فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق يراد به اللفظ الذي نقرأه إلا في مقام التعليم، لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن .... فالقرآن يطلق على كل من النفسي واللفظي، والأكثر إطلاقه على اللفظي .... والراجح أن المنزل اللفظ والمعنى، وقيل المنزل: المعنى وعبر عنه جبريل بألفاظ من عنده، وقيل: المنزل المعنى وعبر عنه النبي ﷺ بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول، لأن الله خلقه أولاً في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا .. ) (١) اهـ.
وهذا يعني اتفاق الأشاعرة والمعتزلة في أن القرآن العربي المقروء، والموجود بين دفتي المصحف مخلوق، وأن الخلاف الوحيد بين الأشاعرة والمعتزلة هو في إثبات الكلام النفسي أو نفيه، فلو اعترف المعتزلة به لانتهى الخلاف!!
وقد نص على هذه الحقيقة أئمة الأشعرية:
قال الجويني في خلاف الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الكلام: (واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة، وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات، فإن أثبتوه وقدروه كلاماً، فهو في نفسه ثابت، وقولهم -أي المعتزلة-: إنه -أي القرآن
стр. 457
المقروء- كلام الله، إذا رُد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والمسميات، فإن معنى قولهم -أي المعتزلة- "هذه العبارات كلام الله" أنها خلقه، ونحن لا ننكر أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلماً به، فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته.) (١) اهـ.
وقال الشهرستاني: (وخصومنا -أي المعتزلة- لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ونكتبها في المصاحف، لوافقونا على اتحاد المعنى، لكن لما كان الكلام لفظاً مشتركاً في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد، فإن ما يثبته الخصم كلاماً -أي القرآن- فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير وأنه محدث مخلوق، وما يثبته الأشعري كلاماً -أي النفسي- فالخصم ينكره أصلاً .. ) (٢) اهـ.
وقال التفتازاني (٣) في شرح العقائد النسفية: (وتحقيق الخلاف
стр. 458
بيننا وبينهم - أي المعتزلة - يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي. ... وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوق وسمات الحدوث، من: التأليف، والتنظيم، والإنزال، وكونه عربياًَ، مسموعاً، فصيحاً، معجِزاً، إلى غير ذلك: فإنما يقوم حجة على الحنابلة - أي الذين يرون أن القرآن الموجود بين دفتي المصحف كلام الله على الحقيقة - لا علينا، لأنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم) (١) اهـ.
وقال محمد زاهد الكوثري: (لأن القرآن يطلق على ما قام بالله من الألفاظ العلمية الغيبية وهو غير مخلوق وغير حال في مخلوق، وعلى المكتوب بين الدفتين، وعلى المحفوظ في القلوب من الألفاظ الذهنية، وعلى الملفوظ بالألسن على سبيل الاشتراك اللفظي عنده -أي الباقلاني-، والقرينة هي التي تعين المراد منها في كل موضع، وما سوى الأول مخلوق، وهذا البحث أنضج عند المتأخرين من أئمة الأشاعرة.) (٢) اهـ.
وقال البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" في باب "جوهر الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة": (ثم المعتزلة فسروا
стр. 459
هذا الذي أجمع السلمون على إثباته لله تعالى -أي صفة الكلام- بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم. ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئاً آخر من وراء هذه الأصوات والحروف، تحت اسم: الكلام.
أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة -أي أن القرآن المقروء والموجود بين دفتي المصحف مخلوق حادث-، بل نقول به، ونسميه كلاماً لفظياً ونحن جميعاً متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث، ولكننا نثبت أمراً وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يُعبّر عنها بالألفاظ .... وهذا المقصود بإسناد الكلام إلى الله تعالى، وبه يفسر ما أجمع عليه المسلمون) (١) اهـ.
وقال وهبي سليمان غاوجي: (قال علماء أصول الدين: أن الكلام ينقسم إلى قسمين: الأول: الكلام اللفظي، والثاني: الكلام النفسي.
فأما اللفظي: فهو ذلك القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد، وكذا سائر الكتب المنزلة على الرسل ﵈، ولا ريب في أن الكلام اللفظي مخلوق له تعالى.
стр. 460
وأما النفسي: فهو صفة قديمة زائدة على ذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ويدل عليها الكلام اللفظي .. ) (١) اهـ.
وقد صرح بذلك الآمدي في "غاية المرام"، والإيجي في "المواقف".
فتأمل يا رعاك الله هذه التصريحات بأن القرآن الذي نقرأه ونتلوه ونكتبه في المصاحف مخلوق، ليس هو عين كلام الله.
وهل هذا في حقيقته إلا قول الجهمية والمعتزلة!!!
وقال العلامة الملا جلال الدواني في شرحه للعقائد الضدية في بيان لوازم هذا القول الشنيع: (والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات. ولا نزاع بين الشيخ -أي: الأشعري- والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه .... فالشيخ لما قال: هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده به مدلول اللفظ وهو القديم عنده، وأم العبارات فإنما سميت كلاماً مجازاً لدلالتها على ما هو الكلام الحقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه، ولكنها ليست كلاماً له تعالى حقيقة.
стр. 461
وهذا الذي فهموه له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم تكفير من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه تعالى حقيقة، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطنين في الأحكام الدينية .. ) (١) اهـ.
ولذلك لما كانوا في حقيقة الأمر موافقين للجهمية والمعتزلة في القول بخلق القرآن الموجود بين دفتي المصحف، وخشية من الافتضاح، تراهم يدلسون فيطلقون القول المستفيض عن السلف: بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، ومرادهم بالقرآن: ما قام بذات الله تعالى من غير أن يكون مسموعاً مقروءاً، وأما القرآن المكتوب والمسطر فهو عبارة عن كلام الله لا أنه عين كلام الله، وهو مخلوق محدث.
وانظر إلى تلبيس الأشعريّيْن في هذا الأمر وتمويههما أنهما موافقان للسلف في كون القرآن كلام الله غير مخلوق.
فقالا (ص٥٤): (فإن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو صفة من صفات ذاته العلية) اهـ.
وبالطبع أن مرادهما بالقرآن هنا: الكلام النفسي، لا القرآن المعهود الذي بين دفتي المصحف والذي نقرأه آناء الليل وأطراف النهار.
стр. 462
فإذا سمع السني هذا الكلام ظن أنهما موافقان للسلف في هذا الباب، وإذا استفصل منهما علم موافقتهما للمعتزلة والجهمية.
وقد كشف عن حقيقة هذا التلبيس شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري فقال في سياق حقيقة موافقة الأشاعرة للجهمية في كثير من الأصول ومنها القول بخلق القرآن:
(وقال أولئك -يعني: الجهمية- ليس له كلام، إنما خلق كلاماً.
وهؤلاء -يعني الأشاعرة- يقولون: تكلم مرة، فهو متكلم به منذ تكلم، لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به.
ثم يقولون: ليس هو في مكان، ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف. وقالوا: هذا زاج وورق، وذها صوف وخشب، وهذا إنما قصد به النقش وأريد به التفسير.
وهذا صوت القاري، أما ترى أنه منه حسن وغير حسن؟! وهذا لفظه، أوما تراه يجازى به حتى قال رأس من رؤوسهم: أويكون قرآن من لبد؟! وقال آخر: من خشب؟! فراوغوا فقالوا: هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة، ولا يتكلم بعد ذلك. ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال: مخلوق كافر.
وهذا من فخوخهم، يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم في القرآت غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة والأشعرية الإناث بعشر مرات) (١) اهـ.
стр. 463
الفصل الرابع
إثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز
المبحث الأول
تنوع دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى
لقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى، بما يمتنع معها حمل اليدين على المجاز، وقد أطبقت كلمة السلف ﵏ على إثبات اليدين لله تعالى صفة له في ذاته، ليستا بنعمتين ولا قدرتين، بل يدان ثابتتان لله تعالى على الحقيقة، بلا كيف ولا تشبيه.
وأنا أذكر نماذج من تنوع الأدلة على إثبات صفة اليد لله تعالى:
التثنية:
قال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤.
стр. 464
تثنية اليد المضافة إليه سبحانه تمنع من حملها على النعمة أو القدرة.
نسبة الفعل إليه سبحانه وتعديته إلى اليد بحرف الباء:
قال: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥.
