* ومن أحكامِ الشارعِ العادلةِ: إلغاؤهُ المعاملاتِ الظالمةَ الجائرةَ: كأنواعِ الغَرَرِ والظلمِ والميلِ على أحدِ المتعاملَينِ بغيرِ حقٍّ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: اعتبارهُ التراضيَ بينَ المتعاملين في عقودِ المعاوضاتِ، وفي عقودِ التبرعاتِ، وأنهُ لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ أو معاهدٍ إلا بطيبِ نفسهِ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: منعُ الضررِ والإضرارِ بغيرِ حقٍّ في كلِّ معاملةٍ وخلطةٍ وجوارٍ واتصالٍ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ على العمَّالِ تكميلَ أعمالِهم بغيرِ نقصٍ، وعلى مَنْ عُمِلَ لهم تكميلَ أجورِهم.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: إيجابهُ الوفاءَ بالعقودِ والشروطِ التي يشترطها أحدُ المتعاقدينِ على الآخرِ في أبوابِ العقودِ كلِّها، مما لكلٍ منهما أو لأحدِهما فيه مصلحةٌ، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّمَ حلالًا، فهذا قدْ أهدرَهُ الشارعُ وألغاهُ وقالَ: «مَنْ عَمِلَ عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فهوَ ردٌّ» (١).
* ومن أحكامهِ الكليةِ: اعتبارُ المقاصدِ والنياتِ في أبوابِ المعاملاتِ والأعمالِ، كما تُعتبرُ في بابِ العباداتِ، وبهذا الأصلِ أُبطِلَ جميعُ الحيلِ التي يُتوسَّلُ بها إلى فعلِ محرمٍ، أو إسقاطِ حقِّ مسلمٍ ونحوِها.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ جميعَ العقودِ اللازمةِ والجائزةِ: عقودِ المعاوضةِ، وعقودِ التبرعِ، وكذلكَ الفسوخُ؛ تنعقدُ بما دلَّ عليها مِنْ الألفاظِ التي يتعارفُها المتعاقدانِ، ومِن الأفعالِ الدالةِ على ذلكَ.
стр. 212
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ تلفَ الشيءِ بيدِ الظالمِ -كالغاصبِ ونحوهِ- فيه الضمانُ، فرَّطَ أو لم يفرِّطْ؛ فإنَّ ثبوتَ يدهِ على وجهِ الظلمِ والعدوانِ، وأنَّ تلفَ الشيءِ تحتَ يدِ الأمينِ لا ضمانَ فيه إنْ لم يفرِّطْ أو يتعدَّ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ الشيءَ المشكوكَ فيه يُرجَعُ فيه إلى اليقينِ في العباداتِ والمعاملاتِ، فمَن ادَّعى الأصلَ فقولهُ مقبولٌ، ومَن ادَّعى خلافَ الأصلِ لم يُقبَلْ إلا ببينةٍ.
وأنَّ الأصلَ بقاءُ ما كان على ما كان، والأصل براءةُ الذمةِ حتى يتيقنَ اشتغالُها، كما أنَّ الأصلَ بقاءُ ما كان ثابتًا في الذمةِ حتى يُتيقَّنَ البراءةُ بوفاءٍ أو إسقاطٍ أو سقوطٍ. وأنَّ الأصلَ في عقودِ المسلمينَ الصحةُ والسلامةُ حتى نعرفَ أنهُ جرَى ما يفسدُها.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ جميعَ الأحكامِ -من أصولٍ وفروعٍ- لا تتمُّ وتكملُ ويحصلُ مقتضاها إلا باجتماعِ شروطِها وأركانِها ومقوماتِها، وانتفاءِ موانعِها ومفسداتِها.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: وجوبُ المماثلةِ في المتلفاتِ والمضموناتِ بمثلِها إنْ أمكنَ المثلُ، وبالقيمةِ إنْ تعذَّرَ المثلُ.
وكذلكَ الأعمالُ، فمَن عَمِلَ لغيرهِ عملًا بعِوضٍ لم يسمَّ، أو سُمِّيَ تسميةً فاسدةً، أو جهلَتِ التسميةُ، أو عاوضَهُ معاوضةً تعذَّرَ معرفةُ الِعوضِ فيها؛ فإنهُ يُرجَعُ في ذلكَ إلى أجرةِ المثلِ، وعِوضِ المثلِ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: وجوبُ العدلِ بينَ الأولادِ والزوجاتِ، ووجوبُ العدلِ بينَ ذوِي الحقوقِ الذينَ لا مزيةَ لواحدٍ منهم على الآخرِ:
• كالعولِ الداخلِ على أهلِ الفروضِ بالسويةِ.
стр. 213
• وكقسمةِ المالِ بينَ الغرماءِ إذا لم يفِ بحقوقِهم، يُعطونَ على قدرِ حقوقِهم إذا لم يكنْ لأحدِهم مزيةُ رهنٍ ونحوهِ.
• وكاشتراكِ الملَّاكِ في الزيادةِ المترتبةِ عليها على قدرِ أملاكِهم، والنقصِ على قدرِ أملاكِهم إذا اعتراها نقصٌ، وسواءٌ كان النقصُ بحقٍّ تعلَّقَ بها، أو بتلفٍ، أو خسارةٍ، أو وقعَ ظلمًا؛ فإنهم يشتركونَ في الزيادةِ والنقصِ على قدرِ أملاكِهم.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: إثباتُ الخيارِ في كلِّ عقدٍ ظهَرَ في العِوضِ المعينِ أو المعوَّضِ عيبٌ ينقصهُ؛ وأنهُ إذا لم يمكن الردُّ تعيَّنَ الأَرْشُ (١) وإسقاطُ النقصِ. وعلى الصحيحِ لا فرقَ بينَ البيوعِ وغيرِها؛ فإنَّ هذا من قاعدةِ العدلِ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: جَعْلُ المجهولِ كالمعدومِ. ويندرجُ تحتَ هذا الأصلِ:
• الأموالُ التي جهلَ ملاكُها أنهُ يتصدَّقُ بها عنهم، أو تُبذلُ في المصالحِ نيابةً عنهم.
• وتملكُ اللقطةِ.
• ومن ماتَ لا وارثَ لهُ بفرضٍ ولا تعصيبٍ ولا رحمٍ؛ تَرِكَتُهُ (٢) في بيتِ المالِ للمصالحِ العامةِ؛ جعلًا للمجهولِ في ذلكَ كالمعدومِ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: الرجوعُ إلى العرفِ إذا تعذرَ التعيينُ شرعًا ولفظًا، كالرجوعِ للعرفِ في نفقةِ الزوجاتِ والأقاربِ والأُجَراءِ، وكالشروطِ العرفيةِ في المعاملاتِ إذا اطردَتْ بينَ الناسِ، وكالقبضِ والحرزِ ونحوِها مما لا يعدُّ ولا يُحصَى.
стр. 214
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ الأصلَ في العباداتِ الحظرُ؛ فلا يشرعُ منها إلا ما شرعَهُ اللهُ ورسولهُ. والأصلَ في المعاملاتِ والاستعمالاتِ كلِّها الإباحةُ؛ فلا يحرمُ منها إلا ما حرمَهُ اللهُ ورسولهُ.
وعلى هذا جميعُ أحكامِ العباداتِ والمعاملاتِ وغيرِها مما لا يمكنُ إحصاؤهُ؛ ولهذا مَنْ شرَعَ في (١) عبادةٍ لم تنقَلْ عن الشارعِ فهوَ مبتدعٌ، ومَن حرَّمَ من العاداتِ شيئًا لم يرِدْ عن الشارعِ فهوَ مبتدعٌ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: حثُّهُ على الصلحِ والإصلاحِ بينَ مَنْ بينَهم حقوقٌ، وخصوصًا عندَ اشتباهِها، أو عندَ تناكرِهما، وإذا تعذَّرَ استيفاءُ الحقِّ كلِّهِ أو تعسَّرَ؛ فقدْ شُرِعَ في ذلكَ كلِّهُ الصلحُ بالعدلِ، وسلوكُ الحالةِ المناسبةِ لتلكَ القضيةِ بما تقتضيهِ الحالُ، وفيهِ من الفوائدِ والثمراتِ الطيبةِ ما لا يعدُّ ولا يُحصَى.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: اعتبارُ العدالةِ في الشهودِ، وأنْ يكونُوا ممنْ يُرضَى مِنْ الشهداءِ، وذلكَ يختلفُ باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ، فالشارعُ اعتبرَ شهادةَ العَدْلِ المَرْضيِّ من الشهداءِ، وأسقطَ شهادةَ الكاذبِ والقاذفِ قبلَ التوبةِ، وأمَرَ بالتثبتِ في خبرِ الفاسقِ، وكذلكَ المجهولُ؛ لأنهُ اعتبرَ المَرْضيَّ العَدْلَ عندَ الناسِ، فلابدَّ من تحقيقِ هذا الوصفِ.
وأما عددُ الشهودِ ونصابُها فذلكَ يختلفُ باختلافِ المشهودِ بهِ، كما فصَّلَهُ أهلُ العلمِ.
стр. 215
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ مَنْ سبَقَ إلى مباحٍ فهوَ أحقُّ بهِ؛ فيدخلُ في هذا:
• السبقُ إلى الجلوسِ في المساجدِ والأسواقِ والأفنيةِ.
• ويدخلُ فيه: السبقُ إلى النزولِ في المساكنِ والأوقافِ التي لا تتوقفُ على نظرِ ناظرٍ.
• ويدخلُ في ذلكَ: السبقُ إلى المباحاتِ من الصيودِ البريةِ والبحريةِ، وإلى ما يستخرجُ من البحارِ والمعادنِ، وإلى الاحتشاشِ والاحتطابِ وغيرِ ذلكَ، وإلى إحياءِ المواتِ وغيرِها من المسائلِ المتنوعةِ الداخلةِ في هذا الأصلِ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: قبولُ قولِ الأمناءِ على ما في أيدِيهم مما هم عليهِ أولياءُ مِنْ قِبلِ الشارعِ، أو قِبلِ المالكِ بالوكالةِ أو الوصايةِ أو النظارةِ للأوقافِ، فكلُّ هؤلاءِ مقبولٌ قولُهم فيما يدَّعونَهُ من داخلٍ وخارجٍ ومصرفٍ ونحوهِ، إذا كان ذلكَ ممكنًا، وهذا معنى تأمينِهم وتولِّيهم وولايتِهم.
واعلَمْ أنَّ قبولَ قولِ هؤلاءِ في هذهِ الأمورِ لا يمنعُ محاسبتَهم، وطلبَ الوقوفِ على كيفيةِ تلكَ المصارفِ الداخليةِ والخارجيةِ، وتبيينَ وجهِ النقصِ والتلفِ ونحوِ ذلكَ؛ ليستظهِرَ بذلكَ على صدقِهم وكذبِهم.
