← Тафсир

Тафсир · id 1461

تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - ت المزيد

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (426 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قصة ذي القرنين وكان ذو القرنينِ ملكًا صالحًا، وقدْ أعطاهُ اللهُ من القوةِ أسبابَ (١) الملكِ والفتوحِ ما لم يكنْ لغيرهِ. فذكَرَ اللهُ من حسنِ سيرتهِ ورحمتهِ، وقوةِ ملكهِ، وتوسعهِ في المشارقِ والمغاربِ؛ ما يحصلُ بهِ المقصودُ التامُّ من سيرتهِ ومعرفةِ أحوالهِ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ [الكهف: ٨٣] أي: من بعضِ أخبارهِ. ومن المعلوم أنَّ ما قصَّهُ اللهُ في كتابهِ هوَ أحسنُ وأنفعُ ما يُقَصُّ على العبادِ، فأخبرَ أنهُ أعطاهُ من كلِّ شيءٍ سببًا يحصلُ بهِ قوةُ الملكِ، وعلمُ السياسةِ، وحسنُ التدبيرِ، والسلاحُ المخضعُ للأممِ، وكثرةُ الجنودِ، وتسهيلُ المواصلاتِ، وجميعُ ما يحتاجهُ؛ ومعَ ذلكَ فقدْ عَمِلَ بالأسبابِ التي أُعطيَها، فما كلُّ أحدٍ يُعطَى الأسبابَ النافعةَ، ولا كلُّ مَنْ أُعطيَها يتَّبعُها ويعملُ بها. أمَّا ذو القرنينِ فإنهُ تمَّ لهُ الأمرانِ: أُعطِيَ سببًا، فأتْبَعَ سببًا، فغزا بجيوشهِ الجرارةِ أدنى أفريقيةَ وأقصاها، حتى بلغَ البحرَ المحيطَ الغربيَّ، فوصلَ إلى محلٍّ إذا غربتِ الشمسُ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي: رآها في رؤيةِ العينِ كأنها تغربُ في البحرِ، والبحرُ لونهُ أسودُ كالحَمِئَةِ (٢)، والقصدُ: أنهُ وصلَ إلى حيثُ منتهى الخفِّ والحافرِ من بلادِ أفريقيةَ.

стр. 317

ووجَدَ في ذلكَ المحلِّ وتلكَ الأقطارِ قومًا منهم المسلمُ والكافرُ، والبرُّ والفاجرُ؛ بدليلِ قولهِ: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦]: • إما أنَّ القائلَ لهُ نبيٌّ من أنبياءِ اللهِ أو أحدُ العلماءِ. • أو أنَّ المعنى: أنهُ بسببِ قدرتهِ كان مخيَّرًا قدرًا. وإلَّا فمنْ المعلومِ أنَّ الشرعَ لا يسوِّي بينَ الأمرينِ المتفاوتينِ في الإحسانِ والإساءةِ. فقال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨] وهذا يدلُّ على عدلهِ، وأنهُ ملكٌ صالحٌ، وعلى حسنِ تدبيرهِ. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ [الكهف: ٨٩] أي: ثم عَمِلَ بالأسبابِ التي أُوتيَها، بعدَما أخضعَ أهلَ المغاربِ رجعَ يفتحُ الأرضَ قطرًا قطرًا، حتى وصلَ إلى مطلعِ الشمسِ من بلادِ الصينِ وشواطئِ البحرِ المحيطِ الهادِي، وهذا منتهى ما وصلَ إليهِ الفاتحونَ. ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] أي: لا سترَ لهم عن الشمسِ، لا ثيابَ ينسجونَها ويلبسونَها، ولا بيوتَ يبنونَها ويأوونَ إليها، أي: وجدَ هؤلاءِ القومَ الذينَ في أقصى المشرقِ بهذهِ الصفةِ والوحشيةِ، بمنزلةِ الوحوشِ التي تأوِي إلى الغياضِ والغِيرانِ والأسرابِ (١) منقطعينَ عن الناسِ، وكانوا في ذلكَ الوقتِ على هذهِ الحالةِ التي وصفَ اللهُ، والمقصودُ من هذا: أنهُ وصَلَ إلى ما لم يصِلْ إليهِ أحدٌ.

стр. 318

ثم كرَّ راجعًا وأَتْبَعَ سببًا يمكِّنهُ من [سلوكِ] (١) مناهِجِ (٢) البلادِ وتخضيعِ العبادِ، قاصدًا نحوَ الشمالِ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] أي: بلَغَ محلًّا متوسطًا بينَ السدَّينِ الموجودينِ منذُ خلقَ اللهُ الأرضَ، وهما سلاسلُ جبالٍ عظيمةٍ شاهقةٍ متواصلةٍ من تلكَ الفجوةِ، وهيَ الريعُ إلى البحارِ الشرقيةِ والغربيةِ، وهيَ في بلادِ التركِ، على هذا اتفقَ المفسرونَ والمؤرخونَ. وإنما اختلفُوا: هلْ هيَ سلاسلُ جبالِ القَفْقَاسِ، أم دون ذلكَ في أذربيجانَ، أم سلاسلُ جبالِ أَلْتاي، أم الجبالُ المتصلةُ بالسورِ الصينيِّ في بلادِ منغوليا وهوَ الظاهرُ. وعلى الأقوالِ كلِّها فوجَدَ عندَ تلكَ الفجوةِ التي بينَ سلاسلِ هذهِ الجبالِ ﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣]؛ مِنْ بُعْدِ لغتِهم، وثِقَلِ فهمِهم لِلُغاتِ الأممِ، فقالُوا: ﴿يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] وهم أممٌ عظيمةٌ من نسلِ يافِثَ بنِ نوحٍ من العناصرِ التركيةِ وغيرِهم، كما هوَ مذكورٌ مفصلٌ من أحوالِهم ومشروحٌ من صفاتِهم. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ من القوةِ والأسبابِ والاقتدارِ، ﴿خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: أنَّ هذا بناءٌ عظيمٌ يحتاجُ في الإعانةِ عليهِ إلى مساعدةٍ قويةٍ في الأبدانِ، ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ ولم يقُلْ: (سدًّا)؛ لأنَّ الذي بُنِيَ فقطْ هوَ تلكَ الثنيةُ والرِّيْعُ الواقعُ بينَ السدَّينِ الطبيعيَينِ، أي: بينَ سلاسلِ تلكَ الجبالِ.

стр. 319

فدبَّرَهم على كيفيةِ آلاتهِ وبنيانهِ فقالَ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي: اجمعُوا لي جميعَ قطعِ الحديدِ الموجودةِ، من صغارٍ وكبارٍ، ولا تدعُوا من الموجودِ شيئًا، واركمُوهُ بينَ السدَّينِ، ففعلوا ذلكَ حتى كان الحديدُ تلولًا عظيمةً موازنةً للجبالِ؛ ولهذا قالَ: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي: الجبلَينِ المكتنفَينِ لذلك الردمِ. ﴿قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي: أَمَرَ بالنحاسِ، فأذيبَ بالنيرانِ، وجعلَ يسيلُ بينَ قطعِ الحديدِ، فالتحمَ بعضُها ببعضٍ، وصارَتْ جبلًا هائلًا متصلًا بالسدَّينِ؛ فحصلَ بذلكَ المقصودُ مِنْ عَيْثِ يأجوجَ ومأجوجَ؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يصعدُوا ذلك الردمَ، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: ربي الذي وفَّقني لهذا العملِ الجليلِ، والأثرِ الجميلِ، فرَحِمَكم إذْ منعَكم من ضررِ يأجوجَ ومأجوجَ بهذا السببِ الذي لا قدرةَ لكم عليهِ. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: هذا العملُ والحيلولةُ بينَكم وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ مؤقتٌ إلى أجلٍ، فإذا جاءَ ذلكَ الأجلُ قدَّرَ اللهُ للخلقِ من أسبابِ القوةِ والقدرةِ والصناعاتِ والاختراعاتِ الهائلةِ ما يمكِّنُ يأجوجَ ومأجوجَ من وطءِ بلادِكم أيها المُجاوِرونَ، بلْ ومِن وطءِ مشارقِ الأرضِ ومغاربِها وأقطارِها، كما قالَ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] أي: مِنْ كلِّ مكانٍ مرتفعٍ سواء مثل هذه السدودِ والبحارِ وجوِّ السماءِ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] أي: يسرعونَ فيها، غيرَ مكترثينَ، ولا حاجزَ يحجزُهم، فلفظةُ ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ يشملُ جميعَ المواضعِ والأقطارِ: سهلَها وصعبَها، منخفضَها ومرتفعَها، وإنما نصَّ اللهُ على المرتفعاتِ لأنَّ السهولَ والأماكنَ المنخفضةَ من بابِ أولى وأحرى.

стр. 320

وقدْ ورَدَ في صفاتِهم أحاديثُ في الصحيحينِ تؤيدُ ما في هذهِ الآياتِ من صفاتِهم، وأورَدَ أصحابُ السيرِ والتواريخِ الأُوَلُ من صفاتِهم وهيئاتِهم آثارًا لا خطامَ لها ولا زمامَ، شوَّشَتْ أفكارَ أكثرِ الناسِ، ومنعَتْهم من الاستدلالِ بالآياتِ القرآنيةِ، والأحاديثِ الصحيحةِ النبويةِ، وتطبيقِها على الواقعِ، فعليكَ بلزومِ ما دلَّ عليهِ الكتابُ والسنةُ (١)، ودَعْ ما سِوَى ذلكَ؛ فإنَّ فيه الهدَى والرشدَ والنورَ.

стр. 321

قصة عيسى وأمه، وزكريا ويحيى ﵈ كانتْ زوجةُ عمرانَ -وهوَ من أكابرِ بني إسرائيلَ ورؤسائِهم (١) وذوي المقاماتِ العاليةِ عندَهم- نذرَتْ حينَ ظهرَ حملُها أنْ تحرِّرَ ما في بطنِها لبيتِ المقدسِ، يكونُ خادمًا لبيتِ اللهِ، مُعَدًّا لعبادةِ اللهِ، ظنًّا أنَّ الذي في بطنها ذكرٌ، فلما وضعَتْها قالتْ معتذرةً إلى اللهِ شاكيةً إليهِ الحالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] أي: أنَّ الذكرَ (٢) الذي لهُ القوةُ والقدرةُ على ما يُرادُ منهُ من القيامِ بخدمةِ بيتِ المقدسِ. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فحصَّنَتْها باللهِ من عدوِّها هيَ وذريتِها، وكان هذا أولَ حفظٍ وحمايةٍ من اللهِ لها؛ ولهذا استجابَ اللهُ لها في هذهِ الدنيا: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي: أنَّ اللهَ جبرَ أمَّها وصارَ لها عندَ ربِّها من القبولِ أعظمُ مما للذكورِ، ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ فجمَعَ اللهُ لها بينَ التربيةِ الجسديةِ والتربيةِ الروحيةِ؛ حيثُ قُدِّرَ أنْ يكونَ كافلُها أعظمَ أنبياءِ بني إسرائيلَ في ذلكَ الوقتِ؛ فإن أمَّها لما جاءَتْ بها لأهلِ بيتِ المقدسِ تنازَعُوا أيُّهم يكفلُها؛ لأنها ابنةُ رئيسِهم، فاقترَعُوا وألقَوا أقلامَهم، فأصابَتِ القرعةُ زكريا؛ رحمةً بهِ وبمريمَ، فكفلَها أحسنَ كفالةٍ، وأعانَهُ [اللهُ] (٣) على كفالتِها بكرامةٍ عظيمةٍ منهُ.

стр. 322

فكانتْ قدْ نشأتْ نشأةَ الصالحاتِ الصديقاتِ، وعكفَتْ على عبادةِ ربِّها، ولزمَتْ محرابَها، فكان زكريا كلَّما دخلَ عليها المحرابَ وجدَ عندها رزقًا، قالَ: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾؛ فإنهُ ليسَ لها كافلٌ غيرَ زكريا، ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: رزقُهُ تعالى يأتي بطرقٍ معهودةٍ، وبطرقٍ أخرى، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ. فحينَ رأى هذهِ الحالةَ ذكَّرَهُ ذلكَ لطفَ ربهِ، ورَجَّاهُ إلى رحمتهِ، فدعا اللهَ أنْ يهبَ لهُ ولدًا يرثُهُ علمَهُ ونبوتَهُ، ويقومُ بعدَهُ في بني إسرائيلَ في تعليمِهم وهدايتِهم. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى ﵇، ﴿وَسَيِّدًا﴾ أي: عظيمًا عندَ اللهِ، وعندَ الخلقِ؛ لما جبلَهُ اللهُ عليهِ من الأخلاقِ الحميدةِ، والعلومِ العظيمةِ، والأعمالِ الصالحةِ، ﴿وَحَصُورًا﴾ أي: ممنوعًا بعصمةِ اللهِ وحفظهِ، ووقايتهِ من مواقعةِ المعاصِي؛ فوصفَهُ اللهُ بالتوفيقِ لجميعِ الخيراتِ، والحمايةِ من السيئاتِ والزلاتِ؛ وهذا غايةُ كمالِ العبدِ. فتعجَّبَ زكريا من ذلكَ، وقالَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٨ - ٩] وهذا أعجبُ من حملِها وهيَ عاقرٌ على كبرِكَ. فمن فرحهِ ورغبتهِ العظيمةِ في طمأنينةِ قلبهِ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ تدلُّني على وجودِ الولدِ، ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وهذهِ آيةٌ كبرى: يُمنعُ من الكلامِ الذي هوَ أسهلُ ما يقدرُ عليهِ الإنسانُ، وهوَ سويٌّ، فلا يقدرُ أنْ يكلمَ أحدًا إلا بالإشارةِ، ومعَ ذلكَ لسانهُ منطلقٌ بذكرِ اللهِ وتسبيحهِ وتحميدهِ، فحينئذٍ تمَّتْ لهُ البشارةُ من اللهِ، وعرَفَ أنهُ لابدَّ أنْ يكونَ.

стр. 323

فولدَتْ زوجتهُ يحيى، وأنشأَهُ اللهُ نشأةً عجيبةً، فتعلَّمَ وهوَ صغيرٌ، ومهرَ في العلمِ وهوَ صغيرٌ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] حتى قيلَ: إنَّ اللهَ أيضًا نبَّأَهُ وهو صغيرٌ، وكما أعطاهُ اللهُ العلمَ العظيمَ فقد مَنَّ عليه بأكملِ الصفاتِ فقالَ: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: ١٣ - ١٥]، ومضمونُ هذا: • وصفُهُ بالقيامِ بحقوقِ اللهِ. • وحقوقِ والدَيْهِ، وحقوقِ الخلقِ. • وأنَّ اللهَ سيحسنُ لهُ العواقبَ في أحوالهِ كلِّها. وأما مريمُ فإنها ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]، متجردةً لعبادةِ ربِّها، ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]؛ لئلَّا يشغلَها أحدٌ عما هيَ بصددهِ؛ فأرسلَ اللهُ لها الرُّوحَ الأمينَ جبريلَ، في صورةِ بشرٍ سويٍّ من أكملِ الرجال وأجملِهم، فظنَّتْ أنهُ يريدُها بسوءٍ، فقالتْ: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] فتوسَّلَتْ باللهِ في حفظِها وحمايتِها، وذكَّرَتْهُ وجوبَ التقوى على كلِّ مسلمٍ يخشى اللهَ، فكان هذا الورعُ العظيمُ منها في هذهِ الحالةِ التي يخشَى منها الوقوعُ في الفتنةِ، ورفَعَ اللهُ بذلكَ مقامَها، ونعتَها بالعفةِ الكاملةِ، وأنها أحصنَتْ فرجَها. فقالَ لها جبريلُ: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: ١٩ - ٢١] بهِ وبكِ وبالناسِ، ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ فلا تعجبِي مما قدَّرَهُ [اللهُ] (١) وقضاهُ.

стр. 324

﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ﴾ أي: ابتعَدَتْ ﴿بِهِ﴾ عن الناسِ، ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ خشيةَ الاتهامِ والأذيةِ منهم، ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ أي: أَلْجَأها، ﴿الْمَخَاضُ﴾ أي: الطَلْقُ، ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم: ٢٢ - ٢٣]؛ لما تعرفهُ مما هيَ متعرضةٌ لهُ من الناسِ، وأنهم لا يصدقونَها، ولم تدرِ ما اللهُ صانعٌ لها. ﴿فَنَادَاهَا﴾ الملَكُ ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ وكانتْ في مكانٍ مرتفعٍ، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ [المؤمنون: ٥٠]، ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ أي: نهرًا جاريًا، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ من دونِ أنْ تحوجَكِ إلى صعودٍ، ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ أي: طريًّا ناضجًا، ﴿فَكُلِي﴾ من الرطبِ، ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السريِّ، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بولادةِ عيسى، وليذهَبْ روعُكِ وخوفُكِ. ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: سكوتًا، وكان معهودًا عندَهم أنهم يتعبدونَ بالصمتِ في جميعِ النهارِ؛ ولهذا فسَّرَهُ بقولهِ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، فاطمأنَّ قلبُها، وزالَ عنها ما كانتْ تجدُ. ثم لما تعالَتْ من نفاسِها، وأصلحَتْ شأنَها، وقويَتْ بعدَ الولادةِ: ﴿أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] علنًا غيرَ هائبةٍ ولا مباليةٍ، فلما رآهُ قومُها، وقدْ علمُوا أنهُ لا زوجَ لها؛ جزمُوا أنهُ من وجهٍ آخرَ؛ فقالُوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ كما أُمِرَتْ بذلكَ، فقالوا منكرينَ عليها مقالتَها لهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، فقال وهو في تلك الحالِ له أيامٌ يسيرةٌ بعدَ ولادتهِ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣].

стр. 325

فكان هذا الكلامُ منهُ في هذهِ الحالِ من آياتِ اللهِ، وأدلةِ رسالتهِ، وأنهُ عبدُ اللهِ، لا كما يزعمهُ النصارى، وحصلَ لأمهِ البراءةُ العظيمةُ مما يُظنُّ بها من السوءِ، لأنها لوْ أتَتْ بألفِ شاهدٍ على البراءةِ وهيَ على هذهِ الحالِ؛ ما صدقها الناسُ، ولكنَّ هذا الكلامَ من عيسى وهوَ في المهدِ جلَّى كلَّ ريبٍ يقعُ في القلوبِ. فانقسمَ الناسُ فيه بعدَ هذا ثلاثةَ أقسامٍ: • قسم آمنُوا بهِ وصدَّقُوهُ في كلامهِ هذا، وفي الانقيادِ لهُ بعدَ النبوةِ، وهم المؤمنونَ حقيقةً. • وقسم غلَوا فيه وهم النصارى، فقالوا فيه المقالاتِ المعروفةَ، ونزَّلُوهُ منزلةَ الربِّ، تعالَى اللهُ عن قولِهم علوًّا كبيرًا! • وقسم كفرُوا بهِ وجفَوهُ، وهم اليهودُ، ورمَوا أمَّهُ بما برَّأَها اللهُ منهُ. ولهذا قالَ تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ [مريم: ٣٧]. ولما أرسلَهُ اللهُ إلى بني إسرائيلَ آمنَ بهِ مَنْ آمنَ، وكفَرَ بهِ مَنْ كفَرَ، وجعَلَ يُرِيهم الآياتِ والعجائبَ، فكان يُصوِّرُ الطينَ فينفخُ فيه فيكونُ طيرًا بإذنِ اللهِ، ويبرئُ الأكمهَ والأبرصَ، ويحيي الموتى بإذنِ اللهِ، وينبِّئُهم عن كثيرٍ مما يأكلونَ، ويدخرونَ في بيوتِهم. ومعَ ذلكَ فتكالبَتْ عليهِ أعداؤُهُ، وأرادُوا قتلَهُ، فألقى اللهُ شبهَهُ على واحدٍ من الحواريينَ أصحابهِ أو من غيرِهم، ورفعَهُ اللهُ إليهِ، وطهَّرَهُ من قتلِهم، فأخذُوا شبيهَهُ فقتلُوهُ وصلَبُوهُ، وباؤُوا بالإثمِ العظيمِ والجرمِ الجسيمِ، وصدَّقَهم النصارى أنهم قتلُوهُ وصلَبُوهُ، ونزَّهَهُ اللهُ من هذهِ الحالةِ فقالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].

стр. 326

وقد قامَ عيسى في بني إسرائيلَ فبشَّرَ وأعلَنَ برسالةِ محمدٍ ﷺ ، فلما جاءَهم محمدٌ الذي يعرفونَه كما يعرفونَ أبناءَهم قالُوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦]، كما قالُوا في عيسى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠]. * وفي هذهِ القصةِ من الفوائدِ أمورٌ: * منها: أنَّ النذرَ ما زالَ مشروعًا في الأممِ السابقةِ، والنبيُّ ﷺ قالَ فيه كلمةً جامعةً للصحيحِ النافذِ منهُ وللباطلِ فقالَ: «مَنْ نَذَرَ أنْ يطيعَ اللهَ فليطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يعصيَ اللهَ فلا يعصِهْ» (١). * ومنها: أنَّ مِنْ نعمةِ اللهِ على العبدِ أنْ يكونَ في كفالةِ الصالحينَ الأخيارِ؛ فإنَّ المربِّيَ والكافلَ لهُ الأثرُ الأعظمُ في حياةِ المكفولِ وأخلاقهِ وآدابهِ؛ ولهذا أمَرَ اللهُ المربِّينَ بالتربيةِ الطيبةِ المشتملةِ على الحثِّ على الأخلاقِ الجميلةِ، والترهيبِ من مساوئِ الأخلاقِ. * ومنها: إثباتُ كراماتِ الأولياءِ؛ فإن اللهَ كرَّمَ (٢) مريمَ بأمورٍ: • يسَّرَ لها أنْ تكونَ في كفالةِ زكريا بعدَما حصلَ الخصامُ في شأنِها. • وأكرمَها بأنْ كان رزقُها يأتِيها من اللهِ بلا سببٍ. • وأكرمَها بوجودِ عيسى، وولادتِها إياهُ. • وبخطابِ الملَكِ لها بما يطمِّنُ قلبَها.

стр. 327

• ثم بكلامهِ في المهدِ، فهذهِ الأخيرةُ جمعَتْ كرامةَ وليٍّ ومعجزةَ نبيٍّ. * ومنها: الآياتُ العظيمةُ التي أجراها اللهُ على يدِ عيسى بنِ مريمَ: من إحياءِ الموتى، وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ ونحوِهما. * ومنها: ما أكرَمَ اللهُ بهِ عيسى بأنْ جعَلَ لهُ حواريينَ وأنصارًا في حياتهِ وبعدَ مماتهِ، في بثِّ دعوتهِ والنصرِ لدينهِ؛ ولذلكَ كثُرَ تابعوهُ، ولكنْ منهم المستقيمُ، وهوَ الذي آمنَ بهِ حقيقةً، وآمنَ بجميعِ الرسلِ، ومنهم المنحرفُ، وهم الذينَ غلَوا فيه، وهم جمهورُ مَنْ يدَّعِي أنهُ من أتباعهِ، وهم أبعدُ الناسِ عنهُ. * ومنها: أنَّ اللهَ أثنَى على مريمَ بالكمالِ بالصديقيةِ، وأنها ﴿صَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢]، وهذا وصفٌ لها بالعلمِ الراسخِ، والعبادةِ الدائمةِ، والخشوعِ للهِ، وأنهُ اصطفاها وفضَّلَها على نساءِ العالمينَ. * ومنها: أنَّ إخبارَ النبيِّ ﷺ بهذهِ القصةِ وغيرِها مفصلةً مطابقةً للحقيقةِ؛ من أدلةِ رسالتهِ وآياتِ نبوتهِ؛ لقولهِ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] الآية.

стр. 328

قصة يوسف ويعقوب عليهما الصلاة والسلام هذهِ القصةُ من أعجبِ القصصِ، وذكرَها اللهُ جميعًا، وأفردَها بسورةٍ مطولةٍ مفصلةٍ تفصيلًا واضحًا، قراءتُها تُغني عن التفسيرِ، فإنَّ اللهَ ساقَ فيها حالةَ يوسفَ من ابتداءِ أمرهِ إلى آخرهِ، وما بينَ ذلكَ من التنقلاتِ واختلافِ الأحوالِ، وقالَ فيها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧]، فلنذكُرْ ما يُستنبطُ من هذهِ القصةِ العظيمةِ من الفوائدِ، فنقولُ مستعينينَ باللهِ: * ذكرُ ما فيها مِنْ الفوائدِ: * منها: أنَّ هذهِ القصةَ من أحسنِ القصصِ وأوضحِها؛ لما فيها من أنواعِ التنقلاتِ من حالٍ إلى حالٍ: • من محنةٍ إلى محنةٍ. • ومن محنةٍ إلى منحةٍ ومنَّةٍ. • ومن ذلٍّ إلى عزٍّ. • ومن أمنٍ إلى خوفٍ، وبالعكسِ. • ومن مُلكٍ إلى رِقٍّ، وبالعكسِ. • ومن فرقةٍ وشتاتٍ إلى انضمامٍ وائتلافٍ، وبالعكسِ. • ومن سرورٍ إلى حزنٍ، وبالعكسِ.

стр. 329

• ومن رخاءٍ إلى جَدْبٍ، وبالعكسِ. • ومن ضيقٍ إلى سعةٍ، وبالعكسِ. • ومن وصولٍ إلى عواقبَ حميدةٍ. فتبارَكَ مَنْ قصَّها وجعلَها عبرةً لأولي الألبابِ! * ومنها: ما فيها من أصولِ تعبيرِ الرؤيا المناسبةِ، وأنَّ علمَ التعبيرِ علمٌ مهمٌّ يعطِيهُ اللهُ مَنْ يشاءُ من عبادهِ، وأنَّ أغلبَ ما تُبنَى عليهِ: المناسباتُ، وضربُ الأمثالِ، والمشابهةُ في الصفاتِ. • فوجهُ مناسبةِ رؤيا يوسفَ أنهُ رأى الشمسَ والقمرَ والكواكبَ الأحدَ عشرَ ساجدينَ لهُ، أنَّ هذهِ زينةٌ للسماءِ، وفيها منافعُها، فكذلكَ الأنبياءُ والعلماءُ والأصفياءُ زينةُ الأرضِ، وبهم يُهتدَى في الظلماتِ كما يُهتدَى بالأنوارِ السماويةِ، ولأنَّ أباهُ وأمَّهُ أصلٌ، وإخوتهُ فرعٌ عنهما، فمن المناسبِ أنْ يكونَ الأصلُ أعظمَ نورًا وجُرمًا من الفرعِ؛ فلذلكَ كانتِ الشمسَ أمُّهُ أو أبوهُ، والقمرَ الآخرُ منهما، والكواكبَ إخوتُهُ، ومن المناسبِ أنَّ الساجدَ محترِمٌ لمن سجَدَ لهُ، والمسجود لهُ معظَّمٌ محترَمٌ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ يوسفَ يصيرُ معظمًا محترمًا [عندَ أبويهِ] (١) وإخوتهِ، ولا يتمُّ هذا إلا بمقدماتٍ تقتضِي الوصولَ إلى هذا: من علومٍ وأعمالٍ واجتباءٍ من اللهِ؛ فلهذا قالَ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦] الآية. • ومنها: المناسبةُ في رؤيا الفتيَينِ، حيثُ عبَّرَ رؤيا مَنْ رأى أنهُ يعصرُ خمرًا، أنَّ الذي يعملُ هذا العملَ يكونُ في العادةِ خادمًا لغيرهِ، وأيضًا العصرُ مقصودٌ لغيرهِ، والخادمُ تابعٌ لغيرهِ، ويؤولُ أيضًا إلى السقيِ الذي هوَ خدمتُهُ؛ فلذلكَ أوَّلَهُ بما يؤولُ إليهِ.

стр. 330

• وأما تعبيرهُ لرؤيا مَنْ رأى أنهُ يحملُ فوقَ رأسهِ خبزًا تأكلُ الطيرُ منهُ: بأنهُ يُقتَلُ ويُصلَبُ مدةً حتى تأكلَ الطيرُ من مخِّ رأسهِ الذي هوَ يَحمِلُ. • وعبَّرَ رؤيا المَلكِ بالبقراتِ والسنبلاتِ: بأنها السنينُ المُخْصِبةُ والمُجْدِبةُ، ووجهُ المناسبةِ أنَّ المَلكَ بهِ ترتبطُ أمورُ الرعيةِ ومصالحُها، وبصلاحهِ تصلحُ، وبفسادهِ تفسدُ، فهذهِ نسبتهُ إذْ رأى هوَ الرؤيا، وكذلكَ السنونَ بخصبِها وجدبِها تنتظمُ أمورُ المعاشِ أو تختلُّ، والبقرُ هيَ آلةُ حرثِ الأرضِ واستخراجِ مَغَلِّها، والمَغَلُّ هوَ الزرعُ، فرأى السببَ والمسبَّبَ. فرؤيتهُ السبعَ السمانَ من البقرِ، ثم السبعَ العجافَ، والسبعَ السنبلاتِ الخضرَ، ثم السبعَ اليابساتِ، أي: لابدَّ أنْ تتقدمَ السبعُ السنينُ المخصباتُ، ثم تتلُوها المجدباتُ، وتأكلُ ما حصَلَ فيها من غلالٍ، ولا تبقِي إلا شيئًا يحصنونَهُ عنها، وإلا فهيَ بصددِ أكلِها كلِّها. فإنْ قيلَ: من أينَ أخذَ قولَهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩]؟ فإنَّ بعضَ المفسرينَ قالَ: هذهِ زيادةٌ من يوسفَ في التعبيرِ بوحيٍ أُوحيَ إليهِ. فالجوابُ: ليسَ الأمرُ كذلكَ، وإنما أخذَها من رؤيا المَلكِ، فإنَّ السنينَ المجدبةَ سبعٌ فقطْ، فدلَّ على أنهُ سيأتي بعدَها عامٌ عظيمُ الخصبِ، كثيرُ البركاتِ، يزيلُ الجدبَ العظيمَ الحاصلَ من السنينَ [السبعِ] (١) المجدبةِ الذي لا يزيلُها عامٌ خصبٌ عاديٌّ، بلْ لابدَّ فيه من خصبٍ خلافِ العادةِ، وهذا واضحٌ وهوَ من مفهومِ العددِ.

стр. 331

* ومنها: ما فيها من الأدلةِ والبراهينِ على نبوةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، حيثُ قصَّ عليهِ هذهِ القصةَ المفصلةَ المبسوطةَ، الموافقةَ للواقعِ، التي أتَتْ بالمقصودِ كلِّهِ، وهوَ لم يقرَأْ كتبَ الأولينَ، ولا دارسَ أحدًا كما هوَ معلومٌ لقومهِ، وهوَ بنفسهِ أميٌّ لا يقرأُ ولا يكتبُ؛ ولهذا قالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ [يوسف: ١٠٢]. * ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ البعدُ عن أسبابِ الشرِّ، وكتمانُ ما تُخشَى مضرتُهُ؛ لقولِ يعقوبَ ليوسفَ: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]. * ومنها: ذِكْرُ الإنسانِ بما يكرَهُ على وجهِ الصدقِ والنصيحةِ لهُ أو لغيرهِ؛ لقولهِ: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]. * ومنها: أنَّ نعمةَ اللهِ على العبدِ نعمةٌ على مَنْ يتعلَّقُ بهِ ويتصلُ: من أهلِ بيتهِ، وأقاربهِ، وأصحابهِ؛ فإنهُ لابدَّ أنْ يصلَهم ويشملَهم منها جانبٌ؛ لقولهِ: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦] أي: بما يحصلُ لكَ؛ ولهذا لما تمَّتِ النعمةُ على يوسفَ حصَلَ لآلِ يعقوبَ من العزِّ والتمكينِ والسرورِ، وزوالِ المكروهِ، وحصولِ المحبوبِ؛ ما ذَكَرَ اللهُ في آخرِ القصةِ. * ومنها: أنَّ النعمَ الكبيرةَ الدينيةَ والدنيويةَ لابدَّ أنْ يتقدمَها أسبابٌ ووسائلُ إليها؛ لأنَّ اللهَ حكيمٌ، ولهُ سننٌ لا تتغيرُ، قضَى بأنَّ المطالبَ العاليةَ لا تُنالُ إلا بالأسبابِ النافعةِ، خصوصًا العلومَ النافعةَ، وما يتفرَّعُ عنها من الأخلاقِ والأعمالِ؛ فلهذا عرَفَ يعقوبُ أنَّ وصولَ يوسفَ إلى تلكَ الحالةِ التي يخضعُ لهُ فيها أبوهُ وأمُّهُ وإخوتهُ؛ مقامٌ عظيمٌ، ومرتبةٌ عاليةٌ، وأنهُ لابدَّ أنْ ييسرَ اللهُ ليوسفَ من الوسائلِ ما يوصلهُ إليها؛ ولهذا قالَ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٦] الآية.

стр. 332

* ومنها: أنَّ العدلَ مطلوبٌ في جميعِ الأمورِ: الصغارِ والكبارِ، في معاملةِ السلطانِ لرعيتهِ، ومعاملةِ الوالدَينِ للأولادِ، والقيامِ بحقوقِ الزوجاتِ وغيرِ ذلكَ، في المحبةِ والإيثارِ ونحوِها؛ وأنَّ القيامَ بالعدلِ في ذلكَ تستقيمُ الأمورُ صغارُها وكبارُها بهِ، ويحصلُ للعبدِ ما أحبَّ، وفي الإخلالِ بذلكَ تفسدُ الأحوالُ، ويحصلُ للعبدِ المكروهُ من حيثُ لا يشعرُ؛ لهذا لما قدَّمَ يعقوبُ ﵇ يوسفَ في المحبةِ، وجعَلَ وجهَهُ لهُ؛ جرَى منهم على أبِيهم وأخِيهم من المكروهِ ما جرَى. * ومنها: الحذرُ من شؤمِ الذنوبِ، فكم مِنْ ذنبٍ واحدٍ استتبعَ ذنوبًا كثيرةً، وتسلسلَ الشرُّ المؤسسُ على الذنبِ الأولِ! وانظُرْ إلى جرمِ إخوةِ يوسفَ، فإنهم لما أرادُوا التفريقَ بينهُ وبينَ أبيهِ الذي هوَ من أعظمِ الجرائمِ، احتالُوا على ذلكَ بعدةِ حيلٍ، وكذبوا عدةَ مراتٍ، وزورُوا على أبيهم في القميصِ والدمِ الذي فيه، وفي صفةِ حالِهم حينَ أتَوا عشاءً يبكونَ. ولابدَّ أنَّ الكلامَ في هذهِ القضيةِ تسلسلَ وتشعَّبَ، بلْ ربما أنهُ اتصلَ إلى الاجتماعِ بيوسفَ، وكلَّما بُحثَ في هذا الموضوعِ فهوَ بحثُ كذبٍ وزورٍ، معَ استمرارِ أثرِ المصيبةِ على يعقوبَ، بلْ وعلى يوسفَ؛ فليحذَرِ العبدُ من الذنوبِ، خصوصًا الذنوبَ المتسلسلةَ! وضدُّ ذلكَ: بعضُ الطاعاتِ تكونُ طاعةً واحدةً، ولكنْ يتسلسلُ نفعُها وبركتُها حتى تستتبعَ طاعاتٍ من الفاعلِ وغيرهِ، وهذا من أعظمِ آثارِ بركةِ اللهِ للعبدِ في علمهِ وعملهِ. * ومنها: أنَّ العبرةَ للعبدِ في حالِ كمالِ النهايةِ، لا بنقصِ البدايةِ؛ فإنَّ أولادَ يعقوبَ ﵈ جرَى منهم ما جرَى في أولِ الأمرِ من الجرائمِ المتنوعةِ،

стр. 333

ثم انتهَى أمرُهم إلى التوبةِ النصوحِ، والاعترافِ التامِّ (١)، والعفوِ التامِّ عنهم مِنْ يوسفَ ومِن أبِيهم، والدعاءِ لهم بالمغفرةِ والرحمةِ. وإذا سمحَ العبدُ [بحقِّهِ] (٢) فاللهُ أولى بذلكَ وهوَ خيرُ الراحمينَ الغافرينَ؛ ولهذا في أصحِّ الأقوالِ أنَّ اللهَ جعلَهم أنبياءَ؛ لمحوِ ما سبقَ منهم، وكأنهُ ما كان، ولقولهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهم أولادُ يعقوبَ الاثنا عشرَ وذريتُهم، ومما يؤيِّدُ هذا: أنَّ في رؤيا يوسفَ أنهم هم الكواكبُ التي فيها النورُ والهدايةُ، وهيَ من صفاتِ الأنبياءِ، فإنْ لم يكونوا أنبياءَ فإنهم علماءُ عبَّادٌ. * ومنها: ما منَّ اللهُ بهِ على يوسفَ من العلمِ والحلمِ، والأخلاقِ الكاملةِ، والدعوةِ إلى اللهِ وإلى دينهِ، وعفوهِ عن إخوتهِ الخاطئينَ عفوًا بادرَهم بهِ، وتمَّمَ ذلكَ بأنْ أخبرَهم أنهُ لا [تثريبَ] (٣) عليهم بعدَ هذا العفوِ، ثم برُّهُ العظيمُ بأبيهِ وأمهِ، وإحسانهُ على إخوتهِ، وإحسانهُ على عمومِ الخلقِ، كما هوَ بينٌ في سيرتهِ وقصتهِ. * ومنها: أنَّ بعضَ الشرِّ أهونُ من بعضٍ، وارتكابَ أخفِّ الضررينِ أولى من ارتكابِ أعظمِهما؛ فإنَّ إخوةَ يوسفَ لما قالُوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف: ٩] الآية، وقال قائلٌ منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠]، كان قولهُ أحسنَ منهم وأخفَّ، وبسببهِ خفَّ عن إخوتهِ الإثمُ الأكبرُ، وهوَ من جملةِ الأسبابِ التي قدَّرَ اللهُ ليوسفَ في وصولهِ إلى الغايةِ التي يريدُ.

стр. 334

* ومنها: أنَّ الشيءَ إذا تداولَتْهُ الأيدِي، وصارَ من جملةِ الأموالِ، ولم يَعلمْ المعاملونَ أنهُ على غيرِ وجهِ الشرعِ؛ فلا إثمَ على مَنْ باشرَهُ ببيعٍ أو شراءٍ أو خدمةٍ أو انتفاعٍ أو استعمالٍ، فإنَّ يوسفَ باعَهُ إخوتهُ بيعًا محرَّمًا عليهم، واشترَتْهُ السيارةُ بناءً على أنهُ عبدٌ لإخوةِ يوسفَ البائعينَ، ثم ذهبُوا بهِ إلى مصرَ فباعُوهُ بها، وبقيَ عندَ سيدهِ غلامًا رقيقًا، وسماهُ اللهُ سيدًا، وكان عندَهم بمنزلةِ الرقيقِ المُكرمِ، وسمَّى اللهُ شراءَ السيارةِ وشراءَهُ في مصرَ معاملةً؛ لما ذكرنا. * ومنها: الحذرُ من الخلوةِ بالنساءِ الأجنبياتِ، وخصوصًا اللاتي يُخشَى منهنَّ الفتنةُ، والحذرُ أيضًا من المحبةِ التي يُخشَى ضررُها؛ فإنَّ امرأةَ العزيزِ جرَى منها ما جرَى بسببِ توحدِها بيوسفَ، وحبِّها الشديدِ لهُ الذي ما ترَكها حتى راودَتْهُ تلكَ المراودةَ، ثم كذبَتْ عليهِ؛ فسُجِنَ ذلكَ السجنَ الطويلَ. * ومنها: أنَّ الهمَّ الذي همَّ بهِ يوسفُ ثم تركَهُ للهِ، ولبرهانِ الإيمانِ الذي وضعَهُ اللهُ في قلبهِ؛ مما يرقِّيهُ إلى اللهِ زلفَى؛ لأنَّ الهمَّ داعٍ من دواعِي النفسِ الأمارةِ بالسوءِ، وهوَ طبيعةٌ طُبِعَ عليها الآدميُّ، فإذا حصلَ الهمُّ بالمعصيةِ، ولم يكنْ عندَ العبدِ ما يقاوِمُ ذلكَ من الإيمانِ والخوفِ من اللهِ؛ وقعَ الذنبُ. وإنْ كان العبدُ مؤمنًا كاملَ الإيمانِ فإنَّ الهمَّ الطبيعيَّ إذا قابلهُ ذلكَ الإيمانُ الصحيحُ القويُّ منعَهُ من ترتبِ أثرهِ، ولوْ كان الداعِي قويًّا؛ ولهذا كان يوسفُ من أعلى هذا النوعِ، قالَ تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، بدليلِ قولهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، لاستخلاصِ اللهِ إياهُ وقوةِ إيمانهِ وإخلاصهِ خلَّصَهُ اللهُ من الوقوعِ في الذنبِ، فكان ممن خافَ مقامَ ربهِ، ونهَى النفسَ عن الهوى، ومن أعلى السبعةِ الذينَ يظلُّهم اللهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ، فذكَرَ

стр. 335

ﷺ منهم: «رجلًا دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقالَ: إني أخافَ اللهُ» (١). فهمُّها لمَّا كان لا معارضَ لهُ استمرَّتْ في مراودتهِ، وهمُّهُ عَارِضٌ عَرَضَ، ثم زالَ في الحالِ ببرهانِ ربهِ. * ومنها: أنَّ مَنْ دخَلَ الإيمانُ قلبَهُ، ثم استنارَ بمعرفةِ ربهِ، ونورِ الإيمانِ بهِ، وكان مخلصًا للهِ في كلِّ أحوالهِ؛ فإنَّ اللهَ يدفعُ عنهُ ببرهانِ إيمانهِ وإخلاصهِ من أنواعِ السوءِ والفحشاءِ وأسبابِ المعاصي ما هوَ جزاءٌ لإيمانهِ وإخلاصهِ؛ لأنَّ اللهَ علَّلَ صرفَ هذهِ الأمورِ عن يوسفَ بقولهِ: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلِصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] على قراءةِ مَنْ قرَأَها بكسرِ اللامِ (٢)، ومَن قرَأَها بالفتحِ (٣) فإنَّ مَنْ أخلصَهُ اللهُ واجتباهُ فلابدَّ أنْ يكونَ مخلِصًا، فالمعنيانِ متلازمانِ. * ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ إذا ابتُلِيَ بالوقوعِ في محلٍّ فيه فتنةٌ وأسبابُ معصيةٍ أنْ يفرَّ ويهربَ غايةَ ما يمكنهُ؛ ليتمكنَ من التخلصِ من ذلكَ الشرِّ، كما فرَّ يوسفُ هاربًا للبابِ، وهيَ تمسِكُ بثوبهِ وهوَ مُدبِرٌ عنها. * ومنها: أنَّ القرائنَ يُعملُ بها عندَ الاشتباهِ في الدعاوَى؛ وذلكَ أنَّ الشاهدَ الذي شَهِدَ -أي: حكَمَ على يوسفَ وعلى المرأةِ- اعتبَرَ القرينةَ فقالَ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] إلى آخرِ القضيةِ، وصارَ حكمهُ هذا موافقًا للصوابِ. ومنِ القرائنِ: وجودُ الصواعِ في رحلِ الأخِ، وقدْ اعتُبِرَ هذا وهذا.

стр. 336

* ومنها: ما عليهِ يوسفُ من الجمالِ الباهرِ ظاهرًا وباطنًا: • فإنَّ جمالَهُ الظاهرَ أوجبَ لامرأةِ العزيزِ ما أوجبَ من الحبِّ المفرطِ والمراودةِ المستمرةِ، ولما لامَها النساءُ دعتهنَّ ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. • وأما جمالهُ الباطنُ فهوَ العفةُ العظيمةُ منهُ معَ وجودِ الدواعِي الكثيرةِ لوقوعِ السوءِ منهُ، ولكنَّ الإيمانَ ونورَهُ والإخلاصَ وقوتَهُ لا يشذُّ عنهما فضيلةٌ، ولا تجامعُهما رذيلةٌ. وقدْ بيَّنَتِ امرأةُ العزيزِ للنساءِ من يوسفَ الأمرَينِ؛ فإنها لما أرتهنَّ جمالَهُ الظاهرَ الذي اعترفْنَ أنَّ هذا الجمالَ لا يوجدُ في الآدميينَ؛ قالتْ: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقالَتْ بعدَ ذلكَ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]. * ومنها: أنَّ يوسفَ ﷺ اختارَ السجنَ على المعصيةِ، فهكذا إذا ابتُلِيَ العبدُ بأحدِ أمرَينِ: إما أنْ يلجأَ إلى فعلِ المعصيةِ، وإما أنْ يُعاقبَ عقوبةً دنيويةً؛ فعليهِ أنْ يختارَ العقوبةَ الدنيويةَ التي فيها الثوابُ من هذا الوجهِ بعدةِ أمورٍ: • ثواب من جهةِ اختيارهِ الإيمانَ على السلامةِ من العقوبةِ الدنيويةِ. • وثواب من جهةِ أنَّ هذا من بابِ التخليصِ للمؤمنِ والتصفيةِ، وهوَ يدخلُ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ. • وثواب من جهةِ المصيبةِ التي نالتْهُ، والألمُ الذي أصابَهُ.

стр. 337

فسبحانَ مَنْ ينعمُ ببلائهِ، ويلطفُ بأصفيائهِ، وهذا أيضًا عنوانُ الإيمانِ، وعلامةُ السعادةِ. * ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ أنْ يلتجئَ إلى ربهِ، ويحتميَ بحماهُ عندَ وجودِ أسبابِ المعصيةِ، ويتبرأَ مِنْ حولهِ وقوتهِ؛ لقولِ يوسفَ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فالعبدُ الموفقُ يستعينُ ربَّهُ على دفعِ المعاصي وأسبابِها، كما يستعينُ بهِ عندَ فعلِ الطاعاتِ والخيراتِ، واللهُ كافي المتوكلينَ. * ومنها: أنَّ العلمَ والعقلَ الصحيحَ يدعوانِ صاحبَهما إلى الخيرِ، وينهيانهِ عن الشرِّ، وأنَّ الجهلَ يدعُو صاحبَهُ إلى ضدِّ ذلكَ؛ لقولهِ: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] أي: الجاهلينَ بالأمورِ الدينيةِ، والجاهلينَ بالحقائقِ النافعةِ والحقائقِ الضارةِ. * ومنها: أنهُ كما على العبدِ عبوديةٌ لربهِ في حالِ رخائهِ، فعليهِ عبوديةٌ في حالِ الشدةِ، فيوسفُ ﷺ لم يزَلْ يدعُو إلى اللهِ، فلما دخلَ السجنَ استمرَّ على ذلكَ، ودعَا مَنْ يتصلُ بهِ من أهلِ السجنِ، ودعا الفتيَينِ إلى التوحيدِ، ونهاهما عن الشركِ. ومن كمالِ رأيهِ وحكمتهِ أنهُ لما رأى فيهما قابليةً لدعوتهِ حينَ احتاجَا إليهِ في تعبيرِ رؤياهما وقالا لهُ: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]؛ رأى ذلكَ فرصةً، فدعاهما إلى اللهِ قبلَ أنْ يعبرَ رؤياهما؛ ليكونَ أقربَ إلى حصولِ المطلوبِ، وبيَّنَ لهما أنَّ الذي أوصلَهُ إلى هذهِ الحالِ التي رأياهُ فيها من الكمالِ والعلمِ إيمانُهُ وتوحيدُهُ وتركهُ لملةِ المشركينَ، وهذا دعاءٌ لهما بالحالِ، ثم دعاهما بالمقالِ، وبرهَنَ لهما على حسنِ التوحيدِ ووجوبهِ، وعلى قبحِ الشركِ وتحريمهِ.

стр. 338

* ومنها: أنهُ يُبدأُ بالأهمِّ فالأهمِّ، وأنهُ إذا سُئِلَ المفتي وكان السائلُ حاجتهُ في غيرِ سؤالهِ أشدَّ، أنهُ ينبغِي لهُ أنْ يعلمَهُ ما يحتاجُ إليهِ قبلَ أنْ يجيبَ سؤالَهُ؛ فإنَّ هذا علامةٌ على نصحِ المعلمِ وفطنتهِ وحسنِ إرشادهِ وتعليمهِ؛ فإنَّ يوسفَ لما سألَهُ الفتيانِ عن رؤياهما، وكانتْ حاجتُهما إلى التوحيدِ والإيمانِ أعظمَ من كلِّ شيءٍ؛ قدَّمَها. * ومنها: أنَّ مَنْ وقعَ في مكروهٍ وشدةٍ لا بأسَ أنْ يستعينَ بمن لهُ قدرةٌ على تخليصهِ بفعلهِ، أو الإخبارِ بحالهِ، وأنَّ هذا لا يكونُ نقصًا ولا شكوًى إلى المخلوقِ ممنوعةً، فإنَّ هذا من الأمورِ العاديةِ التي جرَى العرفُ باستعانةِ الناسِ بعضِهم ببعضٍ فيها؛ ولهذا قالَ يوسفُ للذي ظنَّ أنهُ ناجٍ منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. * ومنها: أنهُ يتعيَّنُ على المعلمِ والداعي إلى اللهِ استعمالُ الإخلاصِ التامِّ في تعليمهِ ودعوتهِ، وألَّا يجعلَ ذلكَ وسيلةً إلى معاوضةٍ في مالٍ أو جاهٍ أو نفعٍ، وألَّا يمتنعَ من التعليمِ إذا لم يفعَلْ السائلُ ما كلفَهُ بهِ المعلمُ؛ فإنَّ يوسفَ قدْ وصَّى أحدَ الفتيَينِ أنْ يذكرَهُ عندَ ربهِ، فلم يذكرْهُ ونسيَ، فلما بدَتْ حاجتُهم إلى سؤالِ يوسفَ أرسلوا ذلكَ الفتى، وجاءهُ سائلًا مستفتيًا عن تلكَ الرؤيا، فلم يعنفْهُ يوسفُ ولا وبَّخهُ، بلْ ولا قالَ لهُ: لِمَ لَمْ تذكُرْني عندَ ربِّكَ، وأجابَهُ جوابًا تامًّا من جميعِ الوجوهِ. * ومنها: أنهُ ينبغِي للمسؤولِ إذا أجابَ السؤالَ أنْ يدلَّ السائلَ على الأمرِ الذي ينفعهُ مما يتعلقُ بسؤالهِ، ويرشدهُ إلى الطريقِ التي ينتفعُ بها في دينهِ ودنياهُ؛ فإنَّ هذا من كمالِ نصحهِ، وجزالةِ رأيهِ، وحسنِ إرشادهِ؛ فإنَّ يوسفَ لم يقتصِرْ على تعبيرِ رؤيا المَلكِ، بلْ دلَّهم معَ ذلكَ وأشارَ عليهم بما يصنعونَهُ في تلكَ السنين المخصباتِ من الإكثارِ من الزراعةِ، وحسنِ الحفظِ والجبايةِ.

стр. 339

* ومنها: أنهُ لا يلامُ العبدُ على دفعِ التهمةِ عن نفسهِ، بلْ ذلكَ مطلوبٌ، كما امتنعَ يوسفُ من الخروجِ من السجنِ حتى تتبيَّنَ لهم براءتهُ معَ النسوةِ اللاتي قطَّعْنَ أيديهنَّ. * ومنها: فضيلةُ العلمِ: علمِ الشرعِ والأحكامِ، وعلمِ تعبيرِ الرؤيا، وعلمِ التدبيرِ والتربيةِ، وعلمِ السياسةِ؛ فإنَّ يوسف ﷺ إنما حصلَتْ لهُ الرفعةُ في الدنيا والآخرةِ بسببِ علمهِ المتنوعِ. وفيهِ: أنَّ علمَ التعبيرِ داخلٌ في الفتوى، فلا يحلُّ لأحدٍ أنْ يجزمَ بالتعبيرِ قبلَ أنْ يعرفَ ذلكَ، كما ليسَ لهُ أنْ يفتيَ في الأحكامِ بغيرِ علمٍ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاها فتوى في هذهِ السورةِ. * ومنها: أنهُ لا بأسَ أنْ يخبرَ الإنسانُ عما في نفسهِ من الصفاتِ الكاملةِ، من العلمِ وغيرهِ، إذا كان في ذلكَ مصلحةٌ، وسَلِمَ من الكذبِ، ولم يقصِدْ بهِ الرياءَ؛ لقولِ يوسفَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. وكذلكَ لا تذمُّ الولايةُ إذا كان المتولِّي لها يقومُ بما يقدرُ عليهِ من إقامةِ الشرعِ، وإيصالِ الحقوقِ إلى أهلِها، وأنهُ لا بأسَ بطلِبها إذا كان أهلًا، وأعظمَ كفاءةً من غيرهِ، وإنما المذمومُ إذا لم يكنْ فيه كفاءةٌ، أو كان موجودًا مَنْ هوَ أمثلُ منهُ أو مثلُه، أو لم يُرِدْ بها إقامةَ أمرِ اللهِ، بلْ أرادَ الترؤُّسَ والمأكلةَ الماليةَ. * ومنها: أنَّ اللهَ واسعُ الجودِ والكرمِ، يجودُ على عبدهِ بخيرِ الدنيا والآخرةِ، وأنَّ خيرَ الآخرةِ لهُ سببانِ، لا ثالثَ لهما: • الإيمانُ بكلِّ ما أوجبَ اللهُ الإيمانَ بهِ. • والتقوَى التي هيَ امتثالُ الأوامرِ الشرعيةِ واجتنابُ النواهِي.

стр. 340

وأنَّ خيرَ الآخرةِ خيرٌ من ثوابِ الدنيا وملكِها، وأنهُ ينبغِي للعبدِ أنْ يدعوَ نفسَهُ ويشوِّقَها لثوابِ اللهِ، ولا يدعُها تحزنُ إذا رأتْ لذاتِ الدنيا ورياساتِها وهيَ عاجزةٌ عنها، بلْ يسلِّيها بالثوابِ الأخرويِّ؛ ليخفَّ عليها عدمُ حصولِ الدنيا، لقولِ يوسفَ: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧]. * ومنها: أنَّ جبايةَ الأرزاقِ إذا أُريدَ بها التوسعةُ على الناسِ من غيرِ ضررٍ يلحقُهم لا بأسَ بهِ، بلْ ذلكَ مطلوبٌ؛ لأنَّ يوسفَ أمرَهم بجبايةِ الأرزاقِ والأطعمةِ في السنينَ المخصباتِ؛ للاستعدادِ بهِ للسنينَ المجدباتِ، وقدْ حصَلَ بهِ الخيرُ الكثيرُ. * ومنها: حسنُ تدبيرِ يوسفَ لما تولَّى خزائنَ الديارِ المصريةِ من أقصاها إلى أقصاها، فنهضَ بالزراعةِ حتى كثرَتِ الغلالُ جدًّا، فصارَ أهلُ الأقطارِ يقصدونَ مصرَ لطلبِ الميرةِ منها عندما فقدُوا ما عندَهم؛ لعلمِهم بوفورِها في مصرَ، ومن عدلهِ وتدبيرهِ وخوفهِ أنْ يتلاعبَ بها التجارُ أنهُ لا يكيلُ لأحدٍ إلا مقدارَ الحاجةِ الخاصةِ أو أقلَّ، لا يزيدُ كل قادمٍ على كيلِ بعيرٍ وحملهِ، وظاهرُ حالهِ هذا أنهُ لا يُعطِي أهلَ البلدِ إلا أقلَّ من ذلكَ بكثيرٍ لحضورِهم عندَهُ. * ومنها: مشروعيةُ الضيافةِ، وأنها من سننِ المرسلينَ، وإكرام الضيفِ؛ لقولِ يوسفَ: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩]. * ومنها: أنَّ سوءَ الظنِّ معَ وجودِ القرائنِ الدالةِ عليهِ غيرُ ممنوعٍ ولا محرَّمٍ؛ فإنَّ يعقوبَ قالَ لأولادهِ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤]، وقالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣]، فهم في الأخيرةِ وإنْ لم يكونوا مفرِّطينَ؛ فقدْ جرى منهم ما أوجبَ لأبيهم أنْ يقولَ ما قالَ من غيرِ لومٍ عليهِ.

стр. 341

* ومنها: أنَّ استعمالَ الأسبابِ الدافعةِ للعينِ وغيرِها من المكارهِ، أو الرافعةِ لها بعدَ نزولِها؛ غيرُ ممنوعٍ، وإنْ كان لا يقعُ شيءٌ إلا بقضاءِ اللهِ وقدرهِ، فإنَّ الأسبابَ أيضًا من القضاءِ والقدرِ؛ لقولِ يعقوبَ: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧] الآية. * ومنها: جوازُ استعمالِ الحيلِ والمكائدِ التي يُتوصلُ بها إلى الحقوقِ، وأنَّ العلمَ بالطرقِ الخفيةِ الموصلةِ إلى مقاصدِها مما يُحمدُ عليهِ العبدُ، وأما الحيلُ التي يُرادُ بها إسقاطُ واجبٍ أو فعلُ محرَّمٍ فإنها محرمةٌ غيرُ نافذةٍ. * ومنها: أنهُ ينبغِي لمن أرادَ أنْ يوهمَ غيرَهُ بأمرٍ لا يحبُّ بيانَهُ لهُ؛ أنْ يستعملَ المعاريضَ القوليةَ والفعليةَ المانعةَ لهُ من الكذبِ، كما فعلَ يوسفُ حينَ ألقَى الصواعَ في رحلِ أخيهِ، ثم استخرجَها منهُ موهمًا أنهُ سارقٌ، وليسَ في ذلكَ تصريحٌ بسرقتهِ، وإنما استعملَ المعاريضَ، ومثلُ هذا قولهُ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]، ولم يقُلْ: مَنْ سرَقَ متاعَنا. * ومنها: أنهُ لا يجوزُ أنْ يشهدَ إلا بما عَلِمَهُ وتحقَّقَهُ برؤيةٍ أو سماعٍ؛ لقولِهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١]، وقولهِ: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. * ومنها: هذهِ المحنةُ العظيمةُ التي امتحنَ اللهُ بها نبيَّهُ وصفيَّهَ يعقوبَ ﵇، إذْ قضَى بالتفريقِ بينَهُ وبينَ ابنهِ يوسفَ الذي لا يقدِرُ على فراقهِ ساعةً واحدةً، ويحزنهُ أشدَّ الحزنِ. فتمَّ لهذهِ الفرقةِ مدةٌ طويلةٌ ويعقوبُ لم يفارِقِ الحزنُ قلبَهُ، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]، ثم ازدادَ بهِ الأمرُ حينَ اتصلَ فراقُ الابنِ الثاني بالأولِ، وهوَ في ذلكَ صابرٌ لأمرِ اللهِ، محتسبٌ الأجرَ من اللهِ.

стр. 342

وقدْ وعَدَ من نفسهِ الصبرَ الجميلَ، ولا ريبَ أنهُ وفَّى بما وعَدَ بهِ، ولا يُنافِي ذلكَ قولُهُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]؛ فإنَّ الشكوَى إلى اللهِ لا تُنافِي الصبرَ، وإنما الذي ينافيهِ الشكوَى إلى المخلوقينَ. ولا ريبَ أنَّ اللهَ رفعَهُ بهذهِ المحنةِ درجاتٍ عاليةً ومقاماتٍ ساميةً، لا تُنالُ إلا بمثلِ هذهِ الأمورِ. * ومنها: أنَّ الفرَجَ معَ اشتدادِ الكربِ، فإنهُ لما تراكمَتِ الشدائدُ المتنوعةُ، وضاقَ العبدُ ذرعًا بحملِها، فرَّجَها فارجُ الهمِّ، كاشفُ الغمِّ، مجيبُ دعوةِ المضطرينَ، وهذهِ عوائدهُ الجميلةُ، خصوصًا لأوليائهِ وأصفيائهِ؛ ليكونَ لذلكَ الوقعُ الأكبرُ، والمحلُّ الأعظمُ، وليجعَلَ (١) مِنْ المعرفةِ باللهِ والمحبةِ لهُ ما يُوازِنُ ويرجُحُ بما جرَى على العبدِ بلا نسبةٍ. * ومنها: جوازُ إخبارِ العبدِ بما يجدُ، وما هوَ فيه من مرضٍ أو فقرٍ أو غيرِهما، على غيرِ وجهِ التسخطِ؛ لقولِ يعقوبَ: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، وقولِ إخوةِ يوسفَ: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨]، وأقرَّهم يوسفُ. * ومنها: فضيلةُ التقوى والصبرِ، وأنَّ كلَّ خيرٍ في الدنيا والآخرةِ فمن آثارِ التقوَى والصبرِ، وأنَّ عاقبةَ أهلِهما أحسنُ العواقبِ؛ لقولهِ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].

стр. 343

* ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ إذا أُنعِمَ عليهِ بنعمةٍ بعدَ ضدِّها أنْ يتذكَّرَ الحالةَ السابقةَ؛ ليعظمَ وقعُ هذهِ النعمةِ الحاضرةِ، ويكثرَ شكرهُ للهِ تعالى؛ ولهذا قالَ يوسفُ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]. * ومنها: ما في هذهِ القصةِ من الألطافِ المتنوعةِ المسهلةِ للبلاءِ، منها: • رؤيا يوسفَ السابقةُ؛ فإنَّ فيها رَوحًا ولطفًا بيوسفَ وبيعقوبَ، وبشارةً بالوصولِ إلى تأويلِها. • ولطفُ اللهِ بيوسفَ إذْ أوحَى إليهِ وهوَ في الجُبِّ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ [يوسف: ١٥]. • وتنقلاتهُ من حالٍ إلى حالٍ، فإنَّ فيها ألطافًا ظاهرةً وخفيةً؛ ولهذا قالَ في آخرِ الأمرِ: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] يلطفُ بهِ في أحوالهِ الداخليةِ، ويلطفُ لهُ في الأمورِ الخارجيةِ، ويُوصلهُ إلى أعلى المطالبِ من حيثُ لا يشعرُ. * ومنها: أنهُ ينبغِي للعبدِ أنْ يلحَّ دائمًا على ربهِ في تثبيتِ إيمانهِ، وأنْ يُحْسِنَ لهُ الخاتمةَ، وأنْ يجعلَ خيرَ أيامهِ آخرَها، وخيرَ أعمالهِ خواتمَها؛ فإنَّ اللهَ كريمٌ جوادٌ رحيمٌ.

стр. 344

قصة أصحاب الكهف وهم فتيةٌ وفَّقَهم اللهُ، وألهمَهم الإيمانَ، وعَرَفوا ربَّهم، وأنكرُوا ما عليهِ قومَهم من عبادةِ الأوثانِ، وقامُوا بينَ أظهرِهم معلنيِنَ فيما بينَهم عقيدتَهم، خائفينَ من سطوةِ قومِهم، فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾ [الكهف: ١٤] أي: إنْ دعَوْنا غيرَهُ، ﴿شَطَطًا﴾ أي: زورًا وبهتانًا وظلمًا، ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥]. فلما اتفقُوا على هذا الأمرِ، وعَرَفوا أنهم لا يمكنُهم إظهارُ ذلكَ لقومِهم؛ سألُوا اللهَ أنْ يسهِّلَ أمرَهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]. فآوَوْا إلى غارٍ يسَّرَهُ اللهُ غايةَ التيسيرِ، واسعِ الفجوةِ، بابهُ نحوَ الشمالِ، لا تدخلُهُ الشمسُ، لا في طلوعِها ولا في غروبِها، فنامُوا في كهفِهم بحفظِ اللهِ ورعايتهِ ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾. وقدْ ضرَبَ اللهُ عليهم نطاقًا من الرعبِ، على قربِهم من مدينةِ قومِهم، ثم إنهُ في الغارِ تولَّى حفظَهم بقولهِ: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨]؛ وذلك لئلَّا تُبليَ الأرضُ أجسادَهم.

стр. 345

ثم أيقظَهم بعدَ هذه المدةِ الطويلةِ ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وليقِفُوا في آخرِ الأمرِ على الحقيقةِ، فقالَ قائلٌ منهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] إلى آخرِ القصةِ. * ففيها آياتٌ بيناتٌ وفوائدُ متعددةٌ: * منها: أنَّ قصةَ أصحابِ الكهفِ وإنْ كانتْ عجيبةً فليستْ من أعجبِ آياتِ اللهِ؛ فإن للهِ آياتٍ عجيبةً وقصصًا فيها عبرةٌ للمعتبرِينَ. * ومنها: أنَّ مَنْ آوَى إلى اللهِ أواهُ اللهُ، ولطفَ بهِ، وجعلَهُ سببًا لهدايةِ الضالِّينَ؛ فإنَّ اللهَ لطَفَ بهم في هذهِ النومةِ الطويلةِ؛ إبقاءً على إيمانِهم وأبدانِهم من فتنةِ قومِهم وقتلِهم، وجعَلَ هذهِ القومةَ (١) من آياتهِ التي يُستدلُّ بها على كمالِ قدرةِ اللهِ، وتنوعِ إحسانهِ، وليعلمَ العبادُ أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ. * ومنها: الحثُّ على تحصيلِ العلومِ النافعةِ والمباحثةِ فيها؛ لأنَّ اللهَ بعثَهم لأجل ذلكَ، وببحثِهم ثُم بعلمِ الناسِ بحالِهم حصلَ البرهانُ والعلمُ بأنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها. * ومنها: الأدبُ فيمن اشتبهَ عليهِ العلمُ أنْ يردَّهُ إلى عالِمهِ، وأنْ يقفَ عندَ ما يعرفُ. * ومنها: صحةُ الوكالةِ في البيعِ والشراءِ، وصحةُ الشركةِ في ذلكَ؛ لقولِهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩] الآية.

стр. 346

* ومنها: جوازُ أكلِ الطيباتِ، والتخيرِ من الأطعمةِ ما يلائمُ الإنسانَ ويوافقهُ، إذا لم تخرَجْ إلى حدِّ الإسرافِ المنهيِّ عنهُ؛ لقولهِ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]. * ومنها: الحثُّ والتحرزُ والاستخفاءُ والبعدُ عن مواقعِ الفتنِ في الدينِ، واستعمالُ الكتمانِ الذي يدرأُ عن الإنسانِ الشرَّ. * ومنها: بيانُ رغبةِ هؤلاءِ الفتيةِ في الدينِ، وفرارِهم من كلِّ فتنةٍ في دينِهم، وتركِهم لأوطانِهم وعوائدِهم في اللهِ. * ومنها: ذِكْرُ ما اشتملَ عليهِ الشرُّ من المضارِّ والمفاسدِ الداعيةِ لبغضهِ وتركهِ، وأنَّ هذهِ الطريقةَ طريقةُ المؤمنينَ. * ومنها: أنَّ قولَهُ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] فيه دليلٌ على أنَّ هؤلاءِ القومَ الذينَ بُعِثُوا في زمانِهم أناسٌ أهلُ تدينٍ؛ لأنهم عظَّموهم هذا التعظيمَ حتى عزمُوا على اتخاذِ مسجدٍ على كهفِهم، وهذا إنْ كان ممنوعًا وخصوصًا في شريعتِنا فالمقصودُ: بيانُ أنَّ ذلكَ الخوفَ العظيمَ من أهلِ الكهفِ وقتَ إيمانِهم ودخولِهم في الغارِ؛ أبدلَهم اللهُ بهِ بعدَ ذلكَ أمنًا وتعظيمًا من الخلقِ، وهذهِ عوائدُ اللهِ فيمن تحمَّلَ المشاقَّ من أجلهِ أنْ يجعلَ لهُ العاقبةَ الحميدةَ. * ومنها: أنَّ كثرةَ البحثِ وطولَهُ في المسائلِ التي لا أهميةَ لها لا ينبغِي الانهماكُ بهِ؛ لقولهِ: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]. * ومنها: أنَّ سؤالَ مَنْ لا علمَ لهُ في القضيةِ المسئولِ فيها، أو لا يُوثقُ بهِ؛ منهيٌّ عنهُ؛ لقولهِ: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].

стр. 347

قصة خاتم النبيين وإمام المرسلين ومن أنزل عليه القرآن هدى ورحمة للمؤمنين اعلَمْ أنَّ سيرةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ أعظمُ عونٍ على معرفةِ تفسيرِ كتابِ اللهِ، والقرآنُ إنما كان ينزلُ تبعًا لمناسباتِ سيرتهِ، وما يقولهُ للخلقِ، وجواب ما يقالُ لهُ، وما يحصلُ بهِ تحقيقُ الحقِّ الذي جاءَ بهِ، وإبطالُ المذاهبِ التي جاءَ لإبطالها، وهذا من حكمةِ إنزالهِ مفرَّقًا، كما ذكرَ اللهُ هذا المعنى بقولهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣]، وقالَ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠]. فلنشِرْ من سيرتهِ ﷺ على الأحوالِ المناسبةِ لنزولِ الآياتِ المعيناتِ، أو لجنسِ النوعِ من علومِ القرآنِ؛ ليكونَ عونًا في هذا المقامِ. * فأولُ مقاماتهِ في إنزالِ القرآنِ عليهِ: أنهُ كان قبلَ البعثةِ قدْ بُغِّضَتْ إليهِ عبادةُ الأوثانِ، وبُغِّضَ إليهِ كلُّ قولٍ قبيحٍ وفعلٍ قبيحٍ، وفُطِرَ ﷺ فطرةً مستعدةً متهيئةً لقبولِ الحقِّ علمًا وعملًا، واللهُ تعالى هوَ الذي طهَّرَ قلبَهُ وزكَّاهُ وكمَّلَهُ. فكان من رغبتهِ العظيمةِ فيما يقرِّبُ إلى اللهِ أنهُ كان يذهبُ إلى غارِ حراءٍ الأيامَ ذواتِ العددِ، ويأخذُ معهُ طعامًا يُطعِمُ منهُ المساكينَ، ويتعبَّدُ ويتحنثُ فيه، فقلبُهُ في غايةِ التعلقِ بربهِ، ويفعلُ من العباداتِ ما وصَلَ إليهِ علمهُ في ذلكَ الوقتِ الجاهليِّ الخالِي من العلمِ، ومعَ ذلكَ فهوَ في غايةِ الإحسانِ إلى الخلقِ.

стр. 348

فلما تمَّ عمرهُ أربعينَ سنةً، وتمَّتْ قوتهُ العقليةُ، وصَلُحَ لتلقِّي أعظمَ رسالةٍ أرسَلَ اللهُ بها أحدًا من خلقهِ؛ تبدَّى لهُ جبريلُ ﷺ ، فرأى منظرًا هالَهُ وأزعجَهُ، إذْ لم يتقدَّمْ لهُ شيءٌ من ذلكَ، وإنما قدَّمَ اللهُ لهُ الرؤيا التي كان لا يرَى رؤيا إلا جاءَتْ مثلَ فلقِ الصبحِ. فأولُ ما أنزلَ اللهُ عليهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فجاءَهُ بها جبريلُ وقالَ لهُ: ﴿اقْرَأْ﴾، فأخبرهُ أنهُ ليسَ بقارئٍ، أي: لا يعرفُ أنْ يقرأَ، كما قالَ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، وتفسيرُها الآيةُ الأخرى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فغطَّهُ جبريلُ مرتينِ أو ثلاثًا؛ ليهيئَهُ لتلقِّي القرآنِ العظيمِ، ويتجردَ قلبهُ وهمتهُ وظاهرهُ وباطنهُ لذلكَ. فنزلَتْ هذهِ السورةُ التي فيها نبوتهُ، وأَمْرُهُ بالقراءةِ باسمِ ربهِ، وفيها أصنافُ نعمهِ على الإنسانِ بتعليمهِ البيانَ العلميَّ، والبيانَ اللفظيَّ، والبيانَ الرسميَّ. فجاءَ بها إلى خديجةَ تُرْعَدُ فرائصهُ من الفَرَقِ، وأخبرَها بما رآهُ وما جرَى عليهِ، فقالتْ خديجةُ ﵂: «أبشِرْ، فواللهِ لا يُخزِيكَ اللهُ أبدًا؛ إنكَ لتصلُ الرحمَ، وتَقْرِي الضيفَ، وتحملُ الكلَّ، وتُكسبُ المعدومَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ» (١)، أي: ومَن كانتْ هذهِ صفتهُ فإنها تستدعِي نعمًا من اللهِ أكبرَ منها وأعظمَ، وكان هذا من توفيقِ اللهِ لها ولنبيهِ، ومن تهوينِ القلقِ الذي أصابَهُ.

стр. 349

وبهذهِ السورةِ ابتدأَتْ نبوتُهُ، ثم فتَرَ عنهُ الوحيُ مدةً؛ ليشتاقَ إليهِ، وليكونَ أعظمَ لموقعهِ عندَهُ. وكان قدْ رأى المَلَكُ على صورتهِ فانزعَجَ، فجاءَ إلى خديجةَ أيضًا تُرْعَدُ فرائصهُ فقالَ: «دثِّرُوني دثِّرُوني» (١)؛ فأنزلَ اللهُ عليهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥] الآيات. فكان في هذا: الأمرُ لهُ بدعوةِ الخلقِ وإنذارِهم، فشمَّرَ ﷺ عن عزمهِ، وصمَّمَ على الدعوةِ إلى ربهِ معَ علمهِ أنهُ سيُقاوِمُ بهذا الأمرِ البعيدَ والقريبَ، وسيَلقَى كلُّ معارضةٍ من قومهِ ومن غيرِهم، وشدةٍ، ولكنَّ اللهَ أيدَهُ وقوَّى عزمَهُ، وأيدَهُ برُوحٍ منهُ، وبالدِّينِ الذي جاءَ بهِ. وجاءتْهُ سورةُ الضحى في فَتْرَةِ الوحيِ لما قالَ المكذبونَ: إنَّ ربَّ محمدٍ قلَاهُ، قالَ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣] إلى آخرِها، وهذا اعتناءٌ عظيمٌ من اللهِ برسولهِ، ونفْيٌ لكلِّ نقصٍ، وبشارةٌ بأنَّ كلَّ حالةٍ لهُ أحسنُ مما قبلَها، وخيرٌ منها، وأنَّ اللهَ سيعطيهِ من النصرِ والأتباعِ والعزِّ العظيمِ وانتشارِ الدِّينِ ما يرضيهِ. * فكان أعظمُ مقاماتِ دعوتهِ: دعوتهُ إلى التوحيدِ الخالصِ، والنهي عن ضدِّهِ، دعا الناسَ لهذا، وقرَّرَهُ اللهُ في كتابهِ، وصرَّفَهُ بطرقٍ كثيرةٍ واضحةٍ تبينُ وجوبَ التوحيدِ وحسنَهُ، وتعيِّنُهُ طريقًا إلى اللهِ وإلى دارِ كرامتهِ، وقرَّرَ إبطالَ الشركِ والمذاهبِ الضارةِ بطرقٍ كثيرةٍ احتوَى عليها القرآنُ، وهيَ أغلبُ السورِ المكيةِ.

стр. 350

فاستجابَ لهُ في هذا الواحدُ بعدَ الواحدِ، على شدةٍ عظيمةٍ من قومهِ، وقاومَهُ قومهُ وغيرُهم، وبَغَوا لهُ الغوائلَ، وحرَصُوا على إطفاءِ دعوتهِ بجدِّهم وقولِهم وفعلِهم، وهوَ يجادلُهم ويتحدَّاهم أنْ يأتُوا بمثلِ هذا القرآنِ، وهم يعلمونَ أنهُ الصادقُ الأمينُ، ولكنَّهم يكابِرُون ويجحَدُونَ آياتِ اللهِ، كما قالَ تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. ولهذا لما كان استماعُهم للقرآنِ على وجهِ الكفرِ والجحدِ والتكذيبِ، وتوطينِ نفوسِهم على معاداتهِ؛ أخبرَ اللهُ تعالى أنهُ جعَلَ على قلوبِهم أكنةً أنْ يفقهوهُ، وفي آذانِهم وقرًا، وأنهم لا يهتدونَ (١)؛ بسببِ ما أسسوا من هذا الأصلِ الخبيثِ، المانعِ لصاحبهِ من كلِّ خيرٍ وهدًى. وهذا مما يُعلمُ بهِ حكمةُ البارِي في إضلالِ الضالينَ، وأنهم لما اختارُوا لأنفسهِم الضلالَ ورغبُوا فيه؛ ولَّاهم اللهُ ما تولَّوا لأنفسِهم، وتركَهم في طغيانِهم يعمهونَ، وأنهم لما ردُّوا نعمةَ اللهِ عليهم حينَ جاءَتْهم؛ قلَّبَ اللهُ أفئدتَهم، وأصمَّ أسماعَهم، وأعمَى أبصارَهم وأفئدتَهم، وهذا الوصفُ الذي أشَرْنا إليهِ قدْ ذكرَهُ اللهُ في كتابهِ عنهم (٢)، وهوَ يُعينكَ على فهمِ آياتٍ كثيرةٍ يخبرُ اللهُ فيها بضلالِهم وانسدادِ طرقِ الهدايةِ عليهم، وعدمِ قبولِ محالِّهم وقلوبِهم للهدَى، والذنبُ ذنبُهم وهم السببُ في ذلكَ؛ قالَ تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٠].

стр. 351

وبضدِّهِ تُعرفُ الحكمةُ في هدايتهِ للمؤمنينَ، وأنهم لما كانوا منصفينَ ليسَ غرضُهم إلا الحقَّ، ولا لهم قصدٌ إلا طلبَ رضا ربِّهم؛ هداهم اللهُ بالقرآنِ، وازدادَتْ بهِ علومُهم ومعارفُهم وإيمانُهم وهدايتُهم المتنوعةُ، قالَ تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦]. وهذا الوصفُ الجليلُ للمؤمنينَ هوَ الأساسُ لهدايتِهم، وزيادةِ إيمانِهم، وانقيادِهم، وبهِ ينفتحُ لكَ البابُ في فهمِ الآياتِ في أوصافِ المؤمنينَ، وسرعةِ انقيادِهم للحقِّ: أصولهِ وفروعهِ. * ومن مقاماتِ النبيِّ ﷺ معَ المكذبينَ لهُ: أنهُ يدعُوهم بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، ويجادلُهم بالتي هيَ أحسنُ، ويدعُوهم أفرادًا ومتفرقينَ، ويذكِّرُهم بالقرآنِ، ويتلوهُ في الصلاةِ وخارجِها. وكانوا إذا سمعُوهُ صمُّوا آذانَهم، وقدْ يسبونَهُ ويسبونَ مَنْ أنزلَهُ، فأنزلَ اللهُ على رسولهِ آياتٍ كثيرةً في هذا المعنى، يبيِّنُ حالَهم معَ سماعِ القرآنِ، وشدةَ نفورِهم كأنهم حمرٌ مستنفرةٌ فرَّتْ من قسورةٍ، وأنَّ شياطينَهم ورؤساءَهم في الشرِّ فكَّرُوا وقدَّرُوا ونظرُوا فيما يقولونَ عن القرآنِ ويصفونَهُ بهِ؛ لينفِّرُوا عنهُ الناسَ، حتى قَرَّ قرارُ رئيسِهم الوليدِ بنِ المغيرةِ الذي سماهُ اللهُ وحيدًا، فقالَ: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٤ - ٢٥]، ولكنْ أبَى اللهُ إلا أنْ يعلوَ هذا الكلامُ كلَّ كلامٍ، ويزهقَ هذا الحقُّ كلَّ باطلٍ.

стр. 352

وكانوا من إفكِهم يقولونَ في القرآنِ الأقوالَ المتناقضةَ، يقولونَ: إنهُ سحرٌ، إنهُ كهانةٌ، إنهُ شعرٌ، إنهُ كذبٌ، إنهُ أساطيرُ؛ فجعلُوا القرآنَ عضينَ (١). كلُّ هذا أَثَرُ البغضِ الذي أحرقَ قلوبَهم، حتى قالوا فيه مقالةَ المجانينِ. وكلَّما قالُوا قولًا من هذهِ الأقوالِ أنزلَ اللهُ آياتٍ يُبطلُ بها ما قالُوا، ويبينُ زورَهم وافتراءَهم وتناقضَهم. وكان من الأدلةِ والبراهينِ على رسالةِ محمدٍ ﷺ ، وأنَّ القرآنَ من عندِ اللهِ: مقابلةُ المكذبينَ لهُ، فإنَّ مَنْ نظَرَ إليها عَلِمَ أنها سلاحٌ عليهم، وأكبرُ دليل على أنهم مقاومونَ للحقِّ، ساعونَ في إبطالهِ، وأنهم على الباطلِ الذي ليسَ لهُ حظٌّ من العقلِ، كما ليسَ لهُ حظٌّ من الدينِ. وكانوا أيضًا يقولونَ في النبيِّ ﷺ الأقوالَ التي ليسَ فيها دلالةٌ على ما كانوا يعتقدونَ، وليسَ فيها نقصٌ بالنبيِّ ﷺ ، يقولونَ: لوْ أنَّ محمدًا صادقٌ لأنزلَ اللهُ ملائكةً يشهدونَ لهُ بذلكَ، ولأغناهُ اللهُ عن المشيِ في الأسواقِ، وطلبِ الرزقِ كما يطلبهُ غيرهُ، ولجعَلَ لهُ كذا وكذا مما توحِي إليهِ عقولُهم الفاسدةُ، ويذكرُها اللهُ في القرآنِ في مواضعَ متعددةٍ: • تارةً يصورُها للعبادِ فقطْ؛ لأنَّ مَنْ تصورَها عرَفَ بطلانَها، وأنها ليستْ من الشبهِ القادحةِ، فضلًا عن الحججِ المعتبرةِ. • وتارةً يصورُها ويذكرُ ما يبطلُها من الأمورِ الواضحةِ، وهذا كثيرٌ في القرآنِ.

стр. 353

* ومنْ مقاماتهم معَ النبيِّ ﷺ : أنهم يسعونَ أشدَّ السعيِ أنْ يكفَّ عن عيبِ آلهتِهم، والطعنِ في دينِهم، ويحبونَ أنْ يتارِكَهم ويتارِكُوهُ؛ لعلمِهم أنهُ إذا ذكَرَ آلهتَهم، ووصفَها بالصفاتِ التي هيَ عليهِ من النقصِ، وأنهُ ليسَ فيها شيءٌ من الصفاتِ يُوجِبُ أنْ تستحقَّ شيئًا من العبادةِ؛ يعرفونَ أنَّ الناسَ يعرفونَ ذلكَ، ويعترفونَ بهِ، فلا أحبَّ إليهم من التزويرِ، وإبقاءِ الأمورِ على علاتِها من غيرِ بحثٍ عن الحقائقِ؛ لأنهم يعرفونَ حقَّ المعرفةِ أنَّ الحقائقَ إذا بانَتْ ظهَرَ للخلقِ بطلانُ ما هم عليهِ، وهذا الذي منهُ يفرونَ. وهذا المقامُ أيضًا ذكرَهُ اللهُ في آياتٍ متعددةٍ، مثلَ قولهِ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ونحوِها من الآياتِ. وأمَّا قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فهذا إذا ترتَّبَ على السبِّ المذكورِ سبُّهم للهِ فإنهُ يُترَكُ؛ لما يترتبُ عليهِ من الشرِّ. * ومن مقاماتِهم المتنوعةِ معَ النبيِّ ﷺ : أنهم كانوا يقترحونَ الآياتِ بحسبِ أهوائِهم، ويقولونَ: إنْ كنتَ صادقًا فأتنا بعذابِ اللهِ، أو بما تعدُنا، أو أزِلْ عنا جبالَ مكةَ، واجعلْ لنا فيها أنهارًا وعيونًا، وحتى يحصلَ لكَ كذا وكذا مما ذكرَهُ اللهُ عنهم. فيجيبُهم اللهُ عن هذهِ الأقوالِ بأنَّ رسولَهُ ﷺ قدْ أيدَهُ اللهُ بالآياتِ، واللهُ أعلمُ بما ينزلُ من آياتهِ، وأعلمُ بما هوَ أنفعُ لهم، وأنهُ قدْ حصلَ المقصودُ من بيانِ صدقهِ، وقامَتِ الأدلةُ والبراهينُ على ذلكَ. فقولُ الجاهلِ الأحمقِ: لوْ كان كذا وكذا، جهلٌ منهُ، وكبرٌ، ومشاغبةٌ محضةٌ.

стр. 354

وتارةً يخبرُهم أنهُ لا يمنعهُ من الإتيانِ بها إلا الإبقاءُ عليهم، وأنها لوْ جاءَتْ لا يؤمنونَ، فعندَ ذلكَ يعاجلُهم اللهُ بالعقابِ. وتارةً يبينُ لهم أنَّ الرسولَ إنما هوَ نذيرٌ مبينٌ، ليسَ لهُ من الأمرِ شيءٌ، ولا من الآياتِ شيءٌ، وأنَّ هذا من عندِ اللهِ، فطلبُهم من الرسولِ محضُ الظلمِ والعدوانِ، وهذهِ المعاني في القرآنِ كثيرةٌ بأساليبَ متعددةٍ. وأحيانًا يقدحونَ في الرسولِ قدحًا يعترضونَ فيه على اللهِ، وأنهُ ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ومحمدٌ ليسَ كذلكَ، وأنكَ -يا محمدُ- لستَ بأَوْلى بفضلِ اللهِ منَّا، فلأيِّ شيءٍ تفضُلُ علينا بالوحيِ، ونحوه من الأقوالِ الناشئةِ عن الحسدِ. فيجيبُهم اللهُ بذكرِ فضلهِ، وأنَّ فضلَهُ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ، وأنهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَهُ والمحلَّ اللائقَ بها، ويشرحُ لهم من صفاتِ رسولهِ التي يشاهدونَها رأيَ عينٍ ما يعلمونَ هم وغيرُهم أنهُ أعظمُ رجلٍ في العالمِ، وأنهُ ما وُجِدَ ولنْ يوجدَ أحدٌ يقارِبهُ في الكمالِ، مؤيدًا ذلكَ بالأمورِ المحسوسةِ والبراهينِ المسلمةِ، وقدْ أبدَى اللهُ هذهِ المعانيَ وأعادَها معهم في مواضعَ كثيرةٍ. * ومن مقاماتهِ ﷺ معَ المؤمنينَ: الرأفةُ العظيمةُ، والرحمةُ لهم، والمحبةُ التامةُ، والقيامُ معهم في كلِّ أمورِهم، وأنهُ لهم (١) أرحمُ وأَرْأَفُ من آبائِهم وأمهاتِهم، وأحنى عليهم من كلِّ أحدٍ، كما قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ

стр. 355

وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فلم يزَلْ يدعُو إلى التوحيدِ وعقائدِ الدينِ وأصولهِ، ويقررُ ذلكَ بالبراهينِ والآياتِ المتنوعةِ، ويحذرُ من الشركِ والشرورِ كلِّها، منذُ بُعِثَ إلى أنْ استكملَ بعدَ بعثتهِ نحوَ عشرِ سنينَ، وهوَ يدعُو إلى اللهِ على بصيرةٍ. * ثم أُسرِيَ بهِ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى؛ ليريَهُ من آياتهِ، وعرجَ بهِ إلى فوقِ السمواتِ السبعِ. وفرَضَ اللهُ عليهِ الصلواتِ الخمسَ بأوقاتِها وهيئاتِها، وجاءهُ جبريلُ على أثرِها، فعلَّمَهُ أوقاتَها وكيفياتِها، وصلَّى بهِ يومينِ: اليومَ الأولَ صلَّى الصلواتِ الخمسَ في أولِ وقتِها، واليومَ الثاني في آخرِ الوقتِ، وقالَ: «الصلاةُ ما بينَ هذينِ الوقتينِ» (١). ففُرضَتِ الصلواتُ الخمسُ قبلَ الهجرةِ بنحوِ ثلاثِ سنينَ، ولم يُفرَضِ الأذانُ في ذلكَ الوقتِ، ولا بقيةُ أركانِ الإسلامِ. وانتشَرَ الإسلامُ في المدينةِ وما حولَها، ومن جملةِ الأسبابِ: أنَّ الأوسَ والخزرجَ كانَ اليهودُ في المدينةِ جيرانًا لهم، وقدْ أخبرُوهم أنهم ينتظرونَ نبيًّا قدْ أظلَّ زمانهُ، وذكرُوا من أوصافهِ ما دلَّهم عليهِ؛ فبادَرَ الأوسُ والخزرجُ لما اجتمعُوا بالنبيِّ ﷺ في مكةَ وتيقنُوا أنهُ رسولُ اللهِ، وأما اليهودُ فاستولَى عليهم الشقاءُ والحسدُ، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
следующие страницы →