فالنبيُّ ﷺ لم يحكم على مجموعهم بجنة ولا نار، بل أحال على عِلْمِ الله بما كانوا عاملين، وهذا هو المنصوص عن أئمة السُّنَّة كأحمد وغيره (١)، وهو الذي حكاه أبو الحسن الأشعري في «المقالات» (٢) عن أهل السُّنَّة والحديث. وقال: وبكلِّ ما ذكرناه مِن قولهم نقول، وإليه نذهب.
ثم هؤلاء الذين يقفون؛ فيهم مَن يقول: يجوز أن يدخلوا جميعُهم النار أو الجنة بلا أمرٍ ولا نهي. ومنهم مَن يقول: بل يُمتَحنون في الآخرة، فمنهم مَن يدخل الجنة ومنهم مَن يدخل النار بمعصيته في الآخرة، وقد جاءت بذلك آثار عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين، وهو الذي حكاه الأشعريُّ عن أهل السُّنَّة [م ٣٤] والحديث.
وقد قال طائفة عن أحمد وغيره: إنهم يدخلون النار، واختاروا ذلك كالقاضي أبي يعلى وغيره، وذلك غَلَطٌ على أحمد، وسببُ الغلط: أن أحمدَ سُئل عنهم، فأجاب أنهم على حديث النبي ﷺ : «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين» وهذا الحديث في «الصحيح» من حديث أبي هريرة وابن عباس، كما
стр. 177
تقدم (١).
وقد رُوِي في حديثٍ آخر: أن خديجة سألت النبيَّ ﷺ عن أطفال المشركين؟ فقال: «هم في النار»، فقالت: بلا عمل؟ فقال: «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين» (٢)، فظنَّ القاضي أبو يعلى ومَن وافقه أنَّ أحمدَ أخذ بحديث خديجةَ هذا، وفيه: أنهم من أهل النار. وهذا غلَطٌ على أحمد، فإنَّ حديث خديجة موضوعٌ لا أصل له، وأحمد أجلُّ من أن يعتَمِد عليه، وإنما اعتمد على الحديث الصحيح المتقدم، ثم إنه حديثٌ متناقض؛ لأن فيه الجَزْم بكونهم من أهل النار، وفيه قوله: «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين»، وهذا قول متناقض.
وقالت طائفة: إنهم كلهم في الجنة، كابن حزم وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما (٣).
стр. 178
والمقصود هنا أنه لم يثبت بدليل يُعتَمَد عليه أن الله يعذِّب في الآخرة مَن لم يُذنب، ودلائل القرآن والسُّنة يدلان على نقيض هذا القول، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكنَّ هذا مما عُلِم أنه لا يشاؤه بالأخبار الصادقة، وبموجِب حكمته، وبمقتضى أسمائه الحُسنى وصفاته العُلَى، كما أنه قد عُلِمَ أنه لا يُخْرِج أهلَ الجنة منها، بل خالدون فيها أبدًا، وأنها لا تفنى أبدًا.
وعُلِمَ أنه لا يُخَلِّد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، كما أخبرت بذلك النصوص (١). وهو سبحانه لو عَذَّب أهلَ سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، لكن قد عُلِم أنه لا يعذب المتقين، ولا يسويهم بالفجَّار المذنبين.
والأصلُ الجامعُ في هذا الباب: أنه لا يَدخُل الجنةَ إلا مؤمن، وكلُّ مؤمن فلابدَّ له من دخول الجنة، وأنَّ كلَّ كافر فلابد له من دخول النار، فمن آمن بالرسل فإنه لا بدّ له من الجنة، ومن كذَّب الرسل فلا بدّ له من العذاب.
ومَن لم يصدِّقهم ولم يكذِّبهم لكونه لم تبلغه الرسالة= لم يكن من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل يُحال أمره على علم الله، وقد جاءت الآثار بأن هؤلاء يُرسل إليهم الرسل في الدار الآخرة (٢)، وحينئذٍ فينعَّم المؤمن ويُعاقَب
стр. 179
المكذب. فهذا حكم مَن كان في الدنيا، وأما من ينشئه الله للجنة في الدار الآخرة فليسوا من هؤلاء (١).
[م ٣٥] ومن ذلك قوله: (وليس من الكرم أن لا تُحْسِن إلَّا لمن أحسن إليك وأنت المفضال العلي (٢)، بل من الكرم أن تُحْسِن إلى من أساء إليك وأنت الرحيم الغني (٣)، وقد أمرتنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا فأنت أولى بذلك مِنَّا) (٤).
فيقال: إحسان الله إلى عباده ليس من جنس إحسان المخلوق إلى المخلوق مكافأةً له على إحسانه، فإن العباد كما ثبت في الحديث الصحيح الإلهي: «إن الله يقول: يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني» (٥)، وليس لمخلوقٍ عند الله يدٌ يستحقُّ أن يكافئه على
стр. 180
ذلك. بل أهل السنة المثبتون للقدر متفقون على أن العباد لا يجب لهم على الله تعالى بأنفسهم شيء، واتفقوا على أن الله مُنْجِز لهم ما وعدهم إياه.
وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه ويُحَرِّم بنفسه على نفسه؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يوجب ولا يُحَرِّم، وما ورد من ذلك محمولٌ على الإخبار لا على الطلب.
والثاني: أنه يوجب ويحرِّم كقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقوله: «يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم محرَّمًا فلا تَظَالموا» (١).
والقدرية الذين يقولون: إنه يجب عليه بمقتضى القياس، لا يقولون إن أحدًا من الخلق يُحْسِن إليه، بل هم متفقون على أنه المحسن إلى عباده الرحيم بهم.
وقد قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وفي الصحيح المتقدم (٢): «يا عبادي إنما هي أعمالُكُم أُحْصيها لكم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إيَّاها، فمَنْ وجدَ خيرًا فليحْمَدِ الله، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسَه».
والله تعالى وإن كان يحبُّ المتقين والمحسنين والصابرين والتوابين،
стр. 181
ويفرح بتوبة التائبين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات= فهو الذي جعلهم كذلك، هو الذي جعل المسلم مسلمًا، والمصلي مصلِّيًا، كما قال الخليل: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].
وإذا كان كذلك فليس يمكن أن يكون للعبد على ربه نعمة حتى يُقال: إنه أحسن إليه، بل إحسانُ العبد إلى نفسه، وإرضاؤه لربه، وثوابُ ربه له= هو من نعمة ربه عليه وإحسانه إليه، كلُّ نعمةٍ منه فَضْل وكلُّ نقمةٍ منه عَدل.
وأَمْر الله عبادَه ليس لحاجته إليهم كأمر المخلوق للمخلوق، مثل ما يأمر السيدُ عبدَه، والأميرُ جندَه. ولا نَهْيه بُخْلًا عليهم، بل أمْرُه لهم بالطاعة، وتوفيقُهم لها، وإثابَتُهم عليها= كلُّ ذلك من إحسانه، أَمَرَهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأحلَّ لهم الطيبات [م ٣٦] وحرَّمَ عليهم الخبائث، فالعبد إذا عصاه ظَلَم نفسَه وضرَّ نفسَه، لم يضرَّ الله شيئًا.
والناس في أمره ونهيه على ثلاثة أقوال (١):
منهم من يقول: هو صادر عن مَحْض المشيئة، فقد يأمر بما يضر العباد، وقد ينهى عما ينفعهم، وهو لا يُسأَلُ عما يفعل. وهذا قول من يجعل المشيئة يجوز أن تتناول كلَّ مقدور، وأنَّ الظُّلمَ ممتنع لذاته، وأن الحكمة ليست إلا مُطابقةَ العلم. وهذا قول طائفة من أهل الكلام المثبتين للقدر ومَن اتبعهم
стр. 182
من الفقهاء.
ومنهم من يقول: بل لا يأمر عبدًا معينًا إلا لأن ذلك الأمر مصلحة له، ولا ينهاه إلا لأن ذلك النهي مفسدة له، والعبد هو الذي اخترع الطاعة والمعصية من غير معونة من الله امتازَ بها المُطيع على العاصي. وهذا قول المعتزلة ونحوهم من القدرية.
ومنهم من يقول: بل أمَرَ العباد بما فيه منفعة لهم إذا أطاعوه، ونهاهم عما يضرهم إذا عصوا، فمَن فعل ما أُمِرَ به لم يكن الفعل إلا مصلحة في حقِّه، والمنهيُّ عنه مفسدة في حقِّه. وأما نفس الأمر والنهي فذلك من الله، وله حكمة في ذلك كما له حكمة في خلقه، وذلك رحمة منه لعموم الخلق وإن لم يُصِب بعضَهم، كالمطر الذي .... (١) والشمس التي بطبعها (٢)، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام.
وتقابلَ (٣) الناسُ في محبة الله ورضاه؛ هل هي بمعنى الإرادة أو هي أمرٌ آخر أخص؟
فقالت القدرية وطائفة من المُثْبتة: هي بمعنى الإرادة، وقال أكثر أهل السنة المثبتين للقدر: بل هي أخص من الإرادة، فالقدرية يقولون: ما أحبَّ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ فلم يُرِدْه، فكان في ملكه ما لا يريد، وشاء ما لا يكون، وكان ما لا يشاء. وإذا حلف الرجل ليصلينَّ الظهرَ الواجب عليه غدًا
стр. 183
إن شاء الله ولم يصلِّ حَنَث؛ لأن الله شاء ذلك بزعمهم.
والمقابلون لهم من المُثْبِتة يقولون: هو أراد ما العباد فاعلوه، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فما وُجِدَ من الكفر والفسوق والعصيان فهو بإرادته، فيكون بمحبته ورضاه، وما علم كونه عندهم فقد أراد كونَه، وأحبَّ كونَه، ورضي كونَه.
فإذا قيل لهم: فقد قال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، و ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
قالوا: لا يرضاه دينًا كما أنه لا يريده دينًا. ولا يرضاه ممن لم يفعله [م ٣٧] كما أنه لم يُرِدْه منه.
فقيل لهم: فقولوا: إنه لا يحب فعل المأمور ولا ترك المحظور، وقولوا: إن ما أمر الله به ورسوله، فإنه لا يحبه ولا يرضاه، ولكن يحب ويرضى ما يكون، سواء كان كفرًا أو إيمانًا.
وقولوا (١): إنه لا يريد ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان، فإنه لم يرده دينًا كما تأولتم قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، وأنتم تطلقون ما أطلقه المسلمون مِن أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، فهذا قول قد وقع بمشيئته وقد أخبر أنه لا يرضاه. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] وما أسخطه لم يرضه، مع أنه قد أراده.
стр. 184
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (١)، والمقصود هنا التنبيه عليها، فإن كثيرًا من الخائضين في هذه المواضع تجدهم متقابلين، هؤلاء يثبتون حقًّا وباطلًا، وهؤلاء يثبتون حقًّا وباطلًا، وخيار الأمور أوساطها، وهي طريقة سلف الأمة وأئمتها ﵃ أجمعين.
فإن قال هذا المدَّعي: أنا أريد بالإحسان إليه: فِعْل ما يرضاه من الطاعة، وبالإساءة إليه: فعل ما يُسْخِطه من المعاصي.
قيل له: وإن أراد هذا فهو مخطئ أيضًا من وجوه:
أحدها: أن إطلاق القول بأن الطاعة إحسان إلى الله، وأن المعصية إساءة إلى الله= بدعة، فإن التعبير بهذا اللفظ عن هذا المعنى بدعة، والألفاظ التي يُعَبَّر بها عن صفات الله يُتَحَرَّى بها الاتباع دون الابتداع، لا سيما في مقام المناجاة والدعاء.
والمفهوم من هذا اللفظ أن العبد يُحسن إلى الله بالطاعة، وهذا باطل، فإنه إنما يحسن إلى نفسه، والله هو المنعم عليه بذلك، والله سبحانه غنيٌّ عن غيره من كل وجه، ولو لم يكن رضاه متضمِّنًا لِنَفْع الفاعل، فكيف إذا كان رضاه للعباد بالشكر يتضمن النفعَ لهم بذلك.
وكذلك المعصية وإن كان يبغضها ويكرهها ويمقت فاعلها، فإنه لا يقال: هي إساءة إلى الله. أما على مذهب أهل السنة المثبتين للقَدَر، فإنه هو الذي خلقها لحكمة في ذلك على قول من يثبت الحكمة، أو لمحضِ المشيئة على قول من لا يُعَلِّل أفعاله وأحكامه.
стр. 185
وإذا كان هو الخالق لها مع قدرته على أن لا يخلقها لم يَجُز أن يقال: إن غيرَه أساء إليه بها لوجهين:
أحدهما: أن الخلقَ عاجزون [م ٣٨] عن ذلك، كما قال تعالى: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني» (١).
والثاني: أنه إذا كان هو الخالق لها بمشيئته وقدرته لحكمة يحبها أو لمحض مشيئته، امتنع أن تكون ضارةً له؛ لأن الغنيَّ عن كل شيء، القادرَ على كل شيء، العالِمَ بكل شيء يمتنعُ أن يضره ما يفعله بقدرته ومشيئته، فإن المخلوق العالمَ بما يضره، الغنيَّ عنه، القادرَ على تركه لا يفعله، فكيف بأعلم العالِمين، وأقدَر القادِرِين، وأحكَم الحاكِمين، وأغنى الأغنياء؟!
ثم من لم يُعَلِّل يقول: فِعْلُه لا يُعَلَّل، ومن يُعَلِّل يقول: له في ذلك حكمة خَلَق ذلك لأجلها، ومن فعل شيئًا لمرادٍ له يحبه لم يكن متضرِّرًا بحصول محبوبه ومراده.
وهؤلاء يقولون: وإن كان مُبْغضًا للمعصية، كارهًا لها، ماقتًا لها، فهذا لا ينافي كونه خلقها وأرادها لحكمة في ذلك، وهو يحب الغاية التي خلقها لأجلها، كالمريض الذي يريد شربَ الدواء وهو يبغضه، فهو يريده لمحبته العافيةَ الحاصلةَ به، فهو وإن كان مرادًا له لحكمة يحبها فهو مبغض له في نفسه، فهكذا ما خلقه من الشياطين والمعاصي خلقها لحكمة، وهو يبغض تلك المخلوقات المرادة.
