فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: واللَّه ما قلنا الذي قلنا إلا الضن باللَّه ورسوله. فقال: إن اللَّه ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم، فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم وأقبل رسول اللَّه حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه فطاف بالبيت فأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول اللَّه ﷺ قوس وهو آخذ (بسيته) (١) فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا. فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلًا عليه حتى نظر إلى البيت فرفع يديه وجعل يحمد اللَّه ويدعو بما شاء اللَّه أن يدعو".
حماد بن سلمة (م) (٢) عن ثابت، عن عبد اللَّه بن رباح، عن أبي هريرة بنحوه، وفيه: "فجاءت الأنصار فأحاطوا برسول اللَّه عند الصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول اللَّه، أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم فقال: من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".
سلام بن مسكين، نا ثابت البناني، عن عبد اللَّه بن رباح الأنصاري، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ لما دخل مكة سرح الزبير وأبا عبيدة وخالدًا على الخيل وقال: يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار. قال: اسلكوا هذا الطريق فلا يشرفن لكم أحد إلا أنمتموه فنادى مناد: لا قريش بعد اليوم. فقال رسول اللَّه ﷺ : من دخل دارًا فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن. وعمد صناديد قريش فدخلوا الكعبة [فغص] (٣) بهم وطاف النبي ﷺ وصلى خلف المقام ثم أخذ بجنبتي الباب، فخرجوا فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام" زاد فيه القاسم بن سلام بن مسكين، عن أبيه: "فأتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال: ما تقولون وما تظنون؟ قالوا: نقول: ابن أخ وابن عم حليم رحيم. قال: وقالوا ذلك ثلاثًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : أقول كما قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللَّه لكم وهو أرحم الراحمين. فخرجوا كأنما نشروا من القبور، فأسلموا" وفيما حكى الشافعي في هذه القصة
стр. 3677
عن أبي يوسف "أنه قال لهم حين اجتمعوا في المسجد: ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" قال المؤلف: إنما أطلقهم بالأمان الأول الذي عقده على شرط قبولهم، فلما قبلوه قال: أنتما الطلقاء - يعني: بالأمان الأول.
١٤٢٢٩ - ابن إدريس (د) (١) عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس "أن رسول اللَّه ﷺ عام الفتح جاءه العباس بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس: يا رسول اللَّه، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فلو جعلت له شيئًا. قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".
سلمة الأبرش، عن ابن إسحاق، عن العباس بن عبد اللَّه بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس قال: "لما نزل رسول اللَّه مر الظهران قال العباس: قلت: واللَّه لئن دخل رسول اللَّه مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش. فجلست على بغلة رسول اللَّه فقلت: لعلي أجد ذا حاجة يأتي أهل مكة فيخبرهم بمكان رسول اللَّه ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه وإني لأسير سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، فقلت: أبا حنظلة فعرف صوتي قال: أبو الفضل. قلت: نعم. قال: مالك فداك أبي وأمي؟ قلت: هذا رسول اللَّه ﷺ والناس. قال: فما الحيلة؟ قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فلما أصبح غدوت على رسول اللَّه به فأسلم، قلت: يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئًا. قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. قال: فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد".
١٤٢٣٠ - هشام بن عروة (خ) (٢) عن أبيه قال: "لما سار رسول اللَّه ﷺ عام الفتح فبلغ ذلك قريشًا خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول اللَّه، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة. فقال بديل: نيران بني عمرو. قال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول اللَّه ﷺ فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم
стр. 3678
رسول اللَّه ﷺ فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند حطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين. فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة فقال: يا عباس، من هذه؟ قال: هذه غفار. قال: ما لي ولغفار. ثم مرت جهنية فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ومرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال: من هذه؟ قال: "هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار. ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه وراية النبي ﷺ مع الزبير، فلما مر رسول اللَّه ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال كذا وكذا. قال: كذب سعد، ولكن هذا يوم تكسى فيه الكعبة. قال: وأمر رسول اللَّه ﷺ أن تركز رايته بالحجون. قال عروة: فأخبرني نافع بن جبير قال: سمعت العباس يقول للزبير: يا أبا عبد اللَّه، هاهنا أمرك رسول اللَّه ﷺ أن تركز الراية؟ قال: وأمر رسول اللَّه ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل مكة من كداء ودخل النبي ﷺ من كدى فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان حبيش بن الأشعر وكرز بن جابر الفهري". أخرجه (خ) هكذا مرسلًا.
١٤٢٣١ - زيد بن الحباب، حدثني عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي، حدثني جدي، عن أبيه "أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم الفتح: أمن الناس إلا هؤلاء الأربعة لا يؤمنون في حل ولا حرم: ابن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد اللَّه بن أبي سرح، وابن نقيد، فأما ابن خطل فقتله الزبير، وأما ابن أبي سرح فاستأمن له عثمان فأومن، وكان أخاه من الرضاعة فلم يقتل، ومقيس قتله ابن عم له وقتل علي ابن نقيد وقينتين له، فقتلت إحديهما وأفلتت الأخرى فأسلمت" أبو جده هو سعيد بن يربوع المخزومي. وفي حديث لأنس فيمن أمر بقتله أم سارة مولاة قريش كانت تؤذيه بمكة (١).
١٤٢٣٢ - ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة ح وإسماعيل بن إبراهيم، عن عمه موسى بن عقبة واللفظ له قال: "ثم إن نفاثة من بني عبد الديل أغاروا على بني كعب وهم
стр. 3679
في المدة التي بين رسول اللَّه وبين قريش، وكانت بنو كعب في صلح رسول اللَّه ﷺ وكانت بنو نفاثة في صلح قريش، فأعانت بنو بكر بني نفاثة وأعانتهم قريش، بالسلاح والرقيق. . . " فذكر القصة، قال: "فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا رسول اللَّه ﷺ فذكروا له الذي أصابهم وما كان من قريش عليهم في ذلك. . ." ثم ذكر قصة خروج رسول اللَّه ﷺ إلى مكة وقصة العباس وأبي سفيان حين أتى به رسول اللَّه بمر الظهران ومعه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قال: "فقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول اللَّه، ادع الناس إلى الأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها آمنون هم. قال: نعم، من كف يده وأغلق داره فهو آمن قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم. قال: انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان ودارك يا حكيم وكف يده فهو آمن -ودار أبي سفيان بأعلى مكة ودار حكيم بأسفلها- فلما ذهبا قال العباس: يا رسول اللَّه، لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه فاردده حتى نقفه ويرى جنود اللَّه معك. فأدركه عباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدرًا يا بني هاشم؟ فقال العباس: ستعلم أنا لسنا نغدر ولكن لي إليك حاجة، فأصبح حتى تنظر جنود اللَّه. فذكر إيقافه، وبعث رسول اللَّه الزبير على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كداء من أعلى مكة وأعطاه رايته فأمره أن يغرزها بالحجون ولا يبرح حيث أمره أن يغرزها حتى يأتيه وبعث خالدًا فيمن كان أسلم من قضاعة وسليم وناسًا أسلموا قبل ذلك، وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت بأسفل مكة، وبأسفل مكة بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناة وهذيل ومن كان معهم من الأحابيش قد استنصرت بهم قريش فأمرهم أن يكونوا بأسفل مكة، وبعث رسول اللَّه ﷺ سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول اللَّه وأمرهم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحدًا إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة: عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح، والحارث بن نقيد، وابن خطل، ومقيس بن صبابة، وأمرهم بقتل قينتين لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول اللَّه ﷺ فمرت الكتائب يتلو بعضها بعضًا على أبي سفيان وحكيم وبديل لا تمر عليهم كتيبة إلا سألوا عليها، حتى مرت عليهم كتيبة الأنصار فيها سعد بن عبادة، فنادى سعد أبا سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فلما مر رسول اللَّه ﷺ بأبي سفيان في المهاجرين قال: يا رسول اللَّه،
стр. 3680
أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. وإني ناشدك اللَّه في قومك. فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى سعد فعزله، وجعل الزبير مكانه على الأنصار مع المهاجرين فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون وغرز بها راية رسول اللَّه ﷺ واندفع خالد حتى دخل من أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فهزموا وقتل منهم قريب من عشرين رجلًا من هذيل ثلاثة -أو أربعة- فانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد وفر فضضهم حتى دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال واتبعهم المسلمون بالسيوف، ودخل رسول اللَّه ﷺ في المهاجرين الأولين في أخريات الناس، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده فهو آمن. فقالت له هند بنت عتبة امرأته: قبحك اللَّه من طليعة قوم، وقبح عشيرتك معك. وأخذت بلحيته ونادت: يا آل غالب، اقتلوا الشيخ الأحمق، هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم. قال: ويحك! اسكتي وادخلي بيتك؛ فإنه جاءنا [بالحق] (١). ولما علا رسول اللَّه ثنية كداء نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين، فقال: ما هذا وقد نهيت عن القتال؟ ! فقال المهاجرون: نظن أن خالدًا قوتل وبدئ بالقتال، فلما يكن له بد من أن يقاتل وما كان يا رسول اللَّه ليعصيك. فهبط رسول اللَّه ﷺ من الثنية فأجاز على الحجون، واندفع الزبير حتى وقف بباب الكعبة وذكر القصة، قال: وقال رسول اللَّه لخالد بن الوليد: قاتلت وقد نهيتك. قال: هم بدءونا بالقتال ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا بالنبل وقد كففت يدي ما استطعت. فقال رسول اللَّه ﷺ : قضاء اللَّه خير".
١٤٢٣٣ - إبراهيم بن عقيل بن معقل (د) (٢) عن أبيه، عن وهب "سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا".
١٤٢٣٤ - ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر "في قصة أبي قحافة وابنة له من أصغر ولده كانت تقوده يوم الفتح حتى إذا هبطت به إلى الأبطح لقيتها الخيل وفي عنقها، طوق لها من ورق فاقتطعه إنسان من عنقها فلما دخل
стр. 3681
رسول اللَّه المسجد خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه. . . فذكر إسلامه، ثم قال أبو بكر: فأخذ بيد أخته، فقال: أنشدكم باللَّه والإسلام طوق أختي. فواللَّه ما أجابه أحد، ثم قال الثانية، فما أجابه أحد، فقال: يا أخية، احتسبي طوقك، فواللَّه إن الأمانة اليوم في الناس لقليل" فهذا يدل على أنهم لم يغنموا شيئًا وأنها فتحت صلحًا، إذا لو فتحت عنوة لكانت وما معها غنيمة ولكان أبو بكر لا يطلب طوقها".
