لأنه ذكر من غير نسبته إلى أحد - كما جاء في إنجيل مرقس ورسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، وليس واحد من هذه الأربعة تنصرف إليه كلمة إنجيل من غير نسبته إلى صاحبه.
ولأنه ذكر في رسالة بولس إلى أهل رومية منسوبًا إلى المسيح الابن. وليس واحد من هذه الأناجيل يستحق هذا الاسم.
لهذا كله نقول: ليس هذا الإنجيل واحدًا منها كما تقضي بذلك طبيعة السياق، وكما يقضي بذلك العقل وإذا كان الأمر كذلك، فهل لنا أن نفهم أن هناك إنجيلًا أصيلًا نزل على عيسى وكرز به على حدّ تعبيرهم ووعظ ويعتبر الأصل لهذه الديانة؟ . (١)
وهل إذا وجد ذلك الإنجيل يكون حجة في أيدي المسيحيين؟
إننا نعتقد - بلا شك - أنَّه لو كان موجودًا بعينه لكان حجة في أيدي المسلمين لأنَّ منزل كل من الإنجيل والقرآن الكريم واحد وهو الله تعالى، فلا يمكن عقلا أن يختلفا أو يتناقضا. (٢)
المبحث الخامس: إنجيل برنابا
تمهيد:
لقد ظهر إنجيل جديد كشف عنه البحث العلمي، وقد حمل من الإمارات ما يدلّ على أنَّه في نشأته يمتد إلى أبعد أعماق التاريخ المسيحي، وأبعد أغواره.
وهو يشبه الأناجيل القائمة في أنَّه قصة المسيح من ولادته إلى اتهامه، ويحكي محاوراته، ومناقشاته، وخطبه، ولكن الكنيسة لم تعترف به، وأنكرته. فليس معتبرًا عند المسيحيين مصدرًا دينيًا، ولكنه متداول بين علماء الأمم الأوروبية، وقد اتجهوا إليه بالبحث والعناية، والاهتمام ولم يمنعهم من ذلك إنكار الكنيسة له وذلك الإنجيل هو إنجيل برنابا، فما هي قصته؟ (٣).
أولًا: من هو برنابا ؟
يقول قاموس الكتاب المقدس: "برنابا: اسم آرامي معناه" ابن الوعظ"، وهو لاوي
стр. 1017
قبرصي الجنس، اعتنق المسيحية في زمان الرسل فترك علاقاته العلمية وابتدأ يجاهد في نشر بشرى الخلاص في العالم، ويحث الناس على اعتناق المسيحية، ويعزيهم في مصابهم، ولذلك سماه الرسل برنابا أي ابن الوعظ بعد ما كان اسمه أولًا يوسف" (١).
وجاء ذكره في أعمال الرسل التي ينسب تدوينها إلى لوقا، فقد جاء في ٤/ ٣٦ - ٣٧: " ٣٦ وَيُوسُفُ الَّذِي دُعِيَ مِنَ الرُّسُلِ بَرْنَابَا، الَّذِي يُتَرْجَمُ ابْنَ الْوَعْظِ، وَهُوَ لَاوِيٌّ قُبْرُسِيُّ الْجِنْسِ، ٣٧ إِذْ كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ."
وقد ذهب برنابا للدعوة في أنطاكية وكان داعية ناجحًا: "٢٢ فَسُمِعَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ فِي آذَانِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَأَرْسَلُوا بَرْنَابَا لِكَيْ يَجْتَازَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. ٢٣ الَّذِي لمَّا أَتَى وَرَأَى نِعْمَةَ الله فَرِحَ، وَوَعَظَ الْجَمِيعَ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الرَّبِّ بِعَزْمِ الْقَلْبِ ٢٤ لأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَمُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالإِيمَانِ. فَانْضَمَّ إِلَى الرَّبِّ جَمْعٌ غَفِيرٌ. ٢٥ ثُمَّ خَرَجَ بَرْنَابَا إِلَى طَرْسُوسَ لِيَطْلُبَ شَاوُلَ. وَلمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ." (أعمال ١١/ ٢٢ - ٢٥).
وذكر المؤرخون أن وفاته كانت سنة ٦١ م في قبرص، حيث قتله الوثنيون رجما بالحجارة ودفنه ابن أخته مرقس الإنجيلي (٢).
فيتضح من هذا أن برنابا إما من الحواريين الإثنى عشر (٣) وإما من الرسل السبعين، ولا يحتمل وجود برنابا آخر؛ لأنه لم يرد ذكر لغير برنابا واحد في جميع المراجع، وملامحه واحدة فيها كلها. (٤)
ومهما يكن من شيء في هذا الأمر، وهو كونه من الحواريين أو ليس منهم، فإن برنابا حجة عند المسيحيين، وهو من الملهمين في اعتقادهم، فإن صحت نسبة هذا الإنجيل إليه كان ما
стр. 1018
يشمله حجة عليهم، يدعوهم إلى أن يوازنوا بين ما جاء فيه وما جاء في غيره من كتبهم، ويؤخذ بما هو أقرب إلى التصور والتصديق، وأصح سندًا، وأقرب بالمسيحية الأولى رحمًا. (١)
ثانيًا: التعريف بإنجيل برنابا:
لقد أسهب مترجم إنجيل برنابا في الحديث عن تاريخ هذا الإنجيل ومدى صحة نسبته إلى مؤلفه، ومن خلال هذه المقدمة نستطيع استنتاج الآتي:
(أ) النسخة الإيطالية:
اتفق المؤرخون على أن أقدم نسخة عثروا عليها لهذا الإنجيل، نسخة مكتوبة باللغة الإيطالية، عثر عليها كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا، وذلك في سنة ١٧٠٩، وقد انتقلت النسخة مع بقية مكتبة ذلك المستشار في سنة ١٧٣٨ م إلى البلاط الملكي بفينا، وكانت تلك النسخة هي الأصل لكل نسخ هذا الإنجيل في اللغات التي ترجم إليها. (٢)
وغني عن البيان أن هذه النسخة الإيطالية مترجمة عن اللغة التي كتب بها في الأصل هذا الإنجيل، فإذا صح أن مؤلفه هو برنابا فإن من الراجح أن يكون قد كتبها بإحدى اللغات الثلاث التي كانت المؤلفات الدينية وغيرها تدون بها في عصره وفي بيئته وهي اللغات العبرية والآرامية واليونانية ولا يمكن أن يكون قد كتب في الأصل بالإيطالية لأنها لغة حديثة لم يتم تكونها وانشعابها عن أمها اللاتينية إلا حوالي القرن السادس عشر الميلادي. (٣)
(ب) النسخة الأسبانية:
ولكن في أوائل القرن الثامن عشر، أي في زمن مقارب لظهور النسخة الإيطالية وجدت نسخة أسبانية ترجمها المستشرق سايل إلى اللغة الإِنجليزية، ولكن لم يعلم من تلك النسخة وترجمتها إلا شذرات أشار إليها الدكتور هوايت في إحدى الخطب، . . .، ولقد رجح المحققون أن النسخة الإيطالية هي الأصل للنسخة الأسبانية، وذلك أنها قد قدمت بمقدمة تذكر أن الذي كشف النقاب عن النسخة الإيطالية التي كانت أصلًا للنسخة الأسبانية هو
стр. 1019
راهب لاتيني اسمه (فرامينو) وهذه قصته: فيقول "إنه عثر على رسائل لأيريانوس وفيها رسالة يندد فيها بما كتبه بولس الرسول. ويسند تنديده إلى إنجيل برنابا، فدفعه حب الاستطلاع إلى البحث عن إنجيل برنابا. وقد وصل إلى مبتغاه لما صار أحد المقربين إلى البابا سكنس الخامس، فإنَّه عثر على ذلك الإنجيل في مكتبة هذا البابا فأخفاه بين أردانه، وطالعه، فاعتنق الإِسلام. ويظهر أن تلك النسخة هي نفس النسخة التي عثر عليها سنة ١٧٠٩ م. (١)
ثالثًا: إلى أي حدّ تصح نسبة هذا الإنجيل إلى برنابا ؟
لقد ناقش الدكتور خليل سعادة هذا الأمر بالتفصيل في مقدمته لهذا الإنجيل وخلص إلى الآتي: "أن واضع هذا الإنجيل يهودي أندلسي تعمق في دراسة اليهودية، ثمَّ تنصر وتعمق في دراسة النصرانية، ثمَّ اعتنق دين الإِسلام وتحمس له" (٢).
"ونحن نرى أن هذه الصورة يصعب أن توجد في الخيال فهيهات أن توجد في الواقع، وأي خيال يستطيع أن يصور يهوديًّا متعمقًا في اليهودية يتنصر ويتعمق في النصرانية، ثمَّ يسلم ويتعمق في الإِسلام ويتحمس له تحمسًا يحمله على كتابة إنجيل ونسبته إلى واحد من الحواريين أو الرسل؟ إن هذا الرجل يحتاج أن يعمر عدة قرون كما يحتاج إلى وسائل غير عادية ليصل إلى هذه النتيجة، ثمَّ لماذا لم ينتقل مثل هذا الرجل مباشرة من اليهودية للإسلام كما فعل كثير من يهود الأندلس؟ الحق أن هذا التفكير يبدو مستحيلًا ومضحكًا في نفس الوقت! ! .
ونحن نسأل الدكتور سعادة: لماذا وضع هذا الرجل المسلم هذا الإنجيل؟ الطبيعي أنَّه وضعه ليحتج به المسلمون على المسيحيين في المناظرات التي كانت دائمة الوقوع بينهم، ولكن ما رأي الدكتور سعادة في أن أحدًا لم يحتج بهذا الإنجيل قط ولم يرد ذكره في تلك المناظرات الحامية كما كتب ذلك الدكتور سعادة نفسه (٣).
