← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14616

الأشاعرة في ميزان أهل السنة

فيصل الجاسم

Полный текст (723 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

هذا معتقد القوم في الله ﵎ عما زعموه علواً كبيراً، وصدق الذهبي إذا يقول عن هذه المقالة: (فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجاً عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجاً عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين) (١) اهـ. وهكذا يتبين لكل ذي لب مخالفة الأشاعرة والأشعريّيْن للكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل، بل ومخالفتهم لأبي الحسن الأشعري نفسه الذي يزعمون الانتساب إليه. ولعله من المناسب أن نلحق هذا الفصل لما يؤكده وهو:

стр. 422

الفصل الثاني في جواز السؤال عن الله تعالى بـ أين؟ والرد على من أنكر ذلك المبحث الأول دلالة السنة على جواز السؤال عن الله تعالى بأين ؟ من أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه، التصريح في السؤال عن الله تعالى بلفظ (الأين). فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: (وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) (١).

стр. 423

وهذا صريح في جواز السؤال عن الله تعالى بـ "أين" والجواب عنه بالقول بأنه في السماء، وأنه علامة على صحة الإيمان بالله، لما فيه من معرفة الله تعالى بإثبات علوه على خلقه، وأنه في السماء. وقد أجمع السلف على صحة السؤال عن الله تعالى به، وعلى وجوب الجواب الجواب بكونه ﵎ في السماء، وأنكروا على من منع ذلك، بل اعتبروا المنع منه رداً على رسول الله ﷺ ، وإنكاراً لعلو الله ﵎. وفي حديث النبي ﷺ كفاية وغنية بحمد الله، وفيه حجة دامغة على من أبطل ذلك ومنعه، ولكن أكثرهم لا يفقهون.

стр. 424

المبحث الثاني نصوص السلف الدالة على جواز السؤال عن الله بـ: أين ؟ ومع ذلك فأنا أذكر هنا بعض نصوص السلف الدالة على ذلك، والمؤكدة لما جاء في الحديث: - سليمان بن طرخان التيمى أبو المعتمر البصرى (١٤٣ هـ) قال صدقة: (سمعت التيمي يقول: لو سُئلت أين الله ﵎؟ قلت: في السماء. فإن قال: فأين عرشه قبل أن يخلق السماء؟ قلت: على الماء. فإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟ قلت: لا أدري) (١) اهـ. - الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ) قال في الرد على قول المعارض بالمنع من السؤال عن الله

стр. 425

بـ"أين": (وصرحت أيضاً بمذهب كبير فاحش من قول الجهمية. فقلت: إذا قالوا لنا: أين الله؟ فإنا لا نقول بالأينية بحلول المكان. إذا قيل: أين هو؟ قيل: هو على العرش وفي السماء. فيقال لك أيها المعارض: ما أبقيت غاية في نفي استواء الله على العرش واستوائه إلى السماء، إذ قلت: لا نقول: إنه على العرش وفي السماء بالأينية. ومن لم يعرف أن إلهه فوق عرشه، فوق سماواته، فإنما يعبد غير الله، ويقصد بعبادته إلى إله في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إله في الأرض كان كعابد وثن، لأن الرحمن على العرش، والأوثان في الأرض، كما قال لجبريل: ﴿عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين﴾ التكوير٢٠، ففي قوله دليل على البينونة والحد بقوله ﴿ثم﴾ لا ها هنا في الكنف والمراحيض كما ادعيتم. وإن أبيت أيها المعارض أن تؤين الله تعالى وتقر به أنه فوق عرشه، دون ما سواه، فلا ضير على من أينه، إذ رسوله ونبيه ﷺ قد أينه فقال للأمة السوداء: "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" وكذلك أينه رسول الله ﷺ وخليله إبراهيم أنه في السماء) .... إلى أن قال: (وأما قولك: لا يوصف بأين. فهذا أصل كلام جهم) (١) اهـ.