١٤٢٣٥ - يونس (خ م) (١) عن ابن شهاب، أخبري علي بن الحسين أن عمرو بن عثمان أخبره، عن أسامة بن زيد قال: "يا رسول اللَّه، أتنزل في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور. وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه على ولا جعفر شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين".
ما قسم من الدور والأرض في الجاهلية ثم أسلموا عليه
١٤٢٣٦ - الربيع، سألت الشافعي عن أهل الدار من أهل الحرب يلتمسون الدار ويملك بعضهم على بعض على ذلك القسم ويسلمون، ثم يريد بعضهم أن ينقض ذلك القسم ويقسمه على قسم الأموال؟ قال: ليس ذلك له. فقلت: وما الحجة في ذلك؟ قال: الاستدلال بمعنى الإجماع والسنة فذكر ما لا يؤاخذون به من قتل بعضهم بعضًا وسبي بعضهم بعضًا وغصب بعضهم بعضًا، ثم قال: مع أنه أنا مالك، عن ثور بن زيد (٢)، بلغني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام" قال: ونحن نروي فيه حديثًا أثبت من هذا بمعناه.
стр. 3682
١٤٢٣٧ - موسى بن داود (د ق) (١) ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم عليه، وكل قسم قسم في الإسلام فهو على ما قسم في الإسلام".
حفص بن عبد اللَّه، نا إبراهيم بن طهمان، عن مالك، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا كلفظ الشافعي.
قلت: إسناده قوي.
ترك مؤاخذة المشركين بما أصابوا
١٤٢٣٨ - جعفر بن محمد (م) (٢) عن أبيه، عن جابر في حجة الوداع أنه ﵇ قال في خطبته: "ألا وإن كل شيء كان من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل".
١٤٢٣٩ - يونس، عن ابن شهاب، أخبرني مسلم بن يزيد -أحد بني سعد بن بكر بن قيس- أنه أخبره أبو شريح الخزاعي "أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح لقوا رجلًا من هذيل كانوا يطلبونه بذحل في الجاهلية في الحرم يؤم رسول اللَّه ﷺ ليبايعه على الإسلام فقتلوه، فلما بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ غضب فسعت بنو بكر إلى أبي بكر وعمر يستشفعون بهم إلى رسول اللَّه ﷺ فلما كان العشي قام رسول اللَّه ﷺ في الناس فأثنى على اللَّه بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإن اللَّه حرم مكة ولم يحلها للناس -أو قال: ولم يحرمها الناس- وإنما أحلها لي ساعة من نهار، ثم هي حرام كما حرمها اللَّه أول مرة، وإن (أعداء) (٣) الناس على اللَّه ثلاثة: رجل قتل فيها، ورجل قتل غير قاتله، ورجل طلب بذحل في الجاهلية، وإني واللَّه لأدين هذا الرجل الذي أصبتم. قال أبو شريح: فوداه رسول اللَّه ﷺ ".
١٤٢٤٠ - ابن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب، عن حبيب بن أوس، حدثني عمرو بن العاص بقصة إسلامه، وفيه: "فقلت: يا رسول اللَّه، أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي -ولم أذكر ما تأخر- فقال لي: يا عمرو، بايع؛
стр. 3683
فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها. فبايعته".
١٤٢٤١ - سفيان (خ) (١) عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه "قال رجل: يا رسول اللَّه، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".
ابن نمير (م) (٢) عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه "قيل: يا رسول اللَّه، أنؤاخذ بما كنا نعمل في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ، ومن أساء أخذ بالأول والآخر" وإنما أراد في الآخرة فكأنه جعل الإيمان كفارة لما مضى من كفره وجعل العمل الصالح بعده كفارة لما مضى من ذنوبه سوى كفره.
قلت: بل مجرد الإِيمان يَجُبُّ كل ما قبله كما في الحديث الآخر وكما لو فعل كل قبيح ثم أسلم فمات في الحال لم يعاقب بقبائحه.
١٤٢٤٢ - معمر (خ م) (٣) عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام "قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت أمورًا كنت أتحنث بها في الجاهلية من عتاقة وصلة رحم، هل لي فيها من أجر؟ فقال له: أسلمت على ما سلف لك من خير".
الرجل يقع على مسبية قبل المقاسم
قال الشافعي: أخذ منه عقرها، ولا حد؛ للشبهة لأنه يملك شيئًا منها.
١٤٢٤٣ - يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قال رسول اللَّه ﷺ : "ادرءوا الحدود ما استطعتم؛ فإن وجدتم للمسلمين مخرجًا فخلوا سبيله؛ فإن الإمام إن يخطىء فى العفو خير من أن يخطىء في العقوبة" (٤).
قلت: يزيد واهٍ.
стр. 3684
قال: وفي ذلك عن عمر وابن مسعود وغيرهما، وأصح ذلك رواية عاصم عن زر، عن عبد اللَّه قوله، ومضى في الحدود.
١٤٢٤٤ - الثوري، نا ابن أبي خالد، عن أبي السرية "أن ابن عمر سئل عن جارية بين رجلين وقع عليها أحدهما، قال: هو خائن ليس عليه حد يقوم عليه قيمة" فهذا يحتمل أن يريد به تقويم البضع فيرجع إلى المهر، غير أن وكيعًا رواه عن إسماعيل، عن عمير بن نمير وهو اسم أبي السرية فقال: "سئل ابن عمر عن جارية كانت لاثنين فوق عليها أحدهما، فقال: ليس عليه حد يقوم عليه قيمتها ويأخذها" وهذا يحتمل أن يكون إذا أحبلها.
المرأة تسبى مع زوجها
قال الشافعي: سبى رسول اللَّه ﷺ سبي أوطاس وسبي بني المصطلق، وأسر من رجال هؤلاء وهؤلاء، وقسم السبي، فأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض، ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها، ولا هل سبي زوج مع امرأته ولا غيره.
١٤٢٤٥ - شريك، عن قيس بن وهب ومجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: "أصبنا سبايا يوم أوطاس، فقال رسول اللَّه ﷺ : لا توطأ حامل حتى تضع حملها، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" (١).
١٤٢٤٦ - ابن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيب، عن حنش الصنعاني قال: "غزونا مع رويفع الأنصاري أرض المغرب، فافتتح قرية فقام خطيبًا فقال: إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول فينا يوم خيبر، قام فينا ﵇ فقال: لا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره -يعني: إتيان الحبالى من الفيء- ولا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا أن يبيع مغنمًا حتى يقسم، ولا أن يركب دابة من الفيء حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا أن يلبس ثوبًا من الفيء حتى إذا أخلقه رده" (٢) كذا قال يونس بن بكير عنه يوم خيبر، وإنما هو يوم حنين، كذلك رواه غيره عن ابن إسحاق، وكذلك رواه غير ابن
стр. 3685
إسحاق. قال الشافعي: يدل على أن السباء نفسه انقطاع العصمة بين الزوجين، وذلك أنه لا يأمر بوطء ذات زوج بعد حيضة إلا وذلك قطع العصمة، وقد ذكر ابن مسعود "أن قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) ذوات الأزواج اللاتي ملكتموهن بالسباء". وعن ابن عباس نحوه كما مر في النكاح.
١٤٢٤٧ - ابن أبي عروبة (م) (٢) عن قتادة، عن أبي الخليل، أن أبا علقمة الهاشمي حدثه، أن أبا سعيد الخدري حدثه "أن رسول اللَّه ﷺ بعث سرية يوم حنين فأصابوا جيشًا من العرب يوم أوطاس فقاتلوهم وهزموهم، فأصابوا نساء لهن أزواج فكأن أناسًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ تأثموا من غشيانهن من أجل أزواجهن، فأنزل اللَّه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) فهن لكم حلال". وزاد يزيد بن زريع (م) (٢) عن سعيد في الحديث: "أي: فهن حلال لهم إذا انقضت عدتهن".
وطء السبايا بالملك قبل أن يخرجوا من دار الحرب
١٤٢٤٨ - محمد بن الزبرقان (م) (٣) عن موسى بن عقبة، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد قال: "أصبنا سبايا في سبي بني المصطلق فأردنا أن نستمتع وأن لا يلدن فسألنا عن ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: لا عليكم أن لا تفعلوا؛ فإن اللَّه قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة". قال الشافعي: عرس رسول اللَّه ﷺ بصفية بالصهباء - وهي غير بلاد الإسلام يومئذ.
стр. 3686
١٤٢٤٩ - يعقوب بن عبد الرحمن (خ م) (١) عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس "أن رسول اللَّه قال لأبي طلحة حين أراد الخروج إلى خيبر: التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني: فخرج أبو طلحة مردفي وأنا غلام قد راهقت، فكان إذا نزل خدمته، فسمعته كثيرًا ما يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وظلع الدين وغلبة الرجال. فلما فتح الحصن ذكر له جمال صفية وكانت عروسًا وقتل زوجها فاصطفاها رسول اللَّه لنفسه، فلما كنا بسد الصهباء حلت فبنى بها واتخذ حيسًا في نطع صغير وكانت وليمة فرأيته يُحوي لها بعباءة خلفه، ويجلس عند ناقته فيضع ركبته فتجيء صفية فتضع رجلها على ركبته ثم تركب، فلما بدا لنا أحد قال رسول اللَّه ﷺ : هذا جبل يحبنا ونحبه. فلما أشرف على المدينة قال: اللهم إن إبراهيم حرم مكة، اللهم وإني أحرم ما بين لابتيها، اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم". قال الشافعي: غزا رسول اللَّه المريسيع بامرأة -أو امرأتين- من نسائه والغزو بالنساء أولى لو كان فيه مكروه أن يتوقى.
بيع السبي وغيره في دار الحرب
١٤٢٥٠ - شيبان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "نهى رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن النساء الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن، وعن شرى المغنم حتى يقسم" سمعه عبيد اللَّه منه.
قلت: إِسناده جيد.
المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ نهى أن يوقع على الحبالى حتى يضعن حملهن، وقال: زرع غيرك. وعن بيع المغانم قبل أن تقسم، وعن أكل الحمر الإنسية، وعن كل ذي ناب من السباع". دليله أنها إذا قسمت جاز بيعها.
قلت: أخرجه (س) (٢) من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن
стр. 3687
عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد. فانظر إِلى غرابة هذا الإِسناد! !