وأما تمكينُهم من إطلاقِ سراحِهم بحجةِ أنهم أمناءُ مقبولٌ قولُهم؛ فهذا غلطٌ على الشريعةِ، وعلى الحقيقةِ؛ فالشارعُ حاسَبَ عمَّالَهُ واستدرَكَ عليهم، والحقيقةُ والوقوفُ عليها مطلوبٌ باتفاقِ أهلِ الاعتبارِ؛ فكم من أمينٍ ظهرَتْ خيانتهُ يقينًا حينَ استدرِكَ عليهِ!
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ الواجبَ يُسقطُ بالعجزِ عنهُ بالكليةِ، وأنهُ إذا قدرَ على بعضِ الواجبِ وجبَ عليهِ ما يقدرُ عليهِ منهُ، وسقطَ عنهُ ما يعجزُ عنهُ، وهذا مطردٌ في العباداتِ والحقوقِ الواجبةِ وغيرِها، كما أنَّ الضرورةَ تبيحُ المحظورَ وتُقدرُ بقدرِها.
стр. 216
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنهُ أقامَ البدلَ مقامَ مُبْدَلهِ في أحكامِ العباداتِ والمعاملاتِ والحقوقِ وغيرِها، فمتى كان للشيءِ بدلٌ وتعذَّرَ الأصلُ قامَ هذا مقامَهُ، وحُكِمَ لهُ بأحكامهِ، وأنَّ النماءَ (١) تابعٌ للأصلِ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ مَنْ وجبَ عليهِ أمرٌ من الأمورِ فإنهُ يُجْبَرُ عليهِ بحقٍّ، وأنَّ مَنْ أتلفَ شيئًا لدفعِ أذاهُ لهُ دفعًا عن نفسهِ فلا ضمانَ عليهِ، فإن أتلفَهُ للانتفاعِ بهِ ضمنَهُ، وأنَّ ما ترتَّبَ على المأذونِ فيه من تلفٍ فغيرُ مضمونٍ، وما ترتَّبَ على غيرِ المأذونِ فإنهُ مضمونٌ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ الاستثناءاتِ والقيودَ والأوصافَ الملحقةَ بالألفاظِ تُعتبرُ، وتُقيِّدُ الكلامَ، ويرتبطُ بها، بشرطِ الاتصالِ لفظًا أو حكمًا. ويدخلُ في هذا: ألفاظُ العقودِ، والفسوخِ، والوقفِ، والوصايا، والعتقِ، والطلاقِ، والأيمانِ، والإقراراتِ، وغيرِها.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ الشركاءَ في الأملاكِ والمنافعِ يُلزمونَ بكلِّ ما يعودُ إلى حصولِ المنافعِ الضروريةِ ودفعِ المضارِ، ويُجبرُ الممتنعُ منهما مِنْ ذلكَ مِنْ المصارفِ والنفقاتِ والضرائبِ التي تلحقُ الأملاكَ، هم فيها شركاءُ على كلٍّ منهم بقدرِ ملكهِ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنَّ المباشرَ لإتلافِ الأموالِ أو المتسببَ لذلكَ ضامنٌ لها، متعمدًا كان أو ناسيًا أو جاهلًا، وأنهُ إذا اجتمعَ المباشرُ والمتسببُ كان الضمانُ على المباشرِ، إلا إنْ تعذَّرَ تضمينهُ لفقدٍ أو امتناعٍ أو عسرٍ أو نحوِه؛ فيُحالُ الضمانُ على المتسببِ بغيرِ حقٍّ.
стр. 217
* ومنها: أنَّ مَنْ أدَّى عن غيرهِ دينًا واجبًا بنيةِ الرجوعِ، فإنهُ يرجعُ ولوْ لم يأذنْ لهُ في ذلكَ.
* ومنها: أنَّ الوصفَ في الشيءِ الذي بيدِ الغيرِ، وذلكَ الغيرُ لا يدعيهِ لنفسهِ: بينةٌ.
* ومنها: أنَّ مَنْ تعجلَ شيئًا قبلَ أوانهِ على وجهٍ محرمٍ؛ عُوقِبَ بحرمانهِ.
* ومن أحكامهِ الكليةِ: أنهُ إذا تزاحمَتِ المصالحُ قُدِّمَ الأعلى منها، وإنْ تزاحمتِ المفاسدُ، وكان لابدَّ مِنْ فعلِ إحداها؛ ارتكِبَ الأخفُّ منها لدفعِ الأشدِّ مفسدةً. وعلى هذا من مسائلِ الفقهِ ما لا يُعدُّ ولا يُحصَى؛ لأنَّ الشارعَ شرَعَ الشريعةَ لتحصيلِ المصالحِ أو تكميلِها، ولتقليلِ المفاسدِ وتعطيلِها بحسبِ الإمكانِ.
* ومنها: أنَّ إطلاقَ التشريكِ في الوصايا والهباتِ والإقراراتِ، وإيقاعَ العقودِ والفسوخِ على الأعيانِ وغيرِ ذلكَ، كل ذلكَ يقتضِي المساواةَ بينَ مَنْ شُرِّكَ بينَهم في شيءٍ مِنْ ذلكَ، إلا إنْ دلَّ دليلٌ على المفاضلةِ بينَهم، وكذلكَ في الأشياءِ المشتبهةِ التي يُعلمُ أنها لهؤلاءِ الأشخاصِ، ولا يُعلمُ مقدارُ ما لكلٍّ، فإنهم يتساوونَ فيها.
وأدلةُ هذهِ الأصولِ من الكتابِ والسنةِ ظاهرةٌ، وهيَ أصولٌ جامعةٌ عظيمةُ النفعِ، ينتفعُ بها الحاكمُ والمفتي وطالبُ العلمِ، وهيَ من محاسنِ الشريعةِ، ومن أكبرِ البراهينِ على أنَّ ما جاءَ بهِ الرسولُ حقٌّ من عندِ اللهِ، محكمُ الأصولِ، متناسبُ الفروعِ، عدلٌ في معانيهِ، تابعٌ للحكمِ والصلاحِ في مبانيهِ.
فلنقتصِرْ على هذهِ القواعدِ؛ إذْ غيرُها تبعٌ لها، وهيَ تُغنِي عن غيرِها، ولا يُغنِي عنها سواها. واللهُ أعلمُ.
стр. 218
فصول في ذكر ما قص الله علينا في كتابه من أخبار الأنبياء مع أقوامهم
قدْ قصَّ اللهُ علينا في كتابهِ قصصًا طيبةً من أخبارِ أنبيائهِ، ووصفَها بأنها أحسنُ القصصِ؛ وهذا الوصفُ من اللهِ العظيمِ يدلُّ على أنها أصدقُها وأبلغُها وأنفعُها للعبادِ.
* فمِن أهمِّ منافعِ هذهِ القصصِ:
* أنَّ بها يتمُّ ويكملُ الإيمانُ بالأنبياءِ صلى اللهُ عليهم وسلمَ، فإننا وإنْ كنا مؤمنينَ بجميعِ الأنبياءِ على وجهِ العمومِ والإجمالِ، فالإيمانُ التفصيليُّ المستفادُ من قصصِهم، وما وصفَهم اللهُ بهِ من الصدقِ الكاملِ والأوصافِ الكاملةِ التي هيَ أعلى الأوصافِ، وما لهم من الفضلِ والفواضلِ والإحسانِ على جميعِ نوعِ الإنسانِ، بلْ وصلَ إحسانُهم إلى جميعِ الحيواناتِ بما (١) أبدوهُ للمكلفينَ في الاعتناءِ بها والقيامِ بحقِّها؛ فهذا الإيمانُ التفصيليُّ بالأنبياءِ يصلُ بهِ العبدُ إلى الإيمانِ الكاملِ، وهوَ من موادِّ زيادةِ الإيمانِ.
* فمن ذلكَ: أنَّ في قصصِهم تقريرَ الإيمانِ باللهِ وتوحيدهِ، وإخلاصَ العملِ لهُ، والإيمانَ باليومِ الآخرِ، وبيانَ حسنِ التوحيدِ ووجوبهِ، وقبحِ الشركِ، وأنهُ سببُ الهلاكِ في الدنيا والآخرةِ.
* وفي قصصِهم أيضًا: عبرةٌ للمؤمنينَ يقتدونَ بهم في جميعِ مقاماتِ الدينِ:
• في مقامِ التوحيدِ والقيامِ بالعبوديةِ.
стр. 219
• وفي مقاماتِ الدعوةِ والصبرِ والثباتِ عندَ جميعِ النوائبِ المقلقةِ، ومقابلةِ ذلكَ بالطمأنينةِ والسكونِ والثباتِ التامِّ.
• وفي مقامِ الصدقِ والإخلاصِ للهِ في جميعِ الحركاتِ والسكناتِ، واحتسابِ الأجرِ والثوابِ من اللهِ تعالى، لا يطلبونَ من الخلقِ أجرًا ولا جزاءً ولا شكورًا، إلا الأمورَ النافعةَ للخلقِ.
* وفيها أيضًا: عبرةٌ لاتفاقِهم على دينٍ واحدٍ، وأصولٍ واحدةٍ، ودعوةٍ إلى كلِّ خلقٍ جميلٍ، وعملٍ صالحٍ وإصلاحٍ، وزجرِهم عن كلِّ ما يضادُّ ذلكَ.
* وفيها أيضًا من الفوائدِ الفقهيةِ والأحكامِ الشرعيةِ والأسرارِ الحكميةِ شيءٌ عظيمٌ لا غنَى لكلِّ طالبِ علمٍ عنها.
* وفيها أيضًا من الوعظِ والتذكيرِ، والترغيبِ والترهيبِ، والفرجِ بعدَ الشدةِ، وتيسيرِ الأمورِ بعدَ تعسرِها، وحسنِ العواقبِ المشاهدةِ في هذهِ الدارِ، وحسنِ الثناءِ والمحبةِ في قلوبِ الخلقِ - ما فيه زادٌ للمتقينَ، وسرورٌ للعابدينَ، وسلوةٌ للمحزونينَ، ومواعظُ للمؤمنينَ؛ فليسَ المقصودُ من قصصِهم أنْ تكونَ فقطْ سمرًا، وإنما الغرضُ الأعظمُ منها أنْ تكونَ تذكيرًا وعِبرًا.
* واعلَمْ قبلَ الشروعِ فيها أنَّ كثيرًا من قصصِهم -صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم- أعادَها اللهُ في كتابهِ مراتٍ عديدةً، بأساليبَ مناسبةٍ لمقاماتِها، وربما يكونُ في موضعٍ منها ما ليسَ في المواضعِ الأخرِ من الزياداتِ والفوائدِ، أو يأتي بها بألفاظٍ غيرِ ألفاظِ القصةِ الأخرى، والمعاني متفقةٌ أو متقاربةٌ.
