← Книги сунны

Книги сунны · id 146127

المهذب في اختصار السنن الكبير

شمس الدين الذهبي

Полный текст (4 397 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. . .﴾ (٢) الآية، قال: فنسخ هذا العفو عن المشركين. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) فأمره بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم، وقال: قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، (٤) و ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٥) يقول: لست عليهم بجبار؛ فاعف عنهم واصفح ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ (٦) ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٧) ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ (٨) ونحو هذا في القرآن أمر اللَّه بالعفو عن المشركين وأنه نسخ ذلك كله قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٩) وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١٠) إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١٠). ١٣٨١٧ - أبو إسحاق الفزاري، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه (١١) عن ابن عباس قال: قال اللَّه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ. . .﴾ (١٢) الآية قال: وقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ. . .﴾ (١٣) الآية، ثم نسخ هؤلاء الآيات فأنزل اللَّه ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٤) إلى قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١٥) وأنزل ﴿قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (١٦) قال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (١٧) ثم نسخ ذلك هذه الآية

стр. 3537

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (١) ". ١٣٨١٨ - معتمر، نا أبي، عن الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد اللَّه قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ رهطًا واستعمل عليهم عبيدة (٢) بن الحارث، فلما انطلق ليتوجه بكي صبابة إلى رسول اللَّه ﷺ فبعث مكانه رجلًا يقال له: عبد اللَّه ابن جحش. وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأه إلا بمكان كذا وكذا وقال له: لا تكرهن أحدًا من أصحابك على المسير معك. فله، صار إلى ذلك الموضع قرأ الكتاب واسترجع وقال: سمعًا وطاعة للَّه ورسوله. قال: فرجع رجلان من أصحابه ومضى بقيتهم معه فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه فلم يدر ذلك من رجب أو من جمادي الآخرة. فقال المشركون: قتلتم في الشهر الحرام! فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٣) فقال بعض المسلمين: لئن كانوا قد أصابوا خيرًا ما لهم أجر. فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) " (٥). ١٣٨١٩ - شعيب، عن الزهري، عن عروة "أن رسول اللَّه بعث سرية وأمر عليهم عبد اللَّه بن جحش فانطلقوا حتى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش. . . " وذكر الحديث في قتله ونزول قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٣) قال: فبلغنا أن النبي ﷺ عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه حتى أنزل اللَّه ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٧). قال المؤلف: كأنه أراد قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٨) والآية التي ذكرها الشافعي أعم في النسخ.

стр. 3538

١٣٨٢٠ - مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن ابن المسيب "واستفتي: هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال سعيد: نعم" وقال ذلك سليمان بن يسار. ١٣٨٢١ - أبو إسحاق الفزاري "سألت سفيان عن قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (١) فقال: هذا شيء منسوخ وقد مضى، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام وغيره". وجوب الهجرة قال اللَّه -تعالى-: في الذي يفتن عن دينه قدر على [الهجرة] (٢) فما هاجر حتى توفي ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ. . .﴾ (٣) الآية. ١٣٨٢٢ - حيوة بن شريح (خ) (٤) ورجل قالا: ثنا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل قال: "قُطع على أهل المدينة بعث كتبت فيه فلقيت عكرمة، فنهاني أشد النهي ثم قال: أنا ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول اللَّه فيأتي السهم يُرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل اللَّه ﴿إِنَّ [الَّذِينَ] (٥) تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ١٣٨٢٣ - حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة". ١٣٨٢٤ - جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي نخيلة، عن جرير بن عبد اللَّه قال: "أتيت النبي ﷺ وهو يبايع الناس فقلت. يا نبي اللَّه، ابسط يدك حتى أبايعك واشترط عليّ؛ فأنت أعلم بالشرط مني. قال: أبايعك على أن تعبد اللَّه وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المؤمن وتفارق المشرك" (٦).

стр. 3539

قلت: إِسناد مقارب، ولا أعرف أبا نخيلة. ١٣٨٢٥ - يونس بن بكير، عن قرة بن خالد، نا يزيد بن الشخير قال "بينا نحن بهذا المربد إذ أتي علينا أعرابي شعث الرأس معه قطعة أدم -أو من جراب- فقلنا: كأن هذا ليس من أهل البلد. فقال: أجل. لا, هذا كتاب كتبه لي رسول اللَّه ﷺ فقال القوم: هات. فأخذته فقرأته، فإذا فيه بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي رسول اللَّه لبني زهير بن أفيش -قال أبو العلاء: وهم حي من عكل- إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا اللَّه وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة وفارقتم المشركين وأعطيتم من الغنائم الخمس وسهم النبي والصفي -وربما قال: وصفيه- فأنتم آمنون بأمان اللَّه وأمان رسوله". ما جاء في عذر المستضعفين قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (١) قال الشافعي: يقال: عسى من اللَّه واجبة. ١٣٨٢٦ - وعن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن عباس قال: "كل عسى في القرآن فهي واجبة". ١٣٨٢٧ - حماد بن زيد (خ) (٢) عن أيوب، عن ابن أبي مليكة "أن ابن عباس تلا هذه الآية: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (١) قال: كنت أنا وأمي ممن عذر اللَّه". ابن عيينة (خ) (٣) عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد، سمعت ابن عباس يقول: "أنا وأمي من المستضعفين، كانت أمي من النساء وأنا من الولدان". ١٣٨٢٨ - ابن إسحاق، حدثني نافع، عن ابن عمر، عن أبيه قال: "لما اجتمعت للهجرة اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل وقلنا: الميعاد بيننا التناضب من أضاة بني غفار، فمن أصبح منكم لم يأتها فقد حبس فليمض صاحباه, فأصبحت عنده أنا وعياش وحبس هشام وفتن فافتتن وقدمنا المدينة فكنا نقول: ما اللَّه بقابل من هؤلاء توبة، قوم عرفوا اللَّه وآمنوا به وصدقوا رسوله ثم رجعوا عن ذلك لئلا أصابهم من الدنيا، وكانوا يقولونه لأنفسهم، فأنزل اللَّه فيهم ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ

стр. 3540

رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (١) فكتبتها بيدي كتابًا ثم بعثت بها إلى هشام فقال هشام فلما قدمت عليَّ خرجت بها إلى ذي طوى فجعلت أصعد بها وأصوب لأفهمها فقلت: اللهم فهمنيها. فعرفت أنما أنزلت فينا لما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول اللَّه ﷺ فقتل هشام شهيدًا بأجنادين في ولاية أبي بكر". ١٣٨٢٩ - ابن إسحاق، حدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "أنزلت هذه الآية فيمن كان يفتن من أصحاب رسول اللَّه بمكة ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ١٣٨٣٠ - ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: "أسلم عياش بن أبي ربيعة وهاجر إلى النبي ﷺ فجاءه أبو جهل -وهو أخوه لأمه- ورجل آخر معه فقال: إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها. فأقبل معهما فربطاه حتى قدما به مكة فكانا يعذبانه". ١٣٨٣١ - ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: "كان ناس بمكة قد أقروا بالإسلام فلما خرج الناس إلى بدر لم يبق أحد إلا أخرجوه فقتل أولئك الذين أقروا بالإسلام فنزلت فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ. . .﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٤) حيلة نهوضًا إليها، وسبيلا: طريقًا إلى المدينة، فكتب المسلمون الذين كانوا بالمدينة إلى من كان بمكة، فلما كتب إليهم خرج ناس ممن أقروا بالإسلام فأتبعهم المشركون فأكرهوهم حتى أعطوهم الفتنة، فأنزل اللَّه فيهم ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٥) ". ١٣٨٣٢ - شيبان (خ م) (٦) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ لما قال: سمع اللَّه لمن حمده، قبل أن يسجد قال: اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين،

стр. 3541

اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف". من هاجر فأدركه الموت في الطريق ١٣٨٣٣ - هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير "أن رجلًا من خزاعة كان بمكة فمرض وهو ضمرة بن العيص -أو العيص بن ضمرة- بن زنباع فأمر أهله، ففرشوا له على سرير، فحملوه وانطلقوا به متوجهًا إلى المدينة، فلما كان بالتنعيم مات فنزلت ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (١) " وكذا قال الحسن وغيره. الرخصة في الإقامة بدار الشرك لمن أَمِنَ قال الشافعي: لأن رسول اللَّه ﷺ أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم منهم العباس وغيره إذا لم يخافوا الفتنة. ١٣٨٣٤ - ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة (٢) قال: "كان العباس قد أسلم وأقام على سقايته ولم يهاجر". ١٣٨٣٥ - يونس، عن ابن إسحاق، قال: "ثم إن أبا العاص رجع إلى مكة بعدما أسلم فلم يشهد مع النبي ﷺ مشهدًا، ثم قدم المدينة بعد فتوفي في ذي الحجة سنه اثنتي عشرة وأوصى إلى الزبير". قال الشافعي: وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين وإن أقمتم فأنتم كأعراب المسلمين فلا يخيرهم إلا فيما يجوز لهم". ١٣٨٣٦ - الثوري (م) (٣) عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة, عن أبيه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى اللَّه وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين؛ فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم

стр. 3542

يكونون مثل أعراب المسلمين يجري عليهم حكم اللَّه الذي كان يجري على المؤمنين وأن لا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. . . " الحديث. ١٣٨٣٧ - الأوزاعي (خ م) (١) نا الزهري، حدثني عطاء بن يزيد، حدثني أبو سعيد "أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فسأله عن الهجرة فقال: إن الهجرة شأنها شديد فهل لك إبل؟ قال: نعم. قال: فهل تمنح منها؟ قال: نعم. قال: فهل تحلبها يوم وردها؟ قال: نعم. قال: فاعمل للَّه من وراء البحار؛ فإن اللَّه لن يترك من عملك شيئًا". ١٣٨٣٨ - فليح (خ) (٢) عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال رسول اللَّه: "من آمن باللَّه ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان على اللَّه أن يدخله الجنة هاجر في سبيل اللَّه أو جلس في أرضه التي ولد فيها. قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم اللَّه فسلوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة". ١٣٨٣٩ - جرير (خ م) (٣) عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال رسول اللَّه يوم الفتح: "لا هجرة -يعني: بعد الفتح- ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". قال المؤلف: يريد -واللَّه أعلم- لا هجرة وجوبًا [على] (٤) من أسلم من أهل مكة بعد فتحها؛ فإنها قد صارت دار إسلام وأمن فلا يخاف أحد فيها أن يفتن عن دينه وكذلك غير مكة إذا صار في معناها بعد الفتح في الأمن. وفي معناه حديث: ١٣٨٤٠ - (م) (٥) نا سويد، نا علي بن مسهر و (خ) (٦) من حديث ثقة آخر كلاهما عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، أخبرني مجاشع بن مسعود السلمي قال: "جئت بأخي

стр. 3543

أبي معبد إلى رسول اللَّه ﷺ بعد الفتح فقلت: يا رسول اللَّه، بايعه على الهجرة, قال: قد مضت الهجرة لأهلها. قلت: فعلي أي شيء تبايعه؟ قال: على الإسلام والجهاد والخير. فبايعه. قال عثمان: فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع فقال: صدق". ١٣٨٤١ - فليح، عن الزهري، عن عمر بن عبد الرحمن بن أمية أن أباه أخبره، عن يعلى بن مُنْية (١) قال: "جئت رسول اللَّه بأبي يوم الفتح فقلت: بايع أبي على الهجرة. قال: بل أبايعه على الجهاد فقلت انقطعت الهجرة يوم الفتح" كذا قال: عمر وصوابه عمرو. رواه سعيد بن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عمرو بن عبد الرحمن. . فذكر نحوه. ورواه عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب فقال عمر بن عبد الرحمن بن أمية ابن أخي يعلى (٢). ١٣٨٤٢ - يعقوب بن كاسب، حدثني سفيان، عن عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "قيل لصفوان بن أمية وهو بأعلى مكة: إنه لا دين لمن لم يهاجر، فقال: لا أصل إلى بيتي حتى أقدم المدينة. فقدم فنزل على العباس ثم أتى النبي ﷺ فقال: ما جاء بك أبا وهب؟ قال: قيل إنه لا دين لمن لم يهاجر. فقال النبي ﷺ : ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة فقروا على سَكِنَتِكُم فقد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية، وإن استنفرتم فانفروا" (٣). ١٣٨٤٣ - شعبة، عن النعمان بن سالم، عن رجل، سمع جبير بن مطعم قال: "قلت: يا رسول اللَّه، إن ناسًا يقولون: ليس لنا أجور بمكة. قال: لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب". ١٣٨٤٤ - فديك بن سليمان، نا الأوزاعي، عن الزهري، عن صالح بن بشير بن فديك قال: "جاء فديك فقال: يا رسول اللَّه، إنهم يزعمون أن من لم يهاجر هلك. فقال: يا فديك، أقم الصلاة وآت الزكاة، واهجر السوء واسكن من أرض قومك حيث شئت -قال: وأظن أنه

стр. 3544

قال: تكن مهاجرًا". قلت: فديك صدوق، والحديث مرسل. يحيى بن حمزة، عن الزبيدي، عن الزهري، عن صالح بن بشير (١) عن النبي ﷺ نحوه ولم يقل: "تكن مهاجرًا". ١٣٨٤٣ - خالد بن مخلد، ثنا يحيى بن عمير، نا المقبري، عن أبي هريرة قال: "قدم على رسول اللَّه أناس من أهل البدو فقالوا: يا رسول اللَّه، قدم علينا أناس من قرابتنا فزعموا أنه لا ينفع عمل دون الهجرة والجهاد. فقال: حيث ما كنتم فأحسنوا عبادة اللَّه وأبشروا بالجنة". ١٣٨٤٦ - ابن جريج (خ) (٢) أخبرني عطاء "أنه جاء عائشة مع عبيد بن عمير وكانت مجاورة فقال عبيد: أي هنتاه، أسألك عن الهجرة قالت: لا هجرة بعد الفتح؛ إنما كانت قبل الفتح حين يهاجر الرجل بدينه إلى النبي ﷺ فأما حين كان الفتح حيث شاء الرجل عبد اللَّه لا يُمنع". أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي (خ) (٣) عن عطاء قال: "زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألها عن الهجرة قالت: لا هجرة اليوم إنما كانت الهجرة إلى اللَّه وإلى رسوله وكان المؤمنون يفرون بدينهم إلى رسول اللَّه من أن يفتنوا فقد أفشى اللَّه الإسلام فحيث ما شاء رجل عبد ربه ولكن جهاد ونية". وروينا عن ابن عمر معنى هذا، وكل ذلك يرجع إلى انقطاع الهجرة وجوبًا عن أهل مكة وغيرها من البلاد بعدما صارت دار أمن وإسلام فأما دار حرب أسلم فيها من يخاف الفتنة على دينه وله ما يبلغه إلى دار الإسلام فعليه أن يهاجر، وفي ذلك حديث: ١٣٨٤٧ - عيسى بن يونس عن حريز (د س) (٤) عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن أبي هند، عن معاوية سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". قلت: تابعة الوليد بن مسلم عن حريز.

стр. 3545

١٣٨٤٨ - الحكم بن موسى، نا يحيى بن حمزة، عن عطاء الخراساني، عن ابن محيريز، عن عبد اللَّه بن السعدي "أنه قدم على رسول اللَّه ﷺ في أناس من أصحابه، فلما نزلوا قالوا: احفظ لنا ركابنا حتى نقضي حاجتنا ثم تدخل. وكان أصغرهم، فقضى لهم حاجتهم ثم قالوا له: ادخل. فلما دخل على رسول اللَّه ﷺ قال: حاجتك؟ قال: حاجتي أن تخبرني أنقطعت الهجرة؟ قال: حاجتك من خير حوائجهم لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو". قلت: هذا غريب حسن. من كره أن يموت بالأرض التي هاجر منها ١٣٨٤٩ - الثوري (خ م) (١) عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: "جاءني النبي ﷺ يعودني بمكة وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها فقلت: يا رسول اللَّه، أوصي (بماله) (٢) كله؟ قال: لا. . . " الحديث. زاد فيه أبو نعيم، عن سفيان: "فقال لي: يرحمك اللَّه ابن عفراء". سفيان (خ م) (٣) عن الزهري، عن عامر بن سعد أن أباه أخبره "أنه مرض عام الفتح مرضًا أشفى منه على الموت، فأتاه النبي ﷺ يعوده وهو بمكة. . . " فذكر الحديث "قلت: يا رسول اللَّه، أخلف عن هجرتي. قال: إنك لن تخلف بعدي فتعمل عملًا تريد به وجه اللَّه إلا ازددت به رفعة ودرجة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع به أقوام ويضر بك آخرون، اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة يرثي له أن مات بمكة. قال سفيان: ابن خولة رجل من بني عامر بن لؤي". عبد الوهاب (م) (٤) عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه، عن أبيه "أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة فبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: قد خشيت أن أموت في الأرض التي هاجرت منها كما