стр. 426

فتأمل قوله في أن المنع عن السؤال بأين، هو أصل الجهمية!! - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ) قال بعد روايته لحديث الجارية: (اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟ وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء. والثاني: قوله "اعتقها فإنها مؤمنة". أما الفصل الأول فظاهر الخبر يقتضي جواز السؤال عنه، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء، لأن النبي ﷺ قال لها "أين الله؟ "، فلولا أن السؤال عنه جائز لم يسأل، وأجابته بأنه في السماء وأقرها على ذلك، فلولا أنه يجوز الإخبار عنه سبحانه بذلك لم يقرها عليه ... ) إلى أن قال: (وقد أطلق أحمد القول بذلك فيما خرجه في "الرد على الجهمية" .. ) (١) اهـ. - شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ) قال في بيان موافقة الأشاعرة للجهمية: (فاسمعوا يا أولي الألباب، وانظروا ما فضل هؤلاء -أي الأشاعرة- على أولئك

стр. 427

-أي الجهمية-، أولئك قالوا: -قبح الله مقالتهم- إن الله موجود بكل مكان، وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان ولا يوصف بأين. وقد قال المبلغ عن الله لجارية معاوية بن الحكم ﵁: "أين الله".) (١) اهـ. - تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ) قال بعد روايته لحديث الجارية: (ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً، ممن يقول: إنه لا يجوز أن يُقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: أين الله؟) (٢) اهـ. - الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ) قال بعد ذكر حديث الجارية: (وهكذا رأينا كل من يُسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول: في السماء. ففي الخبر مسألتان: إحداهما: شرعية، قول المسلم أين الله. وثانيهما: قول المسؤول: في السماء.

стр. 428

فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ ) (١) اهـ. فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري قال في "الإبانة" في باب ذكر الاستواء على العرش: (دليل آخر: وروت العلماء ﵏ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن عمله). وروت العلماء أن رجلا أتى النبي ﷺ بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟ فقال لها النبي ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة. وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء .. ) (٢) اهـ.

стр. 429

فرع: تقرير هذا الأصل من قول عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان قال فى كتاب "الصفات" فى باب القول فى الاستواء فيما نقله عن ابن فورك: (فرسول الله وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعاً به يجيز السؤال بأين، ويقوله يستصوب قول القائل إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول الله أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فتوهمين أن الله محدود وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي إنه في كل مكان دون مكان، لأنه الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له. قال: ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحداً من الناس عنه عربياً ولا عجمياً ولا مؤمناً ولا كافراً فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح، أو أوما

стр. 430

بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحداً داعياً له إلا رافعاً يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحداً غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون رجلاً معه نعوذ بالله من مضلات الفتن) اهـ. ثم قال ابن فورك: فقد حقق ﵀ في هذا الفصل شيئاً من مذاهبه، أحدها: إجازة القول بأين الله؟ في السؤال عنه، والثاني: صحة الجواب عنه بأن يقال: في السماء، والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة) (١) اهـ.

стр. 431

المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب خلاصة الفصل: أولاً: جواز السؤال عن الله تعالى بـ: أين الله؟، والجواب عنه: بأنه في السماء، ولا يستلزم هذا تحديداً، ولا تكييفاً، ولا شيئاً من لوازم صفات المخلوقين، وأنه مذهب السلف بلا خلاف بينهم اتباعاً للنبي ﷺ . ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري وعبد الله بن سعيد بن كلاب موافقان للسلف في هذه المسألة، ومنكران على من منع السؤال بأين، وعليه فإن كل من يزعم الانتساب إليهما مع مخالفته لهما فدعواه باطلة. ثالثاً: أن الذي ينكر السؤال عن الله تعالى بأين، إنما هم المعطلة كالجهمية والمعتزلة وكل من وافقهم على هذا. رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية والمعتزلة في إنكار السؤال عن الله تعالى بأين، وبه يتبين بطلان ما ادعاه الأشعريان من موافقة الأشاعرة للسلف.

