← Тафсир

Тафсир · id 1461

تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - ت المزيد

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (426 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

* ومنها: أنَّ الرحمةَ والإحسانَ على الخلقِ، مَنْ عرفَهُ العبدُ ومَن لا يعرفُهُ؛ من أخلاقِ الأنبياءِ، وأنَّ من جملةِ الإحسانِ الإعانةَ على سقيِ الماشيةِ، وخصوصًا إعانةَ العاجزِ، كما فعلَ موسى معَ ابنتَي صاحبِ مدينَ حينَ سقَى لهما لما رآهما عاجزتَينِ عن سقيِ ماشيتِهما قبلَ صدورِ الرعاةِ. * ومنها: أنَّ اللهَ كما يحبُّ من الداعي أنْ يتوسَّلَ إليهِ بأسمائهِ وصفاتهِ، ونعمهِ العامةِ والخاصةِ؛ فإنهُ يحبُّ منهُ أنْ يتوسَّلَ إليهِ بضعفهِ وعجزهِ وفقرهِ، وعدمِ قدرتهِ على تحصيلِ مصالحهِ، ودفعِ الأضرارِ عن نفسهِ، كما قالَ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]؛ لما في ذلكَ من إظهارِ التضرعِ والمسكنةِ، والافتقارِ للهِ الذي هوَ حقيقةُ كلِّ عبدٍ. * ومنها: أنَّ الحياءَ والمكافأةَ على الإحسانِ لم يزَلْ دأبَ الأممِ الصالحينَ. * ومنها: أنَّ العبدَ إذا عَمِلَ العملَ للهِ خالصًا، ثم حصَلَ بهِ مكافأةٌ عليهِ بغيرِ قصدهِ فإنهُ لا يُلامُ على ذلكَ، ولا يخلُّ بإخلاصهِ وأجرهِ، كما قَبِلَ موسى مكافأةَ صاحبِ مدينَ عن معروفهِ الذي لم يطلبْهُ، ولم يستشرِفْ لهُ على معاوضةٍ. * ومنها: جوازُ الإجارةِ على كلِّ عملٍ معلومٍ، في نفع معلومٍ، أو زمنٍ مسمًّى، وأنَّ مردَّ ذلكَ إلى العرفِ، وأنهُ تجوزُ الإجارةُ وتكونُ المنفعةُ البُضْعَ، كما قالَ صاحبُ مدينَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] الآية، وأنهُ يجوزُ للإنسانِ أنْ يخطبَ الرجلَ لابنتهِ ونحوِها ممن هوَ وليٌّ عليها، ولا نقصَ في ذلكَ، بلْ قدْ يكونُ نفعًا وكمالًا، كما فعَلَ صاحبُ مدينَ معَ موسى. * ومنها: قولهُ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] هذانِ الوصفانِ بهما تمامُ الأعمالِ كلِّها، فكلُّ عملٍ من الولاياتِ أو من الخدماتِ أو من

стр. 282

الصناعاتِ، أو من الأعمالِ التي القصدُ منها الحفظُ والمراقبةُ على العمالِ والأعمالِ، إذا جمَعَ الإنسانُ الوصفَينِ: أنْ يكونَ قويًّا على ذلكَ العملِ بحسبِ أحوالِ الأعمالِ، وأنْ يكونَ مؤتمنًا عليهِ؛ تمَّ ذلكَ العملُ، وحصلَ مقصودهُ وثمرتهُ، والخللُ والنقصُ سببهُ الإخلالُ بهما أو بأحدِهما. * ومنها: من أعظمِ مكارمِ الأخلاقِ: تحسينُ الخلقِ معَ كلِّ مَنْ يتصلُ بكَ مِنْ خادمٍ وأجيرٍ وزوجةٍ وولدٍ ومعاملٍ وغيرِهم، ومن ذلكَ تخفيفُ العملِ عن العاملِ؛ لقولهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، وفيهِ: أنهُ لا بأسَ أنْ يرغِّبَ المعاملُ في معاملتهِ بالمعاوضاتِ والإجاراتِ، بأنْ يصفَ نفسَهُ بحسنِ المعاملةِ، بشرطِ أنْ يكونَ صادقًا في ذلكَ. ومنها: جوازُ عقدِ المعاملاتِ من إجارةِ وغيرِها بغيرِ إشهادٍ؛ لقولهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]، وتقدَّمَ أنَّ الإشهادَ تنحفظُ بهِ الحقوقُ، وتقلُّ المنازعاتُ، والناسُ في هذا الموضعِ درجاتٌ متفاوتةٌ، وكذلكَ الحقوقُ. * ومنها: الآياتُ البيناتُ التي أيَّدَ اللهُ بها موسى: • من انقلابِ عصاهُ التي كان يعرفُها حية تسعَى، ثم عَوْدِها (١) سيرتَها الأولى. • وأنَّ يدَهُ إذا أدخلَها في جيبهِ ثم أخرجَها صارَتْ بيضاءَ من غيرِ سوءٍ للناظرينَ. • ومن عصمةِ (٢) اللهِ وحمايتهِ لموسى وهارونَ من فرعونَ وملئهِ.

стр. 283

• ومن انفلاقِ البحرِ لما ضربَهُ موسى بعصاهُ، فصارَ اثنَيْ عشرَ طريقًا، وسلكَهُ هؤلاءِ فنَجَوا، وقومُ فرعونَ فهلكُوا. وغيرُ ذلكَ من الآياتِ المتتابعاتِ، التي هيَ براهينُ وآياتٌ لمن رآها وشاهدَها، وبراهينُ لمن سمعَها، فإنها نقلَتْها [أعظمُ] (١) مصادرِ اليقينِ الكتبُ السماويةُ، ونقلَتْها القرونُ كلُّها، ولم ينكِرْ مثلَ هذهِ الآياتِ إلا جاهلٌ مكابرٌ زنديقٌ، وجميعُ آياتِ الأنبياءِ بهذهِ المثابةِ. * ومنها: أنَّ آياتِ الأنبياءِ، وكراماتِ الأولياءِ، وما يخرقهُ اللهُ من الآياتِ، ومن تغييرِ الأسبابِ، أو منعِ سببيتِها، أو احتياجِها إلى أسبابٍ أخرَ، أو وجودِ موانعَ تعوقُها - هيَ من البراهينِ العظيمةِ على وحدانيةِ اللهِ، وأنهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ أقدارَ اللهِ لا يخرجُ عنها حادثٌ جليلٌ ولا حقيرٌ، وأنَّ هذهِ المعجزاتِ والكراماتِ والتغييراتِ لا تُنافِي ما جعَلَ اللهُ في هذهِ المخلوقاتِ من الأسبابِ المحسوسةِ، والنظاماتِ المعهودةِ، وإنكَ لا تجدُ لسنةِ اللهِ تبديلًا ولا تحويلًا؛ فإن سننَ اللهِ في جميعِ الحوادثِ السابقةِ واللاحقةِ قسمانِ: • أحدُهما: وهوَ جمهورُ الحوادثِ والكائناتِ والأحكامِ الشرعيةِ والقدريةِ وأحكامِ الجزاءِ: لا تتغيرُ ولا تتبدلُ عما يعهدهُ الناسُ ويعرفونَ أسبابَهُ، وهذا القسمُ أيضا مندرجٌ في قدرةِ اللهِ وقضائهِ. ويُستفادُ من هذا: العلمُ بكمالِ حكمةِ اللهِ في خلقهِ وشرعهِ، وأنَّ الأسبابَ والمسبباتِ من سلَكَ طرقَها على وجهٍ كاملٍ أفضَتْ بهِ إلى نتائجِها وثمراتِها، ومن لم

стр. 284

يسلُكْها أو سلَكَها على وجهٍ ناقصٍ لم يحصُلْ لهُ الثمراتُ التي رُتبَتْ على الأعمالِ شرعًا ولا قدرًا، وهذهِ توجبُ للعبدِ أنْ يجدَّ ويجتهدَ في الأسبابِ الدينيةِ والدنيويةِ النافعةِ معَ استعانتهِ باللهِ، والثناءِ على ربهِ في تيسيرِها وتيسيرِ أسبابِها وآلاتِها، وكلِّ ما تتوقفُ عليهِ. • والقسمُ الثاني: حوادثُ معجزاتِ الأنبياءِ التي تواترَتْ تواترًا لا يتواترُ مثلهُ في جميعِ الأخبارِ، وتناقلَتْها القرونُ كلُّها، وكذلكَ ما يكرمُ اللهُ بهِ عبادَهُ من إجابةِ الدعواتِ، وتفريجِ الكرباتِ، وحصولِ المطالبِ المتنوعةِ، ودفعِ المكارهِ التي لا قدرةَ للعبدِ على دفعِها، والفتوحاتِ الربانيةِ، والإلهاماتِ الإلهيةِ، والأنوارِ التي يقذفُها اللهُ في قلوبِ خواصِّ خلقهِ، فيحصلُ لهم بذلكَ من اليقينِ والطمأنينةِ والعلومِ المتنوعةِ ما لا يُدركُ بمجردِ الطلبِ وفعلِ السببِ، ومن نصرهِ للرسلِ وأتباعِهم، وخذلانهِ لأعدائِهم وهوَ مشاهدٌ في كثيرٍ من الأوقاتِ. فهذا القسمُ ليسَ عندَ الخلقِ اهتداءٌ إلى أسبابِ هذهِ الحوادثِ، ولا جُعِلَ لهم في الأصلِ وصولٌ إلى حقيقتِها وكنهِها، وإنما هيَ حوادثُ قدَّرَها الربُّ العظيمُ الذي هوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، بأسبابٍ وحكمٍ وسننٍ لا يعقلُها الخلقُ، ولا لحواسِّهم وتجاربِهم وصولٌ إليها بوجهٍ من الوجوهِ، وبها آمنَ الرسلُ من أولِهم إلى آخرِهم، وأتباعُهم الأولونَ منهم والآخرونَ، وبها يُعرفُ عظمةُ البارِي، وأنَّ نواصيَ العبادِ بيدهِ، وأنهُ ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكنْ، ويُعرفُ بذلكَ صحةُ ما جاءتْ بهِ الرسلُ، كما يُعرفُ أيضًا بالقسمِ الأولِ. وكما أنهُ لا سبيلَ إلى العبادِ في هذهِ الدار إلى إدراكِ كنهِ صفاتِ اليومِ الآخرِ، وكنهِ ما في الجنةِ والنارِ، وإنما يعلمونَ منها ما علَّمَتْهم بهِ الرسلُ، ونزلَتْ بهِ الكتبُ، ولا سبيلَ إلى أهلِ هذا الكونِ الأرضيِّ للوصولِ إلى العالمِ السماويِّ، ولا سبيلَ لهم إلى إحياءِ الموتى وإيجادِ الأرواحِ في الجماداتِ - فكذلكَ هذا النوعُ العظيمُ من حوادثِ الكونِ.