وكيف ينحدر إنجيل كاذب كهذا إلى مكتبة البابا، ثمَّ إلى البرنس أيوجين، ثمَّ إلى مكتبة
стр. 1020
البلاط الملكي بفينا؟ وأول من عثر عليها في خزانة كتبه رئيس ديني خطير، وكاشفها راهب وكل هذه أوساط مسيحية" (١).
"فلا مظنة لأنَّ تكون مدخولة عليهم، وهي منسوبة لقديس من القديسين هو برنابا ولم يعرف بهذا الاسم سواه، له مثل مكانته الدينية.
ولقد كان وجود إنجيل له أمرًا معروفًا بين العلماء بهذا الدين، فهذا فرامينو يقول إنه اطلع على رسالة لأريانوس يستنكر ما كتب بولس مستشهدًا على استنكاره بإنجيل برنابا، ويذكر التاريخ أن هناك أناجيل كثيرة حرمت قراءتها الكنيسة". (٢)
رابعًا: سبب كتابة برنابا لإنجيله
وقد كتب برنابا إنجيله ليكشف ما صنعه بولس كما جاء في مقدمته "إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائمًا مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم أيضًا بولس الذي لا أتكلم معه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته. . ." (برنابا: مقدمة/ ٢ - ٨).
خامسًا: أوجه الخلاف بين هذا الإنجيل والأناجيل الأخرى .
ذكر مترجمه أربعة أمور خالف فيها هذا الإنجيل الأناجيل الأربعة الأخرى:
الأوّل: أنَّه لم يعتبر المسيح ابن الله، ولم يعتبره إلها، وقد ذكر ذلك في مقدمته فقال: "أيها الأعزاء إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشؤين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائما مجوزين كل لحم نجس الذين ضل في عدادهم أيضًا بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب
стр. 1021
الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع. . ." (١)
الثاني: أن الذبيح الذي تقدم به إبراهيم الخليل ﵇ للفداء هو إسماعيل، وليس بإسحاق، كما هو مذكور في التوراة، وكما يعتقد المسيحيون، وهذا نص ما جاء في إنجيل برنابا على لسان المسيح ﵇: "الحق أقول لكم إنكم إذا أمعنتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون حيث كتبنا وفقهائنا، لأنَّ الملاك قال: يا إبراهيم سيعلم العالم كله كيف يحبك الله، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله. حقا يجب عليك أن تفعل شيئًا لأجل محبة الله، أجاب إبراهيم: ها هو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله: فكلم الله حينئذ إبراهيم قائلا: خذ ابنك بكرك واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة". (٢)
فكيف يكون إسحاق البكر، وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين؟ ! ! !
الثالث: أن مسيا أو المسيح المنتظر ليس هو يسوع، بل محمَّد، وقد ذكر محمدًا باللفظ الصريح المتكرر في فصول ضافية الذيول، وقال إنه رسول الله، وإن آدم لما طرد من الجنة رأى سطورًا كتبت فوق بابها بأحرف من نور "لا إله إلا الله محمَّد رسول الله" (٣)، ولقد قال المسيح كما جاء في إنجيل برنابا: إن الآيات التي يفعلها الله على يدي يظهر أني أتكلم بما يريد الله، ولست أحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه، لأني لست أهلًا لأحل رباطات، أو سيور حذاء رسول الله الذي تسمونه مسيا الذي خلق قبلي، وسيأتي بعدي بكلام الحق لدينه نهاية". (٤)
وقد أسهب الإنجيل في الحديث عن البشارات بمحمد خاصة في الفصلين ٤٣، ٤٤
(الرابع) أن إنجيل برنابا يبين أن المسيح ﵇ لم يصلب، ولكن شبه لهم، فألقى الله شبهه على يهوذا الإسخريوطي، ويقول في ذلك برنابا: "الحق أقول إن صوت يهوذا ووجهه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنَّه يسوع، كذلك
стр. 1022
خرج بعضهم من تعاليم يسوع، معتقدين أن يسوع كان نبيًّا كاذبًا، إنما الآيات التي فعلها بصناعة السحر، لأنَّ يسوع قال إنه لا يموت إلى وشك انقضاء العالم لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم". (١)
ثمَّ يقول: "ووبخ كثيرين ممن اعتدوا أنَّه مات وقام قائلًا: أتحسبوني أنا والله كاذبون، لأنَّ الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم. كما قد قلت لكم الحق أقول لكم أني لم أمت، بل يهوذا الخائن احذروا لأنَّ الشيطان سيحاول أن يخدعكم ولكن كونوا شهودي في كل إسرائيل، وفي العالم كله. . . لكل الأشياء التي رأيتموها وسمعتموها". (٢)
سادسًا: موقف المسلمين من إنجيل برنابا
على الرغم من موافقة إنجيل برنابا لمعتقدات المسلمين في الجملة، فإن أحدًا من المسلمين لا يعتبره الإنجيل الذي أنزله الله على المسيح.
ولم يلجأ المسلمون إلى الاستشهاد بهذا الإنجيل إلا نادرًا، وكان استشهادهم به أقرب إلى الاستئناس منه إلى الاستدلال، فالمسلمون لا يرون في هذا الإنجيل إنجيل المسيح، لكنه أقرب إلى طبيعة دعوة المسيح وتلاميذه من سائر الأناجيل.
سابعًا: موقف النصارى من هذا الإنجيل
لم تعتبر الكنيسة أيًا من رسائل أو إنجيل برنابا ضمن الكتب المقدسة، وهنا نعجب كيف اعتبرت رسائل بولس ولوقا اللذين لم يريا المسيح؟ ولم تعتبر أقوال برنابا الذي سبقهم بالإيمان وبصحبة المسيح! !
وقد صدر عام ٣٦٦ م أمر من البابا دماسس بعدم مطالعة إنجيل برنابا، ومثله مجلس الكنائس الغربية عام ٣٨٢ م، كما صدر مثله عن البابا أنوسنت ٤٦٥ م، كما وقد حرّم البابا جلاسيوس الأوّل عام ٤٩٢ م مطالعة بعض الأناجيل، فكان منها إنجيل برنابا. (٣)
стр. 1023
ثامنًا: مخالفة الإنجيل لمعتقدات المسلمين
ومما يدلّ على براءة المسلمين من هذا الإنجيل اختلافه في طريقة صياغته وأسلوبه عن طريقة العرب وأسلوبهم، فليس في المسلمين من يذكر الله ولا يثني عليه. أو يذكر الأنبياء ولا يصلي عليهم.
كما يخالف إنجيل برنابا المعتقدات الإِسلامية في مسائل منها:
١ - قوله بأن الجحيم للخطاة السبعة: المتكبر والحسود والطماع والزاني والكسلان والنَهِم والغضِب المستشيط. (انظر برنابا ١٣٥/ ٤ - ٤٤) وقد ترك ذنوبًا أكبر كالشرك والقتل، كما أن الكسِل والنهِم لا يستحقان النار.
٢ - تسمية الله "العجيب" (برنابا ٢١٦/ ٣)، وهو ليس من أسماء الله الحسنى، وأسماء الله عند المسلمين توقيفية، لا يجوز لأحد أن يزيد عليها.
وكذا قوله عن الله: "إن الله روح" (برنابا ٨٢/ ٦) والأرواح عندنا مخلوقة، ويتحدث عن الله، فيصفه أنَّه "المبارَك" (برنابا ٧١/ ١٦)، ولا يمكن لمسلم أن يقول عن الله ذلك، إذ هو الذي يبارِك، ومن ذا الذي يبارك الله جل وعلا فتبارك الله أحسن الخالقين.
٣ - ومما يرد أيضًا انتحال مسلم لإنجيل برنابا قوله: "أقول لكم إذًا: إن السماوات تسع" (برنابا ١٠٥/ ٣)، ولا يقول بهذا مسلم قرأ القرآن.
٤ - وأيضًا يذكر برنابا تسميات للملائكة لم يقل بها المسلمون، وفي ذلك ذكر اسم رفائيل وأوريل في قوله: "أمر جبريل وميخائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم. . . فجاء الملائكة الأطهار" (برنابا ٢١٥/ ٤ - ٥).
٥ - ثمَّ قد ورد اسم الرسول "محمَّد" خمس عشرة مرة في إنجيل برنابا، ولم يرد اسمه "أحمد" مرة واحدة، ولو كان الكاتب مسلمًا لعمد إلى كتابته - ولو مرة واحدة ليحقق التوافق الحرفي مع ما جاء في سورة الصف ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
стр. 1024
٦ - ثمَّ لو كان كاتبه مسلمًا لكتب معجزة كلام المسيح في المهد التي ذكرها القرآن وأغفلتها الأناجيل، وغير ذلك من المسائل التي تثور في وجه من يقول بانتحال مسلم لهذا الإنجيل. (١)
٧ - ذكره أن مريم العذراء وتلاميذ المسيح ﵇ ركعوا أمام الملائكة المقربين، ولا يمكن أن يكتب هذا مسلم.
٨ - أنَّه يبشر بدوام الصلاة، ويصفها كما وردت في العهد الجديد بأنها أدعية بدون تحديد لركوع، أو لسجود، وذلك يوضح أنَّه لم يعلم بشريعة النبي محمد ﷺ ، وهذه الأمور معلومة من دين الإِسلام بالضرورة.
٩ - يصف الصيام بأنّه غير محدود الأيام، وأنه من نجمة الصباح إلى نجمة المساء، بينما في الشريعة الإِسلامية قد فرض الصوم شهرًا كاملًا يمتنع فيه المسلم عن شهوتي البطن والفرج من الفجر إلى المغرب.
١٠ - ويأمر برنابا في إنجيله بقتل القاتل والسارق والزاني، أما في الشريعة الإِسلامية فهي تنص صراحة على قتل القاتل عمدا وقطع يد السارق، ورجم الزاني المحصن، وجلد الزاني غير المحصن.
١١ - يقول برنابا في إنجيله: "إن الله لم يرسل رسولًا للجن، وهذا يصدق قبل رسالة محمَّد ﷺ ولكنه لا يصدق بعدها لأنه ﷺ بعث إلى الثقلين الإنس والجن، قال تعالى: " ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ".
١٢ - يذكر إنجيل برنابا أن الذين يحرسون النار شياطين، بينما حراس النار في القرآن الكريم ملائكة، قال تعالى: " ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] " وذلك يدلّ على أن كاتب هذا الإنجيل لم يطلع على القرآن الكريم ولم يكن متعمقا في إسلامه وإلا ما قال ذلك.
١٣ - لم يذكر برنابا في إنجيله أن المسيح ﵇ خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله ولا أنه ﵇ أخبرهم بما يخبئون في بيوتهم، ولو أن مسلما أراد أن يزور إنجيلا لبدأ بالأسس
стр. 1025
التي أوضحها القرين عن عيسى ﵇.
١٤ - جاء فيه أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم قبل أن ينفخ فيه الروح، والقرآن الكريم يصرح بأنهم أُمروا بالسجود له إلا بعد نفخ الروح فيه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]. (١)
تاسعًا: حال هذا الإنجيل كحال بقية الأناجيل
وحين يدفع المسلمون القول بأن إنجيل برنابا منحول، ليس لجزمهم بصحة نسبة الإنجيل إلى برنابا، بل لجزمهم بأن هذا الإنجيل لا يقل حاله بحال من الأحوال عن سائر أسفار العهد القديم والجديد.
ويوافق المسلمون النصارى في اعتراضهم على هذا الإنجيل، ودعواهم بأنّه لم يصل بطريق موثق، وأنه لا يعلم أصله، لكن الحال الذي ينكرونه في إنجيل برنابا هو حال كل صحيفة من صحائف الكتاب المقدس.
بل إن لإنجيل برنابا مزية على سائر الأناجيل، فقد صرح فيه الكاتب أنَّه برنابا، ويقول عن نفسه في سائر صفحات الإنجيل: فقال لي برنابا، وقلت للمسيح. . . .، بينما لا تجد مثله في سائر الأناجيل (انظر متى ٩/ ٩) و (يوحنا ٢١/ ٢٤).
وأما عن أخطاء الإنجيل التاريخية أو ذكره تسمية "جبل طابور" (برنابا ٤٢/ ٢٠) وهي تسمية غير معهودة أيام المسيح، فهذا لا يختلف أبدًا عن ذكر حبرون في عهد موسى، وقد سميت بعده (انظر التكوين ١٣/ ١٨).
ولعل هذه التسمية الجديدة - إن صحت جدتها - من عمل الناسخ وتدخله في النص.
ثمَّ إن أسلوب الكاتب ومعلومات الإنجيل يؤكدان بأن الكاتب ضليع في علوم الكتاب المقدس، متصف بعمق واسع يليق ببرنابا داعية النصرانية في الجيل الأوّل، فليس بمستغرب أن يكون قد كتب إنجيلًا، ومنع قراءته دليل وجوده بل واشتهاره.
стр. 1026
وأما مخالفة الإنجيل للحقائق التاريخية فلكونه عملًا بشريًا، ولا حرج في ذلك، إذ أن النصارى ينسبون مثل هذه المخالفات إلى أسفار الوحي.
وقول برنابا: "الكذب فضيلة" لا يختلف كثيرًا عن قول بولس عن نفسه بأنّه روماني كذبًا (انظر أعمال ٢٣/ ٢٥)، ثمَّ قوله: "فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ الله قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟ " (رومية ٣/ ٧)، فصدور هذا الاعتراض من النصارى لا يقبل.
وأما التشابه بين أقوال الشاعر دانتي وإنجيل برنابا فهو لا يعني جزمًا بأن كاتب الإنجيل كان بعد دانتي، بل قد يكون دانتي هو المستفيد من برنابا، ثمَّ إن التشابه لا يعني بالضرورة نقل اللاحق عن السابق دائمًا، وإلا لزم أن نقول بأن أسفار التوارة التشريعية منقولة عن قوانين حمورابي للتشابه الكبير بينهما.
وأخيرًا، فإنَّه لو كان كاتب الإنجيل في العصور الوسطى لما وقع بتلك الأخطاء في الإحالة إلى أسفار التوارة، ولكان أيضًا قد اهتم بالتنديد بالأناجيل الأخرى، ولكنه لم يصنع لسبب بسيط، وهو أنَّه كتب إنجيله قبل انتشار هذه الأناجيل.
ولو كان الإنجيل منحولًا لندد مؤلفه بالتثليث وكتب في إبطاله، لكنه لم يتحدث عنه، فدلّ ذلك على أن زمن الكتابة سابق على دعوى التثليث التي ظهرت في القرن الميلادي الرابع.
وهكذا نرى أن إنجيل برنابا لا يختلف من ناحية الإسناد كثيرًا عن الأناجيل الأربعة، لكنه الإنجيل الوحيد الذي صرح فيه كاتبه باسمه وبأنه شاهد لما يكتب، وأما متنه فكان أكثر اتساقًا من جميع الأناجيل، متميزًا بترابطه وجمال أسلوبه ومعرفته الكبيرة بالعهد القديم وأسفاره، وهو ما يليق حقًّا بداعية النصرانية في الصدر الأوّل: برنابا.
وقد كانت مضامين هذا الإنجيل متفقة إلى حدّ بعيد مع ما يعهد في رسالات الله إلى أنبيائه، وحُقَّ لتولاند ١٧١٨ م في كتابه "الناصري" أن يقول عند ظهور هذا الإنجيل: " أقول على النصرانية السلام".
وكذا قوله: "إن مد النصرانية قد وقف من ذلك اليوم. . . إن المسيحية ستتلاشى
стр. 1027
تدريجيًا حتى تنمحي من الوجود". (١)
المبحث الخامس: المجامع المسيحية وأثرها على العقيدة .
تمهيد:
مقصدنا من ذكر هذا الفصل هو: أن نبين الأدوار التي مرت عليها عقيدة التثليث، فإنَّه من المقرر في تاريخ المسيحية بالبداهة أن التثليث بالشكل الذي يعتقده جماهير المسيحيين، أو الكثرة الغلبة فيهم، لم يعلن للناس دفعة واحدة، بل في أزمان مختلفة، وكان بإعلان المجامع التي كانت تعقد من الأساقفة، وفيها يقرر المجمع رأيا معينا، ولا يهمنا منها إلا ما يختص بالعقيدة. (٢)
أولًا: تعريف المجامع:
" هي هيئات شورية في المسيحية، قد رسم رسلهم نظامها في حياتهم، حيث عقدوا المجمع الأوّل في أورشليم عام ٥١ - ٥٢ م، أي بعد ترك المسيح لهم باثنتين وعشرين سنة للنظر في مسألة الختان، . . .، فقد قالوا إن التلاميذ والمشايخ بهذا المجمع الذي بينه سفر الأعمال (إصحاح ١٥) قد سنوا للمسيحيين سنة جمع المجامع؛ لدراسة ما يتعلق بالعقيدة والشريعة." (٣)
ابتداع المجامع:
وواضح من هذا التعريف بداية أن المسيح لم ينشئ لهم هذا النظام ولم يشر إليه ولم يدع إلى تأسيسه، وإنما الذي رسمه وشرعه الذين جاءوا بعد المسيح ﵇، وهذا يعني أن المسيحيين لم يستندوا إلى نص صحيح من قول أو فعل في تأسيس هذا النظام.
والحقيقة أن المسيح ﵇ لم يدع إلى شريعة جديدة ولم يؤسس نظامًا جديدًا، بل سار على النسق الذي رسمه الله لموسى ﵇، وحكم بشريعته وناموسه، ولم يؤمر المسيح ﵇ أن يغير شيئًا من شريعة موسى ومنهاجه - إلا ما أشار إليه القرآن الكريم - وهذا
стр. 1028
يعني أن شريعة موسى هي التي كان على أصحاب المسيح وتابعيه إتباعها والعمل بها، ولكن هذا لم يحدث، وبدا التغيير مبكرًا بسبب هذه المجامع.
المجامع حيلة لفرض عقائد وشرائع جديدة:
حينما أراد المسيحيون الجدد بعد المسيح ﵇ وعلى رأسهم بولس - أن يغيروا نظام الديانة ويلغوا التعامل بشريعة اليهود، أقاموا مجمع أورشليم المشار إليه سابقا؛ ليحكم لهم بما أرادوا وليعطوا حكمه صفة القداسة ولتأخذ المجامع الصفة التشريعية بدلا من التوراة، ولتشرع لهم ما أرادوا وما رأوه ملائمًا لهم ولأهوائهم، وهذا يعني أن المجامع أنشئت لتشرع وتبدل وتنظم ما تراه. (١)
مهمة مجمع أورشليم:
وكانت مهمة هذا المجمع الأوّل هو مناقشة قضية من قضايا التشريع - وهي قبول غير اليهود في الديانة النصرانية، وهل عليهم أن يلتزموا بشريعة اليهود؟
مهمة المجامع الأخرى:
أما المجامع الأخرى التي ابتدعها قسطنطين وأعطاها الصفة المقدسة فقد كانت مناقشاتها تدور حول صيغة الإيمان وحقيقته، والقانون الإيماني الذي يجب على المسيحي اتباعه واعتقاده، هذا إلى جانب تقريرها للنظم الكنسية التي انتهجها القوم.
ثانيًا: أنواعها:
المجامع عند النصارى قسمان:
١ - مجامع عامة (مسكونية) (٢).
وهي التي يجتمع فيها رجال الكنائس المسيحية في كل أقطار العالم.
