كرسيه في نور (١) عرشه. ثم ظهر قلبه بروحه في روحه، فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه. ثم ظهرت نفسه بقلبه في قلبه، وظهر بنفسه فلك للخير والشر في نور حجبه بنور حجبه. ثم ظهر جسمه بنفسه في نفسه، وظهر بجسمه أجسام العالم كلها (٢) الكثيف من أرضٍ وسماء، وعلى الجملة كل كثيف في نور الفلك) (٣).
* * * *
فيقال: هذا الكلام وإن كان في بعضه أمور صحيحة موافقة للكتاب والسنة، ففيه أمور منكرة باطلة مخالفة لدين المسلمين. فمنها ما هو مبنيٌّ على أقوال الفلاسفة الباطنية، ومنها ما هو من مذهب الحلولية، ومنها غير ذلك.
فأما تقسيمه الطريق إلى طريق خاصَّة وعامَّة، وجعله الأول طريق المحبين والثاني طريق المحبوبين، فيقال: كلُّ وليٍّ لله فهو مُحِبٌّ لله وهو محبوب لله، وحبُّ العبد لربه وحبُّ الرب لعبده متلازمان، فإن الله لا يحب إلا من يحبه، ومن أحبَّ الله فإن الله يحبه.
ولكنَّ الناس هنا يتكلمون في المجذوب والمربي، ومع هذا فقد يكون بعض المجذوبين أعلى، وقد يكون بعض المربين أعلى، مع أنه لابد لكل سالك من متابعة الرسول، وهذا هو أصل التربية.
стр. 212
ولابد أن يجتبيه الحق إليه وهو الجذب، لكن قد يكون ابتداء السلوك قصد العبد وعمله وعبادته ومجاهدة هواه، وقد يمن عليه ابتداءً باجتبائه إليه، وإنابته إلى مولاه، وإعراضه عما سواه، وقد [م ٥١] قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ﴾ [الشورى: ١٣]. وقد قال بعض الشيوخ: إن هذه الآية فيها ذِكْر المجذوب والمربِّي. وبَسْط هذا له موضع آخر.
وفي المشايخ مَن يقسِّم السالكين إلى مريد ومراد (١)، ومعلوم أن الذين قال الله فيهم: ﴿(٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] ما أرادوا وجهَه حتى أرادَ ذلك منهم على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر، وجمهور الصوفية على مذهب أهل السنة في ذلك، حتى إن كثيرًا منهم يغالي (٢) في ذلك، ويُسقط الأمرَ والنهيَ في بعض المشاهد والأحوال. وكذلك من أراده الله واجتباه وأحبه واصطفاه فلابد أن يجعله مريدًا له، لكنَّ الذين فرقوا بينهما لهم كلامٌ ليس هذا موضع بَسْطه (٣).
وإنما المقصود هنا أن نقول: انقسامُ أولياءِ الله إلى عامٍّ وخاص تقسيم صحيح، لكنَّ الخواص هم السابقون المقرَّبون، والعامة هم الأبرار أصحاب اليمين، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿(٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ
стр. 213
الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١١]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩١]. وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨].
قال ابن عباس: يشرب بها المقرّبون صِرْفًا، ويُمزَج لأصحاب اليمين مزجًا (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ الآية [الإنسان: ٥].
فهذه خمسة (٢) مواضع من كتاب الله يذكر فيها انقسام أهل الجنة إلى أبرارٍ أصحابِ يمين، ومقربين سابقين.
وفي «صحيح البخاري» (٣) الحديث الإلهي المشهور: «يقول الله: مَن عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» وقد تقدم (٤). فقد قسم الأولياء إلى من تقرب بالفرائض ومَن لا يزال يتقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض، ولهذا قال مَن قال: إن الأولين هم الأبرار وإن الآخرين هم المقربون (٥).
стр. 214
وهكذا الأنبياء نوعان: نبيٌّ مَلِك، وعبد رسول . ولهذا لما خُيِّر النبيُّ ﷺ بين أن يكون نبيًّا مَلِكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.
فالعبد الرسول الذي لا يفعل إلا ما أحبَّه ربُّه من واجبٍ [م ٥٢] ومندوب فلا يُعطي إلا من أُمِرَ بإعطائه، ولا يمنع إلا من أُمِرَ بمنعه، كما في «صحيح البخاري» (١): «إنِّي والله لا أُعْطِي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنَّما أنا قاسمٌ أضعُ حيثُ أُمِرتُ»، فإنه لم يُرِد بذلك العطاء والمنع الذي يحصل بمجرَّد المشيئة والقَدَر، فإنَّ جميع المخلوقات لا يعطون ولا يمنعون إلا بمشيئة الله وقدره، فلا فضيلة في هذا للمؤمن على الكافر فكيف بالأنبياء؟! بل المراد العطاء والمنع الشرعي، أي: لا أعطي إلا مَن أُمِرتُ بإعطائه، ولا أمنع إلا مَن أُمِرتُ بمنعه، وهذه صفة العبد الرسول.
بخلاف النبي الملك، فإن الله قال لسليمان: ﴿(٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ﴾ [ص: ٣٩]. قال المفسرون: اعطِ من شئت، واحْرِم من شئت لا حساب عليك (٢). فهذا إذنٌ له أن يعطي ويمنع بحكم إرادته كما يُؤذَنُ للمالك أن يعطي ويمنع لمن يريد إذا لم يكن في ذلك فِعْل محرّم. لكنَّ الأول أعلى درجة، فإن إعطاءَه ومنعَه عبادة يتقرَّب بها إلى الله، وهذا عطاؤه ومنعه مباح له، يتنعم به ولا يُعاقَب عليه، وما يحصل به ثوابٌ أعظم مما لا يحصل
стр. 215
به عقاب (١).
فهكذا الأولياء منهم مَن يكون على الطريقة الأولى، فتكون المباحات في حق غيره عبادات له يتقرب بها إلى الله لا يفعلها إلا بأمره، ومنهم من يفعل المباحات متنعِّمًا بها غير آثم بها ولا مُعاقَب عليها، فهذا تقسيم صحيح معروف بالقلوب، معلوم بالكتاب والسنة.
وأما قول القائل (٢): «عليك بمعرفة طريق العامة، وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل، وأن طريق الخاصة منه إليه» فهذا يشير إلى الحلول والاتحاد كما سنبينه إن شاء الله (٣). وما ثَمَّ طريقٌ لخاصة ولا عامة إلا وفيها ترقٍّ من منزل إلى منزل، كما قال أعلم الخلق بالله وبطريق الله فيما يروي عن الله: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبّه» (٤) والتقرُّب هو الترقِّي. فما في أولياء الله إلا مترقٍّ متقرّب إليه إما بالفرائض وإما بالنوافل بعد الفرائض، ومن لم يتقرَّب إليه لا بفريضة ولا نافلة فليس من أولياء الله، بل من أعدائه، فضلًا عن أن يكون من خواص الأولياء!
