وكان في مدينتِهم ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] من شياطينِهم قدْ قاوَمُوا ما جاءَ بهِ صالحٌ أشدَّ المقاومةِ، يصدونَ عن سبيلِ اللهِ، و ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]، وكان صالحٌ قدْ حذَّرَهم من عقرِ الناقةِ لما رأى من كبرِهم وردِّهم الحقَّ، فأولُ ما فعلَ أولئكَ الملأُ الأشرارُ أنْ عقدُوا مجلسًا عامًّا ليتفقُوا على عقرِ الناقةِ، فاتفقُوا، فانتُدِبَ لذلكَ أشقى القبيلةِ؛ ولهذا قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] أي: بعدَ اتفاقِهم وندبِهم إياهُ بعثوهُ لذلكَ، فانبعَثَ واستعدَّ وتكفَّلَ لهم بعقرِها، وهم جميعُهم راضونَ بلْ آمرونَ، فعقَرَها فكان هذا العقرُ مؤذنًا بهلاكِ القبيلةِ بأسرِها.
فلما شعرَ صالحٌ بالأمرِ، ورأى منظرًا فظيعًا؛ عَلِمَ أنَّ العذابَ قدْ تحتمَ لا محالةَ؛ لأنَّ الجريمةَ قدْ تفاقمَتْ، ولم يبقَ حالةٌ يُرجَى فيها لهم تقويمٌ، فقالَ لهم صالحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، ونبَّهَ بهذا الكلامِ دانِيَهم وقاصِيَهم.
ففي أثناءِ هذهِ المدةِ اتفقَ هؤلاءِ الرهطُ التسعةُ على أمرٍ أغلظَ من عقرِ الناقةِ: على قتلِ نبيِّهم صالحٍ، وتعاهدُوا وتعاقدُوا وحلفُوا الأيمانَ المغلظةَ، وكتمُوا أمرَهم خشيةً من منعِ أهلِ بيتهِ، لأنهُ في بيتِ عزٍّ وشرفٍ، وقالوا: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]، ثم إذا ظُنَّ بنا أننا قتلناهُ حلَفْنا لأوليائهِ إننا ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
فدبَّروا هذا المكرَ العظيمَ، ولكنهم يمكرونَ ويمكرُ اللهُ لنبيهِ صالحٍ، فحينَ كمنُوا في أصلِ جبلٍ لينظروا الفرصةَ في صالحٍ؛ بدأَ اللهُ بعقوبتِهم، فكانوا سلفًا مقدمًا لقومِهم إلى نارِ جهنمَ، فأرسلَ اللهُ صخرةً من أعلى الجبلِ فشدخَتْهم، وقُتلُوا أشنعَ قتلةٍ.
ثم لما تمَّتْ ثلاثةُ هذهِ الأيامِ جاءَتْهم صيحةٌ مِنْ فوقِهم، ورجفةٌ مِنْ أسفلَ منهم، فأصبحوا خامدِينَ، ونجَّى اللهُ صالحًا ومن معَهُ من المؤمنينَ، وتولَّى عنهم وقالَ: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩].
стр. 247
* فوائدُ تتعلقُ بهذهِ القصةِ:
منها: أنَّ جميعَ الأنبياءِ دعوتهم واحدةٌ، وأنَّ مَنْ كذَّبَ واحدًا منهم فقدْ كذَّبَ الجميعَ؛ لأنهُ يكذِّبُ الحقَّ الذي جاءَ بهِ كلُّ واحدٍ منهم؛ ولهذا يقولُ في كلِّ قصةٍ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ [الشعراء: ١٤١].
* ومنها: أنَّ عقوباتِ اللهِ للأممِ الطاغيةِ عندَ تناهِي طغيانِها وتفاقمِ جرائمِها، فكفرُهم وتكذيبُهم موجبٌ للهلاكِ، ولكنَّ تحتمَ الإهلاكِ عندَ تناهي الشرورِ؛ ولهذا أرجَى ما يكونُ لوقوعِ العقوبةِ بالظالمينَ المجرمينَ عندَ تناهي إجرامِهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى بالمرصادِ، فيمهِلُ ثم يمهِلُ، حتى إذا أخذَهم أخذَهم أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ.
* ومنها: أنَّ العقائدَ الباطلةَ الراسخةَ المأخوذةَ عمن يُحسَنُ بهم الظنُّ من آباءٍ أو غيرِهم؛ من أكبرِ الموانعِ لقبولِ الحقِّ، والحالُ أنها ليستْ في العيرِ ولا في النفيرِ، ولا لها مقامٌ في الحججِ الصحيحةِ الدالةِ على الحقائقِ؛ فلهذا أكبرُ ما رَدَّ بهِ قومُ صالحٍ لدعوتهِ أنْ قالوا: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢]، وقالتْ جميعُ الأممِ المكذبةِ رادِّينَ لدعوةِ الرسلِ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
وهذا سبيلٌ لا يزالُ معمورًا بالسالكينَ من أهلِ الباطلِ، نهجَتْهُ الشياطينُ؛ ليصدُّوا بهِ العبادَ عن سبيلِ اللهِ، ومن المعلومِ أنَّ طريقَ الرسلِ هيَ طريقُ الهدَى والحقِّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]!
стр. 248
قصة إبراهيم خليل الرحمن ﷺ
قدْ ذكَرَ اللهُ في كتابهِ سيرةً وأخبارًا كثيرةً من سيرةِ إبراهيمَ، فيها لنا الأسوةُ بالأنبياءِ عمومًا، وبهِ على وجهِ الخصوصِ؛ فإنَّ اللهَ أمَرَ نبيَّنا وأمرَنا باتباعِ ملتهِ، وهيَ ما كان عليهِ من عقائدَ وأخلاقٍ وأعمالٍ قاصرةٍ ومتعديةٍ، فقدْ آتاهُ اللهُ رشدَهُ وعلَّمَهُ الحكمةَ منذُ كان صغيرًا، وأراهُ ملكوتَ السمواتِ والأرضِ؛ ولهذا كان أعظمَ الناسِ يقينًا وعلمًا وقوةً في دينِ اللهِ، ورحمةً بالعبادِ.
وكان قدْ بعثَهُ اللهُ إلى قومٍ مشركينَ يعبدونَ الشمسَ والقمرَ والنجومَ، وهم فلاسفةُ الصابئةِ الذينَ هم من أخبثِ الطوائفِ وأعظمِهم ضررًا على الخلقِ، فدعاهم بطرقٍ شتَّى، فأولُ ذلكَ دعاهم بطريقةٍ لا يمكنُ صاحبُ عقلٍ أنْ ينفرَ منها، ولما كانوا يعبدونَ السبعَ السياراتِ التي منها الشمسُ والقمرُ، وقدْ بنَوا لها البيوتَ وسمَّوها الهياكلَ؛ قالَ لهم ناظرًا ومناظرًا: هلمَّ -يا قوم- ننظرُ هلْ يستحقُّ منها شيءٌ الإلهيةَ والربوبيةَ؟ ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، والمناظرةُ تخالفُ غيرَها في أمورٍ كثيرةٍ، منها: أنَّ المناظرَ يقولُ الشيءَ الذي لا يعتقدُهُ؛ ليبنيَ عليهِ حجتَهُ، وليقيمَ الحجةَ على خصمهِ، كما قالَ في تكسيرهِ الأصنامَ لما قالوا لهُ: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]، فأشارَ إلى الصنمِ الذي لم يكسِرْهُ فقالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، ومعلومٌ أنَّ غرضَهُ إلزامُهم بالحجةِ، وقدْ حصلَتْ.
стр. 249
فهنا يسهلُ علينا فَهْمُ معنى قولهِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: إنْ كان يستحقُّ الإلهيةَ بعدَ النظرِ في حالتهِ ووصفهِ فهوَ ربِّي، معَ أنهُ يعلمُ العلمَ اليقينيَّ أنهُ لا يستحقُّ من الربوبيةِ والإلهيةِ مثقالَ ذرةٍ، ولكنْ أرادَ أنْ يلزمَهم بالحجةِ.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: غابَ، ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ فإنَّ مَنْ كان لهُ حالُ وجودٍ وعدمٍ، أو حالُ حضورٍ وغيبةٍ؛ قدْ عَلِمَ كلُّ عاقلٍ أنهُ ليسَ بكاملٍ؛ فلا يكونُ إلهًا.
