← Тафсир

Тафсир · id 1461

تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - ت المزيد

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (426 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وبضدِّهِ تُعرفُ الحكمةُ في هدايتهِ للمؤمنينَ، وأنهم لما كانوا منصفينَ ليسَ غرضُهم إلا الحقَّ، ولا لهم قصدٌ إلا طلبَ رضا ربِّهم؛ هداهم اللهُ بالقرآنِ، وازدادَتْ بهِ علومُهم ومعارفُهم وإيمانُهم وهدايتُهم المتنوعةُ، قالَ تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦]. وهذا الوصفُ الجليلُ للمؤمنينَ هوَ الأساسُ لهدايتِهم، وزيادةِ إيمانِهم، وانقيادِهم، وبهِ ينفتحُ لكَ البابُ في فهمِ الآياتِ في أوصافِ المؤمنينَ، وسرعةِ انقيادِهم للحقِّ: أصولهِ وفروعهِ. * ومن مقاماتِ النبيِّ ﷺ معَ المكذبينَ لهُ: أنهُ يدعُوهم بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، ويجادلُهم بالتي هيَ أحسنُ، ويدعُوهم أفرادًا ومتفرقينَ، ويذكِّرُهم بالقرآنِ، ويتلوهُ في الصلاةِ وخارجِها. وكانوا إذا سمعُوهُ صمُّوا آذانَهم، وقدْ يسبونَهُ ويسبونَ مَنْ أنزلَهُ، فأنزلَ اللهُ على رسولهِ آياتٍ كثيرةً في هذا المعنى، يبيِّنُ حالَهم معَ سماعِ القرآنِ، وشدةَ نفورِهم كأنهم حمرٌ مستنفرةٌ فرَّتْ من قسورةٍ، وأنَّ شياطينَهم ورؤساءَهم في الشرِّ فكَّرُوا وقدَّرُوا ونظرُوا فيما يقولونَ عن القرآنِ ويصفونَهُ بهِ؛ لينفِّرُوا عنهُ الناسَ، حتى قَرَّ قرارُ رئيسِهم الوليدِ بنِ المغيرةِ الذي سماهُ اللهُ وحيدًا، فقالَ: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٤ - ٢٥]، ولكنْ أبَى اللهُ إلا أنْ يعلوَ هذا الكلامُ كلَّ كلامٍ، ويزهقَ هذا الحقُّ كلَّ باطلٍ.

стр. 352

وكانوا من إفكِهم يقولونَ في القرآنِ الأقوالَ المتناقضةَ، يقولونَ: إنهُ سحرٌ، إنهُ كهانةٌ، إنهُ شعرٌ، إنهُ كذبٌ، إنهُ أساطيرُ؛ فجعلُوا القرآنَ عضينَ (١). كلُّ هذا أَثَرُ البغضِ الذي أحرقَ قلوبَهم، حتى قالوا فيه مقالةَ المجانينِ. وكلَّما قالُوا قولًا من هذهِ الأقوالِ أنزلَ اللهُ آياتٍ يُبطلُ بها ما قالُوا، ويبينُ زورَهم وافتراءَهم وتناقضَهم. وكان من الأدلةِ والبراهينِ على رسالةِ محمدٍ ﷺ ، وأنَّ القرآنَ من عندِ اللهِ: مقابلةُ المكذبينَ لهُ، فإنَّ مَنْ نظَرَ إليها عَلِمَ أنها سلاحٌ عليهم، وأكبرُ دليل على أنهم مقاومونَ للحقِّ، ساعونَ في إبطالهِ، وأنهم على الباطلِ الذي ليسَ لهُ حظٌّ من العقلِ، كما ليسَ لهُ حظٌّ من الدينِ. وكانوا أيضًا يقولونَ في النبيِّ ﷺ الأقوالَ التي ليسَ فيها دلالةٌ على ما كانوا يعتقدونَ، وليسَ فيها نقصٌ بالنبيِّ ﷺ ، يقولونَ: لوْ أنَّ محمدًا صادقٌ لأنزلَ اللهُ ملائكةً يشهدونَ لهُ بذلكَ، ولأغناهُ اللهُ عن المشيِ في الأسواقِ، وطلبِ الرزقِ كما يطلبهُ غيرهُ، ولجعَلَ لهُ كذا وكذا مما توحِي إليهِ عقولُهم الفاسدةُ، ويذكرُها اللهُ في القرآنِ في مواضعَ متعددةٍ: • تارةً يصورُها للعبادِ فقطْ؛ لأنَّ مَنْ تصورَها عرَفَ بطلانَها، وأنها ليستْ من الشبهِ القادحةِ، فضلًا عن الحججِ المعتبرةِ. • وتارةً يصورُها ويذكرُ ما يبطلُها من الأمورِ الواضحةِ، وهذا كثيرٌ في القرآنِ.

стр. 353

* ومنْ مقاماتهم معَ النبيِّ ﷺ : أنهم يسعونَ أشدَّ السعيِ أنْ يكفَّ عن عيبِ آلهتِهم، والطعنِ في دينِهم، ويحبونَ أنْ يتارِكَهم ويتارِكُوهُ؛ لعلمِهم أنهُ إذا ذكَرَ آلهتَهم، ووصفَها بالصفاتِ التي هيَ عليهِ من النقصِ، وأنهُ ليسَ فيها شيءٌ من الصفاتِ يُوجِبُ أنْ تستحقَّ شيئًا من العبادةِ؛ يعرفونَ أنَّ الناسَ يعرفونَ ذلكَ، ويعترفونَ بهِ، فلا أحبَّ إليهم من التزويرِ، وإبقاءِ الأمورِ على علاتِها من غيرِ بحثٍ عن الحقائقِ؛ لأنهم يعرفونَ حقَّ المعرفةِ أنَّ الحقائقَ إذا بانَتْ ظهَرَ للخلقِ بطلانُ ما هم عليهِ، وهذا الذي منهُ يفرونَ. وهذا المقامُ أيضًا ذكرَهُ اللهُ في آياتٍ متعددةٍ، مثلَ قولهِ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ونحوِها من الآياتِ. وأمَّا قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فهذا إذا ترتَّبَ على السبِّ المذكورِ سبُّهم للهِ فإنهُ يُترَكُ؛ لما يترتبُ عليهِ من الشرِّ. * ومن مقاماتِهم المتنوعةِ معَ النبيِّ ﷺ : أنهم كانوا يقترحونَ الآياتِ بحسبِ أهوائِهم، ويقولونَ: إنْ كنتَ صادقًا فأتنا بعذابِ اللهِ، أو بما تعدُنا، أو أزِلْ عنا جبالَ مكةَ، واجعلْ لنا فيها أنهارًا وعيونًا، وحتى يحصلَ لكَ كذا وكذا مما ذكرَهُ اللهُ عنهم. فيجيبُهم اللهُ عن هذهِ الأقوالِ بأنَّ رسولَهُ ﷺ قدْ أيدَهُ اللهُ بالآياتِ، واللهُ أعلمُ بما ينزلُ من آياتهِ، وأعلمُ بما هوَ أنفعُ لهم، وأنهُ قدْ حصلَ المقصودُ من بيانِ صدقهِ، وقامَتِ الأدلةُ والبراهينُ على ذلكَ. فقولُ الجاهلِ الأحمقِ: لوْ كان كذا وكذا، جهلٌ منهُ، وكبرٌ، ومشاغبةٌ محضةٌ.

стр. 354

وتارةً يخبرُهم أنهُ لا يمنعهُ من الإتيانِ بها إلا الإبقاءُ عليهم، وأنها لوْ جاءَتْ لا يؤمنونَ، فعندَ ذلكَ يعاجلُهم اللهُ بالعقابِ. وتارةً يبينُ لهم أنَّ الرسولَ إنما هوَ نذيرٌ مبينٌ، ليسَ لهُ من الأمرِ شيءٌ، ولا من الآياتِ شيءٌ، وأنَّ هذا من عندِ اللهِ، فطلبُهم من الرسولِ محضُ الظلمِ والعدوانِ، وهذهِ المعاني في القرآنِ كثيرةٌ بأساليبَ متعددةٍ. وأحيانًا يقدحونَ في الرسولِ قدحًا يعترضونَ فيه على اللهِ، وأنهُ ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ومحمدٌ ليسَ كذلكَ، وأنكَ -يا محمدُ- لستَ بأَوْلى بفضلِ اللهِ منَّا، فلأيِّ شيءٍ تفضُلُ علينا بالوحيِ، ونحوه من الأقوالِ الناشئةِ عن الحسدِ. فيجيبُهم اللهُ بذكرِ فضلهِ، وأنَّ فضلَهُ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ، وأنهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَهُ والمحلَّ اللائقَ بها، ويشرحُ لهم من صفاتِ رسولهِ التي يشاهدونَها رأيَ عينٍ ما يعلمونَ هم وغيرُهم أنهُ أعظمُ رجلٍ في العالمِ، وأنهُ ما وُجِدَ ولنْ يوجدَ أحدٌ يقارِبهُ في الكمالِ، مؤيدًا ذلكَ بالأمورِ المحسوسةِ والبراهينِ المسلمةِ، وقدْ أبدَى اللهُ هذهِ المعانيَ وأعادَها معهم في مواضعَ كثيرةٍ. * ومن مقاماتهِ ﷺ معَ المؤمنينَ: الرأفةُ العظيمةُ، والرحمةُ لهم، والمحبةُ التامةُ، والقيامُ معهم في كلِّ أمورِهم، وأنهُ لهم (١) أرحمُ وأَرْأَفُ من آبائِهم وأمهاتِهم، وأحنى عليهم من كلِّ أحدٍ، كما قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ

стр. 355

وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فلم يزَلْ يدعُو إلى التوحيدِ وعقائدِ الدينِ وأصولهِ، ويقررُ ذلكَ بالبراهينِ والآياتِ المتنوعةِ، ويحذرُ من الشركِ والشرورِ كلِّها، منذُ بُعِثَ إلى أنْ استكملَ بعدَ بعثتهِ نحوَ عشرِ سنينَ، وهوَ يدعُو إلى اللهِ على بصيرةٍ. * ثم أُسرِيَ بهِ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى؛ ليريَهُ من آياتهِ، وعرجَ بهِ إلى فوقِ السمواتِ السبعِ. وفرَضَ اللهُ عليهِ الصلواتِ الخمسَ بأوقاتِها وهيئاتِها، وجاءهُ جبريلُ على أثرِها، فعلَّمَهُ أوقاتَها وكيفياتِها، وصلَّى بهِ يومينِ: اليومَ الأولَ صلَّى الصلواتِ الخمسَ في أولِ وقتِها، واليومَ الثاني في آخرِ الوقتِ، وقالَ: «الصلاةُ ما بينَ هذينِ الوقتينِ» (١). ففُرضَتِ الصلواتُ الخمسُ قبلَ الهجرةِ بنحوِ ثلاثِ سنينَ، ولم يُفرَضِ الأذانُ في ذلكَ الوقتِ، ولا بقيةُ أركانِ الإسلامِ. وانتشَرَ الإسلامُ في المدينةِ وما حولَها، ومن جملةِ الأسبابِ: أنَّ الأوسَ والخزرجَ كانَ اليهودُ في المدينةِ جيرانًا لهم، وقدْ أخبرُوهم أنهم ينتظرونَ نبيًّا قدْ أظلَّ زمانهُ، وذكرُوا من أوصافهِ ما دلَّهم عليهِ؛ فبادَرَ الأوسُ والخزرجُ لما اجتمعُوا بالنبيِّ ﷺ في مكةَ وتيقنُوا أنهُ رسولُ اللهِ، وأما اليهودُ فاستولَى عليهم الشقاءُ والحسدُ، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].

стр. 356

وكان المسلمونَ في مكةَ في أذًى شديدٍ من قريشٍ، فأَذِنَ لهم النبيُّ ﷺ في الهجرةِ أولًا إلى الحبشةِ، ثم لما أسلَمَ كثيرٌ من أهلِ المدينةِ صارَتِ الهجرةُ إلى المدينةِ. * وحينَ خافَ أهلُ مكةَ من هذهِ الحالِ اجتمعَ ملؤُهم ورؤساؤُهم في دارِ الندوةِ يريدونَ القضاءَ التامَّ على النبيِّ ﷺ ؛ فاتفقَ رأيُهم أنْ ينتخبُوا من قبائلَ قريشٍ من كلِّ قبيلةٍ رجلًا شجاعًا، فيجتمعونَ ويضربونَهُ بسيوفِهم ضربةً واحدةً، قالُوا: لأجلِ أنْ يتفرَّقَ دمهُ في القبائلِ، فتعجزُ بنو هاشمٍ عن مقاومةِ سائرِ قريشٍ، فيرضونَ بالديةِ، فهم يمكرونَ ويمكرُ اللهُ واللهُ خيرُ الماكرينَ. فجاءَ الوحيُ إلى النبيِّ ﷺ ، وعزَمَ على الهجرةِ، وأخبَرَ أبا بكرٍ بذلكَ وطلبَ منهُ الصحبةَ، فأجابَهُ إلى ذلكَ، وخرجَ في تلكَ الليلةِ التي اجتمعُوا على الإيقاعِ بهِ، وأمَرَ عليًّا أنْ ينامَ على فراشهِ، وخرجَ هوَ وأبو بكرٍ إلى الغارِ، فلم يزالوا يرصدونَهُ حتى برقَ الفجرُ، فخرجَ إليهم عليٌّ فقالوا: أينَ صاحبُكَ؟ قالَ: لا أدرِي. ثم ذهبُوا يطلبونَهُ في كلِّ وجهةٍ، وجعلُوا الجِعالاتِ الكثيرةَ لمنْ يأتي بهِ، وكانَ الجبلُ الذي فيه الغارُ قدْ امتلأَ من الخلقِ يطلبونَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ أبو بكرٍ: يا رسولَ اللهِ، لوْ نظَرَ أحدُهم إلى قدميهِ لأبصَرَنا. فقالَ: «يا أبا بكرٍ، ما ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهما» (١)؟ وأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].

стр. 357

فهاجَرَ إلى المدينةِ واستقرَّ بها، وأُذِنَ لهُ في القتالِ بعدَما كانَ قبلَ الهجرةِ ممنوعًا؛ لحكمةٍ مشاهدةٍ، فقالَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]، وجعَلَ يُرسلُ السرايا. * ولما كانتِ السنةُ الثانيةُ فرَضَ اللهُ على العبادِ الزكاةَ والصيامَ، فآياتُ الصيامِ والزكاةِ إنما نزلَتْ في هذا العامِ وقتَ فرضِها، وأما قولهُ تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] فإنَّ المرادَ زكاةُ القلبِ وطهارتهُ بالتوحيدِ وتركِ الشركِ. * وفي السنةِ الثانيةِ أيضًا كانتْ وقعةُ بدرٍ، وسببُها أنَّ عيرًا لقريشٍ تحملُ تجارةً عظيمةً من الشامِ، خرجَ النبيُّ ﷺ بمن خفَّ مِنْ أصحابهِ لطلبِها، فخرجَتْ قريشٌ لحمايتِها، وتوافَوا في بدرٍ على غيرِ ميعادٍ، فالعيرُ نجَتْ والنفيرُ التقَوا معَ الرسولِ وأصحابهِ، وكانوا ألفًا كاملي العددِ والخيلِ، والمسلمونَ ثلاثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ، على سبعينَ بعيرًا يَعتَقِبُونَها. فهزَمَ اللهُ المشركينَ هزيمةً عظيمةً: قُتلَتْ سَرَواتُهم وصناديدُهم، وأُسِرَ مَنْ أُسِرَ منهم، وأصابَ المشركينَ مصيبةٌ ما أُصيبوا بمثلِها. وهذهِ الغزوةُ أنزلَ اللهُ فيها وفي تفاصيلِها سورةَ (الأنفال). وبعدَما رجَعَ إلى المدينةِ منها مظفرًا منصورًا ذلَّ مَنْ بقيَ ممنْ لم يُسلِمْ من الأوسِ والخزرجِ، ودخلَ بعضُهم في الإسلامِ نفاقًا؛ ولذلكَ جميعُ الآياتِ التي نزلَتْ في المنافقينَ إنما كانتْ بعدَ غزوةِ بدرٍ. * ثم في السنةِ الثالثةِ كانتْ غزوةُ أُحدٍ: غزا المشركونَ وجيَّشُوا الجيوشَ على المسلمينَ، حتى وصلُوا إلى أطرافِ المدينةِ، وخرَجَ إليهم رسولُ اللهِ ﷺ بأصحابهِ، وعبَّأَهم ورتَّبَهم، والتقَوا في أُحدٍ عندَ الجبلِ المعروفِ شمالي المدينةِ.

стр. 358

وكانتِ الدائرةُ في أولِ الأمرِ على المشركينَ، ثم لما ترَكَ الرماةُ مركزَهم الذي رتَّبَهم فيه رسولُ اللهِ ﷺ وقالَ لهم: «لا تبرَحُوا عنهُ، ظهَرْنا أو غُلبْنا» (١)، وجاءتِ الخيلُ معَ تلكَ الثغرةِ وكان ما كان، حصَلَ على المسلمينَ في أُحدٍ مقتلةٌ أكرمَهم اللهُ بالشهادةِ في سبيلهِ. وذكَرَ اللهُ تفصيلَ هذهِ الغزاةِ في سورةِ (آل عمران)، وبسَطَ متعلقاتِها، فالوقوفُ على هذهِ الغزوةِ من كتبِ السيرِ يعينُ على فهمِ الآياتِ الكثيرةِ التي نزلَتْ فيها كبقيةِ الغزواتِ. * ثم في السنةِ الرابعةِ تواعَدَ المسلمونَ والمشركونَ فيها في بدرٍ، فجاءَ المسلمونَ لذلكَ الموعدِ، وتخلَّفَ المشركونَ معتذرينَ أنَّ السنةَ مُجدِبةٌ، فكتبَها اللهُ غزوةً للمسلمينَ، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٧٤]. * ثم في سنةِ خمسٍ كانتْ غزوةُ الخندقِ: اتفقَ أهلُ الحجازِ وأهلُ نجدٍ، وظاهرَهم بنو قريظةَ من اليهودِ على غزوِ النبيِّ ﷺ ، وجمعُوا ما يقدرونَ عليهِ من الجنودِ، فاجتمَعَ نحوُ عشرةِ آلافِ مقاتلٍ وقصدوا المدينةَ. ولما سَمِعَ بهم النبيُّ ﷺ خندَقَ على المدينةِ، وخرَجَ المسلمونَ نحوَ الخندقِ. وجاءَ المشركونَ كما وصفَهم اللهُ بقولهِ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، ومكثُوا محاصرينَ المدينةَ عدةَ

стр. 359

أيامٍ، وحالَ الخندقُ بينَهم وبينَ اصطدامِ الجيوشِ، وحصلَ مناوشاتٌ يسيرةٌ بينَ أفرادٍ من الخيلِ، وسبَّبَ اللهُ عدةَ أسبابٍ لانخذالِ المشركينَ، ثم انشمَرُوا إلى ديارِهم. فلما رجعُوا خائبينَ لم ينالوا ما كانوا جازمينَ على حصولهِ تفرَّغَ النبيُّ- ﷺ لبني قريظةَ الذينَ ظاهَرُوا المشركينَ بقولِهم وتشجيعِهم على قصدِ المدينةِ، ومظاهرتِهم الفعليةِ، ونقضِهم ما كانَ بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ ؛ فحاصَرَهم، فنزلُوا على حكمِ سعدِ بنِ معاذٍ، فحكَمَ أنْ تُقتلَ مقاتلتُهم، وتُسبَى ذرارِيهم. وفي هذهِ الغزوةِ أنزلَ اللهُ صدرَ سورةِ (الأحزاب) من قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، إلى قولهِ: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب: ٢٧]. * ثم في سنةِ ستٍ من الهجرةِ اعتمَرَ ﷺ وأصحابُهُ عمرةَ الحديبيةِ، وكانَ البيتُ لا يُصدُّ عنهُ أحدٌ، فعزمَ المشركونَ على صدِّ النبيِّ ﷺ عنهُ، ولما بلَغَ الحديبيةَ ورأى المشركينَ قدْ أخذَتْهم الحميةُ الجاهليةُ جازمينَ على القتالِ دخَلَ معهم في صلحٍ؛ لحقنِ الدماءِ في بيتِ اللهِ الحرامِ، ولما في ذلكَ من المصالحِ. وصارَ الصلحُ على أنْ يرجعَ النبيُّ ﷺ عامَهُ هذا، ولا يدخلَ البيتَ، ويكونَ القضاءُ من العامِ القابلِ، وتضعَ الحربُ أوزارَها بينَهم عشرَ سنينَ؛ فكرِهُ جمهورُ المسلمينَ هذا الصلحَ حينَ توهمُوا أنَّ فيه غضاضةً على المسلمينَ، ولم يطَّلعُوا على ما فيه من المصالحِ الكثيرةِ.

стр. 360

فرجَعَ ﷺ عامَهُ ذلكَ، وقضَى هذهِ العمرةَ في عامِ سبعٍ من الهجرةِ، فأنزَلَ اللهُ في هذهِ القضيةِ سورةَ (الفتح) بأكملِها ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. فكانَ هذا الفتحُ لما فيه من الصلحِ الذي تمكَّنَ فيه المسلمونَ من الدعوةِ إلى الإسلامِ، ودخولِ الناسِ في دينِ اللهِ حينَ شاهدُوا ما فيه من الخيرِ والصلاحِ والنورِ. وقدْ تقدَّمَ أنَّ قصةَ بني قريظةَ دخلَتْ في ضمنِ قصةِ الخندقِ، أما قبيلةُ بني النضيرِ من اليهودِ فإنها قبلَ ذلكَ، حينَ همُّوا بالفتكِ بالنبيِّ ﷺ ، وكانوا على جانبِ المدينةِ؛ غزاهم ﷺ ، واحتمَوا بحصونِهم، ووعدَهم المنافقونَ حلفاؤُهم بنصرتِهم، فألقى اللهُ الرعبَ في قلوبِهم، وأنزلَهم رسولُ اللهِ ﷺ على أنْ يُجْلَوا عن ديارِهم، ولهم ما حملَتْ إبلُهم، ويدعُوا الأرضَ والعقارَ وما لم تحملْهُ الإبلُ للمسلمينَ؛ فأنزلَ اللهُ في هذهِ القضيةِ أولَ سورةِ (الحشر): ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] إلى آخرِ القصةِ. * وفي سنةِ ثمانٍ من الهجرةِ، وقدْ نقضَ قريشٌ العهدَ الذي بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ ؛ غزا مكةَ في جندٍ كثيفٍ من المسلمينَ يقارِبُ عشرةَ آلافٍ، فدخلَها فاتحًا لها، ثم تمَّمَها بغزوِ حنينٍ على هَوازِنَ وثَقِيفٍ، فتمَّ بذلكَ نصرُ اللهِ لرسولهِ وللمسلمينَ، وأنزلَ اللهُ في ذلكَ أولَ سورةِ (التوبة). * وفي سنةِ تسعٍ من الهجرةِ غزا تبوكَ، وأوعَبَ المسلمونَ معهُ، ولم يتخلَّفْ إلا أهلُ الأعذارِ، وأناسٌ من المنافقينَ، وثلاثةٌ من صُلَحاءِ المؤمنينَ: كعبُ بنُ مالكٍ وصاحباهُ. وكان الوقتُ شديدًا، والحرُّ شديدًا، والعدوُّ كثيرًا، والعسرةُ مشتدةً، فوصَلَ إلى تبوكَ ومكَثَ عشرينَ يومًا ولم يحصُلْ قتالٌ، فرجعَ إلى المدينةِ؛ فأنزلَ اللهُ في هذهِ الغزوةِ

стр. 361

آياتٍ كثيرةً من سورةِ (التوبة)، يذكرُ تعالى تفاصيلَها وشدتَها، ويُثنِي على المؤمنينَ، ويذمُّ المنافقينَ وتخلَّفَهم، ويذكرُ توبتَهُ على النبيِّ والمهاجرينَ والأنصارِ الذينَ اتبعوهُ في ساعةِ العسرةِ، ويَدخلُ معهم الثلاثةُ الذينَ خُلِّفُوا بعدَ توبتِهم وإنابتِهم. وفي مطاوي هذهِ الغزواتِ يذكُرُ اللهُ آياتِ الجهادِ وفرضَهُ وفضلَهُ وثوابَ أهلهِ، وما للناكلينَ عنهُ من الذلِّ العاجلِ والعقابِ الآجلِ، كما أنهُ في أثناءِ هذهِ المدةِ يُنزلُ اللهُ الأحكامَ الشرعيةَ شيئًا فشيئًا بحسبِ ما تقتضيهِ حكمتهُ. * وفي سنةِ تسعٍ من الهجرةِ أو سنةِ عشرٍ فرَضَ اللهُ الحجَّ على المسلمينَ، وكانَ أبو بكرٍ حجَّ بالناسِ سنةَ تسعٍ، ونبذَ إلى المشركينَ عهودَهم، وأتمَّ عهودَ الذينَ لم ينقضُوا. ثم حجَّ النبيُّ ﷺ بالمسلمينَ سنةَ عشرٍ، واستوعَبَ المسلمينَ معهُ، وأَعلمَهم بمناسكِ الحجِّ والعمرةِ بقولهِ وفعلهِ، وأنزلَ اللهُ الآياتِ التي في الحجِّ وأحكامهِ، وأنزلَ اللهُ يومَ عرفةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فلم يبقَ من العلومِ النافعةِ علمٌ إلا بيَّنَهُ لهم؛ فإنَّ القرآنَ تبيانٌ لكلِّ شيءٍ: فعلومُ الأصولِ، وعلومُ الفروعِ والأحكامِ، وعلومُ الأخلاقِ والآدابِ، وعلومُ الكونِ، وكلُّ ما يحتاجهُ الخلقُ من ذلكَ اليومِ إلى أنْ تقومَ الساعةُ؛ ففي القرآنِ بيانهُ والإرشادُ إليهِ، وهوَ الذي إليهِ المرجعُ في جميعِ الحقائقِ الشرعيةِ والعقليةِ، ومحالٌ وممتنعٌ أنْ يأتيَ علمٌ صحيحٌ -لا محسوس ولا معقول- ينقضُ شيئًا مما جاءَ بهِ القرآنُ؛ فإنهُ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾

стр. 362

[الأحزاب: ٤]، فهذهِ الآيةُ جمعَتْ بينَ نوعَي العلومِ: فإنَّ العلومَ وسائلُ (١)، ومقاصدُ وهوَ الحقُّ الذي يقولهُ اللهُ في كتابهِ وعلى لسانِ رسولهِ؛ ونوعٌ وسائلُ، وهوَ الهدايةُ إلى السبيلِ إلى كلِّ علمٍ وعملٍ. كما أنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] جمعَتِ الكمالَ في ألفاظهِ ومعانيهِ: - فألفاظُهُ أوضحُ الألفاظِ وأبلغُها وأحسنُها تفسيرًا لكلِّ ما تفسِّرهُ من الحقائقِ، بوضوحِها وأحكامِها وقوامِها. - ومعانيهِ كلُّها حقٌّ. وذلكَ أنهُ: ﴿تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، ﴿صِدْقًا﴾ في أخبارِها، ﴿وَعَدْلًا﴾ في أحكامِها: أوامرِها ونواهِيها، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فأحكامُهُ على الإطلاقِ أحسنُ الأحكامِ، وأنفعُها للعبادِ، فهذا في شرعهِ ودينهِ، ونظيرهُ في خَلْقهِ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٧]. * وقدْ جمعَ اللهُ في كتابهِ بينَ المتقابلاتِ العامةِ؛ وذلكَ لكمالِ هذا الكتابِ وأحكامهِ كالأمثلةِ السابقةِ، وكما في قولهِ تعالى: * ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فإنَّ البرَّ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبهُ اللهُ ويرضاهُ من العقائدِ والأخلاقِ والأعمالِ. والتقوى: اسمٌ جامعٌ لما يجبُ اتقاؤهُ من جميعِ المآثمِ والمضارِّ؛ ولهذا قالَ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فالإثمُ: المعاصِي

стр. 363

المتعلقةُ بحقوقِ اللهِ، والعدوانُ: البغيُ على الخلقِ في الدماءِ والأموالِ والأعراضِ والحقوقِ. * وكذلك قولهُ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] فجمَعَ بينَ زادِ سفرِ الدنيا، وزادِ سفرِ الآخرةِ بالتقوى. * وكذلكَ قولهُ تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] فهذا اللباسُ الحسيُّ الضروريُّ والكماليُّ، ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] فهذا اللباسُ المعنويُّ، وإنْ شئتَ قلتَ عن الأولِ: إنهُ لباسُ البدنِ، وعن لباسِ التقوى: إنها لباسُ القلبِ والروحِ. * وكذلك قولهُ تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] جمَعَ لهم بينَ نعيمِ الظاهرِ بالنضرةِ والحسنِ والبهاءِ، ونعيمِ الباطنِ بكمالِ الفرحِ والسرورِ. * وكذلك قولهُ في صفةِ نساءِ الجنةِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] فوصفهنَّ بجمالِ الباطنِ بحسنِ الخلقِ الكاملِ، وجمالِ الظاهرِ بأنهنَّ حسانُ الوجوهِ وجميعُ الظاهرِ. * ولما ذكرَ السيرَ الحسيَّ ذكرَ السيرَ المعنويَّ، فقالَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]. * وكذلك قولهُ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: ٧١] أي: أفرادًا؛ بدليلِ قولهِ: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. * وكذلك قولهُ: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦] كذَّبَ الخبرَ، وتولَّى عن الطاعةِ، التكذيبُ: انحرافُ الباطنِ، والتولي: انحرافُ الظاهرِ. ونظيرهُ قولهُ: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه: ٤٨].

стр. 364

وضدُّ ذلكَ ما رتبَ اللهُ على الإيمانِ والعملِ الصالحِ من خيرِ الدنيا والآخرةِ؛ فإنَّ الإيمانَ ضدُّ التكذيبِ، والتوليَ ضدُّ الاستقامةِ والعملِ الصالحِ. * وكذلك قولهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، تجمعُ جميعَ ما يُرادُ من العبدِ، فالعبادةُ حقُّ اللهِ على العبدِ، والإعانةُ من ربهِ إسعافهُ بما استعانَ عليهِ من عبوديةِ ربهِ وغيرِها من منافعهِ، فالعبدُ في عبادةٍ للهِ واستعانةٍ بهِ. * وكذلك قولهُ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] فجمَعَ للمؤمنِ العاملِ للصالحاتِ بينَ طيبِ الحياةِ في الدنيا والآخرةِ. ونظيرُه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [النحل: ٤١]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]. * وكذلك قولهُ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في مواضعَ، نفَى جميعَ المكروهِ الماضي بنفيِ الحزنِ، والمستقبلِ بنفيِ الخوفِ. * وكذلك قولهُ تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] فالروحُ: اسمٌ جامعٌ لنعيمِ القلبِ، والريحانُ: اسمٌ جامعٌ لنعيمِ الأبدانِ؛ وجنةُ نعيمٍ: تجمعُ الأمرينِ. * وكذلك قولهُ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ١٢٤] أي: القرآنِ الذي أنزلَهُ، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ جمَعَ له بينَ عذابِ الدنيا، وعذابِ البرزخِ وعذابِ دارِ القرارِ. * وكذلك قولهُ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥] أي: متكبرٍ على الحقِّ، جبارٍ على الخلقِ.

стр. 365

ومثلُه: ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] أي: معتدٍ في البغيِّ على عبادِ اللهِ، ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: متجرئٍ على محارمِ اللهِ. * وكذلك قولهُ في مواضعَ: ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فالوليُّ: الذي يَجلِبُ لمولِّيهِ المنافعَ، والنصيرُ: الذي يدفعُ عنهُ المضارَّ.

стр. 366

فوائد منثورة منوعة غير مرتبة * الأمَّةُ: جاءَ في القرآنِ لعدةِ معاني: • جاءَ بمعنى: الإمامِ الجامعِ لخصالِ الخيرِ، مثلَ قولهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. • وبمعنى: الطائفةِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وهذا المعنى كثيرٌ. • وبمعنى: الملةِ والدينِ: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]. • وبمعنى: المدةِ الطويلةِ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. * السلطانُ: • أكثرُ استعمالهِ في القرآنِ بمعنى: الحجةِ، مثلَ قولهِ: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يونس: ٦٨]، ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠]. • ويأتي بمعنى: المُلْكِ، مثلَ قولهِ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩]. • ويأتي بمعنى: التسلطِ والسيطرةِ، مثلَ قولهِ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]. * اللسان: ورَدَ في القرآنِ لعدةِ معانٍ: • ورَدَ بمعنى: الجارحةِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]، و ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]، وهو كثير.

стр. 367

• وبمعنى: اللغةِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. • وبمعنى: الثناءِ الحسنِ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. * استوى: وردَتْ في القرآنِ على ثلاثةِ أوجهٍ: • تارةً تعدَّى ب (على)، فتدلُّ على العلوِّ والارتفاعِ، مثلَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣]. • وتعدَّى ب (إلى)، فتدلُّ على القصدِ، مثلَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]. • وتأتي بلا تعديةٍ بحرفٍ، فتدلُّ على الكمالِ، ومنهُ قولهُ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] أي: كَمُلَ في عقلهِ وأحوالهِ كلِّها. * التأويلُ: • أكثرُ ورودهِ في القرآنِ بمعنى: عاقبةِ الشيءِ وما يؤولُ إليهِ ووقتِ وقوعهِ، مثلَ قولهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: وقوعُ المخبرِ به من العذابِ، ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: هذا ما آلَتْ إليه وهذا وقوعُها. • وقدْ يأتي بمعنى: التفسيرِ، وهوَ قليلٌ، ومنهُ على أحدِ التفسيرينِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] أي: تفسيرَهُ، وعلى القولِ الآخرِ يكونُ من المعنى الأولِ، أي: وما يعلمُ حقيقةَ المخبرِ عنهُ إلا اللهُ وحدَهُ، فعلى هذا المعنى يتعينُ الوقوفُ على ﴿اللَّهُ﴾، وعلى المعنى الأولِ الذي بمعنى التفسيرِ يعطفُ عليهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي:

стр. 368

ما يعلمُ تفسيرَ المتشابهِ الذي يتشابهُ فهمهُ على أذهانِ أكثرِ الناسِ إلا اللهُ وإلا أهلُ العلمِ، فإنهم يعلمونَ تأويلَهُ بهذا المعنى. * الغافلُ: • ورَدَ في القرآنِ بمعنى: الجاهلِ، مثلَ قولهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦]. • وبمعنى: النسيانِ لذكرِ اللهِ ونسيانِ طاعتهِ، كقولهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]. * فائدةٌ: إخبارُ اللهِ أنهُ معَ عبادهِ يرِدُ في القرآنِ على أحدِ معنيينِ: • أحدُهما: المعيةُ العامةُ، كقولهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أي: هو معهم بعلمهِ وإحاطتهِ. • الثاني: المعيةُ الخاصةُ، وهيَ أكثرُ ورودًا في القرآنِ، وعلامتُها أنْ يقرنَها اللهُ بالاتصافِ بالأوصافِ التي يحبها، والأعمالِ التي يرتضيها، مثلَ قولهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. وهذهِ المعيةُ تقتضِي العنايةَ من اللهِ والنصرَ والتأييدَ والتسديدَ، بحسبِ قيامِ العبدِ بذلكَ الوصفِ الذي رُتِّبتْ عليهِ المعيةُ.

стр. 369

* ونظيرُ هذا التقسيمِ: وصفُ العبادِ بأنهم عبيدٌ للهِ، يَرِدُ في القرآنِ على نوعينِ: • نوعٌ عامٌّ، مثلَ قولهِ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] أي: مُعبَّدًا مملوكًا للهِ. • والنوعُ الثاني: العبوديةُ الخاصةُ، وهيَ تقتضِي أنَّ العبدَ بمعنى: العابدِ المتعبدِ لربهِ، القائمِ بعبوديتهِ، وذلكَ مثلُ قولهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، فبحسبِ قيامِ العبدِ بعبوديةِ ربهِ تحصلُ له كفايةُ اللهِ. * ونظيرُ هذا: القنوتُ، يردُ في القرآنِ على قسمينِ: • قنوتٌ عامٌّ، مثلَ قولهِ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ [الروم: ٢٦] أي: الكلُّ عبيدٌ خاضعونَ لربوبيتهِ وتدبيرهِ. • النوعُ الثاني -وهوَ الأكثرُ في القرآنِ-: القنوتُ الخاصُّ، وهوَ دوامُ الطاعةِ للهِ على وجهِ الخشوعِ، مثلَ قولهِ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ونحوها. * فائدةٌ: طغيانُ الرئاسةِ وطغيانُ المالِ يحملانِ صاحبَهما على الكبرِ والبطرِ والبغيِ على الحقِّ وعلى الخلقِ، برهانُ ذلكَ قولهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]، فعلَّلَ هذا التجرؤَ والطغيانَ بحصولِ المُلكِ ورؤيتهِ لنفسهِ الاستغناءَ.

стр. 370

أما الموفَّقونَ الأصفياءُ فإنهم في هذهِ الأحوالِ يخضعونَ للهِ، ويعترفونَ لهُ بالنعمةِ، ويزدادُ تواضعُهم؛ ولهذا لما رأى سليمانُ ﵇ من مُلكهِ مُلكًا كبيرًا، ورأى عرشَ ملكةِ سبأٍ مستقرًّا عندَهُ لم يطغَ ويقُل: (هذا مِنْ حولِي وقوتِي)، ونحوهُ، بلْ قالَ: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، وقالَ قبلَ ذلكَ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. * فائدةٌ: من الحكمةِ استعمالُ اللِّينِ في معاشرةِ المؤمنينَ، وفي مقامِ الدعوةِ للكافرينَ، كما قالَ تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقالَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، فأمرَ باللِّينِ في هذهِ المواضعِ، وذكَرَ ما يترتبُ عليهِ من المصالحِ. كما أنَّ من الحكمةِ استعمالَ الغلظةِ في موضعِها، قالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]؛ لأنَّ المقامَ هنا مقامٌ لا تفيدُ فيه الدعوةُ، بلْ قدْ تعيَّنَ فيه القتالُ، فالغلظةُ فيه من تمامِ القتالِ. وقدْ جمعَ اللهُ بينَ الأمرينِ في قولهِ في وصفِ خواصِّ الأمةِ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. * والفرقُ بينَ قولهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وبينَ قولهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] أنَّ هدايةَ الإرشادِ والتعليمِ والبيانِ هيَ التي أثبتَها لرسولهِ، بلْ ولكلِّ مَنْ لهُ تعليمٌ وإرشادٌ للخلقِ، كما قالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧].

стр. 371

وأمَّا هدايةُ التوفيقِ ووضعُ الإيمانِ في القلوبِ فإنها مختصَّةٌ باللهِ، فكما لا يخلقُ ولا يرزقُ ولا يحيي ويميتُ إلا اللهُ، فلا يهدِي إلا اللهُ. * والفرقُ بينَ التبصرةِ والتذكرةِ في مثلِ قولهِ: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨] أنَّ التبصرةَ: هيَ العلمُ بالشيءِ والتبصرُ فيه، والتذكرةَ: هيَ العملُ بالعلمِ اعتقادًا وعملًا. وتوضيحُ هذا: أنَّ العلمَ التامَّ النافعَ يفتقرُ إلى ثلاثةِ أمورٍ: • التفكر أولًا في آياتِ اللهِ المتلوةِ والمشهودةِ. • فإذا تفكَّرَ أدرَكَ ما تفكَّرَ فيه بحسبِ فهمهِ وذكائهِ، فعرَفَ ما تفكَّرَ فيه وفهمَهُ، وهذا هوَ التبصرُ. • فإذا علمَهُ عَمِلَ بهِ، فإنْ كانَ اعتقادًا وإيمانًا صدَّقَهُ بقلبهِ وأقرَّ بهِ واعترفَ، وإنْ اقتضى عملًا قلبيًّا أو قوليًّا أو بدنيًّا عَمِلَ بهِ، وهذا هوَ التذكرُ، وهوَ التذكرةُ، وحاصلُ ذلكَ هوَ معرفةُ الحقِّ واتباعهُ، ومعرفةُ الباطلِ واجتنابهُ. * و الفرقُ بينَ المواضعِ التي وردَ في القرآنِ أنَّ الناسَ لا يتساءلونَ، ولا يتكلمونَ، والمواضعِ التي ذُكِرَ فيها احتجاجُهم وتكلمُهم، وخطابُ بعضِهم لبعضٍ ؛ من وجهينِ: • أوجههُما: تقييدُ هذهِ المواضعِ بقولهِ: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، فإثباتُ الكلامِ المتعددِ من الخلقِ يومَ القيامةِ تبعٌ لإذنِ اللهِ لهم في ذلكَ. ونفيُ التساؤلِ والكلامِ في الحالةِ التي لم يؤذَنْ لهم. • الوجهُ الثاني: ما قالَهُ كثيرٌ من المفسرينَ: إنَّ القيامةَ لها أحوالٌ ومقاماتٌ، ففي بعضِ الأحوالِ والمقاماتِ يتكلمونَ، وفي بعضِها لا يتكلمونَ، وهذا الوجهُ لا ينافي الأولَ، فيُقالُ: هذهِ الأحوالُ والمقاماتُ تبعٌ لإذنِ اللهِ لهم أو عدمهِ.

стр. 372

* و الفرقُ بينَ إثباتِ اللهِ في القرآنِ الأنسابَ بينَ الناسِ في مواضعَ كثيرةٍ، ونفيِها في مواضعَ: • أنَّ المواضعَ المنفيةَ المرادُ بها أنَّ الأنسابَ لا تنفعُ، كما أنَّ جميعَ الأسبابِ لا تنفعُ يومَ القيامةِ إلا سببٌ واحدٌ، وهوَ الإيمانُ والعملُ الصالحُ، كما ذكرَهُ في كتابهِ في مواضعَ. • وأما المواضعُ المثبتةُ فهوَ المطابِقُ للحقيقةِ. ويُذكَرُ في كلِّ مقامٍ بحسبهِ: - ففي مقاماتِ الفضلِ والثوابِ: يذكرُ اللهُ فضلَهُ على الجميعِ بإلحاقِ الناقصِ من المؤمنينَ بالكاملِ من غيرِ نقصٍ لدرجةِ الكاملِ، مثلَ قولهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] أي: ما نقصناهم، ومثلَ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] ونحوها. - وفي مقاماتِ العدلِ والعقوبةِ: يذكرُ الأنسابَ وأنها لا تنفعُ، وأنَّ الأمرَ أعظمُ من أنْ يلتفتَ الإنسانُ إلى أقربِ الناسِ إليهِ، مثلَ قولهُ: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)﴾ [المعارج: ١١ - ١٣]، ومثلَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. * ونظيرُ هذا: الإخبارُ عن المجرمينَ: - أنهم يُسألونَ عن أعمالِهم، وذلكَ على وجهِ إظهارِ العدلِ والتوبيخِ والتقريعِ لهم والفضيحةِ.

стр. 373

- وفي بعضِ المواضعِ (١) مثل: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] أي: لا يحتاجُ في عِلمِ ذلكَ وجزائهِ عليهِ إلى سؤالهِ سؤالَ استعلامٍ؛ لأنها مسطرةٌ عليهم، قدْ حُفظتْ بالشهودِ من الملائكةِ والجوارحِ والأرضِ وغيرِها. * فائدةٌ: النفيُ المحضُ لا يكونُ كمالًا ؛ ولهذا في مقاماتِ المدحِ كلُّ نفيٍ في القرآنِ فإنهُ يفيدُ فائدتينِ: - نفيَ ذلكَ النقصِ المصرَّحِ بهِ. - وإثباتَ ضدهِ ونقيضهِ. فيدخلُ في هذا: أشياءُ كثيرةٌ، أعظمُها أنهُ أثنَى على نفسهِ بنفيِ أمورٍ كثيرةٍ تُنافِي كمالَهُ: • نَفَى الشريكَ في مواضعَ متعددةٍ، فيقتضِي توحدَهُ بالكمالِ المطلقِ، وأنهُ لا شريكَ لهُ في ربوبيتهِ وإلهيتهِ وأسمائهِ وصفاتهِ. • وسبَّحَ نفسَهُ في مواضعَ، وأخبرَ في مواضعَ عن تسبيحِ المخلوقاتِ، والتسبيحُ: تنزيهُ اللهِ عن كلِّ نقصٍ، وعن أنْ يماثلَهُ أحدٌ، وذلكَ يدلُّ على كمالهِ. • ونَفَى عن نفسهِ الصاحبةَ والولدَ، ومكافأةَ أحدٍ ومماثلتَهُ، وذلكَ يدلُّ على كمالهِ المطلقِ، وتفردهِ بالوحدانيةِ، والغِنى المطلقِ، والمُلكِ المطلقِ. • ونَفَى عن نفسهِ السِّنَةَ والنومَ والموتَ؛ لكمالِ حياتهِ وقيوميتهِ. • ونَفَى كذلكَ الظلمَ في مواضعَ كثيرةٍ، وذلكَ يدلُّ على كمالِ عدلهِ وسعةِ فضلهِ.

стр. 374

• ونَفَى أنْ يخفَى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، أو يعجزَهُ شيءٌ؛ وذلكَ لإحاطةِ علمهِ وكمالِ قدرتهِ. • ونَفَى العبثَ في مخلوقاتهِ وفي شرعهِ؛ وذلكَ لكمالِ حكمتهِ، وهذهِ فائدةٌ عظيمةٌ فاحفَظْها في خزانةِ قلبكَ، فإنها خيرُ الكنوزِ وأنفعُها. • وكذلكَ نَفَى عن كتابهِ القرآنِ الريبَ والعوجَ والشكَّ ونحوَها، وذلكَ يدلُّ على أنهُ الحقُّ في أخبارهِ وأحكامهِ، فأخبارهُ أصدقُ الأخبارِ وأحكمُها وأنفعُها للعبادِ، وأحكامهُ كلُّها محكمةٌ في كمالِ العدلِ والحسنِ والاستقامةِ على الصراطِ المستقيمِ. • وقالَ عن نبيهِ ﷺ : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، فنَفَى عنهُ: الضلالَ من جميعِ الوجوهِ، وهوَ عدمُ العلمِ، أو قِلَّتهُ، أو نقصهُ، أو عدمُ جودتهِ؛ والغيَّ وهوَ سوءُ القصدِ، فيدلُّ ذلكَ أنهُ أعلمُ الخلقِ على الإطلاقِ، وأهداهم وأعظمُهم علمًا ويقينًا وإيمانًا، وأنهُ أنصحُ الخلقُ للخلقِ، وأعظمُهم إخلاصًا للهِ وطلبًا لما عندهُ، وأبعدُهم عن الأغراضِ الرديئةِ. • وكذلكَ نَفَى عنهُ كلَّ نقصٍ قالَهُ أعداؤهُ فيه، وأنهُ في الذروةِ العليا من الكمالِ المضادِّ لذلكَ النقصِ. • وكذلكَ نَفَى اللهُ عن أهلِ الجنةِ الحزنَ والكدرَ والنصبَ واللغوبَ والموتَ وغيرَها من الآفاتِ، فيدلُّ ذلكَ على كمالِ سرورِهم وفرحِهم، واتصالِ نعيمِهم وكمالهِ، وكمالِ حياتِهم، وقوةِ شبابِهم، وكمالِ صحتهم، وتمامِ نعيمِهم الروحيِّ والقلبيِّ والبدنيِّ من كلِّ وجهٍ، وأنهُ لا أعلى منهُ حتى يُطلبَ عنهُ حولًا. • وعكسُ هذا: ما نَفَى القرآنُ عنهُ صفاتِ الكمالِ، فإنهُ يُثْبَتُ لهُ ضدُّ ذلكَ من النقصِ، كما نَفَى عن آلهةِ المشركينَ جميعَ الكمالاتِ القوليةِ والفعليةِ والذاتيةِ، وذلكَ يدلُّ على نقصِها من كلِّ وجهٍ، وأنها لا تستحقُّ من العبادةِ مثقالَ ذرةٍ.

стр. 375

* فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي: القوةِ والشجاعةِ في هذهِ الآيةِ، على أنَّ المَلِكَ إذا اجتمعَتْ فيه هاتانِ الخصلتانِ: العلمُ بالولايةِ والسياسةِ وحسنِ التدبيرِ، والشجاعةُ والقوةُ؛ فهوَ الذي يَصلحُ للولايةِ والمُلْكِ، وإنْ لم يكنْ من بيتِ المُلكِ ولا ذا مالٍ؛ فإن العبرةَ بجميعِ الولاياتِ إمكانُ إقامتِها والنهوضِ بها على أكملِ الحالاتِ، وولايةُ المُلكِ لا تتمُّ إلا بالعلمِ، والشجاعةِ القلبيةِ والبدنيةِ. * فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، يُؤخذُ من عمومِها اللفظيِّ والمعنويِّ: أنَّ كلَّ مطلوبٍ من المطالبِ المهمةِ ينبغِي أنْ يؤتَى من بابهِ، وهوَ أقربُ طريقٍ ووسيلةٍ يتوصَّلُ بها إليهِ، وذلكَ يقتضي معرفةَ الأسبابِ والوسائلِ معرفةً تامةً؛ ليسلكَ الأحسنَ منها والأقربَ والأسهلَ، والأقربَ نجاحًا، لا فرقَ بينَ الأمورِ العلميةِ والعمليةِ، ولا بينَ الأمورِ الدينيةِ والدنيويةِ، ولا بينَ الأمورِ المتعديةِ والقاصرةِ، وهذا من الحكمةِ. * فائدةٌ: لما ذكرَ اللهُ الأنبياءَ وأثنَى عليهم قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، تدلُّ على اتباعِ جميعِ الأنبياءِ في جميعِ هُداهم، واللهُ هَداهم في عقائدِهم وأخلاقِهم وأعمالِهم وأقوالِهم وأفعالِهم، فكلُّ أمرٍ أثنَى اللهُ فيه على أحدٍ من أنبيائهِ من عَقْدٍ أو خلقٍ أو عملٍ فإننا مأمورونَ بالاقتداءِ بهم، وذلكَ من هُداهم وهوَ أيضًا من شريعتِنا، فإنَّ اللهَ أمرَنا بذلكَ، كما أمرَنا بالأوصافِ العامةِ التي تدخلُ فيها مفرداتٌ كثيرةٌ. * فائدةٌ: إذا أمرَنا اللهُ في كتابهِ بأمرٍ كانَ أمرًا بذلكَ وبكلِّ أمرٍ لا يتمُّ إلا بهِ، فالأمرُ مثلًا بالصلاةِ أمرٌ بالطهارةِ وسترِ العورةِ، واجتنابِ النجاسةِ، واستقبالِ القبلةِ، وبجميعِ

стр. 376

شروطِها وأركانِها، وكذلكَ هوَ أمرٌ بمعرفتِها، ومعرفةِ ما لا تتمُّ إلا بهِ، وهذا من أعظمِ الأدلةِ على وجوبِ طلبِ العلمِ؛ فإنَّ المأموراتِ يتوقفُ تكميلُها على معرفتِها. وكذلكَ إذا نهانا اللهُ عن شيءٍ كان نهيًا عن كلِّ وسيلةٍ تُوصِلُ إليهِ. والأمرُ بالجهادِ أمرٌ بهِ، وبكلِّ ما يتوقفُ عليهِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، والأمرُ بتبليغِ الشريعةِ أمرٌ بكلِّ ما يحصلُ بهِ التبليغُ ويتمُّ ويكملُ ويشملُ، ويدخلُ في هذا إيصالُ الأحكامِ الشرعيةِ وتبليغُها للناسِ بجميعِ المقرِّباتِ الحادثةِ. * فائدةٌ: قدْ أخبرَ اللهُ في عدةِ آياتٍ بهدايتهِ الكفارَ على اختلافِ مللِهم ونحلِهم، وتوبتهِ على كلِّ مجرمٍ، وأخبرَ في آياتٍ أخرَ أنهُ: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨]، فما الجمعُ بينَها؟ فيُقالُ: قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] هيَ الفاصلةُ بينَ مَنْ هداهم اللهُ ومَن لم يهدِهم، فمن حقَّتْ عليهِ كلمةُ العذابِ؛ لعنادِهم، ولعلمِ اللهِ أنهم لا يصلحونَ للهدايةِ، بحيثُ صارَ الظلمُ والفسقُ وصفًا لهم ملازمًا غيرَ قابلٍ للزوالِ، ويُعلَمُ ذلكَ بظاهرِ أحوالِهم وعنادِهم ومكابرتِهم للحقائقِ؛ فهؤلاءِ يطبعُ اللهُ على قلوبِهم، فلا يدخلُها خيرٌ أبدًا، والجرمُ جرمُهم؛ فإنهم رأَوا سبيلَ الرشدِ فزهدُوا فيه، ورأَوا سبيلَ الغيِّ فرغبُوا فيه، واتخذُوا الشياطينَ أولياءَ من دونِ اللهِ. * فائدةٌ: وردَ في كثيرٍ من الآياتِ إضافةُ الأمورِ إلى قدرةِ اللهِ ومشيئتهِ وعمومِ خلقهِ، وفي آياتٍ كثيرةٍ إضافتُها إلى عاملِيها وفاعلِيها. وهذهِ الآياتُ المتنوعةُ تُنزَّلُ على الأصلِ العظيمِ المتفقِ عليهِ بينَ سلفِ الأمةِ، والذي دلَّ عليهِ العقلُ والنقلُ، وهوَ أنَّ جميعَ الأمورِ واقعةٌ بقضاءِ اللهِ وقدرهِ: أعيانِها

стр. 377

وأوصافِها وأفعالِها، وجميعَ ما حدثَ ويحدثُ لا يخرجُ شيءٌ منهُ عن قضائهِ وقدرهِ، ومعَ ذلكَ فقدْ جعلَ اللهُ الحوادثَ تبعًا لأسبابِها، ولإرادةِ الفاعلينَ لها وقدرتِهم عليها. فالآياتُ المتعددةُ المضافةُ إلى عمومِ قدرهِ تدلُّ على الأصلِ الأولِ، والآياتُ المتعددةُ المضافةُ إلى فاعلِيها تدلُّ على الأصلِ الثاني، ولا منافاةَ بينَهما؛ فإن أعمالَ العبادِ -مثلًا- تقعُ بفعلِهم وإرادتِهم وقدرتِهم، واللهُ خالقُهم وخالقُ قدرتِهم وإرادتِهم، وخالقُ السببِ التامِّ خالقٌ للمسبَّبِ، ومعَ ذلكَ فقدْ جعلَهم في أفعالِهم وتروكِهم مختارينَ غيرَ مجبورينَ. * فائدةٌ: يختمُ اللهُ كثيرًا من الآياتِ عندَما يبيِّنُ للعبادِ الأصولَ والأحكامَ النافعةَ؛ بقولهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وهذا يدلُّ على أمورٍ: • منها: أنَّ اللهَ يحبُّ منا أنْ نعقلَ أحكامَهُ وإرشاداتهِ وتعليماتهِ، فنحفظُها ونفهمُها ونعقلُها بقلوبِنا، ونؤيدُ هذا العقلَ ونثبتهُ بالعملِ بها. • ومنها: أنهُ كما يحبُّ منا أنْ نعقلَ هذا الحكمَ الذي بيَّنَهُ بيانًا خاصًّا؛ فإنهُ يحبُّ أنْ نعقلَ بقيةَ ما أنزلَ علينا من الكتابِ والحكمةِ، وأنْ نعقلَ آياتهِ المسموعةَ وآياتهِ المشهودةَ. • ومنها: أنَّ في هذا أكبرَ دليلٍ على أنَّ معرفةَ ما أنزلَ اللهُ إلينا من أعظمِ ما يربِّي عقولَنا، ويجعلُها عقولًا تفهمُ الحقائقَ النافعةَ والضارةَ، وترجِّحُ هذهِ على هذهِ، ولا تميلُ بها الأهواءُ والأغراضُ والخيالاتُ والخرافاتُ الضارةُ المفسدةُ للعقولِ. وإذا أردتَ معرفةَ مقاديرِ عقولِ الخلقِ على الحقيقةِ؛ فانظُرْ إلى عقولِ المهتدينَ بهدايةِ القرآنِ والسنةِ، وإلى عقولِ المنحرفينَ عن ذلكَ؛ تجِدِ الفرقَ العظيمَ.

стр. 378

ولا تحسبنَّ العقلَ هوَ الذكاءُ وقوةُ الفطنةِ، والفصاحةُ اللفظيةُ، وكثرةُ القيلِ والقالِ، وإنما العقلُ الصحيحُ أنْ يعقلَ العبدُ في قلبهِ الحقائقَ النافعةَ عقلًا يحيطُ بمعرفتِها، ويميزُ بينَها وبينَ ضدِّها، ويعرفُ الراجحَ من الأمورِ فيؤثِرهُ، والمرجوحَ أو الضارَّ فيتركهُ. وبعبارةٍ أخرى مختصرةٍ نقولُ: العقلُ هوَ الذي يُعقلُ بهِ العلومُ النافعةُ، ويَعْقِلُ صاحبَهُ ويمنعُهُ من الأمورِ الضارةِ. * فائدةٌ: ورَدَ في القرآنِ آياتٌ عامةٌ عُطِفَ عليهِ بعضُ أفرادِها الداخلةِ فيها، وذلكَ يدلُّ على فضيلةِ المخصوصِ وآكديَّتهِ، وأنَّ لهُ من المزايا ما أوجبَ النصَّ عليهِ، مثلَ قولهِ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] وهو جبريلُ، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠] دَخَلَ فيه الدينُ كلُّه، ثم قالَ: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، ومثلهُ: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أي: اتَّبِعْهُ، ويدخلُ في ذلك جميعُ الشرائعِ، ثم قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وذكَرَ السببَ في ذلكَ. إلى غيرِ ذلكَ من الآياتِ التي إذا تأملتَ المخصوصَ من العامِّ؛ علمتَ أنَّ ذلكَ لشرفهِ وآكديَّتهِ، وما يترتبُ عليهِ من الثمراتِ الطيبةِ. * فائدةٌ لطيفةٌ: في عدةِ آياتٍ من القرآنِ إذا ذكَرَ اللهُ الحكمَ لم ينصَّ على نفسِ الحكمِ عليهِ، بلْ يذكرُ من أسمائهِ الحسنى ما إذا عُلِمَ ذلكَ الاسمُ وعُلمَتْ آثارهُ؛ عُلِمَ أنَّ ذلكَ الحكمَ من آثارِ ذلكَ الاسمِ، وهذا إنهاضٌ من اللهِ لعبادهِ أنْ يعرفُوا أسماءَهُ حقَّ المعرفةِ، وأنْ يعلمُوا أنها الأصلُ في الخلقِ والأمرِ، وأنَّ الخلقَ والأمرَ من آثارِ أسمائهِ

стр. 379

الحسنى، وذلكَ مثلُ قولهِ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فيستفادُ أنَّ الفيئةَ يحبُّها اللهُ، وأنهُ يغفرُ لمن فاءَ ويرحمهُ، وأنَّ الطلاقَ كريهٌ إلى اللهِ، وأما المُؤْلِي إذا طلَّقَ فإنَّ اللهَ تعالى سيجازيهِ على ما فعلَ من السببِ وهوَ الإيلاءُ، والمسبَّبِ وهوَ ما ترتبَ عليهِ. ومثلُ هذا: قولهُ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] أي: فإنكم إذا عَلِمْتم ذلكَ رفَعْتم عنهُ العقوبةَ المتعلقةَ بحقِّ اللهِ، وهذا كثيرٌ. وقدْ يصرِّحُ اللهُ بالحكمِ ويعلِّلُهُ بذكرِ الأسماءِ الحسنى المناسبةِ لهُ. * فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] جمعَ اللهُ فيها أمورًا كثيرةً نافعةً في الدينِ والبدنِ والحالِ والمآلِ: • فالأمرُ بالأكلِ والشربِ يدلُّ على الوجوبِ، وأنَّ العبدَ لا يحلُّ لهُ تركُ ذلكَ شرعًا، كما لا يتمكنُ من ذلكَ قدرًا ما دامَ عقلهُ معَهُ. • وأنَّ الأكلَ والشربَ معَ نيةِ امتثالِ أمرِ اللهِ يكونُ عبادةً. • وأنَّ الأصلَ في جميعِ المأكولاتِ والمشروباتِ الإباحةُ، إلا ما نصَّ الشارعُ على تحريمهِ لضررهِ؛ لإطلاقِ ذلكَ. • وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ يأكلُ ما ينفعهُ ويناسبهُ ويليقُ بهِ، ويوافقُ لغناهُ وفقرهِ، ويوافقُ لصحتهِ ومرضهِ ولعادتهِ وعدمِها، لأنهُ حذَفَ المأكولَ، والآيةُ ساقَها اللهُ لإرشادِ العبادِ إلى منافعِهم، وهيَ تدلُّ على ذلكَ كلِّهِ.

стр. 380

• وعلى أنَّ أصلَ صحةِ البدنِ تدبيرُ الغذاءِ بأنْ يأكلَ ويشربَ ما ينفعهُ، ويُقيمُ صحتَهُ وقوتَهُ. • وعلى الأمرِ بالاقتصادِ في الغذاءِ، والتدبيرِ الحسنِ؛ لأنهُ لما أمَرَ بالأكلِ والشربِ نهَى عن السَّرَفِ. • وعلى أنَّ السَّرَفَ منهيٌ عنهُ، وخصوصًا في الأطعمةِ والأشربةِ؛ فإنَّ السَّرَفَ يضرُّ الدينَ والعقلَ والبدنَ والمالَ: - أما ضررهُ الدينيُّ: فكلُّ مَنْ ارتكَبَ ما نهَى اللهُ ورسولهُ عنهُ فقدْ انجرحَ دينهُ، وعليهِ أنْ يداويَ هذا الجرحَ بالتوبةِ والرجوعِ. - وأما ضررهُ العقليُّ: فإنَّ العقلَ يحملُ صاحبَهُ أنْ يفعلَ ما ينبغِي على الوجهِ الذي ينبغِي، ويُوجِبُ لهُ أنْ يدبرَ حياتَهُ ومعاشَهُ؛ ولهذا كانَ حسنُ التدبيرِ في المعاشِ مَنْ أبلغِ ما يدلُّ على عقلِ صاحبهِ، فمن تعدَّى الطَّوْرَ النافعَ إلى طَوْرِ الإسرافِ الضارِّ فلا ريبَ أنَّ ذلكَ لنقصِ عقلهِ؛ فإنهُ يستدلُّ على نقصِ العقلِ بسوءِ التدبيرِ. - وأما ضررهُ البدنيُّ: فإنَّ مَنْ أسرَفَ بكثرةِ المأكولاتِ والمشروباتِ انضرَّ بدنهُ واعتراهُ أمراضٌ خطرةٌ، وكثيرٌ من الأمراضِ إنما تحدثُ بسببِ الإسرافِ في الغذاءِ. ثم إنهُ ينضرُّ أيضًا من وجهٍ آخرَ، فإنَّ مَنْ عوَّدَ بدنَهُ شيئًا اعتادَهُ، فإذا عوَّدَهُ كثرةَ الأكلِ أو أكلَ الأطعمةِ المتنوعةِ، فربما تعذرَتْ في بعضِ الأحوالِ لفقرٍ أو غيرهِ، وحينئذٍ يفقدُ البدنُ ما كان معتادًا لهُ؛ فتنحرفُ صحتهُ. - وأما ضررهُ الماليُّ: فظاهرٌ؛ فإنَّ الإسرافَ يستدعِي كثرةَ النفقاتِ؛ ولهذا قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: تُلامُ على ما فعلتَ؛ لأنهُ في غيرِ طريقهِ، ﴿مَحْسُورًا﴾: فارغَ اليدِ.

стр. 381

وإخبارهُ أنهُ: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] دليلٌ على أنهُ يحبُّ المقتصدينَ؛ ففي هذهِ الآيةِ إثباتُ صفةِ المحبةِ للهِ، وأنها تتعلقُ بما يحبهُ اللهُ من الأشخاصِ والأعمالِ والأحوالِ كلِّها. فسبحانَ مَنْ جعَلَ كتابَهُ كنوزًا للعلومِ النافعةِ المتنوعةِ! * فائدةٌ: ذكَرَ اللهُ في كتابهِ عدةَ آياتٍ فيها وصفُ القلوبِ بالمرضِ وبالعمَى وبالقسوةِ، وبجعلِ الموانعِ عليها من الرَّانِ والأكِنَّةِ والحجابِ، وبموتِها، وبحيرتِها. فاعلَمْ أنَّ القلبَ يكونُ صحيحًا ويكونُ مريضًا، ويجتمعُ فيه المرضُ والموانعُ من وصولِ الصحةِ، وقدْ يكونُ ليِّنًا وقدْ يكونُ قاسيًا. • فأما القلبُ الصحيحُ: فهوَ السليمُ من جميع هذهِ الآفاتِ، وهوَ القلبُ الذي صحَّتْ وقويَتْ قوتهُ العلميةُ، وقوتهُ العمليةُ الإراديةُ، وهوَ الذي عرفَ الحقَّ فاتبعَهُ بلا ترددٍ، وعرَفَ الباطلَ فاجتنبَهُ بلا توقفٍ، فهذا هوَ القلبُ الصحيحُ الحيُّ السليمُ، وصاحبهُ من أولي النُّهَى وأولي الحِجا وأولي الألبابِ وأولي الأبصارِ، والمخبت للهِ، والمنيب إليهِ. • وأما القلبُ المريضُ: فهوَ الذي انحرفَتْ أحدُ قوتَيهِ (١) العلميةِ أو العمليةِ، أو كليهما: - فمرضُ الشبهاتِ والشكوكِ الذي هوَ مرضُ المنافقينَ: لما اختلَّ علمُهم وبقيَتْ قلوبُهم في شكوكٍ واضطرابٍ، ولم تتوجَّهْ إلى الخيرِ؛ كان مرضُها مهلكًا.

стр. 382

- ومرضُ الشهواتِ الذي هوَ ميلُ القلبِ إلى المعاصِي: مخلٌّ بقوةِ القلبِ العمليةِ؛ فإنَّ القلبَ الصحيحَ لا يريدُ ولا يميلُ إلا إلى الخيرِ، أو إلى ما أباحَهُ اللهُ لهُ، فمتى رأيتَ القلبَ ميالًا إلى المعاصِي سريعَ الانقيادِ لها فهوَ مريضٌ، هوَ سريعُ الافتتانِ عندَ وجودِ أسبابِ الفتنةِ، كما قالَ تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. • وأما القلبُ القاسِي: فهوَ الذي لا يلينُ لمعرفةِ الحقِّ، وإنْ عرَفَهُ لا يلينُ للانقيادِ لهُ، فتأتيهِ المواعظُ التي تليِّنُ الحديدَ وقلبهُ لا يتأثرُ بذلكَ؛ إما لقسوتهِ الأصليةِ، أو لعقائدَ منحرفةٍ اعتقدَها ورسخَ قلبهُ عليها، وصعُبَ عليهِ الانقيادُ للحقِّ إذا خالفَها، وقدْ يجتمعُ الأمرانِ. - وأما الرَّانُ والأكنَّةُ والأغطيةُ التي تكونُ على القلوبِ: فإنها من آثارِ كسبِ العبدِ وجرائمهِ، فإذا أعرَضَ عن الحقِّ وعارضَ الحقَّ، وجاءهُ الحقُّ فردَّهُ، وفتَحَ اللهُ لهُ أبوابَ الرشدِ فأغلقَها عن نفسهِ؛ عاقبَهُ اللهُ بهذا العملِ بأنْ سدَّ عنهُ طرقَ الهدايةِ التي كانتْ مفتوحةً لهُ ومتيسرةً فتكبَّرَ عنها وردَّها، فطُبِعَ على قلبهِ وخُتِمَ عليهِ، وأحاطَتْ بهِ الجرائمُ، ورانَتْ عليهِ الذنوبُ وغطَّتْ قلبَهُ، وجَعلَتْ بينَهُ وبينَ الحقِّ حجابًا، وأقفلَتِ القلبَ. فهذهِ المعاني التي أكثرَ اللهُ من ذكرِها في كتابهِ. إذا عرفتَ هذهِ الضوابطَ المذكورةَ في هذهِ الفائدةِ؛ اتضحَتْ لكَ معانيها، وعرفتَ بذلكَ حكمةَ اللهِ وعدلَهُ في عقوبةِ هذهِ القلوبِ، وأنَّ اللهَ ولَّاهم ما تولَّوهُ لأنفسِهم ورضوهُ لها. * فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩] جمَعَ اللهُ فيها الحقوقَ الثلاثةَ:

стр. 383

• الحقَّ المختصَّ باللهِ الذي لا يصلحُ لغيرهِ، وهو العبادةُ في قولهِ: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. • والحقَّ المختصَّ بالرسولِ، وهوَ التوقيرُ والتعزيرُ. • والحقَّ المشتركَ، وهوَ الإيمانُ باللهِ ورسولهِ. * فائدةٌ: ذكَرَ اللهُ اليقينَ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ في المحلِّ العالي من الثناءِ: • أخبرَ أنَّ اليقينَ هوَ غايةُ الرسلِ بقولهِ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]. • وأنهُ بالصبرِ واليقينِ تُنالُ الإمامةُ في الدينِ. • وأنَّ الآياتِ إنما ينتفعُ بها الانتفاعَ الكاملَ الموقنونَ. فحقيقةُ اليقينِ: هوَ العلمُ الثابتُ الراسخُ التامُّ، المثمرُ للعملِ القلبيِّ والعملِ البدنيِّ. أما آثارُ اليقينِ العلميةُ فثلاثُ مراتبَ: • علمُ اليقينِ: وهيَ العلومُ الناتجةُ عن الأدلةِ والبراهينِ الصادقةِ الخبريةِ، كجميعِ علومِ أهلِ اليقينِ الحاصلةِ عن خبرِ اللهِ وخبرِ رسولهِ وأخبارِ الصادقينَ. • وعينُ اليقينِ: وهيَ مشاهدةُ المعلوماتِ بالعينِ حقيقةً، كما طلَبَ الخليلُ إبراهيمُ من ربهِ أنْ يريَهُ كيفَ يحيي الموتى، فأراهُ اللهُ ذلكَ بعينهِ، وغرضهُ ﵇ الانتقالُ من مرتبةِ علمِ اليقينِ إلى عينِ اليقينِ. • وحقُّ اليقينِ: وهيَ المعلوماتُ التي تحقَّقُ بالذوقِ، كذوقِ القلبِ لطعمِ الإيمانِ، والذوقِ باللسانِ للأشياءِ المحسَّةِ.

стр. 384

وأما آثارهُ القلبيةُ: فسكونُ القلبِ وطمأنينتهُ، كما قالَ إبراهيمُ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقالَ ﷺ : «البرُّ ما اطمأنَّ إليهِ القلبُ» (١)، وفي لفظٍ: «الصدقُ ما اطمأنَّ إليهِ القلبُ» (٢)؛ فإنَّ العبدَ إذا وصلَ إلى درجةِ اليقينِ في علومهِ اطمأنَّ قلبهُ لعقائدِ الإيمانِ كلِّها، واطمأنَّ قلبهُ لحقائقِ الإيمانِ وأحوالهِ التي تدورُ على محبةِ اللهِ وذكرهِ، وهما متلازمانِ، قالَ تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، فتسكنُ القلوبُ عندَ الأخبارِ، فلا يبقى في القلبِ شكٌّ ولا ريبٌ في كلِّ خبرٍ أخبرَ اللهُ بهِ في كتابهِ وعلى لسانِ رسولهِ، بلْ يفرحُ بذلكَ مطمئنًا عالمًا أنَّ هذا أعظمُ فائدةٍ حصلَتْها القلوبُ. ويطمئنُّ عندَ الأوامرِ والنواهي، مكملًا للمأموراتِ، تاركًا للمنهياتِ، راجيًا لثوابِ اللهِ، واثقًا بوعدهِ. ويطمئنُّ أيضًا عندَ المصائبِ والمكارهِ؛ فيتلقَّاها بانشراحِ صدرٍ واحتسابٍ، ويعلمُ أنها من عندِ اللهِ، فيرضَى ويسلِّمُ، فيخفُّ عليهِ حملُها، ويهونُ عليهِ ثقلُها. وقدْ عُلِمَ بذلكَ آثارُها البدنيةُ، فإن الأعمالَ البدنيةَ مبنيةٌ على أعمالِ القلوبِ، فأهلُ اليقينِ هم أكملُ الخلقُ في جميعِ صفاتِ الكمالِ، فإن اليقينَ روحُ الأعمالِ والأخلاقِ وحاملُها، واللهُ هوَ الموفقُ الواهبُ لهُ ولأسبابهِ.

стр. 385

* فائدةٌ: الظنُّ ورَدَ في القرآنِ على وجهَينِ: وجهٍ محمودٍ، ووجهٍ مذمومٍ: • أما المحمودُ: ففي كلِّ مقامِ مدحٍ وجزاءٍ بالخيرِ والثوابِ فإنهُ بمعنى: العلمِ واليقينِ، مثلَ قولهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] أي: يتيقنونَ ذلك، ومثلَ قولهِ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. • وأما المذمومُ: ففي أغلبِ الآياتِ الواردةِ في الظنِّ، مثلَ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]، و ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، وهوَ كثيرٌ، فهذا وما أشبهَهُ فيمن قدَّمَ الظنونَ الكاذبةَ على الأخبارِ الصادقةِ؛ لأنَّ الظنَّ في الأصلِ يحتملُ الصدقَ والكذبَ، ولكنهُ إذا ناقضَ الصدقَ قطعْنَا بكذبهِ. * فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقولهُ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، تدلُّ الآيتانِ على أنَّ الزيادةَ من المحرماتِ، وخصوصًا المكاسبَ المحرمةَ، نقصٌ في البركةِ، وقدْ ينسحتُ المالُ بذاتهِ عاجلًا أو آجلًا؛ وعلى أنَّ مَنْ أخرجَ شيئًا للهِ أو فعَلَ شيئًا للهِ فإنَّ اللهَ يزيدهُ وينزلُ لهُ البركةَ؛ فإن المالَ وإنْ نقَصَ حسًّا بما يخرجُ منهُ للهِ؛ فإنهُ يزدادُ معنًى ووصفًا، وقدْ يُفتَحُ للعبدِ بسببِ ذلكَ أبوابٌ من الرزقِ، أو يُدفَعُ عن العبدِ من أسبابِ النقصِ ما كانَ بصددِ أنْ يصيبَهُ. * فائدةٌ: الفرحُ وردَ في القرآنِ محمودًا مأمورًا بهِ في مثلِ قولهِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، فهذا فرحٌ بالعلمِ والعملِ بالقرآنِ والإسلامِ، وكذلك قولهُ: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] فهذا فرحٌ بثوابِ اللهِ.

стр. 386

وورَدَ منهيًّا عنهُ مذمومًا، مثلَ الفرحِ بالباطلِ، وبالرياساتِ، والدنيا المشغلةِ عن الدينِ، في مثلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]، وقولهِ عن قارونَ: ﴿قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وما أشبهَ ذلكَ. فصارَ الفرحُ تبعًا لما تعلَّقَ بهِ: • إنْ تعلَّقَ بالخيرِ وثمراتهِ فهوَ محمودٌ. • وإلَّا فهوَ مذمومٌ. * فائدةٌ: وردَ السعيُ في القرآنِ في آياتٍ كثيرةٍ، والمرادُ بهِ: الاهتمامُ والجدُّ في العملِ، مثلَ قولهِ: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، وقولهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقولهِ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]، وآياتٌ كثيرةٌ كلُّها بمعنى: الاهتمامِ للعملِ، إلَّا في مثلِ قولهِ تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] فالمرادُ بذلكَ: العَدْوُ، وهوَ يتضمنُ الأولَ وزيادةً. * فائدةٌ: أمَرَ اللهُ ب الصدقِ، وأثنَى على الصادقينَ، وذكَرَ جزاءَ الصادقينَ في آياتٍ كثيرةٍ، والمرادُ بالصدقِ: أنْ يكونَ العبدُ صادقًا في عقيدتهِ، صادقًا في خلقهِ، صادقًا في قولهِ وعملهِ، فهوَ الذي يجيءُ بالصدقِ في ظاهرهِ وباطنهِ، ويصدِّقُ بالصدقِ لمن جاءَ بهِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. ولما كان مَنْ هذا وصفهُ هوَ أعلى الخَلقِ في كلِّ حالةٍ ذكَرَ جزاءَهُ أعلى الجزاءِ وأفضلَهُ، فقالَ: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ [الزمر: ٣٤ - ٣٥].

стр. 387

وخواصُّ أهلِ هذا الوصفِ هم الصديقونَ الذينَ ليسَ بعدَ درجةِ النبوةِ أعلى منهم، قالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩]، والمرادُ: الإيمانُ الكاملُ، كما قالَ النبيُّ ﷺ لما ذكَرَ لأصحابهِ الغرفَ العاليةَ التي يتراءاها أهلُ الجنةِ من علوِها وارتفاعِها ونورِها كالكوكبِ الدريِّ في الأفقِ الشرقيِّ أو الغربيِّ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، تلكَ منازلُ الأنبياءِ، لا يبلغُها غيُرهم؟ فقالَ: «بلى، والذي نفسي بيدهِ، رجالٌ آمنوا باللهِ وصدَّقُوا المرسلينَ» (١). وهؤلاءِ هم الهداةُ المهديُّونَ كما قالَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فالصديقيَّةُ شجرةٌ: • أصلُها: العلومُ الصحيحةُ والعقائدُ السلفيةُ المأخوذةُ من كتابِ اللهِ وسنةِ رسولهِ. • وقوامُها وروحُها: الإخلاصُ الكاملُ للهِ، والإنابةُ إليهِ والرجوعُ إليهِ في جميعِ الأحوالِ؛ رغبةً ورهبةً ومحبةً وتعظيمًا وخضوعًا وذلًّا للهِ. • وثمراتُها: الأخلاقُ الحميدةُ، والأقوالُ السديدةُ، والأعمالُ الصالحةُ، والإحسانُ في عبادةِ الخالقِ، والإحسانُ إلى المخلوقينَ بجميعِ وجوهِ الإحسانِ، وجهادُ جميعِ أصنافِ المنحرفينَ. فهيَ في الحقيقةِ القيامُ بالدينِ ظاهرًا وباطنًا وحالًا ودعوةً إلى اللهِ، واللهُ هوَ الموفقُ وهوَ المعينُ لكلِّ مَنْ استعانَ بهِ صدقًا.

стр. 388

* فائدةٌ: قولهُ تعالى في المصطفينَ الذين أورثَهم اللهُ الكتابَ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، اشتركَ هؤلاءِ الثلاثةُ في: - أصلِ الإيمانِ. - وفي اختيارِ اللهِ لهم من بينِ الخليقةِ. - وفي أنهُ مَنَّ عليهم بالكتابِ، وفي دخولِ الجنةِ. وافترقُوا في: - تكميلِ مراتبِ الإيمانِ. - وفي مقدارِ الاصطفاءِ من اللهِ، وميراثِ الكتابِ. - وفي منازلِ الجنةِ ودرجاتِها بحسبِ أوصافِهم. • أما الظالمُ لنفسهِ: فهوَ المؤمنُ الذي خلَطَ عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، وترَكَ مِنْ واجباتِ الإيمانِ ما لا يزولُ معهُ الإيمانُ بالكليةِ، وهذا القسمُ ينقسمُ إلى قسمينِ: أحدُهما: مَنْ يَرِدُ القيامةَ وقدْ كُفِّرَ عنهُ السيئاتُ كلُّها، إما بدعاءٍ أو شفاعةٍ أو آثارٍ خيريةٍ ينتفعُ بها في الدنيا، أو عُذِّبَ في البرزخِ بقدرِ ذنوبهِ، ثم رفِعَ عنهُ العقابُ وعَمِلَ الثوابُ عملَهُ، فهذا من أعلى هذا القسمِ، وهوَ الظالمُ لنفسهِ. القسمُ الثاني: مَنْ ورَدَ القيامةَ وعليهِ سيئاتٌ، فهذا تُوزنُ حسناتهُ وسيئاتهُ، ثم همَ بعدَ هذا ثلاثةُ أنواعٍ: أحدُها: مَنْ تَرجُحُ حسناتهُ على سيئاتهِ، فهذا لا يدخلُ النارَ، بلْ يدخلُ الجنةَ برحمةِ اللهِ وبحسناتهِ، وهيَ من رحمةِ اللهِ.

стр. 389

ثانِيها: مَنْ تساوَتْ حسناتُهم وسيئاتُهم، فهؤلاءِ هم أصحابُ الأعرافِ، وهيَ موضعٌ مرتفعٌ بينَ الجنةِ والنارِ يكونونَ عليهِ، وفيهِ ما شاءَ اللهُ، ثم بعدَ ذلكَ يدخلونَ الجنةَ، كما وُصِفَ ذلكَ في القرآنِ. ثالثُها: مَنْ رجحَتْ سيئاتهُ على حسناتهِ، فهذا قدْ استحقَّ دخولَ النارِ، إلا أنْ يمنعَ مِنْ ذلكَ مانعٌ: مِنْ شفاعةِ الرسولِ لهُ، أو شفاعةِ أحدٍ مِنْ أقاربهِ أو معارفهِ ممن يَجعلُ اللهُ لهم في القيامةِ شفاعةً؛ لعلوِّ مقاماتِهم على اللهِ وكرامتِهم عليهِ (١)، أو تدركهُ رحمةُ اللهِ المحضةُ بلا واسطةٍ، وإلا فلابدَّ لهُ من دخولِ النارِ يُعذَّبُ فيها بقدرِ ذنوبهِ، ثم مآلهُ إلى الجنةِ. ولا يبقى في النارِ أحدٌ في قلبهِ أدنى أدنى أدنى مثقالِ حبةِ خردلٍ من إيمانٍ، كما تواترَتْ بذلكَ الأحاديثُ عن النبيِّ ﷺ ، وأجمعَ عليهِ سلفُ الأمةِ وأئمتُها. • وأما المقتصدُ: فهوَ الذي أدَّى الواجباتِ وتركَ المحرماتِ، ولم يكثِرْ من نوافلِ العباداتِ، وإذا صدرَ منهُ بعضُ الهفواتِ بادَرَ إلى التوبةِ فعادَ إلى مرتبتهِ، فهؤلاءِ أهلُ اليمينِ، وأما مَنْ كان مِنْ أصحابِ اليمينِ ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١]، فهؤلاءِ سَلِمُوا من عذابِ البرزخِ وعذابِ النارِ، وسلَّمَ اللهُ لهم إيمانَهم وأعمالَهم، فأدخلَهم بها الجنةَ، كلٌّ على حسبِ مرتبتهِ. • وأما السابقُ إلى الخيراتِ: فهوَ الذي كمَّلَ مراتبَ الإسلامِ، وقامَ بمرتبةِ الإحسانِ، فعبَدَ اللهَ كأنهُ يراهُ، فإنْ لم يكنْ يراهُ فإنهُ يراهُ، وبذَلَ ما استطاعَ من النفعِ

стр. 390

لعبادِ اللهِ، فكان قلبهُ ملآنَ من محبةِ اللهِ والنصحِ لعبادِ اللهِ، فأدَّى الواجباتِ والمستحباتِ، وتركَ المحرماتِ والمكروهاتِ، وفضولَ المباحاتِ المنقصةِ لدرجتهِ، فهؤلاءِ هم صفوةُ الصفوةِ، وهم المقربونَ في جناتِ النعيمِ إلى اللهِ، وهم أهلُ الفردوسِ الأعلى؛ فإنَّ اللهَ كما أنهُ رحيمٌ واسعُ الرحمةِ، فإنهُ حكيمٌ ينزلُ الأمورَ منازلَها، ويُعطِي كلَّ أحدٍ بحسبِ حالةِ ومقامهِ، فكما كانوا هم السابقينَ في الدنيا إلى كلِّ خيرٍ كانوا في الآخرةِ في أعلى المنازلِ، وكما تخيروا من الأعمالِ أحسنَها جعَلَ اللهُ لهم من الثوابِ أحسنَهُ؛ ولهذا كانتْ عينُ التسنيمِ أعلى أشربةِ أهلِ الجنةِ، يشربُ منها هؤلاءِ المقربونَ صرفًا، وتُمزجُ لأصحابِ اليمينِ مزجًا في بقيةِ أشربةِ الجنةِ، التي لا نقصَ فيها بوجهٍ من الوجوهِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين: ٢٧ - ٢٨]. وهكذا بقيةُ ألوانِ وأصنافِ نعيمِ الجنةِ، لهؤلاءِ السابقينَ منهُ أعلاهُ وأكملهُ وأنفسهُ، وإنْ كان ليسَ في نعيمِ الجنةِ دنيٌّ ولا نقصٌ ولا كدرٌ بوجهٍ من الوجوهِ، بلْ كلُّ مَنْ تنعَّمَ بأيِّ نعيمٍ من نعيمِها لم يكنْ في قلبهِ شيءٌ أعلى منهُ؛ فإنَّ اللهَ أعطاهم وأرضاهم. وخيارُ هؤلاءِ الأنبياءُ على مراتبِهم، ثم الصديقونَ على مراتبِهم، ولكلٍّ درجاتٌ مما عملُوا، فسبحانَ مَنْ فاوَتَ بينَ عبادهِ هذا التفاوتَ العظيمَ، واللهُ يختصُّ برحمتهِ مَنْ يشاءُ، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ. * فائدةٌ: وردَ في القرآنِ (الظلمُ) بمعنى: • الكفرِ والشركِ الأكبرِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ونحوهما.
следующие страницы →