← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14616

الأشاعرة في ميزان أهل السنة

فيصل الجاسم

Полный текст (723 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أن هؤلاء الذين يمتنعون عن التأويل - أي تأويل صفات الله - معتقدون حقيقة التشبيه غير أنهم يدلسون ويقولون: له يد لا كالأيدي، وقدم لا كالأقدام، واستواء بالذات لا كما نعقل فيما بيننا .... ) اهـ. وهذا كلام غاية في الخطورة والمجازفة، إذ أنه يستلزم أن جميع السلف مشبهة في الحقيقة، ولكنهم يدلسون!!! نعوذ بالله من الخذلان. وقالا (ص١٩٢): (إلا أنهم يجهلون أن إثبات الحقائق اللغوية المعهودة والظاهر المتبادرة من المتشابه يستلزم إثبات ما قد نفوه وأجمعت الأمة على نفيه وعلى تنزيه الله تعالى عنه وهو الحد والتحيز والجسمية ونحوها، وكونهم لا يقرون بهذه اللوازم أمرٌ لا يُقضى منه العجب، لأن إثبات الملزوم وهو المعنى الظاهر هنا ثم نفي اللازم وهو الجسمية ونحوها لا يُعقل لأنه لازم لا ينفك) اهـ.

стр. 387

الباب الثاني ذكر الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاض فيها الأشعريان بالتحريف والتعطيل

стр. 388

تمهيد لقد خاض الأشعريان في كثير من صفات الله تعالى بالباطل، وسلطا عليها معاول التحريف والتعطيل زاعمين تنزيه الله تعالى واتباع طريقة السلف، وإن أدنى اطلاع على كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وكلام السلف وأئمة السنة المسطر في كتبهم والمنقول عنهم بالإسناد الثابت لكفيل في إبطال جميع ما ادعوه من التحريف والتعطيل الذي سموه تنزيهاً وتأويلاً، لكن التقليد وقلة العلم بالسنة والآثار يُعمي عن الحق، ويزين الباطل. وما سبق تقريره في الباب الأول من قواعد السلف في أسماء الله وصفاته كافٍ في إبطال جميع مزاعمهما فيما حرفاه وتأولاه من صفات الله تعالى، ولكن رغبة في الإيضاح لمعتقد السلف، وتأكيداً لجهل الأشعريّيْن به، فسأبين الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاضا فيها بغير الحق. ولن أستوعب ذكر الأدلة في كل صفة إيثاراً في الاختصار وبعداً عن التطويل.

стр. 389

وسأذكر من كل نوع من الصفات مثالاً يقاس عليه غيره: فاليدان مثالٌ عن الصفات الخبرية كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، ونحوها. والنزول مثالٌ عن الصفات الفعلية الاختيارية كالمجيء، والاستواء، والضحك، ونحوها. وأفردت لصفة العلو لله تعالى فصلاً مستقلاً، ولمسألة الحرف والصوت فصلاً مستقلاً.

стр. 390

الفصل الأول في ذكر الإجماع على علو الله تعالى على خلقه بنفسه وأنه تعالى فوق العرش بذاته إن من أظهر صفات الله تعالى في الكتاب والسنة وأقوال الأئمة كثرةً في الأدلة وتنويعاً لها، مما يُقطع معها بحقيقة اتصاف الله تعالى بها، مع ما ركزه الله في الفطر السوية، وأقر به العقل الصحيح، هي صفة الفوقية لله تعالى، وأنه جل وعلا عالٍ على خلقه بذاته محيط بهم، لا يخفى عليه شيء من شئونهم وأحوالهم، وأنه يُشار إليه في السماء، وترفع إليه الأيدي في الدعاء.

стр. 391

المبحث الأول تنوع دلالات الكتاب والسنة في إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه وقد تنوعت الدلالات في كتاب الله تعالى على علو الله جل وعلا إلى أكثر من عشرين نوعاً أذكر بعضها: أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعيّنة لفوقية الذات، نحو: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ النحل٥٠. الثاني: ذكر الفوقية مجردة عن الأداة كقوله: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ الأنعام١٨. الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ المعارج٤. الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠. الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ النساء١٥٨.

стр. 392

السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً كقوله: ﴿وهو العلي العظيم﴾ البقرة٢٥٥، ﴿وهو العلي الكبير﴾ سبأ٢٣، ﴿إنه علي حكيم﴾ الشورى٥١. السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ الزمر١، ولم يقيد الله تبارك نزول شيء بأنه منه إلا القرآن. والنزول لا يكون إلا من علو. الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إن الذين عند ربك﴾ الأعراف٢٠٦. التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء كقوله: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون في بمعنى "على"، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك. العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة "على"، مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحباً في الأكثر لأداة ثم الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المُخاطبون منه غير العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتة. كقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤.

стр. 393

الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه، كقوله ﷺ : "إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا". الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو. الثالث عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم به وما يجب له ويمتنع عليه من جميع المعطلة في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء ويقول: "اللهم اشهد" ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه. الرابع عشر: التصريح بلفظ الأين، كما في سؤاله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) (١).

стр. 394

إلى غير ذلك من أنواع الأدلة الصريحة على علو الله تعالى على خلقه بذاته، وقهره، وسلطانه، وقَدْره، بحيث يمتنع تأويلها البتة، وليست هناك من صفات الله تعالى أظهر في كتابه من صفة العلو، حتى قال بعض العلماء: في القرآن أكثر من ثلاثمائة آية دالة على علوه تعالى بنفسه على خلقه، وقال بعضهم بل ألف دليل. وقد أفردت في إثباتها لله تعالى المصنفات، وأفردت لها الرسائل والأبواب، فمن ذلك كتاب "العلو للعلي الغفار" للذهبي، وكتاب "إثبات صفة العلو" لابن قدامة، وكتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" لابن القيم، وكتاب "الكلمات الحسان في علو الرحمن" لعبد الهادي وهبي وغيرها من المصنفات.

стр. 395

المبحث الثاني نصوص السلف في حكاية الإجماع المتيقن على إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه ولما كانت نصوص السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كثيرة جداً قد ذكرها من صنف في هذا الباب ممن سبق ذكرهم، أحببت أن أنقل فقط نصوص من حكى الإجماع المتيقن على إثبات صفة العلو لله تعالى علواً حقيقياً، بمعنى أن الله تعالى فوق خلقه بذاته، وأنه مع علوه لا يخفى عليه شيء من أمر بني آدم، وأنها فطرة فطر الله الخلق عليها. - إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (١٥٧ هـ) قال: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته) (١) اهـ.

стр. 396

- سعيد بن عامر الضبعى أبو محمد البصرى (٢٠٨ هـ) ذُكر عنده الجهمية فقال: (هم شر قولاً من اليهود والنصارى، قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله فوق العرش، وقالوا: هو ليس عليه شيء) (١) اهـ. - الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ) قال الذهبي: (قال أبو بكر الخلال أنبأنا المروذي حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا أبو داود الخفاف سليمان بن داود قال: قال إسحاق بن راهويه: "قال الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة" قال الذهبي: اسمع ويحك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة كما نقله في زمانه قتيبة المذكور) (٢) اهـ. - قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفى (٢٤٠ هـ) قال الذهبي: (قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقاش

стр. 397

المفسر واللفظ له حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد يقول: "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال ﷻ : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥". قال الذهبي: وكذا نقل موسى بن هارون عن قتيبة أنه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه. فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكاً، والليث، وحماد بن زيد، والكبار، وعمّر دهراً، وازدحم الحفاظ على بابه، قال لرجل أقم عندنا هذه الشتوة حتى أخرج لك عن خمسة أناسى مائة ألف حديث) (١) اهـ. - أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (٢٦٤ هـ) - الحافظ أبو حاتم الرازى محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلى (٢٧٧ هـ) قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟

стр. 398

فقالا: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً، وعراقاً، وشاماً، ويمناً، فكان من مذهبهم: ... فذكرا أموراً إلى أن قالا: وأن الله على عرشه بائنٌ من خلقه كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، أحاط بكل شيء علما ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ. - عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (٢٧٦ هـ) قال: (والأمم كلها عربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء ما تُركت على فطرها ولم تُنقل عن ذلك بالتعليم. وفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله ﷺ بأمة أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله تعالى؟ فقالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: هي مؤمنة، وأمره بعتقها -هذا أو نحوه) (٢) اهـ. - الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ) قال: (وقد اتفقت كلمة المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته) (٣) اهـ.

стр. 399

وقال: (وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه) (١) اهـ. - إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ) قال: (باب ذكر البيان أن الله في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم، ذكرانهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا: فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله) (٢) اهـ. - الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي (٣٦٠ هـ) قال: (والذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله سبحانه على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء ..... ) إلى أن قال: (فإن قال قائل: فإيش معنى قوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم الآية التي بها يحتجون؟ قيل له: علمه ، والله على عرشه وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم ... ) إلى أن قال: (باب ذكر السنن التي دلت العقلاء

стр. 400

على أن الله على عرشه فوق سبع سماواته وعلمه محيط بكل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) (١) اهـ. - أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ) قال: (وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله ﵎ على عرشه، فوق سماواته، بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه، لا يأبى ذلك، ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية.) (٢) اهـ. - الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (٤٢٩ هـ) قال: (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ الحديد٤، ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء) اهـ. وقال أيضا: (قال أهل السنة في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،: أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز) (٣) اهـ.

стр. 401

- الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠ هـ) قال الحافظ أبو نعيم فى كتابه "محجة الواثقين ومدرجة الوامقين": (وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية) (١) اهـ. وقال الذهبي: (قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني مصنف حلية الأولياء في كتاب الاعتقاد له: "طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة .... إلى أن قال: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائة من دون أرضه. قال الذهبي: فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد وكان حافظ العجم في زمانه بلا نزاع جمع بين علو الرواية وتحقيق الدراية) (٢) اهـ.

стр. 402

- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ) قال في كتاب "الإبانة": (وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان) (١) اهـ. - شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ) قال: (ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سماواته، على عرشه، كما نطق به كتابه .. ) إلى أن قال: (وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته) (٢) اهـ. - الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ) قال: (وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش

стр. 403

من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله في كل مكان وليس على العرش ... -ثم سرد الأدلة) (١) اهـ. وقال: (ومن الحجة أيضا في أنه على العرش فوق السموات السبع: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم) (٢) اهـ. وقال: (معاني هذا الحديث -أي حديث الجارية- واضحة يستغنى عن الكلام فيها، وأما قوله: أين الله؟ فقالت: في السماء، فعلى هذا أهل الحق لقول الله لتأويل قول الله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، ولم يزل المسلمون في كل زمان إذا دهمهم أمر وكربهم غم يرفعون وجوههم وأيديهم إلى السماء رغبة إلى الله في الكف عنهم) (٣) اهـ.

стр. 404

- الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن الهمذاني (٥٣١ هـ) قال الذهبي: (قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمذاني في مجلس وعظ أبي المعالي فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها: ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا، أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها، فقال: يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة، ولطم على رأسه ونزل، وبقي وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهمذاني) (١) اهـ. - الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ) قال: (وزعم هؤلاء -أي منكروا العلو الحسي-: أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد.

стр. 405

وقد أجمع المسلمون أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن في قوله: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ الأعلى١. وزعموا: أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو، لأن العلو صفة مدح، فثبت لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر، والغلبة.) (١) اهـ. - أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن رشد الحفيد القرطبي (٦٠٥ هـ) قال في كتاب "مناهج الأدلة في الرد على الأصوليين": (القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة ..... إلى أن قال: وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك) (٢) اهـ.

стр. 406

- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) قال: (إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزاً في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته) (١) اهـ. - أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (٦٧١هـ) قال في شرح أسماء الله الحسنى: (وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف، بائن من جميع خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات) (٢) اهـ.

стр. 407

وقال: (والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه ﵎ عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك ﵀: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂. وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء.) (١) اهـ.

стр. 408

- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ) قال: (قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الحافظ في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب سمعت حماد بن زيد يقول: "إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله" يعني الجهمية. قلت: مقالة السلف وأئمة السنة بل والصحابة والله ورسوله والمؤمنون أن الله في السماء، وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وحجتهم على ذلك النصوص والآثار. ومقالة الجهمية أن الله ﵎ في جميع الأمكنة تعالى الله عن قولهم بل هو معنا أينما كنا بعلمه. ومقال متأخري المتكلمين: أن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش، ولا على السموات ولا في الأرض، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا هو بائن عن خلقه ولا متصل بهم، وقالوا: جميع هذه الأشياء صفات الأجسام والله تعالى منزه عن الجسم. قال لهم أهل السنة والأثر: نحن لا نخوض في ذلك ونقول ما ذكرناه اتباعاً للنصوص وإن زعمتم، ولا نقول بقولكم، فإن هذه

стр. 409

السلوب نعوت المعدوم تعالى الله ﷻ عن العدم، بل هو موجود متميز عن خلقه، موصوف بما وصف به نفسه من أنه فوق العرش بلا كيف) (١) اهـ. وقال بعد نقله لكلام القرطبي: (وقال القرطبي أيضا في الأسنى "الأكثر من المتقدمين والمتأخرين يعني المتكلمين يقولون إذا وجب تنزيه الباري ﷻ عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين تنزيه الباري عن الجهة فليس لجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز والحركة والسكون للتحيز والتغير والحدوث. "هذا قول المتكلمين" قال الذهبي: نعم هذا ما اعتمده نفاة علو الرب ، وأعرضوا عن مقتضى الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق، ويلزم ما ذكروه في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر، ثم نقول لا نسلم كون الباري على عرشه فوق السموات يلزم منه أنه في حيز وجهة إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك، والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر

стр. 410

الأول، ونقله عنهم الأئمة، وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله: ﴿وهو معكم﴾ الحديد٤، فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم وهما قولان معقولان في الجملة. فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجاً عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجاً عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) (١) اهـ. فرع: في تقرير أبي الحسن الأشعري لعلو الله تعالى على خلقه بذاته، وإبطال كونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا محايث له قال في كتابه الإبانة في فصل "ذكر الاستواء على العرش" بعد ذكر الآيات الدالة على علو الله تعالى على جميع خلقه: (وقال تعالى حاكياً عن فرعون: ﴿يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السموات فأطلع إلى

стр. 411

إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ غافر٣٦، فكذب فرعون نبي الله موسى ﵊ في قوله إن الله فوق السماوات. وقال : ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ الملك١٦، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات .. ) إلى أن قال: (ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض. فصل: وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله مستوياً على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة) ..

стр. 412

ثم ساق الأدلة وأجاب عن شبهات المعتزلة وغيرهم ثم قال: (دليل آخر: قال الله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ النحل٥٠، وقال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ المعارج٤، وقال تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ فصلت١١، وقال تعالى: ﴿ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا﴾ الفرقان٥٩، وقال تعالى: ﴿ثم استوى على العرش ما لكم من ولي ولا شفيع﴾ السجدة٤، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزهاً عن الحلول والاتحاد. دليل آخر: قال الله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، وقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ البقرة٢١٠، وقال: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى﴾ إلى قوله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ النجم (٨ - ١٨)، وقال تعالى لعيسى ابن مريم ﵇: ﴿إني متوفيك ورافعك إليّ﴾ آل عمران٥٥، وقال تعالى: ﴿وما قتلوه يقينا

стр. 413

بل رفعه الله إليه﴾ النساء١٥٨، وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى ﷺ إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعاً: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعاً: لا والذي احتجب بسبع سماوات.) (١) اهـ. وقال في "مقالات الإسلاميين" في ذكر من ضل في علو الله تعالى فذكر منهم من قال أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك: (وقال قائلون: .. ثم قال: وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له، وأنه فوق الأشياء وفوق العرش ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها ... ) إلى أن قال: (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف ... ) إلى أن قال: (وقالت المعتزلة أن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.) (٢) اهـ.

стр. 414

وقال في "رسالة إلى أهل الثغر" في الإجماع التاسع عشر في إثبات علو الله تعالى وأنه لا ينافي معيته لخلقه بالعلم: (وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ الملك١٦، وقال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ فاطر١٠. وقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، وليس استواءه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه لم يزل مستولياً على كل شيء. وأنه يعلم السر وأخفى من السر، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض حتى كأنه حاضر مع كل شيء، وقد دل الله على ذلك بقوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ الحديد٤، وفسر ذلك أهل العلم بالتأويل أن علمه محيط بهم حيث كانوا. وأنه له كرسياً دون العرش، وقد دل الله سبحانه على ذلك بقوله: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ البقرة٢٥٥، وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ أن الله تعالى يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده) (١) اهـ.

стр. 415

فرع: في تقرير عبد الله بن سعيد بن كلاب لعلو الله تعالى على عرشه، وإبطال من زعم أنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا محايث له قال: (ويقال لهم أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم، قيل: ما تعنون بقولكم إنه فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم: ليس عن هذا سألناكم، وإن قالوا: المسألة خطأ، قيل: فليس هو فوق، فإن قالوا: نعم ليس هو فوق، قيل لهم: وليس هو تحت، فإن قالوا: ولا تحت أعدموه، لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، وإن قالوا: هو فوق وهو تحت، قيل لهم: فوق تحت وتحت فوق .... وقال أيضاً: (يقال لهم إذا قلنا الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان فهذا محال، فلا بد من نعم، قيل لهم: فهو لا مماس ولا مباين، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم، فإذا قالوا: نعم، قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من هذه الجهة، وقيل لهم: أليس لا يقال لما ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين؟

стр. 416

فإذا قالوا: نعم، قيل: فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما، قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم كما تقولون للإنسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم، وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجوداً له فإذا كان العدم وجوداً كان الجهل علماً والعجز قوة) (١) اهـ. وقال الذهبي في ترجمته: (وصنف في التوحيد وإثبات الصفات، وأن علو الباري على خلقه معلوم بالفطرة والعقل على وفق النص) (٢) اهـ. فرع في تقرير علو الله بذاته على خلقه من كلام الحاث المحاسبي قال في كتابه "فهم القرآن": (وأن قوله: ﴿على العرش استوى﴾ طه٥، ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ الآية الأنعام١٨، ﴿أأمنتم من فى السماء﴾ الملك١٦،

стр. 417

﴿إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا﴾ الإسراء٤٢، فهذا وغيره مثل قوله: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ المعارج٤، ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول فى خلقه، لا يخفى عليه منهم خافية، لأنه أبان فى هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده، لأنه قال: ﴿أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ الملك١٦، يعنى فوق العرش، والعرش على السماء، لأن من قد كان فوق كل شىء على السماء فى السماء، .. ) إلى أن قال: (﴿وقال فرعون يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى﴾ غافر٣٦، ثم استأنف الكلام فقال ﴿وإنى لأظنه كاذبا﴾ فيما قال لى أن إلهه فوق .. ) (١) اهـ.

стр. 418

المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب خلاصة الفصل: أولاً: أن الله ﵎ متصف بالعلو المطلق، علو الذات، وعلو القهر، وعلو القَدْر، وأن الأدلة متضافرة على تقرير هذا الأمر، فقد دل على علوه تعالى على خلقه بذاته: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل.

стр. 419

ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري وعبد الله بن سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي يثبتون علو الله ﵎ على خلقه، وأنه علو الذات والقهر والغلبة والقدر، ويبطلون ما خالف ذلك. [بيان نفي الأشاعرة لعلو الله تعالى وقولهم في هذا الباب بما يمتنع بداهة] ثالثاً: بطلان قول الأشاعرة في إنكار علو الله تعالى بذاته على عرشه، وتأويلهم له بعلو القهر والغلبة والقدر، وأنهم في ذلك مخالفون للكتاب والسنة والإجماع، موافقون للجهمية والمعتزلة. قال البيجوري في شرح الجوهرة في شرح قول الناظم "ويستحيل ضد ذي الصفات ... في حقه كالكون في الجهات": (فليس -أي الله ﵎ فوق العرش ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله ... فليس له فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال .. ) (١) اهـ. وقال الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد": (ندعي - أي

стр. 420

الأشاعرة - أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست .... فإن قيل: فنفي الجهة يؤدي إلى المحال وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست، ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه وذلك محال .... ) ثم أجاب عن هذا مؤكداً عدم امتناع اتصاف الله بما ذُكر (١). وقال الشهرستاني في "نهاية الإقدام في علم الكلام": (فإنا نقول: ليس بداخل العالم ولا خارج) (٢) اهـ. وقال التفتازاني: (وإذا لم يكن -أي الله تعالى- في مكان: لم يكن في جهة، لا علو، ولا سفل، ولا غيرهما .. ) (٣) اهـ. وقال الأشعريان (ص١٣٩): (ولا يُفهم من قول أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بأنه داخل العالم ولا أنه خارجه، بأنهم يصفونه بالعدم ... وإنما مرادهم كما مر أن إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لا يجوز وهو منزه عنه - أي علو الله تعالى على خلقه علواً بمعنى الفوقية والارتفاع - .... أما ما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ التي ظاهرها إثبات الجهة والمكان لله تعالى فهي - قطعاً وباتفاق علماء السلف والخلف - مصروفة عن ظاهرها وحقائقها .. ) اهـ.

стр. 421

هذا معتقد القوم في الله ﵎ عما زعموه علواً كبيراً، وصدق الذهبي إذا يقول عن هذه المقالة: (فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجاً عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجاً عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين) (١) اهـ. وهكذا يتبين لكل ذي لب مخالفة الأشاعرة والأشعريّيْن للكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل، بل ومخالفتهم لأبي الحسن الأشعري نفسه الذي يزعمون الانتساب إليه. ولعله من المناسب أن نلحق هذا الفصل لما يؤكده وهو:

стр. 422

الفصل الثاني في جواز السؤال عن الله تعالى بـ أين؟ والرد على من أنكر ذلك المبحث الأول دلالة السنة على جواز السؤال عن الله تعالى بأين ؟ من أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه، التصريح في السؤال عن الله تعالى بلفظ (الأين). فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: (وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) (١).

стр. 423

وهذا صريح في جواز السؤال عن الله تعالى بـ "أين" والجواب عنه بالقول بأنه في السماء، وأنه علامة على صحة الإيمان بالله، لما فيه من معرفة الله تعالى بإثبات علوه على خلقه، وأنه في السماء. وقد أجمع السلف على صحة السؤال عن الله تعالى به، وعلى وجوب الجواب الجواب بكونه ﵎ في السماء، وأنكروا على من منع ذلك، بل اعتبروا المنع منه رداً على رسول الله ﷺ ، وإنكاراً لعلو الله ﵎. وفي حديث النبي ﷺ كفاية وغنية بحمد الله، وفيه حجة دامغة على من أبطل ذلك ومنعه، ولكن أكثرهم لا يفقهون.

стр. 424

المبحث الثاني نصوص السلف الدالة على جواز السؤال عن الله بـ: أين ؟ ومع ذلك فأنا أذكر هنا بعض نصوص السلف الدالة على ذلك، والمؤكدة لما جاء في الحديث: - سليمان بن طرخان التيمى أبو المعتمر البصرى (١٤٣ هـ) قال صدقة: (سمعت التيمي يقول: لو سُئلت أين الله ﵎؟ قلت: في السماء. فإن قال: فأين عرشه قبل أن يخلق السماء؟ قلت: على الماء. فإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟ قلت: لا أدري) (١) اهـ. - الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ) قال في الرد على قول المعارض بالمنع من السؤال عن الله

стр. 425

بـ"أين": (وصرحت أيضاً بمذهب كبير فاحش من قول الجهمية. فقلت: إذا قالوا لنا: أين الله؟ فإنا لا نقول بالأينية بحلول المكان. إذا قيل: أين هو؟ قيل: هو على العرش وفي السماء. فيقال لك أيها المعارض: ما أبقيت غاية في نفي استواء الله على العرش واستوائه إلى السماء، إذ قلت: لا نقول: إنه على العرش وفي السماء بالأينية. ومن لم يعرف أن إلهه فوق عرشه، فوق سماواته، فإنما يعبد غير الله، ويقصد بعبادته إلى إله في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إله في الأرض كان كعابد وثن، لأن الرحمن على العرش، والأوثان في الأرض، كما قال لجبريل: ﴿عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين﴾ التكوير٢٠، ففي قوله دليل على البينونة والحد بقوله ﴿ثم﴾ لا ها هنا في الكنف والمراحيض كما ادعيتم. وإن أبيت أيها المعارض أن تؤين الله تعالى وتقر به أنه فوق عرشه، دون ما سواه، فلا ضير على من أينه، إذ رسوله ونبيه ﷺ قد أينه فقال للأمة السوداء: "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" وكذلك أينه رسول الله ﷺ وخليله إبراهيم أنه في السماء) .... إلى أن قال: (وأما قولك: لا يوصف بأين. فهذا أصل كلام جهم) (١) اهـ.
следующие страницы →