تعين عليه تحملها، فهل يبطل اعتكافه؟ فقد نص الشافعي ﵀ أنه يبطل.
وقال في المعتدة: تخرج وتعتد، ولا يبطل اعتكافها.
فمن أصحابنا: من جعل المسألتين على قولين.
ومنهم: من حملها على ظاهرها.
وإن تعين عليه تحملها وأداؤها، لم يبطل اعتكافه بخروجه لأدائها.
وقيل: فيه وجه آخر، أنه يبطل تتابع اعتكافه.
وحكى عن مالك في المعتدة: أنها تتم اعتكافها ثم تعتد.
وإن مرض مرضًا يفتقر فيه إلى طبيب ومداواة (يئس معه) (١) المقام في المسجد جاز له الخروج منه، وهل يبطل تتابع اعتكافه؟ (ينبني) (٢) على القولين في التتابع في صيام الشهرين إذا أفطر فيهما للمرض.
قال في "الأم": إذا (سكر) (٣) في المسجد، فسد اعتكافه.
وقال فيه: إذا ارتد ثم عاد إلى الإِسلام بنى على اعتكاف، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق.
أحدها (٤): أنه لا يبطل، اعتكافه بواحدة منهما، وتأول قوله في
стр. 912
(السكران) (١) عليه إذا خرج من المسجد.
والثاني: أنه يبطل بهما، وتأول قوله في المرتد على أعتكاف غير متتابع.
ومنهم: من حملهما على ظاهرهما، وفرق بينهما.
وإن أكره حتى خرج من المعتكف، ففي بطلان إعتكافه قولان، وإن أخرجه السلطان لإِقامة حد عليه، ففي بطلان اعتكافه وجهان.
فإن نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان، صح نذره، فإن قدم نهارًا لزمه أن يعتكف من حين قدومه، ولا يلزمه قضاء ما فاته.
وحكي عن المزني: أنه يقضي ما فاته منه، فإن قدم، والناذر مريض أو محبوس، جاز له ترك الاعتكاف، ولزمه قضاؤه.
وحكى القاضي أبو حامد في "المجامع"، وأبو علي في "الإفصاح" وجهًا آخر: أنه لا يقضي، ويقضي على المذهب قدر ما بقي من النهار، وعلى قول المزني يقضي جميعه.
وتحرم المباشرة في الاعتكاف (٢)، فإن باشر في الفرج عمدًا، بطل اعتكافه ولا كفارة عليه.
وقال الحسن البصري والزهري: يجب عليه الكفارة كما يجب في الصوم.
فإن وطىء ناسيًا لاعتكافه، لم يفسد.
وقال أبو حنيفة: ومالك، وأحمد: يفسد.
стр. 913
وإن باشر فيما دون الفرج (بشهوة) (١)، بطل اعتكافه في أحد القولين أنزل أو لم ينزل، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن أنزل فسد اعتكافه، وإن لم ينزل، لم يفسد.
ولا يكره أن يلبس المعتكف الرفيع من الثياب، ويتطيب (٢).
وقال أحمد: يكره له ذلك.
ويجوز أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله ويبيع، ويشتري ولا يكثر (٣)، فإن أكثر منه، استأنف الاعتكاف وهو قول مرجوع عنه.
والصحيح: أنه لا يبطل به.
ويجوز الفصد والحجامة إذا لم يلوث المسجد، والأولى تركه، فأما البول في الإِناء:
فقال الشيخ أبو نصر: يحتمل أن يجوز، ويجعل (بمنزلة) (٤) الفصد، ويحتمل أن يفرق بينهما، هذا الذي ذكره الشيخ أبو نصر ﵀.
قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه: وهذا فيه نظر، (فإنه) (٥) لا يؤمن
стр. 914
تلويث المسجد من الجميع، فإن شرط في الاعتكاف أنه إذا عرض له عارض خرج منه، جاز له الخروج، ولا يبطل اعتكافه.
وقال مالك: يبطل ولا يصح شرطه.
ذكر في "الحاوي": أنه إذا شرط في نية الصلاة والصوم أنه إذا عرض (له) (١) عارض خرج منه، وإن شرط (في) (٢) قطع الحج إذا عرض له عارض (الإِحلال) (٣) منه ففي صحة شرطه قولان:
قوله الجديد: يجوز.
والقديم: لا يجوز.
وذكر القاضي حسين ﵀: أنه إذا نذر أن يصوم غدًا، وشرط أنه إذا قدم فلان أفطر، وخرج إلى استقباله، هل ينعقد نذره؟ فيه وجهان:
والصحيح: أنه لا ينعقد.
وإن شرط في نذره الاعتكاف، أن يفعل فيه معصية من سرقة، أو غصب، لم يصح نذره في أصح الوجهين.
الحج ركن من أركان الإِسلام، وفي العمرة قولان (١).
قال في الجديد: هي واجبة (وهو) (٢) قول الثوري وأحمد (٣).
وقال في القديم: ليست واجبة، وهو قول أبي حنيفة ومالك (٤).
وحكي عن بعض الناس: أنه قال: يجب في كل سنة مرة، ولا يثبت ذلك وهو خلاف النص.
ومن حج حجة الإِسلام (واعتمر) (١) وأراد دخول الحرم للتجارة، أو زيارة، لم يجز إلَّا بإحرام لحجة أو عمرة في أشهر القولين (٢).
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لمن وراء الميقات أن يدخل الحرم إلَّا محرمًا، سواء كان لقتال أو لغيره، ومن دون الميقات، يجوز له أن يدخل بغير إحرام.
وقال ابن عباس ﵄: لا يدخل أحد الحرم إلَّا محرمًا، ورخص للحطابين، فأما البريد.
فمن أصحابنا من قال: إنه مثل الحطابين.
ومنهم من قال: فيه وجهان:
ولا يجب الحج والعمرة إلَّا على مسلم بالغ، عاقل، حر، مستطيع
стр. 920
(فأما) (١) الكافر فلا يجب عليه (٢) إلَّا أن يكون مرتدًا، فتوجد الإستطاعة في حقه في حال الردة، فيجب عليه، فإذا أسلم فعليه.
وقال أبو حنيفة: إذا ارتد عن الإسلام، يطل ما كان قد فعله من حجة الإسلام، (فإذا) (٣) عاد إلى الإِسلام، اعتبرت الاستطاعة في وجوبها بعد ذلك.
فإن أحرم ثم ارتد، لم يبطل إحرامه في أحد الوجهين، فإذا أسلم بنى عليه.
والصبي لا يجب عليه الحج، ويصح إحرامه به بإذن وليه إذا كان يعقل ويميز، ولا يصح بغير إذنه في أصح الوجهين (٤).
стр. 921
وما يجب عليه من كفارة بارتكاب محظور في مال وليه (١) في أحد القولين، وبقولنا قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه بالحج (٢).
فإن كان لا يعقل ولا يميز أحرم عنه وليه، فإن أحرمت عنه أمه، صح في قول أبي سعيد الإِصطخري، وعلى قول غيره لا يصح، (وإن) (٣) أحرم عنه أخوه، أو عمه بغير إذن وليه، لم يصح في أحد الوجهين.
وما لا يقدر الصبي أن يفعله، فعله وليه عنه، فيرمي عنه، ويطوف به، فإن لم يكن الولي قد طاف عن نفسه فطاف به، (فهل) (٤) يقع عنه؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يقع عن الصبي.
والثاني: أنه يقع عنه.
فإن وطيء في الحج، وقلنا: يفسد إحرامه، فهل يجب القضاء؟ فيه قولان:
- فإن قلنا: يجب القضاء، فهل يصح قضاؤه قبل بلوغه؟ فيه قولان:
стр. 922
أحدهما: لا يصح، وهو قول مالك وأحمد، والشيخ أبو حامد في ذلك وجهين:
فأما النفقة، في زاد على نفقة الحضر، فيه قولان:
أحدهما: في ماله.