٢ - مجامع مكانية:
وهي - كما يعرفها المسيحيون - التي كانت ولا تزال الكنائس تعقدها في دوائرها الخاصة من أساقفتها وقسوسها إما لإقرار أو لرفض عقائد عامة، أو للنظر في بعض
стр. 1029
الشئون المحلية الخالصة (١). أي أنها لا تقرر عقائد جديدة.
ونحن في هذا البحث، لن نتعرض - إن شاء الله - إلا للمجامع المسكونية؛ لأنها هي التي قررت العقائد المسيحية من وقتها وإلى الآن، وهي التي رسمت المسوح والتقاليد الكنسية القائمة في الكنائس.
ثالثًا: عددها:
لقد أحصاها صاحب كتاب "سوسنة سليمان" منذ القرون الأولى للمسيحية إلى سنة ١٨٦٩، فكانت عدتها عشرين مجمعا. (٢)
سبب انعقاد المجامع المسكونية:
والسبب الأساسي لانعقادها - كما يرى المسيحيون - هو ظهور آراء دينية غريبة رئي من الضروري فحصها في هذه المجامع، وإصدار قرارات في شأنها وشأن مبتدعيها. (٣)
شروط المجمع المسكوني:
ذكر لنا - كيرلس الأنطوني - شروط المجمع المسكوني فقال: ينبغي أن تتوافر في المجامع العامة أو المسكونية بضعة شروط نوجزها فيما يلي:
١ - أن تنعقد بسبب دعوى أو انشقاق.
٢ - أن تنعقد بسبب دعوة من الإمبراطور.
٣ - أن يحضرها غالبية أساقفة الكنيسة شرقًا وغربًا لتمثل فيها المسكونة.
٤ - أن تقرر شيئًا لم يكن مقررا من قبل. (٤)
وفي ضوء هذه الشروط يتبين لنا أن المجامع المسكونية أعطيت لها سلطة تقرير ما لم يكن مقررا من قبل، وذلك في الأمور الدينية والعقدية، وكان يساند هذه القرارات الأباطرة الذين
стр. 1030
كانوا يدعون إليها - وهو شرط من شروط المجمع المسكوني - ويرأسون جلساتها، ويصدقون على قراراتها، ويعملون على تنفيذها، وهذا يعني أن هذه المجامع قد خضعت لأهواء السلطات الحاكمة يدعون ويقررون ما يرونه في صالحهم وصالح سياستهم. (١)
وليس هدفنا في هذا الفصل تعداد المجامع المسكونية بالتفصيل، وإنما المقصود بيان أثر هذه المجامع في المسيحية، لذلك سنكتفي بذكر أهم هذه المجامع وخاصة المجامع الأولى منها؛ وذلك لأنها المختصة بتقرير القواعد والقرارات الدينية العامة التي ينبغي أن تلتزم بها كل الطوائف والكنائس.
أهم المجامع المسكونية:
١ - المجمع المسكوني الأوّل: مجمع نيقية ٢٢٥ م
أولًا: سبب انعقاده:
له سببان: عام وخاص.
أما العام فهو: الاختلاف الشديد الذي وقع بين الطوائف المسيحية الأولى حول شخص المسيح وهويته.
والمشكلة من أساسها هي أن النصارى في القرون الثلاثة الأولى قد تعرضوا لألوان شتى من الاضطهاد والتعذيب، واستمر هذا الاضطهاد حتى عصر قسطنطين الذي منح النصارى الحرية والاطمئنان، لكنهم في الحقيقة لم ينعموا بالراحة والسعادة، ذلك أنهم حين استراحوا من نير الاضطهاد وشعروا بالاطمئنان جهر كل واحد بمسيحيته وباعتقاده في المسيح، وعندئذ فوجئوا بما هو أشد عليهم مما كانوا فيه، فلقد وجد النصارى أن بينهم من الخلاف ما لا يمكن وجوده في دين واحد.
يقول ول ديورانت: "إن أتباع المسيح قد انقسموا في الثلاثة قرون الأولى من ظهوره إلى مائة عقيدة وعقيدة". (٢)
стр. 1031
أما السبب الخاص فكان ما يسمى في تاريخهم (ببدعة آريوس) (١).
كان آريوس في مصر داعية قوي الدعاية، جريئًا فيها، واسع الحيلة، بالغ الأرب، قد أخذ على نفسه مقاومة كنيسة الإسكندرية فيما تبثه بين المسيحيين من ألوهية المسيح وتدعوا إليه، فقام هو محاربًا ذلك مقرًا بوحدانية المعبود، منكرا ما جاء في الأناجيل مما يوهم تلك الأوهية، وقد قال في بيان مقالته ابن البطريق: "كان يقول إن الآب وحده الله والابن مخلوق مصنوع، وقد كان الآب إذ لم يكن الابن". (٢)
وقد اتسع الخلاف بين آريوس وبين بطريرك الإسكندرية في وقته، وقد تدخل قسطنطين إمبراطور الرومان في الأمر، فأرسل كتابا إلى آريوس والإسكندر يدعوهما إلى الوفاق، ثمَّ جمع بينهما، ولكنهما لم يتفقا، فجمع مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م.
يقول ابن البطريق في وصف المجتمعين: "بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان، فجمع البطاركة والأساقفة، فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة، وكانوا مختلفين في الآراء والأديان، فمنهم من كان يقول إن المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم البربرانية، ويسمون الريميتين، ومنهم من كان يقول إن المسيح من الآب بمنزلة شعلة من نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وهي مقالة سابليوس وشيعته، ومنهم من كان يقول لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب، لأنَّ الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها، وهي مقالة البيان وأشياعه "إلى آخر الأقوال المختلفة التي ذكرها ابن البطريق. (٣)
قال يعقوب نخلة" كل فئة تلعن الأخرى وتحرمها، وتزيف معتقدها ومذهبها.
стр. 1032
كل يؤيد دينه يا. . . . . . . ليت شعري ما الصحيح". (١)
تدخل قسطنطين:
ولما اجتمع هؤلاء المختلفين، وبدأ المجمع وسمع قسطنطين مقال كل فرقة من ممثليها، فعجب أشد العجب مما رأى وسمع، فأمرهم أن يتناظروا لينظر الدين الصحيح مع من، وأخلى دارا للمناظرة، ولكنه جنح أخيرا إلى رأي بولس، وعقد مجلسًا خاصًّا للأساقفة الذين يمثلون هذا الرأي وكان عدتهم ثمانية عشر وثلاثمائة.
ويصف ذلك الاجتماع ابن البطريق فيقول: "ووضع الملك للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا مجلسًا خاصًّا عظيمًا، وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفعه إليهم وقال لهم: قد سلطتكم اليوم على مملكتي، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوا مما فيه قوام الدين، وصلاح المؤمنين، فباركوا الملك، وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية، وذب عنه، ووضعوا له أربعين كتابًا فيها السنن والشرائع، منها ما يصلح للملك أن يعمله ويعمل به، ومنها ما يصلح للأساقفة أن يعملوا به" (٢).
نتائج هذا المجمع:
(١) وضع قانون الإيمان:
لقد قام هؤلاء الثلاثمائة والثمانية عشر بوضع قانون الإيمان، أو ما يسمى "الأمانة".
وهاك نص هذا القانون "نؤمن بإله واحد ضابط الكل، ما يرى وما لا يرى، ونؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل الدهور، نور من نور إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر الذي هب كل شيء، هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس وصلب على عهد بيلاطس النبطي، وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين أبيه وأيضًا يأتي
стр. 1033
ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء". (١)(٢) أما بالنسبة لآريوس الذي انعقد المجمع من أجله فقد أصدر المجمع قرارين بشأنه:
أ - أقر المجمع بحرم آريوس وتجريم بدعته ونفيه.
ب - حرق كتب آريوس ومنعها عن الناس، وقرر عقوبة الخيانة العظمى على كل من توجد معه تلك الكتابات. (٢)(٣) قرر المجمع أيضًا حرمان كل من يقول بآراء آريوس، أو يخرج في آرائه وعقائده عن آراء هذا المجمع . (٣)(٤) تم الفصل في هذا المجمع في بعض مشاكل المسيحيين، ووضع عشرين قانونا تتضمن بعض النظم الكنسية والأحكام الخاصة برجال الإكليروس . (٤)
تعقيب على هذا المجمع:
١ - أول ما يلاحظ على هذا المجمع أن العدد الذي قرر ألوهية المسيح كان ثمانية عشر وثلاثمائة أسقف، فما هي آراء الباقين؟ ولماذا أهملت كل هذا الإهمال؟ . . .، ولماذا يؤخذ برأي هؤلاء مع أن العدد الأكبر كان مع آريوس.
ويظهر أن عصا السلطان ورهبة الملك كان لهما دخل في تكوين رأي الذين رأوا ألوهية المسيح.
٢ - أن المجمع فرض نفسه حكومة وجماعة كهنوتية تلقي على الناس أوامر الدين وعليهم أن يطيعوا راغبين أو كارهين، وقرر أن تعاليم الدين لا يتلقونها من كتب المسيحية رأسا، بل لابد من تلقيها من أفواه العلماء ورجال الكهنوت.