التفريق بين الأم وولدها
١٤٢٥١ - عبد السلام بن حرب (د) (١) عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن الحكم، عن ميمون ابن أبي شبيب (٢)، عن علي "أنه باع جارية وولدها ففرق بينهما فنهاه رسول اللَّه ﷺ عن ذلك ورد البيع". قال (د): ميمون لم يدرك عليًّا.
عون بن سلام، عن أبي مريم، عن الحكم، عن ميمون (٢)، عن علي قال: "أصبت جارية معها ابن لها فأردت أن أبيعها وأمسكه، فقال لي النبي ﷺ : بعهما جميعًا أو أمسكهما جميعًا".
١٤٢٥٢ - جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده (٢) "أن أبا أسيد الأنصاري قدم بسبي من البحرين فصفوا، فقام رسول اللَّه ﷺ فنظر إليهم، فإذا امرأة تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: بيع ابني في عبس. فقال لأبي أسيد: لتركبن فلتجيئن به كما بعت بالثمن. فركب أبو أسيد فجاء به" مرسل.
١٤٢٥٣ - ابن وهب (ت) (٣) أخبرني حيي المعافري، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي أيوب الأنصاري سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فرق بين والدة وولدها، فرق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة".
قلت: حسنه الترمذي (٤).
أبو عتبة، نا بقية، نا خالد بن حميد، عن العلاء بن كثير، عن أبي أيوب الأنصاري سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فرق بين الولد وأمه فرق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة".
قلت: هو منقطع.
١٤٢٥٤ - ابن وهب، أنا ابن أبي ذئب، عن حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة، عن أبيه، عن جده "أن رسول اللَّه مر بأم ضميرة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ أجائعة أنت أم
стр. 3688
عارية؟ فقالت: فرق بيني وبين ابني. فقال: لا يفرق بين والدة وولدها. ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكرة".
قلت: حسين تركوه.
١٤٢٥٥ - ابن المبارك، عن أشعث، عن الشعبي (١) "أن عمر استهل شرحبيل بن السمط على المدائن وأبوه بالشام، فكتب إلى عمر: إنك تأمر أن لا يفرق بين السبايا وبين أولادهن، فإنك قد فرقت بيني وبين ابني. فكتب إليه، فألحقه بأبيه".
١٤٢٥٦ - وابن المبارك، عن معمر، عن أيوب "أمر عثمان بن عفان أن يشتري له رقيق وقال: لا يفرقن بين الوالد وولده".
قلت: هما منقطعان.
١٤٢٥٧ - الأشجعي، عن سفيان، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن حكيم بن عقال: "نهاني عثمان أن أفرق بين الوالد وولده في البيع".
١٤٢٥٨ - ابن أبي ذئب، عن رجل، عن سالم بن عبد اللَّه، عن ابن عمر قال: "لا يفرق بين الأمة وولدها في القسمة تقع. فقال له سالم: وإن لم يعتدل؟ قال: وإن لم يعتدل".
من قال لا يفرق بين الأخوين
١٤٢٥٩ - محمد بن الجهم ويحيى بن أبي طالب قالا: نا عبد الوهاب، أنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى أن عليًّا قال: "أمرني رسول اللَّه ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما وفرقت بينهما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعًا ولا تفرق بينهما" رواه الزعفراني، عن عبد الوهاب الخفاف، فقال: عن سعيد بدل شعبة. وأنا الحاكم، أنا عبد اللَّه ابن الخراساني، نا عبد اللَّه بن أحمد، حدثني أبي، نا عبد الوهاب، عن سعيد، عن رجل، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن علي، عن النبي نحوه. قال المؤلف: هذا أشبه وسائر أصحاب شعبة لم يذكروه عنه. محمد بن سواء، عن ابن أبي عروبة، عن رجل، عن الحكم بهذا.
أبو داود الطيالسي، نا حماد، عن حجاج، عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي قال: "وهب لي رسول اللَّه ﷺ غلامين أخوين، فبعت أحدهما. . . " الحديث.
стр. 3689
حجاج ليس بحجة، وحديث أبي خالد الدالاني الذي مر أولى.
١٤٢٦٠ - أبو بكر بن عياش، عن سليمان التيمي، عن طليق بن محمد، عن عمران ابن حصين قال رسول اللَّه ﷺ : "ملعون من فرق".
١٤٢٦١ - عبيد اللَّه بن موسى، نا إبراهيم بن إسماعيل، عن طليق بن عمران، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ "أنه لعن من فرق بين الوالد وبين ولده وبين الأخ وبين أخيه" إبراهيم ضعيف، وقد قيل عنه عن صالح بن كيسان، عن طليق بن عمران بن حصين ولم يذكر الأخ.
١٤٢٦٢ - الطيالسي، نا شيبان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد اللَّه "أن النبي ﷺ كان إذا أتي بالسبي أعطى أهل البيت جميعًا، وكره أن يفرق بينهم".
الطيالسي، نا أبو عوانة وشيبان وقيس كلهم عن جابر، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد اللَّه "أتي رسول اللَّه بسبي فجعل يعطي أهل البيت كما هم جميعًا وكره أن يفرق بينهم" جابر هو الجعفي تفرد به بالإسنادين معًا.
١٤٢٦٣ - الثوري، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فروخ، عن أبيه قال: "كتب عمر ﵁ أن لا يفرق بين أخوين مملوكين في البيع".
جواز ذلك في المميز
قال الشافعي: حتى يبلغ الولد سبع سنين أو ثمانيًا. وقاسه على وقت التخيير بين الأبوين. وقال في رواية حرملة: "حتى يبلغ".
١٤٢٦٤ - وفيه حديث واهٍ لعبد اللَّه بن عمرو الواقعي -متروك- ثنا سعيد بن عبد العزيز، سمع مكحولًا يقول: ثنا نافع بن محمود بن الربيع، عن أبيه، أنه سمع عبادة ابن الصامت يقول: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها، فقيل: يا رسول اللَّه، إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية". والواقعي رماه ابن المديني بالكذب.
بيع السبي من أهل الشرك
قال الشافعي: سبى رسول اللَّه ﷺ نساء بني قريظة وذراريهم وباعهم من المشركين، فاشترى أبو الشحم اليهودي أهل بيت عجوزًا وولدها من النبي ﷺ وبعث بما بقي من السبي أثلاثًا إلى تهامة وإلى نجد وإلى طريق الشام فبيعوا بالخيل والسلاح والإبل والمال.
стр. 3690
ابن إسحاق في قصة قريظة قال: "ثم بعث رسول اللَّه سعد بن زيد -أخا بني عبد الأشهل- سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلًا وسلاحًا". قال الشافعي: وكذلك النساء البوالغ قد استوهب رسول اللَّه جارية بالغًا من أصحابه ففداها برجلين.
١٤٢٦٥ - عكرمة بن عمار (م) (١) حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه قال: "خرجنا مع أبي بكر -أُمِّرَ علينا- فغزونا فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما أصبحنا أمرنا فشننا الغارة، فنزلنا على الماء فنظرت إلى عنق من الناس فيهم الذرية والنساء، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فقاموا فجئت أسوقهم إلى أبي بكر وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب فنفلني أبو بكر ابنتها، فما كشفت لها ثوبًا حتى قدمت المدينة ولم أكشف لها ثوبًا، ولقيني رسول اللَّه ﷺ في السوق فقال: هب لي المرأة. فقلت: يا رسول اللَّه، لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا. فسكت وتركني حتى إذا كان من الغد قال لي: يا سلمة، هب لي الجارية، للَّه أبوك. قلت: يا رسول [اللَّه] (٢) لقد أعجبتني، واللَّه ما كشفت لها ثوبًا، وهي لك يا رسول اللَّه. فبعث بها إلى أهل مكة، ففدى بها رجالًا من المسلمين بأيديهم" قال الشافعي: أرأيت [صلة] (٣) أهل الحرب بالمال وإطعامهم الطعام، أليس بأقوى لهم في كثير من الحالات من بيع عبد أو عبدين منهم، فقد أذن رسول اللَّه ﷺ لأسماء بنت أبي بكر فقالت: "إن أمي أتتني وهي راغبة في عهد قريش أفأصلها؟ قال: نعم".
١٤٢٦٦ - أناه سفيان (خ م) (٤) عن هشام، عن أبيه، عن أمه أسماء قالت: "أتتني أمي راغبة في عهد قريش، فسألت رسول اللَّه: أصلها؟ قال: نعم. قال: وأذن لعمر فكسا قرابة".
١٤٢٦٧ - مالك (خ م) (٥) عن نافع، عن عبد اللَّه "أن عمر رأى حلة سيراء عند باب
стр. 3691
المسجد فقال: يا رسول اللَّه، لو اشتريت هذه فتلبسها يوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك. فقال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة. ثم جاء رسول اللَّه ﷺ منها حلل فأعطى عمر منها حلة، فقال: كسوتنيها يا رسول اللَّه وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ ! فقال: إني لم أكسكها لتلبسها فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة" قال الشافعي: وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (١).
١٤٢٦٨ - عبد الرحمن بن زياد، عن شعبة، عن عثمان البتي، عن الحسن " ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (١) قال: كانوا من أهل الشرك".
الولد تبع لأبويه حتى يعرب عنه لسانه
١٤٢٦٩ - أبان، عن قتادة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع "أن رسول اللَّه ﷺ بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا قال النبي ﷺ : ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول اللَّه، إنما كانوا أولاد مشركين. قال: وهل خياركم إلا أولاد المشركين، والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها" (٢). قال الشافعي: في رواية أبي عبد الرحمن عنه: هي الفطرة التي فطر اللَّه عليها الخلق فجعلهم ما لم يفصحوا بالقول لا حكم لهم في أنفسهم إنما الحكم لهم بآبائهم.
قلت: هذا قد يحتج به المخالف للشافعي.
الحميل لا يورث إذا عتق حتى تقوم بنسبه البينة
قال النبي ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
١٤٢٧٠ - حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس "أن عمر كان لا يورث الحميل".
أشعث بن سوار، عن الشعبي (٣) "أن عمر كتب إلى شريح أن لا يورث الحميل إلا ببينة وإن جاءت به في خرقها".
الثوري، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح قال: "كتب إلى عمر لا يورث الحميل إلا ببينة". والثوري، عن ابن أبجر، عن الشعبي، عن شريح مثله.
стр. 3692
١٤٢٧١ - يزيد بن هارون، أنا حجاج، عن الزهري (١) "أن عثمان استشار الصحابة في الحميل فقالوا فيه، فقال: ما نرى أن يورث مال اللَّه إلا بالبينات".