стр. 3546

مات سعد بن خولة، فقال النبي ﷺ : اللهم اشف سعدًا، اللهم أشف سعدًا ثلاث مرار. . . " الحديث. ١٣٨٥٠ - وهيب، ثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن عمرو بن عبدٍ القاري، من أبيه، عن جده عمرو القاري "أن رسول اللَّه ﷺ قدم فخلف سعدًا مريضًا حيث خرج إلى حنين، فلما قدم [من] (١) الجعرانة معتمرًا دخل عليه وهو وجع مغلوب، فقال لرسول اللَّه: إن لي مالًا وإني أورث كلالة، فأوصي [بمالي] (٢) كله أو أتصدق به؟ قال: لا. قال: فأتصدق بثلثيه؟ قال: لا. قال: فأوصي بشطره؟ قال: لا. قال: فأتصدق بثلثه؟ قال: نعم، وذاك كثير. قال: أي رسول اللَّه أصيب بالدار التي خرجت منها مهاجرًا. قال: إني لأرجو أن يرفعك اللَّه وأن يكاد بك أقوام وينتفع بك أخرون، يا عمرو بن القاري، إن مات سعد بعدي هاهنا ادفنه نحو طريق المدينة - وأشار بيده هكذا". هذه الرواية توافق رواية سفيان في أن ذلك كان عام الفتح، وسائر الرواة عن الزهري قالوا فيه: عام حجة الوداع، واختلف في هذه الرواية على ابن خثيم في اسم حفدة عمرو بن القاري. ١٣٨٥١ - ابن عيينة، عن إسماعيل بن محمد، عن الأعرج (٣) قال: "خلف النبي ﷺ على سعد رجلًا فقال: إن مات فلا تدفنوه بها". ١٣٨٥٢ - ابن عيينة، عن محمد بن قيس، عن أبي بردة (٣) قال: قال سعد ﷺ "أيكره للرجل أن يموت بالأرض التي هاجر منها؟ قال: نعم". فهذان مرسلان. ١٣٨٥٣ - علي بن خشرم، ثنا سفيان، عن محمد بن قيس الأسدي، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن سعد بن أبي وقاص "سمعت النبي ﷺ يكره للرجل أن يموت بالأرض التي يهاجر منها". ١٣٨٥٤ - محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا يزيد بن عبد اللَّه البيسري، عن عبد اللَّه بن سعيد

стр. 3547

ابن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عمر "كان رسول اللَّه إذا دخل مكة قال: اللهم لا تجعل منايانا فيها حتى تخرجنا منها" تابعه وكيع عن عبد اللَّه. قلت: سنده صالح، ولم يخرجه الستة. ١٣٨٥٥ - سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة" قال ابن شهاب: وكان عمر يقول: "يا معشر المهاجرين، لا تتخذوا الأموال بمكة وأعدوها بدار هجرتكم؛ فإن قلب الرجل عند ماله". ذم التعرب بعد الهجرة ١٣٨٥٦ - يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد اللَّه: "آكل الربا وموكله وشاهداه إذا علماه، والواشمة والمستوشمة، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيًّا بعد الهجرة ملعونون على لسان محمد ﷺ " تفرد به الرملي هكذا. ورواه الثوري وغيره، عن الأعمش، من عبد اللَّه بن مرة. فقال: عن الحارث بن عبد اللَّه، عن ابن مسعود. ورواه ابن نمير، عن الأعمش، عن ابن مرة فقال: عن عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن مسعود. الرخصة في ذلك أيام الفتن ونحوها ١٣٨٥٧ - حاتم بن إسماعيل (خ م) (٢) عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع "أنه دخل على الحجاج فقال: يا ابن الأكوع، ارتددت على عقبيك تعربت بعد الهجرة؟ قال: لا، ولكن رسول اللَّه ﷺ أذن لي في البدو". حاتم (خ) (٢) عن يزيد قال: "لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة وتزوج هناك امرأة وولد له أولاد فلم يزل هناك حتى قبل موته بليال فنزل - يعني: المدينة".

стр. 3548

أصل فرض الجهاد قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ. . .﴾ (١) الآيات مع آيات في فرض الجهاد. ١٣٨٥٨ - هشام (م) (٢) عن قتادة، عن مطرف بن عبد اللَّه، عن عياض بن حمار: "أن نبي اللَّه ﷺ قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. . . " فذكر الحديث قال: "فقال: يامحمد، إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزل عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان، وإن اللَّه أمرني أن أحرّق قريشًا فقلت: رب إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. فقال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم [نغزك] (٣)، وأنفق نستنفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك". صفوان بن عمرو، نا أبو زيادة، عن يحيى بن عبيد الغسّاني، عن يزيد بن قطيب, عن معاذ بن جبل أنه كان يقول: "بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن فقال: لعلك أن تمر بقبري ومسجدي قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلونك على الحق مرتين فقاتل بمن أطاعك من عصاك ثم يغدون إلى الإسلام حتى تبادر المرأة زوجها والولد والده والأخ أخاه فأنزل بين الحيين السَكون والسكاسك". رواه عباس التَّرْقُفي عن أبي المغيرة عنه. ١٣٨٥٩ - عبد اللَّه بن جعفر، نا عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن جبَلة بن سحيم، نا أبو المثنى العبدي، سمعت ابن الخصاصية يقول: "أتيت رسول اللَّه لأبايعه على الإسلام فاشترط عليّ: تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله وتصلي الخمس وتصوم رمضان وتؤدي الزكاة، وتحج البيت، وتجاهد في سبيل اللَّه قلت: يا رسول اللَّه، أما

стр. 3549

اثنتان فلا أطيقهما، أما الزكاة فما لي إلا عشر ذود هن رسل أهلي وحَمولتهم، وأما الجهاد فيزعمون أنه من ولَّى فقد باء بغضب من اللَّه فأخاف إن حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي. قال: فقبض رسول اللَّه ﷺ بده، ثم حركها، ثم قال: لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة؟ قال: ثم قلت: يا رسول اللَّه، أبايعك فبايعني عليهن كلهن". ١٣٨٦٠ - شيبان، نا منصور، عن الحكم (١)، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل قال: "قلت: يا رسول اللَّه، ألا تحدثني بعمل أدخل به الجنة؟ قال: إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، أما رأس الأمر فالإسلام من أسلم سلم، وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد. . . " (٢) الحديث. حماد بن سلمة (د س) (٣) عن حميد، عن أنس أن النبي ﷺ قال: "جاهدوا -يعني: المشركين- بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". ١٣٨٦١ - أبو إسحاق الفزاري، عن عبد الرحمن بن عياش, عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت قال رسول اللَّه ﷺ : "عليكم بالجهاد في سبيل اللَّه، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب اللَّه به الغم والهم" وزاد فيه غيره: "وجاهدوا في اللَّه القريب والبعيد، وأقيموا حدود اللَّه في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في اللَّه لومة لائم". قلت: كذا ذكر المؤلف هذه الزيادة بلا إسناد. قال: وروي ذلك عن الحارث بن معاوية الكندي عن عبادة بن الصامت. ١٣٨٦٢ - ابن المبارك، أنا صفوان بن عمرو، أخبرني عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه قال: "جلسنا إلى المقداد بن الأسود بدمشق وهو على تابوت ما به عنه فضل، فقال له رجل: لو قعدت العام عن الغزو. قال: أبتْ علينا البَحُوث -يعني: سورة التوبة- قال اللَّه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٤) فلا أجدني إلا خفيفًا". ١٣٨٦٣ - حماد بن سلمة، نا علي بن زيد وثابت، عن أنس "أن أبا طلحة قرأ هذه الآية:

стр. 3550

﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (١) قال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخًا وشُبّانًا جهّزوني أي بَنِيّ جهّزوني. فقال بنوه: قد شهدات مع رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر فنحن نغزو. فقال: جهزوني. فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ولم يتغير". سمعه عفان منه. من يسقط عنه الجهاد ١٣٨٦٤ - الثوري (خ) (٢) عن معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة قالت: "استأذنت النبي ﷺ في الجهاد فقال: جهادكن -أو حسبكن- الحج" ورواه (خ) (٣) أيضًا من حديث سفيان، عن حبيب بدل معاوية. خالد بن عبد اللَّه (خ) (٤) عن حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة "قلنا يا رسول اللَّه، نري الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد معك؟ قال: لا، ولكن أفضل الجهاد حج مبرور - وكانت عائشة خالتها". ١٣٨٦٥ - قبيصة، نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة أنها قالت: "يا رسول اللَّه، أيغزو الرجال ولا نغزو ولا نقاتل فنستشهد وإنما لنا نصف الميراث! فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٥) ". قلت: رواه (ت) (٦) من حديث ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح. ١٣٨٦٦ - عبيد اللَّه (خ م) (٧) عن نافع، عن ابن عمر قال: "عرضني رسول اللَّه ﷺ يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ خليفة فحدثته بهذا