стр. 432

الفصل الثالث إثبات أن الله تبارك تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين اتفق أهل السنة والجماعة على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله ﵎ موصوف بالكلام، وأنه يتكلم متى شاء كيف شاء بحرف وصوت مسموع، لا يشبه كلام المخلوقين، بل كلامه لائق به سبحانه، وكلامه صفة له كذاته نؤمن به ونثبته ولا نعلم كيفيته، ولا نمثله بشيء من صفات خلقه، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وهو السميع البصير المتكلم.

стр. 433

المبحث الأول الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى الله ﵎ يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين، وقد دل على إثبات كون الله ﵎ يتكلم بحرف وصوت: الكتاب والسنة والإجماع واللغة. فمن الكتاب قوله ﵎: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤. وقال: ﴿فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ الأعراف١٤٣. وغير ذلك من الآيات. والكلام لغةً لا يكون إلا بحرف وصوت. فلما أثبت الله لنفسه الكلام دل على أنه حرف وصوت. لأن الله تعالى وصف كتابه بأنه: ﴿بلسان عربي مبين﴾ الشعراء١٩٥. قال أبو نصر السجزي: (الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت بهم اللغات.

стр. 434

وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات متقطعة. وقالت العرب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل: زيد، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجئ لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك. فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً) (١) اهـ. وقال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (وقد أجمع أهل العربية أن ما عدا الحروف والأصوات ليس بكلام حقيقة) (٢) اهـ. وقال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦. ومعلوم أن السامع إنما يسمع حرفاً وصوتاً. والقرآن كلام الله ﵎، وقد بين النبي ﷺ أنه سور وآي وحروف فقال: (من قرأ سورة الإخلاص .. ) الحديث، (ومن قرأ آية الكرسي) الحديث، و (من قرأ حرفاً من القرآن) الحديث. وقد وصف الله ﵎ نفسه بالنداء فقال: ﴿وإذ نادى ربك موسى﴾ الشعراء١٠.

стр. 435

وقال تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه﴾ النازعات١٦. قال السجزي: (والنداء عند العرب صوت لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ أنه من الله غير صوت) (١) اهـ. وقال ابن منظور في اللسان: (النداء: الصوت) (٢) اهـ. أما الأدلة من السنة: (١) فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يقول الله يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين ... ) الحديث (٣). (٢) عن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: (قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلاً بُهماً، قال: قلنا: وما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من

стр. 436

أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عراة غرلاً بُهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات) (١). (٣) وعن عبد الله ﵁ قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال سكن عن قلوبهم، نادى أهل

стр. 437

السماء: ماذا قال ربكم؟ قال ﷺ : الحق، قال كذا وكذا) (١). وغيرها أحاديث كثيرة رواها أهل العلم وتلقوها بالقبول غير منكرين لمعناها، ولا طاعنين في دلالتها.

стр. 438

المبحث الثاني نصوص السلف الدالة على إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى وأما أقوال الأئمة فكثيرة منها: - محمد بن كعب القرظى (١٢٠ هـ) قال: (قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: بما شبهت صوت ربك حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يترجع) (١) اهـ. - أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (١٧٣ هـ) قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله موسى تكليماً؟ قال: مشافهة) (٢) اهـ. - وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين) قال في قول الله : ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤، قال: «مشافهة مراراً» (٣). قلت: وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه). - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) قال عبد الله: (سألت أبي ﵀ عن قوم، يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى إن ربك

стр. 439

عز وجل تكلم بصوت هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. وقال أبي ﵀: حديث ابن مسعود ﵁ "إذا تكلم الله سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان"، قال أبي: وهذا الجهمية تنكره. وقال أبي: هؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر، ألا إنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت) (١) اهـ وقال أبو بكر الخلال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا يعقوب بن بختان قال: (سئل أبو عبد الله عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت؟ قال: بلى يتكلم سبحانه بصوت) (٢) اهـ. وأخرج أبو بكر الخلال عن المروذي قال: (سمعت أبا عبد الله وقيل له: أن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام، فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله) (٣) اهـ.