نسب الفعل -وهو الخلق- إلى نفسه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قول القائل" كتبت بالقلم" و"ضربت بيدي"، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه من الوجوه، إذا لا يكون هذا التركيب إلا ما باشرته اليد.
قال أبو الحسن الزاغوني في "الإيضاح": (أنه أضاف "الخلق" وهو فعل يده سبحانه، والفعل متى أضيف إلى اليد فإنه لا يقتضي إضافة إلا إلى ما يختص بالفعل وليس إلا اليد كما ذكرنا، وهذا جلي واضح) (١) اهـ.
وقال أبو الحسن الأشعري: (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة،
стр. 465
بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا) (١) اهـ.
استعمال لفظ اليمين ووصفها بالطي
قال تعالى: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧.
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال ﷺ : (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) (٢).
стр. 466
وصفها بالقبض والهز
قال تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة﴾ الزمر٦٧.
وعن أبي هريرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض) (١).
فها هنا: هز، وقبض، وطي، وذكر يدين.
وصفها بالبسط
قال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤.
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) (٢).
وصفها بالكف والأخذ
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تصدق أحد بصدقة من طيّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون
стр. 467
أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوّه أو فصيله). وفي لفظ (من كسب طيب) (١).
فها هنا: أخذ، وذكر كف ويمين.
وصفها بالنضح
عن لقيط بن عامر ﵁ في الحديث الطويل عن النبي ﷺ وفيه: (فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطي وجه واحد منكم قطرة، فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود) (٢).
وصفها بالشمال
عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) (٣).
стр. 468
وصفها بالأصابع
عن عبد الله ﵁ قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر٦٧) (١).
وصفها بأنها ملئى، وبأنها أخرى
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وقال: وكان عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع) (٢).
فها هنا: وصف بأنها ملئى، وسحاء، وأنها أخرى.
ومن المعلوم أن لفظ: الطي، والقبض، والهز، والبسط، والإمساك، والنضح، وكونها ملئى، وسحاء، إذا اقترنت باليد صار
стр. 469
المجموع حقيقة، وامتنع من أن يكون مجازاً، إذ أن اليد المجازية لا يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة كهذه الألفاظ. فإذا انضاف إلى ذلك أن ذُكر لها: أصابع، وكف، ويمين، وشمال، وأخرى، فهذا مما يُقطع معه أن اليد حقيقة، لأن اليد المجازية لا يُتجاوز فيها لفظ اليد، ولا يُتصرف فيها بما يُتصرف في اليد الحقيقية. فلا يقال: كف، لا للنعمة ولا للقدرة، ولا أصبع وأصبعان، ولا يمين، ولا شمال، وهذا كله ينفي أن يكون اليد يد النعمة، أو يد القدرة، أو يد التصرف.
فمن ادعى بعد هذا أن اليد المضافة إلى الله تعالى مجاز، فلا حقيقة في الوجود!!!
وبهذا يتبين أن صفة اليد لله تعالى حقيقة لا مجاز، ولا يأبى ذلك إلا مكابر.
ومما يؤكد هذا أن يُقال: أن اليد لغة لا تضاف إلا لذي يد، فيد القدرة والنعمة لا يُعرف استعمالها البتة إلا في حق من له يد حقيقة، وموارد استعمالها مطردة في ذلك، ولا يعرف العرب خلاف ذلك. فحيث ذكرت اليد وأضيفت إلى حي متصف بصفات الأحياء وأريد بها النعمة أو القدرة، فإن هذا مستلزم ثبوت أصل اليد له حقيقة حتى يصح استعمالها في مجازاتها، فإذا امتنعت حقيقة اليد امتنع استعمالها فيها، فثبوت المعنى المجازي دليل على ثبوت حقيقة اليد.
стр. 470
قال عثمان بن سعيد الدارمي: (فإن لم يكن المضاف إلى يده من ذوي الأيدي، يستحيل أن يُقال: بيده شيء من الأشياء .... فيجوز أن يُقال: بين يدي كذا وكذا كذا كذا، لما هو من ذوي الأيدي، وممن ليس من ذوي الأيدي. ولا يجوز أن يُقال: بيده، إلا لمن هو من ذوي الأيدي .. ) (١) اهـ.
