← Тафсир

Тафсир · id 1461

تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - ت المزيد

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (426 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وورَدَ منهيًّا عنهُ مذمومًا، مثلَ الفرحِ بالباطلِ، وبالرياساتِ، والدنيا المشغلةِ عن الدينِ، في مثلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]، وقولهِ عن قارونَ: ﴿قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وما أشبهَ ذلكَ. فصارَ الفرحُ تبعًا لما تعلَّقَ بهِ: • إنْ تعلَّقَ بالخيرِ وثمراتهِ فهوَ محمودٌ. • وإلَّا فهوَ مذمومٌ. * فائدةٌ: وردَ السعيُ في القرآنِ في آياتٍ كثيرةٍ، والمرادُ بهِ: الاهتمامُ والجدُّ في العملِ، مثلَ قولهِ: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، وقولهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقولهِ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]، وآياتٌ كثيرةٌ كلُّها بمعنى: الاهتمامِ للعملِ، إلَّا في مثلِ قولهِ تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] فالمرادُ بذلكَ: العَدْوُ، وهوَ يتضمنُ الأولَ وزيادةً. * فائدةٌ: أمَرَ اللهُ ب الصدقِ، وأثنَى على الصادقينَ، وذكَرَ جزاءَ الصادقينَ في آياتٍ كثيرةٍ، والمرادُ بالصدقِ: أنْ يكونَ العبدُ صادقًا في عقيدتهِ، صادقًا في خلقهِ، صادقًا في قولهِ وعملهِ، فهوَ الذي يجيءُ بالصدقِ في ظاهرهِ وباطنهِ، ويصدِّقُ بالصدقِ لمن جاءَ بهِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. ولما كان مَنْ هذا وصفهُ هوَ أعلى الخَلقِ في كلِّ حالةٍ ذكَرَ جزاءَهُ أعلى الجزاءِ وأفضلَهُ، فقالَ: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ [الزمر: ٣٤ - ٣٥].

стр. 387

وخواصُّ أهلِ هذا الوصفِ هم الصديقونَ الذينَ ليسَ بعدَ درجةِ النبوةِ أعلى منهم، قالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩]، والمرادُ: الإيمانُ الكاملُ، كما قالَ النبيُّ ﷺ لما ذكَرَ لأصحابهِ الغرفَ العاليةَ التي يتراءاها أهلُ الجنةِ من علوِها وارتفاعِها ونورِها كالكوكبِ الدريِّ في الأفقِ الشرقيِّ أو الغربيِّ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، تلكَ منازلُ الأنبياءِ، لا يبلغُها غيُرهم؟ فقالَ: «بلى، والذي نفسي بيدهِ، رجالٌ آمنوا باللهِ وصدَّقُوا المرسلينَ» (١). وهؤلاءِ هم الهداةُ المهديُّونَ كما قالَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فالصديقيَّةُ شجرةٌ: • أصلُها: العلومُ الصحيحةُ والعقائدُ السلفيةُ المأخوذةُ من كتابِ اللهِ وسنةِ رسولهِ. • وقوامُها وروحُها: الإخلاصُ الكاملُ للهِ، والإنابةُ إليهِ والرجوعُ إليهِ في جميعِ الأحوالِ؛ رغبةً ورهبةً ومحبةً وتعظيمًا وخضوعًا وذلًّا للهِ. • وثمراتُها: الأخلاقُ الحميدةُ، والأقوالُ السديدةُ، والأعمالُ الصالحةُ، والإحسانُ في عبادةِ الخالقِ، والإحسانُ إلى المخلوقينَ بجميعِ وجوهِ الإحسانِ، وجهادُ جميعِ أصنافِ المنحرفينَ. فهيَ في الحقيقةِ القيامُ بالدينِ ظاهرًا وباطنًا وحالًا ودعوةً إلى اللهِ، واللهُ هوَ الموفقُ وهوَ المعينُ لكلِّ مَنْ استعانَ بهِ صدقًا.

стр. 388

* فائدةٌ: قولهُ تعالى في المصطفينَ الذين أورثَهم اللهُ الكتابَ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، اشتركَ هؤلاءِ الثلاثةُ في: - أصلِ الإيمانِ. - وفي اختيارِ اللهِ لهم من بينِ الخليقةِ. - وفي أنهُ مَنَّ عليهم بالكتابِ، وفي دخولِ الجنةِ. وافترقُوا في: - تكميلِ مراتبِ الإيمانِ. - وفي مقدارِ الاصطفاءِ من اللهِ، وميراثِ الكتابِ. - وفي منازلِ الجنةِ ودرجاتِها بحسبِ أوصافِهم. • أما الظالمُ لنفسهِ: فهوَ المؤمنُ الذي خلَطَ عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، وترَكَ مِنْ واجباتِ الإيمانِ ما لا يزولُ معهُ الإيمانُ بالكليةِ، وهذا القسمُ ينقسمُ إلى قسمينِ: أحدُهما: مَنْ يَرِدُ القيامةَ وقدْ كُفِّرَ عنهُ السيئاتُ كلُّها، إما بدعاءٍ أو شفاعةٍ أو آثارٍ خيريةٍ ينتفعُ بها في الدنيا، أو عُذِّبَ في البرزخِ بقدرِ ذنوبهِ، ثم رفِعَ عنهُ العقابُ وعَمِلَ الثوابُ عملَهُ، فهذا من أعلى هذا القسمِ، وهوَ الظالمُ لنفسهِ. القسمُ الثاني: مَنْ ورَدَ القيامةَ وعليهِ سيئاتٌ، فهذا تُوزنُ حسناتهُ وسيئاتهُ، ثم همَ بعدَ هذا ثلاثةُ أنواعٍ: أحدُها: مَنْ تَرجُحُ حسناتهُ على سيئاتهِ، فهذا لا يدخلُ النارَ، بلْ يدخلُ الجنةَ برحمةِ اللهِ وبحسناتهِ، وهيَ من رحمةِ اللهِ.

стр. 389

ثانِيها: مَنْ تساوَتْ حسناتُهم وسيئاتُهم، فهؤلاءِ هم أصحابُ الأعرافِ، وهيَ موضعٌ مرتفعٌ بينَ الجنةِ والنارِ يكونونَ عليهِ، وفيهِ ما شاءَ اللهُ، ثم بعدَ ذلكَ يدخلونَ الجنةَ، كما وُصِفَ ذلكَ في القرآنِ. ثالثُها: مَنْ رجحَتْ سيئاتهُ على حسناتهِ، فهذا قدْ استحقَّ دخولَ النارِ، إلا أنْ يمنعَ مِنْ ذلكَ مانعٌ: مِنْ شفاعةِ الرسولِ لهُ، أو شفاعةِ أحدٍ مِنْ أقاربهِ أو معارفهِ ممن يَجعلُ اللهُ لهم في القيامةِ شفاعةً؛ لعلوِّ مقاماتِهم على اللهِ وكرامتِهم عليهِ (١)، أو تدركهُ رحمةُ اللهِ المحضةُ بلا واسطةٍ، وإلا فلابدَّ لهُ من دخولِ النارِ يُعذَّبُ فيها بقدرِ ذنوبهِ، ثم مآلهُ إلى الجنةِ. ولا يبقى في النارِ أحدٌ في قلبهِ أدنى أدنى أدنى مثقالِ حبةِ خردلٍ من إيمانٍ، كما تواترَتْ بذلكَ الأحاديثُ عن النبيِّ ﷺ ، وأجمعَ عليهِ سلفُ الأمةِ وأئمتُها. • وأما المقتصدُ: فهوَ الذي أدَّى الواجباتِ وتركَ المحرماتِ، ولم يكثِرْ من نوافلِ العباداتِ، وإذا صدرَ منهُ بعضُ الهفواتِ بادَرَ إلى التوبةِ فعادَ إلى مرتبتهِ، فهؤلاءِ أهلُ اليمينِ، وأما مَنْ كان مِنْ أصحابِ اليمينِ ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١]، فهؤلاءِ سَلِمُوا من عذابِ البرزخِ وعذابِ النارِ، وسلَّمَ اللهُ لهم إيمانَهم وأعمالَهم، فأدخلَهم بها الجنةَ، كلٌّ على حسبِ مرتبتهِ. • وأما السابقُ إلى الخيراتِ: فهوَ الذي كمَّلَ مراتبَ الإسلامِ، وقامَ بمرتبةِ الإحسانِ، فعبَدَ اللهَ كأنهُ يراهُ، فإنْ لم يكنْ يراهُ فإنهُ يراهُ، وبذَلَ ما استطاعَ من النفعِ

стр. 390

لعبادِ اللهِ، فكان قلبهُ ملآنَ من محبةِ اللهِ والنصحِ لعبادِ اللهِ، فأدَّى الواجباتِ والمستحباتِ، وتركَ المحرماتِ والمكروهاتِ، وفضولَ المباحاتِ المنقصةِ لدرجتهِ، فهؤلاءِ هم صفوةُ الصفوةِ، وهم المقربونَ في جناتِ النعيمِ إلى اللهِ، وهم أهلُ الفردوسِ الأعلى؛ فإنَّ اللهَ كما أنهُ رحيمٌ واسعُ الرحمةِ، فإنهُ حكيمٌ ينزلُ الأمورَ منازلَها، ويُعطِي كلَّ أحدٍ بحسبِ حالةِ ومقامهِ، فكما كانوا هم السابقينَ في الدنيا إلى كلِّ خيرٍ كانوا في الآخرةِ في أعلى المنازلِ، وكما تخيروا من الأعمالِ أحسنَها جعَلَ اللهُ لهم من الثوابِ أحسنَهُ؛ ولهذا كانتْ عينُ التسنيمِ أعلى أشربةِ أهلِ الجنةِ، يشربُ منها هؤلاءِ المقربونَ صرفًا، وتُمزجُ لأصحابِ اليمينِ مزجًا في بقيةِ أشربةِ الجنةِ، التي لا نقصَ فيها بوجهٍ من الوجوهِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين: ٢٧ - ٢٨]. وهكذا بقيةُ ألوانِ وأصنافِ نعيمِ الجنةِ، لهؤلاءِ السابقينَ منهُ أعلاهُ وأكملهُ وأنفسهُ، وإنْ كان ليسَ في نعيمِ الجنةِ دنيٌّ ولا نقصٌ ولا كدرٌ بوجهٍ من الوجوهِ، بلْ كلُّ مَنْ تنعَّمَ بأيِّ نعيمٍ من نعيمِها لم يكنْ في قلبهِ شيءٌ أعلى منهُ؛ فإنَّ اللهَ أعطاهم وأرضاهم. وخيارُ هؤلاءِ الأنبياءُ على مراتبِهم، ثم الصديقونَ على مراتبِهم، ولكلٍّ درجاتٌ مما عملُوا، فسبحانَ مَنْ فاوَتَ بينَ عبادهِ هذا التفاوتَ العظيمَ، واللهُ يختصُّ برحمتهِ مَنْ يشاءُ، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ. * فائدةٌ: وردَ في القرآنِ (الظلمُ) بمعنى: • الكفرِ والشركِ الأكبرِ، كما قالَ تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ونحوهما.

стр. 391

• وورَدَ كثيرًا بمعنى: الجرائمِ التي دونِ الشركِ، كما سبقَ في الظالمِ لنفسهِ، ومثلَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] • وورَدَ أيضًا عدةُ آياتٍ يدخلُ فيها هذا وهذا. ومثلُ هذا: الفسقُ والمعصيةُ والذنبُ والسيئةُ والجرمُ والخطيئةُ ونحوها، فإنها وردَتْ في القرآنِ لكلِّ واحدٍ من هذهِ الثلاثةِ، فتفسَّرُ في كلِّ مقامٍ بما يناسبُ ذلكَ المقامَ. * فائدةٌ: قولهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧] جمعَتِ السعادةَ، وجميعَ الأسبابِ التي تُنالُ بها السعادةُ، وهيَ ثلاثةُ أشياءَ: • فعلُ المأمورِ. • واجتنابُ المحظورِ. • وتصديقُ خبرِ اللهِ ورسولهِ. فهذهِ الثلاثةُ يدخلُ فيها الدينُ كلُّهُ؛ وذلكَ أنَّ قولَهُ: ﴿أَعْطَى﴾ أي: جميعَ ما أُمِرَ بهِ من قولٍ وعملٍ ونيةٍ، ﴿وَاتَّقَى﴾ جميعَ ما نُهِيَ عنهُ من كفرٍ وفسوقٍ وعصيانٍ، ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ بما أخبرَ اللهُ بهِ ورسولهُ من الجزاءِ، فصدَّقَ بالتوحيدِ وحقوقهِ وجزاءِ أهلهِ. فمَن جمَعَ ثلاثةَ الأمورِ يسرَهُ اللهُ لليسرَى، أي: لكلِّ حالةٍ فيها تيسيرُ أمورهِ وأحوالهِ كلِّها. ومقابلُ هذا: قولهُ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أي: تركَ ما أُمِرَ بهِ، ليسَ خاصًّا بالنفقةِ، بلْ معنى البخلِ: المنعُ، فإذا منعَ الواجباتِ المتوجهةَ إليهِ، القوليةَ أو الفعليةَ أو الماليةَ؛ فقدْ بَخِلَ، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ أي: رأَى نفسَهُ غيرَ مفتقرٍ إلى ربهِ، وذلكَ عنوانُ الكبرِ والتجرؤِ على محارمِ اللهِ، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٩] أي: ب (لا إلهَ إلا اللهُ) وحقوقِها،

стр. 392

وجزاءِ المقيمينَ لها، والتاركينَ لها، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] أي: لكلِّ حالةٍ عسرةٍ في معاشهِ ومعادهِ. * فائدةٌ: خطاباتُ القرآنِ للناسِ خبًرا وأمرًا ونهيًا قسمانِ: • أحدُهما -وهوَ الأكثرُ جدًّا-: خطابُ عامٌّ يُخاطَبُ بهِ جميعُ الناسِ، ويتعلَّقُ الخبرُ أو الحكمُ فيهم في حالةٍ واحدةٍ، مثلَ الخبرِ عن اللهِ وملائكتهِ وكتبهِ ورسلهِ واليومِ الآخرِ، ومثلَ الأمرِ بالصلاةِ والزكاةِ والصومِ والحجِّ والجهادِ والبرِ والصلةِ والعدلِ، والنهيِ عن ضدِّ ذلكَ؛ وهذا لأنَّ القرآنَ هدايةٌ وبيانٌ للناسِ، وهمُ مستوونَ في تعلقِ تلكَ الأحكامِ فيهم، ما لم يمنَعْ مانعُ عجزٍ عن بعضِ الواجباتِ؛ فيُرتَّبُ عليهِ حكمهُ. • القسمُ الثاني: الخطابُ العامُّ من جهةٍ، الخاصُّ من جهةٍ أخرى، وذلكَ كالخطابِ المتعلقِ بالعباداتِ المعلقةِ على أوقاتِها، كالأمرِ بالصلواتِ الخمسِ لأوقاتِها، كقولهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وبالإمساكِ عن المفطراتِ، مثلَ قولهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فمن جهةِ أنهُ موجَّهٌ إلى جميعِ المكلفينَ فإنهُ خطابٌ عامٌّ، جميعُ أهلِ المشارقِ والمغاربِ مخاطبونَ بذلكَ، ومن جهةِ أنَّ لكلِّ موضعٍ حكمًا بنفسهِ، فإنهُ معلومٌ أنَّ الوقتَ الذي تطلعُ فيه الشمسُ على هؤلاءِ أو تغربُ، أو يطلعُ الفجرُ أو تزولُ الشمسُ؛ غيرُ الوقتِ الذي تُوجدُ فيه هذهِ الأمورُ عندَ الآخرينَ، فكلٌّ يُخاطَبُ بحسبِ حالهِ، وحسبِ الموضعِ الذي فيه بلا ريبٍ. ونظيرُ هذا: الأمرُ باستقبالِ القبلةِ للصلاةِ موجهٌ إلى جميعِ أهلِ الأرضِ، ومعَ ذلكَ فكلُّ قطرٍ ومحلٍّ فلهم جهةٌ يتوصلونَ بها إلى الكعبةِ؛ ولهذا صرَّحَ اللهُ بهذا المعنى بقولهِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فالمقصودُ واحدٌ، والطرقُ والوسائلُ إلى هذا المقصودِ متباينةٌ، وكلُّ أحدٍ مأمورٌ بطريقهِ الخاصِّ.

стр. 393

ونظيرُ ذلكَ: الإخباراتُ بطلوعِ الشمسِ والقمرِ والكواكبِ وغروبِها، لوْ تحذلقَ جاهلٌ فقالَ: إنَّ مثَل قولهِ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي: في البحرِ برؤيةِ العينِ، وقولهِ: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠]: يُنافِي المعلومَ أنَّ الشمسَ والقمرَ والكواكبَ لا تغربُ عن الدنيا بالكليةِ! فيُقالُ: هذا من الجهلِ والعُجمةِ بمكانٍ سحيقٍ عن الحقائقِ؛ وذلكَ أنَّ اللهَ لم يقلْ: وجدَها تغربُ عن جميعِ الأرضِ أو تطلعُ على جميعِ الأرضِ؛ حتى يكونَ لهذا الجاهلِ اعتراضٌ، بلْ أخبرَ عن غروبِها وطلوعِها عن ذلكَ الموضعِ وذلكَ القطرِ، كما يفهمُ الناسُ كلُّهم سابقًا ولاحقًا، ولا فرقَ بينَ الإخباراتِ والأحكامِ بوجهٍ، ومن المعلومِ أنَّ لكلِّ أهلِ قطرٍ مطلعًا ومغربًا. فهذهِ الخطاباتُ في الأحكامِ والإخباراتِ في غايةِ الإحكامِ التي لا يتطرقُ إليها اعتراضاتُ المعترضِ، ومَن اعترضَ على شيءٍ من ذلكَ عرفَ الناسُ أنَّ ذلكَ من آثارِ جهلهِ وحمقهِ، وهذا واضحٌ لا يحتاجُ إلى كلِّ هذا، يفهمهُ الذكيُّ والبليدُ، وهذا (١) مقتضى كونِ القرآنِ عربيًّا، أنزلهُ اللهُ بما يعقلهُ العبادُ. * فائدةٌ: ورَدَ في القرآنِ عدةُ آياتٍ فيها ذكرُ الخلودِ في النارِ على ذنوبٍ وكبائرَ ليستْ بكفرٍ، مثلَ قولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ [البقرة: ٨١].

стр. 394

فما الجمعُ بينَها وبينَ النصوصِ المتواترةِ من الكتابِ والسنةِ: أنهُ لا يخلدُ في النارِ إلا الكفارُ، وأنَّ جميعَ المؤمنينَ مهما عملُوا من المعاصِي التي دونَ الكفرِ فإنهم لابدَّ أنْ يخرجوا منها؟ فهذهِ الآياتُ قدْ اتفقَ السلفُ على تأويلِها وردِّها إلى هذا الأصلِ المجمعِ عليهِ بينَ سلفِ الأمةِ، وأحسنُ ما يقالُ فيها: إنَّ ذكرَ الخلودِ على بعضِ الذنوبِ التي دونَ الشركِ والكفرِ، أنها من بابِ ذكرِ السببِ، وأنها سببٌ للخلودِ في النارِ لشناعتِها، وأنها بذاتها تُوجِبُ الخلودَ إذا لم يمنَعْ من الخلودِ مانعٌ، ومعلومٌ بالضرورةِ من دينِ الإسلامِ أنَّ الإيمانَ مانعٌ من الخلودِ، فتُنزَّلُ هذهِ النصوصُ على الأصلِ المشهورِ، وهوَ أنهُ لا تتمُّ الأحكامُ إلا بوجودِ شروطِها وأسبابِها، وانتفاءِ موانعها، وهذا واضحٌ وللهِ الحمدُ، معَ أنَّ بعضَ الآياتِ المذكورةِ فيها ما يدلُّ على أنَّ الخطيئةَ المرادُ بها: الكفرُ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] دليلٌ على ذلكَ؛ لأنَّ المعاصيَ التي دونَ الكفرِ لا تحيطُ بصاحبِها، بلْ لابدَّ أنْ يكونَ معَهُ إيمانٌ يمنعُ من إحاطتِها. وكذلكَ قولهُ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا (١٤)﴾ [النساء: ١٤] فالمعصيةُ تُطلَقُ على الكفرِ وعلى الكبائرِ وعلى الصغائرِ، ومن المعلومِ أنهُ إذا دخَلَ فيها الكفرُ زالَ الإشكالُ. * فائدةٌ: ورَدَ في القرآنِ آياتٌ كثيرةٌ فيها مضاعفةُ الحسنةِ بعشرِ أمثالِها، وورَدَ أيضًا آياتٌ أخرُ فيها مضاعفةٌ أكثرُ من ذلكَ، فما وجهُ ذلكَ؟ فيُقالُ: أما مضاعفةُ الحسنةِ بعشرِ أمثالِها فلابدَّ منها في كلِّ عملٍ صالحٍ، كما قالَ تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] في عدةِ آياتٍ.

стр. 395

وأما مضاعفةُ العملِ أكثرُ من ذلكَ فلهُ أسبابٌ: إما متعلقةٌ بنفسِ العاملِ، أو بالعملِ ومزيتهِ، أو نتائجهِ وثمراتهِ، أو بزمانهِ أو مكانهِ: • فمنْ أعظمِ أسبابِ مضاعفةِ العملِ: إذا حقَّقَ العبدُ في عملهِ الإخلاصَ للمعبودِ، والمتابعةَ للرسولِ، فمضاعفةُ الأعمالِ تبعٌ لما يقومُ بقلبِ العاملِ من قوةِ الإخلاصِ وقوةِ الإيمانِ. • وكذلكَ من الأسبابِ: إذا كانَ العملُ ناشئًا عن عقيدةٍ صحيحةٍ سلفيةٍ خالصةٍ، متلقاةٍ من الكتابِ والسنةِ، فهذا العبدُ يكونُ اليسيرُ من عملهِ أبرَكَ من الكثيرِ مِنْ عملِ مَنْ ليسَ كذلكَ. • ومن ذلكَ: تركُ ما تهواهُ النفوسُ من الفواحشِ، معَ قوةِ الداعِي إليها؛ لبرهانِ الإيمانِ والتوكلِ والإخلاصِ. • ومن أسبابِ المضاعفةِ: أنْ يكونَ العملُ فيه نفعٌ للمسلمينَ وغناءٌ، وذلكَ كالجهادِ في سبيلِ اللهِ: الجهادِ بالحجةِ والبرهانِ، وبالسيفِ والسنانِ، كما قالَ تعالى في نفقاتِ أهلِ هذا الصنفِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. ويدخلُ في هذا: سلوكُ طريقِ التعليمِ والتعلمِ للعلومِ الشرعيةِ وما يعينُ عليها، وفي الحديثِ: «مَنْ سلَكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سهلَ اللهُ لهُ طريقًا إلى الجنةِ» (١). • ومن ذلكَ: العملُ والسعيُ في المشاريعِ الخيريةِ التي ينتفعُ بها المسلمونَ في دينِهم ودنياهم، ويتسلسلُ نفعُها.

стр. 396

• ومن ذلكَ: العملُ الذي إذا عملَهُ العبدُ كثرَ مشاركوهُ والمقتدونَ بهِ فيه. • ومن ذلكَ: إذا كان العملُ لهُ وقعٌ عظيمٌ ونفعٌ كبيرٌ، كإنجاءِ المضطرينَ، وكشفِ كرباتِ المكروبينَ، فكم مِنْ عملٍ من هذا النوعِ هدمَ اللهُ بهِ ذنوبَ العبدِ كلَّها، وأوصلَهُ بهِ إلى رضوانهِ، وقصةُ البَغِيِّ التي سقَتِ الكلبَ الذي كادَ يموتُ من العطشِ شاهدةٌ بذلكَ. • ومن ذلكَ: علوُّ مقامِ العاملِ عندَ اللهِ، ورفعةُ درجتهِ، كما قالَ تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وقولهُ قبلَها: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]. • ومن ذلكَ: الصدقةُ من كسبٍ طيبٍ، وقوةِ إخلاصٍ. • ومن ذلكَ: العملُ الواقعُ في زمانٍ فاضلٍ، أو مكانٍ فاضلٍ. • ومنِ أهمَّ وأعظمِ ما يضاعفُ بهِ العملُ: تحقيقُ مقامِ الإحسانِ في القيامِ بعبوديةِ اللهِ، وفي الحديثِ: «ليسَ لكَ مِنْ صلاتِكَ إلا ما عقلتَ منها» (١)، فالصلاةُ والقراءةُ والذكرُ وغيرُها من العباداتِ، إذا كانتْ بقوةِ حضورِ قلبٍ وإيمانٍ كاملٍ فلا ريبَ أنَّ بينَها وبينَ عبادةِ الغافلِ درجاتٍ تنقطعُ دونَها أعناقُ المطيِّ. وأسبابَ مضاعفةِ الثوابِ كثيرةٌ، ولكنْ نبهْنَا على أصولِها. ومما هوَ كالمتفقِ عليهِ بينَ العلماءِ الربانيينَ: أنَّ الاتصافَ في جميعِ الأوقاتِ بقوةِ الإخلاصِ للهِ، والنصحِ لعبادِ اللهِ، ومحبةِ الخيرِ للمسلمينَ، معَ اللَّهَج بذكرِ اللهِ - لا يلحقُها شيءٌ من الأعمالِ، وأهلُها سابقونَ لكلِّ فضيلةٍ وأجرٍ وثوابٍ، وبقيةُ الأعمالِ تبعٌ لها، فأهلُ

стр. 397

الإخلاصِ والإحسانِ والذكرِ هم: ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]. * فائدةٌ: قدْ أمرَ اللهُ في كتابهِ بالتفكرِ والتدبرِ والنظرِ والتبصرِ، وغيرِها من الطرقِ التي تُنالُ بها العلومُ، وأثنى على أهلِها، وأخبرَ أنَّ كتابَهُ أُنْزِلَ لهذهِ الحكمِ، وأثنى على العلمِ واليقينِ ومدحَ أهلَهما، ونهَجَ جميعَ طريقٍ يوصلُ إليها. فاعلَمْ أنَّ الذي يجمعُ أشتاتَ هذهِ الطرقِ وأنواعَها وأجناسَها ثلاثةُ طرقٍ كليةٍ: • أحدُها: طريقُ الإخباراتِ الصادقةِ. • والثاني: طريقُ الحسِّ. • والثالثُ: طريقُ العقلِ. ووجهُ الحصرِ: أنَّ المعلوماتِ إما أنْ تدركَ بحاسةِ السمعِ أو البصرِ أو اللمسِ أو الذوقِ، وإما أنْ تدركَ بالعقلِ، وإما أنْ تنالَ بالإخبارِ، وكلُّ واحدٍ من هذهِ الثلاثةِ قدْ يقارنُ الآخرَ، وخصوصًا العقلَ والأخبارَ الصادقةَ؛ فإنهما لا يتفارقانِ، وقدْ يكونُ العلمُ ضروريًّا بديهيًّا يضطرُ الإنسانَ إلى علمهِ، والتصديقِ بهِ من غيرِ حاجةٍ إلى زيادةِ نظرٍ وتفكرٍ، وقدْ يكونُ نظريًّا يحتاجُ إلى ذلكَ. ثم العلمُ بهذهِ الأمورِ مراتبُ متفاوتةٌ، وأعلى درجاتِ العلمِ واليقينِ وأوضحُها وأنفعُها للعبادِ: خبرُ اللهِ، وخبرُ رسلهِ، فإنهُ لا أصدقُ من اللهِ قيلًا، ولا أصدقُ منهُ حديثًا، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، فكلُّ ما قالَهُ اللهُ وقالَهُ رسولُهُ فهوَ الحقُّ والصدقُ، وماذا بعدَ الحقِّ إلا الضلالُ، وهوَ يهدي إلى كلِّ دليلٍ عقليٍّ ونقليٍّ.

стр. 398

وفي خبرِ اللهِ وخبرِ رسلهِ من البيانِ العظيمِ، والتفصيلاتِ لجميعِ أجناسِ العلومِ النافعةِ؛ ما لا تصلُ إليهِ علومُ الخلائقِ كلِّهم، أولِهم وآخرِهم. وإذا أردتَ أنْ تعرفَ أنَّ الحقَّ الصحيحَ هوَ ما قالَهُ اللهُ وقالَهُ رسولُهُ، وأنَّ ما ناقضَهُ ونافاهُ فهوَ باطلٌ بلا ريبٍ، مبنيٌّ على جهالاتٍ وموادَّ فاسدةٍ: • فانظرْ إلى أصولِ الدينِ وقواعدهِ وأسسهِ، كيفَ اتفقَتْ عليها الأدلةُ النقليةُ والعقليةُ والحسيةُ. • انظرْ إلى توحيدِ اللهِ ووجوبِ تفردهِ وإفرادهِ بالوحدانيةِ، وتوحدهِ بصفاتِ الكمالِ، كيفَ كانتِ الكتبُ السماويةُ مشحونةً منها، بلْ هيَ المقصودُ الأعظمُ منها، وخصوصًا القرآنَ الذي هوَ مِنْ أولهِ إلى آخرهِ يقررُ هذا الأصلَ الذي هوَ أكبرُ الأصولِ وأعظمُها. • وانظرْ كيفَ اتفقَتْ جميعُ الرسلِ من أولِهم إلى آخرِهم، وخصوصًا إمامَهم وخاتمَهم [محمدًا] (١) ﷺ على تقريرِ توحيدِ اللهِ وتفردهِ بالوحدانيةِ، وسعةِ الصفاتِ وعظمتها: من سعةِ العلمِ والحكمةِ، وعمومِ القدرةِ والإرادةِ، وشمولِ الحمدِ والملكِ والمجدِ والجلالِ والجمالِ والحسنِ، والإحسانِ في أسمائهِ وصفاتهِ وأفعالهِ. • ثم انظرْ إلى هذا الأصلِ العظيمِ في قلوبِ ساداتِ الخلقِ أولي الألبابِ الكاملةِ والعقولِ التامةِ، كيفَ تجدهُ أعظمَ من كلِّ شيءٍ، وأقوى وأكبرَ من كلِّ شيءٍ، وأوضحَ من كلِّ شيءٍ، وأنهُ مقدمٌ عندَهم على الحقائقِ كلِّها، وأنهم يعلمونَهُ علمًا ضروريًّا بديهيًّا قبلَ الأدلةِ النظريةِ، ويعلمونَ أنَّ كلَّ ما عارضَهُ فهوَ أبطلُ الباطلِ.

стр. 399

• ثم انظرْ إلى كثرةِ البراهينِ المنقولةِ والمعقولةِ والمحسوسةِ، الشاهدةِ للهِ بالوحدانيةِ. ففي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ ** تدلُّ على أنهُ واحدُ فوجودُ جميعِ الأشياءِ في العالمِ العلويِّ والسفليِّ، وبقاؤُها، وما هيَ عليهِ من الأوصافِ المتنوعةِ؛ كلُّ ذلكَ من الأدلةِ والبراهينِ على وجودِ مبدعِها ومعدِّها وممدِّها بكلِّ ما تحتاجُ إليهِ، ومَن أنكرَ هذا فقدْ باهتَ وكابرَ وأنكرَ أجلَى الأمورِ وأعظمَ الحقائقِ! ومن هاهنا تعلمُ: أنَّ الماديينَ الملحدينَ أضلُّ الخلقِ وأجهلُهم، وأعظمُهم غرورًا واغترارًا؛ حيثُ اغترُّوا حينَ وقفُوا على بعضِ علومِ الكونِ الأرضيِّ الماديِّ الطبيعيِّ، وقفَتْ عقولُهم القاصرةُ عندَها، واستولَتْ عليهم الحيرةُ، وتكبرُوا بمعارفِهم الضئيلةِ، وقالوا: نثبتُ ما وصلَتْ إليهِ معارفُنا، وننفِي ما سواهُ! فتعرفُ بهذا: أنَّ نفيَهم هذا جهلٌ وباطلٌ باتفاقِ العقلاءِ؛ فإنَّ مَنْ نفَى ما لا يعرفهُ فقدْ برهَنَ على كذبهِ وافترائهِ، فكما أنَّ مَنْ أثبتَ شيئًا بلا علمٍ فهوَ ضالٌّ غاوٍ، فكذلكَ من نفَى شيئًا بلا علمٍ. وتعرفُ أيضًا: أنَّ إثباتَهم لعلومِ الطبيعةِ التي عرفُوها وانتهَتْ إليها معارفُهم، أنَّ هذا الإثباتَ منهم قاصرٌ لم يصلُوا إلى غايتهِ وحقيقتهِ، فلم يصلوا بذلكَ إلى خالقِ الطبيعةِ ومبدعِها، ولم يعرفوا المقصودَ من نظامِها وسببيتِها؛ بلْ عرفوا ظاهرًا منها، وهم عن النافعِ غافلونَ، فأثبتُوا بعضَ السببِ وعمُوا عن المقصودِ، وهم في علمِهم هذا حائرونَ، لا تثبتُ لهم قدمٌ على أمرٍ من الأمورِ، ولا تثبتُ لهم نظريةٌ صحيحةٌ مستقيمةٌ، فهمُ دائمًا في خلطٍ وخبطٍ وتناقضٍ، وكلما جاءَهم من البراهينِ الحقِّ ما يبطلُ قولَهم قالوا: هذا من فلتاتِ الطبيعةِ، وكلما برزَ مبرزٌ من فحولِهم وأذكيائِهم ابتكرَ لهُ طريقةً

стр. 400

غيرَ طريقةِ إخوانهِ؛ فصدَقَ عليهم قولهُ تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، وقولهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ [غافر: ٨٣]. والمقصودُ: أنَّ هذا الأصلَ العظيمَ قدْ دلَّتْ عليهِ جميعُ الأدلةِ بأجناسِها وأنواعِها، ودلَّ عليهِ الشرعُ المحكمُ والقدرُ العامُّ المنظمُ، ولم يقدَحْ فيه إلا هؤلاءِ الضُّلَّالُ الذينَ كان قدحُهم فيه أسقطَ اعتبارَهم، وبرهَنَ على فسادِ عقولِهم. وانظرْ إلى الأصلِ الثاني وهوَ إثباتُ الرسالةِ، وأنَّ اللهَ قدْ أقامَ على صدقِ رسلهِ من الآياتِ ما على مثلهِ يؤمنُ البشرُ، وخصوصًا [محمدًا] (١) ﷺ ، فإنَّ آياتِ نبوتهِ وأدلةَ رسالتهِ وصدقهِ متنوعةٌ: • سيرتَهُ وأخلاقَهُ. • وما جاءَ بهِ من الدينِ القويمِ. • وحثَّهُ على كلِّ خلقٍ كريمٍ، وعملٍ صالحٍ، ونفعٍ وإحسانٍ وعدلٍ. • ونهيَهُ عن ضدِّ ذلكَ. • وما جاءَ بهِ من الوحيِ -الكتابِ والسنةِ- كلُّهُ جملةً وتفصيلًا براهينُ على نبوتهِ وصدقهِ. • معَ ما أكرمَهُ اللهُ بهِ من النصرِ العظيمِ، وإظهارِ دينهِ على الأديانِ كلِّها.

стр. 401

• ومن إجابةِ الدعواتِ، وحلولِ أنواعِ البركاتِ التي لا تعدُّ أنواعُها، فضلًا عن أفرادهِا. • وهذا بقطعِ النظرِ عن شهادةِ الكتبِ السابقةِ، وعن عجزِ المعارضينَ لهُ في مقاماتِ التحدِّي كلِّها، وعجزِهم عن نصرِ باطلِهم. ولا يزالُ الباطلُ بينَ يدي ما جاءَ بهِ الرسولُ مخذولًا زاهقًا، بحيثُ إنَّ القائمينَ بما جاءَ بهِ الرسولُ، القائمينَ بمعرفةِ دينهِ، يتحدونَ جميعَ أهلِ الأرضِ أنْ يأتوا بصلاحٍ أو فلاحٍ أو رقيٍّ حقيقيٍّ أو سعادةٍ حقيقيةٍ بجميعِ وجوهِها، وأنهُ محالٌ أنْ يتوصلَ إلى شيءٍ من ذلكَ بغيرِ ما جاءَ بهِ الرسولُ، وأرشدَ إليهِ ودلَّ الخلقَ عليهِ. ولولا الجهلُ بما جاءَ بهِ الرسولُ، والتعصباتُ الشديدةُ من الأعداءِ، والمقاوماتُ العنيفةُ، وإقامةُ الحواجزِ المتعددةِ العنيفةِ لمنعِ الجماهيرِ والدهماءِ من رؤيةِ الحقِّ الصريحِ والدينِ الصحيحِ - لم يبقَ على وجهِ الأرضِ دينٌ سوى دينِ محمدٍ ﷺ ؛ لدعوتهِ وإرشادهِ وحثِّهِ على كلِّ صلاحٍ وإصلاحٍ وخيرٍ ورشدٍ، ولكنَّ مقاوماتِ الأعداءِ، ونصرَ القوةِ للباطلِ بالتمويهاتِ والتزويراتِ، وتقاعدَ أهلِ الدينِ عن القيامِ بهِ ونصرتهِ؛ هيَ التي منعَتْ أكثرَ الخلقِ من الوقوفِ على حقيقتهِ. ثم انظرْ إلى الأصلِ الثالثِ وهوَ إثباتُ المعادِ والجزاءِ، كيفَ اتفقَتِ الكتبُ السماويةُ، والرسلُ العظامُ، وأتباعُهم على اختلافِ طبقاتِهم وتباينِ أقطارِهم وأزمانِهم وأحوالِهم - على الإيمانِ بهِ والاعترافِ التامِّ بهِ. وكمَ أقامَ اللهُ عليهِ من الأدلةِ النقليةِ والعقليةِ، وكذلكَ الحسيةُ المشاهدةُ، ما يدلُّ أكبرَ دلالةٍ عليهِ، وكم أشهدَ عبادَهُ في هذهِ الدارِ أنموذجًا من الثوابِ والعقابِ، وأراهم حلولَ المَثُلاتِ بالمكذبينَ، وأنواعِ العقوباتِ الدنيويةِ بالمجرمينَ، كما أراهم نجاةَ

стр. 402

الرسلِ ومَن تبعَهم من المؤمنينَ، وإكرامَهم في الدنيا قبلَ الآخرةِ، وكم أبطلَ اللهُ كلَّ شبهةٍ يقدحُ بها المكذبونَ بالمعادِ، كما أقامَ الأدلةَ على إبطالِ الشبهِ الموجهةِ من المكذبينَ إلى توحيدهِ وصدقِ رسلهِ، وبيَّنَ سفهَهم وفسادَ عقولِهم، وأنهُ ليسَ لهم من المستنداتِ على إنكارِ ذلكَ إلا استبعاداتٌ مجردةٌ، وقياسُ قدرةِ ربِّ العالمينَ على قَدْرِ المخلوقينَ! والمقصودُ: أنَّ هذهِ الأصولَ العظيمةَ قدْ قامَتِ البراهينُ القواطعُ عليها من كلِّ وجهٍ وبكلِّ اعتبارٍ، وجميعُ الحقائقِ الصحيحةِ غيرِها لمَ يقُمْ على ثبوتِها وعلمِها عُشرُ معشارِ ما قامَ على هذهِ الأصولِ من البراهينِ المتنوعةِ؛ ففي هذا دليلٌ على أنَّ كلَّ مَنْ أثبتَ معلومًا أو حقيقةً من الحقائقِ بطريقٍ عقليٍّ أو خبريٍّ أو حسيٍّ، ثم نفى معَ ذلكَ واحدًا من هذهِ الأصولِ الثلاثةِ التي هيَ أساسُ الدينِ - فقدْ كابرَ عقلَهُ وحسَّهُ وعلمَهُ، ونادَى على نفسهِ بالتناقضِ العظيمِ؛ لأنَّ الطرقَ التي دلَّتْهُ على إثباتِ معلوماتهِ هيَ وأضعافُها، وأضعافُ أضعافِها، وما هوَ أقوى منها وأوضحُ؛ قدْ دلَّتْ على التوحيدِ والرسالةِ والمعادِ. واعلَمْ أنَّ المعلوماتِ بخبرِ اللهِ وخبرِ رسلهِ عامة يدخلُ فيها الإخبارُ عن اللهِ وعن ملائكتهِ وعن الغيوبِ كلِّها، وأمورُ الشرعِ والقدرِ، وهيَ الأخبارُ المعصومةُ الصادقةُ التي يُعلمُ كذبُ ما خالفَها وبطلانهُ، ولنكتفِ بهذا الأنموذجِ من الأمثلةِ، واللهُ أعلمُ. وبعد هذا: إخبارُ الصادقينَ عن المواضعِ والحوادثِ والوقائعِ التي شاهدُوها، وهذا النوعُ بحسبِ صدقِ المخبرينَ وتواترِ خبرِهم يُفيدُ العلمَ القطعيَّ، وكذلكَ إخبارُ الصادقينَ عن العلومِ التي سمعُوها، والألفاظِ التي نقلوها، وأصدقُ الناقلينَ هنا حملةُ الشريعةِ المحمديةِ؛ لشدةِ عنايتِهم، وكمالِ صدقِهم، وقوةِ دينِهم، وأنهم بالخصوصِ حُفظوا عن الخطأِ العموميِّ، والاتفاقِ على غيرِ الصوابِ.

стр. 403

ومنْ الأمورِ التي تُعلمُ بالعقلِ: أنَّ العقولَ الصحيحةَ التي لم تُغيَّرْ فطرتُها، ولم تُفسَدْ بالعقائدِ الفاسدةِ؛ تَعلمُ علمًا يقينًا حسنَ التوحيدِ والإخلاصِ للهِ، كما تَعلمُ قبحَ الشركِ، وتَعلمُ حسنَ الصدقِ والعدلِ والإحسانِ إلى المخلوقينَ، كما تَعلمُ قبحَ ضدِّهِ، وتَعلمُ وجوبَ شكرِ المنعم، ووجوبَ برِّ الوالدينِ، وصلةِ الأقاربِ، والقيامِ بحقِّ مَنْ لهُ حقٌّ عليكَ، وتستحسنُ كلَّ صلاحٍ وإصلاحٍ، وتستقبحُ كلَّ فسادٍ وضررٍ. ومن أشرفِ ما يُعلمُ بالعقلِ أنهُ مركوزٌ في العقولِ: أنَّ الكمالَ المطلقَ للهِ وحدَهُ، وأنَّ لهُ الحكمةَ التامةَ في خلقهِ وشرعهِ، وأنهُ لا يليقُ بهِ أنْ يتركَ خلقَهُ سدًى لا يُؤمَرونَ ولا يُنهَونَ، ولا يُثابونَ ولا يُعاقَبونَ. ومن المعلومِ بالحسِّ: ما يُدرَكُ بالحواسِّ: - كسمعِ الأصواتِ وإبصارِ الأعيانِ، وهوَ من أتمِّ المعارفِ، فإنهُ ليسَ الخبرُ كالمعاينةِ. - ومما يُدرَكُ بالحسِّ ما يُدرَكُ بالشمِّ، كشمِّ الروائحِ الطيبةِ والخبيثةِ. - وما يُدرَكُ باللمسِ، كالحرارةِ والبرودةِ. - وما يُدرَكُ بتحليلِ الأشياءِ والوقوفِ على موادِّها وجواهرِها وصفاتِها. كلُّ هذا من مدركاتِ الحسِّ. وبالجملةِ: فطرقُ العلمِ إلى المعلوماتِ كثيرةٌ جدًّا، وكلما كانَ الشيءُ أعظمَ ومعرفتَهُ أهمَّ كانتِ الطرقُ الموصلةُ إليهِ أكثرَ وأوضحَ وأصحَّ وأقوى، كما تقدمَتِ الإشارةُ إلى التوحيدِ والرسالةِ والمعادِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 404

* فائدةٌ: لما ذكرَ البارِي نعمتَهُ على العبادِ بتيسيرِ الركوبِ للأنعامِ والفلكِ قالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤]، ذكرَ فيها أركانَ الشكرِ الثلاثةَ: • وهيَ الاعترافُ والتذكرُ لنعمةِ اللهِ، والتحدثُ بها. • والثناءُ على اللهِ بها. • والخضوعُ للهِ والاستعانةُ بها على عبادتهِ؛ لأنَّ المقصودَ من قولهِ: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] الاعترافُ بالجزاءِ، والاستعدادُ لهُ، وأنَّ المقصودَ من هذهِ النعمِ أنْ تكونَ عونًا للعبدِ على ما خُلِقَ لهُ من طاعةِ اللهِ. وفي قولهِ: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] تقييدُها في هذهِ الحالةِ وقتَ تبوُّءِ النعمةِ؛ لأنَّ كثيرًا من الخلقِ تسكِرُهم النعمُ، وتُغفلُهم عن اللهِ، وتُوجبُ لهم الأشرَ والبطرَ، فهذهِ الحالةُ التي أمرَ اللهُ بها هيَ دواءُ هذا الداءِ المهلكِ، فإنهُ متى ذكرَ العبدُ أنهُ مغمورٌ بنعمِ اللهِ، وأنَّ أصولَها، وتيسيرَها وتيسيرَ أسبابِها، وبقاءَها، ودفعَ ما يضادُّها أو ينقصُها؛ كلُّهُ من فضلِ اللهِ وإحسانهِ، ليسَ من العبدِ شيءٌ - خضعَ للهِ وذلَّ، وشكرَهُ وأثنَى عليهِ، وبهذا تدومُ النعمةُ ويباركُ اللهُ فيها، وتكون نعمةً حقيقيةً. فأمَّا إذا قابلَها بالأشرِ والبطرِ، ونَسِيَ المنعمَ، وربما تكبرَ بها على عبادِ اللهِ، فهذهِ نقمةٌ في صورةِ نعمةٍ، وهيَ استدراجٌ من اللهِ للعبدِ، سريعةُ الزوالِ، وشيكةٌ بالعقابِ عليها والنكالِ، نسألُ اللهُ أنْ يوزعَنا شكرَ نعمهِ.

стр. 405

* فائدةٌ -بلْ فوائدُ عظيمةٌ- في ذكرِ شيءٍ من الأسبابِ التي ذكرَها اللهُ في كتابهِ، موصلة إلى المطالبِ العاليةِ: لا ريبَ أنَّ من حكمةِ اللهِ ورحمتهِ أنهُ جعلَ العبادَ مفتقرينَ إلى جلبِ المنافعِ الدينيةِ والدنيويةِ، وإلى دفعِ المضارِّ الدينيةِ والدنيويةِ، فاقتضَتْ حكمتهُ وسنتهُ التي لا تتبدلُ أنَّ هذهِ المنافعَ المتنوعةَ -وخصوصًا الأمورَ العظامَ- لا تحصلُ إلا بالسعيِ بأسبابِها الموصلةِ إليها، وكذلكَ المضارُّ لا تندفعُ إلا بالسعيِ بالأسبابِ التي تدفعُها، وقدْ بيَّنَ في كتابهِ غايةَ التبيينِ هذهِ الأسبابَ، وأرشدَ العبادَ إليها، فمن سلكَها فازَ بالمطلوبِ، ونجا من كلِّ مرهوبٍ. • فأصلُ الأسبابِ كلِّها: الإيمانُ والعملُ الصالحُ، جعلَ اللهُ خيراتِ الدنيا والآخرةِ وحصولَها بحسبِ قيامِ العبدِ بهذينِ الأمرينِ، وقدْ ذكرَ اللهُ في القرآنِ من هذا شيئًا كثيرًا جدًّا، وقدْ تقدَّمَ في هذا الكتابِ شيءٌ من ذلكَ عندَ ذكرِ فوائدِ الإيمانِ (١). • وجعلَ اللهُ القيامَ بالعبوديةِ والتوكلِ سببًا لكفايةِ اللهِ للعبدِ جميعَ مطالبهِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] أي: بمن يقومُ بعبوديتهِ ظاهرًا وباطنًا. • وجعلَ اللهُ التقوى والسعيَ والحركةَ سببًا للرزقِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقولهُ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. • وجعلَ اللهُ التقوى والإيمانَ وتكرارَ دعوةِ ذي النونِ سببًا للخروجِ من كلِّ كربٍ وضيقٍ وشدةٍ، شاهدهُ الآيةُ السابقةُ، وكذلكَ قولهُ: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].

стр. 406

• وجعلَ اللهُ الدعاءَ والطمعَ في فضلهِ سببًا لحصولِ جميعِ المطالبِ، دليلهُ قولهُ تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقولهُ: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. • وجعلَ اللهُ الإحسانَ في عبادةِ الخالقِ، والإحسانَ إلى الخلقِ سببًا يُدرَكُ بهِ فضلهُ وإحسانهُ العاجلُ والآجلُ، شاهدهُ الآيةُ السابقةُ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقولهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ومَن أحبَّهُ اللهُ نالَ جميعَ ما يَطلبُ. • وجعلَ اللهُ التوبةَ والاستغفارَ والإيمانَ والحسناتِ والمصائبَ معَ الصبرِ عليها أسبابًا لمحوِ الذنوبِ والخطايا، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. • وجعلَ اللهُ الصبرَ سببًا وآلةً تُدرَكُ بها الخيراتُ، ويستدفعُ بها الكريهاتُ، شاهدهُ الآيةُ السابقةُ، وقولهُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] أي: على جميعِ أمورِكم. ولما ذكرَ اللهُ ما وصلَ إليهِ أهلُ الجنةِ من كمالِ النعيمِ، وزوالِ كلِّ محذورٍ؛ ذكرَ أنَّ هذا أثرُ صبرِهم، فقالَ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]. ومنه: أنهُ جعَلَ الصبرَ واليقينَ تُنالُ بهما أعلى المقاماتِ، وهيَ الإمامةُ في الدينِ، دليلهُ قولهُ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].

стр. 407

• وجعلَ اللهُ مفتاحَ العلمِ حسنَ السؤالِ، وحسنَ الإنصاتِ، والتعلمَ، والتقوى، وحسنَ القصدِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وقولهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: نورًا وعلمًا تفرقونَ بهِ بينَ الحقائقِ كلِّها، وقولهُ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقولهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] الآية. • وجعلَ اللهُ الاستعدادَ للأعداءِ بكلِّ مستطاعٍ من القوةِ، وأخذَ الحذرِ منهم؛ سببًا لحصولِ النصرِ والسلامةِ من شرورِهم، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقولهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. • وجعلَ اللهُ اليسرَ يَتبعُ العسرَ، والفرجَ عندَ اشتدادِ الكربِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦]، ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]. • وجعلَ اللهُ الشكرَ سببًا للمزيدِ منها ومن غيرِها، وكفرانَ النعمِ سببًا لزوالِها، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. • وجعلَ اللهُ الصبرَ والتقوى سببًا للعواقبِ الحميدةِ، والمنازلِ الرفيعةِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].

стр. 408

• وجعلَ اللهُ الجهادَ سببًا للنصرِ، وحصولِ الأغراضِ المطلوبةِ من الأعداءِ، والوقايةِ من شرورِهم، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]، ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤]. • وجعلَ اللهُ لمحبتهِ التي هيَ أعلى ما نالَهُ العبادُ أسبابًا، أهمُّها وأعظمُها متابعةُ رسولهِ محمدٍ ﷺ في الأقوالِ والأفعالِ وسائرِ الأحوالِ، قالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ومن أسبابِها: ما ذكرَهُ بقولهِ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. • وجعلَ اللهُ النظرَ إلى النعمِ والفضلِ الذي أُعطِيَهُ العبدُ، وغضَّ النظرِ مما لم يُعطَهُ؛ سببًا للقناعةِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤]. • وجعلَ اللهُ القيامَ بالعدلِ في الأمورِ كلِّها سببًا لصلاحِ الأحوالِ، وضدَّهُ سببًا لفسادِها واختلافِها، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن: ٧ - ٩]. • وجعلَ اللهُ كمالَ إخلاصِ العبدِ لربهِ سببًا يَدفعُ بهِ عنهُ المعاصِيَ وأسبابَها وأنواعَ الفتنِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].

стр. 409

• وجعلَ اللهُ قوةَ التوكلِ عليهِ معَ الإيمانِ حصنًا حصينًا يَمنعُ العبدَ من تسلطِ الشيطانِ، خصوصًا إذا انضمَّ إلى ذلكَ الإكثارُ من ذكرِ اللهِ، والاستعاذةُ باللهِ من الشيطانِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] إلى آخرِهما. • وجعلَ اللهُ مفتاحَ الإيمانِ واليقينِ التفكرَ في آياتِ اللهِ المتلوةِ، وآياتهِ المشهودةِ، والمقابلةَ بينَ الحقِّ والباطلِ بحسنِ فهمٍ وقوةِ بصيرةٍ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، والأمرُ بالتفكرِ بالمخلوقاتِ في عدةِ آياتٍ، وقولهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ [الحجر: ٧٧] فهيَ سببٌ للإيمانِ، والإيمانُ موجِبٌ للانتفاعِ بها. • وجعلَ اللهُ القيامَ بأمورِ الدينِ سببًا لتيسيرِ الأمورِ، وعدمَ القيامِ بها سببًا للتعسيرِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. • وجعلَ اللهُ العلمَ النافعَ سببًا للرفعةِ في الدنيا والآخرةِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. • وجعلَ اللهُ كونَ العبدِ طيبًا في عقيدتهِ وخلقهِ وعملهِ سببًا لدخولِ الجنةِ، وللبشارةِ عندَ الموتِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقولهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]. • وجعلَ اللهُ مقابلةَ المسيءِ بالإحسانِ وحسن الخلقِ سببًا يكونُ بهِ العدوُّ صديقًا، وتتمكنُ فيه صداقةُ الصديقِ، دليلهُ قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي

стр. 410

هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وبذلكَ تحصلُ الراحةُ للعبدِ، وتتيسرُ لهُ كثيرٌ من أحوالهِ. • وجعلَ اللهُ الإنفاقَ في محلِّهِ سببًا للخلفِ العاجلِ والثوابِ الآجلِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. • وجعلَ اللهُ لرزقهِ أبوابًا وأسبابًا متنوعةً، فمتى انغلقَ عن العبدِ بابٌ منها فلا يحزنُ؛ فإنَّ اللهَ يفتحُ لهُ غيرَهُ، وقدْ يكونُ أقوى منهُ وأحسنَ، وقدْ يكونُ مثلَهُ ودونَهُ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، وقولهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] الآية. • وجعلَ اللهُ التحرزَ والبعدَ عن الموبقاتِ المهلكةِ، والحذرَ من وسائلِها؛ طريقًا سهلًا هينًا لتركِها، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: محارمُهُ، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: لا تفعلُوها ولا تحومُوا حولَها؛ فمَن رعَى حولَ الحِمَى يوشك أنْ يقعَ فيه. وإذا قيلَ مثل هذهِ الآيةِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] كان المرادُ بالحدودِ: المحارمَ، وأما إذا قيلَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فهذهِ الحدودُ التي حدَّدَها اللهُ للمباحاتِ، فعلى العبدِ ألَّا يتجاوزَها؛ لأنهُ إذا تجاوزَ المباحَ وقعَ في المحرمِ، فافهمِ الفرقَ بينَ الأمرينِ. • وجعلَ اللهُ السببَ الوحيدَ القويَّ المثمرَ للثمراتِ الجليلةِ للدعوةِ إلى سبيلهِ؛ هوَ ما تضمنَتْهُ هذهِ الآيةُ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]:

стр. 411

- فالحكمةُ: وضعُ الدعوةِ في موضعِها، ودعايةُ كلِّ أحدٍ بحسبِ ما يليقُ بحالهِ ويناسبهُ، ويكونُ أقربَ لحصولِ المقصودِ منهُ. - والموعظةُ الحسنةُ: البالغةُ في الحسنِ مبلغًا يصيرُ لها من التأثيرِ وسرعةِ الانقيادِ ما يناسبُ مقتضى الحالِ. فالموعظةُ: بيانُ الأحكامِ معَ ذكرِ ما يقترنُ بها من الترغيبِ في ذكرِ مصالِحها ومنافعِها وخيراتِها الحاملةِ عليها، وذكرِ ما يقترنُ بها من الترهيبِ على فاعلِ المحرماتِ، أو تاركِ الواجباتِ، من العقوباتِ والخسرانِ والحسراتِ، وحرمانِ الخيرِ العاجلِ والآجلِ. - والمجادلةُ بالتي هيَ أحسنُ: بالعباراتِ الواضحةِ والبراهينِ البينةِ التي تحققُ الحقَّ وتبطلُ الباطلَ، معَ الرفقِ واللينِ وعدمِ المغاضبةِ والمشاتمةِ. وقدْ علمَ اللهُ معَ ذلكَ أنَّ الناسَ ثلاثةُ أقسامٍ، كلٌّ يُدعَى بالطريقِ التي تناسبهُ: - القسمُ الأولُ: المنقادونَ الملتزمونَ الراغبونَ في الخيرِ، الراهبونَ من الشرِّ، فهؤلاءِ لِما عندَهم من الاستعدادِ لفعلِ المأموراتِ، وتركِ المنهياتِ، والاشتياقِ إلى الاعتقادِ الصحيحِ؛ فقطْ يُكتفَى ببيانِ الأمورِ الدينيةِ لهم، والتعليمِ المحضِ. - والقسمُ الثاني: الذينَ عندَهم غفلةٌ وإعراضٌ، واشتغالٌ بأمورٍ صادَّةٍ عن الحقِّ؛ فهؤلاءِ معَ هذا التعليمِ يُدعونَ بالموعظةِ الحسنةِ بالترغيبِ والترهيبِ؛ لأنَّ النفوسَ لا تلتفتُ إلى منافعِها، ولا تتركُ أغراضَها الصادَّةَ لها عن الحقِّ علمًا وعملًا؛ إلا معَ البيانِ لها أنْ ترغَّبَ وترهَّبَ بذكرِ ما يترتبُ على الحقِّ من المنافعِ، وعلى الباطلِ من المضارِّ، والموازنةِ بينَ الأمورِ النافعةِ والضارةِ.

стр. 412

- والقسمُ الثالثُ: المعارضونَ أو المعاندونَ المكابرونَ، المتصدونَ لمقاومةِ الحقِّ ونصرةِ الباطلِ، فهؤلاءِ لابدَ أنْ يسلكَ معهم طريقُ المجادلةِ بالتي هيَ أحسنُ، بحسبِ ما يليقُ بالمجادِلِ والمجادَلِ، وبتلكَ المقالةِ وما يقترنُ بها. وإذا أردتَ تطبيقَ هذهِ الأمورِ الثلاثةِ تمامًا فانظرْ إلى دعواتِ الرسلِ -صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم- التي حكاها اللهُ في كتابهِ معَ أممِهم المستجيبينَ، والمعرضينَ والمعارضينَ؛ تجِدْها محتويةً على غايةِ الحسنِ في كلِّ أحوالِها. ثم انظرْ إلى دعوةِ سيدِهم وإمامِهم محمدٍ ﷺ ، وما سلكَ من الطرقِ المتنوعةِ في دعايةِ الخلقِ عمومًا وخصوصًا، على اختلافِ طبقاتِهم ومنازلِهم، وبحسبِ أحوالِهم، وبحسبِ الأقوالِ والأحكامِ التي يدعُو إليها - تجِدْهُ قدْ فاقَ في ذلكَ الأولينَ والآخرينَ، والآثارُ أكبرُ دليلٍ على قوةِ المؤثرِ. • وجعلَ اللهُ السببَ لفصلِ الخصامِ المرضيِّ للمتشاجرينَ المنصفينَ في جميعِ المقالاتِ، الذي هوَ خيرٌ في الحالِ، وأحسنُ في المآلِ؛ ردَّها إلى كتابِ اللهِ وسنةِ رسولهِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. • وجعلَ اللهُ صلةَ ما أمرَ بهِ أنْ يوصلَ من البرِّ، وصلةَ الأرحامِ، والقيامَ بحقِّ مَنْ لهُ حقٌّ عليكَ؛ سببًا تُنالُ بهِ مكارمُ الأخلاقِ، ويُتبوَّأُ بهِ المنازلُ العاليةُ في جناتِ النعيمِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] إلى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: ٢٣]. • وجعلَ اللهُ السوابقَ الحميدةَ للعبدِ، وتعرُّفَهُ لربهِ في حالِ الرخاءِ؛ سببًا للنجاةِ من الشدائدِ، وحصولِ أعظمِ الفوائدِ، شاهدهُ قولهُ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ

стр. 413

(١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]، وقولُ أهلِ الجنةِ فيها: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٨]. • وجعلَ اللهُ لشرحِ الصدرِ ونعيمهِ وطمأنينتهِ أسبابًا متعددةً: اليقينَ، والإيمانَ، والإكثارَ من ذكرِ اللهِ، وقوةَ الإنابةِ إليهِ، والقناعةَ بما أُعطيَ من الرزقِ، وحصولَ العلمِ النافعِ، وتركَ الذنوبِ، والمبادرةَ بالتوبةِ مما وقعَ منها، وشواهدُ هذا كثيرةٌ، منها: قولهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار: ١٣] وشمولُ هذا النعيمِ لنعيمِ القلوبِ في الدنيا ظاهرٌ، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥]. • وجعلَ اللهُ ضربَ الأمثالِ في كتابهِ طريقًا عظيمًا من طرقِ التعليمِ الذي تتبينُ وتتوضحُ بهِ المطالبُ العاليةُ، والعقائدُ الصحيحةُ والفاسدةُ: - كما مثَّلَ كلمةَ التوحيدِ والعقيدةَ الحقَّةَ الصحيحةَ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في قلبِ المؤمنِ، ﴿وَفَرْعُهَا﴾ من الأعمالِ والأخلاقِ ﴿فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ أي: منافعَها، ﴿كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]. - ومثَّلَ ضدَّ ذلكَ بالشجرةِ الخبيثةِ التي لا لها أصلٌ ثابتٌ ولا فرعٌ نافعٌ. - ومثَّلَ المشركَ بربهِ كالعبدِ الذي يتنازعهُ شركاءُ متشاكسونَ، والموحِّدَ المخلصَ للهِ السالمَ من تعلقهِ بغيرهِ.

стр. 414

- وكذلكَ مثَّلَ الشركَ والمشركَ، واتخاذَهُ وليًّا من دونِ اللهِ يتعززُ بهِ وينتصرُ: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]. - ومثَّلَ وحيَهُ بمنزلةِ الغيثِ النافعِ، وقلوبَ الخلقِ بمنزلةِ الأراضي الطيبةِ القابلةِ والخبيثةِ، وبيَّنَ ذلكَ. وهيَ أمثلةٌ محسوسةٌ يوضحُ اللهُ بها المطالبَ النافعةَ. وهوَ يُقْسِمُ تعالى على أصولِ الدينِ التي يجبُ على الخلقِ الإيمانُ بها: كالتوحيدِ والرسالةِ والمعادِ، وما يتفرعُ عنها. وضربُ الأمثالِ من تصريفِ اللهِ الآياتِ لعبادهِ بأعلى أساليبِ الكلامِ المؤثرةِ الموضحةِ للحقائقِ، فتأمَّلْ إقساماتِ القرآنِ تجِدْها كذلكَ، ولذلكَ حثَّ اللهُ عليها، ومدحَ مَنْ يتفكرُ فيها ويعقلُها فقالَ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، وفي الآيةِ الأخرى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].

стр. 415

فصل في ذكر حدود ألفاظ كثر مرورها في القرآن: أمرًا بها، أو نهيًا عنها، أو مدحًا لها، أو ذمًا لها فاللهُ تعالى أثنى على مَنْ عرفَ حدودَ ما أنزلَ على رسولهِ، وذمَّ مَنْ جهلَها، وهذهِ ألفاظٌ جليلةٌ يتعينُ على طالبِ العلمِ معرفةُ حدودِها؛ ليعرفَ ما يدخلُ فيها وما يخرجُ منها، وتتفقُ الألفاظُ المأمورُ بها في كثيرٍ من الأمورِ، وقدْ يكونُ بينَها فروقٌ، وكذلكَ المنهياتُ، وهذا من إحكامِ القرآنِ، وأنهُ يصدِّقُ بعضهُ بعضًا، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. * الإسلامُ والإيمانُ: • أما الإسلامُ فهوَ: استسلامُ القلبِ للهِ وإنابتهُ، والقيامُ بالشرائعِ الظاهرةِ والباطنةِ. • وأما الإيمانُ فهوَ: التصديقُ التامُّ والاعترافُ بأصولهِ التي أمرَ اللهُ بالإيمانِ بها، ولا يتمُّ ذلكَ إلا بالقيامِ بأعمالِ القلوبِ وأعمالِ الجوارحِ؛ ولهذا سمَّى اللهُ كثيرًا من الشرائعِ الظاهرةِ والباطنةِ إيمانًا، وبعضُ الآياتِ يذكرُ أنها من لوازمِ الإيمانِ. فعلى هذا: الإيمانُ عندَ الإطلاقِ يدخلُ فيه الإسلامُ، وكذلكَ بالعكسِ، وإذا جمعَ بينَ الإيمانِ والإسلامِ فُسِّرَ الإيمانُ: بما في القلبِ من التصديقِ والاعترافِ وما يتبعُ ذلكَ، وفُسِّرَ الإسلامُ: بالقيامِ بعبوديةِ اللهِ كلِّها الظاهرةِ والباطنةِ. * الإحسانُ قسمانِ: • إحسانٌ في عبادةِ الخالقِ، وهوَ بذلُ الجهدِ في إكمالِها وإتقانِها، والقيامِ بحقوقِها الظاهرةِ والباطنةِ.

стр. 416

• وإحسانٌ إلى المخلوقينَ بإيصالِ جميعِ ما يستطيعهُ العبدُ من نفعٍ علميٍّ وبدنيٍّ وماليٍّ للخلقِ، ونصيحةٍ دينيةٍ أو دنيويةٍ، ومساعدةٍ وحضٍّ على الخيرِ. ولهذا كان المحسنونَ يتفاوتونَ تفاوتًا عظيمًا بحسبِ قيامِهم بالإحسانِ المتنوعِ إلى الخلقِ، برِّهم وفاجرِهم، حتى الحيوانِ البهيمِ، كما قالَ ﷺ : «إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ» الحديث (١). * الهُدَى والهدايةُ: نوعانِ: • هدايةُ العلمِ والإرشادِ والتعليمِ. • وهدايةُ التوفيقِ وجعلِ الهدى في القلبِ. وهذانِ يُطلبانِ من اللهِ تعالى: - إما على وجهِ الإطلاقِ، كقولِ العبدِ: اللهمَّ اهدني، أو: اللهمَّ إني أسألُكَ الهدى. - وإما على وجهِ التقييدِ بطريقِها النافعِ، كقولِ المصلِّي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]. ومَن حصلَتْ لهُ الهدايةُ سُمِّيَ مهتديًا، وأعظمُ ما تحصلُ بهِ الهدايةُ القرآنُ؛ ولهذا سماهُ اللهُ هدًى مطلقًا، وقالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ويشملُ جميعَ الأمورِ الدينيةِ والدنيويةِ النافعةِ. * العلمُ واليقينُ: • فالعلمُ هوَ: تصورُ المعلوماتِ على ما هيَ عليهِ؛ ولهذا يُقالُ: العلمُ ما قامَ عليهِ الدليلُ، والعلمُ النافعُ: ما كان مأخوذًا عن الرسولِ.

стр. 417

• واليقينُ: أخصُّ من العلمِ بأمرينِ: - أحدُهما: أنهُ العلمُ الراسخُ القويُّ الذي ليسَ عرضةً للريبِ والشكِّ والموانعِ، ويكونُ: * علمَ يقينٍ: إذا ثبتَ بالخبرِ. * وعينَ يقينٍ: إذا شاهدَتْهُ العينُ والبصرُ؛ ولهذا يقالُ: ليسَ الخبرُ كالمعاينةِ. * وحقَّ يقينٍ: إذا ذاقهُ العبدُ وتحققَ بهِ. - الأمرُ الثاني: أنَّ اليقينَ هوَ العلمُ الذي يحملُ صاحبَهُ على الطمأنينةِ بخبرِ اللهِ، والطمأنينةِ بذكرِ اللهِ، و الصبرِ على المكارهِ، والقوةِ في أمرِ اللهِ، والشجاعةِ القوليةِ والفعليةِ، والاستحلاءِ للطاعاتِ، وأنْ يهونَ على العبدِ في ذاتِ اللهِ المشقاتُ، وتحمُّلُ الكريهاتِ. فهذهِ الآثارُ الجميلةُ -التي هيَ أعلى وأحلى من كلِّ شيءٍ- من آثارِ اليقينِ. * الصبرُ: حبسُ النفسِ على المشقاتِ؛ طلبًا لرضا اللهِ، وينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: • صبرٍ على طاعةِ اللهِ، وخصوصًا الطاعاتِ الشاقةَ حتى يؤديَها على وجهِ الكمالِ. • وصبرٍ عن معصيةِ اللهِ، خصوصًا المعصيةَ التي تدعو النفسُ إليها دعاءً قويًّا، حتى يجاهدَ نفسَهُ فيتركُها للهِ. • وصبرٍ على أقدارِ اللهِ المؤلمةِ، خصوصًا إذا عظمَتِ المصيبةُ حتى لا يتسخطَها، وربما وصلَتْ بهِ الحالُ إلى الرضا عن اللهِ. * الشكرُ للهِ: هوَ: • الاعترافُ بنعمِ اللهِ، الظاهرةِ والباطنةِ، العامةِ والخاصةِ.

стр. 418

• والتحدثُ بها. • والاستعانةُ بها على طاعةِ المنعمِ دونَ معصيتهِ. • ولابدَّ أنْ يقترنَ هذا بالخضوعِ للمنعمِ. • ومحبتهِ. فبهذهِ الأركانِ الخمسةِ يكونُ الشكرُ تامًّا. * البرُّ والتقوى للهِ: • إذا أُطلِقَ أحدُهما دخلَ فيه الآخرُ، فإنهُ اسمٌ جامعٌ للقيامِ بكلِّ ما يحبهُ اللهُ ورسولهُ ظاهرًا وباطنًا، وتركِ ما يكرههُ اللهُ ورسولهُ ظاهرًا وباطنًا. • وإذا جُمعَ بينَهما نحو: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]: - فُسِّرَ البرُّ: بالقيامِ بعقائدِ الإيمانِ وأخلاقهِ وأعمالِ البرِّ كلِّها القاصرةِ والمتعديةِ. - وفُسِّرَتِ التقوى: باتقاءِ ما يُسخطُ اللهَ من الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ. * الصدقُ والكذبُ: • الصدقُ هوَ: استواءُ الظاهرِ والباطنِ على الاستقامةِ على الصراطِ المستقيمِ: - فالصدقُ في العقائدِ: أنْ تكونَ عقيدةُ العبدِ صادقةً، سلفيةً، متلقاةً عن كتابِ اللهِ وسنةِ رسولهِ وما كان عليهِ الصحابةُ ﵃. - والصدقُ في الأخلاقِ: أنْ يكونَ القلبُ [ملآنَ] (١) من الإيمانِ والإخلاصِ والرغبةِ، والنصيحةِ لعبادِ اللهِ، ومحبةِ الخيرِ لهم.

стр. 419

- والصدقُ في الأقوالِ: أنْ يكونَ قائلًا للصدقِ مصدِّقًا بهِ. - والصدقُ في الأعمالِ: الاجتهادُ في تكميلِها وإتقانِها. • والكذبُ: ما ناقضَ ذلكَ كلَّهُ. ولذلكَ كان الصدقُ والكذبُ مراتبَ، «ولا يزالُ العبدُ يصدقُ ويتحرَّى الصدقَ حتى يكتبَ عندَ اللهِ صديقًا، ولا يزالُ العبدُ يكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتى يكتبَ عندَ اللهِ كذابًا» (١). * العدلُ والظلمُ: • العدلُ هوَ: سلوكُ الطريقِ المستقيمِ المعتدلِ في العقائدِ والأخلاقِ والأقوالِ والأفعالِ، كما يقالُ في الصدقِ. • والظلمُ: ما ناقضَ ذلكَ. ولهذا انقسمَ الظلمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ كلُّها منافيةٌ للعدلِ: - الظلمُ في التوحيدِ بالإشراكِ باللهِ، قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. - وظلمُ الخلقِ في دمائِهم وأموالِهم وأعراضِهم وحقوقِهم. - وظلمُ العبدِ نفسَهُ فيما دونَ الشركِ. ولا يتمُّ للعبدِ العدلُ الكاملُ حتى يدعَ جميعَ هذهِ الأقسامِ، ويتوبَ إلى ربهِ مما وقعَ منهُ، ويخرجَ من حقِّ العبادِ إليهم؛ ولهذا كان القيامُ بالدينِ كلِّهِ من العدلِ والقسطِ. * العبادةُ والعبوديةُ للهِ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبهُ اللهُ ويرضاهُ من العقائدِ وأعمالِ القلوبِ وأعمالِ الجوارحِ، فكلُّ ما يقربُ إلى اللهِ من الأفعالِ والتروكِ فهوَ عبادةٌ؛ ولهذا كان تاركُ المعصيةِ للهِ متعبدًا متقربًا إلى ربهِ بذلكَ. ولا تتمُ العبادةُ إلا بالإخلاصِ.

стр. 420

* الإخلاصُ للهِ وحدَهُ: بأنَّ يقصدَ العبدُ وجهَ اللهِ ورضاهُ وثوابَهُ في أعمالهِ الظاهرةِ والباطنةِ. وضدُّهُ: العملُ للرياءِ والسمعةِ، ولأجلِ عرضِ الدنيا، وميزانُ هذا قولهُ تعالى عن خيارِ الخلقِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، وقولهُ ﷺ : «إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوَى، فمَن كانتْ هجرتهُ إلى اللهِ ورسولهِ فهجرتهُ إلى اللهِ ورسولهِ، ومَن كانتْ هجرتهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينكحُها فهجرتهُ إلى ما هاجَرَ إليهِ» (١)، وجميعُ الأعمالِ على هذا النمطِ. وقدْ يُرادُ بالهجرةِ هنا: الهجرةُ العامةُ التي قالَ فيها النبيُّ ﷺ : «والمهاجرُ مَنْ هجَرَ ما نهَى اللهُ ورسولهُ عنهُ» (٢). * الخوفُ والخشيةُ والخضوعُ والإخباتُ والوجلُ: معانيها متقاربةٌ: • فالخوفُ يمنعُ العبدَ عن محارمِ اللهِ. • وتشاركهُ الخشيةُ في ذلكَ، وتزيدُ أنَّ خوفَهُ مقرونٌ بمعرفةِ اللهِ. • وأما الخضوعُ والإخباتُ والوجلُ فإنها تنشأُ عن الخوفِ والخشيةِ للهِ، فيخضعُ العبدُ للهِ ويخبتُ إلى ربهِ منيبًا إليهِ بقلبهِ ويحدثُ لهُ الوجلُ. • وأما الخشوعُ فهوَ حضورُ القلبِ وقتَ تلبسهِ بطاعةِ اللهِ، وسكونُ ظاهرهِ وباطنهِ، فهذا خشوعٌ خاصٌّ، وأما الخشوعُ الدائمُ الذي هوَ وصفُ خواصِّ المؤمنينَ فينشأُ من كمالِ معرفةِ العبدِ بربهِ ومراقبتهِ، فيستولي ذلكَ على القلبِ كما تستولي المحبةُ.

стр. 421

* القنوتُ: وردَ في القرآنِ على أحدِ معنيينِ: • معنًى خاصٍّ بمعنى: الخشوعِ. • ومعنًى عامٍّ وهوَ: قنوتُ المخلوقاتِ كلِّها لخلقِ اللهِ وتدبيرهِ وتصريفهِ. * الذكرُ للهِ: الذي وردَ في القرآنِ الأمرُ بهِ والثناءُ على أهلهِ، وما رتبَ عليهِ من الجزاءِ؛ يُطلَقُ على جميعِ الطاعاتِ، الظاهرةِ والباطنةِ، القوليةِ والفعليةِ، فكلُّ ما تصورهُ القلبُ، أو أرادَهُ أو فعلَهُ العبدُ، أو تكلَّمَ بهِ، مما يقربُ إلى اللهِ؛ فهوَ ذكرٌ للهِ، واللهُ تعالى شرعَ العباداتِ كلَّها لإقامةِ ذكرهِ، فهيَ ذكرٌ للهِ. ويطلقُ على: ذكرِ اللهِ باللسانِ، بذكرِ أوصافهِ وأفعالهِ، والثناءِ عليهِ بنعمهِ، وتسبيحهِ وتكبيرهِ وتحميدهِ والتهليلِ، والصلاةِ على النبيِّ ﷺ . ومنْ ذكرهِ: ذكرُ أحكامهِ، تعلمُها وتعليمُها؛ ولهذا مجالسُ التعلمِ والتعليمِ يُقالُ لها: مجالسُ الذكرِ. وأفضلُ أنواعِ الذكرِ: ما تواطأَ عليهِ القلبُ واللسانُ. * حدودُ اللهِ: • يُرادُ بها: ما حرَّمَهُ ومنعَهُ عبادَهُ، فيقالُ فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. • ويُرادُ بها: ما أباحَهُ وأحلَّهُ لعبادهِ وقدرَهُ وفرضَهُ، فيقالُ فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: لا تجاوِزُوا ما أحلَّ اللهُ إلى ما حرَّمَ اللهُ، ولا تتجاوَزُوا ما قدرَهُ اللهُ للعبادِ إلى ما يخالفُ تقديرَهُ.

стр. 422

* الأمانةُ: هيَ الأمورُ التي يؤتمنُ عليها العبدُ، فيشملُ الأمانةَ التي بينَهُ وبينَ اللهِ، فإنهُ ائتمنَ عبدَهُ على إقامةِ الواجباتِ وتركِ المحرماتِ، فالقيامُ بذلكَ أداءٌ للأمانةِ ومراعاةٌ لها، وتركُ بعضِ الواجباتِ وخصوصًا السريةَ التي لا يطلعُ عليها إلا اللهُ، أو التجرؤُ على بعضِ المحرماتِ؛ تركٌ للأمانةِ، واتصافٌ بالخيانةِ. ويشملُ أيضًا الأماناتِ التي بينَكَ وبينَ الخلقِ في الدماءِ والأموالِ والحقوقِ، فمن قامَ بها فقدْ أدَّى الأمانةَ وحفظَها، ومن تعدَّى فيها أو فرَّطَ أو خانَ فقدْ تجرأَ على الخيانةِ. * العهدُ والعقدُ: يشملُ: • العهودَ والعقودَ التي بينَ العبدِ وبينَ ربهِ، فإنَّ اللهَ عقدَ بينَهُ وبينَ المكلفينَ عقدًا، وعاهَدَهم عهدًا بإقامةِ ما خُلِقُوا لهُ من عبادتهِ، والقيامِ بحقوقهِ، فإقامةُ ذلكَ وفاءٌ لهذا العقدِ والعهدِ، وإهمالهُ نقضٌ للعهدِ والعقدِ والثقةِ. • وكذلكَ العهودُ والعقودُ التي بينَهُ وبينَ الخلقِ، يتعينُ الوفاءُ بها. • ويشملُ ذلكَ عقودَ المعاملاتِ كلَّها من دونِ استثناءٍ. * الشجاعةُ والجبنُ والتهورُ: أثنَى اللهُ في كتابهِ على الشجاعةِ، ومدحَ أهلَها، وأمرَ بها، وذمَّ الجبنَ والتهورَ: • فالشجاعةُ: قوةُ القلبِ وثباتهُ، وإقدامهُ على الأقوالِ والأفعالِ في موضعِ الإقدامِ بحكمةٍ وحنكةٍ. • فإنْ أقدمَ عليها في حالٍ لا يحلُّ لهُ الإقدامُ قيلَ لذلكَ: تهورٌ وجراءةٌ وحمقٌ، وإلقاءٌ بالنفسِ إلى التهلكةِ.

стр. 423

• وأما الجبنُ فهوَ ضدُّ الشجاعةِ: ضعفُ القلبِ وخورهُ، ويتبعُ ذلكَ خورُ الأعمالِ، والخوفُ مما لا يخافُ، وهيبةُ مَنْ لا يُهابُ. فالشجاعةُ خلقٌ فاضلٌ جليلٌ بينِ خُلقينِ ذميمينِ رذيلينِ: - بينَ التهورِ الذي هوَ غلوٌّ وزيادةٌ عن الحدِّ. - وبينَ الجبنِ الذي هوَ تفريطٌ وتقصيرٌ وضعفٌ وخورٌ. * ونظيرُ ذلكَ: القَوامُ والبخلُ والتبذيرُ في تصريفِ الأموالِ: • بذلُها فيما ينبغِي من واجبٍ ومستحبٍّ ونافعٍ على الوجهِ الذي ينبغي، يقال لذلكَ: قوامٌ واعتدالٌ وتوسطٌ واقتصادٌ. • فإنْ منعَ الواجباتِ فهوَ البخلُ، وصاحبهُ بخيلٌ. • وإنْ أسرفَ وزادَ في النفقةِ عما ينبغي قيلَ لذلكَ: إسرافٌ وتبذيرٌ. قالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. * الاستقامةُ: هيَ لزومُ الصراطِ المستقيمِ بأنْ يستقيمَ العبدُ على الإيمانِ باللهِ، وأداءِ فرائضهِ، وتركِ محارمهِ، مداومًا لذلكَ، تائبًا مما أخلَّ بهِ من حقوقِها؛ ولهذا قالَ: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] أي: مما وقعَ منكم من الخللِ في الاستقامةِ. * التوبةُ والاستغفارُ: • أما التوبةُ فهيَ: الرجوعُ إلى اللهِ مما يكرههُ اللهُ ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبهُ اللهُ ظاهرًا وباطنًا؛ ندمًا على ما مضى، وتركًا في الحالِ، وعزمًا على ألَّا يعودَ.

стр. 424

• والاستغفارُ: طلبُ المغفرةِ من اللهِ، فإنْ اقترنَ بهِ توبةٌ فهوَ الاستغفارُ الكاملُ الذي رُتبتْ عليهِ المغفرةُ، وإنْ لم تقترنْ بهِ التوبةُ فهوَ دعاءٌ من العبدِ لربهِ أنْ يغفرَ لهُ، فقدْ يجابُ دعاؤهُ وقدْ لا يجابُ، وهوَ بنفسهِ عبادةٌ من العباداتِ، فهوَ دعاءُ عبادةٍ ودعاءُ مسألةٍ. * التوكلُ على اللهِ والاستعانةُ بهِ: بمعنى واحدٍ هوَ: اعتمادُ القلبِ على اللهِ في جلبِ المنافعِ، ودفعِ المضارِّ الدينيةِ والدنيويةِ، الخاصةِ والعامةِ، معَ الثقةِ باللهِ في ذلكَ المطلوبِ. * المحبةُ للهِ والإنابةُ إلى اللهِ: هيَ قوةُ الودِّ للهِ لكمالهِ ونعمهِ الظاهرةِ والباطنةِ، وانجذابُ القلبِ إلى اللهِ تألهًا ورغبةً ورهبةً في كلِّ المطالبِ، وطمأنينةُ القلبِ بذكرهِ واللَّهَج بدعائهِ، والرجوعُ إليهِ في الأمورِ الدينيةِ والدنيويةِ الجليلةِ والحقيرةِ. فمن كان قلبهُ منيبًا إلى اللهِ فهوَ محبٌّ للهِ، والمنيبُ هوَ: الأوَّاهُ الرجَّاعُ إلى اللهِ الأوَّابُ إليهِ. * المعروفُ والمنكرُ: متقابلانِ، فالمعروفُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما عُرِفَ حسنهُ شرعًا وعقلًا، والمنكرُ: ضدُّهُ. * الخبيثُ والطيبُ: متقابلانِ، فالطيبُ: ما كان طيبَ الصفاتِ كثيرَ المنافعِ، والخبيثُ: بالعكسِ. * حسنُ الخلقِ وسوءُ الخلقِ: يكونُ معَ اللهِ ومعَ خلقهِ: • فحسنُ الخلقِ معَ اللهِ: القيامُ بعبوديتهِ ظاهرًا وباطنًا، معَ قوةِ محبتهِ والطمأنينةِ إليهِ، واللَّهَجِ بذكرهِ، وقوةِ الثقةِ بهِ. • ومعَ الخلقِ: بذلُ الإحسانِ لهم، ومنعُ الأذَى لهم، واحتمالُ الأذى منهم. • وسوءُ الخلقِ: بعكسِ ذلكَ كلِّهِ.

стр. 425

* الشركُ والكفرُ: • الكفرُ أعمُّ من الشركِ، فمنْ جحدَ ما جاءَ بهِ الرسولُ أو جحدَ بعضَهُ بلا تأويلٍ فهوَ الكافرُ من أيِ دينٍ يكونُ، سواءٌ كان صاحبهُ معاندًا أو جاهلًا ضالًّا. • والشركُ نوعانِ: - شركٌ في ربوبيتهِ، كشركِ الثنويةِ الذينَ يثبتونَ خالقًا معَ اللهِ. - وشركٌ في ألوهيتهِ، كشركِ سائرِ المشركينَ الذينَ يعبدونَ اللهَ ويعبدونَ غيرَهُ، ويشركونَ بينَهُ وبينَ المخلوقينَ، ويسوُّونَهم في اللهِ في شيءٍ من خصائصِ إلهيتهِ. * وقدْ يكونُ هذا الشركُ أكبرَ جليًّا، كأنْ يصرفَ العبدُ نوعًا من أنواعِ العبادةِ لغيرِ اللهِ. * وقدْ يكونُ أصغرَ، كوسائلِ الشركِ من الرياءِ والحلفِ بغيرِ اللهِ، ونحوِ ذلكَ. * النفاقُ: هوَ أنْ يُظهِرَ الخيرَ ويبطنَ الشرَّ، وهوَ نوعانِ: • نفاقٌ أكبرُ، كأنْ يظهرَ الإيمانَ باللهِ ورسولهِ، وقلبهُ منطوٍ على الكفرِ. • ونفاقٌ أصغرُ، كالكذبِ وإخلافِ المواعيدِ والفجورِ في الخصومةِ. * الكِبْرُ والتواضعُ: فسَّرَ النبيُّ ﷺ الكبرَ بأنهُ «بطرُ الحقِّ وغمطُ الناسِ» (١)، يعني: وضدُّهُ التواضعُ للحقِّ: قبولُهُ حيثُ كان ومعَ مَنْ كان، ولينُ الجانبِ، والتواضعُ للخلقِ.
следующие страницы →