وأما قوله: «فأول منزل يطؤه المحبُّ للترقِّي منه إلى العَلي فهو النفس» فالكلام هنا في نوعين:
стр. 216
أحدهما: أن يقال: كثير مِن [م ٥٣] المصنفين والمتكلمين في منازل السائرين إلى الله، ومنهاج القاصدين إليه، وطريق السالكين إليه، يذكر كلٌّ منهم عددَ المنازل وترتيبَها بحسب سَيْرِه هو، أو ما عَلِمَه هو مِن أحوال السالكين، ولا يكون ذلك صفةَ كلِّ سالك، بل كثير من السالكين لهم طرق أخرى وترتيب آخر وعدد آخر. وكثير منهم لا يكون سلوكهم بترتيب معين وعدد معين، ولهذا تجد شيخَ الإسلام الأنصاري في «منازل السائرين» يصفُ ترتيبًا وعددًا، وتجد أبا بكر الطُّرْطُوشي (١) يصف في كتابه ترتيبًا آخر، وتجد أبا طالب المكي (٢) يذكر نوعًا ثالثًا، وتجد غيرهم يذكر أمرًا آخر.
وهذا كما أن أهل النظر والاستدلال من السالكين طريقَ العلم تجد لكلٍّ منهم من ترتيب المقدِّمات العلمية التي يستدل بها طريقًا غير طريق الآخر. ثم كلُّ مِن هؤلاء وهؤلاء أصحاب المقدِّمات المرتَّبة علمًا وعملًا في كلامهم
стр. 217
ما هو صواب وما هو خطأ، فما وافقَ الكتابَ والسنّةَ من ذلك كلّه فهو صواب، وما خالف ذلك فهو خطأ.
وهذا موضعٌ اشتبه على كثير من أهل العلم والعبادة، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. ولهذا أمر الله المسلم أن يقول في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، والكلامُ على هذا مبسوط في غير هذا الموضع.
النوع الثاني: أن لفظ النفس والروح والقلب والفؤاد ونحو ذلك، مما يتنازع الناسُ في معناها؛ إما لاختلاف اصطلاحاتهم، وإما لاختلافهم في المعنى.
فلفظ «النفس» يُراد به تارةً ذاتُ الشيء وعينُه، ويراد به الدم السائل، كقول الفقهاء: ليست له نفسٌ سائلة، وقول الشاعر (١):
تَسِيلُ على حَدِّ الظُّباةِ نفوسُنا ... وليستْ على غير الظُّباةِ تَسِيل
ويراد به الروح التي في الإنسان، كقوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، ومنه قول النبي ﷺ لما نام عام خبير: «إنَّ الله قبضَ أنفسنا (٢) حيثُ شاء» (٣)، وفي الحديث ــ قاله بلال ــ: «أخذ
стр. 218
نفسي الذي أخذ بنفسك» (١). ومنه قوله في الحديث: «اخرجي أيتها النفسُ المطمئنَّة ــ كانت في الجسد الطيب ــ» (٢).
ويراد بها أيضًا بعض صفاتها المذمومة كالهوى المُرْدي، فيقال: فلان له نفس، كما يقال: فلان له لسان، وفلان له قلب. [م ٥٤] أي: لسان خاص، وهو القادر على الكلام، وقلب خاص، وهو الذي له حالٌ من معرفةٍ ووجدٍ وصدقٍ ونحو ذلك. فكثير من أهل السلوك يريدون بلفظ النفس: النفس الخاصة المذمومة، وقد يقسمون لفظ النفس إلى ثلاثة: أمَّارة، ولوَّامة، ومطمئنة (٣).
وأما لفظ «الروح» ؛ فقد يراد به الروح التي في الإنسان، وهي النفس التي تُقبض وقت الموت. ولفظ الروح والنفس بهذا الاعتبار اسمان لذات واحدة، لكن باعتبار صفات متنوعة، فتسمى روحًا باعتبار، ونفسًا باعتبار، وإن كانت
стр. 219
الذات واحدة.
ومن هذا الباب أسماء الرسول، وأسماء القرآن، بل وأسماء الله الحسنى، فإن هذه الأسماء تدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة، وهذه الأسماء مترادفة في الذات متباينة في الصفات، ويسميها بعضُ الناس: المتكافئة، وهي مَرْتبة (١) بين المترادفة المَحْضة وبين المتباينة المَحْضة.
وقد يراد بلفظ الروح البخار الخارج من القلب، وهو لغة الأطباء.
وقد يراد بلفظ الروح الهواء الذي يخرج من البدن. وطائفة من الناس يظنون أن هذا الهواء هو الروح المنفوخة في الإنسان التي تُقْبض وقت الموت.
والصواب الذي عليه السلف والأئمة: أن تلك الروح ليست هي البدن ولا جزءًا من البدن، ولا صفةً من صفات البدن، كما يقول ذلك مَن يقوله من أهل الكلام. ولا هي أيضًا مجردة عن الصفات الثبوتية والأفعال، كما تزعم المتفلسفة الذين يقولون: إنها لا تصعد ولا تنزل، ولا تتحرك ولا تسكن، ولا تدخل ولا تخرج، ولا يتميز منها شيء عن شيء (٢).
ويقول طائفة منهم كابن سينا: إنها لا تُدرِك الجزئيات المعينة، إلى غير ذلك من أقوال النُّفاة الذين قالوا فيها نظيرَ قولِهم في واجب الوجود، فلم
стр. 220
يصفوه إلا بالسُّلُوب، حتى جعلوا الوجود الواجب الذي هو أحق الموجودات بالكمال الوجودي إنما يوصف بالسلوب التي تجعله في حَيِّز الممتنعات التي تُقَدَّر في الأذهان، ويمتنع وجوده في الأعيان، كقولهم: إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق المقيد بالنفي عن كل الإثبات، مع علمهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، وهذا قول أهل الإحاطة (١)، [م ٥٥] وقول طائفة من الباطنية القرامطة. وقولُ ابن سينا وغيره: إنه الوجود المقيَّد بسَلْب كلِّ حقيقة، فجعله مشاركًا للموجودات الممكنة في مسمى الوجود، وهي تمتاز عنه بأمور وجودية، وهو لا يمتاز عنها إلا بأمور عَدَمية، والوجود أكمل من العدم، فلازمُ قوله أن يكون وجود كل ممكن ــ حتى البعوضة ــ أكمل من وجود واجب الوجود.