ولا يَرِد على هذا قول العرب: "يد الليل" و"يدي الرحمة"، لأنا قلنا: متى أضيفت اليد المجازية إلى الحي دون غيره، استلزمت اليد الحقيقية.
على أنه يُقال: أن المضاف من جنس المضاف إليه، فإذا أضيفت اليد إلى الحيوان كانت من جنسه، وإذا أضيفت إلى الحائط أو الليل كانت من جنسهما. فإذا كان المضاف إليه لا يماثل غيره لزم أن يكون المضاف كذلك ضرورة، فإذا قيل يد الله كان ذلك حقيقة غير مستلزم للتشبيه.
стр. 471
المبحث الثاني
نصوص السلف في إثبات صفة اليدين لله تعالى حقيقة
وأما نصوص السلف فقد سبق ذكر بعضها:
- الإمام التابعي حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي (٨٢ هـ)
قال: (إن الله ﵎ لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده ثم جعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى) (١) اهـ.
стр. 472
وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله تعالى.
- زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٩٣ هـ)
قال مستقيم: قال كنا عند علي بن حسين، قال: فكان يأتيه السائل، قال: فيقوم حتى يناوله، ويقول: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، قال: وأومأ بكفيه) (١) اهـ.
- التابعي العابد خالد بن معدان الكلاعي الحمصي (١٠٣ هـ)
قال: «إن الله لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده» (٢) اهـ.
- عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس (١٠٤ هـ)
قال: «إن الله لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثاً: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده» (٣) اهـ.
وقال أيضاً: (قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤: يعني اليدين) (٤) اهـ.
стр. 473
- الإمام التابعي ربيعة الخرشي
قال في قول الله تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، قال: (ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء) (١) اهـ.
وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله، وأنها ليست النعمة أو القدرة.
- الإمام التابعي عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة (١١٧ هـ)
قال نافع بن عمر الجمحي: (سألت ابن أبي مليكة عن يد الله: أواحدة أو اثنتان؟ قال: بل اثنتان.) (٢) اهـ.
وهذا أيضاً بيّن في إثبات حقيقة اليد لله ، وإبطال حملها على المجاز والقول بأنها النعمة أو القدرة.
فرع: تقرير إثبات صفة اليد لله على الحقيقة من كلام أبي الحسن الأشعري
قد سبق نقل كلام أبي الحسن الأشعري في إثبات صفة اليدين لله تعالى، والمنع من تأويلها بالقدرة أو النعمة، وإبطال ذلك. فقد عقد فصلاً كاملاً في إثباتها والرد على من تأولها في كتابه "الإبانة".
стр. 474
المبحث الثالث
بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب
خلاصة الفصل:
أولاً: إثبات صفة اليد لله تعالى حقيقة، وأنها موصوفة بالقبض، والبسط، والهز، والطي، والنضح، والأخذ، وهي ملئى سحاء الليل والنهار، ولها كف وأصابع، ويمين وشمال. وأنهما يدان اثنتان. وعلى هذا إجماع السلف وصالح الخلف.
ثانياً: أن طريقة السلف في إثبات صفة اليد لله تعالى هي طريقتهم في باقي الصفات الخبرية: كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، والكف، ونحوها، يثبتونها على ظاهرها من غير تشبيه ولا تكييف، ويمنعون من تأويلها وإخراجها عن حقيقتها.
ثالثاً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة، والمنع من تأويلها، بل وكل الصفات الخبرية لله تعالى، كما سبق نقل كلامه.
رابعاً: أن الذين عُرف عنهم تأويل صفة اليدين وإخراجهما عن
стр. 475
حقيقتهما هم المعطلة من الجهمية والمعتزلة، وهذه طريقتهم في كل الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه وغيره.
خامساً: موافقة الأشاعرة للجهمية في نفي حقيقة اليد عن الله تعالى، وتأويلها وإخراجها عن ظاهرها، وأنهم جهمية في هذا الباب من الصفات:
قال أبو منصور عبد القاهر البغدادي الأشعري في "أصول الدين": (وقد تأول بعض أصحابنا هذا التأويل -أي: تأويل اليد بالقدرة- وذلك صحيح على المذهب) (١) اهـ.
وقال في صفة الوجه والعينين لله تعالى: (والصحيح عندنا أن وجهه: ذاته، وعينه: رؤيته للأشياء) (٢) اهـ.
وقال أبو المعالي الجويني في "الإرشاد" في فصل "اليدان والعينان والوجه": (والذي يصح عندنا: حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود) (٣) اهـ.
وقال الأشعريان (ص١٩٦): (فترى جمهور السلف لاحتمال اللفظ أكثر من معنى لديهم -أي: المعاني المجازية لا حقيقة الصفة- يتوقفون عن تعيين أحدها مكتفين بالفهم الإجمالي ......
стр. 476
﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، أن الله تعالى جواد كريم .... ويفهمون من قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح١٠، النصرة والثواب، وهكذا، ..... بيد أن هذا لا يمنع البعض منهم ﵃ من التصريح ببعض هذه المعاني -أي المجازية- ... ) اهـ.
ونقول: إذا كان السلف يتوقفون كما زعمتم فما بالكم تجاسرتم!!
وقد سبق الرد على هذه الأغلوطات في خلاصة الفصل الأول من الباب الأول، وبينا أن حقيقة هذا القول الذي نسبوه إلى السلف هو الجهل بالمعنى.
ونقل الأشعريان عن ابن خلدون قوله (ص١٩٩ - ٢٠١): (وأما لفظ الاستواء، والمجيء، والنزول، والوجه، واليدين، والعينين، وأمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها على طريقة العرب حين تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز .. ) ثم قالا: (وهذا الذي قرره وحرره العلامة ابن خلدون هو ما أطبقت عليه الأمة) اهـ.
فيا لله العجب، أي أمة هذه التي أطبقت على مثل هذا!!!
وفي أي كتاب وجدتم قول واحد من السلف فضلاً عن جميعهم!!
стр. 477
وبعد كل هذا: يتبين بطلان ما زعمه الأشعريان من موافقة الأشاعرة للسلف، وفساد هذه الدعاوى العريضة التي لا مستند لها إلا الأوهام والخيالات.
ويكفي في إبطال قولهم ورده ما قاله إمامهم الذين ينتسبون إليه وهو أبو الحسن الأشعري في كتاب "الإبانة"، حيث أبطل جميع هذه المجازات في صفة اليد لله، وأنكر على أهلها، وجعلهم من المعطلة المخالفين للكتاب والسنة والإجماع واللغة.
فوازن بين أقوال الجهمية، وبين أقوال الأشاعرة في هذا الباب من الصفات، فإنك لا تجد بينهما فرقاً، فالفريقان قد اتفقا على نفي حقائقها عن الله تعالى، وتعيّن حملها على المجاز!. فلا أدري أيهما أحق بانتساب الأشاعرة إليهم: السلف أم الجهمية!!
стр. 478
الفصل الخامس
إثبات صفة النزول لله تعالى على الوجه اللائق به من غير تشبيه ولا تكييف
اتفق أهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول لله تعالى، وأنه ينزل متى شاء، كيف شاء، نزولاً يليق بجلاله، لا يشبه نزول المخلوق، وأن نزوله صفة فعل له سبحانه.
وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ذكر نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا، ورواه نحو ثمانية وعشرين نفساً من الصحابة، وأفرد فيها العلماء مؤلفات مستقلة وجمعوا طرق أحاديثها، منهم الحافظ الدارقطني، وأبو بكر الصابوني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ الذهبي وغيرهم.
ولم يخل مصنف في السنة من تبويب إثبات صفة النزول لله تعالى، كالسنة لابن أبي عاصم، ولعبد الله بن الإمام أحمد، والتوحيد لابن خزيمة، وكتب الرد على الجهمية، للدارمي، وابن مندة، وابن أبي حاتم، وغيرها كثير.
стр. 479
المبحث الأول
تنوع دلالات السنة في إثبات صفة النزول لله تعالى
وقد تنوعت الدلالات في إثبات صفة النزول لله تعالى مما يمنع حملها على المجاز، وتتعين بها حقيقة النزول المعروف لغة: وهو ما كان من أعلى. وإليك بعض دلالاتها:
لفظ النزول
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر) (١).
ها هنا خمسة ألفاظ تنفي المجاز وتؤكد الحقيقة:
الأول: نسبة النزول إليه سبحانه (ينزل الله).
стр. 480
الثاني: نسبة القول إليه (فيقول).
الثالث: وصفه لنفسه بقوله: (أنا الملك، أنا الملك).
الرابع: أمره العباد بما لا يجوز إلا له: (من ذا يدعوني، يسألني، يستغفرني؟).
الخامس: ذكر أفعاله التي ليست لأحد غيره: (فأستجيب له، فأعطيه، فأغفر له).
لفظ الهبوط
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله إلى السماء الدنيا ثم تفتح أبواب السماء ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط الله إلى السماء الدنيا، فلا يزال بها حتى يطلع الفجر، يقول: قائل ألا من داع فيستجاب له، ألا من مريض
стр. 481
يستشفي فيشفى، ألا من مذنب يستغفر فيغفر له) (١).
التصريح بأنه تعالى هو السائل لا غيره
عن رفاعة بن عرابة الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مضى من اليل نصفه، أو ثلثاه، هبط الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني استجب له، من ذا الذي يسألني أعطيه، حتى يطلع الفجر) (٢).
التصريح بالصعود بعد الهبوط
عن الأغر أبي مسلم قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة
стр. 482
رضي الله عنهما: يشهدان لي على رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا ذهب ثلث الليل الأوسط، هبط الرب تعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ حتى يطلع الفجر، ثم يصعد إلى السماء) (١).
وقد وصف الله تعالى نفسه بما يؤكد حقيقة النزول وينفي المجاز:
وصف نفسه بالإتيان
قال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الأنعام١٥٨.
ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان أمره، وإتيان نفسه.
وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ البقرة٢١٠.
ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان نفسه.
وصف نفسه بالمجيء
قال تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ الفجر٢٢.
ففرّق بين مجيئه وبين مجيء الملائكة.
стр. 483
وصفه تعالى بالدنو
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في حديثه الطويل في ذكر الإسراء والمعراج وفيه: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة) (١).
ومعلوم أن تنوع الدلالات لمعنى النزول يمنع حمله على المجاز، ويؤكد إرادة الحقيقة. فنزول، وهبوط، وصعود، وإتيان، ومجيء، وتدلٍّ، ونداء العباد بـ: أنا الملك، ولا أسأل عن عبادي غيري. وترغيب بـ: من يدعوني، من يستغفرني، من يسألني، ومجازاة بـ: فأستجيب له، فأغفر له، فأعطيه.
أفمع كل هذا التنوع والتصرف في الألفاظ والدلالات، يمكن أن يكون النزول مجازاً، سبحانك هذا بهتان عظيم!!
стр. 484
المبحث الثاني
نصوص السلف في إثبات صفة النزول لله تعالى على الحقيقة
وقد أطبقت كلمة السلف والأئمة على إثبات صفة النزول لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز:
- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)
قال في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (١) اهـ.
- الإمام الحافظ الحجة حماد بن سلمة بن دينار البصرى أبو سلمة (١٦٧ هـ)
روى عبد العزيز بن المغيرة عن حماد بن سلمة: أنه حدثهم بحديث نزول الرب فقال: (من رأيتموه ينكر هذا فاتهموه) (٢) اهـ.
стр. 485
- الإمام الحافظ حماد بن زيد (١٧٩ هـ)
سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء «ينزل الله إلى السماء الدنيا»، قال: (حق، كل ذلك كيف شاء الله) (١) اهـ.
- الفضيل بن عياض (١٨٧هـ)
قال الفضيل بن عياض: (وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فاذا قال الجهمى: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) (٢) اهـ.
وهذا ظاهر في إثبات النزول الحقيقي لله، الذي يلزم من إثباته عند الجهمية زوال الله عن مكانه، ولذلك أجاب بهذا الجواب، فإن الله ليس كمثله شيء، ولا كنزوله نزول شيء.
- الإمام الحافظ يحيى بن معين (٢٣٣ هـ)
قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: (قال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: كيف صعد) (٣) اهـ.
стр. 486
وقال ابن وضاح: (سألت يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه.) (١) اهـ.
وجعله الصعود مقابلاً للنزول صريح في إثبات حقيقة النزول لله تعالى.
- الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ)
روى الحاكم بإسناده عن أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الله الرباطي قال: (حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق ابن إبراهيم، يعني ابن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟. قال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟.
فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول.
فقال الرجل: أُثبته فوق.
فقال إسحاق: قال الله : ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢.
стр. 487
فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة.
فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟) (١) اهـ.
وهذا صريح في إثبات النزول لله تعالى على الحقيقة، ولذلك قال لمن أنكر النزول: "أثبته فوق". لأن من لا يؤمن بعلو الله تعالى، لا يقر بنزوله. وهذا يدل على أن النزول الذي وصف الله نفسه به هو على حقيقته، وهو ما كان من أعلى.
وقال الذهبي: (وقال أبو العباس السراج سمعت إسحاق الحنظلي يقول: (دخلت على طاهر بن عبد الله بن طاهر، وعنده منصور بن طلحة، فقال لي منصور يا أبا يعقوب تقول أن الله ينزل كل ليله؟.
قلت: نؤمن به، إذا أنت لا تؤمن أن لك في السماء رباً لا تحتاج أن تسألني عن هذا. فقال له طاهر الأمير: ألم أنهك عن هذا الشيخ.) (٢) اهـ.
وقال الذهبي: (وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء اهـ.
стр. 488
ثم قال الذهبي معلقاً: قلت هذه الصفات من الاستواء، والإتيان، والنزول، قد صحت بها النصوص ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك مخولة للرد على الله ورسوله، أو حوماً على التكييف أو التعطيل.) (١) اهـ.
وقال أحمد بن علي الآبار: (إن عبد الله بن طاهر قال لإسحاق بن راهويه: ما هذه الأحاديث التي يحدث بها أن الله ينزل إلى سماء الدنيا والله يصعد وينزل؟!
قال فقال له إسحاق: تقول إن الله يقدر على أن ينزل ويصعد ولا يتحرك؟
قال: نعم.
قال: فلم تنكر؟!) (٢) اهـ.
وجَعْلُ إسحاق الصعود مقابلاً للنزول ظاهرٌ في أن نزول الله تعالى حقيقة لا مجاز.
وقال إسحاق مؤصلاً: (لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقول الله تعالى: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم
стр. 489
يُسئلون﴾ الأنبياء٢٣، ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم كما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يُسأل كيف نزوله، لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء) (١) اهـ.
- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)
قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: (ينزل ربنا وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا" أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.
وقال إسحاق: قال إسحاق بن راهويه: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي) (٢) اهـ.
وقال أحمد بن الحسين بن حسان: (قيل لأبي عبد الله: "إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة"؟ قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.
وقال يوسف بن موسى: قيل أبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.) (٣) اهـ.
стр. 490
وقال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.
قال القاضي معلقاً: فقد صرح أحمد أن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله ﴿وجاء ربك والملك﴾ الفجر٢٢، والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.) (١) اهـ.
وقول الإمام أحمد أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ظاهر في أن النزول حقيقة، وأنه نزول الله تعالى لا نزول أمره، ولا نزول ملك. ومعلوم أن من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله، لا بخلو، ولا بغير خلو.
قال حنبل بن إسحاق: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي ﷺ : «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا»، فقال أبو عبد الله: (نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد شيئا منها إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق.
حتى قلت لأبي عبد الله: «ينزل الله إلى سماء الدنيا» قال: قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟
فقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمض الحديث على
стр. 491
ما روي بلا كيف ولا حد، إنما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب قال الله : ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ النحل٧٤، ينزل كيف يشاء، بعلمه، وقدرته، وعظمته، أحاط بكل شيء علماً، لا يبلغ قدره واصف ولا ينأى عنه هرب هارب) (١) اهـ.
- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)
قال في "الرد على المريسي" في تحقيق نزول الله بنفسه: (فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته ... إلى أن قال: وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان) (٢) اهـ.
ومعلوم أن السلف لو لم يكونوا يعتقدون نزوله تعالى بنفسه، لكانوا هم والجهمية سواء.
وقال في "الرد على الجهمية": (فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله ﷺ برد، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله هذا؟
стр. 492
قلنا: لم نكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا، ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلاً أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله ﷺ في نزوله واجب، ولا يسأل الرب عما يفعل كيف يفعل وهم يسألون، لأنه القادر على ما يشاء أن يفعله كيف يشاء، وإنما يقال لفعل المخلوق الضعيف الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله تعالى عليه: كيف يصنع؟ وكيف قدر؟.
ولو قد آمنتم باستواء الرب على عرشه، وارتفاعه فوق السماء السابعة بدءاً إذ خلقها، كإيمان المصلين به، لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه، ولا بأعجب من استوائه عليها إذ خلقها بدءاً، فكما قدر على الأولى منهما كيف يشاء، فكذلك يقدر على الأخرى كيف يشاء.
وليس قول رسول الله ﷺ في نزوله بأعجب من قول الله ﵎: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ البقرة٢١٠. ومن قوله: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢. فكما يقدر على هذا يقدر على ذاك.
فهذا الناطق من قول الله ، وذاك المحفوظ من قول رسول الله ﷺ بأخبار ليس عليها غبار، فإن كنتم من عباد الله
стр. 493
المؤمنين، لزمكم الإيمان بها، كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين) (١) اهـ.
وقال بعد ذلك كلاماً مهماً يمثل قاعدة من قواعد أهل السنة وهو قوله: (قد علمتم ذلك ورويتموها -أي أحاديث النزول وآثار الصحابة والتابعين- كما رويناها إن شاء الله، فائتوا ببعضها أنه لا ينزل منصوصاً كما روينا عنهم النزول منصوصاً حتى يكون بعض ما تأتون به ضداً لبعض ما أتيناكم به، وإلا لم يُدفع إجماع الأمة ةما ثبت عنهم في النزول منصوصاً بلا ضدٍ منصوصٍ من قولهم، أو من قول نظرائهم، ولم يُدفع شيء بلا شيء، لأن أقاويلهم ورواياتهم شيء لازمٌ وأصل منيع، وأقاويلكم ريح ليست بشيء. ولا يلزم أحداً منها شيء إلا أن تأتوا فيها بأثر ثابت مستفيض في الأمة كاستفاضة ما روينا عنهم، ولن تأتوا به أبداً .. ) (٢) اهـ.
فدونك هذا الأصل العظيم، عض عليه بالنواجذ، واعمل به في كل ما يدعيه أهل التأويل والتحريف في صفات الله تعالى.
стр. 494
- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن وضاح المرواني (٢٨٧ هـ)
قال: (كل من لقيت من أهل السنة يصدق بها، لحديث التنزل.) (١) اهـ.
ومعلوم قطعاً أن النزاع لم يكن في إثبات أحاديث النزول، وإنما في إثبات حقيقتها لله تعالى، وهو الأمر الذي تنكره الجهمية وتتأوله.
- أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي (٢٩٥ هـ)
قال والد أبي حفص بن شاهين: حضرت أبا جعفر، فسئل عن حديث النزول، فقال: (النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (٢) اهـ.
- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)
قال: (قيل له -أي للمعطل-: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن النبي ﷺ : "أنه يهبط إلى السماء الدني فينزل إليها"؟
فإن قال: أنكرت ذلك، أَنَّ الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة.
стр. 495
قيل له: فقد قال جل ثناؤه ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معنى هذا القول: وجاء أمر ربك.
قيل: قد أخبرنا ﵎ أنه يجيء هو والملَك، فزعمت أنه يجيء أمره لا هو، فكذلك تقول: أن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملَك لا الملَك، كما كان معنى مجيء الرب ﵎ مجيء أمره.
فإن قال: لا أقول ذلك في الملَك، ولكني أقول في الرب.
قيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب ﵎ والملَك خبر واحد، فزعمت في الخبر عن الرب تعالى ذكره أنه يجيء أمره لا هو، فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟!
فإن زعم أن الفرق بينه وبينه: أن الملك خلق لله جائز عليه الزوال والانتقال، وليس ذلك على الله جائزاً.
قيل له: وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على من يزعم منكم ان الله تقدست أسماؤه لا يخلو منه مكان. وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول