← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1463

الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق

ابن تيمية

Полный текст (326 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقد رُميت أم المؤمنين بالإفك (١)، وبقي النبي ﷺ مدةً متوقفًا في الأمر حتى استشار عليًّا وأسامة ﵄ في فراق أهله، وسأل عنها بَرِيرة، حتى نزل الوحي ببراءتها، وإن كان الغالب والظاهر عنده ﷺ براءتها ﵂ لكن [نزل] الوحي وحصَّل اليقين. ونظير هذا كثير. فكيف يتصور أن يكون غير الرسول لا يحصل له شك ولا ظن ولا وهم أصلًا (٢)؟! فإن أُريد [م ٧] بذلك الظنّ والشكّ والوهم الساتر للقلوب عن مطالعة الغيوب دون غيرها= فمعلومٌ أنَّ مطالعة الغيب أعظم من العلم بالمشاهدات، فإذا كانت (٣) المشاهدات التي يعلمها آحادُ الناس لم يُعصَم منها أحد من شكٍّ وظنٍّ ووهم، فكيف بالغيوب؟! لاسيما إن أراد (٤) بالغيوب ما غاب عن مشاهدة البشر مطلقًا، وقد قال لأفضل الخلق: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وكذلك أخبر عن نوحٍ (٥) أول الرسل. وأيضًا: فلو قُدِّر أن هذا ممكن ــ مع أن هذا تقديرٌ ممتنع ــ فليس هذا مما

стр. 107

يُقَرِّب إلى الله، ولا أمرَ به أمْرَ إيجاب، ولا أمْرَ استحباب، فإنَّ مجرَّد كون الرجل يعلم ما غاب عن الشاهد لا يقرِّبُ العبدَ إلى الله، إنما يقرِّبه فِعْل الواجبات والمستحبات. ولهذا قد يَطَّلع الجنُّ والشياطين على ما لا يَطَّلع عليه (١) الصالحون، وكذلك الطيور والبهائم، فقد قال الهدهد لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، وقد أخبرَ به النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: «إن البهائمَ تسمعُ أصواتَ المعذَّبِين في قبورهم» (٢)، ولهذا يُذْهَب بالبهائم إذا أصابها المغل إلى قبور الكفار والمنافقين، فإنه يحصل لها بسماع أصواتهم من الفَزَع ما يطلق بطونهم، فإن الفزعَ يطلق البطنَ (٣). وأيضًا ففي «الصحيحين» (٤) عن النبي ﷺ : «أن الجنازة إذا احتملها الرجال تقول: يا ويلها أن يُذهب بها، فيسمع صوتَها كلُّ شيء إلا الإنسان» (٥). ولم تكن الجن والبهائم أفضل بذلك من الصالحين. والكُهَّان قد كانت الجنُّ تخبرهم بما تَسْترقه من السمع، ولم يكونوا بذلك خيرًا من الصالحين، بل هم من المذمومين لا الممدوحين، ونظائر

стр. 108

ذلك متعددة (١). ولكن هؤلاء الذين يقصدون [ت ٢٠] بالعبادة العلوَّ في الأرض، والتشبُّه بالإله، كما يقوله المتفلسفة: إن الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة (٢) = يقعون في أمور من هذا الباب، ولهذا يجعلون الشفاعة ليست سؤالًا لله، إنما هي فيضٌ يفيض على المتشفّع (٣) لتعلق قلبه بالشافع (٤)، كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله، ووقع بعضُ ذلك في كلام صاحب الكتب المَضْنون بها على غير أهلها (٥)، وكذلك في كلام صاحب

стр. 109

هذا «الحزب» ما يوافق هذا (١)، ذكره في كتابه الذي صنفه في التصوف (٢)،

стр. 110

ذكره في الشفاعة (١). وهو وأمثاله يأخذون من أقوال صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها (٢) مما يوافق أقوالَ الفلاسفة ولا يوافق دين الإسلام، وهؤلاء يجعلون الدعاء تأثير النفس الناطقة في العالم، لا يجعلون ذلك فعلًا يجيبُ الله به الداعي (٣)، ولهم أصول فاسدة قد بُسِطَ الكلامُ عليها في غير هذا الموضع (٤).

стр. 111

وأيضًا: فإن كان سؤال العصمة مشروعًا فينبغي للعبد أن يسأل العصمةَ من الذنوب التي (١) توجب له سخطَ الله وعذابَه، فإنَّ ذلك ــ إن كان ممكنًا ــ أولى بالسؤال من عصمته من موانع العلم بالغيب، فإنّ هذا بدون تلك العصمة يضره ولا ينفعه (٢)، وتلك العصمة بدون هذا تنفعه، فطلب ما لا (٣) ينفع وترك ما ينفع من قِلَّة المعرفة بما يُطلب في الدعاء. وسببُ ذلك ما في النفوس من الكِبْر بالمكاشفات ومطالعة الغيوب، والله تعالى يعاقب هذا الضّرْب بنقيض قصده، كما قال تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]. ولهذا يُحكى عن هؤلاء من المكاشفات (٤) الباطلة ما يطولُ وصفُه، فإن أُحسِن الظنُّ بأحدهم حُمِل الأمرُ على أنه يتخيّل أمورًا لا حقيقةَ لها فيُخبِر بخياله (٥)، أو أنَّ جنيًّا يلقي إليه ما يكون كذبًا. فإن أُسيء الظنُّ به قيل: إنه يتعمَّد الكذب، والكشفُ النفسانيُّ والشيطاني لابدَّ فيه من الكَذِب. ولهذا كان الكهَّان ــ وهم من أهل الكشف الشيطاني ــ يخلطون بالكلمة مئة كذبة (٦).

стр. 112

ومَن كان له خبرة بالحكايات المعروفة عن أصحاب هذا «الحزب» وأمثاله وعَى (١) من ذلك أمورًا (٢). والواحد منهم يدَّعي في نفسه أنه مِثل النبي ﷺ أو أفضل منه، حتى إذا قيل له: النبيُّ ﷺ رأى سِدرة المنتهى كأنَّ ورقها آذانُ الفِيَلة، وكأنَّ نَبِقَها قِلالُ هَجَر (٣)، يقول هو: رأيتُها أصغر من ذلك!! ومن يصحِّح قولَه يتأوَّلُ ذلك على أنه رآها من بعيد. وهذا من الباطل المحض، فإنَّ ذلك الموضع لم يصعد إليه غيرُ النبي ﷺ . ويقول أحدُهم: دخلتُ البارحةَ الجنةَ وأصابَ يدي من شوكِ شجرها، حتى يقول له المُنكِر عليه: شجرُ الجنة لا شوكَ فيه! إلى أمورٍ أُخَر من جنس هذه الحكايات، قد سمعتُها أنا وغيري من أتباع هؤلاء، ولولا أني أكره هَتِيْكَتهم (٤) لسميتُ كلَّ واحدٍ من هؤلاء، وذكرتُ من حكاياته ما يتبين كثرة ما دخل عليهم من الخطأ والضلال أو التعمد للكذب، وهذا عقوبة من يطلب مطالعة الغيوب. ولهذا يوجد كثير من السالكين لا يطلبون التقرُّب إلى الله وطلب رضوانه ورحمته والنجاة من عذابه، بل إنما مطلوبهم نوعٌ من المكاشفة أو

стр. 113

التأثير، فيطلبون علمًا يَسْتَعلون به على الناس، أو قدرةً يَستعلون بها على الناس، وذلك من باب إرادة العلوِّ في الأرض والفساد (١)، فيعاقبهم الله بنقيض قصدهم (٢). وكراماتُ أولياء الله تجيءُ ضمنًا وتبعًا؛ فإنهم يقصدون وجه الله، فتجيء المكاشفات والتأثيرات تَبَعًا لا يقفون عندها، ولا تكون هي أكبر هَمِّهم ولا مبلغ علمهم. وخواصُّهم إنما يستعملونها لحجَّةٍ في الدين أو لحاجةٍ في الدنيا تُعِين على الدِّين، ليتقربوا بها إلى [ت ٢١] الله، لا يستعملونها في مباحات الدنيا، فضلًا عن استعمالها في محظور نهى الله عنه. ومَن كانت هي أصل قصده فلا بدَّ إن حصل له شيءٌ منها أن [م ٩] يستعملها في ما نُهِي عنه، فيُعاقَبُون إما بِسَلْبها (٣) وإمَّا بسلب الطاعة حتى يصير أحدهم فاسقًا، وإما بسلب الإيمان حتى يصير كافرًا. وهؤلاء كثيرون لاسيما في دول الكفار والظالمين، فإنهم بسبب إعانتهم للكفار والظلمة بأحوالهم، يعاقبهم الله تعالى على ذلك، كما يعرف ذلك تجربةً ومشاهدةً وسماعًا مَن له به خبرة. وعندنا من العلم بذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذِكْر تفاصيله (٤).

стр. 114

فإن قيل (١): هو سألَ العصمةَ من الاعتقادات المانعة من الإيمان، وهي إما شكّ وإما ظنّ وإما وهم، وغرضُه بذلك ما يذكره طائفة من السالكين من أنَّ النفسَ إذا زُكِّيَت عن الصفات المذمومة وحُلَّت (٢) بالصفات الممدوحة انتقشت فيها العلومُ والمعارف، كما يذكر ذلك صاحبُ الكتب المضنون بها وغيره في «الإحياء» (٣) وغيره. قيل: الجواب في مقامين: أحدهما: أنَّ هذا ليس مطلوب الداعي (٤) لوجوه: أحدها: أن هذه الطريق فيها اجتناب الأخلاق والأفعال المذمومة (٥)، ففيها ترك الإرادات المذمومة لا مجرَّد ترك الاعتقادات الفاسدة، وهذا الداعي إنما طلب العصمة من جنس الاعتقادات، وهو الشكّ والظنّ والوهم. فإن الاعتقاد الذي ليس بجازم (٦)؛ إما راجح، وإما مرجوح، وإما مساوي (٧). فطائفة من النُّظَّار يسمُّون الراجِحَ ظنًّا، والمرجوحَ وهمًا، والمُساويَ شكًّا. وهو اصطلاح أبي عبد الله الرازي (٨) وغيره.

стр. 115

وإن كان هذا أمرًا اصطلاحيًّا وأكثر الفقهاء يقولون: ليس هو (١) اللغة العامة العربية التي بها نزل القرآن، وخاطبنا الرسولُ، بل قد يجعلون الشكَّ مقارنًا (٢) للظنِّ الراجح، كما في قول النبي ﷺ : «إذا شكَّ أحدُكُم في صلاته فلم يَدْر أثلاثًا صلى أم أربَعًا، فليَطْرَح الشكَّ، وليَبْنِ على ما استيقن» (٣)، وفي الحديث الآخر: «فَلْيتحرَّ الصوابَ» (٤). وكذلك مسائل الشكّ التي تكلَّم (٥) فيها الفقهاء، كقولهم: إذا شكَّ هل أحدَث أم لا؟ وإذا شك هل طلَّق أم لا؟ وإذا اختلط الطاهر بالنجس وشكَّ في عين الطاهر، ونحو ذلك، فإنَّ هذه العبارة عندهم تتناول الراجح والمرجوحَ والمُساويَ، ولهذا يقول بعضهم: إنه يتحرى، ويقول الآخر: إنه لا يتحرَّى، فالتحرِّي عندهم يُجامع الشكَّ مع أنَّ التحرِّي لابدَّ فيه من ظنٍّ راجح، وهذا مبسوطٌ في موضعه (٦). والمقصود هنا أن هذا الدَّاعي طلبَ نَفْي ما ليس جازمًا من الشكّ والظن والوهم دون الجازم منها وإن كان غير مطابق، ودون الإرادات الفاسدة، والأعمال الفاسدة.

стр. 116

الثاني: أنه طلب العصمة مما (١) يمنع مطالعةَ الغيب، لم يطلب ما يمنع الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورُسُله. فإن قيل: إرادته مطالعةَ الغيبِ مطلقًا (٢) = دخلَ فيه المكاشفات العامة التي تحصل (٣) [م ١٠] [و] التي لا تحصل، وأكثرها لا ينفع إذا حصل بل قد يضر. وإن قيل: أراد بمطالعة الغيب نفس المعرفة الواجبة والمستحبة= فلفظُ «مطالعة الغيب» لا يدل على ذلك، ولا يُفهَم منه ذلك. الثالث: أنه إذا كان المطلوب هو نفس معرفة الله والإيمان به= فالمشروع أن يَسأل ذلك ابتداءً لا يَسأل العصمة من (٤) بعض موانعه، فإنَّ الشكَّ والظنَّ والوهمَ بعضُ موانع ذلك ليست جميع موانعه؛ إذ الاعتقادات الجازمة الفاسدة أبلغ في المنع، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله أبلغ في المنع، ولم يُذكر. الوجه الرابع: أنه لو قُدِّر أنه سألَ (٥) رفع الموانع، فالمطلوب لا يكفي في حصوله زوال موانعه، بل لابدَّ من وجودِ مقتضيه [ت ٢٢]، وإلا فمجرَّد عدم المانع بدون المقتضي لا يكون محصِّلًا للمطلوب (٦).

стр. 117

وأما المقام الثاني (١): فيقال: هب أنه سلك طريق أولئك، فتلك الطريق فيها باطلٌ كثير من وجوه: أحدها (٢): ظنُّ صاحبها أنه بمجرَّد الزهد والرياضة وتصفية النفس يحصل له ما يحصل لأولياء الله من الإيمان والتقوى، وهذا خطأ؛ فإنَّ ذلك لا يحصل إلا بمتابعة الرسول ﷺ ، واتباع ما جاء به من القرآن والإيمان. ولهذا كان السلف يقولون: الإيمان قولٌ وعملٌ وموافقةٌ للسنة (٣). ولفظ بعضهم: لا يُقبل قولٌ إلا بعمل، ولا قولٌ وعملٌ إلا بموافقة السنة (٤). وهذا موضعٌ اضطرب فيه كثير من متأخري أهل النظر والكلام، وأهل الإرادة والعمل: فزعم الأوَّلون: أن طريقَ معرفة الله هو النظر والعلم فقط. وزعم الآخرون: أن طريقَ معرفة الله هو الزهد والعبادة فقط. ثم إن كثيرًا من هؤلاء وهؤلاء أعرضوا عن ملازمة الكتاب والسنة، فصار أولئك يسلكون طريقة البحث والنظر والتفكُّر في الكلام والفلسفة من غير اعتبارٍ لذلك بالكتاب والسنة. وصار هؤلاء يسلكون طريقة العبادة

стр. 118

والإرادة والزهد والذكر من غير اعتبارٍ لذلك بالكتاب والسنة (١). وطائفة من هؤلاء ــ أهل طريقة الذكر ــ قد ينهون عن الذِكر (٢) ويحرمونه، كما ذكره ابنُ عربي في كتاب «الخلوة» (٣) وغيره. وقد يأمرون بذكر الاسم المفرد مُظهَرًا أو مُضْمَرًا، فينتج (٤) ذلك لأحدهم اعتقادات فاسدة، وخيالات غير مطابقة، كما أصاب أصحابَ الوحدة (٥). وطائفة من أولئك ــ أهل الفكر والنظر ــ قد لا يمدحون العمل والعبادة والزهد، بل ربما انتقصوا من يفعل ذلك، وكثير منهم يَقْرن [م ١١] بذلك الفسوق واتباع الأهواء، فلا يتورع لا عن الفواحش ولا عن المظالم، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكلِّ مفتون (٦). وكلٌّ من هاتين (٧) الطائفتين مخطئ من جهتين؛ من جهة اجتزائه بأحد

стр. 119

الواجِبَين عن الآخر، ومن جهة خروجه في ذلك عن متابعة الكتاب والسنة. فإنَّ الله بعثَ محمدًا ﷺ بالحقِّ، وهدى به الناسَ من الظلمات إلى النور، فأمَرَ المؤمنين بما يُحَصِّل لهم الفلاح من العلم النافع والعمل الصالح، فكلٌّ من هذين واجب، وهذا معنى قول السلف: الإيمان قولٌ وعملٌ (١). فلابدَّ من علمٍ ولا بدَّ من عمل، وكلاهما واجب في الجملة، فمن ظن أنه بالعلم ينال المطلوب بدون العمل الواجب فقد غلط، ومن ظن أنه بالعمل ينال المطلوب بدون العلم الواجب فقد غلط. وكلٌّ منهما لابدَّ أن يَزِنَ عملَه وعلمَه بالكتاب والسنة. فمن سلكَ طريقةَ العلمِ فقط، وأعرضَ عن اتباع السنة في علمه، ولم يَزِنْه (٢) بالكتاب والسنة، وأعرض عن العمل الواجب، مثل أهل البدع والفجور من نُظّار أهل الكلام والفلسفة= فقد زاغ من هذين الوجهين. ومَن سلكَ طريقةَ العملِ فقط، وأعرض عن اتِّباع السنة في عملِه ووَزْنِه بالكتاب والسنة، وأعرض عن العلم الواجب، مثل أهل البدع والجهل (٣) من العُبَّاد والزُّهَّاد الذين يُبغضون العلم ويُعرضون عن اتباع الشريعة= فقد زاغ من هذين الوجهين.

стр. 120

وأمَّا من عَلِم العلمَ النبويَّ ولم يعمل به، أو عمل الأعمال الشرعية من غير علم، فهذا زائغ من وجه دون وجه. وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وفي الترمذي (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «اليهودُ مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالُّون». قال الترمذي: حديث صحيح (٢).

стр. 121

قال سفيان بن عُيينة: كانوا يقولون: مَن فَسَد من علمائنا ففيه شَبَه من [ت ٢٣] اليهود، ومَن فسد من عُبّادنا ففيه شَبَه من النصارى (١). فإنَّ اليهودَ عرفوا الحق وما عملوا به، فالعالمُ الفاجر فيه شبهٌ منهم. والنصارى عبدوا الله بغير علم، فالعابد الجاهل فيه شَبَهٌ منهم. وكلٌّ من هاتين الطائفتين الزائغتين تَذُمُّ الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]. والناسُ لهم في طريق الرياضة والزهد والتصفية؛ هل (٢) تفيد العلم؟ [م ١٢] ثلاثة أقوال: فقالت طائفة: ذلك وحدَه يُحَصِّل العلم، وربما قالوا: لا يُحَصَّل العلمُ إلا به. وهو قول (٣) طائفة من المتفلسفة والمتصوِّفة، كصاحب «الإحياء» و «كيمياء السعادة» و «مِشْكاة الأنوار» و «جواهر القرآن» (٤) يشير إلى ذلك،

стр. 122

لكن قيل: إنه رجع عن ذلك في آخر عُمره (١).

стр. 123

وقالت طائفة: إنه لا تأثير لذلك في العلم، ولكن يُحَصَّل به ثوابٌ أو يُدفع به عقاب، وهو قول كثير من أهل النظر والكلام والمتفقهة (١) وغيرهم. والقول الثالث ــ وهو الصواب ــ: أن ذلك عَونٌ على بعض العلوم، وشرط في حصول بعض العلوم، ليس مستقلًّا بتحصيل العلم، بل من العلم ما لا يحصل إلا به، فإن الفسقَ والمعاصي تَرِين على القلوب حتى تمنعها الهداية والمعرفة، كما دلَّت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنة. ومن العلوم (٢) ما تُعين هذه الطريق عليه فيحصل به العلم أيسر (٣) مما يحصل بدونه، فإن أهل الأعمال الصالحة ييسر الله عليهم العلم (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ (٥) وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا

стр. 124

تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) [الحديد: ٢٨]. وقال تعالى في ضدّ هؤلاء: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، وقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]. قال سفيان بنُ عُيينة: منَع قلوبَهم عن فهم القرآن. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٢) [غافر: ٣٥]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهذا بابٌ واسعٌ. والقرآنُ يدلُّ على ما أرانا الله من الآيات في أنفسنا وفي الآفاق، كما قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أي: حتى يتبين لهم أن القرآن حقٌّ، فقد أخبر أنه سَيُرِي عبادَه من الآيات العيانية المشهودة ما يبين أنَّ آياتِه المسموعة حقٌّ (٣) (٤).

стр. 125

ولم يُرِد بذلك ما تظنه طائفةٌ من أهل الكلام أنه أراد (١) مجرَّد إثبات العِلْم بالصانع بدلائل الآفاق والأنفس (٢)، فإن إثبات الصانع كان قد بَيَّن أدِلَّتَه قبل نزول هذه الآية، وقد قال في هذه الآية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾، وهذا وعدٌ مستقبل. وما دلَّ على الصانع وحدَه معلومٌ قبل نزول الآية، ولأن الضمير في قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ عائد على القرآن، كما يدلُّ عليه السياق. ومن هذا الغلط ظنَّ بعضهم أن المراد بدلائل الآفاق والأنفس الطريق النظرية، وهو الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، والمراد بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، حتى ظنَّ ابنُ سينا ونحوه أن طريقتهم في إثبات واجب الوجود بمجرَّد الوجود هو مدلول هذه الآية (٣). وآخرون من المتصوِّفة ظنوا أن طريقتهم في أنهم يعرفون الرب ابتداء، ثم يعرِفُون به المخلوقات [ت ٢٤] هو مدلول الآية. والآية دالّة (٤) على أن (٥) شهادة الله بصدق القرآن كافية عن الآيات العيانية [م ١٣] التي سنريهم إياها في

стр. 126

الآفاق وفي أنفسهم. ولا ريب أن صدق القرآن المعلوم بها، وبما أَرسَل به الرسل من (١) الآيات، والمعلوم (٢) بدلائل الأنفس والآفاق= يتضمن من العلم أضعافَ ما ذكره هؤلاء، فإنَّ في ذلك من العلم بالله، وأسمائه وصفاته، وملائكته وأنبيائه، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وغير ذلك= ما (٣) يتضمن الحقَّ مما ذكروه وما لم يذكروه، مع تنزّهه (٤) عما يدخل في كلامهم من الباطل. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (٥). * * * *

стр. 127

فصل (١) وما ذَكَر بعد هذا من زلزال المؤمنين وقول المنافقين فهو في القرآن، لكن ذِكْره مع هذا الدعاء غير مناسب، فإن هذا إنما يقال إذا كان الوعد من الله ورسوله لا من آحاد الناس. والدعاء بعلم الغيب لا يناسب زوالَ الخوف، اللهم إلا أن يكون الداعي وعدَ أصحابه بأمرٍ فلم يحصل، فدعا أن يُطالع بالغيب حتى لا يخطئ كشْفُه، وهذا من عدوانه، حيث قَفَى ما ليس له به علم. الموضع الثالث: قوله في لفظ الحزب المكتوب: (فقد ابتُلِي المؤمنون وزُلزِلوا زلزالًا شديدًا، وإذ يقول (٢) المنافقون والذين في قلوبهم مرض ... )، فهذا ليس (٣) بسديد؛ فإن الابتلاء لم يكن لأجل هذا القول، بل كان ليحصل (٤) لهم من اليقين والصبر، ما ينالون (٥) به ما وعدهم الله به من الكرامة، كما قال تعالى: ﴿آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢١٤]. الموضع الرابع: وهو يتضمَّن مواضعَ متعددة، منها قوله: (وسَخِّرْ لنا هذا

стр. 128

البحْرَ (١)، وكلَّ بحرٍ هو لك في الأرض والسماء، والمُلْك والملكوت، وبحر الدنيا وبحر الآخرة). فإن هذا كلامٌ لا يقوله مَن يتصوَّر ما يقول! فإن الإنسان إذا كان راكبًا بحرًا من البحار فما يصنع حينئذٍ بتسخير البحار البعيدة؟! ثم قوله: «وبحر الآخرة» من أين في الآخرة بحرٌ غير جهنم (٢)؟! وقوله أيضًا: «كل بحر في الملك والملكوت» الملكوت هو تأكيد الملك أو باطنه وحقيقته (٣)، فليس هو خارجًا عنه على لغة القرآن وقول سلف الأمة وأئمتها، ولكنْ بعضُ المتأخرين زعم أن الملكَ: عالم الأجسام، وعالم الملكوت: عالم العقول.

стр. 129

ومنهم من يُفَرِّق بين عالم الملك والملكوت والجبروت، فيجعل هذا عالم العقول، وهذا عالم النفوس. وهذا يوجد في كلام أبي حامد (١) وأمثاله، وهو مبنيٌّ على قول الفلاسفة الدهرية الذين يجعلون الملائكة خارجة عن ملك الله، ويقولون: إنهم ليسوا أجسامًا يُشار إليها، ولا تصعد ولا تنزل، ولا توصف بحركة ولا سكون، [م ١٤] ولا هي داخل الأفلاك ولا خارجها، ولا تُرَى ولا يُسْمع لها كلام. وليس هذا من دين أهل الملل، لا المسلمين ولا غيرهم، وقد بُسِط القولُ في فساد هذا بما ليس هذا موضعه (٢). وصاحبُ الحزب وأمثالُه من المتأخرين ينظرون في كتب الصوفية التي فيها ما هو مبنيٌّ على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين، فيتلقَّون ذلك بالقبول، ولا يعرفون حقيقتَه، ولا ما فيه من الباطل المخالف لدين الإسلام. مثل ما يوجد في كلامهم من دعوى أحدهم أنه يطَّلِع على اللوح المحفوظ، وأنه يأخذ مراده (٣) من اللوح المحفوظ، ونحو ذلك. فإنَّ اللوح المحفوظ (٤) عند المتفلسفة كابن سينا وأتباعه هو النَّفْس الفَلَكِيَّة، وعندهم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفَلَكية أو بالعقل الفعَّال في المنام، أو في اليقظة لبعض الناس، وهم يدَّعون أن ما يحصل للناس من المكاشفة يقظةً

стр. 130

ومنامًا هو بسبب اتصالها بالنفس الفَلَكية، والنفس الفَلَكية عندهم هي [ت ٢٥] سبب حدوث الحوادث في العالم، فإذا اتصلت بها نفس البشر انتقش فيها ما كان في النفس الفلكية (١). وهذه الأمور لم يذكرها قدماءُ الفلاسفة، إنما ذكرها ابنُ سينا ومن تلقَّى عنه، ويوجد في بعض كلام أبي حامد، وابن عربي، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء الذين تكلموا في التصوف والحقيقة على قاعدة الفلاسفة لا على أصول المسلمين، ولهذا خرجوا بذلك إلى الإلحاد كإلحاد الشيعة الإسماعيلية، والقرامطة الباطنية. وهذا بخلاف عُبَّادِ أهل السنة والحديث وصوفيَّتِهم، كالفُضَيل بن عِياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسَّرِي السَّقَطِي، والجُنَيد بن محمد القواريري، وسَهْل بن عبد الله التُّسْتَري، وعَمرو بن عثمان المكي، فإن أولئك من أعظم الناس إنكارًا لطريق (٢) مَن هو خيرٌ من الفلاسفة، كالمعتزلة من أهل الكلام، وكالكُلَّابية (٣)، فكيف بالفلاسفة؟! والمتكلمون في التصوف والحقائق ثلاثة أصناف: - قومٌ على مذهب أهل الحديث والسنة، كهؤلاء المذكورين.

стр. 131

- وقومٌ على طريقة بعض أهل الكلام من الكُلَّابية وغيرهم، كأبي القاسم القُشَيري وغيره. - وقومٌ خرجوا إلى طريقة المتفلسفة، مثلُ من سلك مَسْلك «رسائل إخوان الصفا» (١)، ومن ذلك قطعة توجد في كلام أبي حَيَّان التوحيدي (٢).

стр. 132

وأما ابن عربي وابن سبعين وغيرهما ونحوهما فحقائقهم فلسفية، غيَّروا عبارتها وأخرجوها (١) في قالب التصوُّف، أخذوا مُخَّ الفلسفة فكَسوه لِحاءَ الشريعة (٢). [م ١٥] وابن سينا ذكر في آخر «إشاراته» (٣) الكلامَ على مقامات العارفين بحسب ما يليق بحاله، وذلك يعظّمه (٤) مَن لم يعرف الحقائق الإيمانية والمناهج القرآنية. وأبو حامد الغزالي قد ذكر شيئًا من ذلك في بعض كتبه، لاسيما الكتب «المضنون بها على غير أهلها»، و «مشكاة الأنوار»، و «جواهر القرآن»، و «كيمياء السعادة» (٥)، ونحو ذلك، ولهذا قال صاحبه أبو بكر بن العربي: شيخُنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منها فما قدر (٦).

стр. 133

لكنْ أبو (١) حامد مع هذا يُكَفِّر الفلاسفةَ في غير موضع، ويبيّن فسادَ طريقتهم وأنها لا تُحَصِّل المقصود (٢)، وهو في آخر عمره اشتغل بالبخاري، ومات على ذلك (٣). ولهذا قيل: إنه رجع عن هذه الكتب. ومن الناس من يقول: إنها مكذوبة عليه، ولهذا كَثُر كلامُ الناس فيه لأجلها، كما تكلَّم فيه (٤) المازَرِيُّ، والطُرْطُوشي، والأَرْغِيَاني رفيق أبي حامد (٥)، وبيت (٦) القُشَيري، وابن عقيل، وابن الجوزي، والقرطبي، وأبو البيان الدمشقي، وغيرهم. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (٧). والمقصودُ هنا أن لفظ «الملكوت والجبروت» في كلام كثير من

стр. 134

المتأخرين يريدون به غير ما أراد الله ورسوله، فيتكلَّمون بالألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، ومرادهم بها غير ما أراد الله ورسوله؛ فيحصل (١) بذلك ضلال لكثير من الناس، فإنَّ النبيّ ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحان ذي الجَبَروت والمَلَكوت والكِبرياء والعَظَمة» (٢) , وهو لم يُرِد بالجبروت والملكوت العقولَ والنفوسَ التي تقصدهما الفلاسفة باتفاق علماء المسلمين، ولا يقول مسلم: إن ملائكة الله الذين وصفهم في كتابه هي العقولُ العشرة والنفوسُ الفَلَكية التي يذكرها الفلاسفة. وهؤلاء الفلاسفة يقولون: إنَّ العقل الأول هو المُبْدعِ لكلِّ ما سوى الله، والعقل الفعَّال العاشر هو المبدع لكلّ ما تحت فلك القمر. ومعلومٌ أن هذا من أعظم الكفر في [ت ٢٦] دين المسلمين، فإنَّ مسلمًا لا يقول: إن مَلَكًا من الملائكة خَلَق كلَّ ما تحت السماء، ولا يقول: إن مَلكًا من الملائكة خَلَق جميع المخلوقات، بل القرآن قد بَيَّن كفرَ مَن قال: إنهم متولِّدون عنه، فكيف بمن قال: هم متولِّدون عنه، وأنهم خالقون لجميع المخلوقات؟! قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ

стр. 135

مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [النساء: ٥٦ - ٥٧]. وأمثال ذلك في القرآن كثير (١).

стр. 136

وقد بُسِط الكلامُ على هذه الأمور (١) في غير هذا الموضع (٢)، فإن المرض بهذه الأمور كثيرٌ في كثيرٍ من الناس، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم. والمقصودُ هنا التنبيه على بعض ما في هذا الحزب. وأيضًا: فإن هذا الحزب صُنِّف ليُدعَى (٣) به عند ركوب البحر، والجُهَّال الذين يتلونه كما يُتلى القرآن يقرؤه أحدُهم وهو في البرِّ ليس له عزمٌ على ركوب البحر، فيبقى داعيًا يقول: «سخِّر لنا هذا البحر»، ولا بحرَ عنده!! وصاحبُ الحزب ذهبَ ليحجَّ ويركب البحر، فمات ودُفِن بصحراء (٤) عَيذاب (٥) بمكان يُسَمَّى: الخَرْجَة، قبل ساحل عَيذاب بأيام (٦)، قبل أن يركب البحر ويدعو به، فما حصل مقصودٌ لصاحبه فكيف لغيره؟! وأيضًا: فقول القائل: (سَخِّر لنا هذا البحرَ كما سخَّرتَ البحرَ لموسى) كلامٌ باطلٌ، فإنَّ الله فَرَق البحرَ لموسى حتى مشى على الأرض، لم يركب البحر، وهذا الداعي ليس مطلوبه أن يُفْرَق له، ولو طلب ذلك لما فَرَقَه (٧) الله

стр. 137

له، فلا يجوز طلب تسخيرٍ كتسخيرِ موسى. وإن قال: أردتُ به أصلَ التسخير لا صفته، فقوله: «سَخِّر لنا هذا البحر» كافٍ فلا حاجة إلى قوله: «كما سخرت البحر لموسى» لأن (١) فَرْقَ البحر لموسى لا يُسَمَّى تسخيرًا، بل هو أعظم من التسخير. وأيضًا: فإنَّ الله قد سخَّر لنا ما في السموات وما في الأرض، فالتسخير نوعان: نوعٌ معتاد، ونوعٌ خارق للعادة. فإن كان طلب التسخير المعتاد لم يكن في تشبيهه بخوارق العادات دون غيرها فائدة، بل يُقال: سخِّرْه لنا كما سَخّرتَه لمن سَلَّمتَه من عبادك، وكما سخَّرت لنا ما في السموات والأرض. وإن أراد به خَرْق العادة كما خُرِقت العادة (٢) لموسى وإبراهيم وداود وسليمان= كان هذا جهلًا، فإنَّ ركوبَ البحر والسلامة فيه ليس فيه خرق عادة. والكلام المعروف في مثل هذا أن يقال: يا من فَرَق البحرَ لموسى، وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وألان الحديد لداود (٣) [ت ٢٧] وسخَّرَ الريحَ والجنَّ لسليمان، سخِّر لنا هذا البحر؛ لأن هذا وصفٌ لله بكمال القدرة العظيمة (٤) التي فعل بها هذه الأمور الخارقة للعادة، فيقال: يا

стр. 138

مَن فَعَل هذا افعل بنا هذا. وأمّا أن يقال: «سَخِّر لنا هذا كما سخَّرت هذا»، فلم يُعرَف عن المتقدمين مثل هذا الكلام، بل هو من الكلام المنكر الذي لا يقوله من (١) يتصوَّر ما يقول. والنارُ لم تُسَخَّر لإبراهيم بل جُعِلت عليه بردًا وسلامًا، فلم ينتفع هو بها مع كونها نارًا بل غُيِّرت صفتُها، وتسخير الشيء يكون لمن ينتفع (٢) به مع بقاء حقيقته. وكذلك موسى فُلِق له البحر، ولا يقال لمثل هذا تسخير، بل هذا أبلغ من التسخير [م ١٧]، وقد قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٣) [الجاثية: ١٣]، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿(٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي﴾ [ص: ٣٦ - ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] (٤).

стр. 139

الموضع الخامس: قوله (١): (وامسَخْهم على مكانتهم) فإنَّ هذا دعاءٌ بالمسخ، وهو غير جائز ولا يُجاب، والله أخبرَ أنه لو شاء فعل ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧]. والله تعالى مسخَ قومًا قردةً وخنازيرَ لنوعٍ من الكفر، وكذلك يمسخُ من هذه الأمة قومًا قردةً وخنازيرَ، وهذا في أنواعٍ من الكفر؛ كاستحلال المحرَّمات؛ من سَبِّ الصحابة ﵃ والخمر والمعازف، ونحو ذلك. وأما المسلم العاصي فلا يجوز الدعاء عليه بالمسخ، ولا يُستجاب ذلك، وقد حرَّم الله الاعتداء في الدعاء، والصائل يُدْفَع بما يكف شرَّه، فإذا دُعِيَ عليه بما يكفُّ شرَّه حصل المقصودُ من غير احتياجٍ إلى مسخِه. الموضع السادس: قول القائل: (بسم الله بابنا، تبارك حيطاننا، يس سقفنا) دعاء ليس مأثورًا ولا من جنس المأثور (٢)، وهو مما تنكره القلوب، فإنَّ جَعْلَ كلام الله بمنزلة الباب والسقف والحيطان يحتاج مثله إلى أَثَر، وإلا فهو بدعة، وقد يُفهم من ذلك انتقاص حُرْمته. الوجه (٣) السابع: أن يقال: مقصود هذا الدعاء كله تيسير الركوب في البحر ودفع العدوِّ، وهذا مطلوبٌ يسير ليس هو من (٤) أعظم المطالب، فإنّ غالب من يركب البحرَ من الكُفّار والفُسَّاق يحصل لهم هذا، ليس هو مما

стр. 140

يُحتاج فيه أن تُبْتذَل فيه آياتُ الله وأسماؤه هذا الابتذال. الوجه الثامن: أنَّ هذا الدعاء لو كان سائغًا مشروعًا لم يكن مشروعًا إلا لمن يقصدُ ركوبَ البحر، فأما الدعاء به في المساجد والبيوت وغيرها من غير ركوب البحر، فإنه لا يفعله إلا جاهل لا يفقه ما يقول، أو يستهزئ بالله، وعلى التقديرين (١) فيستحقّ العقوبةَ على ذلك، كمن يقول وهو لا يريد الركوب: «اللهم سَخِّر هذا الفيل وهذا الجمل وهذا الفَرَس والبغل والحمار» وليس هناك شيءٌ من الدواب، ولا هو يقصد ركوبَه! فإنَّ هذا إمَّا جاهل بما يقول أو مستهزئ بمن يناجيه! أو يقول ــ ولا طعام عنده وهو لا يريد الأكل ــ: «اللهم أطعمني من هذا الطعام». الوجه التاسع: أن هذا فيه انتزاع آيات من القرآن ووضعها في غير موضعها، وآيات أنزلت لمعاني استُعْمِلت في غير تلك المعاني، وهذا إن كان سائغًا فيسوغ بقدر الحاجة، فأما أن يُجْعَل ذلك حِزْبًا [م ١٨] يُتلى كما يُتلى القرآن، ويُجْتَمع (٢) عليه في أوقات معتادة، فهذا لا يسوغ (٣). وقد تنازع الناسُ في قراءة «آيات الحَرَس» (٤) مع أنها قرآنٌ محض لم

стр. 141

يُخْلَط بغيره، فكرهها طائفةٌ [ت ٢٨] من العلماء؛ لأنه تلاوة للقرآن على غير الوجه المشروع، فأشبه تنكيس السورة، فإنه منهيٌّ عنه بالاتفاق، ومَن رَخّص في قراءة «آيات الحَرَس» فإنه قد (١) جاء ببعض ذلك حديثٌ رواه ابن ماجه (٢). وأما صاحب هذا الحزب وأمثاله فإنه خَلَطَ كلامَ الله بغيره، ووضعَ

стр. 142

الآياتِ في (١) غير مواضعها، وآياتٌ أُنزِلت في بيان حال الكفار ومنعهم عن الهدى، واستُعْملت في دفع العدو، واللهُ ذَكَرها مخبِرًا بها، وهذا ذَكَرها داعيًا بها. وهذا إذا سُوِّغ استعمالُه وقتَ الحاجة، فلا يجوز أن يُجعَل حزبًا يُتلى ويُجتَمَع عليه، ولو جاز هذا لجاز لكلِّ (٢) شخص أن يصنع في آيات الله وأسمائه مثل هذا، ويصنِّف شيئًا عُمِل (٣) لغرض معيّن مع ما فيه من الخطأ والضلال، ويَجْمَع عليه طائفةً من الجُهَّال يتلونه بالغدوِّ والآصال، كما يُتلى كلامُ المليك المتعال. وقد تنازع العلماء في قراءة القرآن بالإدارة (٤)، كما يُفْعَل بالإسكندرية،

стр. 143

فكرهها مالك وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، وقال في «العُتبية» عن مالك (١) لما سُئل عن القوم يجتمعون ويقرؤون في السورة الواحدة؟ فقال: هذا بدعة، ولم يكن من عمل الناس (٢). وإن كان رخَّصَ فيها آخرون منهم ومن غيرهم، مع أنها قراءة كلام الله مَحْضًا. الوجه العاشر: أن استعمال مثل (٣) هذا الحزب ذريعة إلى استعمال ما هو شرٌّ منه كـ «الحزب الكبير» (٤)، فإنَّ في ذلك من الأمور المنكرات والدّعَوات المحرَّمات ما يتعيَّن النهي عنه على أهل الديانات. وإن كان قائلُه فيه زهدٌ وعبادةٌ، وله دين وإرادة، وكان له نَوعٌ من المكاشفات وخوارق العادات= فهذا لا يوجب عصمةَ صاحبه، ولا علمه بأسرار العبادات، ولا أن يَسُنَّ (٥) شيئًا من الأذكار والدعوات، إذ السنن المشروعة في أمور الدين للأنبياء والمرسلين لا لآحاد الصالحين.

стр. 144

وذلك مثل قوله في «الحزب الكبير» (١): (فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه عن السؤال منك، والشقيُّ حقًّا من حرمْتَه (٢) مع كثرة السؤال لك، فاغنِنا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك). فيقال: من المعلوم أنَّ أحدًا من المكلَّفين لا يستغني عن سؤال الله، بل السؤال عليه فرضٌ في صلاته بقوله: [م ١٩] ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، وقد ثبت في «الصحيح» (٣) أن الله تعالى يقول: «قَسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجّدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل» (٤). وهذا دعاء واجب على كل مسلم في كل صلاة، لا صلاة إلا به، وعند جمهور العلماء أنه رُكن في الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، وهو قول مالك

стр. 145

والشافعي وأحمد في المشهور عنه وأبي يوسف وغيرهم، وعند (١) بعضهم هو واجب وتاركه مسيءٌ آثم (٢) وإن لم يوجبوا عليه الإعادة، كما يقوله أبو حنيفة ومحمد (٣). ومعلومٌ أنَّ ما كان واجبًا على العبد لم يكن مُستغنيًا عنه، إذ لابدَّ للعبد من أداء الواجبات، والصلاة عمود الدين لا تسقط لا عن الأنبياء ولا عن الأولياء ولا غيرهم، ومن اعتقد سقوطَها عن خواصِّ الأولياء فإنه يُستتاب، فإن تابَ وإلا قُتِل. فإنَّ كثيرًا من أهل الضلال يعتقدون سقوط الواجبات عن الأولياء الواصلين إلى الحقيقة، ويتأولون قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، قالوا: فإذا حصل اليقين سقطت العبادة. وهذا من جنس قول القرامطة الباطنية من المتفلسفة وغيرهم، الذين يرون العبادات رياضة النفس حتى تصل إلى المعرفة التي يدَّعونها، فإذا وصل إلى المعرفة سقطت عنه (٤). ومن المعلوم [ت ٢٩] أنَّ هذا خلاف دين الإسلام، وأنه قد عُلِمَ بالاضطرار من دين الإسلام: أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد من
следующие страницы →