ثم انتقلَ إلى القمرِ، فلما رآهُ بازغًا: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧]، يُرِيهم -صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ- وقدْ صوَّرَ نفسَهُ بصورةِ الموافقِ لهم، لكن لا على وجهِ التقليدِ، بلْ يقصدُ إقامةَ البرهانِ على إلهيةِ النجومِ والقمرِ، فالآنَ وقدْ أفلَتْ، وتبيَّنَ بالبرهانِ العقليِّ معَ السمعيِّ بطلانُ إلهيتِها، فأنا إلى الآن لم يستقِرْ لي قرارٌ على ربٍّ وإلهٍ عظيمٍ.
﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ قالَ: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ من النجومِ ومن القمرِ، فإنْ جرَى عليها ما جرَى عليهما كانتْ مثلَهما، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ وقدْ تقررَ عندَ الجميعِ فيما سبَقَ أنَّ عبادةَ مَنْ يأفلُ مِنْ أبطلِ الباطلِ، فحينئذٍ ألزمَهم بهذا الإلزامِ ووجَّهَ عليهم الحجةَ فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: ظاهرِي وباطنِي، ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
فهذا برهانٌ عقليٌ واضحٌ أنَّ الخالقَ للعالمِ العلويِّ والسفليِّ هوَ الذي يتعينُ أنْ يُقصدَ بالتوحيدِ والإخلاصِ، وأنَّ هذهِ الأفلاكَ والكواكبَ وغيرَها مخلوقاتٌ مدبَّراتٌ، ليسَ لها من الأوصافِ ما تستحقُّ العبادةُ لأجلِها.
فجعلُوا يخوِّفونَهُ آلهتَهم أنْ تمسَّهُ بسوءٍ، وهذا دليلٌ على أنَّ المشركينَ عندَهم من الخيالاتِ الفاسدةِ والآراءِ الرديئةِ ما يعتقدونَ أنَّ آلهتَهم تنفعُ مَنْ عبَدَها وتضرُّ مَنْ تركَها أو قَدَحَ فيها.
فصل فيما في قصة الخليل من الفوائد
* ليُعْلَم أنَّ جميعَ ما قصَّهُ اللهُ علينا من سيرةِ إبراهيمَ الخليلِ ﷺ فإننا مأمورونَ بهِ أمرًا خاصًّا؛ قالَ تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] أي: الزمُوها، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ [الممتحنة: ٤] الآية.
فما هوَ عليهِ في التوحيدِ والأصولِ والعقائدِ والأخلاقِ وجميعِ ما قُصَّ علينا من نبئهِ، فإنَّ اتباعَنا إياهُ مِنْ دينِنا؛ ولهذا لما كان هذا أمرًا عامًّا لأحوالهِ كلِّها استثنَى اللهُ حالةً من أحوالهِ فقالَ: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] أي: فلا تقتدُوا بهِ في هذهِ الحالِ بالاستغفارِ للمشركينَ؛ فإنَّ استغفارَ إبراهيمَ لأبيهِ إنما كان ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤].
* ومنها: أنَّ اللهَ اتخذَهُ خليلًا، والخلةُ أعلى درجاتِ المحبةِ، وهذهِ المرتبةُ لم تحصلْ لأحدٍ من الخلقِ إلا للخليلَينِ إبراهيمَ ومحمدٍ صلى اللهُ عليهما وسلمَ.
* ومنها: ما أكرمَهُ اللهُ بهِ من الكراماتِ المتنوعةِ:
• جعَلَ في ذريتهِ النبوةَ والكتابَ.
• وأخرجَ من صلبهِ أمتَينِ هما أفضلُ الأممِ: العربُ، وبنو إسرائيلَ.
• واختارَهُ اللهُ لبناءِ بيتهِ الذي هوَ أشرفُ بيتٍ، وأولُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ.
• ووهبَ لهُ الأولادَ بعدَ الكبرِ واليأسِ.
стр. 261
• وملأَ بذكرهِ ما بينَ الخافقينِ، وامتلأَتْ قلوبُ الخلقِ من محبتهِ، وألسنتُهم من الثناءِ عليهِ.
* ومنها: أنَّ اللهَ رفعَهُ بالعلمِ واليقينِ وقوةِ الحججِ، قالَ جلَّ ذكرهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣].
ومن شوقهِ إلى الوصولِ إلى غايةِ العلمِ ونهايتهِ: أنْ سألَ ربَّهُ: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠].
* ومنها: أنَّ من عَزَمَ على فعلِ الطاعاتِ، وبذَلَ مقدورَهُ في أسبابِها، ثم حصَلَ مانعٌ يمنعُ من إكمالِها؛ أنَّ أجرَهُ قدْ وجَبَ على اللهِ، كما قالَ اللهُ ذلكَ في المهاجرِ الذي يموتُ قبلَ أنْ يصلَ إلى مهاجرهِ، وكما ذكرَهُ اللهُ في قصةِ الذبحِ، وأنَّ اللهَ أتمَّ الأجرَ لإبراهيمَ وإسماعيلَ حين أسلمَا للهِ وأذعَنا لأمرهِ، ثم رفعَ عنهما المشقةَ، وأوجبَ لهما الأجرَ الدنيويَّ والأخرويَّ.
* ومنها: ما في قصصهِ من آدابِ المناظرةِ وطرقِها ومسالِكها النافعةِ، وكيفيةِ إلزامِ الخصمِ بالطرقِ الواضحةِ التي يَعترفُ بها أهلُ العقولِ، وإلجائهِ الخصمَ الألدَّ إلى الاعترافِ ببطلانِ مذهبهِ، وإقامةِ الحجةِ على المعاندينَ، وإرشادِ المسترشدينَ.
* ومنها: أنَّ مِنْ نعمةِ اللهِ على العبدِ هبةَ الأولادِ الصالحينَ، وأنَّ عليهِ في ذلكَ أنْ يحمدَ اللهَ، ويدعوَ اللهَ لذريتهِ كما فعلَ الخليلُ ﷺ في قولهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] إلى آخرِ الدعاءِ.
стр. 262
وقالَ -جلَّ ذكرُهُ- في الثناءِ عمومًا على مَنْ يدعو اللهَ بصلاحِ ذريتهِ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]، فإنَّ العبدَ إذا ماتَ «انقطَعَ عملُهُ إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفعُ بهِ، أو ولدٍ صالحٍ يدعُو لهُ» (١).
* ومنها: أنَّ المشاعرَ ومواضعَ الأنساكِ من جملةِ الحِكَمِ فيها: أنَّ فيها تذكيراتٍ بمقاماتِ الخليلِ وأهلِ بيتهِ في عباداتِ ربِّهم، [وإيمانًا] (٢) باللهِ ورسلهِ، [وحثًّا] (٣) على الاقتداءِ بهم في كلِّ أحوالِهم الدينيةِ، وكلُّ أحوالِ الرسلِ دينيةٌ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
* ومنها: الأمرُ بتطهيرِ المسجدِ الحرامِ من الأنجاسِ، ومن جميعِ المعاصِي القوليةِ والفعليةِ؛ تعظيمًا للهِ وإعانةً وتنشيطًا للمتعبِّدِينَ فيه، ومثلُهُ بقيةُ المساجدِ؛ لقولهِ : ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، وقالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
* ومنها: أنَّ أفضلَ الوصايا على الإطلاقِ ما وصَّى بهِ إبراهيمُ بنيهِ ويعقوبُ، وهوَ الوصيةُ بملازمةِ القيامِ بالدِّينِ، وتقوَى اللهِ، والاجتماعِ على ذلكَ، وهيَ وصيتهُ تعالى للأولينَ والآخرينَ؛ إذْ بها السعادةُ الأبديةُ والسلامةُ من شرورِ الدنيا والآخرةِ.
стр. 263
* ومنها: أنَّ العاملَ كما عليهِ أنْ يتقنَ عملَهُ ويجتهدَ في إيقاعهِ على أكملِ الوجوهِ، فعليهِ معَ ذلكَ أنْ يكونَ بينَ الخوفِ والرجاءِ، وأنْ يتضرَّعَ إلى ربِّهِ في قبولهِ وتكميلِ نقصهِ، والعفوِ عما وقعَ فيه من خللٍ أو نقصٍ، كما كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يرفعانِ القواعدَ من البيتِ، وهما بهذا الوصفِ الكاملِ.
* ومنها: أنَّ الجمعَ بينَ الدعاءِ للهِ بمصالحِ الدنيا والدينِ من سبيلِ أنبياءِ اللهِ، وكذلكَ السعيُ في تحصيلِهما.
الدينُ هوَ الأصلُ والمقصودُ الذي خُلِقَ لهُ الخلقُ، والدنيا وسيلةٌ ومعونةٌ عليهِ؛ لدعاءِ الخليلِ لأهلِ البيتِ الحرامِ بالأمرَينِ، وتعليلهِ الدعاءَ بالأمورِ الدنيويةِ أنهُ وسيلةٌ إلى الشكرِ فقالَ: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
* ومنها: ما اشتملَتْ عليهِ قصةُ إبراهيمَ من مشروعيةِ الضيافةِ وآدابِها:
• فإنَّ اللهَ أخبَرَ عن ضيفهِ أنهم مكرمونَ، يعني: أنهم كرماءُ على اللهِ.
• وأيضًا إبراهيمُ أكرمَهم بضيافتهِ قولًا وفعلًا؛ فإكرامُ الضيفِ من الإيمانِ.
• وأنهُ خدمَهم بنفسهِ.
• وبادَرَ بضيافتِهم قبلَ كلِّ شيءٍ.
• وأتى بأطيبِ مالهِ: عجلٍ حنيذٍ سمينٍ، وقرَّبَهُ إليهم، ولمِ يحوِجْهم إلى الذهابِ إلى محلٍّ آخرَ.
• وعرَضَ عليهم الأكلَ بلفظٍ رقيقٍ فقالَ: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧].
* ومنها: مشروعيةُ السلامِ، وأنَّ المبتدئَ فيه هوَ الداخلُ وهوَ الماشي، وأنهُ يجبُ ردُّهُ، ومشروعيةُ الوقوفِ على اسمِ مَنْ يتصلُ بكَ من صاحبٍ ومُعاملٍ وضيفٍ؛ لقولهِ:
стр. 264
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أي: لا أعرفُكم؛ فأُحِبُّ أنْ تعرفوني بأنفسِكم؛ وهذا ألطفُ من قولهِ: (أنكرتُكم) ونحوه.
* ومنها: الترغيبُ في أنْ يكونَ أهلُ الإنسانِ ومَن يتولَّى شؤونَ بيتهِ حازمِينَ مستعدِّينَ لكلِّ ما يُرادُ منهم من الشؤونِ والقيامِ بمهماتِ البيتِ؛ فإنَّ إبراهيمَ في الحالِ بادَرَ إلى أهلهِ فوجَدَ طعامَ ضيوفهِ حاضرًا لا يُحوجُ إلا إلى تقديمهِ.
* ومنها: أنَّ إتيانَ الولدِ والبشارةَ بهِ من سارةَ، وهيَ عجوزٌ عقيمٌ، يعدُّ معجزةً لإبراهيمَ وكرامةً لسارةَ، ففيهِ معجزةُ نبيٍّ وكرامةُ وليٍّ، ونظيرهُ بشارةُ الملائكةِ لمريمَ بعيسَى، وبشارتُهم بيحيى لزكريا وزوجتهِ، وكونُ زكريا جَعَلَ اللهُ آيةَ وجودِ المبشرِ بهِ ألَّا يكلمَ الناسَ ثلاثةَ أيامٍ، وهوَ سويٌّ لا آفةَ فيه، إلا بالرمزِ والإشارةِ.
وكلُّ هذا وما أشبهَهُ من آياتِ اللهِ، وأعجَبَ من هذا: إيجادُهُ آدمَ من ترابٍ، فسبحانَ مَنْ هوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ!
* ومنها: ثناءُ اللهِ على إبراهيمَ أنهُ أتى ربَّهُ بقلبٍ سليمٍ، وقدْ قالَ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، والجامعُ لمعناهُ أنهُ:
• سليمٌ من الشرورِ كلِّها ومن أسبابِها، ملآنُ من الخيرِ والبرِّ والكرمِ.
• سليمٌ من الشبهاتِ القادحةِ في العلمِ واليقينِ، ومن الشهواتِ الحائلةِ بينَ العبدِ وبينَ كمالهِ.
• سليمٌ من الكبرِ ومن الرياءِ والشقاقِ والنفاقِ وسوءِ الأخلاقِ.
• وسليمٌ من الغلِّ والحقدِ، ملآنُ بالتوحيدِ والإيمانِ والتواضعِ للحقِّ وللخلقِ، والنصيحةِ للمسلمينَ، والرغبةِ في عبوديةِ اللهِ، وفي نفعِ عبادِ اللهِ.
стр. 265
* ومنها: ما ذكرَهُ في قصةِ نوحٍ وإبراهيمَ وموسى وهارونَ وإلياسَ: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩]، يتبعُها بقولهِ: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠، ١٠٥، ١٠٩، ١٢١، ١٣١]، فوعدَ البارِي أنَّ كلَّ محسنٍ في عبادتهِ، محسنٍ إلى عبادهِ؛ أنَّ اللهَ يجزيهِ الثناءَ الحسنَ والدعاءَ من العالمينَ بحسبِ إحسانهِ، وهذا ثوابٌ عاجلٌ وآجلٌ، وهوَ من البشرَى في الحياةِ الدنيا، ومن علاماتِ السعادةِ.
стр. 266
قصة لوط ﵇
وقصةُ لوطٍ ﵇ تبعٌ لقصةِ إبراهيمَ؛ لأنهُ تلميذهُ وقدْ تعلَّمَ من إبراهيمَ، وكان لهُ بمنزلةِ الابنِ، فنبَّأهُ اللهُ بحياةِ الخليلِ، وأرسلَهُ إلى قرَى «سَدُوم» من غَوْرِ فلسطينَ، وكانوا معَ شركِهم باللهِ يلوطُونَ بالذكورِ، ولم يسبِقْهم أحدٌ إلى هذهِ الفاحشةِ الشنعاءِ، فدعاهم إلى عبادةِ اللهِ وحدَهُ، وحذَّرَهم من هذهِ الفاحشةِ، فلم يزدادُوا إلا عتوًّا وتماديًا فيما هم فيه.
ولما أرادَ اللهُ هلاكَهم أرسلَ الملائكةَ لذلكَ، فمرُّوا بطريقِهم على إبراهيمَ وأخبروهُ بذلكَ، فجعَلَ إبراهيمُ يجادلُ في إهلاكِهم -وكان رحيمًا حليمًا - وقالَ: إنَّ فيها لوطًا، قالوا: نحن أعلمُ بمن فيها، لننجينَّهُ وأهلَهُ أجمعينَ (١)، فقيلَ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦].
ولما ذهَبَ الملائكةُ إلى لوطٍ بصورةِ أضيافٍ آدميينَ شبابٍ ساءَ لوطًا ذلكَ، وضاقَ بهم ذرعًا، ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]؛ لعلمهِ بما عليهِ قومهُ من هذهِ الجراءةِ الشنيعةِ، ووقَعَ ما خافَ منهُ، فجاءَهُ قومهُ يهرعونَ إليهِ يريدونَ فعلَ الفاحشةِ بأضيافِ لوطٍ، فقالَ: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؛ لعِلْمهِ أنهُ لا حقَّ لهم فيهنَّ، كما عرَضَ سليمانُ للمرأتينِ حينَ اختصمتَا في الولدِ فقالَ: ائتوني بالسكينِ أشقُّهُ بينَكما،
стр. 267
ومن المعلومِ أنهُ لا يقعُ ذلكَ، وهذا مثلُهُ؛ ولهذا قالَ قومهُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، وأيضًا يريدُ بعضَ العذرِ من أضيافهِ.
وعلى هذا التأويلِ لا حاجةَ إلى العدولِ إلى قولِ بعضِ المفسرينَ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] يعني: زوجاتُهم، يعني: لأنَّ النبيَّ أبٌ لأمتهِ؛ فإنَّ هذا يمنعهُ أمرانِ:
• أحدُهما: قولهُ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] يشيرُ إليهنَّ إشارةَ الحاضرِ.
• ثانيًا: هذا الإطلاقُ على زوجاتِهم لا نظيرَ لهُ، وأيضًا النبيُّ إنما هوَ بمنزلةِ الأبِ للمؤمنينَ بهِ، لا للكفارِ، والمحذورُ الذي توهموهُ يزولُ بما ذكَرْنا، وأنهُ يَعْلَمُ أنهُ لا حقَّ لهم فيهنَّ، وإنما يريدُ مدافعتَهم بكلِّ طريقٍ.
فاشتدَّ الأمرُ بلوطٍ وقالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أي: لدافعتُكم، فلما رآهم جازمِينَ على مرادِهم الخبيثِ قال لقومهِ: يا قومِ، اتقُوا اللهَ، ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨]، فاستلجُّوا في طغيانِهم وسكرِهم، فحينئذٍ أخبرَتْهُ ملائكةُ الرحمنِ بأمرِهم، وأنهم أُرسِلُوا لإهلاكِهم، فصدَمَ جبريلُ أو غيرهُ من الملائكةِ الذينَ يعالجونَ البابَ ليدخلُوا على لوطٍ؛ فطمَسَ بهذهِ الصدمةِ أعينَهم، فكان هذا عذابًا معجَّلًا وأنموذجًا لمن باشرُوا مراودةَ لوطٍ على أضيافهِ.