وعلى قول هؤلاء فلا تكون المعاصي إساءة إليه إذ كان هو الخالق لها
стр. 186
لحكمته، بل لو كان المُحدِث لها غيره لم يكن مسيئًا إليه إذا كان قصده تلك الغاية المحبوبة له، فمن فعل مع غيره ما يوجب حصول محبوبه لم يكن مسيئًا له، وإن كان في ذلك بعض ما يكره، فكيف إذا كان هو الفاعل؟!
وأما مذهب القدرية من المعتزلة وغيرهم وإن قالوا: إن العبد أحدث المعصية بدون مشيئة الله وقدرته لا يقولون: إنها إساءة إلى الله، ولا أنها تضر الله، بل المعتزلة متفقون على أن علل أفعاله وأحكامه عائدة إلى المخلوق لا إليه، وهم غُلاةٌ في النفي، فلا يصفونه بفرحٍ أو غضبٍ يقوم به، ولا حبٍّ ولا رضًى ولا سخط، بل ولا بإرادة تقوم به، وإنما ذلك كله عندهم مخلوقات منفصلة عنه، ومثل هذا لا يُسمى إساءة إليه بلا ريب.
والمقصود أن هذا ليس إساءةً إلى الله على قول كل طائفة من طوائف المسلمين.
الوجه الثالث (١): أنه جعله إذا عاقب المسيئين لم يكن كريمًا، بل لا يكون كريمًا إلا إذا أحسن إليهم. وهذا جهل، فإن الله كريم جواد مع عقوبته للمجرمين، فإنَّ كلَّ نعمة منه فضل، [م ٣٩] وكلَّ نقمة منه عدل، وعقوبته للظالمين لا ينافي كرمه وجوده باتفاق المسلمين، بل هو محمودٌ على كل ما يفعله، وكلُّ فِعْله حَسَنٌ جميل، وذلك أن الكرمَ والبخلَ للناس فيه أقوال:
أحدها: أن البخل يرجع إلى الاعتقاد والخوف، وهو خوف ذهاب المال إذا أنفقه، كما يقول ذلك من يقوله من مناظري القدرية والفلاسفة،
стр. 187
كالقاضي أبي بكر (١) والقاضي أبي يعلى وغيرهما، وهؤلاء يقولون: فِعْله متعلق بمحض المشيئة لا علة له، والظلم هو الممتنع لذاته، وكل ممكن فهو عدل. وعلى هذا فالله عالم بكل شيء لا يخاف شيئًا، فيمتنع وصفه بالبخل. وأمَّا الكرم فهو فِعْل ما فعله، فكل ما فعله فهو الكرم عندهم.
والقول الثاني: قول القدرية الذين يقولون: فَعَلَ بكل عبد ما يقدر عليه من النعم الدينية، وفي النعم الدنيوية قولان، لكنَّ العبد هو الذي صرفَ نعمتَه في معاصيه، وهؤلاء يقولون: ما لم يوجد من الإحسان لم يكن مقدورًا له.
الثالث: قول الفلاسفة الذين يقولون: هو موجبٌ بذاته، ففعله من لوازم ذاته، والعقوبات أمور لازمة لذاته لا يُتصور انتفاؤها، فلا يكون تركها مقدورًا.
الرابع: قول جمهور المسلمين الذين يقولون: إنه كريم جواد عَدْل يخلق ما يشاء ويختار، وهو على كل شيء قدير، وأنه يفعل ما يفعل لحكمة، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وما يخلقه من الآلام والعقوبات يخلقه لحكمةٍ له في ذلك، لا تحصل تلك الحكمة بدون ذلك المخلوق، فهو على غاية الجود والكرم في إرادته، وغاية القوة والمُكْنة في قدرته، لكنَّ فِعْل الشيء يقتضي فعلَ لوازمه وترك ما ينافيه، فوجود أحد الضدّين يستلزم ترك الآخر، ووجود الملزوم يقتضي وجود اللازم.
وحينئذ فقول القائل: «ليس من الكرم عقوبة العُصَاة» باطلٌ على كل قولٍ، أما على قول الأولين؛ فكل ممكن كرم. وأما على قول الطائفة الثانية
стр. 188
والثالثة؛ فإن نقيض ذلك ممتنع، وترك الممتنع لا ينافي الكرم. وأما على قول الرابعة؛ فلأنَّ ذلك مخلوق لحكمةٍ لا تحصل إلا به، فلو لم يُخلق لفاتت (١) تلك الحكمة التي يستحق الربُّ أن يُحْمَد لأجلها، ويوصفَ بالجود والكرم.
وإذا كان كذلك كان من تمام الكرم ما يخلقه من العقوبات التي لا يحصل الكرمُ التامُّ إلا بها. وهذا بخلاف الواحد منا، فإنه قد يُعاقب من أساءَ إليه لا لحكمةٍ في ذلك ولا [م ٤٠] لرحمةٍ، بل لمحض حظِّ نفس الذي قد يكون مذمومًا أو لا يكون محمودًا، والله تعالى لا يفعل إلا ما يُحمد عليه، فله الحمد على كل الحال.
والواحد مِنَّا إذا عفى عمن أساء إليه كان أفضل له وأعظم لأجره ومنزلته عند الله، والله تعالى لا يفعل شيئًا يكون تركه أكمل له في حقِّه، بل كل ما يفعله فهو الأكمل الذي لا أكملَ منه، فإن كماله من لوازم ذاته، وهو غير مفتقرٍ في ذلك إلى غيره، لامتناع افتقاره إلى غيره بوجهٍ من الوجوه، وإذا كان كماله من لوازم ذاته، وهو لا يقف على غيره، كان كماله واجبَ الحصولِ (٢) ممتنع القِدَم.
وهو سبحانه المستحقّ لغاية المدح وكمال الثناء، وأفضلُ العباد لا يُحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. وقد بُسط الكلام على هذه المقامات الشريفة التي هي من مَحارات العقول في غير هذا الموضع (٣).
стр. 189
وقد قال طائفة كأبي حامد (١) وغيره: ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم؛ لأنه لو كان ممكنًا ولم يفعل لكان بخلًا يناقض الجود، أو عجزًا يناقض القُدرة. وأنكر ذلك آخرون ونسبوه في ذلك إلى الفلسفة، وقالوا: إذا كان أهل السنة ينكرون على القدرية الذين يقولون: إنَّ إصلاح العباد ليس ممكنًا، فكيف بهذا؟
وقال آخرون: فَصْل الخِطاب أنه إن أُرِيد بذلك أن الله لا يقدر على غير ما فعل، أو أن ذلك ممتنع لذاته= فهذا خطأ، وهو يُشبه قول الدهرية القائلين بالموجب بالذات.
وإن قيل: إنه على كل شيء قدير، ولو شاء لفعل غيرَ ما فعل، ولو شاء أن يؤتي كلَّ نفسٍ هداها لفعل، لكن فَعَل ما فَعَل لحكمة، والمشروط بغيره يمتنع وجوده بدون شرطه، فليس ممتنعًا لنفسه وإنما امتنع لغيره، ومن فَعَل مراده ولوازم مراده لم يكن يترك ما ينافي مراده عاجزًا، إذ الجمع بين النقيضين ممتنع لذاته، وإنما العاجز من إذا أراد شيئًا لم يمكنه فعله، والممتنع لذاته ليس شيئًا باتفاق العقلاء، فهذا قول أكثر المسلمين.
وأما مَن لا يقول بحكمةٍ ولا تعليل، ولا جودَ عنده ولا رحمةَ إلا وجود المراد= فهو لا يقول بهذا، إذ هو يقول: يجوز تخصيص أحد المُتَماثلَين دون الآخر لا لمخصِّص بل لمحض الإرادة، فلا يتصور عنده بخل. فهؤلاء يطعنون في كلام أبي حامد بناءً على هذا الأصل، وهذه الأمور مبسوطة في
стр. 190
غير هذا الموضع (١). والمقصودُ هنا التنبيه على ما يناسب هذا الكلام.
[م ٤١] الوجه الرابع: قوله: (كيف وقد أمرْتَنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا، فأنت أولى بذلك منا) (٢).
فهذا أيضًا منكر، ليس كلّ ما أمر الله به العباد يجوز أن يُطْلَب منه، فضلًا عن أن يقال: أنت أولى منا بفعل ما أمرتنا به، أو أنت أولى بفعل نظيره!! فإن الله أمر بالركوع والسجود والصيام والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ونحو ذلك من الأفعال، ولا يُقال: أنت أولى بذلك منا، والله أمرنا أن ندعوه تضرُّعًا وخُفْيةً، وليس هو أولى بذلك منا. ونظائر هذا كثيرة.
ولكنَّ الدعاء المشروع في مثل هذا قوله ﷺ لعائشة: «قُولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تُحبُّ العَفْوَ فاعْفُ عنَّا» (٣) فيُطْلَب منه ما يحبه.
стр. 191
وبعضُ العامّة يقول في دعائه: «اللهم إنك أمرتنا أن نُعْتِق عبيدَنا ونحن عبيدك فأعتقنا، وأمرتنا أن نعفوَ عمن ظَلَمنا وقد ظلمنا أنفسنا فاعفُ عنّا، وأمرتنا أن نُحْسن إلى من أساء إلينا، وقد أسأنا إلى أنفسنا فأحْسِن إلينا». وهذا الدعاء ليس من الأدعية الشرعية النبوية التي يُحتج بها.
وفيه جَهْلٌ من وجه آخر وهو قول القائل: «وقد ظلمنا أنفسنا وأسأنا إلى أنفسنا»، فإن هذا لا يشبه عفو العافي عمن ظلمه، وإحسانه إلى من أساء إليه. فليس هو مثلًا مطابقًا لو كان التمثيل في ذلك حقًّا.
وبالجملة ففعل الربّ لا يُقاس بأفعال العباد، بل من أعظم الأصول التي أنكرها أهل السنة على المعتزلة ونحوهم من القدرية: قياس أفعال الرب على أفعال العباد وبالعكس، وقالوا: هم مُشَبِّهة الأفعال، فإنهم يجعلون الحَسَنَ من العبد والقبيحَ منه حَسَنًا من الرب وقبيحًا منه، وليس الأمر كذلك، فإنَّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله. والله تعالى يحبُّ من العباد أمورًا اتصف بها، كما قال النبي ﷺ : «إنّ الله وَتْرٌ يُحبُّ الوَتْر» (١)، وقال: «إنه جميلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ» (٢)، و «أنه نظيفٌ يحبُّ النظافة» (٣)،
стр. 192
و «أنه طيبٌ لا يَقبل إلَّا طيبًا» (١)، ونحو ذلك، وقال: «الراحِمُون يرحمُهُم الرحمن» (٢). فهو يحب اتصاف العبد بهذه الصفات وتعَبّده بهذه المعاني المحبوبة.
وهذا قد طَرَده بعضُ الناس كأبي حامد الغزالي وغيره، وجعلوا العبد يتصف بالجبّار والمتكبّر على وجهٍ فسروه، وجعلوا ذلك تَخَلُّقًا بأخلاق الله، ورووا حديثًا: «تَخَلَّقوا بأخلاق الله» (٣)، وأنكر ذلك عليهم آخرون كأبي عبد الله المازَرِي وغيره، وقالوا: ليس للرب خُلُق يتخلَّقُ به العبد، وقالوا: هذه فلسفة كُسِيَت عباءة (٤) [م ٤٢] الإسلام، وهو معنى قول الفلاسفة: الفلسفة التشبُّه بالإله على قدر الطاقة (٥).
стр. 193
وبالجملة فالاتصاف والتخلُّق والتعبُّد بما أحبَّ الله من العباد الاتصاف به، وهو من صفاته كالعلم والرحمة والإحسان والجمال الشرعي ونحو ذلك هو حقّ، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، بخلاف الكبرياء ونحوه، فإنه قد ثبت في «الصحيح» (١) أن الله يقول: «العَظَمَةُ إزاري والكِبْرِياءُ رِدَائي فمن نازعني واحدةً منها عَذَّبْتُه».
وصفات الله نوعان؛ نوعٌ يختص به كالإلهية، فليس لأحد أن يتصف بذلك، فإنه لا إله إلا الله. ونوعٌ يتصف عباده منه بما وهبه لهم، كالعلم والرحمة والحكمة، فهذا وإن اتصف به العبد فالله تعالى لا كفوًا له سبحانه، فهو منزَّهٌ عن النقائص مطلقًا، ومنزَّه عن أن يكون له مِثْلٌ في شيء من صفات كماله، بل هو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل، وهو منزَّه فيها عن التمثيل.
وأما صفات النقص فهي منتفية عنه مطلقًا، وهو موصوف بالكمال الذي لا غايةَ فوقَه، منزَّه فيه عن التمثيل، إثباتٌ بلا تمثيل وتنزيهٌ بلا تعطيل، نُثبت له الأسماءَ الحسنى والصفات العُلى، وننفي عنه مماثلة المخلوقات في شيء منها.
وأما الصفات والأفعال التي تختصُّ العبدَ، كالذل والخوف والرجاء والتضرع والافتقار والسؤال ونحو ذلك، فهذه وإن أمر الله بها العبد فهو سبحانه منزَّه عنها، لا تُطلب منه. وإذا كان ما أمر فإنه قد يَحْسُن منه وقد لا يحسن، لم يجُز أن يقال: أنت قد أمرتنا بذلك فأنت أحقُّ به منا، هذا إذا كان المطلوب مما يسوغ طلبه منه، كالإحسان والعفو والمغفرة.
стр. 194
فأما إذا كان مُنزَّهًا عنه كالإحسان إلى من أساء إليه، فهذا خطأ لوجهين: لأنه لا يقال: إنَّ العبد يُحسن إلى الله ويسيء إليه، ولأنه لا يُقال: أفعل كذا لأنك أمرتنا به وأنت أحق أن تفعل ما أمرتنا بفعله، بل هذا يقوله (١) الأكْفاءُ بعضُهم مع بعض؛ كالإنسان الذي يأمر الناس بطاعة الله ورسوله، فهو أحق منهم بفعل ما أَمَر، كما قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. ومن قال مثل هذا في حق الله فهو جاهل إن لم يعرف حقيقةَ ما قال، وإن عرف حقيقته وأصرَّ على ذلك فهو كافر.
ولا ريب أن كثيرًا من أهل العبادة والنُّسُك والتألُّه يناجي الله ويدعوه بأمور منكرة، كما قد يعبده بعبادات مبتدعة، ويكون قصده الخير واتباع السنة، لكن يغلط لجهله، فهذا قد يغفر الله له [م ٤٣] ويرحمه بِحُسْن قصده، ولكن يجب النهي عما أخطأ فيه ويُبين له الصواب، فإن أصرَّ على استصواب مخالفة الرسل قُتِل.
ومن ذلك قوله: (واقْرُب مني بقدرتك قربًا تمحقُ به (٢) كلَّ حجاب محقْتَه عن إبراهيم خليلك، فلم يحتَجْ لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك (٣)، وحجَبْته بذلك عن نار عدوك (٤)، وكيف لا تحجب عن مضرَّة الأعداء من
стр. 195
غنيته (١) عن منفعة الأحباب (٢)) (٣).
فأما قوله: «فلم يحتَجْ لجبريل رسولك» فكلامٌ صحيح، فإن إبراهيم قال: «حسبيَ الله ونِعْم الوكيل» (٤) ولم يلتفت قلبه إلى غير الله، لا جبريل ولا غيره.
وأما قوله: «ولا لسؤاله منك» فهذا كلامٌ لم ينقله ثقة عن إبراهيم، وهو مخالفٌ لما حكاهُ الله عن إبراهيم من سؤاله ودعائه، بل قوله: «حسبي الله ونعم الوكيل» هو دعاءٌ في حقيقة الأمر، وقد تقدم التنبيه على نظير هذا لمَّا ذكر في «الحزب» (٥) سؤالَ الله أن يغنيه عن سؤاله، وذكرنا أنّ سؤالَ الله تارة واجبًا وتارة مستحبًّا (٦)، والواجبات لابد منها والمستحبات لا يُطْلَب من الله الغِنى عنها، فإنَّ ذلك طلبٌ من الله لنقص الدرجة وخفض المرتبة.
مثل أن يقول: اللهم لا تجعلني أفعل نافلةً ولا أتقرَّب إليك بتطوع، ونحو ذلك، والله يحب من عبده التقرُّبَ إليه بالنوافل بعد الفرائض كما في «صحيح البخاري» (٧) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى:
стр. 196
«مَن عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمُحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افْتَرضْتُ عليه، ولا يزالُ عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أُحبَّه ... » الحديث.
وفي الأحزاب (١) أمور أخرى ... (٢)، ومتى خرج الإنسان عن الأحزاب النبوية والأذكار والدعوات الشرعية كان كالسالك بُنيَّات الطريق فقد [يقع في] (٣) الضلال من حيث لا يدري، وقد يتداركه الله برحمته.
وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: «قل: اللهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنت، فاغفِر لي مغفرةً من عندِكَ وارحمني إنَّك أنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ».
فهذا أفضل الخلق بعد الأنبياء لم يَدْعُ في صلاته بدعاءٍ حتى سأل النبيَّ ﷺ أن يعلِّمه ذلك، وعلمه دعاءً مضمونه طلب المغفرة والرحمة من الله. وهؤلاء تجد أحدَهم يخترع أنواعًا من الأدعية تتضمن طلب نوعٍ من الإلهية، أو ما هو من خصائص النبوة، فأين هذا من هذا؟!
وهذا ك قوله: (وقد وَسِعْتَ كلَّ شيء من جهالتي بعلمك فَسَعْ ذلك برحمتك [م ٤٤] كما وسعته بعلمك» (٥).
فإن هذا كلام من يعتقد أن الله لم يَسَعْ كلَّ شيء رحمةً، لكن قد يسعه
стр. 197
وقد لا يسعه، والله أخبر أنه وسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا، فكلاهما واقع بسَعَة علمه بكل شيء، وسعة رحمته كل شيء، وهذا له بَسْطٌ ليس هذا موضعه.
فكذلك قوله: (وقدِّسْنا عن كلِّ وصفٍ يُوجبُ نقصًا مما استأثرتَ به) (١).
وكذلك قوله: (نسألك الفقرَ مما سواك والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك) (٢).
فإن هذه ألفاظ مجملة قد يُراد بها معنًى فاسدٌ، كما قد يُراد بها معنى صحيحٌ، واللفظ الحَسَن أن يقال: نسألك الغنى عما سواك والفقر إليك.
وقوله: «حتى لا نشهد إلا إياك» إذا أريد: حتى لا نشهد معطيًا وربًّا وإلهًا إلا إياك كان حسنًا، وإذا أريد به: حتى لا نشهد إلا إياك، فنغيب بك عن شهود المخلوقات، فهذا فناء ناقص، وهو من عوارض الطريق، ليس بواجب ولا مستحب، ولكن قد يعرض لبعض السالكين لضعفه، فيُعْذَر فيه لا يُحْمَد عليه.
وقد يعنى به: حتى لا نشهد موجودًا إلا إياك، وهذا مشهد أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد.
وقد تكلمنا على أقسام الفناء في اصطلاح السالكين، وبينا أنه يراد به ثلاثة معان؛ أحدها: محمود، والثاني: منقوص، والثالث: إلحاد (٣).
стр. 198
فالأول: أن يفنى بعبادته عن عبادة ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه. وهذا حقيقة التوحيد الذي أرسل الله به الرسلَ وأنزل به الكتبَ، وهذا حال الأنبياء وأتباعهم. والفناء عن عبادة السِّوى يُقارنه البقاء بعبادته تعالى، فهذا الفناء يقارنه البقاء، وهو حقيقة قول: لا إله إلا الله.
وأما النوع الثاني: وهو الفناء عن شهود السِّوى ويسمى الاصطلام، ومنه الفناء في توحيد الربوبية، وهو أن يغيب بمشهوده عن شهوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، فيفنى بالمعروف عن المعرفة والعارف.
وهذه الحال ليست واجبة ولا مستحبة، وليست حال الأنبياء ولا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا أكابر المشايخ الصالحين، ولكن هو حالٌ يعْرِض لطائفةٍ من السالكين، كما يُذْكر عن أبي يزيد (١) ﵀ وعن غيره أنه قال في هذا المشهد: «سبحاني» (٢)، أو «ما في الجبَّة إلا الله» (٣)!
стр. 199
ونحو ذلك.
ويحكون أن شخصًا كان يحبُّ آخر، [م ٤٥] فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمِّ، فألقى المحبُّ نفسَه خلْفَه، فقال: أنا وقعت فما أوقعك؟ فقال: غبتُ بكَ عَنّي، فظننتُ أنَّك أنِّي (١).
وهذه الحال إذا زال معها عقل الإنسان الذي هو مناط التكليف بسببٍ غير محرَّم كان معذورًا، وإن كان بسبب محرَّم فقال مثل ذلك، فهو مذموم على ذلك.
وهل يَكْفُر إذا زال بما تشتهيه النفس كالخمر؟ فيه نزاع معروف عند العلماء، وأما بما لا تشتهيه الطباع كالبنج، فقيل: هو كالسكران بالخمر، وقيل: كالمجنون.
ومن زال عقله بالسماع ونحوه، فهو على هذا التفصيل. وأما في حال العقل؛ فمن قال هذا كان كافرًا يجب قتله إن لم يتب.
وكثير من السالكين تعرض له هذه الحال في بعض الأوقات، فإذا حضرت فريضة قام إليها، ومنهم من يُحْفَظ عن المعاصي، وهذا لصدقهم في حال حضور العقل حُفِظوا في حال غيبة العقل. لكن بكل حال ليس
стр. 200
العبد مأمورًا بالمقام في هذه الحال، وهي تُحمد من جهة انجذاب القلب إلى ربه، ومن جهة توجُّهه إليه وتألُّهه إيَّاه، ويسميها بعضُ الناس: الجمع الأول.
وطائفة من الناس جعلوا هذا المقام هو غاية السالكين، وأحسن منازل السائرين إلى الله، وقالوا: إن العبد حينئذٍ لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح سيئةً، وهذا هو الغاية في كلام صاحب «منازل السائرين» الملقب بشيخ الإسلام من الإشارة إلى علو هذا المقام (١)، ما (٢) أنكره عليه حُذَّاق العارفين. ولهذا يعلل هؤلاء المحبَّة والتوكل وغيرهما، ويجعلون ذلك من مقامات العامة، ويجعلون مقام الخاصة مشاهدة الربوبية العامة والقيومية الشاملة. ولا يصلون إلى الفرق الثاني وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأنه المعبود دون ما سواه، وأن إلهيته بأن نعبده، وعبادته بأن نطيعه، وطاعته بأن نطيع رسوله (٣).
وهذا المقام مما حققه الجُنيد ﵁ وأمثاله من أئمة أهل الطريق الذين يُقتدى بهم، الذين يلاحظون الأمرَ والنهي كالشيخ عبد القادر (٤) ونحوه من المتأخرين. وهؤلاء هم الذين قالوا: قدَمُنا هذا ــ أي طريقنا هذه ــ
стр. 201
على رقبة كلِّ وليٍّ لله، أي: على كلِّ وليٍّ لله أن يتبع الأمر والنهي الإلهي النبوي الشرعي المحمدي، ويحكِّم على نفسه الكتاب والسنة، ولا يخرج عن ذلك [م ٤٦] لا لذوقٍ يخالفه أو وجدٍ أو حالٍ أو مشهد أو غير ذلك، بل يزن أذواقه ومواجيده وأحواله وحقائقه بالكتاب والسنة (١).
والذين نازعوا الجُنيد في هذا كأبي الحسين النوري (٢) وأمثاله من المتصوفة حصل لهم من الاضطراب ما أوجب أمورًا، مع أن النوري ﵀ كان أصح من غيره وأعلى.
ولكن جاء قوم آخرون انحطُّوا عن هذه الدرجة (٣)، فصاروا يشهدون الحقيقة الكونية القدرية، ويرونها هي الغاية، وأنَّ صاحبها لا يحتاج إلى الحقيقة الإلهية النبوية الشرعية، بل يتصرَّف بما يَجده ويذوقه (٤)، والوجد والذوق إن لم يكن موافقًا للأمر كان من اتِّباع الهوى. ولهذا تجد كلَّ من يحتج بالحقيقة إنما هو متبع لهواه لا مطيع لمولاه، لا يحتج بعلم، إذ لو كان عنده علم لقال به، قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ (٥) الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
стр. 202
أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
ومِن هؤلاء مَن يقول: إنما رجع إلى الأمر والنهي لأجل العامة، أو لئلا يَخْرب المارَِسْتان (١)، إشارة إلى أن الأمر والنهي حينئذ سلكه العارف لمصلحة العامة لا لحاجته إليه. وهذا من الجهل بالفرق بين توحيد الإلهية وبين توحيد الربوبية، وبين الأمر الديني الشرعي النبوي الإلهي، والأمر الكوني القدري، وقد بُسِط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع (٢).
وأصحاب هذا المشهد قد ينتقل أحدهم من هذا إلى الوحدة، ولهذا يقولون: السالك يشهد أولًا طاعة ومعصية، ثم يشهد طاعةً بلا معصية، ثم لا يشهد لا طاعة ولا معصية.
وقد يقول بعضهم: يكون أولًا فقيرًا، ثم يصير نبيًّا، ثم يصير إلهًا، وحينئذ يدخلون إلى النوع الثالث من الفناء، وهو فناء المُلْحِدين الذين يقولون:
стр. 203
الوجود واحد؛ كابن عَرَبي وابن سَبْعين وابن الفارض والقُوْنَوي والتِّلِمْساني وأمثالهم ممن يجعل الوجود الخالق هو الوجود المخلوق، وربما جعلوه حالًّا فيه، ومذهبهم دائر بين الاتحاد والحلول. ولكن قد لا يرضون لفظ الاتحاد، بل يقولون: الوحدة؛ لأن الاتحاد يكون بين شيئين، وهم يقولون: الوجود واحد لا تعدد فيه، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع. فإنَّ الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، كما أن الذوات مشتركة في مسمى الذات، ولكن ليس وجود هذا وجود هذا، كما أنه ليس ذات هذا هي ذات هذا، والقدر المشترك هو كُليٌّ مطلق، والكُلِّي المطلق لا يوجد كليًّا مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، بل كلُّ موجود من المخلوقات له ما يختصّ به، لا يشاركه فيه غيره في الخارج، فهذا الإنسان المعيَّن لا يُشاركه هذا الإنسان المعيَّن فيما يختصُّ به من إنسانيته الخاصَّة، وحيوانيته الخاصة، ووجوده الخاص، ولكن هو وغيره يشتركان في مطلق الحيوانية والإنسانية والوجود، ونحو ذلك.
وهذه المشتركات لا تختص واحدًا منها، ولا توجد في الخارج مشتركة مطلقة، بل لا توجد إلا معينة مختصة، وقد بُسِط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع (١).
فإنه بسبب الاشتباه في هذه الكليات المطلقة ضلَّ طوائف من أهل العلوم النظريات والذوقيات، وإذا كان وجود المخلوق المختص به لا يَشْرَكه فيه غيره وإن كان يشابهه فيه غيره، فالخالق تعالى أبعد عن أن يشاركه غيره فيما يختصُّ به .
стр. 204
ولولا أنه قد اشتهر فساد قول هؤلاء للسائلين عن هذه الأحزاب لبسطنا فيه الخطاب، و «صاحب الحزب» إن لم يكن من هؤلاء ففي كلامه ضَرْب من الفلسفة الفاسدة، وضَرْب من مذهب الحلولية القائلين بالحلول الخاص أو العام، وهذا مما ابتلي به طوائف من متأخري الصوفية، لاسيما المستمدين من كلام صاحب «مشكاة الأنوار»، والكتب المضنون بها على غير أهلها (١)، فإنَّ في كلام هؤلاء قطعة من قول النصارى وفلاسفة النصارى.
كما في قول طائفة من متأخري أهل البدع من متكلمي الفقهاء قطعة من قول اليهود وفلاسفة اليهود، كقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: إنَّ الله لا يُرَى في الآخرة، وأن كلام الله مخلوق لم يقم بذاته.
والفلاسفةُ منهم يقولون: هو فيضٌ فاض على النفوس ليس له وجود في الخارج، وهو قول الاتحادية ونحوهم من فلاسفة النصارى والمشابهين لهم من مبتدعة الصوفية.
ومَن لم يعرف حقيقة الإسلام الذي بعث الله به رسولَه [م ٤٨] وأنزل به كتابه، وما في طرائق الناس مما يوافق ذلك وما يخالفه، لم يحصل له الفرقان الإلهي النبوي المحمدي، ومَن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
* * * *
стр. 205
فصل
ومما يشبه كلام هؤلاء قول صاحب «الحزب» فيما صنفه في آداب الطريق في علم الحقيقة (١)، قال في آخره:
(الطريق طريقان؛ طريق خاصَّة وطريق عامة، وأعني بالخاصَّة المحبوبين الذين هم أبدال الأنبياء (٢).
فأما طريق الخاصة؛ فهو طريق عُلْوي تضمحلُّ العقول في أقل القليل من شرحها. ولكن عليك بمعرفة طريق العامة؛ وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل إلى أن ينتهي إلى منزل هو مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
فأول منزل يطؤه المحبّ للترقي منه إلى العليّ هو النفس، فيشتغل بسياستها ورياضتها إلى أن ينتهي إلى معرفتها، فإذا (٣) عرفها وتحقق بها فهنالك تُشْرق عليه أنوار الثاني (٤) وهو القلب، فيشتغل بسياسته ومعرفته. فإذا صحَّ له ذلك ولم يبق عليه منه شيء رُقِّي إلى المنزل الثالث وهو الروح (٥).
стр. 206
فإذا تمَّت له المعرفة به هَبَّت عليه أنوار اليقين شيئًا فشيئًا، حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه [بروزًا] لا يعقل فيه شيئًا (١) مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة. فهناك يهيم (٢) ما شاء الله، ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين، فيشهد موجودًا لا حدَّ له (٣) ولا غاية، بالإضافة إلى هذا العبد، وتضمحلُّ جميعُ الكائنات فيه، فتارة يشهدها (٤) فيه كما يشهد الينابيب (٥) في الهواء بواسطة الشمس، فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة فلا يشهد للينابيب (٦) أثرًا. فالشمس التي يبصر بها (٧) هو «العقل الضروري» بعد المادة بنور اليقين.
فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلُّها وبقي هذا الموجود، فتارة يفنى وتارة يبقى، حتى إذا أريد به الكمال نودي (٨) منه نداءً خفيًّا لا صوت له، فيُمد بالفهم عنهم (٩)، إلا أن الذي تشهده غير الله ليس من الله في شيء، فهناك
стр. 207
ينتبه من سكرته فيقول: أي ربِّ أغثني فإني هالك (١)، فيعلم يقينًا أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله.
فحينئذ يقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «أول ما خلق الله العقل»، وفي خبر آخر: «قال له: أقبل، فأقبل ... » الحديث (٢)، فأُعطي هذا العبد [م ٤٩] الذل والانقياد لنور هذا الموجود، إذ لا يقدر على حَدِّه (٣) وغايته فعَجَز عن معرفته.
فقيل له: هيهات لا تعرفه بغيره (٤)، فأمدَّه الله بنور أسمائه، فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله ــ نرفع درجاتٍ من نشاء ــ فأمدَّه الله بنور الروح الرباني، فعرف به هذا الموجود. فرُقِّي إلى ميدان الروح الرباني، فذهب جميع ما تحلَّى به هذا العبد، تخلَّى عنه بالضرورة وبقي كلا (٥) شيء موجود، ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني (٦).
стр. 208
فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد (١) يقول: هو الله. فلحقته العناية الأزلية فنادته، ألا إن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه (٢)، ولا أن يعبِّر عن شيء (٣) من صفاته لغير أهله، لكن بنور غيره يعرفه (٤)، فأمده الله بنور سرّ الروح، فإذا هو قاعد (٥) على باب ميدان السرِّ، فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السر (٦)، فرفع هِمَّته ليعرف هذا السر (٧) فعَمِي عن إدراكه، فتلاشت جميعُ أوصافه كأنه ليس بشيء، ثم أمدَّه الله بنور ذاته فأحياه به حياة (٨) باقية لا غاية لها، فنظر جميع المعلومات (٩) بنور هذه الحياة، فصار أصل الموجودات نوره شائع (١٠) في كل شيء لا يشهد (١١) غيره.
فنودي من قريب: لا تغتر بالله، فإن المحجوب من حُجِب بالله (١٢)، إذ محال أن يحجب غيره فحيّ بحياة استودعها الله فيه، فقال: أي ربِّ بك منك
стр. 209
إليك، أقِل عثرتي، فإني أعوذ (١) بك منك، حتى لا أرى غيرك.
فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العليِّ الأعلى، وهي طريق المحبين أبدال الأنبياء، والذي يُعْطَى (٢) أحدهم من بعد هذا لا يقدر أحد أن (٣) يصف منه ذَرَّة (٤).
قال: وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين، فهو (٥) منه إليه (٦)، إذ محال أن يتوصل إليه بغيره.
فأول قدم لهم بلا قدم أن ألقى إليهم (٧) من نور ذاته، فغَيَّبهم بين عباده، وحبَّب إليهم الخلوات، وصغَّر (٨) الأعمال الصالحات، وعظَّم عندهم رب الأرض والسموات، فبينا هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العدم، فنظروا فإذا هُمْ بلا هَمّ (٩).
стр. 210
ثم أردف عليهم ظلمةً غيَّبتهم عن نظرهم، بل صار (١) عدمًا لا علة له، فانطمست جميع العلل، وزال كل حادث فلا حادث ولا وجُود، بل ليس إلا العدم الذي لا علة له، وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به.
اضمحلَّت المعلومات وزالت المرسومات زوالًا لا علة [م ٥٠] فيه، وبقي من أشير إليه لا وصفَ له ولا صفةَ ولا ذات، فاضمحلَّت النعوتُ والأسماءُ والصفات، فلا اسم ولا صفة ولا ذات. فهناك ظهر من لم يَزَلْ ظهورًا لا علَّةَ له (٢)، بل ظهر بسِرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أوليَّةَ له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته فحَيِيَ هذا العبد (٣) بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصافٍ جميلة كلُّها لا علة لها (٤)، فصار أولًا في الظاهر فلا ظاهر (٥) قبله، فوجدت الأشياء بأوصافه، فظهر (٦) بنوره في نوره.
فأول ما ظهر سره، فظهر به قلمه (٧)، ثم ظهر أمره في سره، وظهر بأمره الدواة في نور العلم بنور القلم (٨)، ثم ظهر عقله بأمره في أمره، وظهر به عرشه في نور لوحه بنور وجهه (٩). ثم ظهر روحه بعقله في عقله، فظهر بروحه
стр. 211
كرسيه في نور (١) عرشه. ثم ظهر قلبه بروحه في روحه، فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه. ثم ظهرت نفسه بقلبه في قلبه، وظهر بنفسه فلك للخير والشر في نور حجبه بنور حجبه. ثم ظهر جسمه بنفسه في نفسه، وظهر بجسمه أجسام العالم كلها (٢) الكثيف من أرضٍ وسماء، وعلى الجملة كل كثيف في نور الفلك) (٣).
* * * *
فيقال: هذا الكلام وإن كان في بعضه أمور صحيحة موافقة للكتاب والسنة، ففيه أمور منكرة باطلة مخالفة لدين المسلمين. فمنها ما هو مبنيٌّ على أقوال الفلاسفة الباطنية، ومنها ما هو من مذهب الحلولية، ومنها غير ذلك.
فأما تقسيمه الطريق إلى طريق خاصَّة وعامَّة، وجعله الأول طريق المحبين والثاني طريق المحبوبين، فيقال: كلُّ وليٍّ لله فهو مُحِبٌّ لله وهو محبوب لله، وحبُّ العبد لربه وحبُّ الرب لعبده متلازمان، فإن الله لا يحب إلا من يحبه، ومن أحبَّ الله فإن الله يحبه.
ولكنَّ الناس هنا يتكلمون في المجذوب والمربي، ومع هذا فقد يكون بعض المجذوبين أعلى، وقد يكون بعض المربين أعلى، مع أنه لابد لكل سالك من متابعة الرسول، وهذا هو أصل التربية.
стр. 212
ولابد أن يجتبيه الحق إليه وهو الجذب، لكن قد يكون ابتداء السلوك قصد العبد وعمله وعبادته ومجاهدة هواه، وقد يمن عليه ابتداءً باجتبائه إليه، وإنابته إلى مولاه، وإعراضه عما سواه، وقد [م ٥١] قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ﴾ [الشورى: ١٣]. وقد قال بعض الشيوخ: إن هذه الآية فيها ذِكْر المجذوب والمربِّي. وبَسْط هذا له موضع آخر.
وفي المشايخ مَن يقسِّم السالكين إلى مريد ومراد (١)، ومعلوم أن الذين قال الله فيهم: ﴿(٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] ما أرادوا وجهَه حتى أرادَ ذلك منهم على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر، وجمهور الصوفية على مذهب أهل السنة في ذلك، حتى إن كثيرًا منهم يغالي (٢) في ذلك، ويُسقط الأمرَ والنهيَ في بعض المشاهد والأحوال. وكذلك من أراده الله واجتباه وأحبه واصطفاه فلابد أن يجعله مريدًا له، لكنَّ الذين فرقوا بينهما لهم كلامٌ ليس هذا موضع بَسْطه (٣).
وإنما المقصود هنا أن نقول: انقسامُ أولياءِ الله إلى عامٍّ وخاص تقسيم صحيح، لكنَّ الخواص هم السابقون المقرَّبون، والعامة هم الأبرار أصحاب اليمين، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿(٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ
стр. 213
الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١١]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩١]. وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨].
قال ابن عباس: يشرب بها المقرّبون صِرْفًا، ويُمزَج لأصحاب اليمين مزجًا (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ الآية [الإنسان: ٥].
فهذه خمسة (٢) مواضع من كتاب الله يذكر فيها انقسام أهل الجنة إلى أبرارٍ أصحابِ يمين، ومقربين سابقين.
وفي «صحيح البخاري» (٣) الحديث الإلهي المشهور: «يقول الله: مَن عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» وقد تقدم (٤). فقد قسم الأولياء إلى من تقرب بالفرائض ومَن لا يزال يتقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض، ولهذا قال مَن قال: إن الأولين هم الأبرار وإن الآخرين هم المقربون (٥).
стр. 214
وهكذا الأنبياء نوعان: نبيٌّ مَلِك، وعبد رسول . ولهذا لما خُيِّر النبيُّ ﷺ بين أن يكون نبيًّا مَلِكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.
فالعبد الرسول الذي لا يفعل إلا ما أحبَّه ربُّه من واجبٍ [م ٥٢] ومندوب فلا يُعطي إلا من أُمِرَ بإعطائه، ولا يمنع إلا من أُمِرَ بمنعه، كما في «صحيح البخاري» (١): «إنِّي والله لا أُعْطِي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنَّما أنا قاسمٌ أضعُ حيثُ أُمِرتُ»، فإنه لم يُرِد بذلك العطاء والمنع الذي يحصل بمجرَّد المشيئة والقَدَر، فإنَّ جميع المخلوقات لا يعطون ولا يمنعون إلا بمشيئة الله وقدره، فلا فضيلة في هذا للمؤمن على الكافر فكيف بالأنبياء؟! بل المراد العطاء والمنع الشرعي، أي: لا أعطي إلا مَن أُمِرتُ بإعطائه، ولا أمنع إلا مَن أُمِرتُ بمنعه، وهذه صفة العبد الرسول.
بخلاف النبي الملك، فإن الله قال لسليمان: ﴿(٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ﴾ [ص: ٣٩]. قال المفسرون: اعطِ من شئت، واحْرِم من شئت لا حساب عليك (٢). فهذا إذنٌ له أن يعطي ويمنع بحكم إرادته كما يُؤذَنُ للمالك أن يعطي ويمنع لمن يريد إذا لم يكن في ذلك فِعْل محرّم. لكنَّ الأول أعلى درجة، فإن إعطاءَه ومنعَه عبادة يتقرَّب بها إلى الله، وهذا عطاؤه ومنعه مباح له، يتنعم به ولا يُعاقَب عليه، وما يحصل به ثوابٌ أعظم مما لا يحصل
стр. 215
به عقاب (١).
فهكذا الأولياء منهم مَن يكون على الطريقة الأولى، فتكون المباحات في حق غيره عبادات له يتقرب بها إلى الله لا يفعلها إلا بأمره، ومنهم من يفعل المباحات متنعِّمًا بها غير آثم بها ولا مُعاقَب عليها، فهذا تقسيم صحيح معروف بالقلوب، معلوم بالكتاب والسنة.
وأما قول القائل (٢): «عليك بمعرفة طريق العامة، وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل، وأن طريق الخاصة منه إليه» فهذا يشير إلى الحلول والاتحاد كما سنبينه إن شاء الله (٣). وما ثَمَّ طريقٌ لخاصة ولا عامة إلا وفيها ترقٍّ من منزل إلى منزل، كما قال أعلم الخلق بالله وبطريق الله فيما يروي عن الله: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبّه» (٤) والتقرُّب هو الترقِّي. فما في أولياء الله إلا مترقٍّ متقرّب إليه إما بالفرائض وإما بالنوافل بعد الفرائض، ومن لم يتقرَّب إليه لا بفريضة ولا نافلة فليس من أولياء الله، بل من أعدائه، فضلًا عن أن يكون من خواص الأولياء!
وأما قوله: «فأول منزل يطؤه المحبُّ للترقِّي منه إلى العَلي فهو النفس» فالكلام هنا في نوعين: