← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1463

الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق

ابن تيمية

Полный текст (326 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يُخْلَط بغيره، فكرهها طائفةٌ [ت ٢٨] من العلماء؛ لأنه تلاوة للقرآن على غير الوجه المشروع، فأشبه تنكيس السورة، فإنه منهيٌّ عنه بالاتفاق، ومَن رَخّص في قراءة «آيات الحَرَس» فإنه قد (١) جاء ببعض ذلك حديثٌ رواه ابن ماجه (٢). وأما صاحب هذا الحزب وأمثاله فإنه خَلَطَ كلامَ الله بغيره، ووضعَ

стр. 142

الآياتِ في (١) غير مواضعها، وآياتٌ أُنزِلت في بيان حال الكفار ومنعهم عن الهدى، واستُعْملت في دفع العدو، واللهُ ذَكَرها مخبِرًا بها، وهذا ذَكَرها داعيًا بها. وهذا إذا سُوِّغ استعمالُه وقتَ الحاجة، فلا يجوز أن يُجعَل حزبًا يُتلى ويُجتَمَع عليه، ولو جاز هذا لجاز لكلِّ (٢) شخص أن يصنع في آيات الله وأسمائه مثل هذا، ويصنِّف شيئًا عُمِل (٣) لغرض معيّن مع ما فيه من الخطأ والضلال، ويَجْمَع عليه طائفةً من الجُهَّال يتلونه بالغدوِّ والآصال، كما يُتلى كلامُ المليك المتعال. وقد تنازع العلماء في قراءة القرآن بالإدارة (٤)، كما يُفْعَل بالإسكندرية،

стр. 143

فكرهها مالك وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، وقال في «العُتبية» عن مالك (١) لما سُئل عن القوم يجتمعون ويقرؤون في السورة الواحدة؟ فقال: هذا بدعة، ولم يكن من عمل الناس (٢). وإن كان رخَّصَ فيها آخرون منهم ومن غيرهم، مع أنها قراءة كلام الله مَحْضًا. الوجه العاشر: أن استعمال مثل (٣) هذا الحزب ذريعة إلى استعمال ما هو شرٌّ منه كـ «الحزب الكبير» (٤)، فإنَّ في ذلك من الأمور المنكرات والدّعَوات المحرَّمات ما يتعيَّن النهي عنه على أهل الديانات. وإن كان قائلُه فيه زهدٌ وعبادةٌ، وله دين وإرادة، وكان له نَوعٌ من المكاشفات وخوارق العادات= فهذا لا يوجب عصمةَ صاحبه، ولا علمه بأسرار العبادات، ولا أن يَسُنَّ (٥) شيئًا من الأذكار والدعوات، إذ السنن المشروعة في أمور الدين للأنبياء والمرسلين لا لآحاد الصالحين.

стр. 144

وذلك مثل قوله في «الحزب الكبير» (١): (فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه عن السؤال منك، والشقيُّ حقًّا من حرمْتَه (٢) مع كثرة السؤال لك، فاغنِنا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك). فيقال: من المعلوم أنَّ أحدًا من المكلَّفين لا يستغني عن سؤال الله، بل السؤال عليه فرضٌ في صلاته بقوله: [م ١٩] ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، وقد ثبت في «الصحيح» (٣) أن الله تعالى يقول: «قَسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجّدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل» (٤). وهذا دعاء واجب على كل مسلم في كل صلاة، لا صلاة إلا به، وعند جمهور العلماء أنه رُكن في الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، وهو قول مالك

стр. 145

والشافعي وأحمد في المشهور عنه وأبي يوسف وغيرهم، وعند (١) بعضهم هو واجب وتاركه مسيءٌ آثم (٢) وإن لم يوجبوا عليه الإعادة، كما يقوله أبو حنيفة ومحمد (٣). ومعلومٌ أنَّ ما كان واجبًا على العبد لم يكن مُستغنيًا عنه، إذ لابدَّ للعبد من أداء الواجبات، والصلاة عمود الدين لا تسقط لا عن الأنبياء ولا عن الأولياء ولا غيرهم، ومن اعتقد سقوطَها عن خواصِّ الأولياء فإنه يُستتاب، فإن تابَ وإلا قُتِل. فإنَّ كثيرًا من أهل الضلال يعتقدون سقوط الواجبات عن الأولياء الواصلين إلى الحقيقة، ويتأولون قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، قالوا: فإذا حصل اليقين سقطت العبادة. وهذا من جنس قول القرامطة الباطنية من المتفلسفة وغيرهم، الذين يرون العبادات رياضة النفس حتى تصل إلى المعرفة التي يدَّعونها، فإذا وصل إلى المعرفة سقطت عنه (٤). ومن المعلوم [ت ٢٩] أنَّ هذا خلاف دين الإسلام، وأنه قد عُلِمَ بالاضطرار من دين الإسلام: أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد من

стр. 146

الأولياء ولا شيءٌ من واجباتها إلا لعذر شرعيٍّ، مثل سقوط الطهارة للعجز عن استعمالها لعدمٍ أو خوفِ ضررٍ، وسقوطها بالجنون، وسقوط فعلها بالإغماء. وفي وجوب القضاء نزاع مشهور، ونحو ذلك مما هو معروف في مواضعه. وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ المرادُ به ما يوقَنُ به من الموت وما بعده باتفاق السلف (١)، كما في قوله الذي حكاه عن الكفار: ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]. ومنه قول النبي ﷺ عن عثمان بن مَظْعون: «أمَّا هذا فقد جاءه اليقينُ مِن رَبّه» (٢). ولهذا قال الحسن البصري: «لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلًا دون الموت» (٣). ولهذا قال الجُنَيد: تكلَّمَ قومٌ (٤) بإسقاط الأعمال، وهذه عظيمة، والذي

стр. 147

يزني ويسرق أهون من هذا (١). أو كما قال. وأيضًا: فإن هذا كلام متناقض، فإنه يسأل أن يغنيه عن السؤال فيسقط [م ٢٠] السؤال بالسؤال، ويذكر أن الحرمان قد يقترن بكثرة السؤال (٢)، وأن السعيد من أغنيته عن السؤال، فإن كان هذا الكلام حقًّا فصاحب هذا السؤال ليس بسعيد؛ لأنه لم يُغْنِه (٣) عن السؤال. وإن لم يكن سعيدًا ولكن يطلب أن يكون سعيدًا ... (٤) أيضًا في جميع ما يعرض له من الحوائج أن يسأل الله تعالى ذلك فيقضيه له، فالسؤال إن كان سببًا للسعادة فهو مشروع، فلا يسأل الله أن يرفع سبب سعادته، وإن لم يكن سببًا للسعادة فلا يشرع هذا السؤال. وإن قيل: هذا السؤال بعينه هو سبب السعادة دون غيره= كان هذا معلومَ البطلان، فإن هذا السؤال لم يسأله أحدٌ من الأنبياء والمرسلين، ولا من المهاجرين الأولين، وهم أسعد الخلق. ثم هو متناقض في نفسه، فإن الرغبة في الشيء تُناقض الزهدَ فيه، والسائل مريد للسؤال، فكيف يريد السؤال مع إرادته عدم السؤال؟!

стр. 148

وهو (١) أراد عدم النوع مطلقًا بإرادة واحدٍ منه، ووجود الواحد من النوع ينافي عدمه (٢). وأيضًا: فيقال: «مَن لم يسألِ الله يغضب عليه» (٣)، فكيف يكون (٤) السعيد من أغناه عن السؤال؟! والسؤال لله يكون إما واجبًا وإما مستحبًّا، فكيف يكون السعيد من يترك الواجبات والمستحبات؟! قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿(٧) وَإِلَى رَبِّكَ﴾ (٥) [الشرح: ٨]، وقال تعالى: ﴿رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [السجدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٦). وقد أخبر الله تعالى عن أنبيائه؛ كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم سؤالَه ودعاءَه، وهؤلاء أسعد الخلق وأفضلهم، فكيف يكون السعيد

стр. 149

مَن لا (١) يسأل الله لغناه عن سؤاله؟! فإن قيل: المراد أن يعطيه بدون السؤال فلا يُحْوجه أن يسأل (٢). قيل: لم يحصل لأحد جميع مطالبه الدينية والدنيوية بدون السؤال لله تعالى، لا لأُولي العزم ولا لمن دونهم، بل سيد الخلق محمد ﷺ كان أعظم الناس سؤالًا لربه، وبذلك أمَرهُ ربُّه (٣) فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] (٤)، وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقد ثبت في «الصحيح» (٥) أنه كان يوم بدرٍ يقول: «اللهمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللهم ... اللهم ... » حتى أنزل الله الملائكة ... (٦) وقد قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ

стр. 150

قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦]. والأدعية في القرآن كثيرة، مثل قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... ﴾ الآية، فهذا دعاء شرعه الله لرسوله وللمؤمنين. والأدعية في الأحاديث الصحيحة كثيرة جدًّا مما كان يدعو بها رسول الله ﷺ ويعلِّمها للمؤمنين، بل المقام المحمود الذي يَغبِطُه به الأوَّلون والآخرون هو الشفاعة يوم القيامة، وهو سؤالٌ لربِّه ودعاءٌ له، فإذا كان في أفضل مقاماته داعيًا لربه، فكيف يكون غيره مُستغنيًا عن السؤال؟! وأصحابه ﵃ كانوا إذا توسَّلوا به واستشفعوا به واستسقوا به إنما يتوسَّلون بدعائه وسؤاله، وهذا هو استشفاعُهم به واستسقاؤهم به، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ في الحديث الصحيح لمَّا أجْدَب الناسُ عامَ الرَّمادة: «اللهم إنا كنَّا إذا أجْدَبنا نتوسَّلُ بنبينا فتَسقِينا، وإنا نتوسَّلُ إليك بعَمِّ نبينا فاسْقِنا» (٢). فإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه وسؤاله، وتوسلوا بعده بدعاء العباس وسؤاله لقُرْبه منه. وكذلك معاوية استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي (٣) وقال: «اللهم إنا نستسقي إليك بخيارنا [م ٢١] بيزيد، يا يزيد ارفع

стр. 151

يديك إلى الله» فرفع يديه يدعو ويدعون (١). ولهذا قال العلماء: يستحب الاستسقاء بأهل الصلاح والدين، والأولَى أن يكون من أقارب رسول الله ﷺ ، فيُتوسَّل إلى الله بدعائهم، ولو كان التوسُّل بذات النبي ﷺ والإقسام به على الله مشروعًا، لكان التوسل بذاته والإقسام به على الله حيًّا وميتًا أولى من العباس ويزيد بن الأسود وغيرهما؛ لأن ذاته أفضل من ذواتهم، والإقسام به على الله ــ إن كان القَسَم بالمخلوق مشروعًا ــ أولى من الإقسام بهم، بخلاف ما إذا كان التوسُّل بدعاء الشخص وسؤاله، فإنه يتعذَّر (٢) بموت النبي ﷺ كما يتعذّر الائتمامُ به في الصلاة والجهاد معه. ومن هذا الباب: الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن عثمان بن حُنَيف أنَّ أعمى أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يَرُدَّ عليَّ بصري، فأمره أن يتوضَّأ ويصلي ركعتين ويقول: «اللهم إني أسالُك وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمَّدٍ ﷺ نبيِّ الرحمة، يا محمد يا رسول الله إنِّي أتوجَّه بك إلى ربِّي في حاجتي لِتقْضِيها، اللهم فشَفِّعه فيَّ» (٣).

стр. 152

فهذا جاء إلى النبي ﷺ يطلب منه سؤاله لله، وأمَرَه النبيُّ ﷺ أن يدعو هو أيضًا، ويتوسَّل إلى الله بسؤال الرسول، ولهذا أمره أن يقول في الدعاء: «اللهم فشفِّعه فيَّ»، قال ذلك على أن النبي ﷺ دعا له، وأمرَه هو أن يسأل الله قبول شفاعة الرسول فيه. وكذلك حديث الأعرابي وسؤاله الغَيْث وإزالته، وهو في «الصحيحين» (١). ومن قال: إن العبد قد يستغني عن سؤال الله ودعائه؛ فهو بمنزلة من قال: إنه يستغني عن عبادة الله وطاعته، بل سؤال الخلق لربهم أكثر من عبادتهم، فإنه يسأله المؤمن والكافر، ولا يعبده إلا المؤمن، قال الله تعالى: ﴿(٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. وإن قيل: المراد بذلك: يُلهمه عبادتَه وطاعتَه فيغنيه عن سؤاله. قيل: سؤاله ودعاؤه الواجب والمستحب من أكبر عبادات العبد وطاعته، فكأنه قال: لا تجعلني أعبدك بسؤالك والتضرُّع إليك. وكذلك لمَّا قيل: ﴿(٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. قيل: «عبده» هنا هو الذي يعبده بما أمر، والدعاءُ الواجبُ والمستحبُّ من جملة ذلك. فإن قيل: مراده: حاجات الدنيا، أي: اقْضِها لي بدون سؤال. قيل: هذا باطل لوجوه:

стр. 153

أحدها: أنه لم يخصَّ سؤالًا من سؤال. [م ٢٢] الثاني: أنه قال: (فأخو الصلاح من أصلحته، وأخو الفساد من أضللته، والسعيدُ حقًّا من أغنيته عن السؤال منك) (١) وسياق الكلام يقتضي أنه طلب الاستغناء عن طلب الصلاح. الثالث: أنه يقال: والسعيد مأمور بطلب مصالح دينه ودنياه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وقد كان النبي ﷺ في الأدعية المأثورة عنه فعلًا وتعليمًا لأمته يذكر صلاح الدين والدنيا، كقوله: «اللهم اغفِر لي وارحَمني واهدني وعافني وارزقني» (٢). وقوله: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عِصْمَة أمري، وأصلح لي دُنْيَاي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي» (٣). وقوله في الحديث الصحيح: «اللهم إني أعوذُ بك من المأثم والمَغْرَم» (٤). وقوله في الصحيح: «اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحَزَن، وأعوذُ بك من العَجْز والكَسَل، وأعوذُ بك من الجُبْنِ والبُخْلِ، وأعوذُ بك من ضَلَعِ الدَّين

стр. 154

وغلبةِ الرِّجالِ» (١). وقوله في الحديث الصحيح: «اللهم ربَّ السمواتِ السبع وربَّ العرش العظيم، ربنا وربَّ كلِّ شيء، فالقَ الحبِّ والنَّوَى، مُنْزِلَ التوارةِ والإنجيل والقرآن، أعوذُ بك من شرِّ كلِّ دابةٍ أنتَ آخِذٌ بناصيتها، أنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بعدَك شيءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونك شيءٌ، اقْضِ عنِّي الدَّين وأغنِني من الفقر» (٢). وفي الترمذي: «ليسأل أحدُكم ربَّه حاجَتَه كلَّها حتى شِسْعَ نَعْلِه إذا انقطَعَ، فإنه إن لم يُيَسِّرْه لم يتيسَّر» (٣). وما زال الأنبياءُ وأتباعُهم يسألون الله مصالحَ دينهم ودنياهم وآخرتهم، فمن هو الذي استغنى عن سؤال الله تعالى؟! ثم خاصية العبد أن يسأل ربه، وخاصية الرب أن يجيبه، فمن ظنَّ أنه يستغني عن سؤاله فقد خرج عن رِبْقة العبودية. وهذا من حماقات الجُهَّال الذين يسلكون مسلك المتفلسفة في العبادات ويقولون: إن المقصود منها إصلاح أخلاق النفس لتستعدّ للعلم، فيجعلون غاية الإنسان هو العلم، ويجعلون العلم ما يعرفونه من العلم الإلهي، وهم

стр. 155

ضالون في هذا وهذا، كما قد بُسِط في موضعه (١)، فإن نفس حُبِّ الله هو من كمال النفس وسعادتها التي لا يتحصَّل إلا بها، وليس هو (٢) مقصود، والعلم بالله مقصود لنفسه، والعلم الإلهي الذي عندهم غايته معرفةُ وجودٍ مطلق [م ٢٣] لا يُتصور إلا في الأذهان لا في الأعيان. وهؤلاء يجعلون الدعاء إنما هو قوة للنفس لتؤثِّر في هَيُولى العالم (٣)، والشفاعة إنما هي فيضٌ تفيض من الشافع على المشفوع، كما يفيض شعاع الشمس، فليس عند هؤلاء في الحقيقة سؤال لله ولا عبادة له، وعندهم كمال النفس في الفلسفة: التشبُّه بالإله على حسب الطاقة، فلا يجعلون العبد عابدًا لربه، ولا مستغنيًا به، بل تفيض عنه الأمور كما تفيض عن الربّ عندهم، وعن العقول كالعقل الأول، والعقل الفعَّال، ويَدَّعون أن العقول التي يثبتونها هي من الملائكة في لسان الأنبياء، وهذا من أعظم الباطل الذي قد بُسِط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع (٤). بل الملائكة من أعظم المخلوقات عبادةً لله وسؤالًا له، كما أخبر الله

стр. 156

عنهم في كتابه بقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨]. ومن ظنَّ أنه يستغني عن سؤال ربِّه دعاه ذلك إلى الاستنكاف والاستكبار، وقال تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ﴾ الآيات [غافر: ٧]. وفي «الصحيح»: «أن الملائكة تُصَلِّي على العبد ما دام في مصلَّاه» (١). فأين هذا مما تدَّعيه الفلاسفة من أن العقل الأول مُبدِع كلِّ ما سوى الله، وأنَّ العقلَ الفعَّال مُبدِع لكلِّ ما تحت الفَلَك؟ وقد وقع طائفةٌ من أصولهم في الكتب المنسوبة إلى أبي حامد، مثل «مشكاة الأنوار»، و «المضنون به» وغير ذلك (٢)، وكذلك في كتب البُوني (٣)

стр. 157

المتأخِّر وأمثاله. وفي كلام صاحب «الحزب» من هذه المواد الفاسدة ما أوجبَتْ مثل هذا الكلام، كما سننبِّه عليه إن شاء الله، فإنه قد ذكر في مصنَّفٍ له قطعةً من الحقائق مبنية على أصولِ متصوفةِ الفلاسفة، ويُشْبِهُ أن يكون أخَذَها من كتب صاحب الكتب المضنون بها، أو من نحوه. وابنُ عربي، وابن سبعين، وابن (١) الطفيل صاحب رسالة حَيّ بن يقظان، وابن رُشد الحفيد= يستمدُّون من كلامه. ومن هذا الباب وقعوا في الإلحاد الذي شاركوا فيه ملاحدة الشيعة، وهم يسمونه التوحيد والتحقيق، و [هو] (٢) تحقيق الإلحاد الذي يخرج به الرجل من الدين كما تخرج الشعرةُ من العجين. ثم إن صاحب الحزب خرج من ذلك إلى ضروبٍ من الحلول والاتحاد المقيد أو المطلق، كما سنذكره إن شاء الله. وأيضًا: فقول القائل: «والشقيُّ حقًّا من حَرَمْته مع كثرة السؤال لك» كلامٌ مخالفٌ لما أخبر الله به ورسوله، فإنَّ في الصحيح (٣) عن النبي ﷺ

стр. 158

[م ٢٤] أنه قال: «ما من عبد يدعو اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى خصالٍ ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دعوتَه، وإما أن يدَّخِر له من الخير مثلَها، وإمَّا أن يصرفَ عنه من السوءِ مثلَها»، قالوا: يا رسول الله إذًا نُكْثِر؟ قال: «الله أكثر» (١). وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: «إني لا أحمِلُ همَّ الإجابة، وإنما أحمل همَّ الدعاء، فإذا أُلْهِمْتُ الدُّعاءَ فإنَّ الإجابة معه» (٢). وفي «الصحيحين» (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: «ينزِل ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى

стр. 159

سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخرُ فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له، مَن يسألني فأعطيَه، مَن يستغفرني فأغفرَ له. فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر». وفي رواية: «لا أسأل عن عبادي غيري» (١). وفي «الصحيح» (٢) أيضًا عنه أنه قال: «إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسألُ اللهَ خيرًا من أمر الدُّنيا والآخرة إلا أعطاه إيَّاهُ، وذلك في كلِّ ليلة». وفي «الصحيحين» (٣) عن يومِ الجمعة مثله. وقد قيل: سبب الإجابة إما الطاعة للأمر، وإمَّا الإيمان بإجابته للداعي، فكيف يُقال: إنه يحرم عبده مع كثرة السؤال له؟ وإن هذا هو الشقيّ حقًّا؟! ثم إن هذا سؤال له ممكن أن يكون صاحبه من الأشقياء الذين حَرَمهم مع كثرة السؤال، وحينئذ فيلزم أن لا يُدْعى بهذا، فيكون هذا الدعاء باطلًا على قوله، كما هو باطلٌ على موجب الكتاب والسنة. ومن ذلك قوله: (واذكرنا إذا غَفَلْنا عنك بأحسن مما (٤) تذكرنا به إذا ذكرناك، وارحمنا إذا عصيناك بأتمّ مما ترحمنا به إذا أطعناك) (٥).

стр. 160

ف يقال: هذا الدعاء من الأدعية المحرَّمة التي لا يستجيبها الله، بمنزلة أن يقال: فَضِّل أهلَ الكفر على أهل الإيمان، وأهل الفجور على أهل البر، وفَضِّل الغافلين على الذاكرين! وهذا دعاء بخلاف ما أخبر الله أن يفعله، وبخلاف ما كتبه على نفسه، وسبقَتْ به كلمَتُه، وأخبرَتْ به رسُلُه عنه؛ وقد قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، وقال: ﴿(٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. فقد أنكر سبحانه على من ظنَّ أنه يساوي بين أهل طاعته وأهل معصيته، فكيف بمن يطلب منه أن يفضِّل العبد العاصي على المطيع؟! وقد قال تعالى: ﴿(١٥١) فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة: ١٥٢]، وفي «الصحيح» (١): «من ذَكَرني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومن ذَكَرني في ملأٍ من خَلْقي ذكرتُه في ملأٍ ... » الحديث. وفي «الصحيح» (٢): «مَثَل الذي [م ٢٥] يذكُر ربَّه والذي لا يذكره كمثل الحيِّ والميِّت». والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢] فكيف يُسأل اللهُ أن يذكرَ الميتَ الغافلَ بأحسن مما يذكرُ الحيَّ الذَّاكِر؟! وقد قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ

стр. 161

الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]. فقد كتبَ رحمتَه لأهل طاعته المتَّقين لكتابه ولرسوله، وقد أخبر أنهم هم المفلحون، فكيف يكون من لم يُطِع اللهَ ورسولَه، بل يعصيه مثل هؤلاء؟! فهذا من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه. ولو قال الرجل: اللهم اجعلني أفضل من السابقين الأولين، لكان معتديًا، فكيف إذا قال: اجعل رحمتك لمن يعصيك أتمّ من رحمتك لمن يطيعك؟! والله قد وعد أهل طاعته بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]. فإن قيل: قد يُراد بذلك أن المطيع قد يحصل له إعجابٌ وكِبْر، وصاحب المعصية يحصل له ذُلٌّ وخشية. قيل: من كان عنده كِبْر أو عُجْب أو رياء فليس مطيعًا بل عاصيًا، ومعصيةُ (١) الكِبر والعُجب والرياء أعظمُ من معصية شُرب الخمر، فالشارب الخاشع الخائف من ربه أقرب إلى رحمة ربه من الصائم المتكبِّر المُعْجَب المُرائي. فمن ظنَّ أن الطاعة صُوَر الأعمال فهو جاهل، بل اسم الطاعة يتناول طاعة القلب بالخوف والرجاء والإخلاص لله والشكر وغير ذلك، أعظم مما يتناول طاعةَ البدن كالصيام والقيام والصدقة، قال الله تعالى:

стр. 162

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]. وقد أجمع المسلمون على أن مجرَّد أعمال البدن بدون عمل القلب لا يكون عبادة ولا طاعة لله، وأن كلَّ عمل لا يُراد به وجه الله فليس هو عبادة له. وفي «الصحيح» (١): «إنَّ في الجَسَد مضغةً إذا صَلحت صَلَح لها سائرُ الجسد، وإذا فَسَدت فسدَ لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب»، وهذا باب واسع. وقد يقال: المراد إذا وقَعْنا في الغفلة والمعصية تدارَكْنا برحمتك وانقِذْنا منها إلى الذِّكْر والطاعة أعظم مما تفعل إذا لم (٢) نقع في ذلك. قيل: هذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن يقال: فهذا طالبٌ لأن يجعله ذاكرًا مطيعًا، لا أن يكون مذكورًا [م ٢٦] مرحومًا في حال الغفلة والمعصية أعظم مما يكون حال الذِّكر والطاعة. والثاني: أنه لا يسوغ أن يدعوه بأن ينقله من حال الغفلة والمعصية إلى حالٍ أفضل مما ينقله في حال الذكر والطاعة، بل إذا كان يريد الانتقال إلى حالٍ أفضل من حاله، فهو إذا كان ذاكرًا مطيعًا يطلب الانتقال إلى ذكرٍ هو طاعة أفضل من ذلك الذكر والطاعة، فهو إن طلب أن يكون لأهل الغفلة والمعصية من الكرامة أعظم مما لأهل الذكر والطاعة مع مُقامِهم على ذلك= فهذا ممتنع، وهو مُراغمة لدين الله.

стр. 163

وعلى كلِّ تقدير لا نجعل الغافل والعاصي أفضل من الذاكر المطيع لا في الحال ولا في الابتداء، اللهم إلا إذا مُكِرَ بالذاكر المطيع فانتقل غافلًا عاصيًا، وانتقل الآخر ذاكرًا مطيعًا، فهذا ممكن، لكن لا يجوز لأحدٍ أن يدعو الله بأن ينقله من حال الذِّكْر والطاعة إلى حال الغفلة والمعصية. ومن هذا الجنس قوله: (واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت، فالإحسان لا ينفع مع البغض منك، والإساءة لا تضرُّ مع الحبِّ منك) (١). فإن القادح يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فهو لا يبغض الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهو يبغض الكفار فلا يحبهم، فحبُّه سبحانه مستلزم للحسنات، وبغضه مستلزم للسيئات. ف قوله: «الإحسان لا ينفع مع البغض» ليس بسديد ، بل الإحسان الذي يستحقّ أن يسمَّى إحسانًا ــ وهو فعل الواجب والمستحبّ كما أمر ظاهرًا أو باطنًا ــ لا يكون إلا مع حبه لا مع بغضه. ومن كان باطنه خلاف ظاهره وقال: إن عمله رياء أو إعجاب أو نفاق أو ريب وعدم إيمان، فهذا ليس عمله إحسانًا. وكذلك من ارتدَّ عن الإسلام فردَّتُه أحبطَتْ عملَه فما بقي محسنًا. وكذلك السيئات لا يُحِبها الله، والمسيء لا يحبُّ الله إساءَتَه، وإذا كان فيه إيمان وفجور فالله يحب إيمانه لا فجوره على مذهب أهل السنة والجماعة الذين لا يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار، ولا يقولون بأن المعاصي تُحْبِط الإيمانَ كلَّه، بل يقولون: «يُخرَجُ من النَّار مَن

стр. 164

في قَلْبِه مثقالُ ذرةٍ من إيمان» (١)، كما صح ذلك عن النبي ﷺ ، فإنهم يقولون: [م ٢٧] الشخصُ الواحد يجتمع فيه ما يحبه الله من الطاعة، وما يبغضه الله من المعصية، ويستحقُّ الثوابَ على حسناته والعقاب على سيئاته. وقد يُعتذر عن صاحب الحزب بأن المراد: جَعْل سيئاتنا مغفورةً بما يحبه من التوبة والحسنات لنكون ممن يُحِبّه من التوابين، ولا يجعل حسناتنا حابطة بما يبغضه من الكفر والمعاصي. لكن يقول الطاعن: سياقُ كلامه، وأوله وآخره يدل على أنه ليس هذا مراده، فإن كلامه يقتضي أنه لا ينظر إلى ما تفعله العباد من الطاعات والمعاصي والأدعية والذكر والغفلة، بل يطلبُ من الربِّ بدون الطاعة والذِّكْر والدعاء ما هو فوق ما يُحصَّل بذلك، فيطلب منه أن لا يكون مع الذِّكر والإحسان من الخاسرين. وهذا كلامٌ يتضمن إلغاء الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وجعل النعيم والعذاب يحصل للعباد بخلاف ما أخبرَتْ به الرسلُ عن الله من وعده ووعيده. ومثل هذا الرأي يحصل لقوم من الناس من المتصوفة وغيرهم من أهل الإرادة، سالكين طريق التألُّه والزهد والفقر، إذا نظروا إلى القَدَر والمشيئة المطلقة أعرضوا عمَّا جاءت به الرسل من الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولا ريب أن هذا ضلالٌ مبين، وخروج عن اتباع السنن. وأمثَل من هؤلاء في العلم والقول طائفةٌ من أهل الكلام والفقه

стр. 165

والتصوف من المثبتين للقَدَر يقولون: إن الأمر يصدر عن مشيئة محضة بلا حكمة ولا رحمة، وأنه ليس في المخلوقات أسباب ولا قُوَى. فهذا قولٌ قالته طائفة، وإن كان السلف وجمهور الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وجمهور أهل الكلام على خلافه، لكنَّ هؤلاء مع هذا يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد، ويقولون: إرسال الرسل، وإنزال الكتب، مما صدرت عن الرب بمشيئته، وعُلِمَت هذه الأمور بالسمع، وعُلِم وقوعُها لإخبار الله بها، فهم يقولون وسائر الملل: لا يجوز أن يُسأل ما قد أخبر أنه لا يفعله. فقول صاحب الحزب مردود على أصلهم أيضًا كما هو مردود على أصل الجمهور، وبمثل (١) هذا الرأي الفاسد يفتري كثير من السالكين الناظرين إلى محض القَدَر، فإنهم إذا شهدوا الربوبية العامة والقيومية (٢) الشاملة لكل شيء، وشهدوا الحقيقة الكونية، ورأوا توحيد الربوبية= ظنوا أن الكمال هو في الفناء في توحيد الربوبية، وهذا غَلَط عظيم وضلال مبين [م ٢٨] وقع فيه كثيرٌ من السالكين (٣). وكان قد وقع بين الجُنَيد وأصحابه وبين طائفة من الصوفية في زمانه كلام في هذا المقام، وهم يُسَمُّونه: الجَمْع، فقال الجُنيد بعد هذا المقام: الفرق الثاني: تحقيق العبودية لله، وهذا الفرق الذي انتقل إليه المؤمن (٤)، فإنَّ

стр. 166

العبد كان في الفرق الأول يشهد أكثر المخلوقات، فانتقل إلى الجمع، فيشهد وحدَه الربوبية الشاملة لكل شيء، ثم بعد هذا عليه أن يشهد الفرق الثاني، وهو الفرق بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض، فيشهد أن لا إله إلا الله، فيفرِّق بينه وبين ما سواه، بأنه هو الإله الذي يستحقّ العبادة دون ما سواه، وأن عبادته بطاعة رسله، فيعبد الله بطاعة رسوله، فهذا فَرْق إلهيّ نبويّ شرعي، وبه بعث الله الرُّسُل وأنزل الكتب. والفناء في هذا المقام: أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب. وأمَّا الفناء في توحيد الربوبية؛ فذاك نقصٌ عن الشهود الواجب، وحَسْبُ صاحبه أن يكون معذورًا لغلبة الوارد عليه لا أن يكون مشكورًا، وهو كحال من غاب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته؛ حتى فَنِيَ من لم يكن، وبقي من لم يزل. فهذا حالٌ عارض لبعض السالكين، ليس هو من لوازم السلوك، ولا هو غايةٌ للسالكين، بل هو حالٌ ناقص بِكَونِ العجز صاحَبَه عن الشهود المطابق للحقيقة. فإن ذلك هو أن يشهد الأمرَ على ما هو عليه، فيشهد عبوديته المحضة، ويشهد ربوبيةَ ربّه، ويشهد ــ مع كونه لا يَعبد إلا إيَّاه، وأنه يعبده بما شرع لا يعبده بالبدع ــ أنه هو الذي جعله كذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيحصل له من الشكر، وشهود المِنَّة، والبراءة من الحول والقوة، ما يُحقق مع

стр. 167

إخلاصه لله توكلَه عليه، وشكره له، وهو الذي (١) سماه الجُنَيد وأصحابه: الفرق الثاني، وهو الفرق الشرعي، والأول الذي انتقلوا عنه هو الفرق الطبيعي، فصاحب هذا يفرق بين الأمور بأمر الله ورسوله، وذاك بهواه ونفسه (٢). ولمَّا تكلم الجُنَيد بهذا نازعه فيه طائفة من الصوفية، وبعضهم لامه (٣) فيه، ووقع فيه كلام كثير، قد ذكر بعضَه أبو سعيد بن الأعرابي في «أخبار النُّسَّاك» (٤)، ولهذا صار الجُنَيد قدوةً في هذه الطريق، بخلاف أبي الحسين النوري (٥) ونحوه [م ٢٩] ممن (٦) اضطرب في هذا المقام، وتكلَّم في الجنيدِ وأصحابِه، وتكلم فيه الجُنَيدُ وأصحابُه، فإنَّ أولئك حصل لهم أمور أُنْكِرت عليهم، والجُنَيد نفعَه الله بقيامه بالأمر والنهي.

стр. 168

فكلُّ شيخٍ سالك لم يقم بالأمر والنهي متابعًا في ذلك للكتاب والسنة والإيمان= فإنَّ الله لم يُرِد به خيرًا، كما ثبت في «الصحيح» (١): «مَن يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهه في الدين». فمن لم يُفَقَّه في الدين لم يُرد به خيرًا. فمن سلك الطريق شاهدًا لتوحيد الربوبية، غير متفقِّهٍ في الأمر والنهي ولا عاملٍ بذلك، فإنه ضالٌّ مُضل، ولا بد أن يتناقض في طريقه لينظر في حقوق الله تعالى بعين القدر، وفي حظوظه بعين هواه، إذا نظر إلى الكفار والفجَّار نظر بعين القدر، وإذا نظر إلى من آذاه أو قَصَّر في حَقِّه ــ ولو كان من خيار أولياء الله ــ نظر بعين الهوى، فذمَّه وعابَه (٢) وطلبَ عقابَه، وربما سعى في قتله بباطنه أو ظاهره لهوى نفسه لا لحقِّ ربِّه، وإن لم يقتله سلبه حاله، لنوع من الحسد والهوى لا لأجل الأمر والتقوى، ويقول: إني متصرِّف بالأمر، والأمر مجمل لا يُفرّق بين الأمر الإلهي النبوي الشرعي الذي بَعَث به رسولَه، وبين أمرٍ نفسانيٍّ أو شيطاني يُلقى في باطنه من جهة النفس والشيطان. و الأحوال ثلاثة: رحماني، ونفساني، وشيطاني (٣). فالرحماني ما وافق الكتاب والسنة، وما خرج عنهما فمِنَ النفسِ والشيطان، والله ورسوله بريئان منه وإن كان واقعًا بالقدر.

стр. 169

ونرى صاحبَ هذا المقام الفاسد يحتجُّ بالقدر، وبعضهم يروي أنَّ أهلَ الصُّفَّة قاتلوا النبيَّ ﷺ شهودًا للقدر وتوحيدًا للربوبية، وهذا من أعظم الفِرية على الرسول ﷺ وعلى أصحابه (١)! وهذا حال المشركين الذين احتجُّوا بالقدر على ترك التوحيد، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فإن طَرَد صاحبُ هذا القول مقالَه انتهى إلى شركِ عُبَّاد الأوثان من العرب وغيرهم، فإنهم كانوا مقرِّين بتوحيد الربوبية، ولكن عبدوا غيرَ الله بغيرِ إذنِ الله، فمن عبد غيرَ الله، أو عبد الله بغير شرعه، ففيه شوبٌ من شبه المشركين والنصارى، وإذا تعلق مع ذلك بتوحيد الربوبية كان كالمشركين الذين تعلقوا بتوحيد الربوبية. والمشايخ المستقيمون (٢) كالفُضيل بن عِياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني (٣)، ومعروف الكَرْخي، وأمثالهم، هم المتبعون

стр. 170

للكتاب والسنة، والصوفية المتبعون لهم هم صوفية أهل السنة والحديث في اعتقادهم وفي عملهم، فهم [يؤمنون] (١) بما أخبر به الرسول، ويَمْتَثلون ما أمر به، يصدقونه في خبره، ويطيعونه في أمره، ومن كان كذلك فهو من أولياء الله المتقين [م ٣٠] الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. وآخرون من المتصوِّفة دخلوا في نوع من بدع الجهمية الذين ينفون الصفات أو بعضها، ويشهدون الجَبْر والقَدَر مُعرضين عن الأمر والنهي، فهؤلاء إذا حققوا طريقهم انتهوا إلى البقاء في التوحيد والصفات، والفناء في الأمر والنهي. ومن هنا دخل متصوفة المتفلسفة الذين جمعوا مع هذا وهذا القولَ بِقِدَم الأفلاك، وأن النبوة فيض، وأن العبادات وسائل إلى حصول الفيض الذي يصير به الإنسان مثل موسى بن عمران! وخرج مِن هنا مَن جعل النبوة مُكتسبة، فطلب أن يصير نبيًّا كالسَّهْرَورْدي المقتول، وابن سبعين وغيرهما. ومن الصوفية مَن يكون مُثبتًا للصفات رادًّا على الجهمية، لكن يلحظ الجَبْر وإثبات القَدَر شاهدًا لتوحيد الربوبية، معرضًا عن الأمر والنهي، ويجعل هذا غاية، كما وقع طرف من ذلك في «منازل السائرين» (٢) وأَخَذَه

стр. 171

عنه ابن العريف في «محاسن المجالس» (١). وقد صار لفظ «الصوفية» لفظًا مجملًا يدخل فيه مَن هو صِدِّيق ومَن هو زنديق، فإنَّ من صَدَّق الرسولَ فيما أخبر وأطاعه فيما أمر، إذا حقق ذلك صار صدِّيقًا، ومن أعرض عن خبره وأمره حتى أخبر بنقيض ما أَخبر، وأمَرَ بخلاف ما أَمر، فإنه يصير زنديقًا. وهذا حال الملاحدة الذين ينتسبون إلى الصوفية، كالقائلين بوحدة الوجود ويسمون ذلك تصوفًا. وقد بُسِط الكلامُ على لفظ التصوف وما يتعلق به في غير هذا الموضع (٢). [ومن ذلك قوله: (فليس كرمُك مخصوصًا بمن أطاعك وأقبل عليك، بل هو مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك، وإن عصاك وأعرض عنك)] (٣). لابد لهم أن يمنَّ عليهم بسبب ذلك من الإيمان والطاعة، وإلا فمع

стр. 172

موت العبد على العصيان والإعراض عن الله لا يجعله كالمطيعين المقبلين عليه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ (١) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. والله تعالى يعلمُ الأشياءَ على ما هي عليه، ويُخبر بها كذلك، ويكتبها كذلك، كما ثبت في «الصحيح» (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «ما مِنكُم من أحدٍ إلَّا وقد عُلِم مقعدُهُ من الجنة والنَّار». قالوا: أفلا ندَعُ العملَ ونتَّكِلُ على الكتاب؟ فقال: «لا، اعمَلُوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق لهُ، أمَّا مَن كان مِن أهل السعادة فسَيُيَسَّرُ لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا مَن كان مِن أهلِ الشَّقاء فسَيُيَسَّرُ لعمل أهل الشَّقاء». فلمَّا استأذنوه أن يتَّكِلوا على السابقة نهاهم وأخبرهم أن السابقة سبقت بالسعادة بعملها، والشقاوة بعملها، لم يَسْبِق بسعادةٍ مجرَّدَةٍ وشقاوةٍ مجرَّدَةٍ، فمن ييسره الله لعمل أهل السعادة حتى يموت على ذلك كان هو الذي سبقت له السعادة، وبالعكس. وأما قول (٣) القائل: «كرمك مبذولٌ بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك». إن أراد به ما يبذله للكفار والفجار من نعيم [م ٣٢] الدنيا فهذا صحيح،

стр. 173

لكنَّ المؤمن لا يطلب مجرَّد ذلك، فإنَّ نعيم الدنيا مع عذاب الآخرة لا يطلبه مسلم، ولهذا تنازع أهل السنة المثبتون للقدر في الكافر، هل عليه نعمة دنيوية؟ على قولين معروفين لهم؛ قيل: النعيم الذي يعقبه عذاب ليس بنعمة، وقيل: بل هو نعمة. وفصل الخطاب: أنه نعمة مقيدة، وليس نعمةً مطلقةً تامةً، ولهذا لم يدخل في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وإن أراد أنك تبذل في الدنيا والآخرة لمن عصاك ما تبذله لأهل الطاعة، وأنك تسوِّي بين هؤلاء وهؤلاء، فهذا مما أنكره الله على من ظنَّه، كما قال تعالى: ﴿(٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]. والآيات في عدم التسوية كثيرة، وقد تقدم منها جملة مما فيه حُسْن حال أوليائه وقُبْح حال أعدائه (١). فمن ظنَّ أنَّ مشيئةَ الله قد تقتضي التسوية بين هؤلاء وهؤلاء فهو مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولا ريبَ أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، لكن من الأمور أمور يُعلم أنه لا يشاؤها، فما سبق في علمه أنه يفعله، وسَبَقت كلمتُه أنه يفعله، وأخبر أنه يفعله، وكتب في اللوح المحفوظ أنه يفعله= فإنه لابد أن يفعله، وهو لا يشاء نقيضه، وهذا متفق عليه بين المسلمين. ثم جمهور المسلمين يقولون: حكمته وعدله مستلزم أنه يشاء ذلك ولا

стр. 174

يشاء نقيضَه، وتفضيل أهل طاعته على أهل معصيته من هذا الباب؛ لأنه لا يكون منه إلا ذلك، ولا يشاء نقيضه قط. فقول القائل: «إن كرمك مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك» كلامٌ مجمل، فإنه إن أراد: أنه قد يكون سبق له أنه يتوب وأنك تشاء توبته، فهذا كلام صحيح. وكذلك إن أراد: أنك تغفر له بأسباب المغفرة كالحسنات الماحية، والشفاعة المقبولة، ونحو ذلك. وإن أراد: أنك تُكرم العُصاة مثل كرامة المطيعين أو أفضل منها مُطلقًا مع موت هذا على الطاعة وموت هذا على الكفر والفسوق والعصيان= فهذا خطأ مخالفٌ للنصوص والإجماع، بل ومخالف لحكمة الله وموجِب كلماته. وقول القائل: إن الاعتبار بالسابقة أو بما سبق به العلم، ونحو ذلك، كلامٌ صحيح، لكن يُعلم مع ذلك أن علم الرَّبِّ حقٌّ مطابقٌ للمعلوم، فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه، لا يكون علمه بخلاف الواقع. فهو سبحانه إذا [م ٣٣] عَلِم أنه سيخلق السموات والأرض، ويقيم القيامة، فهو يعلم أنه يفعل ذلك بمشيئته وقدرته، لا أن ذلك يكون بدون مشيئته وقدرته. وإذا عَلِم أن السُّعداء يدخلون الجنة، وأن الأشقياء يدخلون النار، فهو يعلم أن الأشقياء يدخلون النار بكفرهم وفسوقهم، وأن السعداء يدخلون الجنة بالإيمان، فإنه يُخْرِج من النار مَن في قلبه مثقال ذرة من إيمان (١)، والله تعالى ينشئ للجنة خَلْقًا في الآخرة يدخلهم الجنة بفضل رحمته (٢).

стр. 175

وأما النار فلا يدخلها عند جمهور المسلمين إلا من اتبع الشيطان، قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، فأقسم أنه ليملأنها من أتباع إبليس، ومَن لم يعص الله لم يتبع إبليس، وإذا امتلأت بأتباعه لم يكن لغيرهم فيها موضع. وقد ذهب طائفة من الناس إلى أن النار قد يدخلها مَن لا ذنب له، وهو قولُ مَن يقطع أن أطفال المشركين يدخلون النار، وقول مَن يُجَوِّز ذلك بلا تكليف، وهذا يقوله طائفة من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف، ولكنَّ جمهور الناس على نقيض ذلك (١). وقد ثبت في «الصحيحين» (٢) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواه يُهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانِهِ، كما تُنتَجُ البهيمَةُ بهيمةً جمعاءَ هل تحسُّ فيها من جَدْعَاء»، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا هذه الآية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وفي «الصحيح» (٣) قيل: يا رسول الله، أرأيتَ مَن يموتُ من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال: «الله أعلمُ بما كانوا عاملين». وفي «الصحيح» (٤) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلَمُ بما كانُوا عاملين».

стр. 176

فالنبيُّ ﷺ لم يحكم على مجموعهم بجنة ولا نار، بل أحال على عِلْمِ الله بما كانوا عاملين، وهذا هو المنصوص عن أئمة السُّنَّة كأحمد وغيره (١)، وهو الذي حكاه أبو الحسن الأشعري في «المقالات» (٢) عن أهل السُّنَّة والحديث. وقال: وبكلِّ ما ذكرناه مِن قولهم نقول، وإليه نذهب. ثم هؤلاء الذين يقفون؛ فيهم مَن يقول: يجوز أن يدخلوا جميعُهم النار أو الجنة بلا أمرٍ ولا نهي. ومنهم مَن يقول: بل يُمتَحنون في الآخرة، فمنهم مَن يدخل الجنة ومنهم مَن يدخل النار بمعصيته في الآخرة، وقد جاءت بذلك آثار عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين، وهو الذي حكاه الأشعريُّ عن أهل السُّنَّة [م ٣٤] والحديث. وقد قال طائفة عن أحمد وغيره: إنهم يدخلون النار، واختاروا ذلك كالقاضي أبي يعلى وغيره، وذلك غَلَطٌ على أحمد، وسببُ الغلط: أن أحمدَ سُئل عنهم، فأجاب أنهم على حديث النبي ﷺ : «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين» وهذا الحديث في «الصحيح» من حديث أبي هريرة وابن عباس، كما

стр. 177

تقدم (١). وقد رُوِي في حديثٍ آخر: أن خديجة سألت النبيَّ ﷺ عن أطفال المشركين؟ فقال: «هم في النار»، فقالت: بلا عمل؟ فقال: «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين» (٢)، فظنَّ القاضي أبو يعلى ومَن وافقه أنَّ أحمدَ أخذ بحديث خديجةَ هذا، وفيه: أنهم من أهل النار. وهذا غلَطٌ على أحمد، فإنَّ حديث خديجة موضوعٌ لا أصل له، وأحمد أجلُّ من أن يعتَمِد عليه، وإنما اعتمد على الحديث الصحيح المتقدم، ثم إنه حديثٌ متناقض؛ لأن فيه الجَزْم بكونهم من أهل النار، وفيه قوله: «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين»، وهذا قول متناقض. وقالت طائفة: إنهم كلهم في الجنة، كابن حزم وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما (٣).

стр. 178

والمقصود هنا أنه لم يثبت بدليل يُعتَمَد عليه أن الله يعذِّب في الآخرة مَن لم يُذنب، ودلائل القرآن والسُّنة يدلان على نقيض هذا القول، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكنَّ هذا مما عُلِم أنه لا يشاؤه بالأخبار الصادقة، وبموجِب حكمته، وبمقتضى أسمائه الحُسنى وصفاته العُلَى، كما أنه قد عُلِمَ أنه لا يُخْرِج أهلَ الجنة منها، بل خالدون فيها أبدًا، وأنها لا تفنى أبدًا. وعُلِمَ أنه لا يُخَلِّد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، كما أخبرت بذلك النصوص (١). وهو سبحانه لو عَذَّب أهلَ سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، لكن قد عُلِم أنه لا يعذب المتقين، ولا يسويهم بالفجَّار المذنبين. والأصلُ الجامعُ في هذا الباب: أنه لا يَدخُل الجنةَ إلا مؤمن، وكلُّ مؤمن فلابدَّ له من دخول الجنة، وأنَّ كلَّ كافر فلابد له من دخول النار، فمن آمن بالرسل فإنه لا بدّ له من الجنة، ومن كذَّب الرسل فلا بدّ له من العذاب. ومَن لم يصدِّقهم ولم يكذِّبهم لكونه لم تبلغه الرسالة= لم يكن من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل يُحال أمره على علم الله، وقد جاءت الآثار بأن هؤلاء يُرسل إليهم الرسل في الدار الآخرة (٢)، وحينئذٍ فينعَّم المؤمن ويُعاقَب

стр. 179

المكذب. فهذا حكم مَن كان في الدنيا، وأما من ينشئه الله للجنة في الدار الآخرة فليسوا من هؤلاء (١). [م ٣٥] ومن ذلك قوله: (وليس من الكرم أن لا تُحْسِن إلَّا لمن أحسن إليك وأنت المفضال العلي (٢)، بل من الكرم أن تُحْسِن إلى من أساء إليك وأنت الرحيم الغني (٣)، وقد أمرتنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا فأنت أولى بذلك مِنَّا) (٤). فيقال: إحسان الله إلى عباده ليس من جنس إحسان المخلوق إلى المخلوق مكافأةً له على إحسانه، فإن العباد كما ثبت في الحديث الصحيح الإلهي: «إن الله يقول: يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني» (٥)، وليس لمخلوقٍ عند الله يدٌ يستحقُّ أن يكافئه على

стр. 180

ذلك. بل أهل السنة المثبتون للقدر متفقون على أن العباد لا يجب لهم على الله تعالى بأنفسهم شيء، واتفقوا على أن الله مُنْجِز لهم ما وعدهم إياه. وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه ويُحَرِّم بنفسه على نفسه؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يوجب ولا يُحَرِّم، وما ورد من ذلك محمولٌ على الإخبار لا على الطلب. والثاني: أنه يوجب ويحرِّم كقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقوله: «يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم محرَّمًا فلا تَظَالموا» (١). والقدرية الذين يقولون: إنه يجب عليه بمقتضى القياس، لا يقولون إن أحدًا من الخلق يُحْسِن إليه، بل هم متفقون على أنه المحسن إلى عباده الرحيم بهم. وقد قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وفي الصحيح المتقدم (٢): «يا عبادي إنما هي أعمالُكُم أُحْصيها لكم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إيَّاها، فمَنْ وجدَ خيرًا فليحْمَدِ الله، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسَه». والله تعالى وإن كان يحبُّ المتقين والمحسنين والصابرين والتوابين،
следующие страницы →