وأمرُوا لوطًا أنْ يسريَ بأولِ الليلِ بأهلهِ ويلحَّ في السيرِ حتى يخلفَ ديارَهم، وينجوَ من معرَّةِ العذابِ، فخرجَ بهم، فما أصبحَ الصباحُ حتى خلفُوا ديارَهم، وقلبَ اللهُ عليهم ديارَهم، فجعَلَ أعلاها أسفلَها، وأمطَرَ عليها ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣] الذينَ يعملونَ عملَهم ﴿بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾.
стр. 268
* وفي هذهِ القصةِ أكبرُ دليلٍ على أنَّ فاحشةَ اللِّواطِ من أشنعِ القبائحِ، وأنها توجبُ العقابَ الشديدَ، وأنَّ مَنْ ابتليَ بهذهِ الفاحشةِ فمعَ ذهابِ دينهِ قدْ انقلبَ عليهِ الحسنُ بالقبيحِ، فاستحسنَ ما كان قبيحًا، ونفَرَ من الطيبِ، وذلكَ دليلٌ على انحرافِ الأخلاقِ.
* وفيها وفي قصةِ إبراهيمَ: جوازُ التعريضِ:
• أما قصةُ إبراهيمَ ففي قولهِ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩].
• وأما لوطٌ ففي قولهِ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨].
والتعريضُ يكونُ في الأقوالِ، ويكون في الأفعالِ، وهوَ: أنْ يقصدَ المتكلمُ أو العاملُ لعملٍ -[لأمرٍ] (١) من الأمورِ التي لا بأسَ بها- ويوهمَ السامعَ والرائيَ أمرًا آخرَ؛ ليستجلبَ منفعةً، أو يدفعَ مضرَّةً.
* ومنها: أنَّ من علامةِ الرجلِ الرشيدِ أنهُ هوَ المسددُ في أقوالهِ وأفعالهِ، ومن ذلكَ أنهُ ينصرُ المظلومينَ، ويفرجُ الكربَ عن المكروبينَ، ويأمرُ بالخيرِ، وينهَى عن الشرِّ، هذا هوَ الرشيدُ حقيقةً؛ فلهذا قالَ لوطٌ: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] أي: فيأمرُ بمعروفٍ، وينهَى عن منكرٍ، ويدفعُ أهلَ الشرِّ والبغيِ.
* ومنها: الحثُّ على السعيِ في الأعوانِ على أمورِ الخيرِ ودفعِ الشرِّ، ولوْ كان المعاونُ على ذلكَ من أهلِ الشرِّ، فإنَّ اللهَ يؤيِّدُ الدينَ بالرجلِ الفاجرِ وبأقوامٍ لا خلاقَ لهم عندَ اللهِ؛ ولهذا قالَ لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، وأكثرُ
стр. 269
الأنبياءِ -صلوات الله عليهم- يبعثُهم اللهُ في أشرافِ قومِهم، ويحصلُ بذلكَ من تأييدِ الحقِّ وقمعِ الباطلِ، والتمكنِ من الدعوةِ؛ ما لا يحصلُ لوْ لم يكنْ كذلكَ.
واعتبِرْ هذا بحالِ شعيبٍ وقولِ قومهِ له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١]، وكذلكَ نبيُّنا محمدٌ ﷺ بُعِثَ في أشرفِ بيتٍ في قريشٍ وأعزِّهِ، وقدْ رماهُ قومهُ بالعداوةِ البليغةِ، وعقدوا المجالسَ المتعددةَ في إبطالِ قولهِ ودينهِ، بلْ وفي كيفيةِ الفتكِ بهِ، ومن الأسبابِ التي أوقفَتْهم عندَ حدِّهم خوفُهم من قبيلتهِ.
وانظرْ إلى حالتهِ في تضييقِهم عليهِ بالشِّعْبِ، وانحيازِ قبيلتهِ [معه] (١)، مسلمِهم وكافرِهم، ولم يخطُرْ ببالِهم أنهم يصلونَ إلى الفتكِ بشخصهِ الكريمِ حتى مكروا ذلكَ المكرَ العظيمَ؛ إذْ اتفَقَ رأيُهم على أنْ يُنتدَبَ لقتلهِ من كلِّ قبيلةٍ رجلٌ؛ ليتفرَّقَ دمهُ في القبائلِ، فيعجزُ قومهُ عن الأخذِ بثأرهِ، ولكنهم يمكرونَ ويمكرُ اللهُ، واللهُ خيرُ الماكرينَ (٢).
стр. 270
قصة شعيب ﵇
نبَّأهُ اللهُ وأرسلَهُ إلى أهلِ مدينَ، وكانوا معَ شركِهم يبخسونَ المكاييلَ والموازينَ، ويغشونَ في المعاملاتِ، وينقصونَ الناسَ أشياءَهم، فدعاهم إلى توحيدِ اللهِ، ونهاهم عن الشركِ بهِ، وأمرَهم بالعدلِ في المعاملاتِ، وزجرَهم عن البخسِ في المعاملاتِ، وذكَّرَهم الخيرَ الذي أدرَّهُ اللهُ عليهم، والأرزاقَ المتنوعةَ، وأنهم ليسوا بحاجةٍ إلى ظلمِ الناسِ في أموالِهم، وخوَّفَهم العذابَ المحيطَ في الدنيا قبلَ الآخرةِ.
فأجابوهُ ساخرينَ وردُّوا عليهِ متهكمِينَ، فقالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧] أي: فنحنُ جازمونَ على عبادةِ ما كان آباؤُنا يعبدونَ، وجازمونَ على أننا نفعلُ في أموالِنا ما نريدُ من أيِّ معاملةٍ تكونُ، فلا ندخلُ تحتَ أوامرِ اللهِ وأوامرِ رسلهِ.
فقالَ لهم: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨] أي: أغناني اللهُ، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: ما نهيتُكم عن المعاملاتِ الخبيثةِ وظلمِ الناسِ فيها إلَّا وأنا أولُ تاركٍ لها، معَ أنَّ اللهَ أعطاني ووسَّعَ عليَّ وأنا محتاجٌ إلى المعاملةِ، ولكني متقيدٌ بطاعةِ ربي، ﴿إِنْ أُرِيدُ﴾ في فعلي وأمرِي لكم ﴿إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ أي: أنْ تَصلحَ أحوالُكم الدينيةُ والدنيويةُ، ﴿مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 271
ثم خوَّفَهم آخذاتِ الأممِ التي حولَهم في الزمانِ والمكانِ فقالَ: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].
ثم عرَضَ عليهم التوبةَ، ورغَّبَهم فيها، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]؛ فلم يُفِدْ فيهم.
فقالوا: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] وهذا لعنادِهم وبغضِهم البليغِ للحقِّ، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾ [هود: ٩١ - ٩٢].
ثم لما رأى عتوَّهم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٩٣ - ٩٤]، ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨].
فأرسلَ اللهُ عليهم حرًّا أخذَ بأنفاسِهم حتى كادُوا يختنقونَ من شدتهِ، ثم في أثناءِ ذلكَ أرسلَ سحابةً باردةً فأظلَّتْهم، فتنادَوا إلى ظلِّها غيرِ الظليلِ، فلما اجتمعُوا فيها التهبَتْ عليهم نارًا، فأحرقَتْهم، وأصبحوا خامدِينَ معذَّبِينَ مذمومِينَ ملعونِينَ في جميعِ الأوقاتِ.
* وفي قصةِ شعيبٍ فوائدُ متعددةٌ:
* منها: أنَّ بخسَ المكاييلِ والموازينِ خصوصًا، وبخسَ الناسِ أشياءَهم عمومًا؛ من أعظمِ الجرائمِ الموجبةِ لعقوباتِ الدنيا والآخرةِ.
стр. 272
* ومنها: أنَّ المعصيةَ الواقعةَ لمن عُدِمَ منهُ الداعي والحاجةُ إليها أعظمُ؛ ولهذا كان الزِّنَى من الشيخِ أقبحَ من [الشابِّ] (١)، والكِبْرُ من الفقيرِ أقبحَ من الغنيِّ، والسرقةُ ممنْ ليسَ بمحتاجٍ أعظمَ من وقوعِها من المحتاجِ؛ لهذا قالَ شعيبٌ لقومهِ: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤] أي: بنعمٍ كثيرةٍ، فأيُّ أمرٍ أحوجَكم إلى الهلعِ إلى ما بأيدِي الناسِ بطرقٍ محرمةٍ.
* ومنها: قولهُ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦] فيه الحثُّ على الرضا بما أعطى اللهُ، والاكتفاءُ بحلالهِ عن حرامهِ، وقصرُ النظرِ على الموجودِ عندَكَ من غيرِ تطلعٍ إلى ما عندَ الناسِ.
* ومنها: فيه دلالةٌ على أنَّ الصلاةَ سببٌ لفعلِ الخيراتِ، وتركِ المنكراتِ، وللنصيحةِ لعبادِ اللهِ، وقدْ عَلِمَ ذلكَ الكفارُ بما قالوا لشعيبٍ: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
ومن هنا تعرفُ حكمةَ اللهِ ورحمتَهُ في أنهُ فرَضَ علينا الصلواتِ تتكررُ في اليومِ والليلةِ؛ لعظمِ وقعِها، وشدةِ نفعها، وجميلِ آثارِها، فللهِ على ذلكَ أتمُّ الحمدِ.
* ومنها: أنَّ العبدَ في حركاتِ بدنهِ وتصرفاتهِ، وفي معاملاتهِ الماليةِ؛ داخلٌ تحتَ حجرِ الشريعةِ، فما أُبيحَ لهُ منها فعلَهُ، وما منعَهُ الشرعُ تعيَّنَ عليهِ تركهُ، ومَن يزعمُ أنهُ في مالهِ حرٌّ، لهُ أنْ يفعلَ ما يشاءُ من معاملاتٍ طيبةٍ وخبيثةٍ؛ فهوَ بمنزلةِ مَنْ يرى أنَّ عملَ بدنهِ كذلكَ، وأنهُ لا فرقَ عندَهُ بينَ الكفرِ والإيمانِ، والصدقِ والكذبِ، وفعلِ الخيرِ والشرِّ، الكلُّ مباحٌ!
стр. 273
ومن المعلومِ أنَّ هذا هوَ مذهبُ الإباحيينَ الذينَ هم شرُّ الخليقةِ، ومذهبُ قومِ شعيبٍ يشبِهُ هذا؛ لأنهم أنكرُوا على شعيبٍ لما نهاهم عن المعاملاتِ الظالمةِ، وأباحَ لهم سواها، فردُّوا عليهِ أنهم أحرارٌ في أموالِهم، لهم أنْ يفعلُوا فيها ما يريدونَ.
ونظيرُ هذا قولُ مَنْ قالَ: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فمَن سوَّى بينَ ما أباحَهُ وبينَ ما حرَّمَهُ اللهُ فقدْ انحرَفَ في فطرتهِ وعقلهِ بعدما انحرفَ في دينهِ.
* ومنها: أنَّ الناصحَ للخلقِ الذي يأمرُهم وينهاهم، مِنْ تمامِ قبولِ الناسِ لقولهِ: أنهُ إذا أمرَهم بشيءٍ أنْ يكونَ أولَ الفاعلينَ لهُ، وإذا نهاهم عن شيءٍ كان أولَ التاركينَ؛ لقولِ شعيبٍ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
* ومنها: أنَّ الأنبياءَ جميعَهم بُعثُوا بالإصلاحِ والصلاحِ، ونهَوا عن الشرورِ والفسادِ، فكلُّ صلاحٍ وإصلاحٍ دينيٍّ ودنيويٍّ فهو من دينِ الأنبياءِ، وخصوصًا إمامَهم وخاتمَهم [محمدًا] (١) ﷺ ، فإنه أبدَى وأعادَ في هذا الأصلِ، ووضَعَ للخلقِ الأصولَ النافعةَ التي يَجْرُون عليها في الأمورِ العاديةِ والدنيويةِ، كما وضَعَ لهم الأصولَ في الأمورِ الدينيةِ، وأنه كما أنَّ على العبدِ السعيَ والاجتهادَ في فعلِ الصلاحِ والإصلاحِ، فعليه أنْ يستمدَّ العونَ من ربِّه على ذلك، وأنْ يعلمَ أنه لا يقدرُ على ذلك ولا على تكميلِه إلا باللهِ؛ لقولِ شعيبٍ: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
* ومنها: أنَّ الداعيَ إلى اللهِ يحتاجُ إلى الحلمِ وحسنِ الخلقِ ومقابلةِ المسيئينَ بأقوالِهم وأفعالِهم بضدِّ ذلكَ، وألَّا يحفظَهُ أذَى الخلقِ، ولا يصدَّهُ عن شيءٍ من دعوتهِ.
стр. 274
وهذا الخلقُ كمالُهُ للرسلِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم، فانظُرْ إلى شعيبٍ ﵇ وحسنِ خلقهِ معَ قومهِ، ودعوتهِ لهم بكلِّ طريقٍ وهم يُسمِعونَهُ الأقوالَ السيئةَ، ويقابلونَهُ المقابلةَ [الفظيعةَ] (١)، وهوَ ﷺ يحلمُ عليهم ويصفحُ، ويتكلمُ معهم كلامَ مَنْ لم يصدُرْ منهم لهُ وفي حقِّهِ إلا الإحسانُ.
ويهوِّنُ هذا الأمرَ:
• أنَّ هذا خلقٌ مَنْ ظفَرَ بهِ وحازَهُ فقدْ فازَ بالحظِّ العظيمِ.
• وأنَّ لصاحبهِ عندَ اللهِ المقاماتِ العاليةَ، والنعيمَ المقيمَ.
• ويهوِّنَهُ أنهُ يعالجُ أممًا قدْ طُبعُوا على أخلاقٍ إزالتُها وقلعُها أصعبُ من قلعِ الجبالِ الرواسِي، ومُرنُوا على عقائدَ ومذاهبَ بذلُوا فيها الأموالَ والأرواحَ، وقدَّموها على جميعِ المهماتِ عندَهم.
أفتظنُّ معَ هذا أنَّ أمثالَ هؤلاءِ يقتنعونَ بمجردِ القولِ بأنَّ هذهِ مذاهبُ باطلةٌ وأقوالٌ فاسدةٌ، أمُ تحسبُهم يغتفرونَ لمن نالَها بسوءٍ؟! كلا واللهِ، إنَّ هؤلاءِ يحتاجونَ إلى معالجاتٍ متنوعةٍ بالطرقِ التي دعَتْ إليها الرسلُ:
- يذكَّرونَ بنعمِ اللهِ، وأنَّ الذي تفرَّدَ بالنعمِ يتعينُ أنْ يُفردَ بالعبادةِ.
- ويُذكرُ لهم من تفاصيلِ النعمِ ما لا يعدُّ ولا يُحصَى.
- ويذكَّرونَ بما في مذاهبِهم من الزيغِ والفسادِ والاضطرابِ والتناقضِ المزلزلِ للعقائدِ، الداعِي إلى تركِها.
стр. 275
- ويذكَّرونَ بما بينَ أيدِيهم وما خلفَهم من أيامِ اللهِ ووقائعهِ بالأممِ المكذبةِ للرسلِ، المنكرةِ للتوحيدِ.
- ويذكَّرونَ بما في الإيمانِ باللهِ وتوحيدهِ ودينهِ من المحاسنِ والمصالحِ، والمنافعِ الدينيةِ والدنيويةِ، الجاذبةِ للقلوبِ، المسهلةِ لكلِّ مطلوبٍ.
- ومعَ هذا كلِّهِ فيحتاجُ الخَلقُ إلى الإحسانِ إليهم، وبذلِ المعروفِ، وأقلُّ ذلكَ الصبرُ على أذاهم، وتحملُ ما يصدرُ منهم، ولينُ الكلامِ معهم، وسلوكُ كلِّ سبيلِ حكمةٍ معهم، والتنقلُ معهم في الأمورِ بالاكتفاءِ ببعضِ ما تسمحُ بهِ أنفسُهم؛ ليستدرجَ بهم إلى تكميلهِ، والبداءةُ بالأهمِّ فالأهمِّ.
وأعظمُهم قيامًا بهذهِ الأمورِ وغيرِها سيدُهم وخاتمُهم وإمامُ الخلقِ على الإطلاقِ: محمدٌ ﷺ .
стр. 276
قصة موسى وهارون ﵉
قدْ ذكرَ اللهُ لموسى بنِ عمرانَ ومعَهُ أخوهُ هارونُ ﵉ سيرةً طويلةً، وساقَ قصصَهُ في مواضعَ من كتابهِ بأساليبَ متنوعةٍ واختصارٍ أو بسطٍ يليقُ بذلكَ المقامِ، وليسَ في قصصِ القرآنِ أعظمُ من قصةِ موسى؛ لأنهُ عالجَ فرعونَ وجنودَهُ، وعالجَ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ.