والثاني: في مال الولي، فإن قلنا: يجب عليه القضاء عند الإِفساد، فهل يجزيه عن حجة الإِسلام؟ ينظر فيه، فإن كان على صفة لو صحت لاجزائه عن حجة الإِسلام وقد بلغ فيها، أجزأه القضاء (عنهما) (١) وذلك بأن يكون قد بلغ قبل الوقوف، وإن كان قد بلغ بعد الوقوف، فلو صحت، لم تجزه عن حجة الإِسلام، فلا يجزيه القضاء عنها.
وأما المجنون، فلا يجب عليه ولا يصح منه ولا عنه (٢)، والمغمى عليه لا يصح منه ولا يحرم عنه غيره، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: يحرم عنه رفيقه، فيصير محرمًا بإحرامه استحسانًا (٣).
فإن أذن المولى لعبده في القران والتمتع، وقلنا: يملك المال، فهل يكفر بالهدي؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب الهدي في مال السيد.
стр. 923
والثاني: يجب عليه الصوم إذا كان عليه دين لا يفضل عنه ما يمكنه الحج به، لم يجب عليه (الحج) (١) حالًا (كان) (٢) أو مؤجلًا.
وحكي في "الحاوي": أن الدين المؤجل إذا كان يحل بعد عوده، هل يمنع وجوبه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يمنع.
فإن وجد الزاد والراحلة لذهابه، ولم يجد لرجوعه، ولم يكن له أهل في البلد، ففي وجوب الحج عليه وجهان:
فإن كان معه مال يحتاج إليه في بضاعته يتجر بها ليحصل له بها ما يقوم به، أو ضيعة تقوم غلتها بكفايته، ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه بيعها، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني: لا يلزمه بيعها، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وهو قول أبي العباس بن سريج، وهو الأظهر.
فإن (لزمته) (٣) في الطريق خفارة (٤)، لم يجب عليه الحج.
وقال مالك: إذا كانت يسيرة (لا تجحف) (٥) وأمن الغدر لزمه.
فإن احتاج إلى المسكن ليسكنه، لم يلزمه بيعه في الحج.
стр. 924
وذكر الشيخ أبو حامد: أنه يلزمه بيعه للحج.
فإن كان معه (مال) (١) يكفيه للحج، أو لثمن مسكن (وهو) (٢) محتاج إليه، فله أن يشتري به مسكنًا يسكنه، ويؤخر الحج على الوجه الأول، وعلى الوجه الثاني يلزمه صرفه في الحج.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يبيع المسكن ولا يشتري مسكنًا إذا كان معه شيء من النقود (بل) (٣) يصرفه في الحج.
فإن لم يجد زادًا ولا راحلة، وقدر على المشي، وله صنعة يكتسب بها ما يكفيه لنفقته، أستحب له أن يحج، وإن كان يحتاج إلى مسألة الناس، كره له الحج.
وقال مالك: يجب عليه أن يحج بالكسب.
فإن استؤجر للخدمة في طريق الحج وحج أجزأه، وكذا إذا غضب مالًا وحج به، أو حمولة وحج عليها.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه في جميع ذلك.
وإن لم يكن له طريق إلَّا في البحر:
(فقد قال في "الأم": لا يجب عليه.
وقال في "الإملاء": إن كان أكثر معاشه في البحر) (٤)، لزمه.
стр. 925
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان (١).
ومنهم من قال: إن كان الغالب منه السلامة، لزمه، وإن لم يكن الغالب منه السلامة، لم يلزمه، وهو قول أبي حنيفة، وقول أبي إسحاق المروزي وظاهر قوله في "الأم".
ومنهم من قال: إن كان له عادة بركوبه، لزمه، وإن لم يكن له عادة بركوبه، لم يلزمه (٢).
وقيل: فيه طريقة أخرى، إنه إن كان الغالب منه الهلاك، لم يلزمه، وإن كان الغالب منه السلامة، ففيه قولان:
وأما المرأة فلا يجب عليها الحج حتى يكون معها من تأمن معه على نفسها من محرم، أو زوج أو نساء ثقات، أو امرأة واحدة.
وروى الكرابيسي: أنه إذا كان الطريق آمنًا، جاز من غير نساء، وهو الصحيح (٣).
стр. 926
وقال أبو حنيفة: لا يجب عليها الحج إلَّا بشرط المحرم، أو الزوج (١)، واختلف (أصحابه) (٢) في تخلية الطريق، وإمكان المسير، وهل هو شرط في الوجوب أم لا؟
وقال أحمد: تخلية الطريق، وإمكان المسير شرط في الأداء دون الوجوب.
فإن كان له إلى مكة طريقان: أحدهما أقرب، فيه عدو، والبعيد لا عدو فيه، لزمه قصد الأبعد.
وقيل: لا يجب (قصده) (٣).
والمستطيع بغيره اثنان:
أحدهما: أن يكون عاجزًا عن الحج بنفسه لزمانه، أو مرض ميئوس منه ومعه مال يدفعه إلى من يحج عنه، فإنه يلزمه الحج إذا وجد من (يستأجره) (٤) على فعله فإن لم يفعل استقر فرضه في ذمته، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد.
стр. 927
وقال مالك: ولا يجب عليه الحج بذلك، وإنما يجب (عليه الحج) (١) إذا كان مستطيعًا بنفسه خاصة.
(وإذا) (٢) استأجر من يحج عنه، فحج عنه، وقع الحج عن المحجوج عنه.
وقال أبو حنيفة: يقع عن الحاج، (وللمحجوج) (٣) عنه ثواب النفقة في إحدى الروايتين، وهي رواية محمد عنه، غير أنه يضيف التلبية إليه، ورواية الأصل (مثل) (٤) قولنا.
(وإذا) (٥) وجد الأعمى من يقوده، ويهديه الطريق، لزمه الحج بنفسه ولا يجوز له الاستنابة فيه، وبه قال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: في أصح الروايتين عنه، يجوز الاستنابة (فيه) (٦).
والثاني من المستطيع بغيره: أن يكون عاجزًا عن الحج بنفسه ولا مال له، وله ولد يطيعه إذا أمره بالحج عنه، وكان الولد مستطيعًا في نفسه، وجب عليه الحج بسببه، وإن كان ولده غير مستطيع في نفسه بالزاد والراحلة، فهل يجب على الأب الحج بطاعته؟ فيه وجهان:
стр. 928
أظهرهما: أنه لا يجب (١).
والاعتبار في الطاعة، بطاعة من يطيعه لو أمره بالحج، وثقته بإجابته له إلى ذلك، ولا يقف على بذل (المطيع) (٢).
وذكر فيه وجه آخر: أنه لا يجب عليه باعتقاده ما لم يبذله له.
وقال أصحاب أبي حنيفة: الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة أنه لا يجب عليه الحج ببذل الطاعة، وبه قال أحمد.
ولا فرق في وجوب الحج بطاعة من يثق بطاعته، بين أن يكون ولدًا، وبين أن يكون أجنبيًا في أصح الوجهين (٣).
فإن بذل له ولده مالًا، يدفعه إلى من يحج عنه، ولم يبذل له الحج بنفسه، فهل يلزمه قبوله؟ فيه وجهان في الصحيح إذا (بذل) (٤) له ولده المال للحج بنفسه.
وحكي في "الحاوي" وجهًا آخر: أنه إن كان الباذل للمال له أجنبيًا، لم يجب عليه قبوله للحج به، وإن كان ولدًا، لزمه قبوله والحج به.
стр. 929
وإن كان له ولد يطيعه في الحج عنه غير أنه لم يعلم بحاله، هل يجب عليه الحج به؟
ذكر في التعليق: أنه بمنزلة أن يكون له مال (لا يعلم) (١) به، بأن يموت موروثه.
قال الشيخ أبو نصر ﵀: ولم يذكر حكمه.
قال: وعندي: أن هذا يجري مجرى من نسي الماء في رحله (أو لم) (٣) يعلم بكونه في رحله، هل يسقط الفرض عنه؟ فيه قولان:
(قال الشيخ الإِمام أيده اللَّه) (٣): وأقرب من هذا في البناء عندي، إذا ورث مالًا ولم يعلم هل يجب عليه الزكاة فيه لما مضى من الأحوال بعد موته؟ فيه قولان كالضال والمغصوب، فإن امتنع الأب من الإِذن لولده في الحج، هل يقوم الحاكم مقامه في الإِذن عنه؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يقوم مقامه.
وهل يجب الحج على الولد ببذل الطاعة عن أبيه؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجب عليه (الحج) (٤) وإن وجب على الأب بسببه.
стр. 930
فصل
والمستحب لمن وجب عليه الحج، أن يبادر إِلى فعله (١)، فإن أخره جاز، وبه قال محمد بن الحسن (٢).
وقال مالك وأحمد وأبو يوسف: يجب على الفور، وكان أبو الحسن الكرخي يقول: مذهب أبي حنيفة أنه على الفور (٣).
فإن مات قبل فعل الحج، فهل يأثم؟
стр. 931
من أصحابنا من قال: إن ظهر له أمارات العجز أثم بالتأخير، وإن مات فجاة قبل أن يظهر له أمارات العجز، لم يأثم.
ومنهم من قال: يأثم أيضًا، وقد اختلفوا في وقت الإِثم.
فقال أبو إسحاق: يأثم في السنة التي فاته الحج بالتأخير عنها.
وقال غيره: تبين أنه يمضي بالتأخير عن السنة الأولى في الإِمكان.
وبنى القاضي حسين على ذلك: سقوط شهادته (ونقض) (١) الحكم، وذلك بناء فاسد، لأنه مختلف فيه.
ومن وجب عليه الحج (فلم يحج) (٢) حتى مات قبل التمكن من الأداء، سقط عنه فرضه.
وقال أبو يحيى البلخي: يجب عليه القضاء، وأظهر له أبو إسحاق نص الشافعي ﵀ فرجع عنه.
وإن مات بعد التمكن، وجب قضاؤه من رأس ماله (٣).
وقال أبو حنيفة: يسقط بالموت، إلَّا أن يوصي به، فيحج عنه من ثلثه، وبه قال مالك، ويجوز (النيابة) (٤) في حج الفرض في موضعين:
стр. 932
في حق الميت (١)، وفي حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة (٢)، وفي حج التطوع قولان:
أصحهما: أنه لا يجوز النيابة فيه.
والثاني: يجوز، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، فإن قلنا: لا تجوز الاستنابة فاستأجر من حج عنه، وإلَّا (فالإجارة) (٣) فاسدة، فإذا حج وقع الحج عن نفسه، وهل يستحق أجرة المثل؟ فيه قولان (٤):
وأما الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة، فلا يجوز له الاستنابة في الحج (٥).
وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك في حج التطوع.
стр. 933
وأما المريض، فإن لم يكن ميؤسًا منه، لم يجز له أن يستنيب فيه، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك (وكذا المحبوس) (١)، ويكون الأمر موقوفًا، فإن (برأ من مرضه) (٢) وخلي سبيله، وجب عليه فعله، وإن مات، أجزأه.
فإن استناب من يحج عنه ومات منه، أو صار مأيوسًا منه، فهل يجزئه عن فرضه؟ فيه قولان، فإن كان مرضًا مأيوسًا منه، فإنه يجوز أن يستنيب فيه.
(فإذا) (٣) استأجر من يحج عنه، فحج (عنه) (٤)، ثم برىء من مرضه، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على ما ذكرناه من القولين، ومن أصحابنا من بنى ذلك على القولين فيه.
والطريق الثاني (٥): أنه لا يجزئه قولًا واحدًا.
إذا استأجر المعضوب من يحج عنه، فأحرم بالحج عنه ثم نقله إلى نفسه، لم ينتقل ووقع عن المحجوج عنه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان:
стр. 934
فإن شرع في حج التطوع، ثم نذر حجًا، فإن كان قبل الوقوف، فهل ينصرف إلى النذر؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه ينصرف إليه.
والثاني: لا ينصرف.
وأصله الصبي إذا أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف، هل يجزئه عن حجة الإِسلام؟ فيه وجهان:
قال القاضي حسين: فيتفرع على هذا إذا شرع في الحج عن الغير، ثم نذر حجًا قبل الوقوف، فإنه يبني على النفل.
- فإن قلنا: هناك لا ينصرف إلى (النذر) (١) فها هنا أولى.
- وإن قلنا: هناك ينصرف، فها هنا وجهان.
ولا يحج عن الغير من لم يسقط فرض الحج عن نفسه (٢)، فإن أحرم بالحج عن غيره وعليه فرض، انصرف إلى نفسه، وبه قال أحمد (٣).
стр. 935
وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا ينعقد إحرامه عن نفسه، ولا عن غيره.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز أن يحج عن غيره وعليه فرضه.
وقال الثوري: إن كان قادرًا (على أن يحج) (١) عن نفسه، لم يجز أن يحج عن غيره، وإن لم يكن قادرًا على أن يحج عن نفسه، جاز أن يحج عن غيره.
فإن قال له: (أنا صرورة) (٢) فقال: قد علمت، ويجوز عندي استئجار الصرورة في الحج، فاستأجره فحج عنه، (وقع) (٣) عن نفسه، ولم يقع عنه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه (وجهان) (٤) (بناء عليه) (٥)، إذا أحرم عن غيره ثم صرفه إلى نفسه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان (٦).
стр. 936
ولا يجوز أن يتنفل بالحج وعليه فرضه، ولا أن يحج عن النذر وعليه فرض حجة الإسلام، فإن أحرم عن ذلك انصرف إلى ما عليه من فرض حجة الإسلام، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: ينعقد إحرامه بما قصده من النذر والتطوع.
فإن كان عليه حجة نذر وحجة الإسلام (١)، فاستأجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة أجزأه، نص عليه الشافعي ﵀ (٢).
ومن أصحابنا من قال: لا يجزئه، وليس بشيء.
إذا كان قد حج ولم يعتمر (فاستؤجر) (٣) على الحج والعمرة عن غيره، فقرن بين الحج عن غيره والعمرة، وقعا عنه دون غيره.
قال في "الجامع": لو كان حج عن نفسه ولم يعتمر، فحج عن غيره واعتمر، أجزأه الحج دون العمرة.
قال المزني: هذا غلط، لأن الإِحرام قد صار واحدًا.
قال أصحابنا: لم يرد الشافعي ﵀ إذا قرن بينهما، وإنما أراد إذا أتى بالحج، ثم أتى بالعمرة بعده.
ذكر القاضي حسين: أن ما ذكرناه قوله الجديد.
وقال في القديم: لو استأجر رجل ليحج عن ميت، فحج واعتمر جاز، يعني عن الميت، ثم حكى فيه طرقًا.
стр. 937
أحدها: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنهما يقعان عن الفاعل.
والقول الثاني: أنه يقع الحج عن المستأجر، والعمرة عن نفسه.
الطريق الثاني: أن المسألة على قول واحد.
وقوله في القديم: لو استؤجر عن ميت، فحج واعتمر ولم يكن صرورة في واحدة منهما، وقعا جميعًا عنه، وصار متطوعًا بالعمرة عنه.
ومن أصحابنا من قال: إذا استؤجر على الحج، فحج عن الرجل واعتمر قرانًا، فالحج عن الأجير (الآمر) (١)، والعمرة: إما أن يقال لا حكم لها، أو يقال: إنها تابعة للحج ويقع عنه، ولكن لا يسقط بها الفرض.
وإن استأجره ليعتمر عنه، فقرنها الأجير، وقعا عن الفاعل، لأن الحج هو الأصل، والعمرة تبع، والصحيح: هو الأول، وما ذكره عن القديم (ليس) (٢) بصريح في القرآن.
فإن مات وعليه حجة الإسلام، فتطوع وارثه، وحج عنه، أجزأه، وإن حج أجنبي عنه بغير إذنه، ففيه وجهان:
وكذا الوجهان في المعضوب، وخالف القاضي حسين ﵀ في ذلك وفرق بينهما.
стр. 938
فصل
ولا يجوز الإحرام بالحج إلَّا في أشهر الحج (١)، وهو: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة، وعشر ليال مع ليلة النحر (٢)، وهو قول أبي ثور، وأبي يوسف.
وقال أبو حنيفة: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، فأدخل يوم النحر في الجملة، وبه قال أحمد (٣).
стр. 939
وقال مالك: أشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فإن أحرم قبل أشهر الحج، لم ينعقد، وانعقد بعمرة.
وذكر القاضي حسين ﵀: أن الشافعي نص في القديم، أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره تحلل منه بعمرة، كما لو فاته الحج، فحصل فيه قولان:
أحدهما: أنه ينعقد عمرة، فيجزئه عن عمرة الإِسلام.
والثاني: أنه يتحلل بعمل عمرة، فلا يجزئه عن عمرة الإِسلام) (١).
وقال أبو حنيفة وأحمد ومالك: يكره الإِحرام بالحج قبل أشهره، فإن أحرم، انعقد حجه.
وحكي عن داود أنه (قال) (٢): لا ينعقد بشيء.
ولا يكره فعل العمرة في شيء من السنة (٣)، وبه قال أحمد.
стр. 940
وقال أبو حنيفة: يكره في خمسة أيام في السنة، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
وقال أبو يوسف: يكره في أربعة أيام، يوم النحر، وأيام التشريق.
ويستحب الإكثار من العمرة.
وحكي عن مالك أنه قال: لا يعتمر في السنة إلَّا مرة، وبه قال ابن سيرين.
الإفراد، والتمتع (١)، أفضل من القران، وفي الإِفراد والتمتع قولان:
أحدهما: أن الإِفراد أفضل وبه قال مالك.
والثاني: أن التمتع أفضل وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: القران أفضل من الإِفراد والتمتع، وهو اختيار المزني، وأبي إسحاق المروزي، فإن أدخل العمرة على الحج ففيه قولان:
أحدهما: أنه يجوز قبل الوقوف، وهو قول أبي حنيفة، وهل يجوز بعد الوقوف؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز ما لم يأخذ في التحلل.
والقول الثاني: قاله في الجديد: إنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، وبه قال أحمد، فإن أدخل الحج على العمرة بعد الطواف، لم يجز.
قيل: لأنه أتى بالمقصود.
وقيل: لأنه قد أخذ في التحلل.
ومن أصحاب مالك من قال: يجوز له ذلك ما لم يركع بعد الطواف، ويكره له بعد الطواف وقبل الركوع، فإن فعل لزمه ذلك، (وبعد الركوع يفوته القران) (١)، سعى أو لم يسع.
وقيل: له ذلك ما بقي عليه من السعي (شيء، فإذا فرغ من السعي) (٢) فاته القران وإن كان قد بقي عليه الحلاق.
ذكر القاضي حسين ﵀: في وقت إدخال العمرة على الحج
стр. 947
أربعة أوجه بناء على أربعة معان في المنع من إدخال الحج على العمرة إذا شرع في الطواف.
أحدها: أنه أتى بشيء من أفعال العمرة، فعلى هذا إذا طاف للقدوم في الحج، لم يجز له إدخال العمرة عليه.
والثاني: أنه أتى بفرض من فرائض العمرة، فعلى هذا إذا سعى عقب طواف القدوم في الحج، لم يجز له إدخال العمرة عليه.
والثالث: أنه أتى بمعظم أفعال العمرة، فعلى هذا إذا أتى بالوقوف، لم يدخل العمرة على الحج.
الرابع: أنه أخذ في أسباب التحلل، فعلى هذا يجوز إدخال العمرة على الحج بعد الوقوف ما لم يأخذ في التحلل، والصحيح ما قدمناه.
فإن أحرم بالعمرة وأفسدها، ثم أدخل عليها الحج، انعقد إحرامه بالحج فاسدًا في أحد القولين.
والثاني: أنه لا ينعقد إحرامه (بالحج) (١).
ويجب على المتمتع دم (٢)، وعلى القارن دم، وذلك شاة.
وقال داود: لا دم على القارن، ويروى عن طاوس.
وحكي عن الشعبي أنه قال: يجب على القارن بدنة.
ويجب دم التمتع بخمس شروط.
أحدها: أنه يعتمر في أشهر الحج، فإن أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بأفعالها في أشهر الحج، وحج من عامه، ففيه قولان:
стр. 948
قال في القديم: عليه دم (١).
وقال في "الأم": لا دم عليه، وبه قال أحمد (١).
وقال مالك: إذا لم يتحلل من العمرة حتى أدخل أشهر الحج، صار متمتعًا.
وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر أفعال العمرة في أشهر الحج، صار متمتعًا.
والشرط الثاني: أن يحج من سنته.
والثالث: أن لا (يعود) (٣) لإِحرام الحج إلى الميقات، ويحرم به من جوف مكة، فإن عاد وأحرم بالحج من الميقات، فلا دم عليه، وإن أحرم بالحج من مكة ثم عاد إلى الميقات قبل أن يتلبس بنسك، فهل يسقط عنه الدم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط.
والثاني: لا يسقط، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط عنه حتى يعود إلى بلده.
فإن خرج من مكة وأحرم بالحج من الحل ولم يعد إلى مكة.
قال أصحابنا: يجب عليه دم آخر غير دم التمتع.
(قال) (٤) الشيخ أبو نصر ﵀: وهذا فيه نظر، لأن دم
стр. 949
التمتع إنما وجب لترك الإِحرام من الميقات، فلا يجب بسببه دم آخر.
فإن خرج من مكة (وأحرم) (١) بالحج من الحرم ومضى إلى عرفه، فهل يجب عليه دم آخر؟ فيه قولان: وقيل وجهان.
الشرط الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام (٢)، (وحاضروا المسجد الحرام) (٣): أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وبه قال أحمد.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: هم أهل الحرم خاصة، وبه قال مجاهد.
وقال مالك: هم أهل مكة، وأهل ذي طوى.
وقال أبو حنيفة: هم من كان دون المواقيت إلى الحرم.
والخامس: نية التمتع، وفي وجوبها وجهان، وإذا قلنا: يجب (٤)، ففي وقتها وجهان، كالقولين في وقت نية الجمع بين الصلاتين.
أحد الوجهين: عند الإِحرام بالعمرة.
والثاني: قبل التحلل منها.
ويجب دم التمتع بالإِحرام بالحج، وبه قال أبو حنيفة (٥).
стр. 950
وحكي عن عطاء أنه قال: لا يجب عليه الهدي حتى يقف بعرفة.
وعن مالك أنه قال: لا يجب الدم حتى يرمي جمرة العقبة.
وفي وقت جواز إخراجه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز قبل أن يحرم بالحج (١).
والثاني: أنه يجوز بعد الفراغ من العمرة، وقيل: فيه وجهان.
وذكر القاضي حسين: (أنه) (٢) إذا ذبح الهدي بعد الإِحرام بالعمرة وقبل الفراغ منها، فهل يجزئه (حتى يبني) (٣) عليه إذا ذبح قبل الإِحرام بالحج وبعد الفراغ من العمرة؟
فإن قلنا: هناك لا يجوز، فها هنا أولى.
- وإن قلنا: هناك يجوز، فها هنا وجهان.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز ذبح الهدي قبل يوم النحر.
فإن لم يجد الهدي في موضعه، فإنه ينتقل إلى الصوم، وهو ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولا يصوم الثلاثة إلَّا بعد الإِحرام بالحج (٤).