وصامت، ولا تقضي الصلاة، ولا تقضي الصوم بعد خمسة عشر يومًا.
وهل تقضي ما صامت بعد الست، والسبع؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنها لا تقضي.
وإن كانت مبتدأة مميزة (١) -وهي التي بدأ بها الدم (وعبر الخمسة عشر) (٢) وهو في بعض الأيام بصفة دم الحيض، وهو (المحتدم القاني) (٣) الذي يضرب إلى السواد، وفي بعضها أحمر مشرق، أو أصفر- فإنها ترد إلى السواد، بشرط أن لا ينقص السواد عن يوم وليلة،
стр. 282
ولا يزيد على خمسة عشر يومًا، وبه قال مالك من غير اعتبار ما ذكر من الانتظار (١).
وكان المغيرة من أصحابه يحكي: أنها تغتسل، وتصلي، وتصوم، ولكن لا يطؤها الزوج.
وقال أبو حنيفة: التمييز لا يعمل به فى الحيض.
وإن رأت خمسة أيام دمًا أحمر، أو أصفر، ثم رأت خمسة أيام دمًا أسود، ثم أحمر إلى آخر الشهر، فالحيض هو الأسود.
وقيل: إنه لا تمييز لها.
وقيل: حيضها العشرة الأولى وليس (بشيء) (٢).
وإن رأت خمسة أيام دمًا أحمر، ثم أسود إلى آخر الشهر، فليس لها تمييز، فيكون على القولين في المبتدأة غير المميزة.
وقيل: تحيض من أول الدم الأسود، إما يومًا وليلة، أو ستًا أو سبعًا.
وإن رأت ستة عشر يومًا دمًا أحمر، ثم أسود، وجاوز خمسة عشر يومًا (فلا) (٣) تمييز لها.
стр. 283
وقال أبو العباس: تحيض من أول الأحمر، (يومًا) (١) وليلة، ثم تحيض من أول الأسود (يومًا) (٢) وليلة في أحد القولين.
وحكي فيه وجه آخر: أن الدم الثاني لا يكون استحاضة، لأن الاستحاضة ما كان في أثر حيض وليس بشيء. فإن كانت معتادة غير مميزة، وهي أن تكون عادتها أن تحيض في كل شهر خمسة أيام فاستحيضت، وجاوز خمسة عشر يومًا، وهو على صفة واحدة (فحيضتها) (٣) أيام عادتها (٤) وبه قال أبو حنيفة، وإن كانت عادتها أن تحيض الخمسة الثانية من الشهر، فرأت الدم في أيام عادتها وخمسة قبلها، وخمسة بعدها، كان الجميع حيضًا.
وقال أبو حنيفة: الخمسة التي بعدها تكون حيضًا (والتي قبلها لا تكون حيضًا) (٥) إلّا أن (يتكرر) فإن كانت عادتها أن تحيض الخمسة الثانية من الشهر، فرأت الخمسة الأولى، واستمر دمها، فحيضها الخمسة المعتادة في أصح الوجهين.
стр. 284
والثاني: أن حيضها الخمسة الأولى.
وإن كانت عادتها أن تحيض من أول كل شهر خمسة أيام، فرأتها، وطهرت خمسة عشر (يومًا) (١)، ثم رأت الدم، وجاوز خمسة عشر يومًا، فإن حيضها على عادتها في أول الشهر (الثاني) (٢) في أصح الوجهين.
وقيل: إنها تحيض حيضة أخرى من أول الدم الثاني وليس بشيء.
وإن كانت معتادة مميزة، بأن ترى الدم في بعض الأيام بصفة دم الحيض ولها عادة، أت تحيض أيامًا معلومة من الشهر، فإنها ترد إلى التمييز في أظهر الوجهين.
وقال أبو علي بن خيران: نقدم العادة على التمييز.
وقال مالك: الاعتبار بالتمييز دون العادة، فإن لم يكن لها تمييز (استنظرت) (٣) بعد زمان العادة بثلاثة أيام إلى أن تجاوز خمسة عشر يومًا.
وتثبت العادة بمرة واحدة على أصح الوجهين (٤).
стр. 285
وقال أبو حنيفة: لا تثبت إلّا بمرتين.
