← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14616

الأشاعرة في ميزان أهل السنة

فيصل الجاسم

Полный текст (723 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد قال المسلمون وكل ذي عقل أنه لا يعقل كائن لا في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، الذي لا يبلغ من وصفه إلا إلى ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ورسوله، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية عنه) (١) اهـ. - الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ) قال: (فصل: في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة أن لله وجهاً ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجباً تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي ﷺ : "خلق الله آدم على صورته" بموجبة نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول ورسوله ﷺ أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) اهـ.

стр. 352

وقال ناقلاً عن بعض أهل السنة: (إنما يلزم العباد الاستسلام، ولا يعرف ملك مقرب، ولا نبي مرسل تلك الصفات، إلا بالأسماء التي عرّفهم الرب ، ولا يدرك بالعقول والمقاييس منتهى صفات الله ، فسبيل ذلك إثبات معرفة صفاته بالاتباع والاستسلام، فإن طعن أهل الأهواء على أهل السنة ونسبوهم إلى التشبيه إذا وافقوا بين الأسماء. يقال: ليس الأمر كما يتوهمون لأن الشيئين لا يشتبهان لاشتباه أسمائها في اللفظ، وإنما يشتبهان بأنفسهما أو بمعان مشتبهة فهماً، ولو كان الأمر كما قالوا وتوهموا لاشتبهت الأشياء كلها لأنه يقع على كل واحد منهم اسم شيء) (١) اهـ.

стр. 353

- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ) قال: (قال عبد الله بن الإمام أحمد في السنة حدثني عباس العنبري حدثنا شاذ بن يحيى سمعت يزيد بن هارون وقيل له: من الجهمية؟ فقال: «من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي». قال الذهبي: ("يقر" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) (١) اهـ. وقال: (فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس

стр. 354

كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ. - الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال بعد جواز التسمي ببعض أسماء الله كالسميع والبصير: (فأما ما يتسمى به المخلوقون من أسمائه كالسميع، والبصير، والقدير، والعليم، والرحيم، فإن الإضافة قاطعة الشركة. وكذلك الوصفية. فقولنا: زيد سميع بصير، لا يفيد إلا صفة المخلوق، وقولنا: الله سميع بصير، يفيد صفته اللائقة به، فانقطعت المشابهة بوجه من الوجوه، ولهذا قال تعالى: ﴿هل تعلم له سميا﴾ مريم٦٥) (٢) اهـ.

стр. 355

فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام إبي الحسن الأشعري وكبار أصحابه في أنه لا يلزم من صفات الله ما يلزم من صفات المخلوق قال: (ولا يجب إذا أثبتنا هذه الصفات له على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة، .. فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا) (١) اهـ. وقال: (مسألة: ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، يدين ليستا نعمتين؟ فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة. قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة. قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حياً من الخلق إلا جسماً لحماً ودماً، فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك - وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاعتلالكم ناقضين.

стр. 356

وإن أثبتم حياً لا كالأحياء منا، فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، ولا كالأيدي؟ وكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبراً حكيماً إلا إنساناً، ثم أثبتم أن للدنيا مدبراً حكيماً ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد) (١) اهـ. - القاضى ابو بكر محمد بن الطيب الباقلانى (٤٠٣ هـ) قال في كتابه "الإبانة": (فان قال قائل فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له: قوله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، وقوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً. فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إن كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟. قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً أن نقضى نحن وأنتم بذلك على الله ، وكما

стр. 357

لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجد قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم أن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً واعتلوا بالوجود) (١) اهـ.

стр. 358

المبحث الثاني بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه خلاصة الفصل: أولاً: أن من أصول معتقد السلف: أن صفات الله تعالى التي جاءت في الكتاب والسنة، سواء الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين، أو الفعلية كالنزول والإتيان والضحك، أو الذاتية كالسمع والبصر والعلم، لا يستلزم إثبات شيء منها لله تعالى تشبيهاً له بخلقه ولو اتصف بأصل معناها المخلوق، لأن الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. والصفة تابعة للموصوف، فإذا كانت له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فكذلك صفات ذاته لا تماثل الصفات. ثانياً: أن الذين يُلزمون صفات الله تعالى أو بعضها ما يلزم من صفات المخلوق، ويتخذون هذا ذريعة إلى صرفها عن ظاهرها وحقيقتها هم المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ويدخل فيهم كل من