стр. 440

وقال أبو يعلى: (وقد نص أحمد في رواية الجماعة على إثبات الصوت) (١) اهـ. وقال في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" في باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى: (قال أحمد رضى الله عنه فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. وحديث الزهري قال: "لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت. قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله) (٢) اهـ.

стр. 441

وقال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد -وهو الذي يعتمد عليه الأشعريان في نقل معتقده-: (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف) (١) اهـ. - الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري (٢٥٦ هـ) قال: (وإن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله ذكره. قال أبو عبد الله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يُسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا. وقال : ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ البقرة٢٢، فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين) (٢) اهـ.

стр. 442

- إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (٣٢٩هـ) قال: (والإيمان بأن الله ﵎ هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا، فقد كفر بالله العظيم) (١) اهـ. - شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ) قال منكراً على الأشاعرة نفيهم للحرف والصوت: (ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف .. ) (٢) اهـ. - الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ) قال في كتابه الحجة: (فصل: الدليل على أن القرآن منزل، وهو ما يقرأه القارئ خلافاً لمن يقول: كلام الله ليس بمنزل ولا حرف ولا صوت:

стр. 443

فإن قيل: المتكلم بحرف وصوت يحتاج إلى أدوات الكلام، فقل: عدم أداة الكلام لا يمنع من ثبوت الكلام، كما أن عدم آلة العلم لا يمنع من ثبوت العلم. دليل أهل السنة: قوله تعالى: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦، والمسموع إنما هو الحرف والصوت، لأن المعنى لا يُسمع ولا يُفهم. يقال في اللغة: سمعت الكلام وفهمت المعنى، فلما قال: حتى يسمع: دل على أنه حرف وصوت. .... ) (١) اهـ. - الشيخ أبو البيان محمد بن محفوظ السلمي الدمشقي الشافعي اللغوي (٥٥١ هـ) قال أبو المعالي أسعد بن المنجا: (كنت يوما عند الشيخ أبي البيان رحمه الله تعالى فجاءه ابن تميم الذي يدعى الشيخ الأمين، فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك الحنابلة إذا قيل لهم ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت، قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وسرد الشيخ الآيات والأخبار، وأنتم إذا قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس؟ قلتم: قال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد، إيش هذا الأخطل نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله وتركتم الكتاب والسنة) (٢) اهـ.

стр. 444

- أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (٥٦١ هـ) قال في كتابه "الغنية" في القرآن: (هو كلام الله تعالى في صدور الحافظين وألسن الناطقين، في أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، ومصاحف أهل الإسلام، وألواح الصبيان، حيثما رؤي ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته، أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، ولا يؤاكل، ولا يُناكح، ولا يُجاور، بل يُهجر ويُهان ... - ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ثم قال: فصل: ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة، وأصوات مسموعة، لأن بها يصير الأخرس ةالساكت متكلماً ناطقاً، وكلام الله لا ينفك عن ذلك، فمن جحد ذلك فقد كابر حسه وعميت بصيرته - ثم ساق الأدلة ثم قال: وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله

стр. 445

حسيب كل مبتدع ضال مضل ... ) (١) اهـ. - تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ) (ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة: عين كلام الله لاحكاية ولا عبارة ..... ومن أنكر أن يكون حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان. وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود ﵁ عن

стр. 446

رسول الله ﷺ أنه قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله عشر حسنات) ... ثم ساق الأدلة إلى أن قال: (وقول القائل: بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج: باطل ومحال. قال الله : ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ ق٣٠. وكذلك قوله تعالى إخباراً عن السماء والأرض أنهما قالتا: ﴿أتينا طائعين﴾ فصلت١١. فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات) (١) اهـ. - الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال في رده على من أنكر على الحافظ عبد الغني المقدسي إثباته الصوت لله تعالى، وأن هذا مخالف لمعتقد الإمام أحمد: (وأما إنكار إثبات الصوت عن الإمام الذي ينتمي إليه الحافظ، فمن أعجب العجب، وكلامه -أي الإمام أحمد- في إثبات الصوت كثير جداً ... -ثم ذكر الآثار عن الإمام أحمد-) (٢) اهـ. ومع هذه النصوص الصريحة من هؤلاء الأئمة، فإنه لم يُنقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف، كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذى سمعه موسى قديم، ولا أن ذلك النداء قديم، ولا قال أحد منهم: أن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذى تكلم الله به، بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذى يتكلم الله به وبين أصوات العباد. - الإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي (٧٩٢ هـ) ذكر افتراق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال فقال:

стр. 447

(وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو متكلم به بصوت يُسمع، وإن نوع الكلام قديم وإن لم تكن صورة المعين قديماً، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة.) (١) اهـ. وقد نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر (٢) بحرفه، ولم يتعقبه بشيء.

стр. 448

فرع: في تقرير أن الله تعالى يتكلم متى شاء وأن كلامه يسمع من ذاته تعالى، من كلام أبي الحسن الأشعري قال في الإبانة في الباب الرابع "الكلام في أن القرآن كلام الله غير مخلوق": (دليل آخر: وقد قال الله : ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤، والتكليم هو المشافهة بالكلام) (١) اهـ. قال الجوهري: (المشافهة: المخاطبة من فيك إلى فيه). وهذا ظاهر في أن أبا الحسن الأشعري يثبت أن الله تعالى شافه موسى ﵇، فخاطبه تعالى من ذاته، وأن موسى سمع كلام الله تعالى حينئذ، ولا يكون هذا إلا إذا حرفاً وصوتاً مسموعاً.

стр. 449

فرع في تقرير أن الله يتكلم بحرف وصوت من كلام الحارث المحاسبي أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي (٢٤٣ هـ) قال الكلاباذي في الباب العاشر "اختلافهم في الكلام ما هو؟ ": (وقالت طائفة منهم: كلام الله حرف وصوت، وزعموا أنه لا يُعرف كلامه إلا ذلك، مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته غير مخلوق، وهذا قول حارث المحاسبي، ومن المتأخرين ابن سالم) (١) اهـ. وهذا القول هو الذي رجع إليه في آخر حياته، بعد أن هجره الإمام أحمد وحذر منه بسبب دخوله في الكلام، ومشيه على طريقة ابن كلاب.

стр. 450

المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه خلاصة الفصل: أولاً: اتفاق السلف على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله تعالى موصوف بالكلام حقيقة، وأنه يتكلم بحرف وصوت مسموع لا يشبه أصوات المخلوقين، وهو الذي. ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا فيما استقر عليه مذهبه. ثالثاً: أن أئمة السنة كانوا يعدون من أنكر تكلم الله تعالى بصوت من الجهمية، كما نص عليه أحمد وغيره. [موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت] رابعاً: موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت لله، وهذا يبطل دعوى الأشعريّيْن في كون الأشاعرة من أهل السنة، وأنهم موافقون للسلف.

стр. 451

قال الأشعريان (ص٧٦): (ومن يطالع النظامية يعلم موافقتها لاعتقاد أهل السنة الأشاعرة، فمن أمثلة ذلك تنزيه الإمام الجويني لله تعالى عن الجهة، والمكان، والحيز، والحرف، والصوت، وظواهر المتشابه، ..... وكذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فكتابه "إلجام العوام" .... هو في حقيقة الأمر تأصيل لمسلك السادة الأشاعرة من حيث تنزيه الله تعالى عن سمات الحوادث مثل الجهة، والمكان، والحروف، والأصوات، وظواهر المتشابه، ... ) اهـ. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (ولا يجوز أن يطلق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ولا صوت) (١) اهـ. وقال الغزالي في صفة الكلام لله: (فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته وباستحالة كونه متكلماً بهذا الاعتبار .... وأما الحروف فهي حادثة .... وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ولا صوت) (٢) اهـ. وقال البيجوري في شرح الجوهرة عن صفة الكلام لله: (صفة أزلية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت) (٣) اهـ.

стр. 452

فرع في أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب هو ابتداعهم القول في الكلام النفسي: وهو أن حقيقة الكلام عندهم هو ما قام بالنفس، واللفظ غير داخل في حقيقته، وهذا قول لم يُسبقوا إليه البتة. إذ الكلام لغة: هو اللفظ والمعنى، أو لفظ جاء لمعنى، ولا يُعرف الكلام في لغة العرب إلا هذا. وكان ابن كلاب أول من ابتدع الكلام النفسي، وأن الله لا يتكلم بمشيئته، وأن كلامه بلا بحرف ولا صوت، وتبعه عليه الأشعري. قال أبو نصر السجزي: (اعلموا أرشدنا الله وإياكم أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والصالحي، والأشعري، .... في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق وإن اختلفت اللغات ..... فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه حاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان عليه السلف ..... فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك

стр. 453

كلاماً في المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم ... فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم .... وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه. ومن عُلم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله، لم يُناظر بل يجانب ويقمع .. ) (١) اهـ. وقال ابن الجوزي: (وهذا أمر مستقر -أي القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق- لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول ﷺ والصحابة ﵃، ثم دس الشيطان دسائس البدع، فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق، فثبت الإمام أحمد رحمة الله ثبوتاً لم يثبته غيره على دفع هذا القول لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس، ويخرجه عن الإضافة إلى الله . ورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله فقال: كيف أقول ما لم يقل. ثم لم يختلف الناس في غير ذلك، إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري. فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عَنَّ له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس. فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق.

стр. 454

وزادت فخبطت العقائد، فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم) (١) اهـ. وقال الذهبي في ترجمة ابن كلاب: (وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة، وهذا ما سبق إليه أبداً) (٢) اهـ. موافقة الأشاعرة للمعتزلة في أن القرآن الذين بين أيدينا مخلوق: وتفرع عما سبق من ابتداع الكلام النفسي عند الأشاعرة القول بأن القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، فوافقوا بذلك الجهمية والمعتزلة. فالمعتزلة لا يثبتون كلاماً لله تعالى إلا ما قام بغيره، ويقولون عن القرآن أنه كلام الله، باعتبار أنه خلقه في غيره، ولا يقوم بذاته لا كلام ولا غيره. وأما الأشاعرة فالكلام عندهم هو ما قام بذات الله تعالى، وهو كلام له حقيقة وليس بحرف ولا صوت، وأما ما بين دفتي المصحف فهو عبارة عن كلام الله تعالى، وليس هو حقيقة كلام الله.

стр. 455

قال البيجوري في جوهرة التوحيد: (واعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خلقه .... ومع كون اللفظ الذي نقرأه حادثاً لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم .... وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعاً بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ، فدل التزاماً على أن له تعالى كلاماً نفسياً، وهذا هو المراد بقولهم: القرآن حادث ومدلوله قديم .... ومذهب أهل السنة -يقصد الأشاعرة- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرأه

стр. 456

فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق يراد به اللفظ الذي نقرأه إلا في مقام التعليم، لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن .... فالقرآن يطلق على كل من النفسي واللفظي، والأكثر إطلاقه على اللفظي .... والراجح أن المنزل اللفظ والمعنى، وقيل المنزل: المعنى وعبر عنه جبريل بألفاظ من عنده، وقيل: المنزل المعنى وعبر عنه النبي ﷺ بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول، لأن الله خلقه أولاً في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا .. ) (١) اهـ. وهذا يعني اتفاق الأشاعرة والمعتزلة في أن القرآن العربي المقروء، والموجود بين دفتي المصحف مخلوق، وأن الخلاف الوحيد بين الأشاعرة والمعتزلة هو في إثبات الكلام النفسي أو نفيه، فلو اعترف المعتزلة به لانتهى الخلاف!! وقد نص على هذه الحقيقة أئمة الأشعرية: قال الجويني في خلاف الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الكلام: (واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة، وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات، فإن أثبتوه وقدروه كلاماً، فهو في نفسه ثابت، وقولهم -أي المعتزلة-: إنه -أي القرآن

стр. 457

المقروء- كلام الله، إذا رُد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والمسميات، فإن معنى قولهم -أي المعتزلة- "هذه العبارات كلام الله" أنها خلقه، ونحن لا ننكر أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلماً به، فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته.) (١) اهـ. وقال الشهرستاني: (وخصومنا -أي المعتزلة- لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ونكتبها في المصاحف، لوافقونا على اتحاد المعنى، لكن لما كان الكلام لفظاً مشتركاً في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد، فإن ما يثبته الخصم كلاماً -أي القرآن- فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير وأنه محدث مخلوق، وما يثبته الأشعري كلاماً -أي النفسي- فالخصم ينكره أصلاً .. ) (٢) اهـ. وقال التفتازاني (٣) في شرح العقائد النسفية: (وتحقيق الخلاف

стр. 458

بيننا وبينهم - أي المعتزلة - يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي. ... وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوق وسمات الحدوث، من: التأليف، والتنظيم، والإنزال، وكونه عربياًَ، مسموعاً، فصيحاً، معجِزاً، إلى غير ذلك: فإنما يقوم حجة على الحنابلة - أي الذين يرون أن القرآن الموجود بين دفتي المصحف كلام الله على الحقيقة - لا علينا، لأنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم) (١) اهـ. وقال محمد زاهد الكوثري: (لأن القرآن يطلق على ما قام بالله من الألفاظ العلمية الغيبية وهو غير مخلوق وغير حال في مخلوق، وعلى المكتوب بين الدفتين، وعلى المحفوظ في القلوب من الألفاظ الذهنية، وعلى الملفوظ بالألسن على سبيل الاشتراك اللفظي عنده -أي الباقلاني-، والقرينة هي التي تعين المراد منها في كل موضع، وما سوى الأول مخلوق، وهذا البحث أنضج عند المتأخرين من أئمة الأشاعرة.) (٢) اهـ. وقال البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" في باب "جوهر الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة": (ثم المعتزلة فسروا

стр. 459

هذا الذي أجمع السلمون على إثباته لله تعالى -أي صفة الكلام- بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم. ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئاً آخر من وراء هذه الأصوات والحروف، تحت اسم: الكلام. أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة -أي أن القرآن المقروء والموجود بين دفتي المصحف مخلوق حادث-، بل نقول به، ونسميه كلاماً لفظياً ونحن جميعاً متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث، ولكننا نثبت أمراً وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يُعبّر عنها بالألفاظ .... وهذا المقصود بإسناد الكلام إلى الله تعالى، وبه يفسر ما أجمع عليه المسلمون) (١) اهـ. وقال وهبي سليمان غاوجي: (قال علماء أصول الدين: أن الكلام ينقسم إلى قسمين: الأول: الكلام اللفظي، والثاني: الكلام النفسي. فأما اللفظي: فهو ذلك القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد، وكذا سائر الكتب المنزلة على الرسل ﵈، ولا ريب في أن الكلام اللفظي مخلوق له تعالى.

стр. 460

وأما النفسي: فهو صفة قديمة زائدة على ذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ويدل عليها الكلام اللفظي .. ) (١) اهـ. وقد صرح بذلك الآمدي في "غاية المرام"، والإيجي في "المواقف". فتأمل يا رعاك الله هذه التصريحات بأن القرآن الذي نقرأه ونتلوه ونكتبه في المصاحف مخلوق، ليس هو عين كلام الله. وهل هذا في حقيقته إلا قول الجهمية والمعتزلة!!! وقال العلامة الملا جلال الدواني في شرحه للعقائد الضدية في بيان لوازم هذا القول الشنيع: (والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات. ولا نزاع بين الشيخ -أي: الأشعري- والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه .... فالشيخ لما قال: هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده به مدلول اللفظ وهو القديم عنده، وأم العبارات فإنما سميت كلاماً مجازاً لدلالتها على ما هو الكلام الحقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه، ولكنها ليست كلاماً له تعالى حقيقة.
следующие страницы →