وإن كانت ناسية للعادة غير مميزة ولم تذكر وقت عادتها، ولا عددها، وهي المتحيرة ففيها قولان:
أحدهما: إنها كالمبتدأة التي لا تمييز لها، وفيها قولان:
والقول الثاني وهو الصحيح المنصوص عليه في الحيض: أنه ليس لها حيض بيقين، ولا طهر بيقين، فتغتسل لكل صلاة، ولا يطؤها الزوج بحال، ولا تقضي الصلاة، هذه طريقة الشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب، وغيرهما من أصحابنا ببغداد.
وذكر في الحاوي: طريقة لأبي العباس بن سريج في استعمال اليقين في الصلاة كما يستعمل في الصوم، فتغتسل في أول وقت الظهر وتصليها فيه، ثم تغتسل في أول وقت العصر وتصليها فيه، ثم تغتسل (في أول المغرب) (١) وتصليها في أول وقتها، ثم تتوضأ وتعيد الظهر (ثم) تتوضأ وتعيد العصر، فإذا (دخل) (٢) وقت العشاء، اغتسلت وصلتها في أول وقتها، فإذا طلع الفجر اغتسلت وصلت الصبح في أول وقتها، ثم تتوضأ وتقضي المغرب، ثم تتوضأ وتقضي العشاء، فإذا طلعت الشمس اغتسلت، وقضت الصبح (فتصلي) (٣) عشر صلوات
стр. 286
بست اغتسالات، وقد أسقطت الفرض بيقين، وهذا صحيح.
وأما الصيام فقد ذكر أبو علي في الإِفصاح: أنها إذا صامت رمضان مع الناس، قضت خمسة عشر يومًا، بصوم شهر آخر، وتبعه الشيخ أبو حامد، وغيره.
وقال القاضي أبو الطيب ﵀: وهموا في ذلك، إنما يصح (لها) (١) من رمضان أربعة عشر يومًا، إذا كان تامًا، فإذا صامت شهرًا آخر تامًا حصل لها أربعة عشر يومًا، وبقي عليها يومان.
وكيفية القضاء في ذلك: أنها إذا أرادت قضاء يوم، فإنها تضيف إلى أكثر الحيض يومين، فيكون سبعة عشر يومًا، وتصوم يومين في أولها، ويومين في آخرها "السادس عشر" والسابع عشر، فيسلم لها (يومان) (٢) بيقين، (وكلما زاد في الواجب عليها يوم) (٣)، زادت في الصوم يومين، يومًا في أول المدة، ويومًا في آخرها، وزادت في المدة يومًا، وعلى هذا: ذكر القاضي أبو الطيب ﵀ بعد ما ذكر هذا.
قال أبو بكر بن الحداد: إذا كان عليها صوم يوم، قضته بثلاثة أيام من سبعة عشر يومًا، فتصوم الأول، والسابع عشر، وتترك الثاني، والسادس عشر، وتصوم يومًا فيما بين الثاني، والسادس عشر، وقد صح لها يوم بيقين.
стр. 287
فإن أرادت أن تقضي صوم يومين، قضتها بصيام ستة أيام من ثمانية عشر يومًا، يومين في أولها، ويومين في آخرها، ويومين فيما بين ذلك، (ولا تحتاج أن تترك شيئًا) (١).
ذكر في الحاوي: أنها تمنع من حمل المصحف، واللبث في المسجد، (وقراءة) (٢) القرآن في غير الصلاة، والتطوع (بالصلاة) (٣)، والصوم، وذكر في وطء الزوج، والسنن الراتبة وجهين:
أحدهما: يحرم عليها.
والثاني: لا يمنع (٤).
стр. 288
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (١): وعندي: أنه لا وجه لإباحة الوطء (وبقية الأحكام) (٢)، وينبغي أن يجوز لها، تبعًا للفرض في طهارته.
стр. 289
فصل في التلفيق
إذا رأت يومًا دمًا، ويومًا نقاء ولم تجاوز الخمسة عشر (يومًا) (١)، فقد نص الشافعي ﵀: أن الجميع حيض، وهو قول أبي حنيفة.