стр. 285

وإنما أطَلْنا الكلامَ على هذهِ المسألةِ -وإنْ كانتْ تستحقُّ من البسطِ أكثرَ من هذا- لأمرينِ: • أحدهما: أنَّ الزنادقةَ المتأخرينَ الذينَ أنكروا وجودَ البارِي، وأنكروا جميعَ ما أخبرَتْ بهِ الرسلُ والكتبُ السماويةُ من أمورِ الغيبِ، ولم يثبتُوا من العلومِ إلا ما وصلَتْ إليهِ حواسُّهم وتجاربُهم القاصرةُ على بعضِ علومِ الكونِ، وأنكروا ما سوى ذلكَ، وزعموا أنَّ هذا العالمَ وهذا النظامَ الموجودَ فيه لا يمكنُ أنْ يغيَّرَهُ مغيرٌ، أو يغيَّرَ شيئًا من أسبابهِ، وأنهُ وُجِدَ صدفةً من غيرِ إيجادِ موجدٍ، وأنهُ آلةٌ تمشي بنفسِها وطبيعتِها، ليسَ لها مدبرٌ ولا ربٌّ ولا خالقٌ! وهؤلاءِ جميعُ أهلِ الأديانِ يعرفونَ مكابرتَهم ومباهتتَهم؛ لأنهم كما عُدِمُوا الدينَ بالكليةِ فقدْ اختلَّتْ عقولُهم الحقيقة؛ إذْ أنكروا أجلَى الحقائقِ وأوضحَها وأعظمَها براهينَ وآياتٍ، وتاهوا بعقولِهم القاصرةِ وآرائِهم الفاسدةِ، هؤلاءِ أمرُهم معلومٌ. • ولكنَّ الأمرَ الثاني: أنَّ بعضَ أهلِ العلمِ العصريينَ، الذينَ يتظاهرونَ بنصرِ الإسلامِ والدخولِ معَ هؤلاءِ الزنادقةِ في الجدالِ عنهُ؛ يريدونَ باجتهادِهم أو اغترارِهم أنْ يطبقُوا السننَ الإلهيةَ وأمورَ الآخرةِ على ما يعرفهُ العبادُ بحواسِّهم، ويدركونَهُ بتجاربِهم؛ فحرَّفوا لذلكَ المعجزاتِ، وأنكروا الآياتِ البيناتِ، ولم يستفيدُوا إلا الضررَ على أنفسِهم، وعلى مَنْ قرأَ كتاباتِهم في هذهِ المباحثِ؛ إذْ ضَعُفَ إيمانُهم باللهِ بتحريفِهم لمعجزاتِ الأنبياءِ تحريفًا يؤولُ إلى إنكارِها، وإنكارِهم هذا النوعَ العظيمَ من قضاءِ اللهِ وقدرهِ، وضَعُفَ إيمانُ مَنْ وقَفَ على كلامِهم ممن ليسَتْ لهُ بصيرةٌ، ولا عندَهُ من العلومِ الدينيةِ ما يُبطلُ هذا النوعَ.

стр. 286

ولم يحصُلْ ما زعموهُ من جلبِ الماديينَ إلى الهدَى والدينِ، بلْ زادُوهم إغراءً في مذاهبِهم؛ لما رأَوا أمثالَ هؤلاءِ يحاولونَ إرجاعَ النصوصِ الدينيةِ، ومعجزاتِ الأنبياءِ، وأمورِ الغيبِ؛ إلى علومِ هؤلاءِ القاصرةِ على التجاربِ والمدركاتِ بالحواسِّ، فيا عِظَمَ المصيبةِ، ويا شِدَّةَ الجُرْمِ المزوَّقِ! ولكنَّ ضعفَ البصيرةِ والإعجابَ بزنادقةِ الدهريينَ أوجبَ الخضوعَ لأقوالِهم، فلا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ. * ومنها: أنَّ مِنْ أعظمِ العقوباتِ على العبدِ أنْ يكونَ إمامًا في الشرِّ، وداعيًا إليهِ، كما أنَّ مِنْ أعظمِ نعمِ اللهِ على العبدِ أنْ يجعلَهُ إمامًا في الخيرِ هاديًا مهديًّا، قالَ تعالى في فرعونَ وملئهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]. * ومنها: ما في هذهِ القصةِ من الدلالةِ على رسالةِ محمدٍ ﷺ ، إذْ أخبَرَ بهذهِ القصةِ وغيرِها خبرًا مفصلًا مطابقًا وتأصيلًا موافقًا، قصَّهُ قصًّا، صدَّقَ بهِ المرسلينَ، وأيَّدَ بهِ الحقَّ المبينَ، وهوَ لم يحضُرْ في شيءٍ من تلكَ المواضعِ، ولا درَسَ شيئًا عرَفَ بهِ أحوالَ هذهِ التفصيلاتِ، ولا جالسَ وأخذَ عن أحدٍ من أهلِ العلمِ، إنْ هوَ إلا رسالةُ الرحمنِ الرحيمِ، ووحيٌ أنزلَهُ عليهِ الكريمُ المنانُ؛ لينذرَ بهِ العبادَ أجمعينَ؛ ولهذا يقولُ في آخرِ هذهِ القصةِ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦]، ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥] الآية، وهذا نوعٌ من أنواعِ براهينِ رسالتهِ. * ومنها: ذكَرَ كثيرٌ من أهلِ العلمِ أنهُ يُستفادُ من قولهِ تعالى عن جوابِ موسى لربهِ لما سألهُ عن العصا فقالَ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٧ - ١٨] الآية: استحبابُ استصحابِ العصا؛ لما فيه من

стр. 287

هذهِ المنافعِ المعينةِ، والمجملةِ في قولهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾، وأنهُ يستفادُ منها أيضًا: الرحمةُ بالبهائمِ، والإحسانُ إليها، والسعيُ في إزالةِ ضررِها. * ومنها: أنَّ قولَهُ جلَّ ذكرُهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أي: أنَّ ذكرَ العبدِ لربهِ هوَ الذي خُلِقَ لهُ العبدُ، وبهِ صلاحهُ وفلاحهُ، وأنَّ المقصودَ من إقامةِ الصلاةِ إقامةُ هذا المقصودِ الأعظمِ، ولولا الصلاةُ التي تتكررُ على المؤمنينَ في اليومِ والليلةِ لتذكرَهم باللهِ، ويتعاهدونَ فيها قراءةَ القرآنِ، والثناءَ على اللهِ، ودعاءَه والخضوعَ لهُ الذي هوَ روحُ الذكرِ؛ لولا هذهِ النعمةُ لكانوا من الغافلينَ. وكما أنَّ الذكرَ هوَ الذي خُلِقَ الخلقُ لأجلهِ، والعباداتُ كلُّها ذكرٌ للهِ؛ فكذلكَ الذكرُ يُعينُ العبدَ على القيامِ بالطاعاتِ وإنْ شقَّتْ، ويهوِّنُ عليهِ الوقوفَ بينَ يدي الجبابرةِ، ويخففُ عليهِ الدعوةَ إلى اللهِ، قالَ تعالى في هذهِ القصةِ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤]، وقالَ: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢]. * ومنها: إحسانُ موسى ﷺ على أخيهِ هارونَ؛ إذْ طلَبَ من ربهِ أنْ يكونَ نبيًّا معهُ، وطلَبَ المعاونةَ على الخيرِ والمساعدةَ عليهِ، إذْ قالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢] الآيات. * ومنها: أنَّ الفصاحةَ والبيانَ مما يُعينُ على التعليمِ، وعلى إقامةِ الدعوةِ؛ لهذا طلَبَ موسى من ربهِ أنْ يحلَّ عقدةً من لسانهِ ليفقهوا قولَهُ، وأنَّ اللثغةَ لا عيبَ فيها إذا حصلَ الفهمُ للكلامِ، ومن كمالِ أدبِ موسى معَ ربهِ أنهُ لم يسأَلْ زوالَ اللثغةِ كلِّها، بلْ سألَ إزالةَ ما يحصلُ بهِ المقصودُ.

стр. 288

* ومنها: أنَّ الذي ينبغِي في مخاطبةِ الملوكِ والرؤساءِ ودعوتِهم وموعظتِهم: الرفقُ والكلامُ اللينُ الذي يحصلُ بهِ الإفهامُ، بلا تشويشٍ ولا غلظةٍ، وهذا يُحتاجُ إليهِ في كلِّ مقامٍ، لكنَّ هذا أهمُّ المواضعِ؛ وذلكَ لأنهُ الذي يحصلُ بهِ الغرضُ المقصودُ، وهوَ قولهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. * ومنها: أنَّ مَنْ كان في طاعةِ اللهِ، مستعينًا باللهِ، واثقًا بوعدِ اللهِ، راجيًا ثوابَ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ معَهُ، ومَن كان اللهُ معَهُ فلا خوفَ عليهِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿لَا تَخَافَا﴾ [طه: ٤٦]، ثم علَّلَهُ بقولهِ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. * ومنها: أنَّ أسبابَ العذابِ منحصرةٌ في هذينِ الوصفينِ: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨] أي: كذَّبَ خبرَ اللهِ وخبرَ رسلهِ، وتولَّى عن طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسلهِ، ونظيرُها قولهُ تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]. * ومنها: أنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] استوعبَ اللهُ بها الأسبابَ التي تُدرَكُ بها مغفرةُ اللهِ: • أحدُها: التوبةُ، وهوَ الرجوعُ عما يكرههُ اللهُ ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبُّهُ اللهُ ظاهرًا وباطنًا، وهيَ تَجُبُّ ما قبلَها من الذنوبِ صغارِها وكبارِها. • الثاني: الإيمانُ، وهوَ الإقرارُ والتصديقُ الجازمُ العامُّ بكلِّ ما أخبرَ اللهُ بهِ ورسولهُ، الموجبُ لأعمالِ القلوبِ، ثم تتبعُها أعمالُ الجوارحِ. ولا ريبَ أنَّ ما في القلبِ من الإيمانِ باللهِ، وكتبهِ، ورسلهِ، واليومِ الآخرِ الذي لا ريبَ فيه؛ أصلُ الطاعاتِ وأكبرُها وأساسُها، ولا ريبَ أنهُ بحسبِ قوتهِ يدفعُ

стр. 289

السيئاتِ: يدفعُ ما لم يقَعْ فيمنعُ صاحبَهُ من وقوعهِ، ويدفعُ ما وقَعَ بالإتيانِ بما ينافيهِ، وعدمِ إصرارِ القلبِ عليهِ؛ فإنَّ المؤمنَ ما في قلبهِ من الإيمانِ ونورهِ لا يُجامِعُ المعاصيَ. • والثالثُ: العملُ الصالحُ، وهذا شاملٌ لأعمالِ القلوبِ، وأعمالِ الجوارحِ، وأقوالِ اللسانِ؛ والحسناتُ يُذهبنَ السيئاتِ. • الرابعُ: الاستمرارُ على الإيمانِ والهدايةِ والازديادِ منها. فمَن كمَّلَ هذهِ الأسبابَ الأربعةَ فليَبْشَرْ بمغفرةِ اللهِ العامةِ الشاملةِ؛ ولهذا أتى فيه بوصفِ المبالغةِ فقالَ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾ [طه: ٨٢]. ولنكتفِ من قصةِ موسى بهذهِ الفوائدِ، معَ أنَّ فيها فوائدَ كثيرةً للمتأملينَ.