وأنا حجاج، عن حجيب بن أبي ثابت أن عثمان قال: "لا يورث الحميل إلا ببينة". هذه كلها ضعيفة.
قلت: بل طريق ابن أبجر -وهو عبد الملك- صحيح. والحميل هو المحمول طفلًا من بلد آخر.
المبارزة
قال الشافعي: "لا بأس بها قد بارز يوم بدر عبيدة وحمزة وعلي".
قلت: بل هي من أفضل الجهاد.
١٤٢٧٢ - هشيم (خ م) (٢) عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد: "سمعت أبا ذر يقسم أن هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٣) في الذين برزوا يوم بدر حمزة، وعلي وعبيدة بن الحارث، وفي عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة".
ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي هاشم. . . فذكره، وزاد فيه: "اختصموا في الحج يوم بدر".
١٤٢٧٣ - إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن علي: "في قصة بدر قال: فبرز عتبة وأخوه وابنه الوليد حمية فقال: من يبارز؟ فخرج من الأنصار شيبة فقال عتبة: لا نريد هؤلاء ولكن نبارز من بني عمنا من بني عبد المطلب فقال رسول اللَّه ﷺ : قم يا علي، قم يا حمزة، قم يا عبيدة. فقتل اللَّه عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة بن الحارث، فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين".
١٤٢٧٤ - ابن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة ح قال: وحدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر وعبد اللَّه بن أبي بكر وغيرهم، فذكروا قصة بدر وفيها: "ثم خرج عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة فدعوا إلى البراز فخرج إليهم
стр. 3693
فتية من الأنصار ثلاثة فقالوا: من أنتم؟ قالوا رهط من الأنصار قالوا: ما بنا إليكم حاجة ثم بادر مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول اللَّه ﷺ : قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة. فلما قاموا ودنوا منهم فقالوا: ممن أنتم؟ فأخبروهم فقال: نعم أكفاء كرام. فبارز عبيدة عتبة فاختلفا ضربتين كلاهما أثبت صاحبه وبارز حمزة شيبة فقتله مكانه، وبارز علي الوليد فقتله، ثم كرّا على عتبة فدفعا عليه واحتملا صاحبهما فجازوه إلى الرحل". قال الشافعي: "وبارز محمد بن مسلمة مرحبًا بأمر النبي ﷺ وبارز يومئذ الزبير ياسرًا".
١٤٢٧٥ - ابن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن سهل، عن جابر بن عبد اللَّه قال: "خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : من لهذا؟ فقال محمد: أنا له يا رسول اللَّه، أنا واللَّه الموتور الثائر قتلوا أخي بالأمس. قال: قم إليه، اللهم أعنه عليه. . . " فذكر الحديث. وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. قال ابن إسحاق: "وخرج ياسر فبرز له الزبير فقالت صفية لما خرج إليه الزبير: يا رسول اللَّه، يقتل ابني! قال: بل ابنك يقتله إن شاء اللَّه. فخرج الزبير وهو يرتجز، ثم التقيا فقتله الزبير، قال: وكان ذكر أن عليًّا هو قتل ياسرًا". كذا في هذه الرواية أن ابن مسلمة هو قتل مرحبًا.
١٤٢٧٦ - وقال عكرمة بن عمار (م) (١) حدثني إياس بن سلمة، حدثني أبي قال: "قدمنا مع رسول اللَّه ﷺ . . . " الحديث. وفيه: "فأرسل إلى علي يدعوه وهو أرمد، فقال: لأعطين الراية اليوم رجلًا يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله. قال: فجئت به أقوده، فبصق رسول اللَّه في عينيه فبرأ فأعطاه الراية، فبرز مرحب وهو يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال: فبرز له علي وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
فضرب مرحبًا ففلق رأسه، فقتله وكان الفتح".
١٤٢٧٧ - يونس بن بكير، عن المسيب بن مسلم الأزدي، نا عبد اللَّه بن بريدة، عن
стр. 3694
أبيه. . . فذكر قصة خيبر وخروج مرحب وقول علي بمعناه، وقال: "أكيلهم بالصاع كيل السندره. فاختلفا ضربتين فبدره على فضربه فقدّ الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأضراس وأخذ المدينة".
حسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: "لما كان يوم خيبر. . . " فذكر بعض القصة قال: ثم دعا باللواء فدعا عليًّا وهو يشتكي عينيه فمسحهما، ثم دفع إليه اللواء ففتح له، فسمعت ابن بريدة يقول: حدثني أبي أنه كان صاحب مرحب".
١٤٢٧٨ - حسين بن حسن الأشقر، عن أبي قابوس، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: "جئت رسول اللَّه برأس مرحب". قال الشافعي: "وبارز يوم الخندق عليّ عمرو بن عبد ود".
ابن إسحاق قال: "وخرج يوم الخندق عمرو بن عبد ود فنادى: من يبارز؟ فقام عليّ وهو مقنع في الحديد فقال: أنا يا نبي اللَّه، فقال: إنه عمرو، اجلس ونادى عمرو: ألا رجل -وهو يؤنبهم- ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا يبرز إليّ رجل؟ فقام علي فقال: أنا يا رسول اللَّه. فقال: اجلس. ثم نادى الثالثة وذكر شعرًا، فقام علي فقال: يا رسول اللَّه، أنا. قال: إنه عمرو. قال: وإن كان عمرًا. فأذن له رسول اللَّه، فمشى إليه حنى أتاه وذكر شعرًا فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك؛ فإني أكره أن أهريق دمك. فقال علي: ولكني واللَّه ما أكره أن أهريق دمك. فغضب فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبًا واستقبله علي بدرقته فضربه عمرو في الدرقة فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه عليّ على حبل العاتق فسقط وثار العجاج، وسمع رسول اللَّه ﷺ التكبير فعرف أن عليًّا قد قتله".
ما جاء في نقل الرءوس
١٤٢٧٩ - ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عُلَي بن رباح، عن عقبة بن عامر "أن عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بعثا عقبة بريدًا إلى أبي بكر الصديق برأس يَنَّاقَ بطريق الشام، فلما قدم على أبي بكر أنكر ذلك، فقال له عقبة: يا خليفة رسول اللَّه، فإنهم يصنعون ذلك بنا. قال: فاستنان بفارس والروم؟ ! لا يحمل إليّ رأس؛ فإنما يكفي الكتاب والخبر".
стр. 3695
١٤٢٨٠ - ابن المبارك، عن ابن لهيعة، حدثني الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، سمعت معاوية بن حديج يقول: "هاجرنا على عهد أبي بكر، فبينا نحن عنده إذ طلع المنبر وقال: إنه قدم علينا برأس يناق البطريق ولم يكن لنا به حاجة، إنما هذه سنة العجم".
١٤٢٨١ - ابن المبارك، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري (١) "أن أبا بكر أتي برأس، فقال: بغيتم".
١٤٢٨٢ - ابن المبارك، عن معمر، حدثني صاحب لنا، عن الزهري (١) قال: "لم يحمل النبي ﷺ رأس إلى المدينة قط ولا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر رأس فكره ذلك، قال: وأول من حملت إليه الرءوس ابن الزبير".
١٤٢٨٣ - أبو داود في المراسيل (٢) من حديث بشير بن عقبة، عن أبي نضرة (١) قال: "لقي النبي ﷺ العدو فقال: من جاء برأس فله على اللَّه ما تمنى فجاء رجلان برأس فاختصما فيه، فقضى به لأحدهما" فما فيه نقل الرءوس من بلد إلى بلد.
ولا يباع مقتول
١٤٢٨٤ - الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس "أن المسلمين أصابوا رجلًا من عظماء المشركين فسألوهم أن يشتروه، فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوا جيفة مشرك" (٣).
حماد بن سلمة، أنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس "أن رجلًا من المشركين قتل يوم الأحزاب، فبعث المشركون إلى رسول اللَّه: ابعث إلينا جسده ونعطيك اثني عشر ألفًا. فقال: لا خير في جسده ولا في ثمنه".
أرض السواد
قال الشافعي: لا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا ظنًّا مقرونًا إلى علم، وأصح ما للكوفيين حديث ليس فيه بيان، وثم أحاديث تخالفه منها أنهم يقولون: السواد صلح ويقولون: السواد عنوة، ويقولون: بعضه عنوة.
١٤٢٨٥ - يحيى بن آدم، ثنا أبو زبيد، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: "السواد منه صلح ومنه عنوة، فما كان منه عنوة فهو للمسلمين، وما كان منه صلحًا فلهم أموالهم".
стр. 3696
١٤٢٨٦ - يحيى، عن الحسن بن صالح، عن منصور، عن عبيد أبي الحسن المزني، عن عبد اللَّه بن معقل قال: "لا تباع أرض دون الجبل إلا أرض بني صلوبًا وأرض الحيرة؛ فإن لهم عهدًا" قال الحسن بن صالح: كنا نسمع أن ما دون الجبل فما وراءه صلح.
يحيى، نا شريك، عن الحجاج، عن الحكم، عن ابن معقل قال: "ليس لأهل السواد عهد إلا أرض الحيرة واللُّيّس وبانِقيا. قال شريك: أهل بانقيا كانوا دلوا جرير بن عبد اللَّه على مخاضة، وأهل اللُّيّس كانوا أنزلوا أبا عبيد ودلوه على شيء".
١٤٢٨٧ - يحيى، ثنا حسن بن صالح، عن أشعث، عن الشعبي قال: "صالح خالد ابن الوليد أهل الحيرة وأهل عين التمر، وكتب بذلك إلى أبي بكر فأجازه" قال يحيى: قلت للحسن: فأهل عين التمر مثل أهل الحيرة؟ إنما هو شيء عليهم وليس على أرضهم شيء. قال: نعم. ثم نا عن الأسود بن قيس، عن أبيه قال: "انتهينا إلى أهل الحيرة فصالحناهم على ألف درهم ورحل. قلت لأبي: ما صنعتم بذلك الرحل؟ قال: صاحب لنا لم يكن له رحل". كذا في كتابي "ألف رهم" وقال غيره: "بعين ألف درهم".
١٤٢٨٨ - يحيى، عن حسن بن صالح، عن مجالد قال: "أهل الحيرة إنما صولحوا على مال يقتسمونه بينهم وليس على رءوس الرجال شيء".
١٤٢٨٩ - يحيى، نا عبد الرحيم، عن أشعث، عن الحكم قال: "كانوا يرخصون أن يشتروا من أرض الحيرة من أجل أنهم صلح".