٣ - أن المجمع أمر بتحريق الكتب التي تخالف رأيه، وتتبعها في كل مكان، وحث الناس على تحريم قراءتها، فهو بهذا يمنع أن يصل إلى الناس علم بأي أمر من الأمور التي تخالف رأيه، وهو بهذا يحاول التحكم في القلوب، والسيطرة على النفوس بحملها على قراءة ما وافق رأيه، ومنعها منعا باتا أن تقرأ غيره، ويسد عليها منافذ النور والاهتداء إلى
стр. 1034
ما يخالفه، ولعل المجمع مخطئ في ذلك التحريم، وآثم في ذلك التحريق بل إن المجامع العامة من بعده قد خطأته، فأعادت إلى حظيرة التقديس كتبا حرمها، وأخرجت من البلى كتبا حرقها، قد حرم كتبا من العهد القديم، ولم يعترف بها فاعترفت بها المجامع المسيحية من بعده، وحرم مكن كتب النصارى المعتبرة الآن: رسالة بولس إلى العبرانيين، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا ورسالة يعقوب ورسالة يهوذا، ومشاهدات يوحنا، ولكن المجامع من بعده أقرته، وأجمعت عليها. (١)
وهذا في حدّ ذاته دليل على التحريف، إذ لو كان المجمع معصوما لما أضيف إليه، ولما خطئ في بعض القرارات. (٢)
بقاء فكرة الوحدانية:
ومع أن المجمع قد عقد وتم فيه ما تم إلا أن فكرة الوحدانية لم تمت ولم يقض عليها تماما، والدليل على ذلك أن ابن البطريق يذكر أن "أوسابيوس" أسقف نيقومدية كان موحدًا ومن أنصار آريوس في المجمع العام، إلا أنَّه دخل مع الذين قالوا بألوهية المسيح حتى يتقرب إلى السلطان ويستطيع أن يقنعه بالتوحيد.
ولما انعقد الاجتماع الإقليمي في صور وحضره هو وبطريرك الإسكندرية، انتهز أوسابيوس هذه الفرصة وأثار مرة أخرى مقولة آريوس، وكان في هذا المجمع كثير من الموحدين المتمسكين به، واشتد النقاش القولي بينهم إلى أن تطور إلى الضرب بالأيدي.
ونستنتج من ذلك أن فكرة ألوهية المسيح هي العارضة، والأصل هو التوحيد وأيضًا كان قسطنطين يشجع دائمًا المخالفين للتوحيد، وإن كان لا يظهر السخط على غيرهم أحيانًا، وأيضًا اتضح لنا أن مجمع صور كان يخالف كل المخالفة ما تقرر في مجمع نيقية، وأن موطن الدعاية لألوهية المسيح كان كنيسة الإسكندرية وحدها، فهي التي حاربت
стр. 1035
آريوس، وهي التي لعنته مرتين. (١)
المجمع المسكوني الثاني: مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ م
يعتبر هذا المجمع هو المجمع المسكوني الثاني، ولقد عقد في القسطنطينية وذلك بأمر من الإمبارطور ثيودسيوس (٣٧٩ - ٣٩٥ م) في عام ٣٨١ م.
ولقد كان هذا المجمع في أول الأمر مجمعا محليا ثم تحول إلى مجمع مسكوني بعد موافقة بابا روما على ما قرر فيه، ولقد ترددت الكنيسة أعواما طويلة قبل أن تمنحه صفة المجمع المسكوني. (٢)
سبب انعقاد هذا المجمع:
في الفترة التي خلا فيها عرش القسطنطينية من وجود إمبراطور وهي الشهور الواقعة بين مقتل فالنز (إمبراطور الشرق ٣٦٤ - ٣٧٨ م) وإعلان ثيودوسيوس إمبراطورًا - وهي الفترة الواقعة بين شهرى أغسطس ٣٧٨ م، يناير ٣٧٩ م وامتدادها حتى دخل الإمبراطور الجديد إلى عاصمته في نوفمبر سنة ٣٨٠ م - ماجت القسطنطينية بشتى الفكر والاتجاهات.
وهذه الفترة هي التي يعبر عنها الاهوتي القديس جريجوري أسقف نيسا (٣٤٠ - ٤٠٠ م) وهو يصف حال القسطنطينية وأهلها فيقول: "لقد امتلأ كل شيء بأولئك الذين يتحدثون بغوامض الكلم، وازدحمت بهم الطرقات والأسواق والأزقة، فإذا ما سألت عما يجب أن أدفعه ثمنًا لشيء فلسفوا لي الإجابة حول المولود والمخلوق، وإذا ما رغبت في الوقوف على ثمن الخبز أجابني بأن الآب أعظم من الابن، وإذا ما بحثت عما إذا كان حمامي قد أعد جاءتني الإجابة تقول إن الابن خلق من العدم. . .". (٣)
وأيضًا قد بين الناس بعض العقائد أهمها: مقالة ماكدونيوس وكان أسقفًا للقسطنطينية، وقد عزل بسبب مقولته في الروح القدس أنَّه مخلوق كسائر المخلوقات؛ أي ليس بإله، وتبعه الكثير على ذلك.
стр. 1036
ولقد انزعج بعض القواد والوزراء من هذه المقولة، وذهبوا إلى الإمبراطور "ثيودوسيوس" وشكوا إليه هذا الأمر وما حصل بين الناس من اختلاف وطلبوا من الإمبراطور أن يعقد مجمعًا مسكونيًا للبت في هذا الأمر، فاستجاب الإمبراطور لطلبهم في هذا الأمر وكتب إلى البطاركة والأساقفة يدعوهم للاجتماع، وأمر بانعقاد مجمع في القسطنطينية يرد هذا الإشكال ويدحضه ويدعو الناس إلى عقيدة نيقية. (١)
اجتماع الأساقفة:
وقد حضر إلى القسطنطينية مائة وخمسون أسقفًا" وكانوا من أساقفة الكنائس الشرقية وكان منهم تيموثاوس بابا الإسكندرية، ونكتاريوس بطريرك القسطنطينية، وملاتيوس أسقف إنطاكية، وكيرلس أسقف أورشليم، ولم يحضر أحد من الكنيسة الغربية.
أهم قرارات هذا المجمع:
١ - لعن أصحاب البدع المخالفة لقانون الإيمان الذي قرره مجمع نيقية، وحرمهم من الكنيسة وتحريم تعاليمهم.
٢ - إن الروح القدس خالق غير مخلوق، إله حق من طبيعة الآب والابن جوهر واحد وطبيعة واحدة.
٣ - زاد هذا المجمع في الأمانة - التي وضعت في مجمع نيقية - صيغة (نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد).
٤ - ثبتوا أن الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم وثلاثة وجوه وثلاث خواص وحدية في تثليث، وتثليث في وحدية، كيان واحد في ثلاثة أقانيم إله واحد جوهر واحد طبيعة واحدة. (٢)
وبعد ذلك قام المجمع بإرسال رسالة إلى الإمبراطور ثيودوسيوس ضمنها القرارات والقوانين التي اتفق عليها المجمع، وطلبوا من الإمبراطور أن يؤكد القرارات التي أخذوها،
стр. 1037
واستجاب الإمبراطور لمطالبهم فأصدر أوامره في الثلاثين من يوليو سنة ٣٨١ م بأن كل الكنائس تخضع لقرارات هذا المجمع، ومن لا يدخل في شركة هؤلاء وجب طرده من الكنيسة. (١)
وبذلك تقرر التثليث على يد الأباطرة والسلاطين الذين كانوا يؤكدون على قرارات المجامع ولا يزال الأمر مستمرًا. (٢)
المجمع الثالث: مجمع أفسس الأوّل سنة ٤٣١ م
سبب انعقاده:
لقد هذا المجمع بسبب آراء نسطور حيث نادى نسطور بقوله "إن مريم لم تكن والدة الإله، بل ما يولد من الجسد ليس إلا جسدًا، وما يولد من الروح هو روح، إن الخليقة لم تلد الخالق بل ولدت إنسانا هو آلة للاهوت" (٣)
ومعنى هذا أن مذهبه يتلخص فيما يلي:
أن المسيح له طبيعتان: إحداهما بشرية والأخرى لاهوتية، والطبيعة البشرية ولدت من مريم لذلك تسمى (والدة المسيح الإنسان) أما اتصال الطبيعة البشرية باللاهوتية فذلك لم يكن عن طريق الاتحاد والامتزاج بينهما، بل عن طريق المصاحبة. ." (٤)
وطبعًا أغضبت هذه التعاليم المسيحيين؛ لنهم فهموا منها أن نسطور بقوله بإنكار الاتحاد بين الطبيعة البشرية واللاهوتية إنما هو يهدر بذلك ألوهية المسيح.
وتم إرسال رسائل إلى الإمبراطور ليعقد مجمعا للرد على هذه الآراء، وبالطبع وافق وانعقد المجمع وعدده من نحو مائتين من الأساقفة، وقرروا ما نصّه: "أن مريم العذراء والدة الإله، وأن المسيح إله حق وإنسان معروف بطبيعتين، متوحد في الأقنوم، ولقد لعنوا نسطور. (٥)
زيادة حدة الاختلاف بين المسيحيين نتيجة لهذا المجمع:
стр. 1038
لم يستطع أفسس أن يضع حدًا لتلك الاختلافات والمنازعات القائمة بين المسيحيين، بل بالعكس زاد من حدتها، وسبب ذلك أن المجمع عقد قبل وصول يوحنا أسقف غنطاكية، وقبل وصول مندوبي بابا روما، مما أدى إلى حدوث شقاق بين هذه الكنائس واستمر إلى الآن، وبذلك يتبين لنا أن مجمع أفسس لم يكن شاملا لكل أطراف النزاع.
وفي هذا المجمع أيضًا أثبتت كنيسة الإسكندرية أنها رائدة الفكر التثليثي وهي المدافعة عنه والواقفة لكل من يخالفه بالمرصاد. (١)
المجمع الرابع: مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ م
سبب انعقاده:
لم يحسم المجمع السابق الخلاف في مسألة اجتماع العنصر الإنساني والعنصر الإلهي في المسيح، فلم يقض على نحلة نسطورس قضاء مبرمًا، وإن كان قد نفاه وآذاه، بل نمت نحلته بعد ذلك في المشرق وذاعت في البلاد، ولم يقف الخلاف في ذلك عند نسطور وأتباعه، بل إن كنيسة الإسكندرية قد خرجت هي الأخرى برأي جديد عرضته على الملأ من الأساقفة وجمعوا له مجمعا قرروه فيه، وذلك الرأي أن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها الاهوت بالناسوت.