стр. 359

مشى على أصلهم في هذا ولو في بعض الصفات. ثالثاً: مخالفة الأشعريّيْن لمذهب السلف في هذا، وسلوكهما طريق المعطلة الذين اشتد نكير السلف عليهم. [بطلان دعوى استلزام الجسمية في إثبات الصفات] فقد قالا عمن يثبت صفات الله على ظاهرها من غير أن يُلزموها لوازم صفات المخلوق (ص١٩٢): (وكونهم لا يُقرّون بهذه اللوازم أمرٌ لا يُقضى منه العجب، لأن إثبات الملزوم وهو المعنى الظاهر هنا ثم نفي اللازم وهو الجسمية ونحوها لا يُعقل لأنه لازم لا ينفك) اهـ. وهذا كلام ظاهر البطلان والفساد شرعاً وعقلاً ولغةً لأمور كثيرة: أولها: ما سبق تقريره من كلام السلف في بطلان هذا الأمر، وأنه لا يلزم من صفة الله تعالى ما يلزم من صفة المخلوق، وأن الإضافة تقطع التشبيه والاشتراك. وهو كاف في بطلان دعواهما. الأمر الثاني: أن هذا تأباه اللغة، لأن الصفة تابعة للموصوف، فإذا قلنا: وجه زيد، ووجه عمرو، لم يكن الوجهان متماثلين بوضع اللغة، وإنما عُلم التماثل والتقارب بالمعاينة والمشاهدة، لأن الصفة للموصوف ولا اشتراك في ذلك، وإنما يقع الاشتراك في أصل الصفة، وهو أمر موجود في الأذهان لا في الأعيان، ولذلك لا يُفهم من قول القائل: وجه زيد، ووجه الماء، تماثلٌ ولا تشابهٌ، لأن

стр. 360

الإضافة قاطعة للاشتراك، مع كون زيدٍ والماء مخلوقين، فالتباين بين وجه الخالق ووجه المخلوق أعظم وأعظم. قال ابن الزاغوني في "الإيضاح" في تقرير قاعدة مهمة: (فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي ولم يُعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضواً وجارحة ذات كمية وكيفية، فهذا لا يلزم: من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات فيما يثبت للذات من الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها، وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات، فكانت الصفة مساوية للذات في موضعها بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية، وتتسلط عليه الكيفية، ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية، لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجساماً، والله يتنزه عن ذلك، ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع والوجه والبصر

стр. 361

وأمثال ذلك في صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات لكان في الحياة والعلم والقدرة أيضاً كذلك، فإن العلم في الشاهد عرض قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية غير مشارك في إثبات ماهية، ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية، وهذا الكلام واضح جلي) (١) اهـ. وقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول، لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء، فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره ، لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها) (٢) اهـ. الأمر الثالث: أن الصفات التي يزعم الأشعريان أنه يلزم منها الجسمية والحد كالنزول، والمجيء، والوجه، واليد، ونحوها، يتصف بها ما ليس بجسم.

стр. 362

فيقال: وجه الأمر، ووجه الماء -والماء ليس جسماً لغة وسيأتي الكلام على معنى الجسم والجسمية-، ويقال: نزول البائع بالثمن، ومجيء الشتاء، ويد الليل، ونحو ذلك، وهذه الأمور ليست أجساماً لا لغةً ولا في اصطلاح أهل الكلام والأشاعرة، ومع ذلك صح وصفها بالمجيء، والنزول، والوجه، واليد، وهذا يبطل دعوى لزوم الجسمية لمن اتصف بهذه الصفات. الأمر الرابع: أن دعوى الجسمية، وتنزيه الله عنها يحتاج إلى تحرير معنى الجسم ، وهل هذا اللفظ مما يصح إثباته أو نفيه عن الله تعالى؟ [تحرير معنى الجسم] فنقول: إن مسمى الجسم في اصطلاح المتفلسفة وأهل الكلام أعم من مسماه في لغة العرب. فأهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن. قال ابن منظور في اللسان (١): (الجِسْمُ: جماعة البَدَنِ أَو الأَعضاء من الناس والإِبل والدواب وغيرهم من الأَنواع العظيمة الخَلْق .... أَبو زيد: الجِسْمُ الجَسَدُ، وكذلك الجُسْمانُ، والجُثْمانُ الشخص. وقد جَسُمَ الشيءُ أَي عَظُمَ، فهو جَسِيمٌ وجُسام، بالضم) فأهل اللغة لم يستعملوا الجسم إلا فيما كان غليظاً كثيفاً،

стр. 363

فلا يسمون الهواء جسماً ولا جسداً، ويسمون بدن الإنسان جسماً. كما قال تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ المنافقون٤، وقال: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ البقرة٢٤٧. وأما المتفلسفة وأهل الكلام فهم مختلفون في مسمى الجسم: فمنهم من يقول الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر الفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة، ومن هؤلاء من يقول: إنه مشار إليه إشارة حسية، ومنهم من يقول: ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه (١). وقد ذكر الأشعري في مقالاته اختلاف أهل الكلام في مسمى الجسم على اثنتي عشرة مقالة (٢). وما عرّفه به أهل الكلام والمتفلسفة لا يُعرف في لغة العرب البتة، لا في أشعارهم، ولا في كتبهم. فالروح مع كونها يشار إليها وتنزل وتصعد، وهي قائمة بنفسها ومع ذلك لا يسميها أهل اللغة جسماً، ولذلك يفرقون بينهما فيقولون: جسم وروح، وهذا يعني أن الجسم في اللغة أخص من المشار إليه.

стр. 364

والهواء والسحاب يعلو الأرض ويصعد وينزل ويجيء ولا يسميه أهل اللغة جسماً. وبناءاً عليه فإن ادعاءهم أن اتصاف الله تعالى بالنزول والمجيء ونحوها من الصفات الفعلية أو الخبرية يستلزم الجسمية باطل، لأنها أمور يتصف بها الجسم وغير الجسم. والأشاعرة يثبتون لله تعالى ذاتاً حقيقة متصفة بالصفات قائمة بنفسها، ولا يلزم عندهم أن تكون جسماً، وأما إثبات اليد، والوجه، والقَدَم، والنزول، والضحك، ونحوها من صفات الذات فإنها تستلزم التجسيم عندهم، وهذا تناقض منهم!!. قال ابن أبي يعلى وهو يحكي اعتقاد والده: (ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه: إجماع الطوائف من بين موافق للسنة ومخالف أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم ولا جوهر ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك عن هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف في الشاهد في أخبار الصفات. يبين صحة هذا: أن البارىء سبحانه موصوف بأنه: حي عالم قادر مريد، والخلق موصوفون بهذه الصفات، ولم يدل الاتفاق في هذه التسمية على الاتفاق في حقائقها ومعانيها، هكذا القول في

стр. 365

أخبار الصفات، ولا يلزم عند تسليمها من غير تأويل إثبات ما يقتضيه الحد والشاهد في معانيها.) (١) اهـ. وقد ذكرنا رد أبي الحسن الأشعري نفسه على هذه الدعوى آنفاً. وأما أهل السنة والسلف فلا يتكلمون في نفي الجسم عن الله أو إثباته، ولا في غيره من الألفاظ التي لم ترد في كتاب ولا سنة كالجهة والتحيز ونحوها، وإنما يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه رسوله ﷺ لا يتجاوزون القرآن والحديث. كما قال الإمام أحمد: (ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك) (٢) اهـ. ونقل أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله بشيء من ذاته، بليصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئاً، تبارك الله رب العالمين) (٣) اهـ. وقال البربهاري: (ولا يُتكلم في الرب، إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بيّن رسول الله ﷺ لأصحابه .. ) (٤) اهـ.

стр. 366

وبين ﵀ أن هذه الألفاظ المحدثة هي أساس ظهور البدع فقال: (واعلم رحمك الله لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يتجاوزوها بشيء، ولم يولّدوا كلاماً مما لم يجيء فيه أثر عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه: لم تكن بدعة) (١) اهـ. وقال الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ في تقرير هذه القاعدة: (فمن السنن اللازمة: السكوت عما لم يرد فيه نص عن رسوله، أو يتفق المسلمون على إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات، وكما لا يُثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا يُنفى إلا بدليل سمعي) (٢) اهـ. بل بَدَّّع السلف أهل الكلام بهذه الألفاظ وذموهم غاية الذم لما فيها من الاشتباه ولبس الحق. كما قال الإمام أحمد: (يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبِّسون عليهم) (٣). وقال نوح بن الجامع: (قلت لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة) (٤).

стр. 367

ولم يذم أحدٌ من السلف أحداً بأنه مجسم، ولا ورد عنهم ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية المعطلة الذين ينفون حقائق الصفات، وذموا أيضاً المشبهة الذين يقولون: صفاته تعالى كصفات خلقه. [الكلام حول العقيدة المنسوبة للإمام أحمد لأبي الفضل التميمي] وأما ما نقله الأشعريان (ص١٩٤) عن الإمام أحمد من قوله: (إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين ولا جسم، ولا من جنس الأجسام ... الخ) ففيه أمور مهمة: الأمر الأول: أن هذا ليس من كلام الإمام أحمد، بل هو مما ذكره أبو الفضل

стр. 368

عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي في مصنفه في اعتقاد الإمام أحمد بما فهمه من اعتقاده بلفظ نفسه، فجعل يقول: كان أبو عبد الله، ويذكر من اعتقاد الإمام أحمد بما فهمه ورآه، لا بما نص عليه الإمام أحمد، فصار بمنزلة من يصنف كتاباً في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه، وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده، فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة، ومن المعلوم أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفهمه، وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده. وكان التميميون أبو الحسن التميمي وابنه وابن ابنه ونحوهم مائلين إلي الأشاعرة، وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور، ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما ذكر اعتقاده، اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي في اعتقاد الإمام أحمد، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 369

وكثيرٌ مما ذكره أبو الفضل التميمي مخالف لمعتقد الإمام أحمد الثابت عنه، كما نقل عنه نفي الجسم والجوارح والتركيب ونحو هذه الألفاظ، وقد كانت طريقة الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة أنهم لا يطلقون هذه الألفاظ لا نفياً ولا إثباتاً، بل يقولون إثباتها بدعة كما أن نفيها بدعة، وإنما يلتزمون ما جاء في الكتاب والسنة من صفة الله تعالى. قال الإمام أحمد: (ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك) (١) اهـ. [المصادر التي تمكن من خلالها معرفة عقيدة الإمام أحمد] ومن المعلوم أن عقيدة الإمام أحمد إنما تؤخذ مما ذكره بلفظه، لا مما فُهم من كلامه، ومصادرها متنوعة: المصدر الأول: ما كتبه وسطره بنفسه ككتاب "الرد على الجهمية والزنادقة"، وكرسائله إلى أصحابه كرسالته إلى مسدد، ورسالته إلى عبدوس بن مالك العطار، ورسالته إلى الحسن بن إسماعيل الربعي، ورسالته إلى محمد بن يونس السرخسي، وغيرها من رسائله المنقولة عنه بالإسناد الثابت. المصدر الثاني: مما صح عنه من كلامه وألفاظه المنقولة عنه، كما عند الخلال في "السنة" وفي "الأمر بالمعروف والنهي عن

стр. 370

المنكر" وفي غيرها من كتبه، وكذلك ما نقله ابنه عبد الله في كتاب "السنة" وفي مسائله عن والده، وما نقل في مرويات "مسائل الإمام أحمد" كرواية أبي داود، ورواية ابن هانئ، ورواية صالح بن الإمام أحمد، وكذلك "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" برواية الكوسج، وككتاب "الورع" للمروذي، وكذلك ما نُقل عنه في الكتب المسندة في السنة ككتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي، وكتب ابن منده، وكتب ابن بطة، و"الشريعة" للآجري، و"إبطال التأويلات" للقاضي أبي يعلى وغيرها من كتبه. الأمر الثاني: أنه ليس في شيء من الكتب الذي ذكرناها شيء من هذه الألفاظ لا نفياً ولا إثباتاً. بل الثابت عن الإمام أحمد إنكاره على الجهمية نفي لفظ الجسم، وامتنع من الموافقة على نفيه، كما هو ممتنع عن إطلاق إثباته، كما جرى في مناظرته لأبي عيسى برغوث وغيره من نفاة الصفات في مسألة القرآن في محنته المشهورة لما ألزمه بأن القول بأن القرآن غير مخلوق مستلزم أن يكون الله جسماً، فأجابه الإمام أحمد بأنه لا يدري ما يريد القائل بهذا القول، فلا يوافقه عليه، بل يعلم أنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

стр. 371

[مخالفة الأشاعرة لعقيدة التميمي المنسوبة للإمام أحمد] الأمر الثالث: أن في هذه العقيدة المنسوبة للإمام أحمد والتي اعتمد عليها الأشعريان في بيان معتقده، مسائل كثيرة مخالفة لمعتقد الأشاعرة الذي يزعم الأشعريان أنه معتقد أهل السنة، ومعتقد الإمام أحمد، وأذكر منها بعض الأمثلة: المثال الأول: قال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد لما ذكر الوجه لله تعالى: (وذلك عنده وجه في الحقيقة دون المجاز، ووجه الله باق لا يبلى، وصفة له لا تفنى، ومن ادعى أن وجهه نفسه فقد ألحد، ومن غير معناه كفر) (١) اهـ.

стр. 372

وليس وجه الله عند الأشاعرة على الحقيقة، فمنهم من يقول وجهه: ذاته، ومنهم من يفوض المعنى. قال عبد القاهر البغدادي في "أصول الدين" في صفة الوجه لله تعالى: (والصحيح عندنا أن وجهه: ذاته، وعينه رؤيته للأشياء) (١) اهـ. وقال أبو المعالي الجويني في "الإرشاد" في فصل "اليدان والعينان والوجه": (والذي يصح عندنا: حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود.) (٢) اهـ بل ذكر الأشعريان في كتابهما أن إثبات الوجه لله يستلزم التجسيم، فقالا (ص١٩٣): (إن الفرق بين الألفاظ التي تدل على الأجسام وما إليها وبين الألفاظ التي تدل على المعاني كبير وشاسع .... فالأولى ما يتبادر عند سماعها العضو والجسم ..... وإنما سيق الكلام على سبيل الاستعارة والمجاز كلفظ (اليد، والأصبع، ... ، والوجه، ... )) اهـ. فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!

стр. 373

المثال الثاني: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (إن لله تعالى يدين، وهما صفة في ذاته، .... ويفسد أن تكون يد القوة والنعمة والتفضل. لأن جمع يد: أيدٍ، وجمع تلك أياد) (١) اهـ. وعند الأشعريّيْن أن اليد لله تستلزم التجسيم، وليست صفة له في ذاته، بل إما التفويض مع امتناع أن تكون صفة له على الحقيقة، وإما تأويلها بالنعمة أو القدرة. فقالا (ص١٥٣): (مثال على هذا -أي التفويض- قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود ... أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه ... احتمل اللفظ عدة معان مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد) اهـ. فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!! المثال الثالث: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف) (٢) اهـ.

стр. 374

وعند الأشعريّيْن والأشاعرة أن الله لا يتكلم بمشيئته، وأن كلامه ليس بحرف ولا صوت، وأن من قال بالحرف والصوت فقد شبه الله بخلقه وضل وابتدع. قالا (ص٧٦): (ومن يطالع النظامية يعلم موافقتها لاعتقاد أهل السنة الأشاعرة، فمن أمثلة ذلك تنزيه الإمام الجويني لله تعالى عن الجهة والمكان والحيز والحرف والصوت وظواهر المتشابه ..... وكذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فكتابه "إلجام العوام" .... هو في حقيقة الأمر تأصيل لمسلك السادة الأشاعرة من حيث تنزيه الله تعالى عن سمات الحوادث مثل الجهة والمكان والحروف والأصوات وظواهر المتشابه ... ) اهـ. وسيأتي مزيد بيان لهذه الصفة في الفصل الثالث من الباب الثاني. فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!! المثال الرابع: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يبطل الحكاية -أي القول بأن القرآن حكاية عن كلام الله وليس هو نفس كلام الله- ويضلل القائل بذلك. وعلى مذهبه: أن من قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله ، فقد جهل وغلط .... ولم يُنقل عن أحد من أئمة المسلمين

стр. 375

من المتقدمين من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين ﵈ القول بالحكاية والعبارة، فدل على أن ذلك من البدع المحدثة) (١) اهـ. ومن المعلوم أن الذي يقول: أن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله هما عبد الله بن كلاب والكلابية، وأبو الحسن الأشعري والأشعرية. قال أبو الحسن الأشعري في مقالاته: (قال عبد الله بن كلاب: أن الله سبحانه لم يزل متكلماً ... وأن الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وأنه معنى واحد بالله ... وزعم عبد الله بن كلاب أن ما نسمع التالين يتلونه هو عبارة عن كلام الله ، وأن موسى ﵇ سمع الله متكلماً بكلامه، وأن معنى قوله: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦، معناه حتى يفهم كلام الله .. ) (٢) اهـ. وقال الشهرستاني في "الملل والنحل": (وكلامه واحد هو: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد؛ وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام والعبارات .......

стр. 376

والكلام عند الأشعري: معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان؛ فالمتكلم عنده من قام بالكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام؛ غير أن العبارة تسمى كلاماً: إما بالمجاز، وإما باشتراك اللفظ) (١) اهـ. فها هو الإمام أحمد كما في عقيدته التي يستند إليها الأشعريان يضلل ويبدع من قال بالحكاية أو العبارة. وقد قال الأشعريان (ص٤٧ - ٥٨): (الإمام الأشعري بعد تركه للاعتزال كان على طريق عبد الله بن سعيد بن كلاب .... أن طريق ابن كلاب وطريق السلف هما في حقيقة الأمر طريق واحد، لأن ابن كلاب كان من أئمة أهل السنة والجماعة السائرين على طريق السلف الصالح .... أن الإمام ابن كلاب ... لم يبتدع أو يخالف منهج السلف والسنة .. ) فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!! المثال الخامس: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يقول في معنى "الاستواء": هو العلو والارتفاع ... فهو فوق كل شيء، والعالي على كل شيء) (٢) اهـ.

стр. 377

وعند الأشاعرة: أن الاستواء نثبته ولا نعلم معناه بل نفوضه، أو نأوله بالاستيلاء، وأنه من المستحيل اعتقاد علو الله تعالى وفوقيته على خلقه لأنه يستلزم التحيز والجهة والمكان، وأن فوقية الله إنما هي فوقية قهر وسلطان، لا فوقية علو وارتفاع. والله عندهم ليس في داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث. قال البيجوري في شرحه لجوهرة التوحيد: (إذا ورد في القرآن أو السنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح اتفق أهل الحق وغيرهم عدا المجسمة والمشبهة على تأويل ذلك .... ) ثم ذكر أمثلة منها: (﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، فالسلف يقولون: استواء لا نعلمه، والخلف يقولون: المراد به الاستيلاء والملك) (١) اهـ. وقال الأشعريان (ص١٣٩): (ولا يُفهم من قول أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بأنه داخل العالم ولا أنه خارجه، بأنهم يصفونه بالعدم ... وإنما مرادهم كما مر أن إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لا يجوز وهو منزه عنه -أي علو الله تعالى على خلقه علواً بمعنى الفوقية والارتفاع- .... أما ما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ التي ظاهرها إثبات الجهة والمكان لله تعالى

стр. 378

فهي - قطعاً وباتفاق علماء السلف والخلف - مصروفة عن ظاهرها وحقائقها .. ) اهـ. فهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!! هذه بعض الأمثلة التي تبين مخالفة الأشاعرة لما ذكره التميمي من معتقد الإمام أحمد، والتي يستندون عليها في بيان معتقده، فأما مخالفتهم للثابت من معتقد الإمام أحمد فأكثر وأكثر.

стр. 379

الفصل السابع في بيان حقيقة التشبيه المنفي في صفات الله عند السلف تمهيد إثبات الصفات لله تعالى التي جاءت بها الكتاب والسنة على ما يليق بالله جل وعلا، ليس تشبيهاً ولا تكييفاً ولا يستلزم شيئاً من ذلك، كما سبق تقريره في الفصل السابق، وإنما التشبيه عند السلف: هو إثبات الصفات لله وادعاء مماثلتها لصفة المخلوق، وهذا هو قول المشبهة الذين يجعلون صفات الله كصفات خلقه، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. قال تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ المائدة٦٤. فبين الله في هذه الآية أن اليهود شبهوا صفة الله بصفة خلقه، فوصفوا يده بالنقص والعيب الذي تتصف به يد المخلوق، ثم نزه

стр. 380

نفسه عن ذلك، وبين كماله جل وعلا وأن يديه مبسوطتان بالعطاء والخير. ولم ينف الله جل وعلا عن نفسه صفة اليد، وإنما بين كمال صفته في مقابل نقص صفة المخلوق.

стр. 381

المبحث الأول نصوص أئمة السنة في بيان حقيقة التشبيه المنفي عن الله وإليك بعض نصوص أئمة السنة في بيان حقيقة التشبيه المنفي عن الله: - الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ) روى الترمذي في سننه حديث النبي ﷺ : "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ التوبة١٠٤، و ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ البقرة٢٧٦". ثم قال: (هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن عائشة عن النبي ﷺ نحو هذا. وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويُؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال كيف؟

стр. 382

هكذا رُوي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة، وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف؟ ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ. - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: (نعبد الله بصفاته كما وصف به نفسه، قد أجمل الصفة لنفسه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك.

стр. 383

نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه تعالى ذكره صفة من صفاته شناعة شنعت، ولا نزيل ما وصف به نفسه من كلام، ونزول، وخلوه بعبده يوم القيامة، ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره، ولم يزل الله متكلماً عالماً غفوراً، عالم الغيب والشهادة، عالم الغيوب، فهذه صفات الله وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُرد. وقال: ﴿لا إله إلا هو الحي والقيوم﴾ البقرة٢٥٥، ﴿لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ الحشر٢٣، هذه صفات الله وأسماؤه، وهو على العرش بلا حد. وقال: ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤، كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة. ﴿ليس كمثله شيء﴾ كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير. قلت لأبي عبد الله: والمشبهة ما يقولون؟ قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه، وهذا كلام سوء، والكلام في هذا لا أحبه.) (١) اهـ. وهذا كما ترى صريح في أن إثبات الصفات لله ليس تشبيهاً، وإنما التشبيه قياسها بالمخلوق. وفيه إثبات أيضاً إثبات اتصاف الله تعالى بالقَدَم واليد، وأن هذا لا يستلزم تشبيهاً. - أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (٢٦٤ هـ) سئل أبو زرعة الرازي عن قول الله : ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة١١٦؟ قال: (لا يقال نفس كنفس لأنه كفر، وقال: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، أن الله خلق آدم بيده، ولا يقال: يد مثل يد ولا يد كيد لأنه كفر، ولكن نؤمن بهذا كله. وسئل أبو زرعة: أيجوز أن يقال للرب يدين ورجلين، قال: يقال كما جاء في الخبر وهكذا ما جاء في الأخبار مثل هذا. وسئل عن حديث ابن عباس (الكرسي موضع القدمين) فقال: صحيح، ولا نفسر، نقول كما جاء وكما هو في الحديث .. ) (٢) اهـ.

стр. 384

- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ) قال في بيان جهل المعطلة بمعنى التشبيه: (الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه نحن نقول: لله جل وعلا يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفى ﷺ ، ونقول: كلتا يدي ربنا يمين، على ما أخبر النبي ﷺ ، ونقول: إن الله يقبض الأرض جميعاً بإحدى يديه، ويطوي السماء بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، لا شمال فيهما، ونقول: من كان من بني آدم سليم الأعضاء والأركان، مستوي التركيب، لا نقص في يديه، أقوى بني آدم، وأشدهم بطشاً له يدان عاجز عن أن يقبض على قدر أقل من شعرة واحدة، من جزء من أجزاء كثيرة، على أرض واحدة من سبع أرضين .... - إلى أن قال: فكيف يكون - يا ذوي الحجا - من وصف يد خالقه بما بينا من القوة والأيدي، ووصف يد المخلوقين بالضعف والعجز مشبهاً يد الخالق بيد المخلوقين؟ .. ) (١) اهـ. - إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (٣٦٩ هـ) قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (فقال لي: أنتم المشبهة. فقلت: حاشا لله، المشبه الذي يقول: وجه كوجهي، ويد كيدي، فأما نحن فنقول: له وجه كما أثبت لنفسه وجهاً، وله يد كما أثبت لنفسه يداً، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير ومن قال هذا فقد سلم.) (٢) اهـ.

стр. 385

المبحث الثاني بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب خلاصة الفصل: أولاً: أن إثبات الصفات على ظاهرها ليس تشبيهاً عند السلف، وإنما التشبيه أن تُجعل صفة الله كصفة المخلوق، فيُقال: وجه الله كوجه المخلوق، أو على صفة كذا، ونزول الله كنزول المخلوق، أو على صفة كذا وكذا، ونحو ذلك. ثانياً: أن من علامات المعطلة والمعتزلة ومن نحا نحوهم تسمية كل من أثبت الصفات لله تعالى على ظاهرها مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، أنهم مشبهة. ثالثاً: تبين جهل الأشعريّيْن بمذهب السلف، وبطلان ما ادعياه وافترياه حيث زعما: أن من أثبت الصفات لله تعالى مع نفي التشبيه والمماثلة، هو في حقيقته مشبه ولكنه يدلس. فقد قالا مستدلين بكلام أبي القاسم القشيري (ص١٧٤): (وقال الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: ..... وسر الأمر

стр. 386

أن هؤلاء الذين يمتنعون عن التأويل - أي تأويل صفات الله - معتقدون حقيقة التشبيه غير أنهم يدلسون ويقولون: له يد لا كالأيدي، وقدم لا كالأقدام، واستواء بالذات لا كما نعقل فيما بيننا .... ) اهـ. وهذا كلام غاية في الخطورة والمجازفة، إذ أنه يستلزم أن جميع السلف مشبهة في الحقيقة، ولكنهم يدلسون!!! نعوذ بالله من الخذلان. وقالا (ص١٩٢): (إلا أنهم يجهلون أن إثبات الحقائق اللغوية المعهودة والظاهر المتبادرة من المتشابه يستلزم إثبات ما قد نفوه وأجمعت الأمة على نفيه وعلى تنزيه الله تعالى عنه وهو الحد والتحيز والجسمية ونحوها، وكونهم لا يقرون بهذه اللوازم أمرٌ لا يُقضى منه العجب، لأن إثبات الملزوم وهو المعنى الظاهر هنا ثم نفي اللازم وهو الجسمية ونحوها لا يُعقل لأنه لازم لا ينفك) اهـ.

стр. 387

الباب الثاني ذكر الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاض فيها الأشعريان بالتحريف والتعطيل

стр. 388

تمهيد لقد خاض الأشعريان في كثير من صفات الله تعالى بالباطل، وسلطا عليها معاول التحريف والتعطيل زاعمين تنزيه الله تعالى واتباع طريقة السلف، وإن أدنى اطلاع على كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وكلام السلف وأئمة السنة المسطر في كتبهم والمنقول عنهم بالإسناد الثابت لكفيل في إبطال جميع ما ادعوه من التحريف والتعطيل الذي سموه تنزيهاً وتأويلاً، لكن التقليد وقلة العلم بالسنة والآثار يُعمي عن الحق، ويزين الباطل. وما سبق تقريره في الباب الأول من قواعد السلف في أسماء الله وصفاته كافٍ في إبطال جميع مزاعمهما فيما حرفاه وتأولاه من صفات الله تعالى، ولكن رغبة في الإيضاح لمعتقد السلف، وتأكيداً لجهل الأشعريّيْن به، فسأبين الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاضا فيها بغير الحق. ولن أستوعب ذكر الأدلة في كل صفة إيثاراً في الاختصار وبعداً عن التطويل.

стр. 389

وسأذكر من كل نوع من الصفات مثالاً يقاس عليه غيره: فاليدان مثالٌ عن الصفات الخبرية كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، ونحوها. والنزول مثالٌ عن الصفات الفعلية الاختيارية كالمجيء، والاستواء، والضحك، ونحوها. وأفردت لصفة العلو لله تعالى فصلاً مستقلاً، ولمسألة الحرف والصوت فصلاً مستقلاً.

стр. 390

الفصل الأول في ذكر الإجماع على علو الله تعالى على خلقه بنفسه وأنه تعالى فوق العرش بذاته إن من أظهر صفات الله تعالى في الكتاب والسنة وأقوال الأئمة كثرةً في الأدلة وتنويعاً لها، مما يُقطع معها بحقيقة اتصاف الله تعالى بها، مع ما ركزه الله في الفطر السوية، وأقر به العقل الصحيح، هي صفة الفوقية لله تعالى، وأنه جل وعلا عالٍ على خلقه بذاته محيط بهم، لا يخفى عليه شيء من شئونهم وأحوالهم، وأنه يُشار إليه في السماء، وترفع إليه الأيدي في الدعاء.
следующие страницы →