فعلى حسب أنَّ هذا التعليقَ مختصرٌ سوفَ آتي بهذهِ القصصِ، وأجمعُ القصةَ في موضعٍ واحدٍ، وأحرِصُ على ما دلَّتْ عليهِ ألفاظُ الكتابِ من سياقِها من أولِها إلى
فصل في قصة آدم أبي البشر ﵊
لم يزلِ اللهُ أولًا ليسَ قبلَهُ شيءٌ، ولم يزلْ فعَّالًا لما يريدُ، ولا خلا وقتٌ من الأوقاتِ من أفعالٍ وأقوالٍ تصدرُ عن مشيئتهِ وإرادتهِ، بحسبِ ما تقتضيهِ حكمةُ اللهِ الذي هوَ حكيمٌ في كلِّ ما قدرهُ وقضاهُ، كما هوَ حكيمٌ في كلِّ ما شرعَهُ لعبادهِ.
فلما اقتضَتِ الحكمةُ الشاملةُ والعلمُ المحيطُ من اللهِ والرحمةُ السابغة خلقَ آدمَ أبي البشرِ الذينَ فضَّلَهم اللهُ على كثيرٍ ممن خلقَ تفضيلًا - أعلَمَ الملائكةَ وقالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] يخلفُ مَنْ كان قبلَهم من المخلوقاتِ التي لا يعلمُها إلا هو.
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهذا منهم تعظيمٌ لربِّهم وإجلالٌ لهُ عن أنهُ ربما يخلقُ مخلوقًا يُشبهُ أخلاقَ المخلوقاتِ الأولِ، أو أنَّ اللهَ تعالى أخبرَهم بخلقِ آدمَ، وبما يكونُ مِنْ مجرمِي ذريتهِ.
قالَ اللهُ للملائكةِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فإنهُ محيطٌ علمُهُ بكلِّ شيءٍ، وبما يترتبُ على هذا المخلوقِ من المصالحِ والمنافعِ التي لا تعدُّ ولا تُحصَى؛ فعرَّفهم تعالى بنفسهِ بكمالِ علمهِ، وأنهُ يجبُ الاعترافُ للهِ بسعةِ العلمِ، والحكمةِ التي من جملتها أنهُ لا يخلقُ شيئًا عبثًا، ولا لغيرِ حكمةٍ.
стр. 222
ثم بيَّنَ لهم [ذلك] (١) على وجهِ التفصيلِ، فخَلَقَهُ بيدهِ تشريفًا لهُ على جميعِ المخلوقاتِ، قبَضَ قبضةً من جميعِ الأرضِ: سهلِها وحزنِها، وطيبِها وخبيثِها؛ ليكونَ النسلُ على هذهِ الطبائعِ، فكان ترابًا أولًا، ثم ألقَى عليهِ الماءَ فصارَ طينًا، ثم لما طالَتْ مدةُ بقاءِ الماءِ على الطينِ تغيَّرَ ذلكَ الطينُ فصارَ حمأً مسنونًا: طينًا أسودَ، ثم أيبسَهُ بعدما صوَّرَهُ فصارَ كالفخارِ الذي لهُ صلصلةٌ.
وفي هذهِ الأطوارِ هوَ جسدٌ بلا رُوحٍ، فلما تكاملَ خلقُ جسدهِ نفخَ فيه الرُّوحَ؛ فانقلبَ ذلكَ الجسدُ الذي كان جمادًا، حيوانًا لهُ عظامٌ ولحمٌ وأعصابٌ وعروقٌ وروحٌ هيَ حقيقةُ الإنسانِ؛ وأعدَّهُ اللهُ لكلِّ علمٍ وخيرٍ.
ثم أتمَّ عليهِ النعمةَ فعلَّمَهُ أسماءَ الأشياءِ كلِّها، والعلمُ التامُّ يستدعِي الكمالَ التامَّ، وكمالَ الأخلاقِ، فأرادَ اللهُ أنْ يُرِيَ الملائكةَ كمالَ هذا المخلوقِ، فعرضَ هذهِ المسمياتِ على الملائكةِ، وقالَ لهمْ: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] في مضمونِ كلامكِم الأولِ الذي مقتضاهُ أنَّ تركَ خَلْقِهِ أولى، هذا بحسبِ ما بدا لهم في تلكَ الحالِ.
فعجزَتِ الملائكةُ ﵈ عن معرفةِ أسماءِ هذهِ المسمياتِ، وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، قال اللهُ: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] شاهَدَ الملائكةُ من كمالِ هذا المخلوقِ وعلمهِ ما لم يكنْ لهم في حسابٍ، وعرفوا بذلكَ على وجهِ التفصيلِ والمشاهدةِ كمالَ حكمةِ اللهِ، وعظَّمُوا آدمَ غايةَ التعظيمِ؛ فأرادَ اللهُ أنْ يُظهرَ هذا التعظيمَ والاحترامَ لآدمَ من الملائكةِ ظاهرًا وباطنًا، فقالَ للملائكةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] احترامًا لهُ وتوقيرًا وتبجيلًا، وعبادةً منكم لربِّكم، وطاعةً ومحبةً وذلًّا؛ فبادرُوا كلُّهم أجمعونَ فسجدُوا.
стр. 223
وكان إبليسُ بينَهم، وقدْ وُجِّهَ إليهِ الأمرُ بالسجودِ معَهم، وكان من غيرِ عنصرِ الملائكةِ، كان من الجنِّ المخلوقينَ من نارِ السمومِ، وكان مُبْطِنًا للكفرِ باللهِ، والحسدِ لهذا الإنسانِ الذي فضَّلَهُ اللهُ هذا التفضيلَ؛ فحملَهُ كبرهُ وكفرهُ على الامتناعِ عن السجودِ لآدمَ؛ كفرًا باللهِ واستكبارًا.
ولم يكفهِ الامتناعُ حتى باحَ بالاعتراضِ على ربِّهِ، والقدحِ في حكمتهِ، فقالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، فقالَ اللهُ لهُ: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، فكان هذا الكفرُ والاستكبارُ والإباءُ منهُ وشدةُ النفارِ هوَ السببُ الوحيدُ أنْ يكونَ مطرودًا ملعونًا، فقالَ اللهُ لهُ: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣].
فلم يخضَعِ الخبيثُ لربهِ، ولم يتُبْ إليهِ، بلْ بارزَهُ بالعداوةِ، وصمَّمَ التصميمَ التامَّ على عداوةِ آدمَ وذريتهِ، ووطَّنَ نفسَهُ -لما عَلِمَ أنهُ حُتِمَ عليهِ الشقاءُ الأبديُّ- أنْ يدعوَ الذريةَ بقولهِ وفعلهِ وجنودهِ إلى أنْ يكونُوا من حزبهِ الذينَ كُتبَتْ لهم دارُ البوارِ، فقالَ: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦]؛ فيتفرغُ لإعطاءِ العداواتِ حقَّها في آدمَ وذريتهِ.
ولما كانتْ حكمةُ اللهِ اقتضَتْ أنْ يكونَ الآدميُّ مركبًا من طبائعَ متباينةٍ، وأخلاقٍ طيبةٍ أو خبيثةٍ، وكان لابدَّ من تمييزِ هذهِ الأخلاقِ، وتصفيتِها بتقديرِ أسبابِها من الابتلاءِ والامتحانِ الذي مِنْ أعظمهِ تمكينُ هذا العدوِّ من دعوتِهم إلى كلِّ شرٍّ - أجابَهُ فقالَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨].
стр. 224
فقالَ لربهِ معلنًا معصيتَهُ، وعداوتَهُ آدمَ وذريتَهُ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، قالَ إبليسُ هذهِ المقالةَ ظنًّا منهُ؛ لأنهُ عرَفَ ما جُبِلَ عليهِ الآدميُّ، ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
فمكَّنَهُ اللهُ من الأمرِ الذي يريدهُ إبليسُ في آدمَ وذريتهِ، فقالَ اللهُ لهُ: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٣ - ٦٤] أي: إنْ قدرتَ فاجعَلْهم منحرفينَ في تربيةِ أولادِهم إلى التربيةِ الضارةِ، وفي صرفِ أموالِهم المصارفَ الضارةَ، وفي الكسبِ الضارِّ، وأيضًا شارِكْ منهم مَنْ إذْ تناولَ طعامًا أو شرابًا أو نكاحًا ولم يذكُرِ اسمَ اللهِ على ذلكَ في الأموالِ والأولادِ.
﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: مُرْهُمْ أنْ يكذِّبوا بالبعثِ والجزاءِ، وألَّا يُقدِموا على خيرٍ، وخوِّفْهم من أوليائِكَ، وخوِّفْهم عندَ الإنفاقِ النافعِ بالفحشاءِ والبخلِ. وهذا من اللهِ لحكمٍ عظيمةٍ وأسرارٍ!
وإنكَ -أيها العدوُّ المبينُ- لا تُبقِي من مقدورِكَ في إغوائِهم شيئًا؛ فالخبيثُ منهم يظهرُ خبثهُ، ويتضحُ شرُّهُ، واللهُ لا يعبأُ بهِ، ولا يبالي بهِ.
وأما خواصُّ الذريةِ من الأنبياءِ، وأتباعِهم من الصديقينَ، والأصفياءِ، وطبقاتِ الأولياءِ، والمؤمنينَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لم يجعَلْ لهذا العدوِّ عليهم تسلطًا، بلْ أقامَ عليهم سورًا منيعًا، وهوَ حمايتهُ وكفايتهُ، وزوَّدَهم بسلاحٍ لا يمكنُ عدوهم مقاومتهم، بكمالِ الإيمانِ باللهِ، وقوةِ توكلِهم عليهِ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩].
стр. 225
ومعَ ذلكَ فأعانَهم على مقاومةِ هذا العدوِّ المبينِ بأمورٍ كثيرةٍ:
* أنزَلَ عليهم كتبَهُ المحتويةَ على العلومِ النافعةِ، والمواعظِ المؤثرةِ، والترغيبِ إلى فعلِ الخيراتِ، والترهيبِ مِنْ فعلِ الشرورِ.
* وأرسلَ إليهم الرسلَ، مبشرينَ مَنْ آمنَ باللهِ وأطاعَهُ بالثوابِ العاجلِ [والآجلِ] (١)، ومنذرينَ مَنْ كفَرَ وكذَّبَ وتولَّى بالعقوباتِ المتنوعةِ.
* وضَمِنَ لمن اتبعَ هداهُ الذي أنزلَ بهِ كتبَهُ وأرسلَ بهِ رسلَهُ، ألَّا يضلَّ في الدنيا، ولا يشقَى في الآخرةِ، وأنهُ لا خوفَ عليهِ، ولا حزنَ يعتريهِ.
* وأرشدَهم في كتبهِ، وعلى ألسنةِ رسلهِ؛ إلى الأمورِ التي بها يحتمونَ مِنْ هذا العدوِّ المبينِ.
* وبيَّنَ لهم ما يدعُو إليهِ هذا الشيطانُ، وطرقَهُ التي يَصطادُ بها الخليقةَ.