وانعقد لأجل هذا مجمع أفسس الثاني الذي تسميه الكنيسة الكاثوليكية "مجمع اللصوص". (٢)
مجمع أفسس الثاني في أغسطس سنة ٤٤٩ م:
واجتمع في أفسس ما يقرب من مائة وخمسة وثلاثين أسقفا. . وبدأ المجمع أعماله برئاسة (ديسقورس) بطريرك الإسكندرية، "وأكد هذا المجمع على القول بالطبيعة الواحدة بعد التجسد، لذلك جاء في قراراته: كل من يقول بطبيعتين بعد التجسد فليكن محرومًا" (٣).
وهكذا تم في هذا المجمع لعن وحرمان كل من يقول بالطبيعيتن بعد التجسد، وكان
стр. 1039
من الذين شملهم قرار الحرمان واللعن بطريرك القسطنطينية.
وظهر لنا واضحًا مدى حرص كنيسة الإسكندرية على تأكيد ألوهية المسيح فلقد عمل بطريرك الإسكندرية "ديسقورس" على التأكيد على ألوهية المسيح بأن ركز على القول بالطبيعة الواحدة، وهذا المجمع لا تعترف به الكنيسة اليونانية ولا كنيسة روما. (١)
مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ م:
ولم يحسم مجمع أفسس الثاني الخلاف بين المسيحيين بل زاده اشتعالًا، فالعقيدة التي ناقشها والتي كانت محلّ النزاع - وهي طبيعة المسيح - هي السبب في انفصال الكنيسة القبطية المصرية عن الكنيسة الغربية إلى الآن.
سبب انعقاد هذا المجمع:
لقد شن بابا روما الحرب ضد مجمع أفسس الثاني وقراراته، وكان يأمل في انعقاد مجمع يلغي به قرارات هذا "المجمع، ولكنه لم يستطع أن يفعل ذلك في عهد الإمبراطور "ثيودسيوس الثاني"، وبعد موت هذا الإمبراطور عام ٤٥٠ م خلفه على العرش الإمبراطور "مرقيان" الذي كانت زوجته "بولكيرا" تميل إلى القول بالطبيعتين. فانتهز بابا روما (ليون الكبير) الفرصة، وكتب إلى الإمبراطور يطلب منه الدعوة بعقد مجمع مسكوني، واستجاب له الإمبراطور، ودعا إلى عقد مجمع مسكوني يأمل منه تقرير إيمان واحد في كل أنحاء الإمبراطورية. (٢)
وعقد المجمع في خلقيدونية سنة ٤٥١ م، وقد اشترك في أعماله ستمائة وثلاثون أسقفًا بينهم نواب روما، وبطريرك الإسكندرية "ديسقورس"، وبطريرك القسطنطينية وغيرهم كثير.
ولقد حدث في أولى جلساته اختلاف كبير بين المسيحيين، أدى إلى الصخب والضجيج والمنازعات مما حدا بمندوبي الحكومة أن يصيحوا فيهم قائلين بلسان أحدهم "إنه لا يجدر بالأساقفة وأئمة الدين أن يأتوا بمثل هذه العمال الشائنة من صياح وصراخ
стр. 1040
وسب وقذف وضرب ولكم، بل يجب عليهم أن يكونوا قدوة للشعب في الهدوء وتسيير الأمور على محور الحكمة والسداد، ولذلك نرجوكم أن تستعملوا البرهان بدل المهاترة، والدليل عوضا عن القول الهراء." (١)
نتائج المجمع:
١ - وانتهى المجمع في قراراته إلى القول بالطبيعتين في المسيح، وهاتان الطبيعتان تؤلفان أقنومًا واحدًا وشخصًا واحدًا، ومريم على ذلك والدة الإله بحسب الناسوت.
٢ - وقرر المجمع أيضًا حرمان ولعن كل من: نسطور، وديسقورس، ومن يقول بقولهما، ولعنوا وأبطلوا قرارات مجمع أفسس الثاني سنة ٤٤٩ م، ونفي ديسقورس إلى فلسطين (٢).
آثار هذا المجمع على المسيحية:
ولما علم المسيحيون المصريون بما حصل في هذا المجمع قرروا مقاطعة هذا المجمع وعدم الاعتراف بقراراته، وقاطعوا الكنائس التي وافقت على هذا المجمع، فهذا المجمع لا تعترف به الكنيسة المصرية (٣)، ولذلك يحدد عام ٤٥١ م بأنّه عام انفصال الكنيسة المصرية عن الكنائس الأخرى.
وبعد هذا نبذ المصريون كل ما هو يوناني ولاتيني، وانطوت الكنيسة المصرية على نفسها واستخدمت اللغة الوطنية وهي اللغة القبطية في قداستها علامة على سخطها، وتسمت بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتبنت القول بالطبيعة الواحدة في المسيح من طبيعتين. (٤)
وهكذا نرى أن هذا المجمع تسبب في الانشقاق المزمن بين المسيحيين، فهو أساس اختلاف الكنائس إلى اليوم، وهو أساس انفصال الكنيسة المصرية عن الكنائس الأخرى ولا زال هذا الانفصال ساريًا. (٥)
مجامع أخرى
стр. 1041
وبعد المجامع الأربعة السابقة عقدت ثلاث مجامع أخرى مسكونية إلا أنَّه لم تمثل فيها الكنيسة الأرثوذكسية وهي:
المجمع الخامس: الذي عقد في القسطنطينية سنة ٥٥٣ م للرد على القائلين بتناسخ الأرواح وأنه ليس هناك قيامة. (١)
والمجمع السادس: الذي عقد بالقسطنطينية أيضًا سنة ٦٨٠ م وحكم بالكفر على القائلين بالمشيئة الواحدة ولعنهم وطردهم من الكنيسة. (٢)
والمجمع السابع: الذي عقد أولًا بالقسطنطينية سنة ٨٨٦ م وأتم جلساته في نيقية سنة ٧٨٧ م لمناقشة عبادة الصور والأيقونات. (٣)
وبعد ذلك في المجمع الثامن انفصلت الكنيسة الشرقية عن الكنيسة الغربية بسبب الاعتقاد في انبثاق الروح القدس من الآب فقط، بينما اعتقدت الكنيسة الغربية بانبثاق الروح القدس من الآب والابن معًا. (٤)
والخلاصة:
أن المجامع الأربعة الأولى حددت قوانين الإيمان المسيحي:
فالمجمع الأوّل: قرر ألوهية المسيح.
والمجمع الثاني: قرر ألوهية الروح القدس.
والمجمع الثالث: حدد كيفية التجسد، حيث قرر أن المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله لا الإنسان فقط، وأن مريم والدة الإله.
والمجمع الرابع: في نظر المصريين قرر أن المسيح ذو طبيعة واحدة من طبيعتين أما المجمع المسكوني الرابع في نظر الكنائس الأخرى فقد قرر أن المسيح ذو طبيعتين
стр. 1042
منفصلتين لا طبيعة واحدة وهذه هي أهم العقائد المسيحية. (١)
أثر المجامع في المسيحية
أولًا: أن هذه المجامع لم يؤسسها المسيح ولم يدع إليها ولم يأمر بها، ولم يشر إليها لا بالتلميح ولا بالتصريح، وإنما ابتدعت بعده، وذلك من أجل أن تحكم وتشرع وتقرر شرائع وعقائد ما أنزل الله بعها من سلطان على رسوله عيسى بن مريم، لذلك كان أول مجمع ابتدع وكان لبولس يد في اجتماعه وفي القرارات التي توصل إليها - كانت قراراته مخالف للشريعة التي جاء بها المسيح ﵇، ذلك أنَّه نقض شريعة موسى ﵇، تلك التي صرح المسيح أنَّه ما جاء ناقضا لها بل مكملا، وكذلك المجمع المسكوني الأوّل نجد أيضًا أن الذي ابتدعه قسطنطين الوثني، الذي لم يعمد إلا على فراش الموت.
ثانيًا: إن رسل الله عليهم الصلاة والسلام يأتون الناس بعقائد وشرائع واضحة سهلة، يبلغونها للناس ويوضحونها لهم، ولا يتركون أصول العقائد لشطط العقول، ولا لاختلاف الناس حولها، كل واحد منهم يدلي بدلوه فيها ويشرح رأيه حولها.
ثالثا: أن المجامع فرضت سيطرتها على عقول المسيحيين حين قررت أن التعاليم المسيحية من عقائد وشرائع ونظم وعبادات لا يتلقاها الناس من الكتب المسيحية بل لا بد من تلقيها من المجامع المؤلفة من الأساقفة بتدبير ودعوة الأباطرة.
رابعًا: أن المجامع المسيحية نسبت إلى نفسها العصمة من الوقوع في الخطأ متعللين بأن الروح القدس يحل عليهم في اجتماعاتهم. (٢)
ومع ذلك فقد أخطأت المجامع، وإليك عدة أمثلة:
١ - إن مجمع نيقية وضع قانونا للإيمان، ولكن المجامع التي تلته رأت أن هذا القانون ناقصا فأضافت إليه ما ليس منه، وهذا يعني أنَّه لو كان معصومًا من الخطأ لوضع قانون الإيمان كاملًا بلا نقصان.
стр. 1043
٢ - لا تعترف المذاهب والطوائف المسيحية بكل المجامع المسكونية كما هو الحال بالنسبة لمجمع خلقيدونية.
خامسًا: أن هذه المجامع هي التي قررت العقائد والشرائع والعبادات، وكل ما يعتقده المسيحيون الآن.
قال ابن تيمية:
"فالنصارى تضع لهم عقائدهم وشعائرهم أكابرهم بعد المسيح، كما وضع لهم الثلاثمائة والثمانية عشر الذين كانوا في مجمع نيقية الأمانة التي اتفقوا عليها، ولعنوا من خالفها من الآريوسيين وغيرهم، وفيها أمور لم ينزل الله تعالى بها كتابا، بل تخالف ما أنزل الله من الكتب مع مخالفتها العقل الصريح." (١)
سادسًا: أن العقائد التي قررتها المجامع لم تعلن للناس دفعة واحدة، بل قررت في مجامع مختلفة وأزمنة مختلفة، . . .، وهذا يدلّ على أمرين:
الأمر الأوّل: أن أصول الديانة كانت ناقصة، وكان كل مجمع يكمل فيها شيئًا، وهذا يدلّ على وضعية هذه الديانة.
الأمر الثاني: بشرية العقول التي وضعت والتي من شأنها عدم العصمة من الخطأ.
سابعًا: أن هذه المجامع هي التي قضت على عقيدة التوحيد في المسيحية، وقد سبق تفصيل ذلك عند الكلام على كل مجمع منها.
ثامنًا: لا يمكن لدارس المجامع أن ينسى دور الأباطرة والحكام فلقد كان لهم دور كبير في اجتماع المجامع المسكونية وقراراتها.
تاسعًا: أن هذه المجامع تسببت في ازدياد الخلافات المذهبية والطائفية، وإلى انقسام الكنائس. (٢)
стр. 1044
الباب الرابع: نقد متن الكتاب المقدس
ويشتمل على خمسة فصول:
الفصل الأوّل: الألفاظ غير المناسبة لقدسية الكتاب المقدس .
ويحتوي على ثلاثة مباحث:
المبحث الأوّل: صفات الله تعالى في التوراة
وسنحاول في هذا المبحث - إن شاء الله تعالى - أن نرصد ما يصف به الكتاب المقدس رب العزة وتقدس عما يصفه الظالمون.
أولًا: صفات التعظيم:
تتحدث الأسفار التوراتية في أماكن متفرقة عن الله العظيم بما يليق بجلاله وعظمته، وهذه بعض النصوص التي تثبت ذلك:
١ - جاء في سفر التثنية (٦/ ٤ - ٥): ""اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ."
٢ - وتذكر أيضًا أن الرب لا يرى، كما جاء في (إشعيا ٤٥/ ١٥) "حَقًّا أَنْتَ إِلهٌ مُحْتَجِبٌ يَا إِلهَ إِسْرَائِيلَ المُخَلِّصَ."، وقد قال الله لموسى: "وَقَال: "لَا تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَرَانِي وَيَعِيشُ" (الخروج ٣٣/ ٢٠).
٣ - والله ليس كمثله شيء، وفي ذلك يقول موسى: ""لَيْسَ مِثْلَ الله" (التثنية ٣٣/ ٢٦)، ويقول سليمان: ""أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، لَا إِلهَ مِثْلُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" (الأيام (٢) ٦/ ١٤).
ثانيًا: صفات النقص:
لكن التوراة في مواضع لا تعد - لكثرتها - تتحدث عن الله، فتجعله كائنًا بشريًا، وتصفه بصفات البشر، وصفات النقص التي يتنزه عنها الإنسان النزيه - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - وسأورد بعضا من هذه الصفات التي وصفوا الله تعالى بها، لنرى مدى ضلالهم وانحرافهم.
وتنقسم هذه الصفات إلى أنواع:
стр. 1045
فمنها التشبيه بالبشر في الشكل والصورة، ومنها التشبيه بالبشر في الأفعال، ومنها وصفه بصفات العجز والجهل، ومنها نسبة الأوامر الغريبة لله - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا -.
أولًا: التشبيه بالبشر في الشكل والصورة
يتحدث سفر التكوين عن خلق الله الإنسان على صورته وشبهه" وَقَال الله: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا" (التكوين ١/ ٢٦).
وتتحدث النصوص عن صور التشابه كما رسمها كتبة العهد القديم، ومن ذلك ما جاء في رؤيا دانيال أن له رأسًا، شعره أبيض "وَجَلَسَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ. لِبَاسُهُ أَبْيَضُ كَالثَّلْجِ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ كَالصُّوفِ النَّقِيِّ، وَعَرْشُهُ لِهَيبُ نَارٍ، وَبَكَرَاتُهُ نَارٌ مُتَّقِدَةٌ." (دانيال ٧/ ٩).
ثانيًا: أفعال الإله البشرية
وتحكي أسفار العهد القديم عن أفعال بشرية تنسبها إلى الله، وهي فرع من عقيدتهم المجسِّمة لله:
١ - ومن ذلك أن الله يمشي، ولكن على شوامخ الجبال "فَإِنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ يَخْرُجُ مِنْ مَكَانِهِ وَيَنْزِلُ وَيَمْشِي عَلَى شَوَامِخِ الأَرْضِ" (ميخا ١/ ٣).
٢ - ويزور الربُ إبراهيمَ - تعالى الله عن ذلك - ويأكل عنده زبدًا ولبنًا "وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلَاثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ، وذهب الرب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم" (التكوين ١٨/ ١ - ٣٣).
٣ - ويذكر سفر التكوين أن الله رضي عن نوح وقومه بعد أن شم رائحة شواء المحرقات التي قدمها نوح على المذبح "وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى المُذْبَحِ، فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا." (التكوين ٨/ ٢٠ - ٢١).
٤ - ونقرأ في رؤيا حزقيال أن الله دخل الهيكل من باب، وأمر بإغلاقه إلى الأبد "فَقَال لِيَ الرَّبُّ: "هذَا الْبَابُ يَكُونُ مُغْلَقًا، لَا يُفْتَحُ وَلَا يَدْخُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقًا." (حزقيال ٤٤/ ٢).
стр. 1046
٦ - الله يسير أمام بني إسرائيل ليلًا ونهارا حتى يهديهم إلى الطريق في برية صين:
تزعم التوراة أن الله عندما غضب على بني إسرائيل لرفضهم دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، أتاهم في صحراء سينا (برية صين). ولكنه مع ذلك لم يتركهم لأنهم شعبه وابنه البكر الأثير لديه جدًّا مهما فعلوا. لذلك كان يسير أمامهم في الطريق ليلًا ونهارا حتى لا يضلوا. ورغم هذا الجهد الجبار لم يستطع حسب زعمهم أن يدلهم على الطريق لمدة أربعين عامًا.
جاء في سفر الخروج (١٣ - ٢٠): "وَارْتَحَلُوا مِنْ سُكُّوتَ وَنَزَلُوا فِي إِيثَامَ فِي طَرَفِ الْبَرِّيَّةِ. وَكَانَ الرَّبُّ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ نَهَارًا فِي عَمُودِ سَحَابٍ لِيَهْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَيْلًا فِي عَمُودِ نَارٍ لِيُضِيءَ لَهُمْ. لِكَيْ يَمْشُوا نَهَارًا وَلَيْلًا. لَمْ يَبْرَحْ عَمُودُ السَّحَابِ نَهَارًا وَعَمُودُ النَّارِ لَيْلًا مِنْ أَمَامِ الشَّعْبِ.".
ثالثا: وصف الله - تعالى - بصفات العجز والجهل
كما وتنسب النصوص إلى الله أفعالًا كتلك التي تصدر عن البشر بسبب جِبلتهم وضعفهم الذي خلقهم الله عليه:
١ - ومن ذلك عجز الإله عند مصارعة يعقوب، يقول سفر التكوين: "فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَلمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. وَقَال: "أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ". فَقَال: "لَا أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي". فَقَال لَهُ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَال: "يَعْقُوبُ". فَقَال: "لَا يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ الله وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ"." (التكوين ٣٢/ ٢٤ - ٢٨).
وتعليقًا على النص يقول محققو نسخة الرهبانية اليسوعية: "المقصود من هذه الرواية الغامضة هو الصراع الجسدي، أي صراع مع الله، يبدو فيه يعقوب الغالب أولًا، لكنه حين عرف طبيعة خصمه السامية اغتصب بركته، مع العلم أن النص يتجنب اسم الرب".
٢ - ومن العجز أيضًا قوله: "وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يَهُوذَا فَمَلَكَ الْجَبَلَ، وَلكِنْ لَمْ يُطْرَدْ
стр. 1047
سُكَّانُ الْوَادِي لأَنَّ لَهُمْ مَرْكَبَاتِ حَدِيدٍ." (القضاة ١/ ١٩)، فكان ذلك سببًا لعجزه عنهم، فكيف يكون الحال مع الأسلحة الحديثة المتطورة، وهل يعجز الإله عن حرب الدول التي تملك هذه الأسلحة! ؟
٣ - وجاء في سفر التكوين (٢/ ٢ - ٣): "وَفَرَغَ الله فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. وَبَارَكَ الله الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ الله خَالِقًا."
وهكذا تصور التوراة المحرفة أن الله يصاب بالتعب والنصب ويحتاج إلى الراحة، والقرآن الكريم يرد عليهم هذه الفرية فيقول: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ" (ق/ ٣٨)
٤ - الرب يستيقظ وينام ويلعب كما تزعم التوراة والتلمود:
جاء في سفر زكريا (٢/ ١٠ - ١٣): ""ترَنَّمِي وَافْرَحِي يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ، لَأنِّي هأَنَذَا آتِي وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. "فَيَتَّصِلُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ بِالرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا فَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ، فَتَعْلَمِينَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ. وَالرَّبُّ يَرِثُ يَهُوذَا نَصِيبَهُ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَيَخْتَارُ أُورُشَلِيمَ بَعْدُ. اُسْكُتُوا يا كُلَّ الْبَشَرِ قُدَّامَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِهِ".