وأيضًا: فإن المشتركين في أمر ثُبوتيّ لا يتميز أحدُهما عن الآخر لمجرد أمرٍ عدمي، ولهذا يقولون: إن الفصول والخواص التي تميز بين الأنواع لا تكون عدمًا محضًا، بل لابدَّ أن تتضمن ثبوتًا؛ لأن العدم المحض لا يميز أحد المشتركين في الوجود عن صاحبه. وقد بُسِط الكلامُ على هؤلاء في غير هذا الموضع (٢)، والمقصود هنا أن تعرف مراد الناس بلفظ النفس والروح.
وكذلك «القلب» يراد به المُضْغة الصَّنَوْبَرية الشكل التي في الجسد مجرَّدةً، والبهيمةُ لها قلبٌ بهذا المعنى.
стр. 221
ويراد به هذه المضغة مُقيَّدةً بالروح، ومنه قول النبي ﷺ : «ألا إنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب» (١).
كما في الحديث الآخر: «إذا أصبح ابنُ آدم فإنَّ الأعضاء كلَّها تُكفِّر اللسان ــ أي تخضع له وتذل ــ تقول له: اتَّق الله فينا، فإنك إذا استقمتَ استقمنا، وإن اعوجَجْتَ اعوجَجْنا» (٢).
وفي حديث آخر: «لا يستقيمُ إيمانُ عبد حتى يستقيمَ قلبُه [ولا يستقيمُ قلبُه] حتى يستقيمَ لسانُه» (٣).
فاستقامة القلب واللسان تتضمن استقامة الروح والبدن جميعًا؛ فإن البدن مقترن بالروح، فلا يحصل للبدن عمل اختياري إلا بمشاركة الروح، ولهذا ضرب لهما المَثَل في الحديث المأثور عن ابن عباس، رواه ابن منده في
стр. 222
«كتاب الروح والنفس» (١)
قال: «لا تزال الخصومةُ بين الناسِ حتى يختصمَ الروحُ والبدنُ، فيقول الروح للبدن: أنت أكلتَ وشربتَ ونكحتَ. فيقول البدن: أنتَ أمرتَ. فيُبعث مَلَك يحكم بينهما، فيقول: مثلكما مثل أعمى ومُقعد دخلا بستانًا، فقال المقعد للأعمى: إني أرى ثمرًا لكن لا أطيقُ قطافه، فقال الأعمى: لكني أقدر أن أقطفه إلا أني لا أراه، فقال له المقعد: تعال فاحملني حتى أعلمك به، فحمله فجعل المقعد يقول للأعمى: خذ هذا، اقطف هذا [م ٥٦] فقطفه. فعلى مَن العقوبة؟ فقال: عليهما جميعًا، فقال: كذلك الروح والبدن» (٢).
إذا تبين ما أشرنا إليه مِن ترتيب السلوك ومِن معنى النفس والروح فقول
стр. 223
القائل: «أول منزل يطؤه المحب للترقِّي منه إلى العَليّ فهو النفس، فيشتغل بسياستها إلى أن يعرفها، فهناك يُشرق عليه نورُ القلبِ فيشتغل بسياسته ومعرفته، فإذا صحَّ له ذلك رُقِّي إلى المنزل الثالث وهو الروح» (١).
يقال له: إن أراد بالنفس والقلب والروح هنا ذات لها صفات متعددة فهذا صحيح.
فأما تقديم مسمَّى النفس على القلب ومسمَّى القلب على الروح فهذا أمرٌ اصطلاحي، ففي كلام الله ورسوله لا أصل لهذا الترتيب، بل القلب يوصَف بالصلاح تارة وبالفساد أخرى، لما في الحديث المتفق على صحته: «ألا وإنَّ في الجَسَد مُضغة ... » وقد ذكرناه (٢).
وكذلك لفظ «النفس» تُمْدَح تارة وتُذَم: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، وقالت امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].
وكذلك لفظ «الروح» كما في حديث قَبْض الروح: «اخرجي أيتها الروحُ الطيبة كانت في الجسد الطيب» (٣)، ويقال: «اخرجي أيتها الروحُ الخبيثة كانت في الجسد الخبيث». وفي «الصحيح» (٤): «الأرواحُ جنودٌ مُجنَّدةٌ، فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تناكَرَ منها اختلف».
стр. 224
وأما إن أُريد بالنفس والروح ذاتان كلٌّ منهما قائمة بنفسها غير الأخرى وراء هذا البدن؛ فهذا غلط.
وهذا الترتيب إذا قيل: هو ترتيب صحيح، كان هذا مختصًّا باصطلاح معيَّن ليس هو أمرًا علميًّا، ولا هو عامًّا في حقِّ كلِّ سالك.
وإذا قيل: يُرادُ بالنفس ذات الأخلاق الفاسدة، ويُراد بالقلب ذو الإيمان والإرادات الصالحة، ويراد بالروح ذو المعرفة واليقين، فهذا أمر اصطلاحي، ومع هذا فقد يحصل للإنسان أنواعٌ من المعارف واليقين مع وجود نوع من الهوى والذنوب، وقد يحصل له أنواعٌ من الإيمان والأعمال الصالحة مع وجود نوعٍ من الإرادات الفاسدة.
فمذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسلف الأمة وأئمتها: أن الشخصَ الواحدَ يجتمع فيه ما يحبه الله من الحسنات، [م ٥٧] وما يبغضه من السيئات، ويكون مُطيعًا مِن وجهٍ عاصيًا من وجهٍ، برًّا من وجهٍ فاجرًا مِن وجهٍ، مستحقًّا للثواب من وجهٍ وللعقاب من وجهٍ، فيه إيمانٌ مِن وجهٍ وفيه فسق بل ونفاق مِن وجهٍ (١).
وإنما يقول: «لا يجتمع هذا وهذا» الوعيديَّةُ من الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون: ما ثَمَّ إلا مؤمن مستحقّ للثواب لا يُعاقب بحال، أو مخلَّد في النار لا يخرج منها بشفاعةٍ ولا غيرها، ومَن فيه فجور فليس معه من الإيمان عندهم شيء.
стр. 225
وكانت الخوارج تقول: مَن لم يكن برًّا قائمًا بالواجبات تاركًا للمحرمات فهو كافر. فلما مات الحسن البصري صار طائفة ممن كان يصحبه كعَمْرو بن عبيد يقولون: هو فاسق لا مؤمن ولا كافر، وهو مخلَّد في النار، واعتزلوا الجماعةَ فسُمُّوا معتزلة.
وكان قد صَحِبَه طائفة أخرى من النُّسّاك منهم عبد الواحد بن زيد (١)، واختار طريقةً من النُّسُك هو وأتباعه، واتخذوا دُوَيرةً، وهم أول من اعتزل الناس من الصوفية (٢).
ولهم أيضًا طريقة بعضها حقّ وبعضها مذموم، لكنهم أقرب من عَمْرو بن عبيد وأتباعه (٣).
وأما الأئمة من أصحاب الحسن كأيوب السَّخْتِيَاني، وثابت البُنَاني، وعبد الله بن عون، وغيرهم، فهؤلاء سالمون مما يُذم (٤) ممن رُمي ببدعةٍ من أصحابه.
وكان الحسن جليل القدر في العلم والعمل، فكان يسوس الناس في حياته، فلما مات صار بعضُهم يأخذ ما يوافق هواه من كلامه، ويدع ما لا
стр. 226
يوافق هواه. فصار في بعضهم بدعة وتفرُّق من هذا الوجه. وكان بين هؤلاء وهؤلاء نزاع في أمور، وقد ذكر بعضَ أخبارِهم أبو سعيد بن الأعرابي فيما صنَّفه من أخبار النُّسَّاك (١). وذكر ذلك مَعْمر بن زياد الأصبهاني (٢) وغيرهما من الشيوخ الذين لهم معرفة وتحقيق.
وأما قوله: «حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه بروزًا لا يعقل فيه شيئًا مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة، فهناك يهيم ما شاء الله» (٣).
فهذا كلام مَن يصف حالَ بعضِ الناس، ولعله يصف سلوكَ نفسِه، وإلا فمعلوم أن جماهير أولياء الله السالكين لا يهيمون، ولا يزول عنهم عقل ما كانوا عليه. والسابقون الأوَّلون [م ٥٨] من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا هائمين في طريقهم، ولا مسلوبي عقلٍ في سلوكهم، بل كانوا مؤيَّدين بالعقل واليقين والمعرفة، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ فيهم: «كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقَها عِلْمًا وأقلَّها
стр. 227
تكلُّفًا» (١).
وكذلك مَن بعدهم مِن المشهورين مثل: سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، وعامر بن عبد القيس، وأُوَيس القَرَني، وأبو مسلم الخولاني، ومُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، ومن بعد هؤلاء ممن جمع الناسُ أخبارَهم في كتب الزهد؛ مثل كتاب «الزهد» للإمام أحمد وغيره ممن صنف أخبار الزُّهَّاد على الأسماء، مثل «حِلْية الأولياء» لأبي نعيم، و «صفوة الصفوة» لابن الجوزي. وكتاب «الزهد» لعبد الله بن المبارك ممن صنف أخبار الزهد على الأبواب، كهنَّاد بن السَّرِي، وأَسَد بن موسى وغيرهما.
قوله: «ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين، فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية، بالإضافة إلى هذا العبد، وتضمَحِلّ جميعُ الكائنات فيه، فتارةً يشهدها فيه كما يشهد الينابيب (٢) في الهواء بواسطة الشمس، فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة لا يشهد للينابيب أثرًا. فالشمس التي يُبْصِر بها هو «العقل الضروري» بعد المادة بنور اليقين.
فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود، فتارةً يفنى وتارة يبقى، حتى إذا أُرِيد به الكمال نُودي منه نداءً خفيًّا لا صوتَ له، فيُمَد بالفهم عنهم، إلا أن الذي يشهده غير الله، ليس من الله في شيء، فهناك ينتبه من سكرته، فيقول: أي ربِّ أغثني فإني هالك، فيعلم يقينًا أنَّ هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله، فحينئذٍ يقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه
стр. 228
رسول الله ﷺ : «أول ما خَلَقَ الله العَقلَ»، وفي خبر آخر: «قال له: أقبل، فأقبل ... » الحديث، فأُعْطي هذا العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود، إذ لا يقدر على حَدِّه وغايته فعَجَز عن معرفته، فقيل له: هيهات لا تعرفه بغيره، فأمدَّه الله جل وعلا بنور أسمائه، فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله، نرفع درجاتٍ من نشاء» (١).
فيقال: هذا مبنيٌّ على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى، وقد توجد طائفة [م ٥٩] من كلامهم في كتب أبي حامد وأمثاله ممن يصنفون ويَخْلِطون ذلك بما هو من أصول الفلاسفة. فإنَّ هذا العقل الذي يَدَّعونه ويَصِفونه مناقض لدين الرسل.
أما العقل الأدنى إلينا الذي يسمُّونه العقل الفعَّال، ويقولون: كل ما تحت فلك القمر من فيضه. ويقولون: إن الكتب الإلهية إنما نزلت على قلوب الأنبياء منه، وأن الكلام الذي حصل لموسى كان منه.
ثم تارة يقولون: هو جبريل الذي ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، وتارة يجعلون جبريل ما يتشكَّل في نفوس الأنبياء من الخيال، كالخيال الذي يحصل للنائم.
ولهذا يدَّعي مَن يدَّعي منهم أن الأولياء والفلاسفة أفضل من الأنبياء، حتى قال ابن عربي: إن الرسل جميعهم إنما يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، فقال: «ليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء. وما يراه
стр. 229
أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم. حتى إن الرسل لا يرونه إلا من مشكاة الولي خاتم الأولياء.
وإن كان خاتم الأولياء تابعًا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل، فإن الرسالة والنبوة ــ أعني نبوة التشريع ورسالته ــ منقطعان، وأما الولاية فلا تنقطع أبدًا. فالأنبياء مِن كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأنبياء، فكيف بمن دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعًا لما جاء به خاتم الأنبياء من التشريع؛ فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يُناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجهٍ يكون أَنْزَل كما أنه من وجهٍ يكون أعْلى.
وقال: إن النبي ﷺ لما مُثِّلت له النبوة بالحائط رأى نفسَه تنطبع في موضع لبنة، وأما خاتم الأولياء فيرى نفسه تنطبع في موضع لبنتين، فإنه موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره وما سمعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السِّرِّ ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلابدَّ أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول (١).
وهذا يقوله مَن يقوله بناءً على أصله الفاسد، وهو الفلسفة التي أخرجها في قالب التصوف والكشف، فإن المَلَك عندهم هو الخيال الذي يتشكَّل في نفس النبي وغيره، فتلك [م ٦٠] الخيالات هي ملائكة الله عندهم, والخيال
стр. 230
المطابق يستمدّ من العقل، والولي والفيلسوف عندهم يأخذ من العقل الممد للخيال، فلهذا صار النبي الذي يأخذ من المَلَك أنقص عندهم من الولي الذي يأخذ من فوق المَلَك.
وهؤلاء يجعلون خاصة النبوة هي التخييل، كما يقول ذلك الفارابيُّ (١) وغيره، وابنُ سينا وأتباعُه، وإن كانوا أقرب الفلاسفة إلى الإسلام، فهم وأمثالهم من الملاحدة كالسهروردي المقتول وغيره يجعلون النبوة لها ثلاث خواص: قوة العلم بِسُرعة ــ ويسمونها القوة القدسية ــ، وقوة التأثير في العالم، وقوة التخييل، وهو أن يرى ويسمع في نفسه ما يمثّل له من المعاني العقلية. وكل ما يراه ويسمعه الأنبياء إنما هو في أنفسهم عندهم لا في الخارج.
وقد وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها (٢) ومَن تَبِعَه كلامُ هؤلاء بعبارات أخرى، يظنُّ مَن لم يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة الفلسفة أن هذا كلام خواص أولياء الله العارفين، وإنما هو كلام الفلاسفة الملحدين، الذين هم في الإيمان بأصل النبوّة أبعد عن الإيمان من اليهود والنصارى، لكنهم يقرُّون بنبوّة محمد ﷺ وغيره (٣).
стр. 231
وقد يقولون: إن النبوَّة مكتسبة، وإنها لم تنقطع، وربما جعلوا الفلاسفة المشهورين من اليونان أهل مَقْدونية كسقراط وأفلاطون وأرسطو ونحوهم أنبياء! وقد يظنون أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو الإسكندر الذي كان في زمن أرسطو، وهذا من جهلهم بالسمعيات والعقليات، فإن الإسكندر الذي كان في زمن أرسطو هو الذي تؤرِّخ له اليهود والنصارى، ويُقال له: ابن فيلبس المَقْدوني (١) كان قبل المسيح بنحو ثلثمائة سنة وهو زمن أرسطو، وكان مُشْركًا هو وقومه أهل شركٍ وسحرٍ، ولهم كتب في الشرك والسحر قد عُرِّبت يعرفها من يعرفها، وهذا الإسكندر لم يذهب إلى بلاد الترك، وإنما انتهى إلى خراسان، فضلًا عن أن يبني السَّدّ.
وذو القرنين المذكور في القرآن كان قد بلغ مشارقَ الأرض ومغاربها، وبنى السدَّ كما أخبر الله تعالى (٢)، والسدُّ من أقصى بلاد المشرق والشمال
стр. 232
في مهبِّ الصَّبا (١)، وكان متقدمًا على ذلك.
[م ٦١] ولهم إسكندر آخر يقال له: الأفروديوسي (٢)، هو من أتباع أرسطو هو وبُرقلس وثامسطيوس (٣) ونحوهم ممن اتبع أرسطو وشَرَح تعاليمَه وقال بِقِدَم هذه الأفلاك.
فإنه يقال: أوَّل من أظهر هذا القول من هؤلاء الفلاسفة أرسطو. وأمَّا الذين قبله كأفلاطون وسقراط (٤) ونحوهما فكانوا يقولون بحدوث الأفلاك، ولكن يقولون بأنه حادث عن مادة، وهل المادة قديمة العين أو قديمة النوع؟ لهم في ذلك كلام وأقوالٌ ليس هذا موضعها (٥).
ولهذا توجد مقالات أئمة الفلاسفة الكبار الذين كانوا من الصابئة الحنفاء لا تخرج عن أقوال الأنبياء؛ فإن الصابئة في الأصل كانوا على هدى، كما كانت اليهود والنصارى. ولهذا ذكر الله أن في هذه الطوائف سُعداء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
стр. 233
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فدلَّ هذا على أن هذه الملل الأربعة (١) كان فيها مَن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحًا، وأنهم سعداء في الآخرة، ثم لمَّا بعث الله محمدًا ﷺ كان مَن كفر به منهم ومِن غيرهم شقيًّا معذَّبًا.
بخلاف المجوس والمشركين؛ فإن الله ذكرهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، فهنا ذكر الملل الستّ ليبين أنه يفصل بينهم يوم القيامة، ولم يُثنِ عليهم، فلم يثن سبحانه على أحدٍ من المجوس والمشركين، كما أثنى على بعض الصابئين واليهود والنصارى، وهذا مما استدلَّ به جمهور العلماء على أن المجوس ليسوا أهل كتاب، فلا تُباح ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، إذ لو كانوا أهلَ كتابٍ لكان فيهم من يُثني الله عليه، كما كان في اليهود والنصارى.
والمقصود هنا أن الصابئين فيهم مَن يُحْمَد وفيهم مَن يُذَم، فالمحمود مِن الصابئين لم يخالفوا الأنبياء، والفلاسفة المحمودون إذا لم يكونوا مِن اليهود والنصارى والمسلمين هم مِن هؤلاء الصابئين.
بخلاف الفلاسفة المذمومين، فإنهم مشركون سَحَرة كأرسطو وأتباعه وأمثالهم، فإنهم أهل شرك وسحرٍ، ولهذا ليس في كتب أرسطو ذكر الأنبياء بحرفٍ واحدٍ [م ٦٢] ولا في كتب العلم الإلهي إلا ما ذكره في «أثولوجيا» (٢)
стр. 234
وهو علم ما بعد الطبيعة، وهو كلامٌ قليل الفائدة، كثير الخطأ، قد بُسِط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع.
بخلاف كلام أرسطوا في الطبيعيات، مثل كتاب «السماع الطبيعي»، وكتاب «السماء والعالم»، و «الآثار العلوية»، و «المولدات» ونحو ذلك، فهذا فيه صواب كثير وفيه أيضًا خطأ.
وكلامه في المنطق بعضُه صواب، لكن فيه تطويل لا يُحتاج إليه، وبعضه خطأ. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (١).
والمقصود هنا أن ما يُثبته هؤلاء من العقول العشرة مما يُعْلَم بالاضطرار أنهم مخالفون (٢) لدين المرسلين: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم صلى الله عليهم أجمعين، كقولهم: إنَّ العقل الأول أبدع كلّ ما سوى الله، وأنه وما سواه لازمة معلولة لذات الله أزلًا وأبدًا، فإن هذا وهذا شرٌّ من قولِ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، وأن المسيحَ ابنُ الله، والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، فإن أولئك يقولون: إن الله خالق كل ما سواه، ويثبتون نوعًا من التولُّد.
وأما هؤلاء فيقولون: العقول والنفوس وكلّ ما سواه متولِّد عنه لازمٌ
стр. 235
لذاته أزلًا وأبدًا ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠].
وهؤلاء يجعلون العقول كالذكور، والنفوس كالإناث، وهم متنازعون في النفوس الفلكية هل هي أعراض أو جواهر، فجمهورهم يقول: هي أعراض، ولكن ابن سينا وطائفة قالوا: هي جواهر كنفوس الآدميين.
وهؤلاء المتأخرون كابن سينا وأتباعه خَلَطوا الفلسفة بما أخذوه من كلام المتكلمين الجهمية من المعتزلة وغيرهم، وسلكوا في إثبات الأول طريقة الوجود، وقالوا: الوجود إما واجب وإما ممكن، ولا بدَّ للممكن من واجب، أخذوا ذلك من قول هؤلاء المتكلمين: إن الموجود إما قديم وإما مُحْدَث، ولا بُد للمحدَث من قديم.
وإلا فأئمتهم كأرسطو وأتباعه لم يثبتوا الأول إلا بالحركة الفلكية فقالوا: هي حركة شَوْقية (١) إرادية، فلابدَّ لها من مراد تُحِبّ التشبُّه به، وهو يُحركها حركة المعشوق لعاشقه.
وهذا الكلام ليس فيه إثبات أن واجب الوجود علة فاعلة لما سواه، وإنما فيه أنه عِلة غائية بمعنى [م ٦٣] التشبُّه به، ولهذا قالوا: الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة (٢).
والمتقدِّمون لم يُسَمُّوه واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود، وإنما
стр. 236
سموه: العِلَّة الأولى والمبدأ، والممكن عندهم لا يقال إلا للمحدَث الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه، فأما ما كان دائمَ الوجود كالفلك عندهم فلا يسمُّونه ممكنًا، وإنما هذا اصطلاح ابن سينا وأتباعه (١).
ثم إنَّ كثيرًا من متأخري المتفلسفة ومَن خَلَط بالفلسفة كلامه، مِن المتكلمين والمتصوِّفة كالسَّهْروردي المقتول والرازي والآمدي يوافقونه على هذا، ويسلكون في إثبات واجب الوجود هذه الطريقة، وربما جعلوها أشرف الطرق، وأن غيرها يحتاج إليها، والأمر بالعكس كما قد بُسِط في غير هذا الموضع.
وأبو البركات (٢) صاحب «المعتبر»، وابن رشد الحفيد وأمثالهما يوافقونه تارة ويخالفونه أخرى، وهما أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأصحاب رسائل حيِّ بن يقظان (٣) وغيرهم نَسَجوا على هذا المنوال لكن بعبارات أخرى.
وابن سبعين بعدهم سلك مسلَكَهم، وانتهى هو وابن عربي الطائي وأمثالهما إلى القول بِوَحْدة الوجود، وهؤلاء يعكسون دين الإسلام، فكل مَن كان أقرب إلى الرسول كان عندهم أنقص، فأنقص المراتب عندهم مرتبة
стр. 237
أهل الشريعة أصحاب الأمر والنهي، ثم مرتبة المتكلم على طريقة الجهمية أو المعتزلة ومَن تلقى عنهما، ثم مرتبة الفيلسوف، ثم مرتبة الصوفي المتفلسف ــ ليس هو الصوفي التابع للكتاب والسنة ــ ثم مرتبة المُحَقّق صاحب القول بوحدة الوجود.
وقد بسطنا القول على هؤلاء وعلى هؤلاء وأمثالهم من المتفلسفة والاتحادية والمتكلمة والمتصوفة الذين دخلوا معهم (١). والمقصود هنا التنبيه على ما دخل في كلام صاحب الحِزْب وأمثاله مِن كلامهم.
وهؤلاء قد يسمون العقلَ القلمَ، ويسمون النفسَ الفلكية اللوحَ، ويدَّعون أن ذلك هو اللوح المحفوظ في كلام الله ورسوله، ولهذا يدَّعي أحدهم أنه اطلع على اللوح المحفوظ، وأنه أخذ مريديه من اللوح المحفوظ.
وفي كلام صاحب «الحزب» وغيره من ذلك (٢). وأخذوا ذلك من كلام
стр. 238
أبي حامد الغزالي في «ميزان العمل» و «جواهر القرآن» و «المضنون به على غير أهله»، وغير ذلك (١). فإنه يجعل اللوحَ عبارة عن النفس، ويجعل الفَلَك عبارة عن العقل الأول، كما يجعل المُلك والمَلَكوت والجبروت عبارة عن الجسم والنفس والعقل. وصاحب «الحزب» دخل في هذا الباب، كما دخل فيه ابن عربي وغيره (٢).
ولهذا قال عن العقل: «ثم يُمده الله بنور العقل الأصلي فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد وتضمحل جميع الكائنات فيه» (٣). وهذا باطل فليس جميع الكائنات [م ٦٤] في هذا العقل، ولا حقيقة لهذا العقل، بل ولا هي في مَلَك من الملائكة.
وكذلك قوله: «فتارة يفنى وتارة يبقى حتى إذا أُريد به الكمال نودي منه نداءً خفيًّا بلا صوت معه» (٤). كلام باطل من جنس قول الذين قالوا: إن موسى نُودي من العقل الفعَّال نداءً لا صوت معه، ولهذا كان بعض هؤلاء يدَّعي أنه أفضل من موسى.
وصاحبُ «مشكاة الأنوار» (٥) ذكر ما يناسب قول هؤلاء، وأنَّ العبد قد يُنادى كما نُودي موسى، وأنه إذا خلع النعلين اللتين هما الدنيا والآخرة حصل له من جنس ما حصل لموسى. ومن هنا دخل صاحب «خَلْع النعلين»
стр. 239
ابن قَسِي (١)، ودخل في أمور مِن الخيالات الباطلة، وشرح ابن عربي كلامَه (٢)، فتارةً يعظِّمه وتارة يبالغ في ذمه والدق عليه، وكلامه ما كان فيه من حق أخذه من كلام الأنبياء وادَّعاه كشفًا لنفسه، وما كان فيه من خيال باطل فهو مِن نفسه.
وأما قوله: «إن الذي تشهده غير الله، ليس من الله في شيء» (٣). فهكذا يقول المتفلسفة: إن العقل غير واجب الوجود، ولكنَّ أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين الذين يقولون: «الوجود واحد» لهم هنا اضطرابات؛ فتارة يفرقون بين الوجود والثبوت كابن عربي، وتارةً يفرقون بين الإطلاق والتعيين كالقُوْنَوي، وتارةً يجعلون الواجب والممكن كالمادة والصورة، وكلامُ ابن سبعين يُشْبه هذا، ولهذا يقول: فهو في الماء ماء وفي النار نار، وفي الحُلْو حُلْو، وفي المُرِّ مُرّ.
وصاحبُ «الحزب» قد يقال: إنه ليس هو من القائلين بالوحدة والحلول
стр. 240
العام، لكن في كلامه نوعٌ من الحلول الخاص، وقد يقال: إنه من أهل الحلول العام (١)، ولهذا قال بعد هذا: «فيقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «أول ما خلق الله العقل»، وفي خبرٍ آخر: «قال له: أقبل فأقبل ... » الحديث» (٢).
فيقال: هذا الحديث كذبٌ موضوعٌ على النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم بن حِبَّان، وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما (٣)،
ولكن هؤلاء ينقلونه من كتب أبي حامد وأمثاله ممن ينقل هذا
الحديث من كتب «رسائل إخوان الصفا» (١) ونحوهم ممن يريد أن يحتجّ على قول هؤلاء المتفلسفة الملاحدة بالنصوص النبوية، ويقول: إنه يجمع بين [م ٦٥] أقوال الأنبياء وبين أقوال هؤلاء المتفلسفة الملاحدة وهيهات، فإن دين اليهود والنصارى أقرب إلى دين الإسلام من دين هؤلاء المشركين الصابئين الذين يعبدون الكواكب والأصنام، وهم مِن أشد الناس كفرًا برب الأنام.
وإن كان لهم معرفة بأمور دنيوية كالحساب والطب، فهذا نوع آخر غير معرفة الله ومعرفة كتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر. ومن المعلوم أن كون اليهودي والنصراني حاذقًا في طبٍّ أو حسابٍ أو كتابة أو فلاحة أو حياكة أو بناء أو غير ذلك= لا يوجب أن يكون حاذقًا في معرفة الله ودينه، فكيف بهؤلاء الذين هم أجهل بالله وبدينه من اليهود والنصارى؟ ! إلا مَن كان منهم مع إظهاره لليهودية والنصرانية فإنه قد جمع نوعَي الكفر.
وهذا الحديث الموضوع لفظه: «أول ما خلقَ الله العقلَ قال له: أقْبِل فأَقْبَل». فهو لو كان حقًّا إنما فيه أن الله خاطب العقل في أول أوقات خلقه بهذا الخطاب، وهذا يدل على أنه خَلَق قبلَه غيرَه، وهذا يناقض قولهم. وفيه أنه وصفه بالإقبال والإدبار، وذلك ممتنع عندهم. وفيه أنه قال له: «فبِكَ آخذ
стр. 243
وبك أُعطي، وبك الثواب وبك العقاب»، وعندهم أنه مُبْدِع لجميع الكائنات.
والحديث مقصودُه أن الله لما خلقَ العقلَ الذي في بني آدم، والعقل في لغة المسلمين عَرَض من الأعراض ليس هو جوهرًا قائمًا بنفسه. فالحديث لو كان صحيحًا لم يدل إلا على ضدِّ قولهم، فهم جُهَّال بسنده ومتنه.
وأما قوله: «فأمدّه الله بنور الروح الرباني ، فعرف به هذا الموجود، فرقّي إلى ميدان الروح الرباني، فذهب جميع ما تحلَّى به هذا العبد تخلَّى عنه بالضرورة وبقي كلا شيء موجود، ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني. فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول: هو الله، فلحقته العناية الأزلية فنادته: ألا إنّ هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه، ولا أن يعبِّر عن شيءٍ من صفاته لغير أهله، لكن بنورِ غيره يعرفه» (١).
فيقال: هذا بناه على ترتيبه، أنه جعل النفس ثم القلب ثم العقل ثم الروح، وهذا ليس من المتفلسفة، فإنه ليس عندهم وراء العقل الأول غير الواجب، ولكنه في كلام طائفة من متأخّري [م ٦٦] الصوفية، وأرادوا أن يجمعوا بين ما جاء من كلام الأنبياء وكلام الفلاسفة، فسمعوا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] فقالوا (٢): هذا الروح فوق الملائكة، والملائكة هي العقول، فيكون هذا الروح غيرها.
стр. 244
ثم إنهم خلطوا الكلام في هذا الروح بروح ابن آدم، ولهذا قال: «فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول: هو الله، فلحقته العناية الأزلية فنادته: ألا إنَّ هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه، ولا أن يعبِّر عن شيء من صفاته لغير أهله».
وهم يحتجون على هذا بقوله: ﴿الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. وفي كلام صاحب «الإحياء» وأمثاله طرف مِن هذا، والقرآن ليس فيه النهي عن وصف روح ابن آدم، ولا النهي عن التعبير عن شيءٍ من صفاتها، بل الأحاديث والآثار مملوءة من وصف الروح، وأنها تصعد وتنزل، وتكون طيبة وخبيثة، ومنعَّمَة ومعَذَّبة، وأنها تسمع وتبصر وتتكلم، وغير ذلك من صفاتها المذكورة في الأحاديث النبوية والآثار السلفية.
وأما قوله: «فأمدَّه بنور سرِّ الروح فإذا هو قاعد على باب ميدان السر، فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السرِّ، فرفع همَّتَه ليعرف هذا الموجود الذي هو السر، فعمي عن إدراكه، فتلاشت جميعُ أوصافه، كأنه ليس بشيء» (١).
فيقال: هذا مبنيٌّ على إثبات ما بعد الروح وهو السر، وآخرون يقولون: سر السر. وهم إن (٢) عَنوا به صفات روح الإنسان كان ممكنًا، وإن عَنوا به جوهرًا ثابتًا، فهذا باطل. ثم إنه يريد أن يثبت في العالم شيئًا آخر وهو سرُّ
стр. 245
الروح مطابقًا لسرِّ الإنسان، كما صنع في النفس والعقل والروح، وهذا باطلٌ لم يقله أحد إلا بعض متأخري متفلسفة الصوفية، وهو من الخيالات التي لا منتهى لها، فإنَّ الوهم والخيال الباطل واسع، والسالك إن لم يعصمه الله بنور الإيمان والقرآن، وإلا وقع في بحر الوهم والخيال الباطل.
ولهذا كان هؤلاء يعظمون ما يعظم ابن عربي: الخيال، وهو عندهم أرض الحقيقة، ولهذا تتمثل لهم الجن والشياطين، ويقولون بالجمع بين النقيضين، وهو من باب الخيال الباطل، ويلقي إليهم الجن والشياطين كلامًا يسمعونه، وأنوارًا يرونها، فيظنون ذلك كرامات، وإنما هي أحوال شيطانية [م ٦٧] لا رحمانية، وهي من جنس السحر (١).
ويحكون في هذا: أن رجلًا نزل إلى دجلة ليغتسل لصلاة الجمعة، فخرج في النيل، وأقام بمصر عدّة سنين، وتزوج وولد له هناك، ثم نزل ليغتسل للجمعة، فخرج من دجلة، فرأى غلامه ودابته، والناس لم يُصلوا بعد تلك الجمعة!!
ومن المعلوم لكلّ ذي حسٍّ أن الشمس يوم الجمعة ببغداد ليس بينه وبين يوم الجمعة بمصر يومًا، فضلًا عن أسبوع، فضلًا عن شهر، فضلًا عن عام، فضلًا عن أعوام. ولا الشمس توقفت عِدَّة أعوام في السماء، وإنما هذا في الخيال، فيظنونه لجهلهم أنه في الخارج، كما ذكر ذلك سعيد الفرغاني (٢)
стр. 246
في «شرح قصيدة ابن الفارض» هو وأمثاله، والكلامُ على هؤلاء واسع، وإنما الغرض التنبيه على النُكَت.
قوله: «ثم أمدَّه الله بنور ذاته، فأحياه حياةً باقية لا غاية لها، فنظر جميع المعلومات بنور هذه (١) الحياة، فصار أصل الموجودات نور شائع في كل شيء، لا يُشهد غيره، فنودي من قُربٍ: لا تغتر بالله، فإنَّ المحجوب من حُجِبَ عن الله بالله، إذ محال أن يحجبه غيره، فجيء بحياة استودع الله فيه، فقال: أي ربي بك منك إليك أقِلْ عثرتي فإني أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك. فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العَليِّ الأعلى، وهو طريق المحبين أبدال الأنبياء، والذي يُعْطى أحدُهم من بعد هذا لا يقدر أحدٌ أن يصف منه ذرّة» (٢).
فيقال: بل هذه سبيل هؤلاء أبدال الفراعنة والملاحدة، والعليُّ الأعلى هو عندهم الوجود مصنوع العلم الأعلى والفلسفة الأولى. والعلمُ الأعلى عندهم هو النظر في الوجود ولواحقه، فإن سيرهم ينتهي إلى وجودٍ مطلقٍ سارٍ في الجميع، والأنبياءُ وأتباعُهم من أعظم الناس مُبَاينةً لهؤلاء، كمباينة موسى لفرعون، وإبراهيم للنمروذ، ومسيح الهدى لمسيح الضلالة.
أما قوله: «فنظر جميع المعلومات» (٣) فهذا مطابق لما يقوله بعض
стр. 247
أتباعه: أن علم العبد يطابق علمَ الرب، فيعلم العبد ما يعلمه الرب، ويَدَّعون ذلك في النبي ﷺ ثم في ناسٍ بعده، وهذا أفسد من قول النصارى الذين يخصون بذلك المسيح.
وهذا من جنس ما يذكره ابن عربي في «سلوكه» (١): أن السالك يخاطبه جميعُ النبات وجميعُ الحيوانات، بجميع ما فيها من الطبائع والمنافع، وأمثال ذلك. وكذلك (٢) [م ٦٨] يقوله في غير ذلك من الموجودات، فهؤلاء يدَّعون أن أحدهم يعلم ما يعلمه الرب، وليس مع أحدهم إلا وهم كاذب وخيال فاسد، إن كان ممن لا يتعمَّد الكذب.
وبمثل هؤلاء ضلَّ من اتبعهم حتى يقول أحدهم: [أنا] (٣) القطب الغوث الفرد الجامع، ونواصي الملوك والأولياء بيدي أُوَلِّي مَن شئتُ وأعزل مَن شئتُ، وأن الله يناجيني على مر الأنفاس، وأن مدد الملائكة مني ومدد الحِيتان (٤) مني، كما كان يقوله المستسري (٥) الذي جرى له في القاهرة ما جرى.
стр. 248
وأما قوله: «فإن المحجوب من حُجِب بالله عن الله، إذ محال أن يحجبه غيره».
فيقال: هذا من جنس كلام أهل الوحدة والحلول، فإن الاحتجاب بالله عن الله، وحَجْب اللهِ لله محال عند المسلمين، وإنما يَحجب العبدَ عن الله غيرُ الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١].
وفي «الصحيح» (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، نادى مُنادٍ: يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله موعدًا يُريد أن يُنجِزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يُبيِّض وُجوهَنا، ويُثقِّل موازينَنا، ويُدخِلنا الجنَّة، ويُنجّنا من النار؟ قال: فيُكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظر إليه» وهو الزيادة.
وفي «الصحيح» (٢) عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع (٣) كلمات، فقال: «إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القِسط ويرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قَبل النهار وعملُ النهار قَبل الليل، حجابُه النور أو النار، لو كَشَفه لأَحرَقَت سُبحاتُ وجههِ ما انتهى ــ وفي رواية: ــ ما أدركه بصرُه من خَلقِه».
стр. 249
ثم الحُجُب عند السلف وأهل الحديث وغيرهم هي حُجب الله عن العبد، وعند من يثبت رؤية الله بلا مواجهةٍ الحُجُبُ عندهم ما يقوم بالعبد من موانع الرؤية، وهي أمر عَدَمي أو عَرَض وجودي.
وأما أن الله يحجب نفسه فهذا لا يقوله من يثبت خالقًا ومخلوقًا مباينًا له، وإنما يقوله مَن يجعل الوجود واحدًا، فالحاجب والمحجوب عنده واحد، وكذلك الآكل والمأكول، والشارب والمشروب، والضارب والمضروب، والشاتم والمشتوم، والعابد والمعبود، واللاعن والملعون، وهذا قول أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما.
وكذلك قوله: «بك منك إليك» من جنس قول [م ٦٩] ابن الفارض (١):
إليَّ رسولًا كنتَ مني مرسلًا ... وذاتي بآياتي عليَّ استدلَّت
وهم يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه بنفسه، فهو المُرْسِل والمُرْسَلُ إليه والرسول، وهو المُحِبّ والمحبوب، وهو المصلِّي والمصَلَّى له!
كما قال ابن الفارض:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهدُ فيها أنها ليَ صلَّتِ
كلانا مُصلٍّ واحدٌ ساجدٌ إلى ... حقيقته بالجمع في كلِّ سجدةِ
وما كان لي صَلَّى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كلِّ ركعة
إلى قوله:
стр. 250
وما زلتُ إيَّاها وإيَّايَ لم تزل ... ولا فَرْقَ بل ذاتي لذاتي أحبَّت
وقوله:
وقد رُفِعَت تاءُ المخاطَبِ بيننا ... وفي رَفْعها عن فرقة الفرق رِفْعتي
فإن دُعِيَتْ كُنْتُ المجيبَ وإن أكن ... منادًى أجابَتْ مَن دعاني ولبَّت
وأمثال هذه الأبيات التي يذكر فيها قولهم في وحدة الوجود.
وقال ابن عربي (١): «﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]، لأن الدعوةَ إلى الله مكرٌ بالمدعوِّ، فإنه ما عدم من البداية فيدعَى إلى النهاية. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ فهذا عين المكر ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] فنبه أن الأمر له كله، فأجابوه مكرًا كما دعاهم، فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هو من حيث هويته وإنما هو من حيث أسماؤه».
وقال شاعرهم (٢):
ما بالُ عِيْسك لا يقرّ قرارها ... وإلامَ ظلك لا يَنِي مُتنقِّلًا
فلسوف تعلم أن سَيْرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغتَ المنزلا
فعندهم السير: يسير منه إليه، من الله إلى الله. وقوله: «بك منك» مطابق