стр. 290

قصة يونس ﷺ وهوَ من أنبياءِ بني إسرائيلَ العظامِ، بعَثَهُ اللهُ إلى أهلِ نِيْنَوَى من أرضِ الموصلِ، فدعاهم إلى اللهِ تعالى فأبَوا عليهِ، ثم كرَّرَ عليهم الدعوةَ فأبَوا، فوعدَهم العذابَ وخرجَ من بينِ أظهرِهم، ولم يصبِرْ الصبرَ الذي ينبغِي، ولكنهُ أَبَقَ مغاضبًا لهم، وهم لمَّا ذهَبَ نبيُّهم أُلقِيَ في قلوبِهم التوبةُ إلى اللهِ والإنابةُ بعدما شاهدُوا مقدماتِ العذابِ، فكشفَ اللهُ عنهم العذابَ. والظاهرُ أنَّ يونسَ عَلِمَ انكشافَ العذابِ عنهم، واستمرَّ في ذهابهِ عنهم؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقالَ تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]. فركِبَ في سفينةٍ مُوْقِرَةٍ (١) من الركابِ والأحمالِ، فلما توسَّطوا البحرَ شارفَتْ على الغرقِ، ودارَ الأمرُ بينَ أنْ يبقَوا جميعًا فيها فيهلَكوا، وبينَ أنْ يُلقوا بعضَهم بمقدارِ ما تخفُّ السفينةُ فيسلمُ الباقونَ، فاختاروا الأخيرَ لعدلِهم وتوفيقِهم، فاقترَعُوا فأصابَتِ القرعةُ أناسًا منهم، ومنهم يونسُ ﷺ ؛ ولهذا قالَ: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] أي: المغلوبينَ في القرعةِ، فأُلْقُوا فابتلعَهُ حوتٌ في البحرِ ابتلاعًا، لم يكسِرْ لهُ عظمًا، ولم يَمضَغْ لهُ لحمًا.

стр. 291

فلما صارَ في جوفِ الحوتِ في تلكَ الظلماتِ نادَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فأمرُ اللهُ الحوتَ أنْ تلقيَهُ بالعراءِ، فخرجَ من بطنِها كالفرخِ المَمْعُوطِ من البيضةِ في غايةِ الضعفِ والوهنِ، فلَطَفَ اللهُ بهِ، وأنبَتَ عليهِ شجرةً من يقطينٍ (١)، فأظلَّتْهُ بظلِّها الظليلِ حتى قَوِيَ واشتدَّ. وأمرَهُ اللهُ أنْ يرجعَ إلى قومهِ فيعلمُهم ويدعُوهم، فاستجابَ لهُ أهلُ بلدهِ مائةُ ألفٍ أو يزيدونَ، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ [الصافات: ١٤٨]. * وفي هذهِ القصةِ: عتابُ اللهِ ليونسَ ﷺ اللطيفُ، وحبسهُ في بطنِ الحوتِ ليكونَ كفارةً وآيةً عظيمةً وكرامةً ليونسَ. ومن نعمةِ اللهِ عليهِ أنهُ استجابَ لهُ هذا العددُ الكثيرُ من قومهِ، فكثرةُ أتباعِ الأنبياءِ من جملةِ فضائلِهم. * وفيها: استعمالُ القرعةِ عندَ الاشتباهِ في مسائلِ الاستحقاقِ والحرمانِ إذا لم يكنْ مرجحٌ سواها. * وفي عملِ أهلِ السفينةِ هذا العملَ دليلٌ على القاعدةِ المشهورةِ أنهُ يُرتكبُ أخفُّ الضررينِ؛ لدفعِ الضررِ الذي هوَ أكبرُ منهُ، ولا ريبَ أنَّ إلقاءَ بعضِهم وإنْ كان فيه ضررٌ، فعطبُ الجميعِ إذا لم يُلقَ أحدٌ أعظمُ. * وفيها: أنَّ العبدَ إذا كانتْ لهُ مقدمةٌ صالحةٌ معَ ربهِ، وقدْ تعرَّفَ إلى ربهِ في حالِ الرخاءِ؛ أنَّ اللهَ يشكرُ لهُ ذلكَ، ويعرِفُهُ في حالِ الشدةِ بكشفِها بالكليةِ أو تخفيفِها؛ ولهذا قالَ في قصةِ يونسَ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].

стр. 292

* وفيها: ما قالهُ النبيُّ ﷺ : «دعوةُ أخي ذي النونِ، ما دعا بها مكروبٌ إلا فرَّجَ اللهُ عنهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]» (١). * وفيها: أنَّ الإيمانَ ينجِّي من الأهوالِ والشدائدِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] أي: إذا وَقعوا فيها؛ لإيمانِهم.

стр. 293

قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام وكانا من أعظمِ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وجمَعَ اللهُ لهما بينَ النبوةِ والحكمةِ والملكِ العظيمِ القويِّ. أمَّا داودُ ﷺ فكان من جملةِ العسكرِ الذينَ معَ طالوتَ الذي اختارَهُ أحدُ أنبياءِ بني إسرائيلَ ملكًا على بني إسرائيلَ؛ لشجاعتهِ وقوتهِ، وعلمهِ في السياسةِ ونظامِ الجيوشِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. ولما برزُوا لجالوتَ وجنودهِ، وصبرَ عسكرُ طالوتَ، واستعانوا باللهِ؛ تفوَّقَ داودُ ﷺ على الجميعِ بالشجاعةِ العظيمةِ، فباشَرَ بنفسهِ قَتْلَ ملكِهم جالوتَ، وحصلَتِ الهزيمةُ على بقيتِهم، ونصَرَ اللهُ بني إسرائيلَ ذلكَ النصرَ. ونبَّأَ اللهُ داودَ وأعطاهُ الحكمةَ والملكَ القويَّ، كما قالَ تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، وكان قدْ أعطاهُ اللهُ قوةً في العبادةِ وبصيرةً، ووصفَهُ اللهُ بهذينِ الوصفينِ اللذَينِ بهما كمالُ العبدِ فقالَ: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧] فوصفَهُ بالقوةِ العظيمةِ على ما أمَرَ اللهُ، وبأنهُ أوَّابٌ؛ لكمالِ معرفتهِ باللهِ. وكان اللهُ تعالى قد سخَّرَ له الطيرَ والجبالَ تسبِّحُ اللهَ معَهُ، وكان قد أُعطيَ من حسنِ الصوتِ ورخامتهِ ما لم يُؤتَ أحدٌ من العالمينَ، وكان ينامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثلثَهُ

стр. 294

وينامُ سدسَهُ، ويصومُ يومًا ويفطرُ يومًا، وكان إذا لاقَى العدوَّ رأى الخلقُ من شجاعتهِ ما يُعجِبُ الناظرينَ. وقدْ ألانَ اللهُ لهُ الحديدَ، وعلَّمَهُ صنعةَ الدروعِ الواقيةِ في الحروبِ، وهوَ أولُ مَنْ صنَعَ الدروعَ السرديةَ ذواتِ الحِلقِ التي يحصلُ فيها الوقايةُ، وهيَ خفيفةُ المحملِ. وقدْ عاتبَهُ اللهُ بسببِ ذنبٍ أذنبَهُ، بأنْ أرسلَ إليهِ ملكَينِ بصورةِ خصمَينِ، فدخلُوا عليهِ وهوَ في محرابهِ ففَزِعَ منهم؛ لأنهم دخلُوا عليهِ في وقتٍ لا يدخلُ عليهِ فيه أحدٌ، وتسوَّروا المحرابَ، وقالوا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]، ثم قصَّ عليهِ أحدُهما القصةَ فقالَ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ والمرادُ بها: المرأةُ، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ أي: صارَ خطابهُ أقوَى منِّي فغلَبَنِي، فقالَ داودُ ﵇: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. وعَلِمَ داودُ أنهُ هوَ المرادُ بهذهِ القضيةِ؛ فانتبهَ لذلكَ، ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ [ص: ٢٤ - ٢٥]، فمحا اللهُ عنهُ الذنبَ، وعادَ بعدَ التوبةِ أحسنَ مما كان قبلَ ذلكَ: حصَلَ لهُ القربُ العظيمُ من ربهِ وحسنُ العاقبةِ، وقالَ اللهُ لهُ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] الآية. وأما سليمانُ بنُ داودَ ﷺ فإنَّ اللهَ أعطاهُ النبوةَ ووَرِثَ أباهُ: علمَهُ ونبوتَهُ وملكَهُ، وزادهُ اللهُ ملكًا عظيمًا لم يحصُلْ لأحدٍ قبلَهُ ولا بعدَهُ: • سخَّرَ اللهُ لهُ الريحَ، تجرِي بأمرهِ وتدبيرهِ رُخاءً، أي: بسهولةٍ حيثُ أرادَ، ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].