وفيه قول آخر: أنه يلفق النقاء إلى النقاء (فيجعل) (٢) طهرًا، وهو قول مالك، وإن عبر الخمسة عشر (يومًا) (٣)، فقد اختلط الحيض بالاستحاضة.
وقال ابن بنت الشافعي (٤) ﵀: النقاء في السادس عشر يفصل بين الحيض، والاستحاضة، والمذهب الأول.
стр. 290
وإن كانت معتادة، (وكانت) (١) عادتها أن تحيض من أول الشهر خمسة أيام، فإن قلنا: (لا تلفق) (٢)، (فالخمسة) (٣) كلها حيض، وإن قلنا: تلفق، حصل لها ثلاثة أيام حيض.
ومن أصحابنا من قال: تلفق لها خمسة أيام (من) (٤) خمسة عشر يومًا، وعلى هذا، إذ كانت عادتها زيادة على (ما ذكرناه) (٥).
فإن رأت نصف يوم دمًا، ونصف يوم نقاء، ولم يجاوز الخمسة عشر بني على القولين في التلفيق.
وقيل: لا يثبت لها حكم التلفيق، حتى يتقدمه أقل الحيض متصلًا.
وقيل: يعتبر أن يتقدم أقل الحيض متصلًا، ويتعقبه أقل الحيض متصلًا، والمذهب الأول.
قال أبو العباس: لا يجب عليها الغسل في اليوم الأول من الشهر
стр. 291
على القول الذي (يقول) (١) لا يلفق، وإن قلنا: يلفق، وجب عليها (الغسل، إذا) (٢) رأت النقاء في اليوم الأول.
قال الشيخ أبو نصر ﵀: وعندي: أن الذي يجيء على هذا القول، أن لا يجب الغسل أيضًا، وإنما يتصور ذلك في اليوم الثاني، وما بعده.
قلت: ما ذكره صحيح في اليوم الأول، وقوله: إنه (لا يتصور) (٣) في (اليوم الأول من الشهر) (٤) الثاني وما بعده ليس بصحيح، بل ينبغي أن يجب الغسل عليها بعد ذلك على القولين، لأن ما تقدم قد ثبت كونه حيضًا، فإن لفقنا، فهو طهر بعد حيض، وإن لم نلفق، فالظاهر بقاء الطهر.
وإن رأت ساعة دمًا، وساعة نقاء، ولم يجاوز الشمسة عشر، وبلغ بمجموعه أقل الحيض، فقد قال أبو العباس، وأبو إسحاق، فيه القولان في التلفيق، وإن لم يبلغ بمجموعة أقل الحيض، بأن رأت ساعة دمًا، ثم رأت ساعة في الخامس عشر دمًا، فقد قال أبو العباس: إذا قلنا: لا يلفق، احتمل وجهين:
أحدهما: أنه يكون حيضًا.
والثاني: أنه لا يكون حيضًا.
стр. 292
فإن كانت عادتها، أن تحيض في (أول) (١) كل شهر خمسة أيام، فرأت في بعض (الشهور) (٢) اليوم الأول نقاء، والثاني دمًا، وعلى هذا، ولم يجاوز الخمسة عشر، وقلنا: لا يلفق، كان لها ثلاثة عشر يومًا حيضًا، وإن قلنا: يلفق، لها سبعة أيام، وإن جاوز خمسة عشر يومًا، وقلنا: يلّفق، ففي زمانه وجهان:
أحدهما: من زمان العادة، (فيلفق) (٣) لها يومان.
والوجه الثاني: (أنه يلفق) (٤) لها من زمان الإِمكان، فيتلفق لها خمسة أيام من عشرة (أيام) (٥) وإن قلنا: لا يلفق، فهل الاعتبار بزمان العادة، أو بعدها؟ قال أبو العباس: فيه قولان، يعني وجهان.
والوجه الثاني: أن الاعتبار بعدد العادة، فيكون حيضها خمسة أيام، أولها: الثاني، وآخرها السادس، والأول أظهر. (فيتحصل) (٦) في قدر حيضها ثلاثة أوجه، وفي وقته أربعة أوجه.