стр. 3551

فقال: إن هذا لحدّ بين الصغير والكبير. وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة وما كان دون ذلك فاجعلوه في العيال". ١٣٨٦٧ - شعبة (خ) (١) عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر". ١٣٨٦٨ - حماد بن زيد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر قال: "عرضت يوم الخندق أنا ورافع ابن خديج على النبي ﷺ أنا وهو ابنا خمس عشرة سنة فقبلنا" (٢). ١٣٨٦٩ - منصور بن سلمة الخزاعي، نا عثمان بن عبد اللَّه بن زيد بن جارية الأنصاري، نا عمي عمرو بن زيد، حدثني أبي "أن رسول اللَّه ﷺ استصغر ناسًا يوم أحد منهم زيد بن جارية -يعني: نفسه- والبراء وزيد بن أرقم وأبو سعيد وابن عمر - وذكر جابر بن عبد اللَّه". كذا في كتابي عثمان بن عبد اللَّه، ورأيته في موضع آخر ابن عبيد اللَّه. قلت: ما كان جابر يومئذ صغيرًا؛ بل أبوه حبسه لبناته. ١٣٨٧٠ - هشيم، نا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن سمرة قال: "أتت بي أمي المدينة فخطبها الناس، فقالت: لا أتزوج إلا برجل يكفل لي هذا اليتيم. فتزوجها رجل من الأنصار وكان رسول اللَّه ﷺ يعرض غلمان الأنصار في كل عام فيلحق من أدرك منهم، قال: وعرضت عامًا فألحق غلامًا وردني، فقلت: يا رسول اللَّه، لقد ألحقته ورددتني ولو صارعته لصرعته. قال: فصارعه. فصارعته فصرعته فألحقني". قلت: إسناده جيد إِن كان جعفر لقي سمرة. ١٣٨٧١ - حاتم بن إسماعيل (م) (٣) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز "أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال، فقال ابن عباس: إن ناسًا يقولون: إن ابن

стр. 3552

عباس يكاتب الحرورية، ولولا أني أخاف أن أكتم علمًا لم أكتب إليه. فكتب نجدة إليه: أما بعد فأخبرني هل كان رسول اللَّه يغزو بالنساء، وهل كان يضرب لهن بسهم، وهل كان يقتل الصبيان، ومتى ينقضي يتم اليتيم، وعن الخمس لمن هو، فكتب إليه ابن عباس: إنك كتبت تسألني هل كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن يداوين المرضى ويُحذَين من الغنيمة، وأما السهم فلا، وإن رسول اللَّه ﷺ لم يقتل الولدان فلا تقتلهم إلا أن تكون تعلم منهم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل فتميز بين المؤمن والكافر فتقتل الكافر وتدع المؤمن، وكتبت متى ينقضي يتم اليتيم؟ ولعمري إن الرجل لتشيب لحيته وإنه لضعيف الأخذ ضعيف الإعطاء فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم، وكتبت تسألني عن الخمس، وإنا كنا نقول هو لنا فأبى ذلك علينا قومنا فصبرنا عليه". وروينا في حديث قيس بن سعد، عن يزيد بن هرمز، عن ابن عباس في هذا الحديث "وأما النساء والعبيد فلم يكن لهم شيء معلوم إذا حضروا البأس، ولكن يحذون من غنائم القوم". ١٣٨٧٢ - ابن جريج، أخبرني عبد اللَّه بن أبي أمية، عن الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعه (١) "أن رسول اللَّه ﷺ كان في بعض مغازيه فمر بأناس من مزينة فاتبعه عبدٌ لامرأة منهم، فلما أن في بعض الطريق سلم عليه قال: فلان؟ قال: نعم. قال: ما شأنك؟ قال: أجاهد معك. قال: أذنت لك سيدتك؟ قال: لا. قال: ارجع إليها؛ فإن مثلك مثل عبد لا يصلي إن مت قبل أن ترجع إليها واقرأ ﵍. فرجع إليها فأخبرها الخبر فقالت: اللَّه هو أمر أن تقرأ عليَّ السلام؟ قال: نعم. قالت: ارجع فجاهد معه". المعذور قال تعالى في الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. . .﴾ (٢) الآيات.

стр. 3553

١٣٨٧٣ - الليث (س) (١) عن خالد بن يزيد، عن سعيد، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة". ١٣٨٧٤ - شعبة (خ م) (٢) عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . .﴾ الآية، أمر رسول اللَّه ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكى ضرارته إلى رسول اللَّه، فأنزل اللَّه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٣) ". ١٣٨٧٥ - صالح (خ) (٤) عن الزهري، عن سهل قال: "دخلت المسجد فإذا مروان بن الحكم (٥) جالس فجلست إليه، فقال: حدثني زيد بن ثابت قال: كنت عند رسول اللَّه ﷺ فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ فجاء ابن أم مكتوم وأنا أكتبها فقال: يا رسول اللَّه، قد ترى ما بعيني من الضرر ولو أستطيع الجهاد لجاهدت! قال زيد: فثقلت فخذ رسول اللَّه ﷺ على فخذي حتى هميت أن ترضّها (٦) ثم سُري عنه فقال لي: اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ (٣) ". ١٣٨٧٦ - ابن أبي الزناد، حدثني أبي أن خارجة حدثه، عن أبيه "أن السكينة غشيت رسول اللَّه ﷺ قال زيد وأنا إلى جنبه- فوقعت فخذ رسول اللَّه ﷺ على فخذي فما وجدت شيئًا أثقل من فخذ رسول ﷺ ثم سرب عنه فقال: أكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فكتبت ذلك في كتف فقام ابن أم مكتوم وكان رجلًا أعمى حين سمع فضيلة المجاهدين على القاعدين فقال: يا رسول اللَّه، كيف بمن لا يستطيع الجهاد مع المؤمنين؟ قال: فما قضى كلامه -أو ما هو إلا أن فصل كلامه- فغشيت

стр. 3554

رسول اللَّه ﷺ السكينة فوقعت فخذه على فخذي فوجدت من ثقلها المرة مثل ما وجدت من نقلها في المرة الأولى، ثم سُري عنه فقال: اقرأ. فقرأت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال رسول اللَّه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال زيد: فألحقتها وكان مَلْحقتها عند صدع في الكتف" (١). ١٣٨٧٧ - يعقوب الحضرمي، عن أبي عَقِيل، عن أبي نضرة "سألت ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢) قال: هم أولو الضرر قوم كانوا على عهد رسول اللَّه لا يغزون معه كانت تحبسهم أوجاع وأمراض وآخرون أصحاء فكان المرضى أعذر من الأصحاء". ١٣٨٧٨ - الأعمش (م) (٣) عن أبي سفيان، عن جابر "قال رسول اللَّه في بعض أسفاره: إن بالمدينة رجالًا ما سرنا مسيرًا ولا قطعنا واديًا إلا كانوا معنا فيه حبسهم المرض". ١٣٨٧٩ - حماد بن سلمة (خت) (٤) عن حميد، عن موسى بن أنس، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فجد. قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر". علقه البخاري. وقد أخرجه أيضًا من حديث زهير (٥) وحماد بن زيد (٦) عن حميد، عن أنس بدون موسى.

стр. 3555

١٣٨٨٠ - ابن إسحاق، حدثني أبي، عن أشياخ من بني سَلمِة قالوا: "كان عمرو بن الجموح شديد العرج وكان له أربعة بنون شباب يغزون مع رسول اللَّه ﷺ فلما أراد رسول اللَّه يتوجه إلى أحد قال له بنوه: إن اللَّه قد جعل لك رخصة فلو قعدت فنحن نكفيك؛ فقد وضع اللَّه عنك الجهاد. فأتى عمرو بن الجموح رسول اللَّه ﷺ فقال: إن بنيّ هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، واللَّه إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال له رسول اللَّه ﷺ : أما أنت فقد وضع اللَّه عنك الجهاد. وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل اللَّه أن يرزقه الشهادة فخرج مع رسول اللَّه ﷺ فقتل يوم أحد شهيدًا". المعذور بالفقر والدين قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ (١). ١٣٨٨١ - همام (م) (٢) عن أبي هريرة قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لولا أن أشق على المؤمنين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل اللَّه، ولكن لا أجد سَعةً فأحملهم ولا يجدون سمعةً فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي". ١٣٨٨٢ - الثوري (د س) (٣) عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد اللَّه، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت". قلت: تابعه أبو بكر بن عياش، ورواه معتمر، عن فضيل بن ميسرة، عن أبي حريز، حدثني أبو إِسحاق، أن جابر بن وهب. كذا قال وذكر الحديث (٤).

стр. 3556

١٣٨٨٣ - رياح بن عمرو، نا أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "بينما نحن جلوس مع رسول اللَّه ﷺ إذ طلع علينا شاب من الثنية، فلما رأيناه بأبصارنا قلنا: لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل اللَّه. فسمع مقالتنا رسول اللَّه ﷺ قال: وما سبيل اللَّه إلا من قتل! من سعى على والديه ففي سبيل اللَّه، ومن سعى على عياله ففي سبيل اللَّه، ومن سعى على نفسه ليعفها ففي سبيل اللَّه، ومن سعى على التكاثر فهو في سبيل الشيطان". قلت: سمعه أحمد بن يونس منه، وهو حديث غريب، قال أبو داود: رياح رجل سوء. ١٣٨٨٤ - يحيى بن سعيد الأنصاري (م) (١) عن القبري، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إن قتلت في سبيل اللَّه كفر اللَّه عني خطاياي؟ فقال: إن قتلت في سبيل اللَّه صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر كفر اللَّه عنك خطاياك. فلما جلس دعاه، فقال: كيف قلت؟ فأعاد عليه. فقال: إلا الدين، كذلك أخبرني جبريل ﵇". ١٣٨٨٥ - سعيد بن أبي أيوب (م) (٢) عن عياش بن عباس، عن الحُبِلي، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "القتل في سبيل اللَّه يكفر كل شيء إلا الدين" ومر لأبي هريرة، عن النبي ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه". ولا يغزو إلا بإذن أبيه وأمه ١٣٨٨٦ - شعبة (خ م) (٣) نا حبيب بن أبي ثابت، سمعت أبا العباس الشاعر -وكان لا يتهم في حديثه- سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال له: أحيّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد".

стр. 3557

أبو إسحاق الفزاري (م) (١) عن الأعمش، عن حبيب بهذا ولفظه: "أحيّ أبواك؟ قال: نعم. قال: ارجع إليهما؛ فإن فيهما لمُجَاهَدًا". عمرو بن الحارث (م) (١) عن يزيد بن أبي حبيب، حدثني ناعم مولى أم سلمة أن عبد اللَّه بن عمرو قال: "أقبل رجل إلى النبي ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللَّه. قال: فهل من والديك أحد حيّ؟ قال: نعم، بل كلاهما. قال: فتبتغي الأجر من اللَّه؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما". ١٣٨٨٧ - الثوري (د س) (٢) عن عطاء بن السائب (ق) (٣) عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو: "جاء رجل إلى رسول اللَّه فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبويّ يبكيان، فقال: ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما". قلت: وكذا رواه حماد والمحاربي عن عطاء. ١٣٨٨٨ - عمرو بن الحارث (د) (٤) عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد: "أن رجلًا هاجر من اليمن فقال: يا رسول اللَّه، إني قد هاجرت. فقال رسول اللَّه ﷺ : قد هجرت الشرك ولكنه الجهاد، هل لك أحد باليمن؟ قال: (أبوي) (٥) قال: أذنا لك؟ قال: لا. قال: فارجع فاستأذنهما؛ فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما". ١٣٨٨٩ - ابن جريج (س ق) (٦) أخبرني محمد بن طلحة بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن معاوية بن جَاهِمة السُلمي (٧) "أن جاهمة جاء فقال: يا رسول اللَّه، أردت أن أغزو وقد جئتك أستشيرك. فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: فالزمها؛ فإن الجنة عند (رجلها) (٨) ثم الثانية ثم الثالثة مقاعد شتى" فكمثل هذا القول.

стр. 3558

قلت: ورواه محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة. وخالفه عبد الرحيم بن سليمان فقال: عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة، عن طلحة بن معاوية ابن جاهمة، عن أبيه. والأول أصح. قلت: وقد سأله ﷺ وهو لا يعلم أن له أمًّا فلما قال: نعم. لم يسأله أمسلمة هي أم لا؛ بل أمره ببرها مطلقًا مع كثرة الآباء والأمهات على الشرك في ذلك الوقت والقرآن يدل على ذلك، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١) فهنا أراد المشركين؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (٢). ١٣٨٩٠ - شعبة (م) (٣) عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "أنزلت فيّ أربع آيات -فذكر الحديث- وفيه قال: فقالت أم سعد: أليس قد أمر اللَّه ببر الوالدة، فواللَّه لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى تكفر أو أموت. فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها أو يسقوها شجروا فاها بعصًا ثم أوجروها الطعام والشراب فنزلت: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١)، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (٢) ". المسلم يقتل أباه في الحرب وتوقيه أولى ١٣٨٩١ - عيسى بن يونس (د) (٤) ثنا سعيد بن عثمان، عن عروة بن سعيد الأنصاري، عن أبيه، عن حصين بن وحوح "أن طلحة بن البراء لما لقي النبي ﷺ قال: يا نبي اللَّه، مرني بما أحببت ولا أعصي لك أمرًا. قال: فعجب لذلك النبي ﷺ وهو غلام فقال له عند ذلك: فاقتل أباك. فخرج مُوليًا ليفعل فدعاه قال: إني لم أبعث بقطيعة رحم".

стр. 3559

١٣٨٩٢ - ضمرة، عن ابن شوذب (١) قال: "جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينصب الآلهة لأبي عبيدة يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده أبو عبيدة فقتله فأنزلت ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ. . .﴾ (٢) الآية". هذا منقطع. ١٣٨٩٣ - ابن المبارك، عن إسماعيل بن سُميع، عن مالك بن عمير -وكان قد أدرك الجاهلية- (١) قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لقيت العدو ولقيت أبي فيهم فسمعت لك منه مقالة قبيحة فلم أصبر حتى طعنته بالرمح -أو حتى قتلته- فسكت عنه النبي ﷺ ثم جاءه آخر فقال: إني لقيت أبي فتركته وأحببت أن يليه غيري فسكت عنه" (٣). هذا مرسل. كراهية أخذ الجعائل إلا من السلطان ١٣٨٩٤ - محمد بن حرب (د) (٤) عن سليمان بن سليم، عن يحيى بن جابر الطائي، عن ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب سمع رسول اللَّه: "ستفتح عليكم الأمصار وتكون جنود مجندة يقطع عليكم بعوث يتكرّه الرجل منكم البَعْث فيها فيتخلص من قومه ثم يتصفّح القبائل يعرض نفسه عليهم يقول: من أكفه بعث كذا، من أكفه بعث كذا. ألا وذلك الأجير، إلى آخر قطرة من دمه". ١٣٨٩٥ - الثوري، حدثني الزبير بن عدي، عن شقيق بن العَيزار: "سألت ابن عمر عن الجعائل فقال: لم أكن لأرتشي إلا ما رشاني اللَّه. وسألت ابن الزبير، فقال: تركها أفضل، فإن أخذتها فأنفقها في سبيل اللَّه". ١٣٨٩٦ - شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن الأعجم قال: "سأل رجل ابن عباس عن الجعل. قال: إذا جعلته في سلاح أو كراع فلا بأس به، وإذا جعلته في الرقيق فلا".

стр. 3560

وروينا عن إبراهيم قال: كانوا أن يعطوا أحب إليهم من أن يأخذوا - يعني: في الجعائل". ١٣٨٩٧ - وفي مراسيل أبي داود (١)، عن سعيد، عن إسماعيل بن عياش، عن معدان بن حُدَير، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه (٢) قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجُعل يتقوون على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها". تجهيز الغازي وأجر الجاعل ١٣٨٩٨ - حسين المعلم (خ م د) (٣) نا يحيى بن أبي كثير، نا أبو سلمة، حدثني بُسر بن سعيد، حدثني زيد بن خالد الجهني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من جهز غازيًا في سبيل اللَّه فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا". ١٣٨٩٩ - حماد بن سلمة (م) (٤) عن ثابت، عن أنس: "أن رجلًا من أسلم أتى النبي ﷺ فقال: إني أريد الجهاد وليس معي ما أتجهز به. فقال: إن فلانًا قد تجهز ثم مرض، فاذهب إليه فقل: إن رسول اللَّه يقرئك السلام ويأمرك أن تعطيني ما أتجهز به. فأتاه فقال له، فقال لامرأته: انظري أن تعطيه ما جهزتني به، ولا تحبسي منه شيئًا فيبارك اللَّه لك فيه". ١٣٩٠٠ - أبو معاوية (م) (٥) نا الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنه أُبدع (٦) بي فاحملني. فقال: ليس عندي. فقال رجل: ألا أدلك يا رسول اللَّه على من يحمله؟ فقال رسول اللَّه: من

стр. 3561

دل على خير فله أجر مثل فاعله" قال أبو معاوية: أبدع بي يقول: قُطِع بي. ورواه يعلى، عن الأعمش، وفيه: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". ١٣٩٠١ - الليث (د) (١) عن حيوة بن شريح، عن ابن شُفي، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي" وأن رسول اللَّه قال: "قفْله كغزوه". ١٣٩٠٢ - أبو زرعة يحيى السيباني (د) (٢) عن عمرو بن عبد اللَّه أنه حدثه، عن واثلة بن الأسقع قال: "نادى رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك فخرجت إلى أهلي وأقبلت وقد خرج أول الناس فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلًا له سهمه. فنادى شيخ من الأنصار قال: لنا سهمه على أن نحمله (عُقبةً) (٣) وطعامه معنا. قلت: نعم. قال: فسر على بركة اللَّه. فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء اللَّه علينا فأصابني قلائص فسقتهن حتى أتيته، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله ثم قال: سقهن مُدْبِرات. ثم قال: سقهن مقبلات. فقال: ما أرى قلائصك إلا كرامًا. قال: إنما هي غنيمتك التي شرطتُ لك. قال: خذ قلائصك (ابن) (٤) أخي فغير سهمك أردنا" قال المؤلف: أراد بقوله: إنا لم نقصد بما فعلنا الإجارة، وإنما قصدنا الاشتراك في الأجر. من استأجر إنسانًا للخدمة في الغزو ١٣٩٠٣ - أبو توبة الحلبي، نا بَشِير بن طلحة، عن خالد بن ذُريك، عن يعلى بن مُنية قال: "كان النبي ﷺ يبعثني في سراياه فبعثني ذات يوم، وكان رجل يغلي فقلت له: ارحل. فقال: ما أنا بخارج معك. قلت: لم؟ قال: حتى تجعل لي ثلاثة دنانير. قلت: آلآن حين ودعت النبي ﷺ ؟ ما أنا براجع إليه، ارحل ولك ثلاثة دنانير. فلما رجعت من غزوتي

стр. 3562

ذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أعطها إياه (فانه) (١) حظه من غزاته" وروي عن عبد اللَّه بن الديلمي، عن يعلى بن منية معناه. قلت: إن كان خالد لقي يعلى فإِسناده جيد (٢). ولا يجمر الإمام بالغزى (٣) قال الشافعي: فإن جمرهم فقد أساء، ويجوز لكلهم خلافه والرجوع. ١٣٩٠٤ - أبو إسحاق الفزاري، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس قال: "خطبنا عمر فقال: أيها الناس، إني لم أبعث إليكم عمالي ليضربوا أبشاركم ولا (يأخذوا) (٤) أموالكم، ولكن بعثتهم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به غير ذلك فليرفعه إليّ فأقصه منه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم فتكفرونهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم" (٥). ١٣٩٠٥ - إبراهيم بن سعد (د) (٦) نا ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك "أن جيشًا من الأنصار كانوا بأرض فارس مع أميرهم، وكان عمر (يبعث) (٧) الجيوش في كل عام فشغل عنهم عمر، فلما مر الأجل قفل أهل ذلك الثغر، فاشتد عليه وأوعدهم وهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا: إنك غفلت عنا وتركت فينا الذى أمر به النبي ﷺ من إعقاب بعض الغَزِيّة بعضًا". ١٣٩٠٦ - إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال: "خرج عمر من الليل فسمع امرأة تقول:

стр. 3563

تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني ألا حبيب ألاعبه فواللَّه لولا اللَّه أني أراقبه ... تحرك من هذا السرير جوانبه فقال عمر لحفصة بنت عمر: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة -أو أربعة- أشهر. فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا". حضور من لا فرض عليه القتال ١٣٩٠٧ - الدراوردي (م (١١) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز "أن نجدة كتب إلى ابن عباس: هل كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بالنساء [وهل] (٢) كان يضرب لهن بسهم؟ فقال: قد كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ولم يكن يضرب لهن بسهم ولكن يُخذين من الغنيمة" قال الشافعي: محفوظ أنه شهد مع النبي ﷺ القتال العبيد والصبيان وأحذاهم من الغنيمة. ابن عيينة (م) (٣) عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن يزيد بن هرمز قال: "كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضر أن المغنم. فكتب إليه: ليس لهما شيء إلا أن يحذيا". ومر من حديث أبي يوسف، عن إسماعيل في هذا الحديث "وسأله عن الصبي متى يخرج من اليتم، فكتب إليه أنه يخرج من اليتم إذا احتلم ويسهم له". ورواه وهب، عن يزيد بن عياض (عن) (٤) إسماعيل بنحوه. وفيه "متى يخرج من اليتم ويقع حقه في الفيء؟ فكتب إليه: إذا احتلم فقد خرج من اليتم ووقع حقه في الفيء" يزيد واه، وسقط من سنده سعيد. ١٣٩٠٨ - عبد الوارث (خ م) (٥) نا عبد العزيز، عن أنس قال: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي رسول اللَّه ﷺ يجّوب عليه بحجفة. قال: ولقد

стр. 3564

رأيت عائشة وأم سليم لمشمرتان أرى خدَم سوقهما تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغان في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم". ١٣٩٠٩ - جعفر بن سليمان (م) (١) عن ثابت، عن أنس "كان رسول اللَّه يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى" وروي في ذلك عن الربيّع بنت معوذ وأم عطية. ١٣٩١٠ - ابن أبي حازم (خ م) (٢) عن أبيه، سمع سهل بن سعد "يسأل عن جرح رسول اللَّه ﷺ يوم أحد فقال: جرح وجه رسول اللَّه ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ تغسل الدم، وكان عليّ يسكب الماء عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير وأحرقته حتى إذا صار رمادًا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم". ١٣٩١١ - بشر بن المفضل (عو) (٣) وفضيل بن سليمان، عن محمد بن زيد، نا عمير مولى آبى اللحم قال: "غزوت مع النبي ﷺ خيبر وأنا عبد مملوك فلم يضرب لي بسهم وأعطاني سيفًا فقلدته أجر بنعله في الأرض وأمر لي من (خرثي) (٤) المتاع". قلت: صححه (ت). ١٣٩١٢ - الأعمش (د) (٥) عن أبي سفيان، عن جابر قال: "كنت أميح أصحابي الماء يوم بدر". أميح وفي لفظ "أسقي". قلت: كأنه شهد بدرًا مراهقًا.

стр. 3565

من ليس للإمام أن يغزو به بحال قال الشافعي: غزا رسول اللَّه ﷺ فغزا معه بعض من يُعرف نفاقه، فانخذل عنه يوم أحد بثلاثمائة. ١٣٩١٣ - ابن إسحاق، حدثني ابن شهاب، وعاصم بن عمر، ومحمد بن يحيى بن حبان وغيرهم من علمائنا، قال: "فخرج رسول اللَّه في ألف من أصحابه حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد اللَّه بن أبيِّ المنافق بثلث الناس، فرجع بمن أتبعه من أهل الريب والنفاق" وقال موسى بن عقبة في مغازيه: "ورجع ابن أبيِّ في ثلاثمائة وبقي رسول اللَّه في سبعمائة". ١٣٩١٤ - ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: "فمضى رسول اللَّه حتى نزل أحدًا، ورجع عنه عبد اللَّه بن أبيِّ في ثلاثمائة، وبقي رسول اللَّه ﷺ في سبعمائة". ١٣٩١٥ - شعبة (خ م) (١) عن عدي بن ثابت، عن عبد اللَّه بن يزيد، سمعت زيد بن ثابت قال: "لما خرج رسول اللَّه ﷺ إلى أحد رجع قوم من الطريق، فكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ فيهم فرقتين؛ فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا نقتلهم، فأنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (٢) ". قال الشافعي: ثم شهدوا معه يوم الخندق، فتكلموا بها حتى حكى اللَّه من قولهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٣). وقال موسى بن عقبة في يوم الخندق: "فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول اللَّه ﷺ ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: والذي نفسي بيده، ليفرجنّ عنكم ما ترون؛ فإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا، وأن يدفع اللَّه

стр. 3566

إليَّ مفتاح الكعبة، وليهلكن اللَّه كسرى وقيصر، ولتخفقن كنوزهما في سبيل اللَّه. فقال رجل ممن معه لأصحابه؟ ألا تعجبون من محمد؛ يعدُنا أن نطوف بالبيت وأن نقسم كنوز (كسرى) (١) والروم، ونحن هاهنا لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الغائط، واللَّه لما يعدنا إلا غرورًا. وقال آخرون ممن معه: ائذن لنا؛ فإن بيوتنا عورة. وقال آخرون: يا أهل يثرب، لا مقام لكم فارجعوا. وسمى ابن إسحاق القائل الأول: مُعتّب بن قشير، والقائل الثاني: أوس بن قيظيّ. ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بنحو من هذه القصة وقال في آخرها: "وقال رجال منهم يخذلون عن رسول اللَّه: يا أهل يثرب، لا مقام لكم فارجعوا". قال الشافعي: ثم غزا بني المصطلق فشهدها معه منهم عدد فتكلموا بما حكى اللَّه من قولهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٢) وغير ذلك مما حكى اللَّه من نفاقهم". ١٣٩١٦ - شعبة (ت) (٣) عن الحكم، سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: سمعت زيد ابن أرقم يقول: "لما قال عبد اللَّه بن أبيِّ: لا تنفتوا على من عند رسول اللَّه حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أخبرت بذلك رسول اللَّه ﷺ فلامتني الأنصار، وحلف عبد اللَّه ما قال ذلك، فرجعت إلى المنزل فنمت، فأتاني رسول رسول اللَّه ﷺ فأتيته، فقال: "إن اللَّه قد صدقك وعذرك، ونزل: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. . .﴾ الآية". ١٣٩١٧ - ابن عيينة (خ م) (٤) قال عمرو: سمعت جابرًا يقول: "كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار (٥) فقال: دعوها؛ فإنها منتنة. فسمع ذلك عبد اللَّه فقال: قد فعلوها، أما واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ ذلك رسول اللَّه فقال (٥): دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. قال: وكانت الأنصار

стр. 3567

أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعدُ" وقال ابن إسحاق: إن ذلك كان في غزوة بني المصطلق، وكذلك عن عروة بن الزبير. قال الشافعي: ثم غزا تبوك فشهدها معه قوم نفَّروا به ليلة العقبة ليقتلوه، فوقاه اللَّه شرهم. ابن إسحاق قال: "فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ الثنية نادي مناديه: أن خذوا بطن الوادي فهو أوسع عليكم، فإن رسول اللَّه قد أخذ الثنية. وكان معه حذيفة وعمار، وكره رسول اللَّه أن يزاحمه في الثنية أحد. فسمعه ناس من المنافقين فتخلفوا، ثم اتبعه رهط من المنافقين، فسمع رسول اللَّه ﷺ حس القوم خلفه، فقال لأحد صاحبيه: اصرف وجوههم. فلما سمعوا ذلك ورأوا الرجل مقبلًا نحوهم انحدروا جميعًا، وجعل الرجل يضرب رواحلهم، وقالوا: إنما نحن أصحاب أحمد، وهم متلثمون، فجاء صاحبه بعدما انحدر القوم، فقال: هل عرفت الرهط؟ فقال: لا واللَّه يا نبي اللَّه، ولكني قد عرفت رواحلهم. فانحدر رسول اللَّه من الثنية وقال لصاحبيه: هل تدرون ما أراد القوم؟ أرادوا أن يزحموني من الثنية فيطرحوني منها. فقالا: أفلا تأمرنا يا رسول اللَّه فنضرب أعناقهم إذا اجتمع إليك الناس؟ فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمدًا قد وضع يده في أصحابه يقتلهم". ١٣٩١٨ - ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: "ورجع رسول اللَّه ﷺ قافلًا من تبوك حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول اللَّه ﷺ ناسٌ فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق" ثم ذكر القصة بمعنى ابن إسحاق. ١٣٩١٩ - أحمد، نا أبو نعيم (م) (١) وأبو أحمد قالا: نا الوليد بن جُميع، نا أبو الطفيل قال: "كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض يكون بين الناس، فقال: أنشدك باللَّه، كم كان أصحاب العقبة؟ فقال له القوم: أخبره أن سألك. قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت فيهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد باللَّه أن اثني عشر منهم حرب للَّه ورسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادي رسول اللَّه

стр. 3568

ولا علمنا ما أراد القوم. وقد كان في حرة فمشى، فقال: إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قومًا قد سبقوه فلعنهم يومئذٍ". قال الشافعي: وتخلف آخرون منهم فيمن بحضرته، ثم أنزل اللَّه عليه غزاة تبوك أو منصرفه منها من أخبارهم فقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ. . .﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ (١) ". قال المؤلف: هو بينٌ في مغازي ابن عقبة وابن إسحاق. ١٣٩٢٠ - ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: "ثم إن رسول اللَّه ﷺ تجهز غازيًا يريد الشام، فأذَّن في الناس بالخروج وأمرهم به في قيظ شديد في ليالي الخريف، فأبطأ عنه ناسٌ كثير، وهابوا الروم، فخرج أهل الحسبة وتخلف المنافقون وحدثوا أنفسهم أنه لا يرجع أبدًا، وثبطوا عنه من أطاعهم، وتخلف عنه رجال من المسلمين لأمر كان لهم فيه عذر -فذكر القصة- قال: وأتاه الجدُّ بن قيس وهو جالس في المسجد معه نفر، فقال رسول اللَّه ﷺ : تجهز فإنك موسر، لعلك تُحقب بعض بنات الأصفر. فقال: يا رسول اللَّه، ائذن لي ولا تفتنِّي ببنات الأصفر، فأنزل اللَّه فيه وفي أصحابه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ. . .﴾ (٢) عشر آيات يتبع بعضها بعضًا، وخرج رسول اللَّه ﷺ والمؤمنون معه، وكان فيمن تخلف ابن عنمة -أو عثمة (٣) - من بني عمرو بن عوف فقيل له: ما خلفك عن رسول اللَّه؟ قال: الخوض واللعب. فأنزلت: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. . .﴾ (٤) ثلاث آيات". ١٣٩٢١ - عقيل (خ) (٥) عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب أن عبد اللَّه بن كعب قائد كعب -حين عمي- من بنيه، قال: "سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول اللَّه ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب اللَّه أحدًا

стр. 3569

تخلف عنها؛ إنما خرج رسول اللَّه ﷺ يريد عير قريش حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول اللَّه ﷺ ليلة العقبة وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري حين تخلفت عن رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حبن تخلفت عنه، واللَّه ما اجتمعت عندى راحلتان قط حتى جمعتهما تلك الغزوة، ولم يكن رسول اللَّه يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومنارًا وعدوًا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهبةَ عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريده، والمسلمون مع رسول اللَّه ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان- قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي، وغزا رسول اللَّه ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فتجهز والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: إني قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى (استحر) (١) بالناس الجدّ، فأصبح رسول اللَّه ﷺ والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده يومًا أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللَّه ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا من النفاق، أو رجلًا ممن عذر اللَّه من الضعفاء، فلم يذكرني رسول اللَّه ﷺ حتى بلغ تبوك، قال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول اللَّه، حبسهُ برداه ينظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، واللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا إلا خيرًا. فسكت رسول اللَّه، فلما بلغني أن رسول اللَّه قد توجه قافلًا من تبوك حضرني همِّي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخط رسول اللَّه ﷺ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول اللَّه قد أظل قادمًا، راح عني الباطل، وعرفت أني لا أخرج منه أحدًا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول اللَّه ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفر

стр. 3570

بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى اللَّه، فجئته فلما سلَّمت عليه تبسم تبسمَ المغضب، ثم قال: تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلَّفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى يا رسول اللَّه، إني واللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلًا، ولكن واللَّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثًا كاذبًا ترضى به عنِّي ليوشكن اللَّه أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه إني لأرجو عفو اللَّه، لا واللَّه ما كان لي من عذر، واللَّه ما كنت قط أقوى ولا أيَسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول اللَّه ﷺ : أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي اللَّه فيك. فثار رجال من بني سَلمة فقالوا: لا واللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه ﷺ بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك إستغفارُ رسول اللَّه لك. فواللَّه ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا نعم، رجلان قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول اللَّه ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحبيّ فاستكانا وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول اللَّه ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، فإذا التكمت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه فواللَّه ما رد عليّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك اللَّه؛ هل تعلمني أحب اللَّه ورسوله؟ فسكت، فعدت لد فناشدنه فسكت، فناشدته الثالثة، فقال: اللَّه ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبطيٌّ من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع

стр. 3571

إليّ كتابًا من ملك غسان -وكنت كاتبًا- فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللَّه بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت به التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت لنا أربعون ليلة إذا رسول رسول اللَّه، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللَّه هذا الأمر. قال كعب: وجاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللَّه ﷺ فقالت: إن هلالًا شيخ ضائع ليست له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك. قالت: إنه واللَّه ما به حركة إلى شيء، وإنه ما زال يبكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومي هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللَّه في امرأتك كما أذن لهلال. فقلت: واللَّه لا أستأذنه فيها، وما يُدريني ما يقول لي إن استأذنته فيها وأنا رجل شاب؟ . فلبثت بعد ذلك عشر ليال، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلةً وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه منا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدًا وعرفت أنه قد جاء الفرج، وآذن رسول اللَّه ﷺ بتوبة اللَّه علينا حين صلى صلاة (الغداة) (١) فذهب الناس يبشروني وذهب قَبِل صاحبيّ مبشرون، وركض رجل إليّ فرسًا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع إليّ من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشراه، واللَّه ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول اللَّه ﷺ فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة اللَّه عليك. حتى دخلت المسجد، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللَّه يهرول حتى صافحني وهنأني، ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة. قال رسول اللَّه ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك مذ ولدتك أمك. قلت: أمن عند اللَّه يا رسول اللَّه أم من عندك؟ قال: لا، بل من عند اللَّه. وكان رسول اللَّه إذا

стр. 3572

بُشِّر ببشارة يبرق وجهه حتى كأنه قطعة قمر يُعرف ذلك منه، فلما جلست ببن يديه قلت: يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن أنخلع مالي صدقة إلى اللَّه وإلى الرسول. قال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قلت: يا رسول اللَّه، إنما نجاني اللَّه بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت؛ فواللَّه ما أعلم أحدًا من المسلمين ابتلاه اللَّه في صدق الحديث مذ حدثت ذلك رسول اللَّه ﷺ أحسن مما ابتلاني، ما تعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني اللَّه فيما بقي. فأنزل اللَّه على رسوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) فواللَّه ما أنعم اللَّه عليّ من نعمة بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول اللَّه يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن اللَّه قال للذين كذبوه حين نزل الوحي شر ما قال لأحد، قال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢) قال: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول اللَّه ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ أمرنا حتى قضى اللَّه فيه، فبذلك قال اللَّه ﵎: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٣) وليس الذي ذكر اللَّه تخلُفنا عن الغزو؛ وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا، ممن حلف واعتذر وقبل منه رسول اللَّه ﷺ ". ١٣٩٢٢ - محمد بن جعفر (خ م) (٤) أنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد "أن رجالًا من المنافقين في عهد رسول اللَّه ﷺ كان إذا خرج إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه، فإذا قدم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلا

стр. 3573

تحسبنهم بمفازة من العذاب" قال الشافعي: فأظهر اللَّه لرسوله أسرارهم وخَبَر السماعين لهم وابتغاءهم أن يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتخذيل لهم، فأخبر أنه كره انبعاثهم؛ إذ كانوا على هذه النية، فكان فيها ما دل على أن اللَّه أمر أن يمنع من عُرف بما عرفوا به من أن يغزوا مع المسلمين؛ لأنه ضرر عليهم، ثم زاد في تأكيد بيان ذلك بقوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ [بِمَقْعَدِهِمْ] (١) خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ (٢). ١٣٩٢٣ - معمر (خ م) (٣) عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ليؤيد الدين بالرجل الفاجر". ١٣٩٢٤ - معتمر، عن عمران بن حدير، عن عبد الملك بن عبيد (٤) قال: قال عمر: "نستعين بقوة المنافقين وإثمه عليهم" هذا منقطع، فإن صح فإنما ورد في منافقين لم يعرفوا بالتخذيل والإرجاف. ١٣٩٢٥ - الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن حبّة بن جوين قال: "كنا مع سلمان في غزاة ونحن مصافّو العدو، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: المشركون، قال: من هؤلاء؟ قالوا: المؤمنون، فقال: هؤلاء المشركون وهؤلاء المؤمنون والمنافقون، فيؤيد اللَّه المؤمنين بقوة المنافقين، وينصر اللَّه المنافقين بدعوة المؤمنين". الاستعانة بالمشركين ١٣٩٢٦ - مالك (م) (٥) عن النضيل بن أبي عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن نيار، عن عروة، عن عائشة قالت: "لما خرج رسول اللَّه ﷺ قبل بدر فلما كان بحرّة أدركه قد رجل قد كان يُذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول اللَّه ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال: يا

стр. 3574

رسول اللَّه، جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له رسول اللَّه ﷺ : تؤمن باللَّه ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قال: ثم مضى حتى إذا كانت الشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال له أول مرة، فقال له النبي ﷺ كقوله، قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: فرجع، ثم أدركه بالبيداء فقال له كما قال له أول مرة: تؤمن باللَّه ورسوله؟ قال: نعم. فقال رسول اللَّه ﷺ : فانطلق". قال الشافعي: لعله رده رجاء إسلامه وذلك واسع للإمام، وقد غزا بيهود بني قينقاع بعد بدر، وشهد صفوان بن أمية معه حنينًا بعد الفتح، وصفوان مشرك. قال المؤلف: أما هذا فمعروف في المغازي، فأما غزوة يهود بني قينقاع فإني لم أجده إلا من حديث: ١١٩٢٧ - الحسن بن عمارة -وهو واهٍ- عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "استعان رسول اللَّه ﷺ بيهود فينقاع ورضخ لهم ولم يسهم لهم" والصحيح ما: ١٣٩٢٨ - أخبرنا الحاكم، أنا أحمد ابن محمد العنزي، نا الدارمي، نا يوسف بن عمرو المروزي، ثنا الفضل السيناني، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن المنذر، عن أبي حميد الساعدي قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ حتى إذا خلّف ثنية الوداع إذا كتيبة قال: من هؤلاء؟ قالوا: بنو قينقاع، وهو رهط عبد اللَّه بن سلام. قال: وأسلموا؟ قالوا: لا؛ بل هم على دينهم. قال: قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين". ١٣٩٢٩ - مستلم بن سعيد، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ في بعض غزواته، فأتيته أنا ورجل قبل أن نسلم فقلنا: إنا نستحيي أن يشهد قومنا مشهدًا فلا نشهده. قال: أسلمتما؟ قلنا: لا. قال: فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين. فأسلمنا وشهدنا مع رسول اللَّه، فقتلت رجلًا وضربني الرجل ضربة، فتزوجت ابنته، فكانت تقول: لا عدمت رجلًا وشحك هذا الوشاح. فقلت: لا عدمت رجلًا (عجّل) (١) أباك إلى النار" جده هو خُبيب بن يَساف. ١٣٩٣٠ - أبو إسحاق الشيباني (٢) "أن سعد بن أبي وقاص غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم".

стр. 3575

من يبدأ بغزوه قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (١). وقال ابن إسحاق: "ثم إن رسول اللَّه ﷺ تهيأ للحرب فقام فيما أمره اللَّه من جهاد عدوه وقتال من أمره به ممن يليه من مشركي العرب". قال الشافعي: فإن اختلف حال العدو فكان بعضهم أنكى عن بعض أو أخوف فليبدأ الإمام بالأخوف أو الأنكى وإن بَعُدوا، وتكون هذه بمنزلة ضرورة. قال: وقد بلغ النبي ﷺ عن الحارث بن أبي ضرار أنه يجمع له، فأغار النبي ﷺ عليه وقُربه عدو أقربُ منه". ١٣٩٣١ - ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر، وعبد اللَّه بن أبي بكر (٢) "أن رسول اللَّه ﷺ بلغه أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار والد جويرية فسار رسول اللَّه حتى بلغ المريسيع ماء من مياه بني المصطلق فأعدوا لرسول اللَّه ﷺ فتزاحف الناس فاقتتلوا فهزم رسول اللَّه بني المصطلق وقتل من قتل منهم، ونفل أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأقام عليهم من ناحية قُديد إلى الساحل" قال ابن إسحاق: كانت في شعبان سنة ست. ١٣٩٣٢ - قال ابن عون (م) (٣): "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب: إنما كان ذلك في أول الإسلام قد أغار رسول اللَّه ﷺ على بني المصطلق وهم غارّون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ -أحسبه قال: جويرية- حدثني بذلك ابن عمر وكان في ذلك الجيش". ١٣٩٣٣ - ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد اللَّه بن أنيس، عن أبيه قال: "بعثني رسول اللَّه إلى خالد بن سفيان الهُذلي، وكان نحو عرفات، فقال: اذهب فاقتله.
следующие страницы →