стр. 295

• وسخَّرَ اللهُ لهُ الجنَّ والشياطينَ والعفاريتَ يعملونَ لهُ الأعمالَ الفخمةَ بحسبِ إرادتهِ، ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، وتذهبُ وتجيءُ بأمرهِ إلى حيثُ أرادَ. • وسخَّرَ لهُ من الجنودِ من الإنسِ والجنِّ والطيرِ، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧] بتدبيرٍ عجيبٍ ونظامٍ غريبٍ. • وعلَّمَهُ اللهُ منطقَ الطيرِ وسائرِ الحيواناتِ، فكانتْ تخاطبهُ ويفهمُ ما [تتكلَّمُ] (١) بهِ؛ ولهذا خاطبَ الهدهدَ وراجعَهُ تلكَ المراجعةَ، وسمعَ النملةَ إذْ نادتْ في قومِها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] فحذرَتْ وأمرَتْ بما يَقِيَ من الخطرِ، واعتذرَتْ عن سليمانَ وجنودهِ؛ فلهذا ابتسمَ سليمانُ ضاحكًا من قولِها وقالَ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. ومن حسنِ نظامهِ وحزمهِ: أنهُ يتفقدُ الجنودَ بنفسهِ، معَ أنهُ قدْ جعَلَ لهم مدبِّرِينَ، فإنَّ قولَهُ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧] دليلٌ على ذلكَ، حتى أنهُ تفقدَ الطيورَ؛ لينظرَ هلْ هيَ لازمةٌ لمراكزِها، فقالَ: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وليسَ الأمرُ كما يقولُ كثيرٌ من المفسرينَ أنهُ طلبَهُ لينظرَ لهُ الأرضَ وبُعْدَ مائِها؛ فإنَّ هذا خلافُ اللفظِ القرآنيِّ، فإنَّ اللهَ لم يقلْ: (وطلَبَ الهدهدَ)، بلْ قالَ: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠].

стр. 296

ثم توعدَهُ لمخالفتهِ لأمرهِ، ولما كان ملكهُ مبنيًا على كمالِ العدلِ استثنَى فقالَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل: ٢١ - ٢٦]. ففي هذهِ المدةِ القصيرةِ جاءَ الهدهدُ بهذهِ المعلوماتِ العظيمةِ، أخبرَ سليمانَ عن ملكِ الديارِ اليمانيةِ، وأنَّ ملكتَهم امرأةٌ، وأنها قدْ أعطيَتْ من كلِّ شيءٍ يحتاجُ الملكُ إليهِ، وأنَّ لها عرشًا عظيمًا، ومعَ فهمهِ لملكِهم وقوتِهم فَهِمَ أيضًا دينَهم، وأنهم مشركونَ يعبدونَ الشمسَ، وأنكرَ الهدهدُ عليهم غايةَ الإنكارِ، هذا من الأدلةِ على أنَّ الحيواناتِ تعرفُ ربَّها وتوحدُهُ وتسبحُهُ، وتحبُّ المؤمنينَ، وتدينُ ربَّها بذلكَ، وتبغضُ الكفارَ المكذبينَ، وتدينُ اللهَ بذلكَ. فقالَ لهُ سليمانُ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [النمل: ٢٧ - ٢٨]، فذهبَ بالكتابِ فألقاهُ في حجرِ المرأةِ ملكةِ سبأٍ. فلما قرأتْهُ عظمَتْهُ جدًّا، وأُرعبَتْ منهُ فزعًا، وجمعَتْ رؤساءَ قومِها فقالتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾، كتابٌ مختصرٌ جامعٌ، فيه المقصودُ كلُّهُ.

стр. 297

قالتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ أي: أشيرُوا عليَّ، وهذا من حزمِها وحسنِ تدبيرِها استعملَتِ المشورةَ معَ رؤساءِ قومِها، ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ [النمل: ٣٢ - ٣٣] أي: مستعدُّونَ لما تقولِينَ حربًا وسلمًا، وأرجَعْنا الأمرَ إلى ما تختارِينَ. فمن عزمِها وحزمِها وبُعدِ نظرِها عدلَتْ عن الحربِ، واختارَتِ السلمَ، لكنْ بصورةٍ حازمةٍ، فقالتْ: سأهدِي لهُ هديةً [عظيمةً فاخرةً] (١) ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]: • إنْ كان من الملوكِ الذي ليسَ لهم همٌّ إلا الدنيا، فربما أنَّ الهديةَ كسرَتْ سورتَهُ، وفلَّتْ عزيمتَهُ، وسالَمَنا وسالَمْناهُ من بعيدٍ. • وإنْ كان غيرَ ذلكَ بانَ لنا الأمرُ. فأرسلَتْ أناسًا ذَوِي عقلٍ وحزمٍ وخبرةٍ ومعرفةٍ، فلما جاؤوا لسليمانَ بالهديةِ، قالَ: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦]، فبيَّنَ لهم أنهُ لا غرَضَ لهُ في الدنيا، وإنما غرضهُ إقامةُ الدينِ، ودخولُ عبادِ اللهِ في الإسلامِ، ثم وصَّى الرسلَ، واستغنى بذلكَ عن الكتابِ، وقالَ للرسولِ: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]. وعَلِمَ سليمانُ أنهم سينقادُونَ ويسلمُونَ، فقالَ لأهلِ مجلسهِ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ [النمل: ٣٢ - ٣٩]، وسليمانُ بالديارِ الشاميةِ، وبينَهُ وبينَها مسافةُ شهرينِ ذهابًا وشهرينِ إيابًا.

стр. 298

ثم قالَ الذي عندَهُ علمٌ من الكتابِ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]: • يحتملُ أنهُ كما قالَ أكثرُ المفسرينَ: إنهُ رجلٌ صالحٌ قدْ أُعطيَ الاسمَ الأعظمَ الذي إذا دُعِيَ اللهُ بهِ أجابَ، وأنهُ دعا اللهَ فأتَى بهِ قبلَ أنْ يرتدَّ إليهِ طرفهُ. • ويحتملُ أنَّ الذي عندهُ علمٌ من الكتابِ عندَهُ من الأسبابِ التي سخَّرَها اللهُ لسليمانَ أسبابٌ يحصلُ بها تقريبُ المواصلاتِ وجلبُ الأشياءِ البعيدةِ. وعلى كلٍّ فهذا مَلِكٌ عظيمٌ، بلحظةٍ يُحضَرُ لهُ هذا العرشُ العظيمُ؛ ولهذا لما رآهُ مستقرًّا عندَهُ حَمِدَ اللهَ على ذلكَ، قالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. فقالَ لمن حولَهُ: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ أي: غيِّرُوا فيه، وزيدُوا وأنقصوا، ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾، وكان قد مُدِحَ له رأيُها وعقلُها، فأحبَّ أنْ يقفَ على الحقيقةِ، فلما جاءَتْ قِيلَ: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ وعُرِضَ عليها، فلما رأتْهُ عرفتْهُ ورأَتْ ما فيه من التنكيرِ فأنكرتْهُ، فقالَتْ مرددةً للاحتمالينِ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لم تقلْ: هوَ؛ لما فيه من التغييرِ، ولم تنفِ أنهُ هوَ؛ لما كانتْ تعرفهُ، فأتتْ بلفظٍ صالحٍ للأمرينِ، فعرفَ سليمانُ رجاحةَ عقلِها. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: • إنْ كان هذا من كلامِ سليمانَ فمعناهُ: إننا أُخبرنا عن عقلِها، وعلِمْنا بذلكَ قبلَ هذهِ الحالةِ، فتحقَّقْناها لما سَبَرْناها.

стр. 299

• وإن كان الكلامُ كلامَ ملكةِ سبأٍ، فإنها تقولُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ عن ملكِ سليمانَ، وأنهُ ملكُ نبوةٍ ورسالةٍ وقوةٍ هائلةٍ من قبلِ هذهِ الحالةِ، ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ مذعنِينَ لما قالهُ سليمانُ بعدَما تحقَّقْنا أمرَهُ. فكأنهُ قيلَ: معَ عقلِها هذا ورأيِها السديدِ، فكيفَ كانتْ تعبدُ غيرَ اللهِ؟! وكيفَ اجتمَعَ العقلُ وعبادةُ مَنْ لا ينفعُ ولا يضرُّ، وإنما يضرُّ مَنْ عبدَهُ؟! حاصلُ الجوابِ قولهُ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] أي: العقائدُ التي نشأَتْ عليها والمذاهبُ الفاسدةُ تسيطرُ على عقلِ العاقلِ، وتُذهبُ لبَّ اللبيبِ؛ حتى يُقيِّضَ [اللهُ] (١) لهُ من الأسبابِ المباركةِ ما يبيِّنُ لهُ الحقَّ، ويُمَنُّ عليهِ باتباعهِ. وكان لهُ صرحٌ من قواريرَ أُجريَ تحتَهُ الأنهارُ، فكان مَنْ ينظرُ إليهِ يظنهُ ماءً يجري؛ لأنَّ الزجاجَ شفافٌ، فلما قيلَ لها: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾، فرأَتْهُ لجةً وكشفَتْ عن ساقَيها، قالَ: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾، قالتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، فأسلمَتْ للهِ، واتَّبعَها قومُها، فيقالُ: إنَّ سليمانَ تزوَّجَها، فاللهُ أعلمُ. ولما كانتِ الشياطينُ زمنَ سليمانَ قدْ سخَّرَهم اللهُ لهُ، وبلَغَهُ أنهم باجتماعِهم بالإنسِ يعلمونَهم السحرَ، فجمَعَهم وتوعدَهم، وأخذَ كتبَهم ودفنَها، فلما تُوفِّيَ سليمانُ جاءتِ الشياطينُ للناسِ وقالوا: إنَّ ملكَ سليمانَ مشيدٌ على السحرِ، واستخرجوا الكتبَ التي دفنَها، وأشاعوا من إغوائِهم للناسِ أنها مأخوذةٌ من سليمانَ، وأنَّ سليمانَ

стр. 300

ساحرٌ، وروَّجَ ذلكَ طائفةٌ من اليهودِ، فبرَّأَ اللهُ سليمانَ من هذا الأمرِ، وبيَّنَ أنَّ السحرَ من العلومِ الضارَّةِ فقالَ تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: بتعليمِ السحرِ [أو إقرارهِ أو الرضا بهِ] (١)، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية. وهذا من عظمةِ القرآنِ أنهُ يأمرُ الخَلقَ بالإيمانِ بجميعِ الرسلِ، ويذكرُهم بأوصافِهم الجميلةِ، وينزهُهم عما قالهُ الناسُ فيهم مما ينافِي رسالتَهم. وكان اللهُ قدْ ابتلى سليمانَ، وألقَى على كرسيهِ جسدًا، أي: شيطانًا؛ عتابًا لهُ على بعضِ الهفواتِ، وإرجاعًا لهُ إلى كمالِ الخضوعِ لربهِ؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] إلى اللهِ بقلبهِ ولسانهِ وبدنهِ، بظاهرهِ وباطنهِ، فقالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، فاستجابَ اللهُ لهُ دعاءَهُ وأعطاهُ ما طلبَهُ من مغفرةِ الذنبِ، وأعطاهُ جميعَ ما طلَبَ كما تقدَّمَ. وقدْ أثنَى اللهُ على داودَ وسليمانَ بالعلمِ والحكمِ، وخصَّ سليمانَ بزيادةِ الفهمِ فقالَ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أي: دخلَتِ الغنمُ بستانَهم ليلًا فرعَتْ زرعَهُ وأشجارَهُ، فحكمَ داودُ بحسبِ اجتهادهِ وتقديرهِ: أنَّ الغنمَ تكونُ لصاحبِ الحرثِ؛ لظنهِ أنَّ الذي تَلِفَ من الحرثِ يقابلُ قيمتَها. ثم رُفعَتِ القضيةُ إلى سليمانَ، فحكمَ على صاحبِ الغنمِ أنْ يقومَ على حرثِ صاحبِ البستانِ بالسقي والتعميرِ والملاحظةِ حتى يعودَ كما كان قبلَ نَفَشِها، ويدفعَ لهُ