وهوَ أعظمُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وشريعتهُ وكتابهُ التوراةُ هوَ مرجعُ أنبياءِ بني إسرائيلَ وعلمائِهم، وأتباعُه أكثرُ أتباعِ الأنبياءِ غير أمةِ محمدٍ ﷺ ، ولهُ من القوةِ العظيمةِ في إقامةِ دينِ اللهِ، والدعوةِ إليهِ، والغيرةِ العظيمةِ ما ليسَ لغيرهِ.
وقدْ وُلِدَ في وقتٍ قدْ اشتدَّ فيه فرعونُ على بني إسرائيلَ، فكان يذبحُ كلَّ مولودٍ ذكرٍ يُولدُ من بني إسرائيلَ، ويستحيي النساءَ للخدمةِ والامتهانِ، فلما ولدتهُ أمهُ خافَتْ عليهِ خوفًا شديدًا؛ فإنَّ فرعونَ جعَلَ على بني إسرائيلَ مَنْ يرقبُ نساءَهم ومواليدَهم، وكان بيتُها على ضفةِ نهرِ النيلِ، فألهمَها اللهُ أنْ وضعَتْ لهُ تابوتًا إذا خافَتْ أحدًا ألقَتْهُ في اليمِّ، وربطَتْهُ بحبلٍ لئلَّا تجريَ بهِ جريةُ الماءِ، ومن لطفِ اللهِ بها أنهُ أوحَى لها أنْ ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٩].
فلما ألقَتْهُ ذاتَ يومٍ انفلَتَ رباطُ التابوتِ، فذهبَ الماءُ بالتابوتِ الذي في وسطهِ موسى، ومِن قدرِ اللهِ أنْ وقعَ في يدِ آلِ فرعونَ، وجيءَ بهِ إلى امرأةِ فرعونَ أسيةَ، فلما رأتْهُ أحبَّتْهُ حبًّا شديدًا، وكان اللهُ قدْ ألقَى عليهِ المحبةَ في القلوبِ.
стр. 277
وشاعَ الخبرُ ووصلَ إلى فرعونَ، فطلبَهُ ليقتلَهُ، فقالَتْ امرأتهُ: لا تقتلُوهُ، قرَّةُ عينٍ لي ولكَ، عسى أنْ ينفعَنا أو نتخذَهُ ولدًا (١)؛ فنجا بهذا السببِ من قتلِهم، وكان هذا الأثرُ الطيبُ والمقدمةُ الصالحةُ من السعيِ المشكورِ عندَ اللهِ، فكان هذا من أسبابِ هدايتِها وإيمانِها بموسى بعدَ ذلكَ.
أما أمُّ موسى فإنها فزعَتْ، وأصبحَ فؤادُها فارغًا، وكادَ الصبرُ أنْ يُغلبَ فيها، ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ [القصص: ١٠]، وقالتْ لأختهِ: قُصِّيهِ وتحسَّسي عنهُ، وكانتْ امرأةُ فرعونَ قدْ عرضَتْ عليهِ المراضعَ فلم يقبَلْ ثديَ امرأةٍ، وعطَشَ وجعَلَ يتلوَّى من الجوعِ، وأخرجوهُ إلى الطريقِ؛ لعلَ اللهَ أنْ ييسرَ لهُ أحدًا.
فحانَتْ من أختهِ نظرةٌ إليهِ، وبصُرَتْ بهِ عن جنبٍ وهم لا يشعرونَ بشأنِها، فلما أقبلَتْ عليهِ وفهمَتْ منهم أنهم يطلبونَ لهُ مرضعًا قالتْ لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.
ثم ذكَرَ اللهُ في هذهِ السورةِ [قصتَهُ] (٢) مفصلةً واضحةً، وكيفَ تنقَّلَتْ بهِ الأحوالُ، قراءتُها كافيةٌ عن شرحِ معناها؛ لوضوحِها وتفصيلاتِها، واللهُ تعالى ما فصَّلَ لنا إلا ما ننتفعُ بهِ ونعتبرُ، ولكنْ في قصتهِ من العبرِ والفوائدِ شيءٌ كثيرٌ ننبِّهُ على بعضِها.
стр. 278
* ذكرُ الفوائدِ المستنبطةِ، نصًّا أو ظاهرًا أو تعميمًا أو تعليلًا، من قصةِ موسى ﷺ :
* منها: لطفُ اللهِ بأمِّ موسى بذلكَ الإلهامِ الذي بهِ سَلِمَ ابنُها، ثم تلكَ البشارةِ من اللهِ لها بردِّهِ إليها، التي لولاها لقضَى عليها الحزنُ على ولدِها، ثم ردِّهِ إليها بإلجائهِ إليها قدرًا بتحريمِ المراضعِ عليهِ؛ وبذلكَ وغيرهِ يُعلَمُ أنَّ ألطافَ اللهِ على أوليائهِ
لا تتصورُها العقولُ، ولا تعبرُ عنها العباراتُ.
وتأمَّلْ [حسنَ] (١) موقعِ هذهِ البشارةِ، وأنهُ أتاها ابنُها ترضعهُ جهرًا، وتأخذُ عليهِ أجرًا، وتسمَّى أمهُ شرعًا وقدرًا، وبذلكَ اطمأنَّ قلبُها، وازدادَ إيمانُها، وفي هذا مصداقٌ لقولهِ تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فلا أكرهَ لأمِّ موسى من وقوعِ ابنِها بيدِ آلِ فرعونَ، ومعَ ذلكَ ظهرَتْ عواقبهُ الحميدةُ، وآثارهُ الطيبةُ.
* ومنها: أنَّ آياتِ اللهِ وعبرَهُ في الأممِ السابقةِ إنما يَستفيدُ منها ويَستنيرُ بها المؤمنونَ، واللهُ يسوقُ القصصَ لأجلِهم، كما قالَ تعالى في هذهِ القصةِ: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [القصص: ٣].
* ومنها: أنَّ اللهَ إذا أرادَ شيئًا هيَّأَ أسبابَهُ، وأتى بهِ شيئًا فشيئًا بالتدريجِ، لا دفعةً واحدةً.
* ومنها: أنَّ الأمةَ المستضعفةَ -ولوْ بلغَتْ في الضعفِ ما بلغَتْ- لا ينبغِي أنْ يستوليَ عليها الكسلُ عن السعيِ في حقوقِها، ولا اليأسُ من الارتقاءِ إلى أعلى الأمورِ، خصوصًا إذا كانوا مظلومينَ، كما استنقَذَ اللهُ بني إسرائيلَ على ضعفِها واستعبادِها لفرعونَ وملئهِ منهم، ومكَّنَهم في الأرضِ، وملَّكَهم بلادَهم.
стр. 279
* ومنها: أنَّ الأمةَ ما دامَتْ ذليلةً مقهورةً لا تطالِبُ بحقِّها لا يقومُ لها أمرُ دينِها، كما لا يقومُ لها أمرُ دنياها.
* ومنها: أنَّ الخوفَ الطبيعيَّ من الخلقِ لا يُنافي الإيمانَ ولا يزيلهُ، كما جرَى لأمِّ موسى ولموسى من تلكَ المخاوفِ.
* ومنها: أنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقصُ؛ لقولهِ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]، والمرادُ بالإيمانِ هنا: زيادتهُ وزيادةُ طمأنينتهِ.
* ومنها: أنَّ من أعظمِ نعمِ اللهِ على العبدِ: تثبيتَ اللهِ لهُ عندَ المقلقاتِ والمخاوفِ، فإنهُ كما يزدادُ بهِ إيمانهُ وثوابهُ فإنهُ يتمكنُ من القولِ الصوابِ والفعلِ الصوابِ، ويبقَى رأيهُ وأفكارهُ ثابتةً؛ وأما مَنْ لم يحصُلْ لهُ هذا الثباتُ، فإنهُ لقلقهِ وروعهِ يضيعُ فكرهُ، ويذهلُ عقلهُ، ولا ينتفعُ بنفسهِ في تلكَ الحالِ.
* ومنها: أنَّ العبدَ وإنْ عرَفَ أنَّ القضاءَ والقدرَ حقٌّ، وأنَّ وعدَ اللهِ نافذٌ لابدَّ منهُ؛ فإنهُ لا يهملُ فعلَ الأسبابِ التي تنفعُ؛ فإنَّ الأسبابَ والسعيَ فيها من قدرِ اللهِ، فإنَّ اللهَ قدْ وعدَ أمَّ موسى أنْ يردَّهُ عليها، ومعَ ذلكَ لما التقطَهُ آلُ فرعونَ سعَتْ بالأسبابِ، وأرسلَتْ أختَهُ لتقصَّهُ، وتعملَ الأسبابَ المناسبةَ لتلكَ الحالِ.
* ومنها: جوازُ خروجِ المرأةِ في حوائجِها، وتكليمِها للرجالِ، إذا انتفَى المحذورُ، كما صنعَتْ أختُ موسى، وابنتا صاحبِ مَدْينَ.
* ومنها: جوازُ أخذِ الأجرةِ على الكفالةِ والرضاعِ، كما فعلَتْ أمُّ موسى، فإنَّ شرْعَ مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا ما لم يرِدْ مِنْ شرعِنا ما ينسخهُ.
стр. 280
* ومنها: أنَّ قتلَ الكافرِ الذي لهُ عهدٌ بعقدٍ أو عرفٍ لا يجوزُ، فإنَّ موسى نَدِمَ على قتلهِ القبطيَّ، واستغفرَ اللهَ منهُ وتابَ إليهِ.
* ومنها: أنَّ الذي يقتلُ النفوسَ بغيرِ حقٍّ يُعدُّ من الجبارينَ المفسدينَ في الأرضِ، ولوْ كان غرضهُ من ذلكَ الإرهابَ، ولوْ زعمَ أنهُ مصلحٌ، حتى يَرِدَ الشرعُ بما يبيحُ قتلَ النفسِ.
* ومنها: أنَّ إخبارَ الغيرِ بما قيلَ فيه وعنهُ، على وجهِ التحذيرِ لهُ، من شرٍّ يقعُ بهِ؛
لا يكونُ نميمةً، بلْ قدْ يكونُ واجبًا، كما ساقَ اللهُ خبرَ ذلكَ الرجلِ الذي جاءَ من أقصى المدينةِ يسعَى محذِّرًا لموسى، على وجهِ الثناءِ عليهِ.
* ومنها: إذا خافَ التلفَ بالقتلِ بغيرِ حقٍّ في إقامتهِ في موضعٍ، فلا يُلقِي بيدهِ إلى التهلكةِ ويستسلمُ للهلاكِ، بلْ يفرُّ من ذلكَ الموضعِ معَ القدرةِ، كما فعَلَ موسى.
* ومنها: إذا كان لابدَّ من ارتكابِ إحدى مفسدتَينِ تعيَّنَ ارتكابُ الأخفِّ منهما الأسلمِ؛ دفعًا لما هوَ أعظمُ وأخطرُ، فإنَّ موسى لما دارَ الأمرُ بينَ بقائهِ في مصرَ ولكنهُ يُقتَلُ، أو ذهابهِ إلى بعضِ البلدانِ البعيدةِ التي لا يعرفُ الطريقَ إليها، وليسَ معهُ دليلٌ يدلُّهُ غيرَ هدايةِ ربِّهِ، ومعلومٌ أنها أرجَى للسلامةِ؛ لا جرمَ آثرَها موسى.
* ومنها: فيه تنبيهٌ لطيفٌ على أنَّ الناظرَ في العلمِ عندَ الحاجةِ إلى العملِ أو التكلمِ بهِ، إذا لم يترجَّحْ عندَهُ أحدُ القولينِ فإنهُ يستهدِي ربَّهُ، ويسألُهُ أنْ يهديَهُ إلى الصوابِ من القولَينِ بعدَ أنْ يقصدَ الحقَّ بقلبهِ ويبحثَ عنهُ؛ فإنَّ اللهَ لا يُخيِّبُ مَنْ هذهِ حالُهُ، كما جرى لموسى لما قصَدَ تلقاءَ مدينَ ولا يدرِي الطريقَ المعينَ إليها، قالَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]، وقدْ هداهُ اللهُ وأعطاهُ ما رجاهُ وتمناهُ.
стр. 281
* ومنها: أنَّ الرحمةَ والإحسانَ على الخلقِ، مَنْ عرفَهُ العبدُ ومَن لا يعرفُهُ؛ من أخلاقِ الأنبياءِ، وأنَّ من جملةِ الإحسانِ الإعانةَ على سقيِ الماشيةِ، وخصوصًا إعانةَ العاجزِ، كما فعلَ موسى معَ ابنتَي صاحبِ مدينَ حينَ سقَى لهما لما رآهما عاجزتَينِ عن سقيِ ماشيتِهما قبلَ صدورِ الرعاةِ.
* ومنها: أنَّ اللهَ كما يحبُّ من الداعي أنْ يتوسَّلَ إليهِ بأسمائهِ وصفاتهِ، ونعمهِ العامةِ والخاصةِ؛ فإنهُ يحبُّ منهُ أنْ يتوسَّلَ إليهِ بضعفهِ وعجزهِ وفقرهِ، وعدمِ قدرتهِ على تحصيلِ مصالحهِ، ودفعِ الأضرارِ عن نفسهِ، كما قالَ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]؛ لما في ذلكَ من إظهارِ التضرعِ والمسكنةِ، والافتقارِ للهِ الذي هوَ حقيقةُ كلِّ عبدٍ.
* ومنها: أنَّ الحياءَ والمكافأةَ على الإحسانِ لم يزَلْ دأبَ الأممِ الصالحينَ.
* ومنها: أنَّ العبدَ إذا عَمِلَ العملَ للهِ خالصًا، ثم حصَلَ بهِ مكافأةٌ عليهِ بغيرِ قصدهِ فإنهُ لا يُلامُ على ذلكَ، ولا يخلُّ بإخلاصهِ وأجرهِ، كما قَبِلَ موسى مكافأةَ صاحبِ مدينَ عن معروفهِ الذي لم يطلبْهُ، ولم يستشرِفْ لهُ على معاوضةٍ.
* ومنها: جوازُ الإجارةِ على كلِّ عملٍ معلومٍ، في نفع معلومٍ، أو زمنٍ مسمًّى، وأنَّ مردَّ ذلكَ إلى العرفِ، وأنهُ تجوزُ الإجارةُ وتكونُ المنفعةُ البُضْعَ، كما قالَ صاحبُ مدينَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] الآية، وأنهُ يجوزُ للإنسانِ أنْ يخطبَ الرجلَ لابنتهِ ونحوِها ممن هوَ وليٌّ عليها، ولا نقصَ في ذلكَ، بلْ قدْ يكونُ نفعًا وكمالًا، كما فعَلَ صاحبُ مدينَ معَ موسى.
* ومنها: قولهُ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] هذانِ الوصفانِ بهما تمامُ الأعمالِ كلِّها، فكلُّ عملٍ من الولاياتِ أو من الخدماتِ أو من
стр. 282
الصناعاتِ، أو من الأعمالِ التي القصدُ منها الحفظُ والمراقبةُ على العمالِ والأعمالِ، إذا جمَعَ الإنسانُ الوصفَينِ: أنْ يكونَ قويًّا على ذلكَ العملِ بحسبِ أحوالِ الأعمالِ، وأنْ يكونَ مؤتمنًا عليهِ؛ تمَّ ذلكَ العملُ، وحصلَ مقصودهُ وثمرتهُ، والخللُ والنقصُ سببهُ الإخلالُ بهما أو بأحدِهما.
* ومنها: من أعظمِ مكارمِ الأخلاقِ: تحسينُ الخلقِ معَ كلِّ مَنْ يتصلُ بكَ مِنْ خادمٍ وأجيرٍ وزوجةٍ وولدٍ ومعاملٍ وغيرِهم، ومن ذلكَ تخفيفُ العملِ عن العاملِ؛ لقولهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، وفيهِ: أنهُ لا بأسَ أنْ يرغِّبَ المعاملُ في معاملتهِ بالمعاوضاتِ والإجاراتِ، بأنْ يصفَ نفسَهُ بحسنِ المعاملةِ، بشرطِ أنْ يكونَ صادقًا في ذلكَ.
ومنها: جوازُ عقدِ المعاملاتِ من إجارةِ وغيرِها بغيرِ إشهادٍ؛ لقولهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]، وتقدَّمَ أنَّ الإشهادَ تنحفظُ بهِ الحقوقُ، وتقلُّ المنازعاتُ، والناسُ في هذا الموضعِ درجاتٌ متفاوتةٌ، وكذلكَ الحقوقُ.
* ومنها: الآياتُ البيناتُ التي أيَّدَ اللهُ بها موسى:
• من انقلابِ عصاهُ التي كان يعرفُها حية تسعَى، ثم عَوْدِها (١) سيرتَها الأولى.
• وأنَّ يدَهُ إذا أدخلَها في جيبهِ ثم أخرجَها صارَتْ بيضاءَ من غيرِ سوءٍ للناظرينَ.
• ومن عصمةِ (٢) اللهِ وحمايتهِ لموسى وهارونَ من فرعونَ وملئهِ.
стр. 283
• ومن انفلاقِ البحرِ لما ضربَهُ موسى بعصاهُ، فصارَ اثنَيْ عشرَ طريقًا، وسلكَهُ هؤلاءِ فنَجَوا، وقومُ فرعونَ فهلكُوا.
وغيرُ ذلكَ من الآياتِ المتتابعاتِ، التي هيَ براهينُ وآياتٌ لمن رآها وشاهدَها، وبراهينُ لمن سمعَها، فإنها نقلَتْها [أعظمُ] (١) مصادرِ اليقينِ الكتبُ السماويةُ، ونقلَتْها القرونُ كلُّها، ولم ينكِرْ مثلَ هذهِ الآياتِ إلا جاهلٌ مكابرٌ زنديقٌ، وجميعُ آياتِ الأنبياءِ بهذهِ المثابةِ.
* ومنها: أنَّ آياتِ الأنبياءِ، وكراماتِ الأولياءِ، وما يخرقهُ اللهُ من الآياتِ، ومن تغييرِ الأسبابِ، أو منعِ سببيتِها، أو احتياجِها إلى أسبابٍ أخرَ، أو وجودِ موانعَ
تعوقُها - هيَ من البراهينِ العظيمةِ على وحدانيةِ اللهِ، وأنهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ أقدارَ اللهِ لا يخرجُ عنها حادثٌ جليلٌ ولا حقيرٌ، وأنَّ هذهِ المعجزاتِ والكراماتِ والتغييراتِ لا تُنافِي ما جعَلَ اللهُ في هذهِ المخلوقاتِ من الأسبابِ المحسوسةِ، والنظاماتِ المعهودةِ، وإنكَ لا تجدُ لسنةِ اللهِ تبديلًا ولا تحويلًا؛ فإن سننَ اللهِ في جميعِ الحوادثِ السابقةِ واللاحقةِ قسمانِ:
• أحدُهما: وهوَ جمهورُ الحوادثِ والكائناتِ والأحكامِ الشرعيةِ والقدريةِ وأحكامِ الجزاءِ: لا تتغيرُ ولا تتبدلُ عما يعهدهُ الناسُ ويعرفونَ أسبابَهُ، وهذا القسمُ أيضا مندرجٌ في قدرةِ اللهِ وقضائهِ.
ويُستفادُ من هذا: العلمُ بكمالِ حكمةِ اللهِ في خلقهِ وشرعهِ، وأنَّ الأسبابَ والمسبباتِ من سلَكَ طرقَها على وجهٍ كاملٍ أفضَتْ بهِ إلى نتائجِها وثمراتِها، ومن لم
стр. 284
يسلُكْها أو سلَكَها على وجهٍ ناقصٍ لم يحصُلْ لهُ الثمراتُ التي رُتبَتْ على الأعمالِ شرعًا ولا قدرًا، وهذهِ توجبُ للعبدِ أنْ يجدَّ ويجتهدَ في الأسبابِ الدينيةِ والدنيويةِ النافعةِ معَ استعانتهِ باللهِ، والثناءِ على ربهِ في تيسيرِها وتيسيرِ أسبابِها وآلاتِها، وكلِّ ما تتوقفُ عليهِ.
• والقسمُ الثاني: حوادثُ معجزاتِ الأنبياءِ التي تواترَتْ تواترًا لا يتواترُ مثلهُ في جميعِ الأخبارِ، وتناقلَتْها القرونُ كلُّها، وكذلكَ ما يكرمُ اللهُ بهِ عبادَهُ من إجابةِ الدعواتِ، وتفريجِ الكرباتِ، وحصولِ المطالبِ المتنوعةِ، ودفعِ المكارهِ التي لا قدرةَ للعبدِ على دفعِها، والفتوحاتِ الربانيةِ، والإلهاماتِ الإلهيةِ، والأنوارِ التي يقذفُها اللهُ في قلوبِ خواصِّ خلقهِ، فيحصلُ لهم بذلكَ من اليقينِ والطمأنينةِ والعلومِ المتنوعةِ ما لا يُدركُ بمجردِ الطلبِ وفعلِ السببِ، ومن نصرهِ للرسلِ وأتباعِهم، وخذلانهِ لأعدائِهم وهوَ مشاهدٌ في كثيرٍ من الأوقاتِ.
فهذا القسمُ ليسَ عندَ الخلقِ اهتداءٌ إلى أسبابِ هذهِ الحوادثِ، ولا جُعِلَ لهم في الأصلِ وصولٌ إلى حقيقتِها وكنهِها، وإنما هيَ حوادثُ قدَّرَها الربُّ العظيمُ الذي هوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، بأسبابٍ وحكمٍ وسننٍ لا يعقلُها الخلقُ، ولا لحواسِّهم وتجاربِهم وصولٌ إليها بوجهٍ من الوجوهِ، وبها آمنَ الرسلُ من أولِهم إلى آخرِهم، وأتباعُهم الأولونَ منهم والآخرونَ، وبها يُعرفُ عظمةُ البارِي، وأنَّ نواصيَ العبادِ بيدهِ، وأنهُ ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكنْ، ويُعرفُ بذلكَ صحةُ ما جاءتْ بهِ الرسلُ، كما يُعرفُ أيضًا بالقسمِ الأولِ.
وكما أنهُ لا سبيلَ إلى العبادِ في هذهِ الدار إلى إدراكِ كنهِ صفاتِ اليومِ الآخرِ، وكنهِ ما في الجنةِ والنارِ، وإنما يعلمونَ منها ما علَّمَتْهم بهِ الرسلُ، ونزلَتْ بهِ الكتبُ، ولا سبيلَ إلى أهلِ هذا الكونِ الأرضيِّ للوصولِ إلى العالمِ السماويِّ، ولا سبيلَ لهم إلى إحياءِ الموتى وإيجادِ الأرواحِ في الجماداتِ - فكذلكَ هذا النوعُ العظيمُ من حوادثِ الكونِ.
стр. 285
وإنما أطَلْنا الكلامَ على هذهِ المسألةِ -وإنْ كانتْ تستحقُّ من البسطِ أكثرَ من هذا- لأمرينِ:
• أحدهما: أنَّ الزنادقةَ المتأخرينَ الذينَ أنكروا وجودَ البارِي، وأنكروا جميعَ ما أخبرَتْ بهِ الرسلُ والكتبُ السماويةُ من أمورِ الغيبِ، ولم يثبتُوا من العلومِ إلا ما وصلَتْ إليهِ حواسُّهم وتجاربُهم القاصرةُ على بعضِ علومِ الكونِ، وأنكروا ما سوى ذلكَ، وزعموا أنَّ هذا العالمَ وهذا النظامَ الموجودَ فيه لا يمكنُ أنْ يغيَّرَهُ مغيرٌ، أو يغيَّرَ شيئًا من أسبابهِ، وأنهُ وُجِدَ صدفةً من غيرِ إيجادِ موجدٍ، وأنهُ آلةٌ تمشي بنفسِها وطبيعتِها، ليسَ لها مدبرٌ ولا ربٌّ ولا خالقٌ!
وهؤلاءِ جميعُ أهلِ الأديانِ يعرفونَ مكابرتَهم ومباهتتَهم؛ لأنهم كما عُدِمُوا الدينَ بالكليةِ فقدْ اختلَّتْ عقولُهم الحقيقة؛ إذْ أنكروا أجلَى الحقائقِ وأوضحَها وأعظمَها براهينَ وآياتٍ، وتاهوا بعقولِهم القاصرةِ وآرائِهم الفاسدةِ، هؤلاءِ أمرُهم معلومٌ.
• ولكنَّ الأمرَ الثاني: أنَّ بعضَ أهلِ العلمِ العصريينَ، الذينَ يتظاهرونَ بنصرِ الإسلامِ والدخولِ معَ هؤلاءِ الزنادقةِ في الجدالِ عنهُ؛ يريدونَ باجتهادِهم أو اغترارِهم أنْ يطبقُوا السننَ الإلهيةَ وأمورَ الآخرةِ على ما يعرفهُ العبادُ بحواسِّهم، ويدركونَهُ بتجاربِهم؛ فحرَّفوا لذلكَ المعجزاتِ، وأنكروا الآياتِ البيناتِ، ولم يستفيدُوا إلا الضررَ على أنفسِهم، وعلى مَنْ قرأَ كتاباتِهم في هذهِ المباحثِ؛ إذْ ضَعُفَ إيمانُهم باللهِ بتحريفِهم لمعجزاتِ الأنبياءِ تحريفًا يؤولُ إلى إنكارِها، وإنكارِهم هذا النوعَ العظيمَ من قضاءِ اللهِ وقدرهِ، وضَعُفَ إيمانُ مَنْ وقَفَ على كلامِهم ممن ليسَتْ لهُ بصيرةٌ، ولا عندَهُ من العلومِ الدينيةِ ما يُبطلُ هذا النوعَ.