* وكما بيَّنها لهم ووضحَها، فقد أرشدَهم إلى الطرقِ التي ينجونَ بها من شرهِ وفتنتهِ، وأعانَهم على ذلكَ إعانةً قدريةً خارجةً عن قدرتِهم؛ لأنهم لما بذلُوا المجهودَ واستعانوا بالمعبودِ سهَّلَ لهم كلَّ طريقٍ يوصلُ إلى المقصودِ.
ثم إنَّ اللهَ تعالى أتمَّ نعمتَهُ على آدمَ، فخلَقَ منهُ زوجتَهُ حواءَ من جنسهِ وعلى شكلهِ؛ ليسكنَ إليها، وتتمَّ المقاصدُ المتعددةُ من الزواجِ والالتئامِ، وتنبثَّ الذريةُ بذلكَ.
وقالَ لهُ ولزوجتهِ: إنَّ الشيطانَ عدوٌ لكما، فاحذراهُ غايةَ الحذرِ؛ فلا يخرجنَّكما من الجنةِ التي أسكنَكُما اللهُ إياها، وأباحَكُما أنْ تأكلَا من جميعِ ثمارِها، وأنْ تتمتَعا بجميعِ
стр. 226
لذاتِها، إلا شجرةً معينةً في هذهِ الجنةِ، فحرَّمها عليهما، فقالَ: ولا تأكلَا من هذه الشجرةِ فتكونَا من الظالمين (١)، وقال اللهُ لآدمَ في تمتيعهِ بهذه الجنةِ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩].
فمكثَا في الجنةِ ما شاءَ اللهُ على هذا الوصفِ الذي ذكرَهُ اللهُ، وعدوُّهما يراقبُهما ويراصدُهما، وينظرُ الفرصةَ فيهما، فلما رأى سرورَ آدمَ بهذهِ الجنةِ، ورغبتَهُ العظيمةَ في دوامِها، جاءَهُ بطريقٍ لطيفٍ في صورةِ الصديقِ الناصحِ، فقالَ: يا آدمُ، هلْ أدلُّكَ على شجرةٍ إذا أكلتَ منها خلدْتَ في هذهِ الجنةِ، ودامَ لكَ الملكُ الذي لا يبلَى؟
فلمَ يزَلْ يوسوسُ ويزينُ ويسولُ ويعِدُ ويمنِّي، ويُلقِي عليهما من النصائحِ الظاهرةِ، وهيَ أكبرُ الغشِّ؛ حتى غرَّهما؛ فأكلَا من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها وحرَّمَها عليهما.
فلما أكلَا منها بدَتْ لهما سوآتُهما بعدما كانا مستورينِ، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢] على أنفسِهما من أوراقِ تلكَ الجنةِ، أي: يُلْزِقانِ على أبدانِهما العاريةِ؛ ليكونَ بدلَ اللباسِ. وسُقِطَ في أيدِيهما، وظهرَتْ في الحالِ عقوبةُ معصيتِهما، وناداهُما ربُّهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢].
فأوقَعَ اللهُ في قلوبِهما التوبةَ التامةَ، والإنابةَ الصادقةَ، وتلقَّى آدمُ من ربهِ كلماتٍ، وقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، فتابَ اللهُ عليهما، ومحا الذنبَ الذي أصابَا، ولكنَّ الأمرَ الذي حذرَهما اللهُ منهُ -وهوَ الخروجُ من هذهِ الجنةِ إنْ تناولَا منها- تحتَّمَ ومضَى، فخرجَا منها إلى الأرضِ التي حُشِيَ خيرُها بشرِّها، وسرورُها بكدرِها.
стр. 227
وأخبرَهما اللهُ أنهُ لابدَّ أنْ يبتليَهما وذريتَهما، وأنَّ مَنْ آمنَ وعملَ صالحًا كانتْ عاقبتهُ خيرًا من حالتهِ الأولى، ومَن كذَّبَ وتولَى فآخرُ أمرهِ الشقاءُ الأبديُّ والعذابُ السرمديُّ.
وحذَّرَ اللهُ الذريةَ منهُ فقالَ: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وأبدلَهم اللهُ بذلكَ اللباسِ الذي نزعَهُ الشيطانُ من الأبوينِ، بلباسٍ يوارِي السَّوآتِ، ويحصلُ بهِ الجمالُ الظاهرُ في الحياةِ، ولباسٍ أعلى من ذلكَ، وهوَ لباسُ التقوَى، الذي هوَ لباسُ القلبِ والرُّوحِ بالإيمانِ والإخلاصِ والإنابةِ، والتحلِّي بكلِّ خلقٍ جميلٍ، والتخلِّي عن كلِّ خلقٍ رذيلٍ.
ثم بثَّ اللهُ من آدمَ وزوجَهُ رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرَهم في الأرضِ، واستخلفَهم فيها؛ لينظرَ كيفَ يعملونَ.
* فوائدُ مستنبطةٌ من هذهِ القصةِ، أصوليةٌ وفروعيةٌ وأخلاقٌ وآدابٌ:
* فمنها: أنَّ هذهِ القصةَ العظيمةَ ذكرَها اللهُ في كتابهِ في مواضعَ كثيرةٍ صريحةٍ
لا ريبَ فيها ولا شكَّ، وهيَ من أعظمِ القصصِ التي اتفقَتْ عليها الرسلُ، ونزلَتْ بها الكتبُ السماويةُ، واعتقَدَها جميعُ أتباعِ الأنبياءِ من الأولينَ والآخرينَ، حتى نبغَتْ في هذهِ الأزمانِ المتأخرةِ فرقةٌ خبيثةٌ زنادقةٌ أنكروا جميعَ ما جاءَتْ بهِ الرسلُ، وأنكروا وجودَ البارِي، ولم يثبتوا من العلومِ إلا العلومَ الطبيعيةَ التي وصلَتْ إليها معارفُهم القاصرةُ.
فبناءً على هذا المذهبِ -الذي هوَ أبعدُ المذاهبِ عن الحقيقةِ شرعًا وعقلًا- أنكروا آدمَ وحواءَ، وما ذكرَهُ اللهُ ورسولهُ عنهما، وزعموا أنَّ هذا الإنسانَ كان حيوانًا قردًا، أو شبيهًا بالقردِ، حتى ارتقَى إلى هذهِ الحالِ الموجودةِ!
стр. 228
وهؤلاءِ اغترُّوا بنظرياتِهم الخاطئةِ المبنيةِ على ظنونِ عقولٍ مِنْ أصلِها فاسدة، وتركوا لأجلِها جميعَ العلومِ الصحيحةِ، خصوصًا ما جاءَتْهم بهِ الرسلُ، وصَدَقَ عليهم قولهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ [غافر: ٨٣].
وهؤلاءِ أمرُهم ظاهرٌ لجميعِ المسلمينَ، ولجميعِ المثبتينَ وجودَ البارِي، يعلمونَ أنهم أضلُّ الطوائفِ، ولكن تسربَ على بعضِ المسلمينَ مِنْ هذا المذهبِ الدهريِّ بعضُ الآثارِ والفروعِ المبنيةِ على هذا القولِ: إذْ فسَّرَ طائفةٌ من العصريينَ سجودَ الملائكةِ لآدمَ أنَّ معناهُ تسخيرُ هذا العالمِ للآدميينَ، وأنَّ الموادَّ الأرضيةَ والمعدنيةَ ونحوَها قدْ سخَّرَها اللهُ للآدميِّ، وأنَّ هذا هوَ معنى سجودِ الملائكةِ!
ولا يستريبُ مؤمنٌ باللهِ واليومِ الآخرِ أنَّ هذا مستمدٌّ من ذلكَ الرأيِ الأفنِ، وأنهُ تحريفٌ لكتابِ اللهِ، لا فرقَ بينَهُ وبينَ تحريفِ الباطنيةِ والقرامطةِ، وأنهُ إذا أُوِّلَتْ هذهِ القصةُ إلى هذا التأويلِ توجَّهَ نظيرُ هذا التحريفِ لغيرِها من قصصِ القرآنِ، وانقلبَ القرآنُ -بعدما كان تبيانًا لكلِّ شيءٍ وهدًى ورحمةً- رموزًا يمكنُ كلُّ عدوٍّ للإسلامِ أنْ يفعلَ بها هذا الفعلَ، فيبطلُ بذلكَ القرآنُ، وتعودُ هدايتهُ إضلالًا، ورحمتهُ نقمةً، سبحانَكَ هذا بهتانٌ عظيمٌ!
والمؤمنُ في هذا الموضعِ يكفيهِ لإبطالِ هذا القولِ الخبيثِ أنْ يتلوَ ما قصَّهُ اللهُ علينا من قصةِ آدمَ وسجودِ الملائكةِ؛ فيعلمُ أنَّ هذا منافٍ لما قصَدَ (١) اللهُ ورسولهُ غايةَ المنافاةِ، وإنْ زخرفَهُ أصحابهُ، ولوَّوا لهُ العباراتِ، ونسبُوهُ إلى بعضِ مَنْ يُحسنُ بهم الظنُّ، فالمؤمنُ لا يتركُ إيمانَهُ ولا كتابَ ربِّهِ لمثلِ هذه الترويجاتِ المغررةِ، أو المغرورِ أصحابُها.
стр. 229
* ومنها: فضيلةُ العلمِ، وأنَّ الملائكةَ لما تبيَّنَ لهم فضلُ آدمَ بعلمهِ عرفُوا بذلك كمالَهُ، وأنه يستحقُّ الإجلالَ والتوقيرَ.
* ومنها: أنَّ مَنْ منَّ اللهُ عليهِ بالعلمِ عليهِ أنْ يعترفَ بنعمةِ اللهِ عليهِ، وأنْ يقولَ كما قالتِ الملائكةُ والرسلُ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وأنْ يتوقَّى التكلمَ بما لا يعلمُ؛ فإنَّ العلمَ أعظمُ المننِ، وشكرُ هذهِ النعمةِ: بالاعترافِ للهِ بها، والثناءِ عليهِ بتعليمِها، وتعليمِ الجهالِ، والوقوفِ على ما عَلِمَهُ العبدُ، والسكوتِ عما لم يعلَمْهُ.
* ومنها: أنَّ اللهَ جعلَ هذهِ القصةَ لنا معتبرًا، وأنَّ الحسدَ والكبرَ والحرصَ من أخطرِ الأخلاقِ على العبدِ، فكِبْرُ إبليسَ وحسدُهُ لآدمَ صيَّرَهُ إلى ما ترَى، وحرصُ آدمَ وزوجهِ حملَهما على تناولِ الشجرةِ، ولولا تداركُ رحمةِ اللهِ لهما لأودَتْ بهما إلى الهلاكِ، ولكنَّ رحمةَ اللهِ تكملُ الناقصَ، وتجبرُ الكسيرَ، وتُنجِي الهالكَ، وترفعُ الساقطَ.
* ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ إذا وقعَ في ذنبٍ أنْ يبادِرَ إلى التوبةِ والاعترافِ، ويقولَ ما قالَهُ الأبوانِ من قلبٍ خالصٍ، وإنابةٍ صادقةٍ؛ فما قصَّ اللهُ علينا صفةَ توبتِهما إلا لنقتديَ بهما، فنفوز بالسعادةِ، وننجو من الهلكةِ.