стр. 301

صاحبُ الغنمِ الغنمَ ينتفعُ بدرِّها ولبنِها ودهنِها وصوفِها ومَغَلِّها؛ مقابلةَ ما كانَ بصددِ أنْ ينتفعَ بحرثهِ في هذهِ المدةِ، فكان هذا الحكمُ من سليمانَ أقربَ إلى الصوابِ، وأنفعَ لصاحبِ الغنمِ والحرثِ؛ فلهذا قالَ تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]. ونظيرُ هذهِ القضيةِ: حكمُ داودَ وسليمانَ بينَ المرأتينِ اللتينِ خرجتَا ومعَ كلِّ واحدةٍ ابنُها، فعدا الذئبُ على ابنِ الكبرى، فادَّعتِ الكبرى على الصغرى أنَّ الذئبَ أكلَ ابنَ الصغرى، وأنَّ الذي سلمَ من الذئبِ ابنُها، والمرأةُ الصغرى أنكرَتْ وقالتْ: بلْ الذئبُ أكلَ ابنَ الكبرى. فتحاكمَا إلى داودَ، [فلما لم] (١) يرَ لكلٍّ منهما بينةً إلا قولَها، رأى أنْ يحكمَ بهِ للكبرى؛ اجتهادًا ورحمةً بها لكبرِها، وأنَّ الصغرى في مستقبلِ عمرِها سيرزقُها اللهُ ولدًا بدلَهُ. ثم رُفعتِ القضيةُ إلى سليمانَ، فقالَ لهما: ائتُوني بالسكينِ أشقُّهُ بينَكما، فرضِيتِ الكبرى، وقالتِ الصغرى -لما دارَ الأمرُ بينَ تلفهِ أو بقائهِ بيدِ غيرِها وهوَ أهونُ الأمرينِ عليها-: هوَ ابنُها يا نبيَّ اللهِ، فعَلِمَ سليمانُ بهذا الأمرِ الطبيعيِّ الذي هوَ من أقوى البيناتِ أنهُ ليسَ ابنًا للكبرى؛ لكونِها رضيَتْ بشقهِ وإتلافهِ، وأنَّ دعواها على الأخرى إنما حملَها عليهِ الحسدُ، وأنهُ ابنُ الصغرى حين فزعَتْ من شقِّهِ إلى التنازلِ عن دعواها، فقضَى بهِ سليمانُ للصغرى. ولا ريبَ أنَّ استخراجَ الصوابِ في القضايا بالبيناتِ والقرائنِ وشواهدِ الأحوالِ؛ من الفهمِ الذي يخصُّ اللهُ بهِ مَنْ يشاءُ.

стр. 302

فصل في بعض الفوائد المستنبطة من قصة داود وسليمان ﵉ * فمنها: أنَّ اللهَ يقصُّ على نبيهِ محمدٍ ﷺ أخبارَ مَنْ قبلَهُ لتثبيتِ فؤادهِ وتطمينِ نفسهِ، ويذكرُ لهُ من عباداتِهم، وشدةِ صبرِهم، وإنابتِهم؛ ما يشوِّقُ إلى منافستِهم، والتقربِ إلى اللهِ الذي تنافسُوا في قربهِ، والصبرِ على أذى قومهِ؛ ولهذا ذكرَ تعالى في أولِ سورةِ (ص) ما قالَهُ المكذبونَ لمحمدٍ ﷺ وما آذَوهُ بهِ، قالَ بعدَها: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧] الآيات. * ومنها: أنَّ قولَهُ: ﴿ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧] مدحٌ عظيمٌ من اللهِ لهذينِ الوصفينِ: قوةِ القلبِ والبدنِ على طاعةِ اللهِ، والإنابةِ باطنًا وظاهرًا إلى اللهِ، المستلزمةِ لمحبتهِ وكمالِ معرفتهِ، وأنَّ هذينِ الوصفينِ للأنبياءِ على وجهِ الكمالِ، ولمَن بعدَهم مِنْ أتباعِهم على حسبِ اتِّباعِهم. والثناءُ من اللهِ عليهما يقتضِي الحثَّ على جميعِ الأسبابِ التي تعينُ على القوةِ والإنابةِ، وأنْ يكونَ العبدُ رجَّاعًا إلى اللهِ في حالِ السراءِ والضراءِ، وفي جميعِ الأحوالِ. * ومنها: ما أكرَمَ اللهُ بهِ نبيَّهُ داودَ ﷺ : من حسنِ الصوتِ ورخامتهِ، وأنَّ الجبالَ والطيورَ تسبحُ اللهَ معهُ وتجاوبهُ، وذلكَ من زيادةِ درجاتهِ ومقاماتهِ العاليةِ. * ومنها: أنَّ من أكبرِ نعمِ اللهِ على عبدهِ أنْ يرزقَهُ العلمَ النافعَ، ويعرفَ الحُكْمَ بينَ الناسِ في المقالاتِ والمذاهبِ، وفي الخصوماتِ والمشاحناتِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠].

стр. 303

* ومنها: كمالُ اعتناءِ المولى بأنبيائهِ وأصفيائهِ عندما يقعُ منهم بعضُ الهفواتِ؛ [بفتنتهِ] (١) إياهم، وابتلائِهم بما [به] (٢) يزولُ عنهم المحذورُ حتى يعودُوا أكملَ من أحوالِهم الأولى، كما جرى لداودَ وسليمانَ. * ومنها: أنَّ الأنبياءَ معصومونَ (٣) فيما يبلِّغونَ عن اللهِ، فإنَّ اللهَ أمَرَ بطاعتِهم مطلقًا، ومقصودُ الرسالةِ لا يحصلُ إلا بذلكَ، وقدْ يجرِي منهم أحيانًا بعضُ مقتضياتِ الطبيعةِ من المخالفاتِ، ولكنَّ اللهَ تعالى يبادرُهم بلطفهِ، ويتداركُهم بالتوبةِ والإنابةِ. * ومنها: أنَّ داودَ في أغلبِ أوقاتهِ [ملازمٌ] (٤) محرابَهُ لخدمةِ ربهِ، ولهُ وقتٌ يجلسُ فيه لحوائجِ الخلقِ، فقدْ أتمَّ القيامَ بحقِّ اللهِ وحقِّ عبادهِ. * ومنها: أنهُ ينبغِي استعمالُ الأدبِ في الدخولِ على الناسِ، خصوصًا الحكامَ والرؤساءَ؛ فإنَّ الخصمَينِ لما دخلا على داودَ في حالةٍ غيرِ معتادةٍ، ومن غيرِ البابِ؛ فزِعَ منهم، واشتدَّ عليهِ ذلكَ، ورآهُ غيرَ لائقٍ بالحالِ. * ومنها: أنهُ لا يَمنعُ الحاكمَ من الحكمِ بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصمِ، وفعلُهُ ما لا ينبغِي. * ومنها: كمالُ حلمِ داودَ؛ فإنهُ ما غضِبَ منهما حينَ جاءاهُ بغيرِ استئذانٍ، ولا انتهرَهما ولا وبَّخَهما. * ومنها: جوازُ قولِ المظلومِ لمنْ ظلمَهَ: أنتَ ظلمتَنِي، أو: يا ظالمُ، ونحوهُ، أو: يا باغِي؛ لقولهِ: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢].

стр. 304

* ومنها: أنَّ المنصوحَ -ولوْ كان كبيرَ القدرِ كثيرَ العلمِ- عليهِ ألَّا يغضبَ ولا يشمئزَّ، بلْ يبادرُ بقبولِ النصيحةِ والشكرِ لمنْ نصحَهُ، ويحمدُ اللهَ إذْ قيَّضَ لهُ النصيحةَ على يدِ الناصحِ، فإنَّ داودَ لم يشمئِزَّ من قولِ الخصمينِ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]، بل حكَمَ بالحقِّ الصرفِ. * ومنها: أنَّ المخالطةَ بينَ الأقاربِ والأصحابِ والمعامِلينَ، وكثرةَ التعلقاتِ الدنيويةِ الماليةِ؛ موجبةٌ للتعادِي، وبغيِ بعضِهم على بعضٍ، وأنهُ لا يَرُدُّ عن هذا الداءِ العضالِ إلا التقوَى والصبرُ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ، وأنَّ هذا من أقلِّ شيءٍ في الناسِ. * ومنها: إكرامُ اللهِ لداودَ وسليمانَ بالزلفَى عندَهُ وحسنِ المآبِ، فلا يتوهَّمُ أحدٌ أنَّ ما جرَى منهما منقصٌ لدرجتِهما عندَ اللهِ، وهذا من تمامِ لطفهِ بعبادهِ المخلصينَ، أنهُ إذا غفَرَ لهم وأزالَ عنهم أثرَ الذنوبِ أزالَ الآثارَ المترتبةَ عليها حتى ما يقعُ في قلوبِ الخلقِ، وما ذلكَ على فضلِ الكريمِ بعزيزٍ. * ومنها: أنَّ مرتبةَ الحكمِ بينَ الناسِ مرتبةٌ دينيةٌ تولاها رسلُ اللهِ وخواصُّ خلقهِ، وأنَّ على القائمِ بها الحكمَ بالحقِّ، وألَّا يتبعَ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضِي العلمَ بالأمورِ الشرعيةِ، والعلمَ بصورةِ القضيةِ المحكومِ بها، وكيفيةِ إدخالِها في الأحكامِ الشرعيةِ الكليةِ؛ فالجاهلُ بواحدٍ من هذهِ الأمورِ لا يحلُّ لهُ الإقدامُ على الحكمِ بينَ الناسِ. * ومنها: أنَّ سليمانَ يُعدُّ من فضائلِ داودَ، ومن مننِ اللهِ عليهِ، قالَ تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] وهذا أعظمُ تزكيةٍ، وأكبرُ فخرٍ لسليمانَ. * ومنها: كثرةُ خيرِ اللهِ وفضلهِ على عبيدهِ الأخيارِ، يمنُّ عليهم بالأخلاقِ الجميلةِ، والأعمالِ الصالحةِ، ثم يُثنِي عليهم بها، ويرتِّبُ عليها من الثوابِ أنواعًا منوعةً، وهوَ المتفضلُ بالأسبابِ ومسبباتِها.