١٤٢٩٠ - علي، نا الحسن، عن جابر، عن الشعبي قال: "لأهل الأنبار عهد - أو قال: عقد".
١٤٢٩١ - يحيى، نا إسرائيل، عن جابر، عن عامر: "ليس لأهل السواد عهد إنما نزلوا على حكم".
يحيى، نا الصلت بن عبد الرحمن، عن محمد قيس الأسدي، عن الشعبي: "أنه سئل في زمن عمر بن عبد العزيز عن أهل السواد ألهم عهد؟ قال: لا. فلما رضي منهم بالخراج صار لهم العهد".
١٤٢٩٢ - يحيى، نا حسن، عن ابن أبي ليلى قال: "قد رد إليهم عمر أرضيهم وصالحهم على الخراج".
١٤٢٩٣ - ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: "كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق: قد بلغني كتابك تذكر أنهم سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء اللَّه عليهم، فإذا جاءك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس عليك إلى العسكر من كراع أو
стр. 3697
مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين والأنهار لعمالها، فيكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء".
إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن عمر: "أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين وأمرهم أن يحصوا، فوجد الرجل المسلم يصيبه ثلاثة من الفلاحين -يعني: العلوج- فشاور أصحاب النبي ﷺ في ذلك، فقال علي: دعهم يكونون مادة للمسلمين. فبعث عثمان ابن حنيف فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر".
ابن المبارك، عن عبد اللَّه بن الوليد بن عبد اللَّه بن معقل، حدثني عبد الملك بن أبي حرة، عن أبيه قال: "أصفى عمر من هذا السواد عشرة أصناف: أصفى أرض من قتل في الحرب -يعني: من المجوس- ومن هرب من المسلمين -يعني: إليهم- وكل أرض لكسرى أو لأهله، وكل مغيض ماء، وكل دير بريد، ونسي الباقي قال: وكان خراج من أصفى سبعة آلاف ألف، فلما كانت الجماجم أحرق الناس الديوان وأخذ كل قوم ما يليهم".
١٤٢٩٤ - قيس بن الربيع، عن رجل من بني أسد، عن أبيه قال: "أصفى حذيفة أرض كسرى، وأرض آله، ومن كان كسرى أصفى أرضه وأرض من قتل ومن هرب، والآجام، ومغيض الماء".
١٤٢٩٥ - قيس، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة الحماني قال: "دخلنا على علي بالرحبة فقال: لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم". يحيى، نا عمرو بن أبي المقدام، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد، عن علي نحوه.
يحيى، عن قران الأسدي، عن أبي سنان الشيباني، عن عبيدة، عن علي قال: "لقد هممت أن أقسم السواد".
١٤٢٩٦ - قال الشافعي: أنا الثقة، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير قال: "كانت بجيلة ربع الناس فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث سنين، ثم قدمت على عمر ومعي فلانة بنت فلانة -امرأة منهم- فقال عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم، ولكن أرى أن تردوا على الناس". قال الشافعي: وكان في حديثه: "وعاضني في حقي فيه نيفًا وثمانين دينارًا، فقالت فلانة: شهد أبي القادسية و (بدت) (١) سهمه ولا أسلمه حتى تعطيني كذا وكذا. فأعطاه إياه". رواه ابن عيينة، عن إسماعيل. ورواه هشيم، عن إسماعيل، وأن المرأة أم كرز وأنها قالت: "لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول وعليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبًا. ففعل ذلك وكانت الدنانير نحوًا من
стр. 3698
ثمانين دينارًا". ورواه ابن المبارك، عن إسماعيل بنحو منه.
يحيى بن آدم، نا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل، عن قيس قال: "كنا ربع الناس يوم القادسية فأعطانا عمر ربع السواد فأخذناه ثلاث سنين، ثم وفد جرير إلى عمر فقال: أما واللَّه لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما قسم لكم، فأرى أن تردوه على المسلمين. ففعل وأجازه بثمانين دينارًا".
عبد السلام بن حرب، عن إسماعيل، عن قيس قال: "أعطى عمر جريرًا وقومه ربع السواد، فأخذه سنتين أو ثلاثًا، ثم إن جريرًا وفد فقال له عمر: لولا أني مسئول لكنتم على ما كنتم عليه، ولكن أرى تردوه على المسلمين. فرده عليهم وأعطاه عمر ثمانين دينارًا".
حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي (١): "قال عمر لجرير: هل لك أن تأتي العراق ولك الربع أو الثلث بعد الخمس من كل أرض وشيء". فهذا منقطع. قال الشافعي: فيه دليل أنه أعطى جريرًا عوضًا من سهمه والمرأة عوضًا من سهمها من أبيها، استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه فتركوا حقوقهم منه فجعله وقفًا للمسلمين، وهذا حلال للإمام لو افتتح اليوم أرض عنوة فأحصى من يفتحها وطابوا أنفسًا عن حقوقهم منها أن يجعلها وقفًا وحقوقهم منهم الأربعة الأخماس، ويوفي أهل الخمس حقهم إلا أن يدع البالغون منهم حقوقهم. قال: والحكم في الأرض كالحكم في المال، وقد سبى النبي ﷺ هوازن وقسم أربعة الأخماس، ثم جاءت هوازن مسلمين فسألوه أن يرد عليهم، فخيرهم بين الأموال والسبي، فاختاروا السبي، فترك رسول اللَّه ﷺ لهم حقه وحق أهل بيته، وسمع بذلك المهاجرون فتركوا حقوقهم والأنصار كذلك، وبقي قوم من المهاجرين الآخرين والفتحيين وأمر فعرف على كل عشرة واحد ثم قال: ائتوني بطيب أنفس من بقي، فمن كره فله على كذا وكذا من الإبل إلى وقت ذكره. فجاءوه بطيب أنفسهم إلا عيينة والأقرع فأبيا ليعيرا هوازن، فلم يكرههما رسول اللَّه حتى كانا هما تركا بعد، وهذا أولى الأمور بعمر عندنا في السواد وفتوحه إن كانت عنوة.
١٤٢٩٧ - ابن عيينة، عن ابن أبي خالد، عن قيس، عن عدي بن حاتم قال رسول اللَّه ﷺ : "مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب، وإنكم ستفتحونها. فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه، هب لي ابنة بقيلة قال: هي لك. فأعطوه إياها فجاء أبوها فقال: أتبيعها؟ قال: نعم. قال: بكم؟ احكم ما شئت. قال: ألف درهم. قال: قد أخذتها. قالوا له: لو قلت ثلاثين ألفًا لأخذها (٢). قال: وهل عدد أكثر من ألف؟ ". تفرد ابن أبي عمر العدني
стр. 3699
بهذا، عن سفيان. ورواه غيره، عن سفيان، عن علي بن جدعان (١). والمشهور هذا عن خريم بن أوس وهو الذي جعل له رسول اللَّه ﷺ هذه المرأة (٢).
قدر الخراج الذي وضع على السواد
١٤٢٩٨ - ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن لاحق بن حميد (١) قال: "لما بعث عمر عمارًا وابن مسعود وعثمان بن حنيف إلى الكوفة، بعث عمارًا على الصلاة والجيوش، وبعث ابن مسعود على القضاء وبيت المال وبعث عثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وجعل بينهم كل يوم شاة شطرها وسواقطها لعمار والنصف بين هذين، ثم قال: أنزلتكم وإياي من هذا المال كمنزلة والي اليتيم، من كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، وما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا كان ذلك سريعًا في خرابها قال: فوضع ابن حنيف على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل -أظنه قال: ثمانية- وعلى جريب القضب (٢) ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وعلى كل رأس منهم أربعة وعشرين كل سنة، وعطل من ذلك النساء والصبيان، وفيما يختلف به من تجاراتهم نصف العشر، ثم كتب بذاك إلى عمر فرضي به، وقيل لعمر: كيف تأخذ من تجار الحرب إذا قدموا علينا؟ فقال: كيف يأخذون منكم إذا أتيتم بلادهم؟ قالوا: العشر. قال: فكذلك خذوا منهم". لفظ روح بن عبادة عنه. ورواه يزيد بن زريع عنه. وفيه: "وعلى جريب التمر ثمانية" ولم يشك.
وكيع، عن أبي ليلى، عن الحكم: "أن عمر بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد فوضع على كل جريب عامر -أو غامر- حيث يناله الماء قفيزًا ودرهمًا -قال وكيع: يعني: الحنطة والشعير- ووضع على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطاب خمسة".
وكيع، عن علي بن صالح، عن أبان بن تغلب، عن رجل، عن عمر "أنه وضع على النخل على الدقلتين درهمًا وعلى الفارسية درهمًا".
стр. 3700
١٤٢٩٩ - زهير بن معاوية (م) (١) عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال رسول اللَّه ﷺ : "منعت العراق [درهمها] (٢) وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم. شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه". فقد ذكر الرسول ﵇ القفيز والدرهم قبل أن يضعه عمر على الأرض.
من رأى قسمة الأرض المغنومة ومن لم يرها
١٤٣٠٠ - أبو إسحاق الفزاري (خ) (٣) عن مالك، حدثني ثور، حدثني سالم مولى ابن مطيع أنه سمع أبا هريرة يقول: "افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبًا ولا فضة؛ إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له: مدعم، وهبه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول اللَّه ﷺ إذ جاءه سهم غائر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة. فقال رسول اللَّه ﷺ : بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا. فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك -أو شراكين- فقال: هذا شيء كنت أصبته. فقال رسول اللَّه ﷺ : شراك -أو شراكان- من نار".
١٤٣٠١ - حماد بن سلمة (د) (٤) أنا عبيد اللَّه بن عمر -فيما يحسب حماد- عن نافع، عن ابن عمر "أن رسول اللَّه قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال: رسول اللَّه ﷺ لعم حيي: ما فعل مسك حيي
стр. 3701
الذي جاء به من النضير؟ فقال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك. فدفعه رسول اللَّه إلى الزبير فمسه بعذاب وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة فقال: قد رأيت حيي يطوف في خربة هاهنا فذهبوا وطافوا فوجدوا المسك في الخربة فقتل رسول اللَّه ابني أبي حقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي، وسبى رسول اللَّه ﷺ نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها فقالوا: دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها. ولم يكن لرسول اللَّه ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء ما بدا لرسول اللَّه ﷺ وكان عبد اللَّه بن رواحة (١) يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول اللَّه شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء اللَّه تطعموني السحت! واللَّه لقد جئتكم من عند أحب الناس إلى ولأنتم أبغض إلى من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل بينكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. قال: ورأى رسول اللَّه بعين صفية خضرة، فقال: ما هذه؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن حقيق وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرًا وقع في حجري، فأخبرته بذلك، فلطمني وقال: تمنين ملك يثرب؟ ! قالت: وكان رسول اللَّه من أبغض الناس إلى، قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إليّ ويقول: إن أباك ألب عليَّ العرب، وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي. وكان رسول اللَّه يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر كل عام وعشرين وسقًا من شعير، فلما كان زمن عمر غشَّوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم من خيبر، فليحضر حتى نقسمها بينهم. فقسمها بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول اللَّه وأبو بكر. فقال لرئيسهم: أتراه سقط عني قول رسول اللَّه ﷺ : كيف بك إذا رقصت راحلتك بك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا. وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية".
стр. 3702
١٤٣٠٢ - أبو شهاب (د) (١) عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار "أنه سمع نفرًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا: إن رسول اللَّه حين ظهر على خيبر فقسمها على ستة وثلاثين سهمًا جمع كل سمهم مائة سهم، فكان النصف سهامًا للمسلمين وسهم رسول اللَّه وعزل النصف للمسلمين لما [ينوبهم] (٢) من الأمور والنوائب". رواه يحيى بن آدم في الخراج عنه.
قلت: وتابعه ابن فضيل عن يحيى، وقال سلمان بن بلال وأبو خالد، عن يحيى، عن بشير مرسلًا.
قال المؤلف: "افتتح رسول اللَّه ﷺ بعضها عنوة وبعضها صلحًا، فما قسم بينهم هو ما افتتحه عنوة وما تركه لنوائبه هو ما أفاء اللَّه عليه مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب".
١٤٣٠٣ - جويرية (د) (٣) عن مالك، عن الزهري، أخبرني ابن المسيب (٤): " (أن) (٥) رسول اللَّه ﷺ افتتح بعض خيبر عنوة".
ابن مهدي (خ) (٦) عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر قال: "لولا آخر المسلمين ما افتتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول اللَّه خيبر".
١٤٣٠٤ - هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه سمع عمر يقول: "لولا أني أترك الناس (ببّانًا) (٧) لا شيء لهم ما فتحتْ قريةٌ إلا قسمناها كما قسم رسول اللَّه خيبر". قال المؤلف: هذا عندنا على أنه إذ لم يقسم كان يستطيب قلوبهم ثم يقفها للمسلمين نظرًا لهم.
١٤٣٠٥ - جرير بن حازم، سمعت نافعًا (٤) يقول: "أصاب الناس فتح بالشام فيهم بلال -وأظنه ذكر معاذًا- فكتبوا إلى عمر إن هذا الفيء الذي أصبنا لك خمسه ولنا ما بقي ليس لأحد منه شيء كما صنع النبي ﷺ فكتب عمر: إنه ليس على ما قلتم ولكني أقفها
стр. 3703
للمسلمين. فراجعوه الكتاب وراجعهم، يأبون ويأبى، فلما أبوا قام عمر فدعا عليهم فقال: اللهم اكفني بلالًا وأصحاب بلال فما حال الحول عليهم حتى ماتوا جميعًا". فقوله: "إنه ليس على ما قلتم" لم يرد ما احتجوا به من قسمه خيبر، فقد ثبت عن عمر أن رسول اللَّه قسمها، فلعله يريد ليست المصلحة فيما قلتم بل المصلحة وقفها وجعل يأبى قسمتها لما يرجو من تطييبهما ويأبون لما لهم من الحق فلما أبوا لم يبرم عليهم الحكم بإخراجها من أيديهم ووقفها لكن دعا عليهم حيث خالفوه، فلو وافقوه وافقه أفناء الناس. والحديث مرسل، وقد مر في كتاب القسم في فتح مصر أنه رأى ذلك ورأى الزبير قسمتها كما قسم رسول اللَّه خيبر.
١٤٣٠٦ - نوح أبو قراد، نا مرجا بن رجاء، عن أبي سلمة، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما قرية افتتحها اللَّه ورسوله فهي للَّه ولرسوله، وأيما قرية افتتحها المسلمون عنوة فخمسها للَّه ورسوله وبقيتها لمن قاتل عليها". أبو سلمة هو حماد بن سلمة أو هو صاحب الطعام، ومر في حديث همام، عن أبي هريرة.
الأرض إذا كانت صلحًا فرقابها لأهلها وعليها خراج يؤدونه فأخذها منهم مسلم بكراء
قال الشافعي: لا بأس كما نستأجر منهم إبلهم وبيوتهم ورقيقهم وما دفع إليهم أو إلى السلطان بوكالتهم، فليس بصغار عليه إنما هو دين عليه يؤديه، والحديث الذي يروى "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي خراجًا، ولا لمشرك يدخل المسجد الحرام إنما هو خراج الجزية" وقد اتخذ أرض الخراج قوم من أهل الورع، وكرهه قوم.
١٤٣٠٧ - ثنا هارون بن محمد (د) (١) نا ابن سميع، نا زيد بن واقد، حدثني أبو عبد اللَّه (٢)، عن معاذ قال: "من عقد الجزية في عنقه فقد برئ مما عليه رسول اللَّه ﷺ ".
١٤٣٠٨ - بقية (د) (٣) نا عمارة بن أبي الشعثاء، حدثني سنان بن قيس، حدثني شبيب ابن نعيم، حدثني يزيد بن خمير، حدثني أبو الدرداء قال رسول اللَّه: "من أخذ أرضًا
стр. 3704
بجزيتها فقد استقال هجرته، ومن نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه فقد ولى الإسلام ظهره قال سنان: فسمع من خالد بن معدان هذا الحديث، فقال لي: أشبيب حدثك؟ قلت نعم. قال: فإذا قدمت فسله فليكتب إلي بالحديث. قال: فكتب له، فلما قدمت سألني ابن معدان القرطاس فأعطيته، فلما قرأه ترك ما في يده من الأرض حين سمع ذلك" قال أبو داود: هذا يزيد بن خمير اليزنى ليس هو صاحب شعبة. قال المؤلف: إسنادهما شامي، والبخاري ومسلم لم يحتجا بمثلهما.
قلت: الأول منقطع، وعمارة لا أعرفه وشيخه وثق.
١٤٣٠٩ - شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، سمعت ابن عباس: "وسأله رجل فقال: إني أكون بالسواد فأتقبل ولا أريد أن أزداد؛ إنما أريد أن أدفع عن نفسي قتلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. . .﴾ (١) إلى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) لا تنزع الصغار من أعناقهم فتجعله في عنقك". رواه حجاج وأبو الوليد عنه.
١٤٣١٠ - ابن وهب، أخبرني عبد اللَّه بن عمر، عن نافع: "أن عبد اللَّه كان إذا سئل عن الرجل من أهل الإسلام يأخذ الأرض من أهل الذمة بما عليها من الخراج يقول: لا يحل لمسلم أن يكتب على نفسه الذل والصغار".
ابن المبارك، عن جعفر بن برقان، عن ميمون، عن ابن عمر قال: "ما يسرني أن الأرض كلها لي بجزية خمسة دراهم أقر فيها بالصغار على نفسي".
١٤٣١١ - الثوري، عن جابر، عن القاسم (٢)، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "من أقر (بالطسق) (٣) فقد أقر بالصغار".
من كره شراء أرض الخراج
١٤٣١٢ - ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سفيان العقيلي، عن أبي عياض، عن عمر قال: "لا تشتروا رقيق أهل الذمة، فإنهم أهل خراج يؤدي بعضهم عن بعض، وأرضيهم فلا تبتاعوها ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ نجاه اللَّه منه" قال أبو عبيد: أراد أنه إذا كانت له مماليك وأرض وأموال ظاهرة كانت أكثر لجزيته، وهكذا كانت سنة عمر فيهم إنما كان
стр. 3705
يضع الجزية على قدر اليسار والعسر، فلهذا كره أن يشتري رقيقهم، وأما شراء الأرض، فإنه ذهب فيه إلى الخراج كره أن يكون ذلك على المسلمين، ألا تراه يقول: ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ نجاه اللَّه منه". ورخص في ذلك رجال من الصحابة منهم ابن مسعود كانت له براذان، وخباب بن الأرت وغيرهما.
١٤٣١٣ - ابن أبي عروبة، عن قتادة (١)، عن علي: "كان يكره أن يشتري من أرض الخراج شيئًا ويقول: عليها خراج المسلمين".
١٤٣١٤ - زهير بن معاوية، عن كليب بن وائل "قلت لابن عمر: اشتريت أرضًا، قال: الشراء حسن. قلت: فإني أعطي من كل جريب أرض درهمًا وقفيزًا من طعام. قال: فلا تجعل في عنقك صغارًا".
من رخص في شرائها
١٤٣١٥ - أبو معاوية، عن حجاج، عن القاسم بن عبد الرحمن (١) قال: "اشترى عبد اللَّه أرضًا من أرض الخراج فقال له صاحبها -يعني دهقانها-: أنا أكفيك إعطاء خراجها والقيام عليها".
١٤٣١٦ - مجالد، عن الشعبي (١): "اشترى عبد اللَّه أرض خراج من دهقان وعلى أن يكفيه خراجها".
١٤٣١٧ - حسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى (١): "اشترى الحسن بن علي ملحة أو ملحًا واشترى الحسين (شريدين) (٢) من أرض الخراج وقال: قد رد إليهم عمر أرضهم وصالحهم على الخراج الذي وضعه عليهم".
١٤٣١٨ - عباد بن العوام، عن الحجاج، عن عبد اللَّه بن حسن (١): "أن الحسن والحسين اشتريا قطعة من أرض الخراج".
١٤٣١٩ - عباد، عن الحجاج (١): "بلغنا أن حذيفة اشترى قطعة عن أرض الخراج".
١٤٣٢٠ - يحيى بن آدم، حدثني عبد الرحيم، عن أشعث، عن الحكم، عن شريح: "أنه اشترى أرضًا من أرض الحيرة يقال لها زَبّا. قال الحكم: كانوا يرخصون في شراء أرض الحيرة من أجل أنهم صلح" يحيى "سألت الحسن بن صالح: فكره شراء أرض الخراج التي أخذت عنوة فوضع عليها الخراج، ولم ير بأسًا بشراء أرض أهل الصلح".
стр. 3706
من أسلم من أهل الصلح سقط الخراج عن أرضه
١٤٣٢١ - أبو نعيم، نا محمد بن طلحة، عن داود بن سليمان قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: لا خراج على من أسلم من أهل الأرض" وفي الباب حديث مر في كتاب الزكاة.
الأرض إذا أخذت عنوة فوقفت للمسلمين بطيب نفس الغانمين لم يجز بيعها وإذا أسلم من هي في يده لم يسقط خراجها
١٤٣٢٢ - يحيى بن آدم، نا عبد السلام، عن بكير بن عامر، عن الشعبي (١) قال: "اشترى عتبة بن فرقد أرضًا من أرض الخراج، ثم أتى عمر فأخبره فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها. قال: فهؤلاء أهلها المسلمون، أبعتموه شيئًا؟ قالوا: لا. قال: اذهب فاطلب مالك".
١٤٣٢٣ - ونا قيس، عن أبي إسماعيل، عن الشعبي، عن عتبة بن فرقد قال: "اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد لقضب دواب، فذكر ذلك لعمر قال: اشتريتها من أصحابها؟ قال نعم. قال: رح إلي. فرحت إليه، فقال: يا هؤلاء، أبعتموه شيئًا؟ قالوا: لا. قال: اتبع مالك حيث وضعته".
١٤٣٢٤ - ونا حسن بن صالح، عن قيس بن مسلم، عن طارق قال: "أسلمت امرأة من أهل نهر الملك فقال عمر -أو كتب عمر-: إن اختارت أرضها وأدت ما على أرضها فخلوا بينها وبين أرضها وإلا خلوا بين المسلمين وبين أرضيهم".
١٤٣٢٥ - ونا حفص، عن محمد بن قيس الأسدي، عن أبي عون الثقفي (١): "كان عمر وعلي إذا أسلم الرجل من أهل السواد تركاه يقوم بخراجه في أرضه".
١٤٣٢٦ - ونا شريك، عن جابر، عن عامر قال: "أسلم الرفيل فأعطاه عمر أرضه بخراجها، وفرض له ألفين".
ونا قيس، عن إبراهيم بن مهاجر، عن شيخ من بني زهرة، عن عمر "أنه كتب إلى
стр. 3707
سعد يقطع سعيد بن زيد أرضًا لبني الرفيل، فأتى ابن الرفيل عمر فقال: يا أمير المؤمنين، على ما صالحتمونا؟ قال: على أن تؤدوا إلينا الجزية، ولكم أرضكم وأموالكم وأولادكم. قال: قطعت أرضي لسعيد بن زيد. فكتب إلى سعد: رد عليه أرضه. ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم، ففرض له عمر سبعمائة وجعل عطاءه في خثعم وقال: إن أقمت في أرضك أديت عنها ما كنت تؤدي" فهذا ضعيف، وإن ثبت. كان قوله: "ولكم أرضكم" محمولًا على أنه أراد ولكم أرضكم التي كانت لكم تزرعونها، وتعطون خراجها، ذلك فيما أخذ عنوة، ألا تراه لم يسقط عنه خراجها حين أسلم وفي الصلح يسقط؟
معمر، عن علي بن الحكم، عن محمد بن زيد قاله: سمعت إبراهيم النخعي (١) يقول: "جاء رجل إلى عمر فقال: إني قد أسلمت فضع عن أرضي الخراج. فقال: لا إن أرضك أخذت عنوة. وجاءه رجل فقال: إن أرض كذا وكذا يطيقون من الخراج أكثر مما عليهم. فقال: لا سبيل إليهم إنما صالحناهم صلحًا".
١٤٣٢٧ - هشيم، عن سيار، عن الزبير بن عدي (١) قال: "أسلم دهقان من أهل السواد في عهد علي، فقال له: إن أقمت في أرضك رفضنا الجزية عن رأسك وأخذنا من أرضك، وإن تحولت عنا فنحن أحق بها".
١٤٣٢٨ - المسعودي، عن أبي عون (١) قال: "أسلم دهقان من أهل عين التمر، فقال له علي: أما جزية رأسك فنرفعها وأما أرضك فللمسلمين؛ فإن شئت فرضنا لك وإن شئت جعلناك قهرمانًا لنا فما أخرج اللَّه منها من شيء أتيتنا به".
الأسير يؤخذ عليه العهد ألا يهرب
قال الشافعي: فمتى قدر على الخروج فليخرج؛ لأن يمينه يمين مكره، ولعله ليس بواسع له إذا قدر على الهرب أن يقيم.
١٤٣٢٩ - إسماعيل بن أبي خالد (خ) (٢) عن قيس، عن جرير: "بعث رسول اللَّه ﷺ سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل وقال: أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول اللَّه، ولم؟ قال: لا ترايا ناراهما".
١٤٣٣٠ - قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ : "لا تساكنوا المشركين ولا
стр. 3708
تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا" (١). أخبرناه الحاكم، نا أبو العباس، نا الصغاني، قال إسحاق إدريس: نا همام عنه.
الأسير يسلم فماله أن يغتال مالهم وأنفسهم
قال الشافعي: لأنهم إذا امنوه فهم في أمان منه.
١٤٣٣١ - الأعمش (خ م) (٢) سمع أبا وائل، عن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ قال: "لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان".
١٤٣٣٢ - الطيالسي، نا محمد بن أبان، عن السدي، عن رفاعة بن شداد، حدثني عمرو بن الحمق الخزاعي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا آمن الرجل الرجل على نفسه ثم قتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا".
١٤٣٣٣ - الطيالسي، ثنا قرة عن عبد الملك بن عمير (س ق) (٣) عن رفاعة بن شداد قال: "كنت أبطن شيء بالمختار فدخلت عليه ذات يوم فقال: دخلت وقد قام جبريل قبل من هذا الكرسي. قال: فأهويت إلى قائم السيف فقلت: ما أنتظر أن أمشى بين رأس هذا وجسده حتى ذكرت حديثًا حدثنيه عمرو بن الحمق أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة، فكففت عنه".
قلت: أخرجه (س ق) من طريق أبي عوانة وحماد، عن عبد الملك.
١٤٣٣٤ - حيوة، عن ابن الهاد، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر: "كنا مع رسول اللَّه في غزوة خيبر، فخرجت سرية فأخذوا إنسانًا معه غنم يرعاها، فجاءوا به فكلمه النبي ﷺ . ما شاء اللَّه أن يكلمه به، فقال: إني قد آمنت بك فكيف بالغنم يا رسول اللَّه، فإنها أمانه وهي للناس الشاة والشاتان وأكثر من ذلك؟ قال: احصب وجوهها ترحع إلى أهلها. فأخذ قبضة من حصباء -أو تراب- فرمى به وجوهها فخرجت تشتد حتى دخلت كل شاة إلى أهلها، ثم تقدم إلى الصف فأصابه سهم فقتله ولم يصل للَّه سجدة قط قال رسول اللَّه ﷺ : أدخلوه الخباء. فأدخل خباء رسول اللَّه حتى إذا فرغ رسول اللَّه دخل عليه ثم خرج، فقال: لقد حسن إسلام صاحبكم، لقد دخلت عليه وإن عنده لزوجتين له من الحور العين" شرحبيل تكلم فيه، وجاء عن ابن إسحاق عن أبيه مرسلًا.
стр. 3709
١٤٣٣٥ - ابن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر (١) قال: "خرج أبو العاص بن الربيع تاجرًا إلى الشام وكان رجلًا مأمونًا وكانت معه بضائغ لقريش، فأقبل قافلًا فلقيه سرية رسول اللَّه ﷺ [فاستاقوا] (٢) عيره وأفلت وقدموا على رسول اللَّه ﷺ بما أصابوا فقسمه وأتى أبو العاص حتى دخل على زينب فاستجار بها وسألها أن تطلب له من رسول اللَّه ﷺ رد ماله عليه وما كان معه من أموال الناس فدعا رسول اللَّه ﷺ السرية فسألهم فردوا عليه، ثم خرج حتى قدم مكة فأدى على الناس ما كان معه من بضائعهم حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم معي مال؟ قالوا: لا، فجزاك اللَّه خيرًا، قد وجدناك وفيًّا كريمًا. فقال أما واللَّه ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا تخوفًا أن تظنوا أني إنما أسلمت لأذهب بأموالكم؛ فإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله" قال الشافعي: في المسلم إذا أسر ولم يؤمنوه ولم يأخذوا عليه أنهم آمنون منه، فله أخذ ما قدر عليه من أموالهم وإفساده والهرب منهم" وقد [مر] (٣) خبر التي أسرت، فأخذت الناقة وهربت عليها.
الأسير يعين المشركين على قتال المشركين
قال الشافعي: قيل: يقاتل؛ قد قاتل الزبير وأصحاب له بالحبشة مشركين عن مشركين، ولو قال قائل يمتنع عن قتالهم لمعان ذكرها الشافعي لكان مذهبًا، ولا نعلم خبر الزبير يثبت، ولو ثبت كان النجاشي مسلمًا.
١٤٣٣٦ - يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة قالت: "لما ضاقت علينا مكة فذكرت هجرتهم إلى الحبشة وما كان من بعث قريش عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليردهم عليهم وما كان من دخول جعفر وأصحابه على النجاشي، قال: فقال النجاشي: هل معكم شيء مما جاء به؟ قال جعفر: نعم. فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص (١)﴾ (٤) فبكى واللَّه النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين. . . " ثم ذكر الحديث في تصويرهما له أنهم يقولون في عيسى أنه عبد، فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال: ما تقولون في عيسى ابن
стр. 3710
مريم؟ قال له جعفر: نقول: هو عبد اللَّه ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فدلّى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عويدًا بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العويد. قالت: فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فواللَّه ما علمتنا حزنا حزنًا قط كان أشد منه فرقًا من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرف، فجعلنا ندعو اللَّه ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائرًا فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من يكون، فقال الزبير -وكان من أحدثهم سنًّا-: أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من الشقة الأخرى إلى حيث التقى الناس فحضر الوقعة، فهزم اللَّه ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه، فجاءنا الزبير فجعل يليح إلينا بردائه ويقول: ألا أبشروا؛ فقد أظهر اللَّه النجاشي. فواللَّه ما فرحنا بشيء فرحنا بظهوره".
الأسير يؤخذ عليه أن يبعث إلى الكفار بفداء أو يعود في أسارهم
فعن الأوزاعي قال: "يعود في أسارهم" وربما احتج لذلك بأن النبي ﷺ صالح أهل الحديبية أن يرد من جاء منهم بعد الصلح مسلمًا، فجاء أبو جندل فرده إلى أبيه وأبو بصير فرده، فقتل أبو بصير المردود معه ثم جاء النبي ﷺ فقال: قد وفيت لهم ونجاني اللَّه منهم. فلم يرده النبي ولم يعب ذلك عليه وتركه فكان بطريق الشام يقطع على كل مال لقريش حتى سألوا رسول اللَّه أن يضمه إليه لما نالهم من أذاه.
١٤٣٣٧ - عبد الرزاق (خ) (١) عن معمر قال: قال الزهري: أخبرني عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان. . . فذكر حديث صلح الحديبية، وذكر قصة أبي جندل وأبي بصير قال: وإنما رد أبا جندل إليهم؛ لأنه كان لا يخاف في الرد لمكان أبيه، وكذلك أشار على أبي بصير بالرجوع إليهم.
١٤٣٣٨ - عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج أن الحسن بن علي بن أبي رافع حدثه أن أبا رافع أخبره: "أنه أقبل بكتاب من قريش إلى رسول اللَّه ﷺ قال فلما رأيت رسول اللَّه ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول اللَّه، واللَّه لا أرجع إليهم أبدًا. فقال: إني واللَّه لا
стр. 3711
أخيس بالعهد ولا أحبس البرد، ولكن ارجع فإن كان في قلبك الذي في قلبك الآن فارجع. فرجعت إليهم، ثم أقبلت إلى النبي ﷺ فأسلمت. قال بكير: وأخبرني أن أبا رافع كان قبطيًا".
قلت: سمعه ابن وهب منه، وهو غريب.
١٤٣٣٩ - الوليد بن جميع (م) (١) نا أبو الطفيل، نا حذيفة بن اليمان قال: "ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حُسَيْل فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ قلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد اللَّه وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا النبي ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال انصرفا نفي لهم بعهدهم، ونستعين باللَّه عليهم" قال المؤلف: لأن انصرافهما لم يؤدّ إلى ترك فرض.
ما يجوز للأسير أو من قدم للقتل أو الرجل في المصاف في ماله
١٤٣٤٠ - الشافعي، أنا بعض أهل المدينة عن محمد بن عبد اللَّه، عن الزهري: "أن مسرفًا قدم يزيد بن عبد اللَّه بن زمعة يوم الحرة ليضرب عنقه، فطلق امرأته ولم يدخل بها، فسألوا أهل العلم فقالوا: لها نصف الصداق ولا ترث".
١٤٣٤١ - وأنا بعض أهل العلم، عن هشام، عن أبيه: "أن عامة صدقات الزبير تصدق بها، وفعل أمورًا وهو واقف على ظهر فرسه يوم الجمل". قال الشافعي: وروي عن عمر بن عبد العزيز وابن المسيب قالا: "إذا كان الرجل على ظهر فرسه يقاتل فما صنع فهو جائز" وعن عمر بن عبد العزيز، قال: "عطية الحبلى جائزة حتى تجلس بين القوابل" وقال القاسم وابن المسيب: "عطية الحامل جائزة" قال الشافعي: وبهذا كله نقول. مر خبر الزبير بطوله في الوصايا.
стр. 3712
صلاة الأسير إذا قدم ليقتل
١٤٣٤٢ - إبراهيم بن سعد (خ) (١) عن الزهري، عن عمرو بن أسيد بن جارية، عن أبي هريرة قال: "بعث رسول اللَّه عشرة عينًا وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن الأقلح وهو جد عاصم -يعني: ابن عمر بن الخطاب- فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدة بين عُسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان فنفروا إليهم بمائة رجل رام، فاتبعوا آثارهم حتى وجدوا سأكلهم التمر، فقالوا: هذا تمر يثرب، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى قردد -يعني: فأحاط بهم القوم- فقالوا: انزلوا ولكم العهد والميثاق أن لا يقتل منكم أحد، فقال عاصم: أما أنا فواللَّه لا أنزل في ذمة كافر، اللهم بلغ عنا نبيك السلام. فقاتلوهم فقتل منهم سبعة ونزل ثلاثة على العهد والميثاق، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم وكتفوهم، فلما رأى ذلك منهم أحد الثلاثة قال: هو واللَّه أول الغدر. فعالجوه فقتلوه وانطلقوا بخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فباعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فاشترى بنو الحارث خبيبًا وكان قتل الحارث يوم بدر، قال ابنة الحارث. فكان خبيب أسيرًا عندنا، فواللَّه إن رأيت أسيرًا قط كان خيرًا من خبيب، واللَّه لقد رأيته يأكل قطفًا من عنب وما بمكة يومئذٍ ثمره وإن هو إلا رزق رزقه اللَّه خبيبًا. قالت: فاستعار مني موسى يستحدّ به للقتل، فأعرته ودرج بني لي وأنا غافلة فرأيته مجلسه على صدره فنزعت فزعة عرفها خبيب ففطن بي، فقال: أتحسبيني أني قاتله؟ ما كنت لأقتله. فلما أجمعوا على قتله قال لهم: دعوني أصلي ركعتين. فصلى ركعتين، فقال: لولا أن تحسبوا أن بي جزعًا لزدت. قال: فكان خبيب أول من سن الصلاة لمن قتل صبرًا. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تبق منهم أحدًا.
стр. 3713
فلست أبالي حين (١) أقتل مسلمًا ... على أي حال كان في اللَّه مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزعي
وبعث المشركون إلى عاصم بن ثابت ليؤتوا من لحمه بشيء وكان قتل رجلًا من عظمائهم فبعث اللَّه مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم، فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئًا".
المسلم يدل على عورة المؤمنين
١٤٣٤٣ - ابن عيينة (خ م) (٢) عن عمرو، عن الحسن بن محمد، عن عبيد اللَّه بن رافع سمعت عليا يقول: "بعثنا رسول اللَّه ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخرجنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب! قالت: ما معي كتاب. فقلنا. لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللَّه فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبر ببعض أمر النبي ﷺ فقال: ما هذا يا حاطب؟ ! قال: لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا، واللَّه ما فعلت شكًّا في ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول اللَّه ﷺ . إنه قد صدق. فقال عمر: يا رسول اللَّه، دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل اللَّه اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم. ونزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٣) ".
стр. 3714
١٤٣٤٤ - هشيم (خ) (١) عن حصين (م) (٢) عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي وحيّان بن عطية السلمي: "أنهما تنازعا في علي وعثمان فكان حيان يحب عليًّا وكان أبو عبد الرحمن يحب عثمان، فقال أبو عبد الرحمن: سمعته يحدث -يعني: عليًّا- قال: كتب حاطب إلى مكة: إن محمدًا يريد أن يغزوكم بأصحابه فخذوا حذركم. ودفع كتابه إلى امرأة يقال لها: سارة، فجعلته في إزارها أو في ذؤابة من ذوائبها، فانطلقت فأطلع اللَّه رسوله فبعثني ومعي الزبير وأبو مرثد وكلنا فارس. قال: فانطلقوا؛ فإنكم ستلحقونها بروضة كذا وكذا ففتشوها، فإن معها كتابًا إلى أهل مكة من حاطب. فانطلقنا فوافقناها، فقلنا: هات الكتاب! فقالت: ما معي كتاب. قلت: ما كذبت لا كُذبت، لتخرجنه أو لأجردنك، فلما عرفت أني فاعل أخرجته، فانطلقنا به إلى رسول اللَّه ﷺ ففتحه فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أما بعد، فإن محمدًا يريد بكم فخذوا حذركم، وتأهبوا -أو كما قال- فلما قرأ الكتاب أرسل إلى حاطب فقال له: أكتبت هذا الكتاب؟ ! قال نعم. قال: فما حملك على ذلك؟ قال يا رسول اللَّه، أما واللَّه ما كفرت منذ أسلمت، وإني لمؤمن باللَّه ورسوله، وما حملني على ما صنعت إلا أنه لم يكن أحد من أصحابك إلا وله بمكة من يدفع عن أهله وماله ولم يكن لي هناك أحد يدفع عن أهلي ومالي، فأحببت أن أتخذ عند القوم يدًا، وإني لأعلم أن اللَّه سيظهر رسوله عليهم. فصدقه رسول اللَّه وقبل قوله، فقام عمر فقال: دعني فأضرب عنقه؛ فإنه قد خان اللَّه والمؤمنين. فقال رسول اللَّه ﷺ : يا عمر، إنه من أهل بدر وما يدريك لعل اللَّه اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". قال الشافعي: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "تجافوا لذوي الهيئات" وقيل في الحديث: "ما لم يكن حدًّا فإذا كان هذا من الرجل ذي الهيئة" وقيل: بجهالة كما كان هذا من حاطب بجهالة وكان غير متهم أحببت أن يتجافى له وإذا كانت من غير ذي الهيئة كان للإمام -واللَّه أعلم- تعزيره.
стр. 3715
الجاسوس الحربي
١٤٣٤٥ - أبو العميس (خ) (١) عن ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: "أتى رسول اللَّه ﷺ عين من المشركين وهو في سفر، فجلس فتحدث عند أصحابه ساعة ثم انسل، فقال النبي ﷺ : اطلبوه فاقتلوه. قال: فسبقتهم إليه فقتلته وأخذت سلبه".
١٤٣٤٦ - أبو همام الدلال (د) (٢) نا الثوري، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن الفرات بن حيان: "وكان رسول اللَّه قد أمر بقتله وكان عينًا من بني سفيان وحليفًا أظنه قال لرجل من الأنصار فمر على حلقة من الأنصار، فقال: إني مسلم. فقام رجل منهم فقال: يا رسول اللَّه، يقول: إني مسلم. فقال: إن منهم رجالًا نكلهم إلى إيمانهم منهم الفرات ابن حيان".
الأسير يُستطلع منه خبر المشركين
١٤٣٤٧ - حماد بن سلمة (م) (٣) عن ثابت، عن أنس: "أن رسول اللَّه ﷺ ندب أصحابه فانطلق إلى بدر فإذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج، فأخذه أصحاب النبي ﷺ فجعلوا يسألونه. أين أبو سفيان؟ فيقول: واللَّه ما لي بشيء من أمره علم، ولكن هذه قريش قد جاءت، فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف. فإذا قال لهم ذلك ضربوه، فيقول: دعوني دعوني أخبركم. فإذا تركوه قال: واللَّه ما لي بأبي سفيان من علم ولكن هذه قريش قد أقبلت والنبي ﷺ يصلي وهو يسمع ذلك، فلما انصرف قال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم، هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان، هذا مصرع فلان غدًا. ووضع يده على الأرض، وهذا