وكذلكَ ما أخبَرَنا بما قالَهُ الشيطانُ مِنْ توعدِنا وعزمهِ الأكيدِ على إغوائِنا بكلِّ طريقٍ؛ إلا لنستعدَّ لهذا العدوِّ الذي تظاهرَ بهذهِ العداوةِ البليغةِ المتأصلةِ، واللهُ يحبُّ منا أنْ نقاومَهُ بكلِّ ما نقدرُ عليهِ:
• مِنْ تجنبِ طرقهِ وخطواتهِ وفعلِ الأسبابِ التي يُخشى منها الوقوعُ في شباكهِ.
• ومِن عملِ الحصونِ: مِنْ الأورادِ الصحيحةِ، والأذكارِ القلبيةِ، والتعوذاتِ المتنوعةِ.
стр. 230
• ومِن السلاحِ المهلكِ لهُ: مِنْ صدقِ الإيمانِ، وقوةِ التوكلِ على اللهِ.
• ومراغمتهِ في أعمالِ الخيرِ.
• ومقاومةِ وساوسهِ والأفكارِ الرديئةِ التي يدفعُ بها إلى القلبِ كلَّ وقتٍ؛ بما يضادُّها ويبطلُها: من العلومِ النافعةِ، والحقائقِ الصادقةِ.
* ومنها: أنَّ فيها دلالةً لمذهبِ أهلِ السنةِ والجماعةِ المثبتينَ للهِ ما أثبتَهُ لنفسهِ من الأسماءِ الحسنَى والصفاتِ كلِّها، لا فرقَ بينَ صفاتِ الذاتِ، ولا بينَ صفاتِ الأفعالِ. ومنها: إثباتُ اليدينِ للهِ كما هوَ في قصةِ آدمَ صريحًا: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فلهُ يدانِ حقيقةً، كما أنَّ ذاتَهُ لا تشبهُها الذواتُ، فصفاتهُ تعالى لا تشبهُها الصفاتُ.
стр. 231
قصة نوح ﷺ
مكَثَ البشرُ بعدَ آدمَ قرونًا طويلةً وهم أمةٌ واحدةٌ على الهدَى، ثم اختلفُوا وأدخلَتْ عليهم الشياطينُ الشرورَ المتنوعةَ بطرقٍ كثيرةٍ.
فكان قومُ نوحٍ قدْ ماتَ منهم أناسٌ صالحونَ؛ فحزِنوا عليهم، فجاءَهم الشيطانُ فأمرَهم أنْ يصوِّروا تماثيلَهم؛ ليتسلَّوا بها وليتذكَّروا بها أحوالَهم، فكان هذا مبتدأَ الشرِّ.
فلما هلكَ الذينَ صوَّرُوهم لهذا المعنى جاءَ مَنْ بعدَهم وقدْ اضمحلَّ العلمُ، فقالَ لهم الشيطانُ: إنَّ هؤلاءِ -وَدًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسرًا- قدْ كان أولُوكم يدعونَهم ويستشفعونَ بهم، وبهم يُسقَونَ الغيثَ وتَزولُ الأمراضُ، فلم يزَلْ بهم حتى انهمكُوا في عبادتِهم على رغمِ نصحِ الناصحينَ.
ثم بعثَ اللهُ فيهم نوحًا ﷺ يعرفونَهُ ويعرفونَ صدقَهُ وأمانتَهُ وكمالَ أخلاقهِ، فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ورغبَهم في خيرِ الدنيا والآخرةِ فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٢ - ٤].
فلما بادأهم بالأمرِ بالإخلاصِ للهِ، وتسفيهِ آرائِهم، وتخويفِهم بعقوباتِ الدنيا والآخرةِ؛ قالوا: ما نراكَ إلَّا في ضلالٍ مبينٍ (١)، ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧].
стр. 232
وطلبوا منهُ أنْ يطردَ مَنْ كان معهُ من المؤمنينَ؛ استكبارًا منهم، واستنكافًا على الحقِّ وعلى الخلقِ، فبيَّنَ لهم أنهُ ليسَ بهِ ضلالٌ، وإنما بهِ تزولُ الضلالةُ عن الخلقِ، وأنهُ رسولٌ أمينٌ، على بينةٍ من ربهِ وبراهينَ واضحةٍ، وأنَّ المؤمنينَ لا يحلُّ طردُهم، بلْ حقُّهم الإكرامُ والاحترامُ، وأنهُ لا يدَّعي لهم طورًا يزاحمُ فيه الربَّ، فقالَ: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١].
فلم يزَلْ يدعُوهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، فلم يزِدْهم دعاؤهُ إلا فرارًا ونفورًا وإعراضًا، وتواصيًا منهم على الإقامةِ على ما هم عليهِ من عبادةِ غيرِ اللهِ والتمسكِ بها؛ فقالَ نوحٌ: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢١ - ٢٣].
فلما رأى أنَّ التذكيرَ لا ينفعُ فيهم بوجهٍ من الوجوهِ، وأنهُ كلَّما جاءَ قرنٌ كان أخبثَ مما قبلَهُ، قالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
فأجابَ اللهُ دعوتَهُ، وأمرَهُ أنْ يصنعَ الفلكَ برعايةٍ منهُ، وحسنِ نظرٍ، وتعليمٍ من اللهِ لهُ هذهِ الصنعةَ التي امتنَّ اللهُ بها على العبادِ، وصارَ نوحٌ لهُ الفضلُ والابتداءُ بهذهِ الصناعةِ التي حصلَ بها من المنافعِ الدينيةِ والدنيويةِ في جميعِ الأوقاتِ ما لا يعدُّ ولا يُحصَى. وأخبرَهُ اللهُ بتحتمِ إغراقِهم، [وألَّا] (١) يُخاطِبَ ربَّهُ فيهم؛ فإنهم ظالمونَ.
وجعل ﴿يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨]، فقالَ لهم: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ اليومَ، ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ إذا وقعَ الهلاكُ بكم.
стр. 233
وأوحَى اللهُ إليهِ أنهُ إذا جاءَ ذلكَ الوقتُ ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أي: جُعِلَتِ الأرضُ كلُّها تتفجرُ عيونًا من كلِّ جانبٍ حتى المواضعِ البعيدةِ عن النارِ عادةً.
وأمرَهُ أنْ يحملَ من البهائمِ من كلِّ زوجينِ اثنينِ -ذكرٍ وأنثَى- ليبقَى نسلُها؛ لأنهُ يتعذرُ حملُها كلُّها، والحكمةُ تقتضِي إبقاءَ هذهِ الحيواناتِ التي خلَقَها اللهُ مسخرةً لمصالحِ البشرِ، ويحملَ معهُ جميعَ مَنْ آمنَ مِنْ رجالٍ ونساءٍ، والحالُ أنهُ: ﴿مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
وأمرهُ أنْ يحملَ أهلَهُ، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] بالهلاكِ.
فلما أركبَ جميعَ مَنْ أُمِرَ بهم قالَ لهم: سمُّوا اللهَ كلَّما جرَتْ وكلَّما رسَتْ؛ لأنَّ الأسبابَ مهما عَظُمَتْ فهيَ من لطفِ اللهِ، ولا تمامَ لها إلا باللهِ.
فحينئذٍ فجَّرَ اللهُ الأرضَ عيونًا، وأمَرَ السماءَ أنْ تصبَّ الماءَ المنهمرَ الكثيرَ، فالتقَتْ مياهُ السماءِ بمياهِ الأرضِ، وساحَتْ على الأماكنِ المنخفضةِ، ثم ارتفعَتْ شيئًا فشيئًا على كلِّ المرتفعاتِ؛ حتى خفيَتْ قممُ الجبالِ الشاهقةِ، والسفينةُ ﴿تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢] تضربُ يمينًا وشمالًا.
وفي تلكَ الحالِ المزعجةِ، رأى نوحٌ ابنَهُ الكافرَ الذي كان على دينِ قومهِ، وقدْ اعتزلَ أباهُ حتى في هذهِ الحالِ، فرآهُ مثلَ سائرِ قومهِ قدْ فرَّ هاربًا من المياهِ الجارفةِ، فناداهُ نوحٌ مترقِّقًا، فقالَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢]، فتمادى بهِ الغرورُ في تلكَ الحالِ التي تنقشعُ فيها الغياهبُ إلا عن القلوبِ المحجوبةِ؛ فقالَ: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]، لم يخطِرْ ببالِهم أنَّ المياهَ سترتفعُ فوقَ
стр. 234
رؤوسِ الجبالِ، فقالَ لهُ نوحٌ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] فلا يعصمُ جبلٌ ولا حصنٌ ولا غيرُ ذلكَ، إلا مَنْ رحِمَ اللهُ، ورحمتُهُ في تلكَ الحالِ متعينةٌ في ركوبِ السفينةِ معَ نوحٍ، ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ [هود: ٤٣] فكان ذلكَ الابنُ من المغرقينَ.
فأغرقَ اللهُ جميعَ الكافرينَ، ونجَّى نوحًا ومَن معهُ أجمعينَ، وكان في ذلكَ آيةٌ على أنَّ ما جاءَ بهِ نوحٌ -من التوحيدِ والرسالةِ والبعثِ والدينِ- حقٌّ، وأنَّ مَنْ خالفَهُ فإنهُ مبطلٌ، ودليلٌ على الجزاءِ في الدنيا لأهلِ الإيمانِ بالنجاةِ والكرامةِ، ولأهلِ الكفرِ بالهلاكِ والإهانةِ.
فلما حصَلَ هذا المقصودُ العظيمُ أمَرَ اللهُ السماءَ أنْ تقلعَ عن الماءِ، والأرضَ أنْ تبلعَ ما فيها، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤] أي: نقُصَ شيئًا فشيئًا، ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ السفينةُ بعدَ غيضِ الماءِ ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وهوَ جبلٌ شامخٌ معروفٌ في نواحي «الموصل»، وهذا دليلٌ على أنَّ جميعَ الجبالِ قدْ غمرَتْها المياهُ وجاوزَها الطوفانُ.
وحزِنَ نوحٌ على ابنهِ؛ فقالَ مناديًا ربَّهُ مترققًا متضرِّعًا: يا ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أنْ أحملَ معي أهلي وأنتَ أرحم الراحمينَ، فقالَ لهُ ربهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أي: الموعودِ بنجاتِهم؛ لأنَّ اللهَ قيَّدَ ذلكَ بقولهِ: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] أي: هذا الدعاءُ لابنِكَ الذي على دينِ قومهِ بالنجاةِ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وهذا عتابٌ منهُ لنوحٍ وتعليمٌ لهُ وموعظةٌ عن مثلِ هذا الدعاءِ، الذي إنما حملَهُ عليهِ الشفقةُ الأبويةُ، وإنما الواجبُ في الدعاءِ أنْ يكونَ الحاملُ لهُ العلمَ والإخلاصَ في طلبِ رضا اللهِ تعالى.
стр. 235
فقالَ نوحٌ: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٧ - ٤٨].
فهبَطَ، وبارَكَ اللهُ في ذريتهِ، وجعَلَ ﴿ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، فكان أولادُهُ: يافِث ملأَ المشرقَ من الذريةِ، وحام ملأَ المغربَ من النسلِ، وسام ملأَ ما بينَ ذلكَ.
ومكَثَ في قومهِ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، ومكثَ بعدَ هلاكِهم ما شاءَ اللهُ.
وكان مِنْ أولي العزمِ من المرسلينَ، ومِن الخمسةِ الذينَ تدورُ عليهم الشفاعةُ يومَ القيامةِ، وهوَ أولُ الرسلِ إلى الناسِ، وهوَ الأبُ الثاني للبشرِ ﷺ تسليمًا.
* يُستفادُ مِنْ هذهِ القصةِ أمورٌ:
* منها: أنَّ جميعَ الرسلِ من نوحٍ إلى محمدٍ -صلى اللهُ عليهم وسلمَ- متفقونَ على الدعوةِ إلى التوحيدِ الخالصِ، والنهيِ عن الشركِ، فنوحٌ وغيرُه أولُ ما يقولونَ لقومِهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، [ويقرِّرونَ] (١) هذا الأصلَ بطرقٍ كثيرةٍ.
* ومنها: آدابُ الدعوةِ وتمامُها:
• فإنَّ نوحًا دعَا قومَهُ ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، بكلِّ وقتٍ، وبكلِّ حالةٍ يَظنُّ فيها نجاحَ الدعوةِ.
стр. 236
• وأنهُ رغبَهم بالثوابِ العاجلِ بالسلامةِ من العقابِ، وبالتمتيعِ بالأموالِ والبنينَ، وإدرارِ الأرزاقِ إذا آمنوا، وبالثوابِ الآجلِ.
• وحذَّرَهم من ضدِّ ذلكَ.
• وصبَرَ على هذا صبرًا عظيمًا كغيرهِ من الرسلِ.
• وخاطبَهم بالكلامِ الرقيقِ والشفقةِ، وبكلِّ لفظٍ جاذبٍ للقلوبِ محصلٍ للمطلوبِ.
• وأقامَ الآياتِ، وبيَّنَ البراهينَ.
* ومنها: أنَّ الشُّبَهَ التي قدَحَ فيها أعداءُ الرسلِ برسالتِهم من الأدلةِ على إبطالِ قولِ المكذبينَ، فإنَّ الأقوالَ التي قالوها -ولم يكنْ عندَهم غيرُها- ليسَ لها حظٌّ من العلمِ والحقيقةِ عندَ كلِّ عاقلٍ:
• فقولُ قومِ نوحٍ: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] تأمَّلْ جُمَلَها تجِدْها تمويهاتٍ دالةً على أنهم مبطلونَ مكابرونَ للحقيقةِ؛ فقولُهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧] فهلْ في كونِ الحقِّ جاءَ على يدِ بشرٍ شيءٌ من الشبهةِ تدلُّ على أنهُ ليسَ بحقٍّ؟!
ومضمونُ هذا الكلامِ: أنَّ كلَّ قولٍ قالَهُ البشرُ من أيِّ مصدرٍ يكونُ باطلًا، وهذا قدحٌ منهم في جميعِ العلومِ البشريةِ المستفادةِ من البشرِ، ومعلومٌ أنَّ هذا يُبطِلُ العلومَ كلَّها، فهلْ عندَ البشرِ علومٌ إلا مستفيدُها بعضُهم من بعضٍ، وهيَ متفاوتةٌ، فأعظمُها وأصدقُها وأنفعُها ما تلقاهُ الناسُ عن الرسلِ الذينَ علومُهم عن وحيٍ إلهيٍّ.
стр. 237
• وكذلكَ قولُهم: ﴿مَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] أي: نحنُ وأنتم بشرٌ.
وقدْ أجابَتِ الرسلُ كلُّهم عن هذهِ المقالةِ فقالوا: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، فمَنَّ اللهُ على الرسلِ، وخصَّهم بالوحيِ والرسالةِ، معَ أنَّ إنكارَهم عليهم مِنْ هذهِ الجهةِ مِنْ أكبرِ الجهلِ وأعظمِ القدحِ في نعمةِ اللهِ؛ فإنَّ رحمَةَ اللهِ وحكمتَهُ اقتضَتْ أنْ يكونَ الرسلُ من البشرِ؛ ليتمكنَ العبادُ من الأخذِ عنهم، وتتيسرَ عليهم هذهِ النعمةُ، ويسهلَ اللهُ لهم طرقَها، فهؤلاءِ المكذبونَ كفروا بأصلِ النعمةِ، وبالطريقِ المستقيمِ النافعِ الذي جاءَتْهم بهِ.
• وكذلكَ قولُهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧]، من المعلومِ لكلِّ أحدٍ عاقلٍ أنَّ الحقَّ يُعرَفُ أنهُ حقٌّ بنفسهِ، لا بمَن تَبِعَهُ، وأنَّ هذا القولَ الذي قالوهُ صدرَ عن كِبْرٍ وتيهٍ، والكبرُ أكبرُ مانعٍ للعبدِ من معرفةِ الحقِّ ومن اتباعهِ.
• وأيضًا قولُهم: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] إنْ أرادوا الفقرَ فالفقرُ ليسَ من العيوبِ، وإنْ أرادوا ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ في الأخلاقِ فهذا كذبٌ معلومٌ بالبديهةِ، وإنما الأراذلُ الذينَ قالوا هذهِ المقالةَ.
فهلْ الإيمانُ باللهِ ورسلهِ، وطاعةُ اللهِ ورسلهِ، والانقيادُ للحقِّ، والسلامةُ من كلِّ خصلةٍ ذميمةٍ، هلْ هذا الوصفُ رذيلةٌ، وأهلُهُ أراذلُ؟! أمُ الرذيلةُ بضدِّهِ: مَنْ ترَكَ أفرضَ الفروضِ توحيدَ اللهِ وشكرَهُ وحدَه، [وامتلَأَ قلبُهُ] (١) من التكبرِ على الحقِّ وعلى الخلقِ؟! هذا -واللهِ- أرذلُ الرذائلِ، ولكنَّ القومَ مباهتونَ، فما نقمُوا من هؤلاءِ الأخيارِ ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].
стр. 238
• وقولُهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] أي: مبادرةً منهم إلى الإيمانِ بكَ يا نوحُ، لم يُشاورِوا ولمَ يتأنَّوا ويتروَّوا. لوْ فُرِضَ أنَّ هذا حقيقةٌ فهذا من أدلةِ الحقِّ، فإنَّ الحقَّ عليهِ من البراهينِ والنورِ والجلالةِ والبهاءِ والصدقِ والطمأنينةِ، ما لا يحتاجُ إلى مشاورةِ أحدٍ باتباعهِ، وإنما التي تحتاجُ إلى مشاورةٍ هيَ الأمورُ الخفيةُ، التي لا تُعلمُ حقيقتُها ولا منفعتُها، أما الإيمانُ الذي هوَ أجلَى من الشمسِ في نورِها، وأحلَى من كلِّ [شيءٍ] (١)، فما يتأخرُ عنهُ إلا كلُّ متكبرٍ جبارٍ أمثال هؤلاءِ الطغاةِ البغاةِ.
• وقولُهم: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] هلْ في هذا الكلامِ شيءٌ من الإنصافِ بوجهٍ؛ لأنهم يخبرونَ عن أنفسِهم، وكلامُهم يَحتملُ أنهُ الذي في قلوبِهم، ويحتملُ أنهم يقولونَ ما لا يعتقدونَ، وعلى كلا الأمرينِ فالحقُّ يجبُ قبولهُ، سواءٌ أقالَهُ الفاضلُ أو المفضولُ؛ الحقُّ أعلى من كلِّ شيءٍ.
• وكذلكَ قولُهم: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] معلومٌ أنَّ الظنَّ أكذبُ الحديثِ، ثم لوْ قالوا: بلْ نَعلَمُكم كاذبينَ، فهذهِ كلُّ مبطلٍ يقدرُ أنْ يقولَها، ولكنْ بأيِّ شيءٍ استدلَلْتُم أنهم كاذبونَ؟ فهذهِ أدلتُهم وبراهينُهم أَبطلَتْ نفسَها بنفسِها كما ترَى، فكيفَ وقدْ قابلَها الرسلُ بالأدلةِ والبراهينِ المتنوعةِ التي لا تُبقي ريبًا لأحدٍ في بطلانِها.
* ومنها: أنَّ من فضائلِ الأنبياءِ وأدلةِ رسالتِهم إخلاصَهم التامَّ للهِ تعالى في عبوديتِهم للهِ القاصرةِ، وفي عبوديتِهم المتعديةِ لنفعِ الخلقِ كالدعوةِ والتعليمِ وتوابعِ ذلكَ؛ ولذلكَ يُبدونَ ذلكَ ويعيدونَهُ على أسماعِ قومِهم، كلٌّ منهم يقولُ: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩].
стр. 239
ولهذا كان من أجلِّ الفضائلِ لأتباعِ الرسلِ: أنْ يكونوا مقتدينَ بالرسلِ في هذهِ الفضيلةِ، واللهُ تعالى يجعلُ لهم من فضلهِ من رفعةِ الدنيا والآخرةِ أعظمَ مما يتنافسُ فيه طلابُ الدنيا.
* ومنها: أنَّ القدحَ في نياتِ المؤمنينَ، وفيما مَنَّ اللهُ عليهم بهِ من الفضائلِ، والتألِّي على اللهِ أنهُ لا يؤتِيهم من فضلهِ؛ من مواريثِ أعداءِ الرسلِ؛ فلهذا قالَ نوحٌ لقومهِ حينَ تألَّوا على اللهِ، وتوسَّلوا في ذمِّ المؤمنينَ بهِ بذلكَ، فقالَ: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١].
* ومنها: أنهُ ينبغِي الاستعانةُ باللهِ، وأنْ يذكرَ اسمُهُ عندَ الركوبِ والنزولِ، وفي جميعِ التقلباتِ والحركاتِ؛ وحمدُ اللهِ، والإكثارُ من ذكرهِ عندَ النعمِ، لاسيما النجاة من الكرباتِ والمشقاتِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨].
وأنهُ ينبغِي أيضًا الدعاءُ بالبركةِ في نزولِ المنازلِ العارضةِ، كالمنازلِ في إقاماتِ السفرِ وغيرهِ، والمنازلِ المستقرةِ كالمساكنِ والدورِ؛ لقولهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩].
وفي ذلكَ كلِّهِ: من استصحابِ ذكرِ اللهِ، ومن القوةِ على الحركاتِ والسكناتِ، ومن قوةِ الثقةِ باللهِ، ومن نزولِ بركةِ اللهِ التي خيرُ ما صحبَتِ العبدَ في أحوالهِ كلِّها - ما لا غنًى للعبدِ عنهُ طرفةَ عينٍ.
стр. 240
* ومنها: أنَّ تقوى اللهِ والقيامَ بواجباتِ الإيمانِ من جملةِ الأسبابِ التي تُنالُ بها الدنيا، وكثرةُ الأولادِ والرزقِ، وقوةُ الأبدانِ، وإنْ كان لذلكَ أيضًا أسبابٌ أخرُ. وهيَ (١) السببُ الوحيدُ الذي ليسَ هناكَ سببٌ سواهُ في نيلِ خيرِ الآخرةِ، والسلامةِ من عقابِها.
* ومنها: أنَّ النجاةَ من العقوباتِ العامةِ الدنيويةِ هيَ للمؤمنينَ، وهم الرسلُ وأتباعُهم، وأما العقوباتُ الدنيويةُ العامةُ فإنها تختصُّ بالمجرمينَ، ويتبعُهم توابعُهم من ذريةٍ وحيوانٍ، وإنْ لم يكنْ لها ذنوبٌ؛ لأنَّ الوقائعَ التي أوقعَ اللهُ بأصنافِ المكذبينَ شملَتِ الأطفالَ والبهائمَ.
وأمَّا ما يُذكرُ في بعضِ الإسرائيلياتِ: أنَّ قومَ نوحٍ أو غيرَهم لما أرادَ اللهُ إهلاكَهم أعقمَ الأرحامَ حتى لا يتبعهم في العقوبةِ أطفالُهم؛ فهذا ليسَ لهُ أصلٌ، وهوَ منافٍ للأمرِ المعلومِ، وذلكَ مصداقٌ لقولهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
стр. 241
قصة هود ﵊
بعثَ اللهُ هودًا ﵊ إلى قومهِ ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]، المقيمينَ بالأحقافِ من رمالِ حضرموتَ؛ لما كثُرَ شرُّهم، وتجبرُوا على عبادِ اللهِ وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، معَ شركِهم باللهِ وتكذيبِهم لرسلِ اللهِ، فأرسلَهُ اللهُ إليهم يدعُوهم إلى عبادةِ اللهِ وحدَهُ، وينهاهم عن الشركِ والتجبرِ على العبادِ، ويدعُوهم بكلِّ وسيلةٍ، ويذكِّرُهم ما أنعمَ اللهُ عليهم بهِ من خيرِ الدنيا والبسطةِ في الرزقِ والقوةِ.
فردُّوا دعوتَهُ، وتكبَّرُوا عن إجابتهِ، وقالوا: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وهم كاذبونَ في هذا الزعمِ؛ فإنهُ ما من نبيٍّ إلا أعطاهُ اللهُ من الآياتِ ما على مثلهِ يؤمِنُ البشرُ، ولوْ لم يكنْ من آياتِ الرسلِ إلا أنَّ نفسَ الدِّينِ الذي جاؤوا بهِ أكبرُ دليلٍ أنهُ من عندِ اللهِ؛ لإحكامهِ، وانتظامهِ للمصالحِ في كلِّ زمانٍ بحسبهِ، وصدقِ أخبارهِ، وأمرهِ بكلِّ خيرٍ، ونهيهِ عن كلِّ شرٍّ، وأنَّ كلَّ رسولٍ يصدِّقُ مَنْ قبلَهُ ويشهَدُ لهُ، ويصدِّقُهُ مَنْ بعدَهُ ويشهَدُ لهُ.
ومنِ آياتِ هودٍ الخاصةِ: أنهُ متفرِّدٌ وحدَهُ في دعوتهِ وتسفيهِ أحلامِهم وتضليلِهم والقدحِ في آلهتِهم، وهم أهلُ البطشِ والقوةِ والجبروتِ، وقدْ خوَّفوهُ بإلهتِهم إنْ لم ينتهِ أنْ تمسَّهُ بجنونٍ أو سوءٍ؛ فتحداهم علنًا، وقالَ لهم جهارًا: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]، فلم يصلُوا إليهِ بسوءٍ.
* ومنها: أنَّ اللهَ بحكمتهِ يقصُّ علينا نبأَ الأممِ المجاورينَ لنا في جزيرةِ العربِ وما حولَها؛ لأنَّ القرآنَ يذكرُ أعلى الطرقِ في التذكيرِ، واللهُ تعالى صرَّفَ فيه التذكيراتِ تصريفًا نافعًا، ولا ريبَ أنَّ الأقطارَ النائيةَ عنَّا في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها قدْ بعَثَ اللهُ إليهم رسلًا، ولهم معهم نظيرُ ما للمذكورينَ من إجابةٍ وردٍّ وإكرامٍ وعقوبةٍ.
وما من أمةٍ إلا بعثَ اللهُ فيهم رسولًا، ولكن نفعَنا بتذكيرِنا بما حولَنا، وما نتناقلُهُ جيلًا بعدَ جيلٍ، بل ما نشاهدُ آثارَهم، ونمرُّ بديارِهم كلَّ وقتٍ، ونفهمُ لغاتِهم، وطبائعُهم أقربُ إلى طبائعِنا، لا ريبَ أنَّ نفعَ هذا عظيمٌ، وأنهُ أولى من تذكيرِنا بأممٍ لم نسمَعْ لهم بذكرٍ ولا خبرٍ، ولا نعرفُ لغاتِهم، ولا تتصلُ إلينا أخبارُهم بما يطابقُ ما يخبرُنا اللهُ بهِ.
فيُؤخذُ من هذا: أنَّ تذكيرَ الناسِ بما هوَ أقربُ إلى عقولِهم، وأنسبُ لأحوالِهم، وأدخلُ في مداركِهم، وأنفعُ لهم من غيرهِ؛ أولى من التذكيراتِ بطرقٍ أخرى وإنْ كانتْ حقًّا، لكنَّ الحقَّ يتفاوتُ.
والمذكِّرُ والمعلِّمُ إذا سلَكَ هذا الطريقَ واجتهدَ في إيصالِ العلمِ والخيرِ إلى الناسِ بالوسائلِ التي يفهمونَها، ولا ينفرونَ منها، أو تكونُ أقربَ لإقامةِ الحجةِ عليهم- نفَعَ وانتفعَ.
وأشارَ البارِي إلى هذا في آخرِ قصةِ عادٍ، فقالَ: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأحقاف: ٢٧] أي: نوَّعْناها بكلِّ فنٍّ ونوعٍ؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] أي: ليكونَ أقربَ لحصولِ الفائدةِ.
* ومنها: أنَّ اتخاذَ المبانِي الفخمةِ للفخرِ والخيلاءِ والزينةِ، وقهرِ العبادِ بالجبروتِ؛ من الأمورِ المذمومةِ الموروثةِ عن الأممِ الطاغيةِ، كما قالَ اللهُ في قصةِ عادٍ
стр. 244
وإنكارِ هودٍ عليهم، قالَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩].
وبالجملةِ: فالبناياتُ للقصورِ والحصونِ والدورِ وغيرها من الأبنيةِ:
• إما أنْ تُتخذَ مساكنَ للحاجةِ إليها، والحاجاتُ تتنوعُ وتختلفُ، فهذا النوعُ من الأمورِ المباحةِ، وقدْ يُتوسلُ بهِ بالنيةِ الصالحةِ إلى الخيرِ.
• وإما أنْ تكونَ البناياتُ حصونًا واقيةً لشرورِ الأعداءِ، وثغورًا تُحفظُ بها البلادُ ونحوُها مما ينفعُ المسلمينَ، ويقِيهم الشرَّ؛ فهذا النوعُ يدخلُ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ، وهوَ داخلٌ في الأمرِ باتخاذِ الحذرِ من الأعداءِ.
• وإما أنْ يكونَ للفخرِ والخيلاءِ، والبطشِ بعبادِ اللهِ، وتبذيرِ الأموالِ التي يتعينُ صرفُها في طرقٍ نافعةٍ؛ فهذا النوعُ هوَ المذمومُ الذي أنكرَهُ اللهُ على عادٍ وغيرِهم.
* ومنها: أنَّ العقولَ والأذهانَ والذكاءَ، وما يتبعُ ذلكَ من القوةِ الماديةِ، وما ترتبَ عليها من النتائجِ والآثارِ وإن عظمَتْ وبلغَتْ مبلغًا هائلًا؛ فإنها لا تنفعُ صاحبَها إلا إذا قارنَها الإيمانُ باللهِ ورسلهِ.
وأما الجاحدُ لآياتِ اللهِ المكذبُ لرسلِ اللهِ فإنهُ وإنْ استدرِجَ في الحياةِ وأُمهلَ فإن عاقبتَهُ وخيمةٌ، وسمعهُ وبصرهُ وعقلهُ لا يُغني عنهُ شيئًا إذا جاءَ أمرُ اللهِ، كما قالَ اللهُ عن عادٍ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وفي الآيةِ الأخرى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١].
стр. 245
قصة صالح ﵊
كانتْ ثمودُ -وهيَ عادٌ الثانية- يسكنونَ في «الحِجْرِ» وما حولَها، وكانوا أهلَ مواشٍ كثيرةٍ، وأهلَ حروثٍ وزروعٍ، وتواصلَتْ عليهم النعمُ، فكانوا يتخذونَ من السهولِ قصورًا مزخرفةً، ومن الجبالِ بيوتًا منحوتةً متقنةً، فبطرُوا النعمَ وكفروها، وعبدُوا غيرَ اللهِ، فأرسلَ اللهُ إليهم أخاهم صالحًا من قبيلتِهم، يعرفونَ نسبَهُ وحسبَهُ، وفضلَهُ وكمالَهُ، وصدقَهُ وأمانتَهُ، فدعاهم إلى اللهِ وإلى إخلاصِ الدينِ لهُ، وتركِ ما كانوا يعبدونَ من دونهِ، وذكَّرَهم بنعمِ اللهِ، وبأيامهِ بالأممِ المجاورةِ لهم، فلم يتبعْهُ إلا القليلُ.
وحينَ ذكَّرَهم وأقامَ الأدلةَ والبراهينَ على وجوبِ توحيدِ اللهِ اشمأزُّوا ونفرُوا واستكبرُوا، وقالوا: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢] أي: قدْ كنَّا قدْ تخايَلْنا فيكَ أنْ تفضلَنا جميعًا؛ لكمالِكَ وكمالِ أخلاقِكَ، وآدابِكَ الطيبةِ. وهذا اعترافٌ منهم لهُ بهذهِ الأمورِ قبلَ أنْ يقولَ ما قالَ، فما نزَّلَهُ عن هذهِ المرتبةِ عندَهم إلا أنهُ دعاهم إلى عبادةِ الخالقِ من عبادةِ العبيدِ، وإلى السعادةِ الأبديةِ! وما ذنبُهُ إلا أنهُ خالفَ آباءَهم الضالينَ، وهم كانوا أضلَّ منهم!
ثم أقامَ لهم بينةً عظيمةً، وآيةً وبرهانًا ونعمةً على جميعِ القبيلةِ بأسرِها، وقالَ: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤] التي لا يشبهُها شيءٌ من النوقِ في ذاتِها وشرفِها ومنافعِها، ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ على صدقِي وعلى سعةِ رحمةِ ربِّكم، ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ على اللهِ رزقُها، ولكمَ نفعُها، تَرِدُ الماءَ يومًا؛ فتَرِدُ القبيلةُ بأسرِها على ضرعِها، كلٌّ يصدرُ عن ضرعِها قدْ ملأَ آنيتَهُ، ثم تَرِدُونَ أنتم في اليومِ الثاني، فمكثَتْ على هذا ما شاءَ اللهُ.
стр. 246
وكان في مدينتِهم ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] من شياطينِهم قدْ قاوَمُوا ما جاءَ بهِ صالحٌ أشدَّ المقاومةِ، يصدونَ عن سبيلِ اللهِ، و ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]، وكان صالحٌ قدْ حذَّرَهم من عقرِ الناقةِ لما رأى من كبرِهم وردِّهم الحقَّ، فأولُ ما فعلَ أولئكَ الملأُ الأشرارُ أنْ عقدُوا مجلسًا عامًّا ليتفقُوا على عقرِ الناقةِ، فاتفقُوا، فانتُدِبَ لذلكَ أشقى القبيلةِ؛ ولهذا قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] أي: بعدَ اتفاقِهم وندبِهم إياهُ بعثوهُ لذلكَ، فانبعَثَ واستعدَّ وتكفَّلَ لهم بعقرِها، وهم جميعُهم راضونَ بلْ آمرونَ، فعقَرَها فكان هذا العقرُ مؤذنًا بهلاكِ القبيلةِ بأسرِها.
فلما شعرَ صالحٌ بالأمرِ، ورأى منظرًا فظيعًا؛ عَلِمَ أنَّ العذابَ قدْ تحتمَ لا محالةَ؛ لأنَّ الجريمةَ قدْ تفاقمَتْ، ولم يبقَ حالةٌ يُرجَى فيها لهم تقويمٌ، فقالَ لهم صالحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، ونبَّهَ بهذا الكلامِ دانِيَهم وقاصِيَهم.
ففي أثناءِ هذهِ المدةِ اتفقَ هؤلاءِ الرهطُ التسعةُ على أمرٍ أغلظَ من عقرِ الناقةِ: على قتلِ نبيِّهم صالحٍ، وتعاهدُوا وتعاقدُوا وحلفُوا الأيمانَ المغلظةَ، وكتمُوا أمرَهم خشيةً من منعِ أهلِ بيتهِ، لأنهُ في بيتِ عزٍّ وشرفٍ، وقالوا: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]، ثم إذا ظُنَّ بنا أننا قتلناهُ حلَفْنا لأوليائهِ إننا ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
فدبَّروا هذا المكرَ العظيمَ، ولكنهم يمكرونَ ويمكرُ اللهُ لنبيهِ صالحٍ، فحينَ كمنُوا في أصلِ جبلٍ لينظروا الفرصةَ في صالحٍ؛ بدأَ اللهُ بعقوبتِهم، فكانوا سلفًا مقدمًا لقومِهم إلى نارِ جهنمَ، فأرسلَ اللهُ صخرةً من أعلى الجبلِ فشدخَتْهم، وقُتلُوا أشنعَ قتلةٍ.
ثم لما تمَّتْ ثلاثةُ هذهِ الأيامِ جاءَتْهم صيحةٌ مِنْ فوقِهم، ورجفةٌ مِنْ أسفلَ منهم، فأصبحوا خامدِينَ، ونجَّى اللهُ صالحًا ومن معَهُ من المؤمنينَ، وتولَّى عنهم وقالَ: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩].
стр. 247
* فوائدُ تتعلقُ بهذهِ القصةِ:
منها: أنَّ جميعَ الأنبياءِ دعوتهم واحدةٌ، وأنَّ مَنْ كذَّبَ واحدًا منهم فقدْ كذَّبَ الجميعَ؛ لأنهُ يكذِّبُ الحقَّ الذي جاءَ بهِ كلُّ واحدٍ منهم؛ ولهذا يقولُ في كلِّ قصةٍ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ [الشعراء: ١٤١].
* ومنها: أنَّ عقوباتِ اللهِ للأممِ الطاغيةِ عندَ تناهِي طغيانِها وتفاقمِ جرائمِها، فكفرُهم وتكذيبُهم موجبٌ للهلاكِ، ولكنَّ تحتمَ الإهلاكِ عندَ تناهي الشرورِ؛ ولهذا أرجَى ما يكونُ لوقوعِ العقوبةِ بالظالمينَ المجرمينَ عندَ تناهي إجرامِهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى بالمرصادِ، فيمهِلُ ثم يمهِلُ، حتى إذا أخذَهم أخذَهم أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.
* ومنها: أنَّ العقائدَ الباطلةَ الراسخةَ المأخوذةَ عمن يُحسَنُ بهم الظنُّ من آباءٍ أو غيرِهم؛ من أكبرِ الموانعِ لقبولِ الحقِّ، والحالُ أنها ليستْ في العيرِ ولا في النفيرِ، ولا لها مقامٌ في الحججِ الصحيحةِ الدالةِ على الحقائقِ؛ فلهذا أكبرُ ما رَدَّ بهِ قومُ صالحٍ لدعوتهِ أنْ قالوا: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢]، وقالتْ جميعُ الأممِ المكذبةِ رادِّينَ لدعوةِ الرسلِ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
وهذا سبيلٌ لا يزالُ معمورًا بالسالكينَ من أهلِ الباطلِ، نهجَتْهُ الشياطينُ؛ ليصدُّوا بهِ العبادَ عن سبيلِ اللهِ، ومن المعلومِ أنَّ طريقَ الرسلِ هيَ طريقُ الهدَى والحقِّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]!
стр. 248
قصة إبراهيم خليل الرحمن ﷺ
قدْ ذكَرَ اللهُ في كتابهِ سيرةً وأخبارًا كثيرةً من سيرةِ إبراهيمَ، فيها لنا الأسوةُ بالأنبياءِ عمومًا، وبهِ على وجهِ الخصوصِ؛ فإنَّ اللهَ أمَرَ نبيَّنا وأمرَنا باتباعِ ملتهِ، وهيَ ما كان عليهِ من عقائدَ وأخلاقٍ وأعمالٍ قاصرةٍ ومتعديةٍ، فقدْ آتاهُ اللهُ رشدَهُ وعلَّمَهُ الحكمةَ منذُ كان صغيرًا، وأراهُ ملكوتَ السمواتِ والأرضِ؛ ولهذا كان أعظمَ الناسِ يقينًا وعلمًا وقوةً في دينِ اللهِ، ورحمةً بالعبادِ.
وكان قدْ بعثَهُ اللهُ إلى قومٍ مشركينَ يعبدونَ الشمسَ والقمرَ والنجومَ، وهم فلاسفةُ الصابئةِ الذينَ هم من أخبثِ الطوائفِ وأعظمِهم ضررًا على الخلقِ، فدعاهم بطرقٍ شتَّى، فأولُ ذلكَ دعاهم بطريقةٍ لا يمكنُ صاحبُ عقلٍ أنْ ينفرَ منها، ولما كانوا يعبدونَ السبعَ السياراتِ التي منها الشمسُ والقمرُ، وقدْ بنَوا لها البيوتَ وسمَّوها الهياكلَ؛ قالَ لهم ناظرًا ومناظرًا: هلمَّ -يا قوم- ننظرُ هلْ يستحقُّ منها شيءٌ الإلهيةَ والربوبيةَ؟ ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، والمناظرةُ تخالفُ غيرَها في أمورٍ كثيرةٍ، منها: أنَّ المناظرَ يقولُ الشيءَ الذي لا يعتقدُهُ؛ ليبنيَ عليهِ حجتَهُ، وليقيمَ الحجةَ على خصمهِ، كما قالَ في تكسيرهِ الأصنامَ لما قالوا لهُ: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]، فأشارَ إلى الصنمِ الذي لم يكسِرْهُ فقالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، ومعلومٌ أنَّ غرضَهُ إلزامُهم بالحجةِ، وقدْ حصلَتْ.
стр. 249
فهنا يسهلُ علينا فَهْمُ معنى قولهِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: إنْ كان يستحقُّ الإلهيةَ بعدَ النظرِ في حالتهِ ووصفهِ فهوَ ربِّي، معَ أنهُ يعلمُ العلمَ اليقينيَّ أنهُ لا يستحقُّ من الربوبيةِ والإلهيةِ مثقالَ ذرةٍ، ولكنْ أرادَ أنْ يلزمَهم بالحجةِ.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: غابَ، ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ فإنَّ مَنْ كان لهُ حالُ وجودٍ وعدمٍ، أو حالُ حضورٍ وغيبةٍ؛ قدْ عَلِمَ كلُّ عاقلٍ أنهُ ليسَ بكاملٍ؛ فلا يكونُ إلهًا.
ثم انتقلَ إلى القمرِ، فلما رآهُ بازغًا: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧]، يُرِيهم -صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ- وقدْ صوَّرَ نفسَهُ بصورةِ الموافقِ لهم، لكن لا على وجهِ التقليدِ، بلْ يقصدُ إقامةَ البرهانِ على إلهيةِ النجومِ والقمرِ، فالآنَ وقدْ أفلَتْ، وتبيَّنَ بالبرهانِ العقليِّ معَ السمعيِّ بطلانُ إلهيتِها، فأنا إلى الآن لم يستقِرْ لي قرارٌ على ربٍّ وإلهٍ عظيمٍ.
﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ قالَ: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ من النجومِ ومن القمرِ، فإنْ جرَى عليها ما جرَى عليهما كانتْ مثلَهما، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ وقدْ تقررَ عندَ الجميعِ فيما سبَقَ أنَّ عبادةَ مَنْ يأفلُ مِنْ أبطلِ الباطلِ، فحينئذٍ ألزمَهم بهذا الإلزامِ ووجَّهَ عليهم الحجةَ فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: ظاهرِي وباطنِي، ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
فهذا برهانٌ عقليٌ واضحٌ أنَّ الخالقَ للعالمِ العلويِّ والسفليِّ هوَ الذي يتعينُ أنْ يُقصدَ بالتوحيدِ والإخلاصِ، وأنَّ هذهِ الأفلاكَ والكواكبَ وغيرَها مخلوقاتٌ مدبَّراتٌ، ليسَ لها من الأوصافِ ما تستحقُّ العبادةُ لأجلِها.
فجعلُوا يخوِّفونَهُ آلهتَهم أنْ تمسَّهُ بسوءٍ، وهذا دليلٌ على أنَّ المشركينَ عندَهم من الخيالاتِ الفاسدةِ والآراءِ الرديئةِ ما يعتقدونَ أنَّ آلهتَهم تنفعُ مَنْ عبَدَها وتضرُّ مَنْ تركَها أو قَدَحَ فيها.