стр. 305

* ومنها: أنَّ سليمانَ قدَّمَ محبةَ اللهِ على محبةِ كلِّ شيءٍ، وأتلفَ الخيلَ التي ألهتْهُ عن ذكرِ ربهِ حتى توارتِ الشمسُ بالحجابِ. * ومنها: أنَّ كلَّ ما أشغَلَ العبدَ عن طاعةِ مولاهُ فهوَ مشؤومٌ؛ فليفارِقْهُ، وليقبِلْ على ما هوَ أنفعُ لهُ. * ومنها: أنهُ يُؤخذُ من أنَّ سليمانَ لما أتلفَ الخيلَ الجيادَ التي ألهتْهُ عن طاعةِ اللهِ سخَّرَ اللهُ لهُ الريحَ والشياطينَ: أنَّ مَنْ ترَكَ شيئًا للهِ عوضَهُ اللهُ خيرًا منهُ (١). * ومنها: أنَّ تسخيرَ الشياطينِ، وتسخيرَ الريحِ على الوجهِ الذي سُخرَتْ لسليمانَ؛ لا تكونُ لأحدٍ بعدَ سليمانَ؛ ولهذا لما رأى النبيُّ ﷺ أنْ يأخذَ الشيطانَ الذي تفلَّتَ عليهِ ليلةً فيربطُهُ في ساريةٍ المسجدِ، قالَ: «ذكرتُ دعوةَ أخي سليمانَ فتركتُهُ» (٢). * ومنها: أنَّ سليمانَ كان ملكًا نبيًّا، مباحٌ لهُ أنْ يفعلَ ما يريدُ، ولكنهُ لكمالهِ لا يريدُ إلا الخيرَ والعدلَ، وهذا بخلافِ النبيِّ العبدِ، فإنهُ لا يكونُ لهُ إرادةٌ مستقلةٌ، بلْ إرادتُهُ تابعةٌ لمرادِ اللهِ منهُ، فلا يفعلُ ولا يتركُ إلا تبعًا للأمرِ، كحالِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ . * ومنها: أنَّ اللهَ أعطى سليمانَ ملكًا عظيمًا، فيه أمورٌ لا يمكنُ أنْ تدركَ بالأسبابِ، وإنما هيَ من تقديرِ الملكِ الوهابِ:

стр. 306

• مثلَ تسخيرِ الريحِ تبعًا لأمرهِ. • وتسخيرِ الشياطينِ. • وكونِ جنودهِ من الإنسِ والجنِّ والطيرِ. • وأنَّ الطيورَ كانتْ تخدمهُ الخدمةَ العظيمةَ، يرسلُها للجهاتِ توصلُ منهُ الأخبارَ، وتأتيهِ بأخبارِ تلكَ الجهاتِ، وقدْ أعطاها اللهُ من الفهمِ ومعرفةِ أحوالِ الآدميينَ ما قصَّ اللهُ علينا نبأهُ في هذهِ القصةِ. • وكذلكَ الذي عندَهُ علمٌ من الكتابِ، حينَ استعدَّ أنْ يأتيَهُ بعرشِ ملكةِ سبأٍ قبلَ أنْ يرتدَّ إليهِ طرفهُ. وهذهِ آياتُ أنبياءَ؛ فلهذا مهما بلغَ الخلقُ في الترقِّي في علومِ الطبيعةِ، والمهارةِ بالمخترعاتِ؛ فلنْ يصلُوا إلى ما أُعطيَهُ سليمانُ. * ومنها: أنهُ ينبغِي للملوكِ والرؤساءِ أنْ يسألُوا عن أحوالِ الأمراءِ والرؤساءِ والرجالِ المتميزينَ، ولا يكتفُوا بمجردِ السؤالِ، بلْ يختبرونَهم ويختبرونَ معرفتَهم للأمورِ وعقولَهم، كما فعلَ سليمانُ معَ ملكةِ سبأٍ: امتحنَها ليستدلَّ على كمالِ عقلِها ورجاحتهِ، ولم يكتفِ بالسؤالِ، وهذا فيه للملوكِ فوائدُ عظيمةٌ، وهم محتاجونَ لهذا أشدَّ الحاجةِ، وتمامُ الملكِ أنْ يديرَ دفتَهُ الرجالُ الكاملونَ.

стр. 307

قصة أيوب عليه الصلاة السلام كان أيوبُ من أنبياءِ بني إسرائيلَ، ومن الأصفياءِ الكرامِ، وقدْ ذكرَهُ اللهُ في كتابهِ، وأثنى عليهِ بالخصالِ الحميدةِ عمومًا، وبالصبرِ على البلاءِ خصوصًا؛ فإن اللهَ تعالى ابتلاهُ بولدهِ وأهلهِ ومالهِ، ثم بجسدهِ، فأصابَهُ من البلاءِ ما لم يُصِبْ أحدًا من الخلقِ، فصبرَ لأمرِ اللهِ، ولم يزَلْ منيبًا للهِ. ولما تطاولَ بهِ المرضُ العظيمُ ونسيَهُ الصاحبُ والحميمُ؛ نادَى ربَّهُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، فركضَ، فنبعَتْ بركضتهِ عينُ ماءٍ باردٍ، فقيلَ لهُ: اشرَبْ منها واغتسِلْ، ففعلَ ذلكَ، فأذهبَ اللهُ ما في باطنهِ وظاهرهِ من البلاءِ، ثم أعادَ اللهُ لهُ أهلَهُ ومالَهُ، وأعطاهُ من النعمِ والخيراتِ شيئًا كثيرًا، وصارَ بهذا الصبرِ قدوةً للصابرينَ، وسلوةً للمبتلينَ، وعبرةً للمعتبرينَ. وكان في مرضهِ قدْ وجدَ على زوجتهِ المرأةِ البارَّةِ الرحيمةِ، في بعضِ شيءٍ، فحلَفَ أنْ يجلدَها مائةَ جلدةٍ، فخففَ اللهُ عنهُ وعنها، وقيلَ له: ﴿خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمةَ حشيشٍ أو علفٍ أو شماريخَ (١) أو نحوِها، فيها مائةُ عودِ، ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي: ينحلُّ بذلكَ يمينُكَ.

стр. 308

وفي هذا دليلٌ على أنَّ كفارةَ اليمينِ لم تشرَعْ لأحدٍ قبلَ شريعتِنا، وأنَّ اليمينَ عندَهم بمنزلةِ النذرِ الذي لابدَّ من وفائهِ. وفي هذا دليلٌ على أنَّ من لا يحتملُ إقامةَ الحدِّ عليهِ؛ لضعفهِ ونحوهِ، أنهُ يقامُ عليهِ مسمَّى ذلكَ؛ لأنَّ الغرضَ التنكيلُ ليسَ الإتلافَ والإهلاكَ.

стр. 309

قصة الخضر مع موسى ومحلُّها في أثناءِ قصصِ موسى. وذلكَ أنَّ موسى ﷺ قامَ ذاتَ يومٍ في بني إسرائيلَ مقامًا عظيمًا، علَّمَهم فيه علومًا جمةً، وأُعجبَ الناسُ بكمالِ علمهِ، فقالَ لهُ قائلٌ: يا نبيَّ اللهِ، هلْ يوجدُ أو هلْ تعلمُ في الأرضِ أحدًا أعلمَ منكَ؟ فقالَ: لا. بناءً على ما يعرفهُ، وترغيبًا لهم في الأخذِ عنهُ. فأخبرَهُ اللهُ أنَّ لهُ عبدًا في مجمعِ البحرينِ، عندَهُ علومٌ ليستْ عندَ موسى، وإلهاماتٌ خارجةٌ عن الطورِ المعهودِ، فاشتاقَ موسى إلى لقيهِ؛ رغبةً في الازديادِ من العلمِ، فطلبَ من اللهِ أنْ يأذنَ لهُ في ذلكَ، وأخبرَهُ بموضعهِ، وتزودَا حوتًا، وقيلَ لهُ: إذا فقدتَ الحوتَ فهوَ في ذلكَ المكانِ، فذهبَ فوجدَهُ، وكان ما قصَّ اللهُ من نبئِهما في سورةِ (الكهفِ): ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ إلى قولهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [الكهف: ٦٠ - ٨٢]. * وفي هذهِ القصةِ من الفوائدِ والأحكامِ والقواعدِ شيءٌ كثيرٌ، ننبهُ على بعضهِ بعونِ اللهِ، ونذكرُ المهمَّ منهُ. * فمنها: ما اشتملَتْ عليهِ القصةُ من فضيلةِ العلمِ وشرفهِ، ومشروعيةِ الرحلةِ في طلبهِ، وأنهُ أهمُّ الأمورِ؛ فإنَّ موسى رحلَ في طلبهِ مسافةً طويلةً، ولقيَ في ذلكَ النَّصَبَ، وتركَ الإقامةَ عندَ بني إسرائيلَ لتعليمِهم وإرشادِهم، واختارَ السفرَ لزيادةِ العلمِ على ذلكَ.

стр. 310

* ومنها: البداءةُ في العلمِ بالأهمِّ فالأهمِّ، فإنَّ زيادةَ علمِ الإنسانِ بنفسهِ أهمُّ من تركِ ذلكَ اشتغالًا بالتعليمِ فقطْ، بلْ يتعلَّمُ ليعلِّمَ. * ومنها: جوازُ أخذِ الخادمِ في السفرِ والحضرِ؛ لكفايةِ المؤنِ وطلبِ الراحةِ، كما فعلَ موسى ﷺ . * ومنها: أنَّ المسافرَ بطلبِ العلمِ أو الجهادِ، أو غيرِهما من أسفارِ الطاعةِ، بلْ وكذلكَ غيرُهما، إذا اقتضتِ المصلحةُ الإخبارَ بمطلبهِ وأينَ مرادهُ فإنهُ أكملُ من كتمهِ، فإنَّ في إظهارهِ [فوائدَ: مِنْ] (١) الاستعدادِ لهُ عُدَّتَهُ، وإتيانِ الأمرِ على بصيرةٍ، والإعلانِ بالترغيبِ لهذهِ العبادةِ الفاضلةِ؛ لقولِ موسى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]. ولما غزا ﷺ تبوكَ أخبرَ الناسَ بمقصدهِ، معَ أنهُ كان في الغالبِ إذا أرادَ غزوةً ورَّى بغيرِها؛ تبعًا للمصلحةِ في الحالتينِ. * ومنها: إضافةُ الشرِّ وأسبابهِ إلى الشيطانِ، وكذلكَ النقصُ؛ لقولِ فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. * ومنها: جوازُ إخبارِ الإنسانِ عما يجدهُ مما هوَ مقتضى الطبيعةِ البشريةِ، من نَصَبٍ أو جوعٍ أو عطشٍ، إذا لم يكنْ على وجهِ التسخطِ، وكان صدقًا؛ لقولهِ: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. * ومنها: أنهُ ينبغِي أنْ يتخذَ الإنسانُ خادمًا ذكيًّا فطنًا كيسًا؛ ليتمَّ لهُ أمرهُ الذي يريدُ.

стр. 311

* ومنها: استحبابُ إطعامِ الإنسانِ خادمَه من مأكلهِ، وأكلِهما جميعًا؛ لأنَّ ظاهرَ قولهِ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أنهُ للجميعِ. * ومنها: أنَّ المعونةَ تنزلُ على العبدِ بحسبِ قيامهِ بالأمرِ الشرعيِّ، وأنَّ ما وافقَ رضا اللهِ يُعانُ عليهِ ما لا يعانُ على غيرهِ؛ لقولهِ: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، والإشارةُ: إلى السفرِ المجاوزِ لمجمعِ البحرينِ، وأما الأولُ فلم يشتكِ منهُ معَ طولهِ. * ومنها: أنَّ ذلكَ العبدَ الذي لقياهُ ليسَ نبيًّا، بلْ هوَ عبدٌ صالحٌ عالمٌ ملهمٌ؛ لأنَّ اللهَ ذكرَهُ بالعلمِ والعبوديةِ الخاصةِ والأوصافِ الجميلةِ، ولم يذكُرْ معها أنهُ نبيٌّ أو رسولٌ، وأما قولهُ في آخرِ القصةِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فإنهُ لا يدلُّ على أنهُ نبيٌّ، وإنما يدلُّ على الإلهامِ والتحديثِ، وذلكَ يكونُ لغيرِ الأنبياءِ، قالَ تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧] الآية. * ومنها: أنَّ العلمَ الذي يعلِّمُهُ اللهُ للعبدِ نوعانِ: • علمٌ مكتسبٌ، يدركهُ العبدُ بطلبهِ وجدِّهِ. • وعلمٌ إلهيٌّ لدنيٌّ، يهبهُ اللهُ لمنْ يمنُّ عليهِ من عبادهِ؛ لقولهِ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، فالخضرُ أُعطِيَ من هذا النوعِ الحظَّ الأوفرَ. * ومنها: التأدبُ معَ المُعلمِ، والتلطفُ في خطابهِ؛ لقولِ موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، فأخرَجَ الكلامَ بصورةِ الملاطفةِ والمشاورةِ، وأنكَ هلْ تأذنُ لي أم لا؟ وإظهارِ حاجتهِ إلى المعلمِ، وأنهُ يتعلَّمُ منهُ، ومشتاقٌ إلى ما عندَهُ، بخلافِ حالِ أهلِ الكِبْرِ والجفاءِ الذينَ لا يظهرونَ حاجتَهم إلى عِلْمِ المعلِّمِ، فلا أنفعَ للمتعلمِ من إظهارِ الحاجةِ إلى عِلْمِ المعلِّمِ، وشكرهِ على تعليمهِ.

стр. 312

* ومنها: تواضعُ الفاضلِ للتعلمِ ممن هوَ دونَهُ؛ فإنَّ موسى -بلا ريبٍ- أفضلُ من الخضرِ. * ومنها: تعلمُ العالمِ الفاضلِ للعلمِ الذي لم يتمهَّرْ فيه ممن مَهَرَ فيه، وإنْ كان دونَهُ في العلمِ درجاتٍ؛ فإنَّ موسى من أكابرِ أولي العزمِ من الرسلِ، الذينَ منحَهم اللهُ وأعطاهم من العلومِ ما لم يُعطِ سواهم، ولكنْ في هذا العلمِ الخاصِّ كان عندَ الخضرِ ما ليسَ عندَهُ؛ فلهذا اشتدَّ حرصهُ على التعلمِ منهُ. * ومنها: أنهُ يتعيَّنُ إضافةُ العلمِ وغيرهِ من الفضائلِ إلى فضلِ اللهِ ورحمتهِ، والاعترافُ بذلكَ، وشكرُ اللهِ عليهِ؛ لقولهِ: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. * ومنها: أنَّ العلمَ النافعَ هوَ العلمُ المرشِدُ إلى الخيرِ، وكلُّ علمٍ فيه رشدٌ وهدايةٌ لطريقِ الخيرِ، وتحذيرٌ عن طريقِ الشرِّ، أو وسيلةٌ إلى ذلكَ؛ فإنهُ من العلمِ النافعِ، وما سوى ذلكَ فإمَّا أنْ يكونَ ضارًّا، أو ليسَ فيه فائدةٌ؛ لقولهِ: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. * ومنها: أنَّ مَنْ ليسَ لهُ صبرٌ على صحبةِ العالمِ، ولا قوةٌ على الثباتِ على طريقةِ التعلمِ؛ فإنهُ قاصرٌ، ليسَ بأهلٍ لتلقِّي العلمِ؛ فمن لا صبرَ لهُ لا يدرِكُ العلمَ، ومن استعملَ الصبرَ ولازمَهُ أدرَكَ بهِ كلَّ أمرٍ سعَى إليهِ، فإنَّ الخضرَ اعتذرَ عن موسى أنهُ لا يصبرُ على علمهِ الخاصِّ. * ومنها: أنَّ مما يُعينُ على الصبرِ على الأشياءِ إحاطةَ العبدِ بها علمًا، وبمنافعِها وثمراتِها ونتائجِها، فمَن لا يدرِي هذهِ الأمورَ يصعبُ عليهِ الصبرُ؛ لقولهِ: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨].

стр. 313

* ومنها: الأمرُ بالتأني والتثبتِ، وعدمِ المبادرةِ على الحكمِ على الأشياءِ حتى يعرفَ ما يُرادُ منهُ، وما هوَ المقصودُ. * ومنها: مشروعيةُ تعليقِ إيجادِ الأمورِ المستقبلةِ على مشيئةِ اللهِ؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، وأنَّ العزمَ على الشيءِ ليسَ بمنزلةِ فعلهِ، فموسى عزَمَ على الصبرِ، ولكنْ لم يفعَلْ. * ومنها: أنَّ المُعلمَ إذا رأى من المصلحةِ أنْ يخبرَ المتعلمَ أنْ يتركَ الابتداءَ في السؤالِ عن بعضِ الأشياءِ حتى يكونَ المعلمُ هوَ الذي يوقفهُ عليها؛ فإنَّ المصلحةَ تُتَّبعُ، كما إذا كان فهمهُ قاصرًا، أو نهاهُ عن التدقيقِ الشديدِ أو الأسئلةِ التي لا تتعلقُ بالموضوعِ. * ومنها: جوازُ ركوبِ البحرِ إذا لم يكنْ في ذلكَ خطرٌ. * ومنها: أنَّ الناسيَ غيرُ مؤاخَذٍ، لا في حقِّ اللهِ، ولا في حقِّ العبادِ، إلا إنْ ترتَّبَ على ذلكَ إتلافُ مالٍ، ففيهِ الضمانُ حتى على الناسي؛ لقولهِ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]. * ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ أنْ يأخذَ من أخلاقِ الناسِ ومعاملاتِهم العفوَ منها، وما سمحَتْ بهِ أنفسُهم، ولا ينبغِي لهُ أنْ يكلفَهم ما لا يطيقونَ، أو يشقَّ عليهم، أو يرهقَهم؛ فإنَّ هذا داعٍ إلى النفورِ، بلْ يأخذُ المتيسرَ ليتيسرَ لهُ الأمرُ. * ومنها: أنَّ الأمورَ تجرِي على ظاهرِها، وتُعلَّقُ بها الأحكامُ الدنيويةُ في كلِّ شيءٍ، فإنَّ موسى ﵇ أنكَرَ على الخضرِ خرقَ السفينةِ، وقتلَ الغلامِ بحسبِ أحكامِها العامةِ، ولم يلتفِتْ إلى الأصلِ الذي أصَّلاهُ هوَ والخضرُ، أنهُ لا يسألُهُ ولا يعترضُ عليهِ حتى يكونَ الخضرُ هوَ المبتدئُ.

стр. 314

* ومنها: فيه تنبيهٌ على القاعدةِ المشهورةِ الكبيرةِ: وهوَ أنهُ يُدفعُ الشرُّ الكبيرُ بارتكابِ الشرِّ الخفيفِ، ويراعَى أكبرُ المصلحتينِ بتفويتِ أدناهما؛ فإنَّ قتلَ الغلامِ الصغيرِ شرٌّ، ولكنَّ بقاءَهُ حتى يبلغَ ويفتنَ أبويهِ عن دينِهما أعظمُ شرًّا. وبقاءُ الغلامِ من دونِ قتلٍ وإنْ كان في ظاهرِ الحالِ أنهُ خيرٌ، فالخيرُ ببقاءِ أبويهِ على دينِهما خيرٌ من ذلكَ؛ فلذلكَ قتلَهُ الخضرُ بعدما ألهمَهُ اللهُ الحقيقةَ، فكان إلهامهُ الباطنيُّ (١) بمنزلةِ البيناتِ الظاهرةِ في حقِّ غيرهِ. * ومنها: القاعدةُ الكبيرةُ الأخرى، وهيَ: أنَّ عملَ الإنسانِ في مالِ غيرهِ، إذا كان على وجهِ المصلحةِ ودفعِ المضرةِ يجوزُ بلا إذنٍ، حتى ولوْ ترتَّبَ عليهِ إتلافُ بعضِ المالِ، كما خرَقَ الخضرُ السفينةَ لتعيبَ؛ فتسلمُ من غصبِ الملكِ الظالمِ. وتحتَ هاتينِ القاعدتينِ من الفوائدِ ما لا حصرَ لهُ. * ومنها: أنَّ العملَ يجوزُ في البحرِ كما يجوزُ في البرِّ؛ لقولهِ: ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]. * ومنها: أنَّ القتلَ من أكبرِ الذنوبِ. * ومنها: أنَّ العبدَ الصالحَ يحفظهُ اللهُ في نفسهِ، وفي ذريتهِ، وما يتعلقُ بهِ؛ لقولهِ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]، وأن خدمةَ الصالحينَ وعَمَلَ مصالحِهم أفضلُ من غيرِهم؛ لأنه علَّلَ أفعالَهُ بالجدارِ بقولهِ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢].

стр. 315

* ومنها: استعمالُ الأدبِ معَ اللهِ حتى في الألفاظِ؛ فإنَّ الخضرَ أضافَ عيبَ السفينةِ إلى نفسهِ بقولهِ: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وأما الخيرُ فأضافَهُ إلى اللهِ؛ لقولهِ: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، وقالَ إبراهيمُ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، وقالتِ الجنُّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، معَ أنَّ الكلَّ بقضاءِ اللهِ وقدرهِ. * ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ ألَّا يفارقَ صاحبَهُ في حالةٍ من الأحوالِ ويتركَ صحبتَهُ، بلْ يَفِي لهُ بذلكَ حتى لا يجدَ للصبرِ محلًّا، وأنَّ موافقةَ الصاحبِ لصاحبهِ في غيرِ الأمورِ المحذورةِ مدعاةٌ وسببٌ لبقاءِ الصحبةِ وتأكدِها، كما أنَّ عدمَ الموافقةِ سببٌ لقطعِ المرافقةِ.

стр. 316

قصة ذي القرنين وكان ذو القرنينِ ملكًا صالحًا، وقدْ أعطاهُ اللهُ من القوةِ أسبابَ (١) الملكِ والفتوحِ ما لم يكنْ لغيرهِ. فذكَرَ اللهُ من حسنِ سيرتهِ ورحمتهِ، وقوةِ ملكهِ، وتوسعهِ في المشارقِ والمغاربِ؛ ما يحصلُ بهِ المقصودُ التامُّ من سيرتهِ ومعرفةِ أحوالهِ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ [الكهف: ٨٣] أي: من بعضِ أخبارهِ. ومن المعلوم أنَّ ما قصَّهُ اللهُ في كتابهِ هوَ أحسنُ وأنفعُ ما يُقَصُّ على العبادِ، فأخبرَ أنهُ أعطاهُ من كلِّ شيءٍ سببًا يحصلُ بهِ قوةُ الملكِ، وعلمُ السياسةِ، وحسنُ التدبيرِ، والسلاحُ المخضعُ للأممِ، وكثرةُ الجنودِ، وتسهيلُ المواصلاتِ، وجميعُ ما يحتاجهُ؛ ومعَ ذلكَ فقدْ عَمِلَ بالأسبابِ التي أُعطيَها، فما كلُّ أحدٍ يُعطَى الأسبابَ النافعةَ، ولا كلُّ مَنْ أُعطيَها يتَّبعُها ويعملُ بها. أمَّا ذو القرنينِ فإنهُ تمَّ لهُ الأمرانِ: أُعطِيَ سببًا، فأتْبَعَ سببًا، فغزا بجيوشهِ الجرارةِ أدنى أفريقيةَ وأقصاها، حتى بلغَ البحرَ المحيطَ الغربيَّ، فوصلَ إلى محلٍّ إذا غربتِ الشمسُ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي: رآها في رؤيةِ العينِ كأنها تغربُ في البحرِ، والبحرُ لونهُ أسودُ كالحَمِئَةِ (٢)، والقصدُ: أنهُ وصلَ إلى حيثُ منتهى الخفِّ والحافرِ من بلادِ أفريقيةَ.

стр. 317

ووجَدَ في ذلكَ المحلِّ وتلكَ الأقطارِ قومًا منهم المسلمُ والكافرُ، والبرُّ والفاجرُ؛ بدليلِ قولهِ: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦]: • إما أنَّ القائلَ لهُ نبيٌّ من أنبياءِ اللهِ أو أحدُ العلماءِ. • أو أنَّ المعنى: أنهُ بسببِ قدرتهِ كان مخيَّرًا قدرًا. وإلَّا فمنْ المعلومِ أنَّ الشرعَ لا يسوِّي بينَ الأمرينِ المتفاوتينِ في الإحسانِ والإساءةِ. فقال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨] وهذا يدلُّ على عدلهِ، وأنهُ ملكٌ صالحٌ، وعلى حسنِ تدبيرهِ. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ [الكهف: ٨٩] أي: ثم عَمِلَ بالأسبابِ التي أُوتيَها، بعدَما أخضعَ أهلَ المغاربِ رجعَ يفتحُ الأرضَ قطرًا قطرًا، حتى وصلَ إلى مطلعِ الشمسِ من بلادِ الصينِ وشواطئِ البحرِ المحيطِ الهادِي، وهذا منتهى ما وصلَ إليهِ الفاتحونَ. ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] أي: لا سترَ لهم عن الشمسِ، لا ثيابَ ينسجونَها ويلبسونَها، ولا بيوتَ يبنونَها ويأوونَ إليها، أي: وجدَ هؤلاءِ القومَ الذينَ في أقصى المشرقِ بهذهِ الصفةِ والوحشيةِ، بمنزلةِ الوحوشِ التي تأوِي إلى الغياضِ والغِيرانِ والأسرابِ (١) منقطعينَ عن الناسِ، وكانوا في ذلكَ الوقتِ على هذهِ الحالةِ التي وصفَ اللهُ، والمقصودُ من هذا: أنهُ وصَلَ إلى ما لم يصِلْ إليهِ أحدٌ.

стр. 318

ثم كرَّ راجعًا وأَتْبَعَ سببًا يمكِّنهُ من [سلوكِ] (١) مناهِجِ (٢) البلادِ وتخضيعِ العبادِ، قاصدًا نحوَ الشمالِ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] أي: بلَغَ محلًّا متوسطًا بينَ السدَّينِ الموجودينِ منذُ خلقَ اللهُ الأرضَ، وهما سلاسلُ جبالٍ عظيمةٍ شاهقةٍ متواصلةٍ من تلكَ الفجوةِ، وهيَ الريعُ إلى البحارِ الشرقيةِ والغربيةِ، وهيَ في بلادِ التركِ، على هذا اتفقَ المفسرونَ والمؤرخونَ. وإنما اختلفُوا: هلْ هيَ سلاسلُ جبالِ القَفْقَاسِ، أم دون ذلكَ في أذربيجانَ، أم سلاسلُ جبالِ أَلْتاي، أم الجبالُ المتصلةُ بالسورِ الصينيِّ في بلادِ منغوليا وهوَ الظاهرُ. وعلى الأقوالِ كلِّها فوجَدَ عندَ تلكَ الفجوةِ التي بينَ سلاسلِ هذهِ الجبالِ ﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣]؛ مِنْ بُعْدِ لغتِهم، وثِقَلِ فهمِهم لِلُغاتِ الأممِ، فقالُوا: ﴿يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] وهم أممٌ عظيمةٌ من نسلِ يافِثَ بنِ نوحٍ من العناصرِ التركيةِ وغيرِهم، كما هوَ مذكورٌ مفصلٌ من أحوالِهم ومشروحٌ من صفاتِهم. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ من القوةِ والأسبابِ والاقتدارِ، ﴿خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: أنَّ هذا بناءٌ عظيمٌ يحتاجُ في الإعانةِ عليهِ إلى مساعدةٍ قويةٍ في الأبدانِ، ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ ولم يقُلْ: (سدًّا)؛ لأنَّ الذي بُنِيَ فقطْ هوَ تلكَ الثنيةُ والرِّيْعُ الواقعُ بينَ السدَّينِ الطبيعيَينِ، أي: بينَ سلاسلِ تلكَ الجبالِ.

стр. 319

فدبَّرَهم على كيفيةِ آلاتهِ وبنيانهِ فقالَ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي: اجمعُوا لي جميعَ قطعِ الحديدِ الموجودةِ، من صغارٍ وكبارٍ، ولا تدعُوا من الموجودِ شيئًا، واركمُوهُ بينَ السدَّينِ، ففعلوا ذلكَ حتى كان الحديدُ تلولًا عظيمةً موازنةً للجبالِ؛ ولهذا قالَ: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي: الجبلَينِ المكتنفَينِ لذلك الردمِ. ﴿قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي: أَمَرَ بالنحاسِ، فأذيبَ بالنيرانِ، وجعلَ يسيلُ بينَ قطعِ الحديدِ، فالتحمَ بعضُها ببعضٍ، وصارَتْ جبلًا هائلًا متصلًا بالسدَّينِ؛ فحصلَ بذلكَ المقصودُ مِنْ عَيْثِ يأجوجَ ومأجوجَ؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يصعدُوا ذلك الردمَ، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: ربي الذي وفَّقني لهذا العملِ الجليلِ، والأثرِ الجميلِ، فرَحِمَكم إذْ منعَكم من ضررِ يأجوجَ ومأجوجَ بهذا السببِ الذي لا قدرةَ لكم عليهِ. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: هذا العملُ والحيلولةُ بينَكم وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ مؤقتٌ إلى أجلٍ، فإذا جاءَ ذلكَ الأجلُ قدَّرَ اللهُ للخلقِ من أسبابِ القوةِ والقدرةِ والصناعاتِ والاختراعاتِ الهائلةِ ما يمكِّنُ يأجوجَ ومأجوجَ من وطءِ بلادِكم أيها المُجاوِرونَ، بلْ ومِن وطءِ مشارقِ الأرضِ ومغاربِها وأقطارِها، كما قالَ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] أي: مِنْ كلِّ مكانٍ مرتفعٍ سواء مثل هذه السدودِ والبحارِ وجوِّ السماءِ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] أي: يسرعونَ فيها، غيرَ مكترثينَ، ولا حاجزَ يحجزُهم، فلفظةُ ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ يشملُ جميعَ المواضعِ والأقطارِ: سهلَها وصعبَها، منخفضَها ومرتفعَها، وإنما نصَّ اللهُ على المرتفعاتِ لأنَّ السهولَ والأماكنَ المنخفضةَ من بابِ أولى وأحرى.

стр. 320

وقدْ ورَدَ في صفاتِهم أحاديثُ في الصحيحينِ تؤيدُ ما في هذهِ الآياتِ من صفاتِهم، وأورَدَ أصحابُ السيرِ والتواريخِ الأُوَلُ من صفاتِهم وهيئاتِهم آثارًا لا خطامَ لها ولا زمامَ، شوَّشَتْ أفكارَ أكثرِ الناسِ، ومنعَتْهم من الاستدلالِ بالآياتِ القرآنيةِ، والأحاديثِ الصحيحةِ النبويةِ، وتطبيقِها على الواقعِ، فعليكَ بلزومِ ما دلَّ عليهِ الكتابُ والسنةُ (١)، ودَعْ ما سِوَى ذلكَ؛ فإنَّ فيه الهدَى والرشدَ والنورَ.
следующие страницы →