قال أبو العباس: لو كانت المسالة بحالها، غير أنها حاضت قبل عادتها يومًا، ورأت اليوم الأول من الشهر نقاء، وعلى هذا، وجاوز الأكثر.
стр. 293
فإن قلنا: يلفق لها (من) (١) زمان العادة، حصل لها من الحيض يومان.
وإن قلنا: من زمان الإِمكان.
قال أبو العباس: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أول حيضها اليوم الذي سبق عادتها، واحتمل أن يكون أوله الثاني من الشهر. قال: والأول أظهر على هذا الوجه.
فإن قلنا: يحتسب من الثاني من الشهر، تلفق لها خمسة أيام من عشرة، وإن قلنا: لا يلفق، بني على الوجهين، في أن الاعتبار بزمان العادة، أو عددها، فإن قلنا: بزمان العادة، حصل لها ثلاثة أيام، وإن قلنا: بعددها، حصل لها خمسة أيام، فحصل في قدر الحيض ثلاثة أوجه، وفي موضعه.
стр. 294
فصل
الدم الذي يخرج بعد الولد، نفاس (١)، والذي يخرج معه، فيه وجهان:
أحدهما: أنه نفاس (٢).
فإن رأت قبل الولادة خمسة أيام دمًا، ثم ولدت، ورأت الدم، ففي الذي قبل الولادة وجهان:
أحدهما: أنه حيض، إذا قلنا: إن الحامل تحيض (٣).
стр. 295
وأكثر (النفاس) (١) ستون يومًا، وغالبه أربعون يومًا، وهو إحدى الروايتين عن مالك.
والثانية: أنه يرجع إلى العادة، وأقصى ما تجلس إليه المرأة (٢).
وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: خمسون يومًا.
(وحكي في الحاوي عن الليث بن سعد أنه قال: من الناس من قال: سبعون يومًا) (٣).
وقال أبو حنيفة: أكثره، أربعون يومًا، وهو اختيار المزني، وأحمد. فإن ولدت (توأمين) (٤) بينهما (زمان) (٥)، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها (٦): أنه يعتبر من الأول، ابتداء المدة، وهو قول أبي إسحاق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف.
والثاني: أنه يعتبر ابتداء المدة من الثاني، وهو قول محمد، وزفر.
стр. 296
والثالث: أنه يعتبر ابتداؤها من الأول، ثم تستأنف المدة من الثاني (١). فإن رأت (٢) ساعة دمًا، ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت (٣) يومًا وليلة دمًا، ففيه وجهان:
أحدهما: أن الثاني حيض، وما بينهما طهر، وهو قول محمد وأبي يوسف (٤).
والثاني: أن الجميع نفاس (٥)، وفيما بينهما القولان في التلفيق، وهو قول أبي حنيفة، واختبار القاضي أبي الطيب ﵀.
فإن رأت ساعة دمًا، وخمسة عشر يومًا طهرًا، ثم رأت بعض يوم وليلة دمًا، وانقطع، فالأول نفاس، ومن قال في المسألة قبلها: إن الثاني نفاس، فها هنا أولى، وفيما بينهما القولان في التلفيق، ومن قال: إن الثاني حيض، يقول ها هنا: إنه دم فساد.
فإن رأت يومًا وليلة دمًا، ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا ونصفًا، ثم رأت الدم نصف يوم، فإنه يضم إلى الأول (لامكان) (٦) حمله على الصحة.
وحكي عن أحمد أنه قال: الدم الأول نفاس، والثاني مشكوك فيه، تصوم، وتصلي، ولا يأتيها زوجها، وتقضي الصوم، والطواف.
стр. 297
فإن جاوز الدم، الستين (ردت) (١) إلى أقل النفاس في أحد القولين، وفي الثاني، إلى غالب العادة.
وقال المزني ﵀: لا ينقص عن أربعين.
ومن أصحابنا من قال: يجعل ما زاد على الستين حيضًا، وهذا مبني عليه.
إذا رأت قبل الولادة، خمسة أيام دمًا، ثم ولدت ورأت دم النفاس، وقلنا: إن الحامل تحيض، هل يكون ذلك حيضًا؟ فيه وجهان.
стр. 298
فصل
يجب على المستحاضة، أن تغسل الدم، وتعصب الفرج، وتستوثق بالشد (والتلجم) (١)، وتتوضأ لكل فريضة، وبه قال الثوري (٢).
стр. 299
وقال أبو حنيفة، وأحمد: تتوضأ (لوقت كل فريضة) (١).
وقال الأوزاعي، والليث بن سعد: تجمع (بطهارتها) (٢) بين الظهر، والعصر، ولا تتوضأ قبل دخول الوقت.
وقال أبو حنيفة: يجوز إذا لم يكن ذلك وقت صلاة (٣)، فإن توضأت في أول الوقت، وأخرت فعل الصلاة (لغير) (٤) غرض أبي آخر الوقت، قال أبو العباس: فيها وجهان:
أحدهما: أن صلاتها تبطل.
والثاني: أنها صحيحة.
وإن أخرت الصلاة حتى خرج الوقت.
قال أبو العباس: لا تصح صلاتها بتلك الطهارة.
ومن أصحابنا من خالف (أبا) (٥) العباس بن سريج في ذلك وقال: (فإن) (٦) هذا يؤدي إلى أن تصير طهارتها مقدرة بوقت الصلاة، وذلك مذهب أبي حنيفة.
стр. 300
وذكر الشيخ أبو نصر ﵀: أن نظير هذه المسألة: (إذا) (١) تيمم لفائتة قبل دخول وقت الحاضرة، ثم دخل وقتها، هل يجوز أن يصليها؟ (فيه) (٢) وجهان:
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه) (٣): وعندي، أن هذه المسألة ليست بنظير المستحاضة، لأن الوجهين هناك في فعل (الحاضرة) (٤) بذلك التيمم الذي وقع للفائتة، وفعل الفائتة هناك جائز وجهًا واحدًا، وها هنا الوجهان، في فعل الصلاة التي توضأت لها، وبطلان طهارتها بخروج الوقت، وينبغي أن يبنى ذلك على تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره من غير غرض.
فإن قلنا: يجوز، فها هنا وجهان:
أحدهما: أنها لا تبطل بخروج الوقت، فيجوز لها أن تصلي بها الصلاة التي توضأت لها، وهل يجوز (لها) (٥) أن تصلي الصلاة الثانية؟ على الوجهين في (المتيمم) (٦) للفائتة قبل دخول وقت الحاضرة.
فإن انقطع دمها في أثناء الصلاة، بطلت صلاتها في أصح الوجهين.
стр. 301
فإن قلنا: إنها تبطل (وانقطع) (١) دمها، ثم عاد قبل الفراغ من الصلاة، فهل تبطل صلاتها؟ فيه وجهان.
فإن انقطع دمها قبل الشروع في الصلاة، وجب عليها تجديد (الطهارة) (٢) فإن لم تفعل، وشرعت في الصلاة، وعاد الدم بعد الفراغ من الصلاة، وجب عليها إعادتها، وإن عاد قبل الفراغ من الصلاة، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا تصح صلاتها.
وإن كان دم الاستحاضة يجري مرة، ويمسك أخرى، فإن كان زمان إمساك يتسع لفعل الطهارة والصلاة، لم يجز لها أن تصلي في حال جريانه، ولزمها أن تنتظر حال إمساكه ما لم يفت الوقت، وإن كان زمان إمساكه (لا يتسع) (٣) لفعل الطهارة والصلاة، كان لها أن تتوضأ، وتصلي في حال جريانه، إذا عرفت ذلك بحال انقطاعه وتكرره.
فإن توضأت في حال جريان الدم، ثم انقطع، ودخلت في الصلاة، واتصل (انقطاعه) (٤)، بطلت صلاتها وجهًا واحدًا.
وحكي في تعليق الشيخ أبي حامد عن أبي العباس في ذلك وجهان، كابتداء انقطاع الصلاة.
стр. 302
باب إزالة النجاسة (١)
البول، والغائط، نجس، وبه قال أبو يوسف، وأبو حنيفة.
وقال الزهري، ومالك، وأحمد، وزفر: بول ما يؤكل لحمه، ورجيعه، طاهر، ووافقهم أبو حنيفة في ذرق الطير، والعصفور من ذلك (٢).
وقال الليث بن سعد، ومحمد بن الحسن: أبوال ما يؤكل لحمه طاهر، وأرواثها نجسة.
стр. 303
وقال النخعي: أبوال جميع البهائم الطاهرة، (طاهرة) (١).
وقال داود: بول الصبي ما لم يأكل الطعام طاهر.
وأما مني الآدمي فطاهر (٢)، وبه قال أحمد في أصح الروايتين عنه، وفي مني غيره ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو ظاهر المذهب، أن الجميع طاهر إلَّا مني الكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من إحدهما.
والثاني: أن الجميع نجس.
والثالث: أن مني ما يؤكل طاهر.
стр. 304
وقال أبو حنيفة ومالك: المني جميعه نجس من الآدمي،
стр. 305
(وغيره) (١)، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، إلّا أن مالكًا قال: رطبًا، (ويابسًا) (٢)، (وأبو حنيفة، وأحمد قالا في مني الآدمي: يغسل رطبًا ويفرك يابسًا) (٣).
وحكى الطحاوي عن الحسن بن صالح بن حي أنه قال: لا يعيد الصلاة من المني في الثوب، ويعيدها من المني في البدن وإن قل.
وأما الدم، فنجس (٤).
وفي دم السمك وجهان:
أحدهما: أنه طاهر.
стр. 306
وقال أبو حنيفة: دم القمل، والبراغيث، والبق، طاهر (١) وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والقيء نجس، والرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة.
ويحكى عن أبي حنيفة وأحمد ومحمد أنهما قالا: هي طاهرة.
(وماء القروح) (٢): إن كان له رائحة، فهو نجس، وإن لم يكن له رائحة، فهو طاهر:
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان (٣).
وفي العلقة وجهان:
وقال أبو إسحاق: هي نجسة (٤).
стр. 307
وقال أبو بكر الصيرفي (١): هي طاهرة.
والميتة سوى السمك، والجراد، نجسة.
وقال مالك: ما ليس له نفس سائلة، لا ينجس بالموت، وهو قول أبي حنيفة، وداود.
وحكى القفال: القولين اللذين يذكرهما أصحابنا في نجاسة ما يموت منه في نجاسته بالموت.
وفرّع عليه: أنا إذا قلنا: لا ينجس بالموت، جاز أكله، وحكي أنه سئل الشيخ أبو زيد (٢) عن المني فقال: طاهر، فقيل: أيؤكل؟ فقال: إن اشتهيت فكل.
(قال الشيخ الإمام أيده اللَّه) (٣): وهذا عندي لا يجيء على أصل الشافعي ﵀.
وفي الحية، والوزغ، هل لهما (نفس) (٤) سائلة؟ اختلاف بين أصحابنا.
стр. 308
قال الداركي (١)، والشيخ أبو حامد: لهما نفس سائلة.
(قال أبو الفياض، وأبو القاسم الصيمري: ليس لهما نفس سائلة) (٢).
وفي الآدمي قولان:
أصحهما: أنه لا ينجس بالموت (٣).
وقال أبو حنيفة: ينجس بالموت، غير أنه يطهر بالغسل.
وحكي في الحاوي: في نجاسة الضفدع بالموت وجهان:
أحدهما: ينجس، فعلى هذا في نجاسة الماء القليل، به وجهان:
стр. 309
والخمر نجسة، والنبيذ نجس (١).
وقال داود: الخمر طاهرة وإن حرم شربها، وروى الطحاوي عن الليث بن سعد مثل ذلك.
وقال أبو حنيفة: النبيذ طاهر (٢).
والكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، نجس (٣)، وما سواهما، طاهر السؤر (٤) والذات.
وقال مالك وداود: الكلب، والخنزير أيضًا طاهر السؤر والذات، غير أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب تعبدًا، وإن كان ما فيه يحل أكله وشربه.
فإن ولغ الخنزير في إناء فيه لبن، أو خل، ففي وجوب غسله روايتان.
стр. 310
وحكي في الحاوي في وجوب إراقته، والمنع (من) (١) الانتفاع به لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أنه يحرم الانتفاع به، ولا يجب إراقته، والأصح وجوب الإِراقة.
وقال الثوري والأوزاعي: سؤر ما لا يؤكل لحمه نجس سوى الآدمي.
وقال أبو حنيفة: الأسآر أربعة أضرب، ضرب نجس، وهو سؤر الكلب، والخنزير، وسائر السباع، فإنها نجسة عنده.
وضرب مكروه: وهو حشرات الأرض وجوارح الطير، والهرة.
وضرب مشكوك فيه: وهو سؤر الحمار، والبغل.
وضرب طاهر غير مكروه: وهو سؤر ما يؤكل (لحمه) (٢).
وقال أحمد: كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر، وكذلك الهرة، وحشرات الأرض، وعنه في السباع روايتان، وكذا عنه في الحمار، والبغل روايتان:
أصحهما: أنه نجس.
والثانية: أنه مشكوك فيه.
ولبن ما لا يؤكل لحمه نجس على المنصوص.
وقال أبو سعيد الإِصطخري: هو طاهر.
стр. 311
ورطوبة فرج المرأة، على المنصوص نجسة (١).
ومن أصحابنا (٢) من قال: هي طاهرة.
стр. 312
فصل
وتطهر الخمرة إذا استحالت خلًا بنفسها (١)، وإن خللت بما طُرِحَ يها من ملح، أو خل، لم تطهر، وإن نقلت من الظل إلى الشمس حتى تخللت، طهرت في أحد الوجهين، ولا يجوز إمساكها لتخلل، فإن أمسكها حتى صارت خلًا، طهرت في أحد الوجهين.
وقال أبو حنيفة: تطهر بالتخليل، وكذلك سائر النجاسات عنده، تطهر بالاستحالة.
وفي دخان النجاسة وجهان:
أحدهما: أنه نجس، فعلى هذا حكي في العفو عنه وجهان:
стр. 313
أحدهما: يعفي عنه.
وقال (أبو الحسن) ابن المرزبان (١) من أصحابنا: إذا عمل الآجر من طين فيه سرجين فغسل، طهر ظاهره.
ومن أصحابنا من خرج فيه قولًا من قوله القديم في الشمس: أنها تطهر الأرض النجسة وليس بشيء، واختار الشيخ أبو نصر ﵀، قول ابن المرزبان.
ويجوز إمساك ظروف الخمر، والانتفاع بها.
وحكي عن أحمد في إحدى الروايتين عنه: أنه يجب كسر دنانها، وشق أزقاقها.
ويجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، إحداهن بالتراب (٢).
ومن أصحاب مالك من يقول: العدد مستحب.
وعن مالك رواية أخرى: أنه يغسل ثماني غسلات.
стр. 314
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يغسل حتى يغلب على الظن طهارته، والعدد لا يعتبر.
وإن جعل مكان التراب غيره، من جص، أو أشنان ففيه قولان:
أظهرهما: أنه يجزىء، وفي موضع القولين وجهان:
أحدهما: أن القولين مع عدم التراب، فأما مع وجوده، فلا يجوز قولًا واحدًا.
والثاني: أن القولين في جميع الأحوال.
فإن قلنا: إن غير التراب، لا يقوم مقام التراب في الإِناء، ففي الثوب وجهان، ذكر ذلك في الحاوي، وذكر في قدر التراب وجهين:
أحدهما: ما يقع عليه الاسم.
والثاني: ما يستوعب محل الولوغ.
فإن غسل مكان التراب غسله ثامنة بالماء، لم يجزه في أحد الوجهين.
فإن ولغ في إناء كلبان، أو أكثر، كفي في غسله سبع مرات.
ومن أصحابنا من قال: يغسل لكل كلب سبع غسلات.
وحكي في الحاوي وجهًا ثالثًا: أن الولوغ إن تكرر من كلب واحد، كفاه سبع مرات، وإن كان من كلاب، وجب لكل كلب سبع مرات، وهذا ظاهر الفساد.
فإن أصاب الثوب من ماء الغسلات، كفاه في غسله مرة واحدة في أحد الوجهين.
والثاني: أنه يغسل بقدر ما يقي على المحل من الغسل.
стр. 315
فإن جمع ماء الغسلات في إناء، كان طاهرًا في أحد الوجهين (١).
والثاني: أنه نجس اعتبارًا بالمحل (٢).
فإن وقع الإِناء الذي ولغ (الكلب فيه) (٣) في ماء يبلغ (قلتين) (٤)، لم ينجس الماء، وهل يطهر الإِناء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يطهر، ويُعَدُّ ذلك غَسْلَةً واحدة.
وحكم سائر أعضاء الكلب في العدد حكم فيه.
وقال مالك وداود: لا يجب الغسل من غير الولوغ بحال.
وذكر القاضي حسين ﵀: أن بول الكلب إذا لم يزل عن المحل إلَّا بمرتين، فهل يكفيه بعد ذلك خمس غسلات؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكفيه.
والثاني: أنه يستأنف الغسل سبعًا.
فإن أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء (٥)، وأخرجه، و (لم) (٦)
стр. 316
يعلم، هل ولغ فيه أم لا؟ وكان على فمه رطوبة، نجس الماء في أظهر الوجهين (١).
стр. 317
فصل
ويجزىء في بول الصبي الذي لم يطعم الطعام النضح، هو أن يبله (بالماء) (١)، وإن لم (ينزل) (٢) عنه، ويغسل من بول الجارية، فيصب عليه الماء حتى ينزل عنه (٣)، وبه قال أحمد (٤).
стр. 318
وقال الأوزاعي: يطهر (بولهما) (١) جميعًا بالرش عليه.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجب (عليه) (٢) غسل بول الصبي أيضًا.
وأما سائر النجاسات سوى ما ذكرناه، فالواجب فيها أن تكاثر بالماء حتى تستهلك به، وتزول صفاتها، ولا (يتغير) (٣) الماء بها، فإن حصل ذلك بمرة واحدة، أجزأ، ويستحب أن يغسل ثلاثًا.
وقال أحمد: يجب غسل سائر النجاسات سبعًا، إلَّا الأرض إذا أصابتها نجاسة (٤)، واختلف أصحابه في ضم التراب إليه.
فإن كانت النجاسة في الثوب خمرًا، فغسلها، وبقيت رائحتها، طهر في أحد القولين.
стр. 319
(وفي الثاني) (١): لا يطهر وهو الأصح.
ولا يعتبر الحت، والقرص في غسل (الثوب من الدم) (٢)، وغيره، إذا زال وإن بقي الأثر.
وقال داود: يجب الحت، والقرص في غسل الدم من (الثوب) (٣).
وذكر في الحاوي: أن الخمر في الثوب لا تطهر حتى تزول الرائحة، وفي الأرض لا يعتبر ذلك، وليس بشيء.
وذكر أيضًا: أنه إذا بل خضابًا ببول، أو خمر، أو دم، وخضب به شعره، أو (يديه) (٤)، وغسله فبقي اللون، فإن كان لون النجاسة (٥)، لم يطهر، وإن كان لون الخضاب (٦) ففيه وجهان.
فإن قلنا: إنه نجس (وكان) (٧) الخضاب في شعره، لم يلزمه حلقه وصلي، فإذا (انفصل) (٨) الخضاب أعاده، وإن كان في
стр. 320
(يديه) (١)، وكان لا ينفصل كالوشم، وخاف التلف من إزالته، وكان هو الذي فعله، ففيه وجهان:
(قال الشيخ الإِمام) (٢): وهذا تفريع عجيب، واعتبار زوال اللون لا معنى له.
وقد نص الشافعي ﵀ في موضع آخر، على أنه يطهر بالغسل، وإن لم يزل اللون، ولأنه عرض فلا تحله النجاسة (٣).
قال ابن القاص: لو أن ثوبًا كله نجس، غسل بعضه في جفنة، ثم عاد إلى الباقي، فغسله، لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة (٤) قلته، تخريجًا، وذكر فيه وجه آخر: أنه يطهر. فإن صب الماء على الثوب النجس، وعصر في إِجانة، وهو متغير ثم صب عليه ماء آخر، وعصر فخرج غير متغير، ثم جمع بين الماءين، فزال التغير، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه نجس.
والثاني: أنه (يطهر وليس) (٥) بشيء.