٥ - وتنسب التوراة إلى الله الندم على أمور صنعها، والندم فرع عن الجهل، ومن ذلك "نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلَامِي". (صموئيل (١) ١٥/ ١٠).
وتذكر التوراة أنَّه لما عبد بنو إسرائيل العجل غضب الرب عليهم "فَالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ"، فكان من جواب موسى أن قال: "اِرْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ، وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ. اُذْكُرْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ بِنَفْسِكَ وَقُلْتَ لَهُمْ: أُكَثِّرُ نَسْلَكُمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَأُعْطِي نَسْلَكُمْ كُلَّ هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي
стр. 1048
تَكَلَّمْتُ عَنْهَا فَيَمْلِكُونَهَا إِلَى الأَبَدِ". فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَال إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ." (الخروج ٣٢/ ١٠ - ١٤).
ومثل هذا الندم في الأسفار كثير (انظر إرميا ٢٦/ ١٩، ٤٢/ ١١، عاموس ٧/ ٦، التكوين ١٨/ ٢٠).
رابعًا: هل يأمر الله بمثل هذا ؟
كما تذكر التوراة أن الله أمر أوامر غريبة يظهر لمن تدبرها مقدار العبث فيها والذي ينزه عنه الله جل وعلا، وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
١ - موسى إله فرعون، وهارون نبي موسى: جاء في سفر الخروج (٧/ ١ - ٣): "فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: "انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ. أَنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ، وَهَارُونُ أَخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ لِيُطْلِقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِهِ. وَلكِنِّي أُقَسِّي قَلْبَ فِرْعَوْنَ وَأُكَثِّرُ آيَاتِي وَعَجَائِبِي فِي أَرْضِ مِصْرَ."
٢ - الله يأمر بالفاحشة: ومنها أن الله أراد أن يصور حال بني إسرائيل معه وإدبارهم عن عبادته إلى عبادة الأصنام، فأمر نبيه باتخاذ جومر الزانية زوجة تنجب له من غيره أبناء زنا" أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَال الرَّبُّ لِهُوشَعَ: "اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلَادَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ"." (هوشع ١/ ٢)، وفي موضع آخر "وَقَال الرَّبُّ لِي: "اذْهَبْ أيضًا أَحْبِبِ امْرَأَةً حَبِيبَةَ صَاحِبٍ وَزَانِيَةً، كَمَحَبَّةِ الرَّبِّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ مُلْتَفِتُونَ إِلَى آلِهَةٍ أُخْرَى وَمُحِبُّونَ لأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ"." (هوشع ٣/ ١).
تقول مقدمة السفر في نسخة الرهبانية اليسوعية: "في جرأة هوشع النبي ما يدهش، فإنَّه يجسد في حياته الخاصة تجسيدًا رمزيًا ما من علاقات بين الرب وشعبه الخائن. . كان ولا يزال زواج هوشع أكثر الأمور جدلًا في التفسير الكتابي. . ولا يرجح على كل حال أننا أمام مجرد استعارة. . ليس زواج هوشع خيالًا، بل رمز، ولذلك فمن شبه المستحيل وغير المفيد أن نهتدي إلى الحدث التاريخي الذي فيه، إنه عمل نبوي، مثل تلك الأعمال التي قام بها الأنبياء (راجع إشعيا ٢٠/ ١ - ٦، وأعمال الرسل ٢١/ ١٠ - ١٤)، والتي يفسرونها هم بأنفسهم".
стр. 1049
٣ - ومثل هذه القصة ما تنسبه التوراة إلى الله من أمره لنبيه إشعياء بالتعري، ولماذا؟ لكي يري بني إسرائيل ما ينتظرهم من الهوان والذل والعري على يد ملك آشور" فِي ذلِكَ الْوَقْتِ تَكَلَّمَ الرَّبُّ عَنْ يَدِ إِشَعْيَاءَ بْنِ آمُوصَ قَائِلًا: "اِذْهَبْ وَحُلَّ الْمِسْحَ عَنْ حَقْوَيْكَ وَاخْلَعْ حِذَاءَكَ عَنْ رِجْلَيْكَ". فَفَعَلَ هكَذَا وَمَشَى مُعَرًّى وَحَافِيًا. فَقَال الرَّبُّ: "كَمَا مَشَى عَبْدِي إِشَعْيَاءُ مُعَرًّى وَحَافِيًا ثَلَاثَ سِنِينٍ، آيَةً وَأُعْجُوبَةً عَلَى مِصْرَ وَعَلَى كُوشَ، هكَذَا يَسُوقُ مَلِكُ أَشُّورَ سَبْيَ مِصْرَ وَجَلَاءَ كُوشَ، الْفِتْيَانَ وَالشُّيُوخَ، عُرَاةً وَحُفَاةً وَمَكْشُوفِي الأَسْتَاهِ خِزْيًا لمِصْرَ." (إشعياء ٢٠/ ٢ - ٤).
يقول التفسير التطبيقي تعليقًا على هذه الفقرة: "كان أمر الله لإشعياء أن يتجول عاريًا لمدة ثلاث سنوات، وهو اختبار مُذِل، فقد كان الله يستخدم إشعياء لبيان ما ستختبره مصر وكوش من إذلال على يد آشور، ولكن كانت الرسالة في الواقع ليهوذا".
٤ - ويذكر سفر حزقيال أن الله أمر نبيه حزقيال بأوامر كثيرة منها أنَّه أمره وبني إسرائيل أن يأكلوا كعك الشعير مخبوزًا مع فضلات الإنسان، ولما صعب الأمر على حزقيال، خصه وسمح له أن يخبز كعكة الشعير مع فضلات البقر، بدلًا من فضلات الإنسان.
والنص بتمامه: "وَتَأْكُلُ كَعْكًا مِنَ الشَّعِيرِ. عَلَى الْخُرْءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ تَخْبِزُهُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ". وَقَال الرَّبُّ: "هكَذَا يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ خُبْزَهُمُ النَّجِسَ بَيْنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَطْرُدُهُمْ إِلَيْهِمْ". فَقُلْتُ: "آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، هَا نَفْسِي لَمْ تَتَنَجَّسْ. وَمِنْ صِبَايَ إِلَى الآنَ لَمْ آكُلْ مِيتَةً أَوْ فَرِيسَةً، وَلَا دَخَلَ فَمِي لَحْمٌ نَجِسٌ". فَقَال لِي: "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ لَكَ خِثْيَ الْبَقَرِ بَدَلَ خُرْءِ الإِنْسَانِ، فَتَصْنَعُ خُبْزَكَ عَلَيْهِ"." (حزقيال ٤/ ١٢ - ١٥).
٥ - ومن ذلك اعتقادهم أن الله يقذف - تعالى عن ذلك - الروث الحيواني في وجوه عصاة بني إسرائيل: "قَال رَبُّ الْجُنُودِ. فَإِنِّي أُرْسِلُ عَلَيْكُمُ اللَّعْنَ، وَأَلْعَنُ بَرَكَاتِكُمْ، بَلْ قَدْ لَعَنْتُهَا، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ جَاعِلِينَ فِي الْقَلْبِ. هأَنَذَا أَنْتَهِرُ لَكُمُ الزَّرْعَ، وَأَمُدُّ الْفَرْثَ عَلَى وُجُوهِكُمْ، فَرْثَ أَعْيَادِكُمْ، فَتُنْزَعُونَ مَعَهُ. فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ هذِهِ الْوَصِيَّةَ لِكَوْنِ عَهْدِي مَعَ لَاوِي،
стр. 1050
قَال رَبُّ الْجُنُودِ." (ملاخي ٢/ ٢ - ٤)، فمثل هذا لا يقبل ولو كان في باب الاستعارة والمجاز.
٦ - وتتحدث الأسفار أن الله أمر بني إسرائيل بسرقة أصحابهم من المصريين، وأنه شارك بهذا الغش عندما أمال قلوب المصريين إلى الموافقة على إعارة بني إسرائيل ما يطلبونه من ذهب وجواهر وثياب فتقول: "ثُمَّ قَال الرَّبُّ لِمُوسَى: "ضَرْبَةً وَاحِدَةً أيضًا أَجْلِبُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَى مِصْرَ. بَعْدَ ذلِكَ يُطْلِقُكُمْ مِنْ هُنَا. وَعِنْدَمَا يُطْلِقُكُمْ يَطْرُدُكُمْ طَرْدًا مِنْ هُنَا بِالتَّمَامِ. تَكَلَّمْ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ أَنْ يَطْلُبَ كُلُّ رَجُل مِنْ صَاحِبِهِ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ صَاحِبَتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ". وَأَعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عُيُونِ الْمِصْرِيِّينَ. . . . وَأَعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عيُونِ الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى أَعَارُوهُمْ. فَسَلَبُوا الْمِصْرِيِّينَ." (الخروج ١١/ ١ - ١٢/ ٣٦).
٧ - وتتحدث الأسفار عن الرب وهو يأمر بالإغواء والكذب، ويبحث عمن يرشده إلى طريقة لإغواء آخاب" فَقَال الرَّبُّ: مَنْ يُغْوِي أَخْآبَ فَيَصْعَدَ وَيَسْقُطَ فِي رَامُوتَ جِلْعَادَ؟ فَقَال هذَا هكَذَا، وَقَال ذَاكَ هكَذَا. ثُمَّ خَرَجَ الرُّوحُ وَوَقَفَ أَمَامَ الرَّبِّ وَقَال: أَنَا أُغْوِيهِ. وَقَال لَهُ الرَّبُّ: بِمَاذَا؟ فَقَال: أَخْرُجُ وَأَكُونُ رُوحَ كَذِبٍ فِي أَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ. فَقَال: إِنَّكَ تُغْوِيهِ وَتَقْتَدِرُ، فَاخْرُجْ وَافْعَلْ هكَذَا." (الملوك (١) ٢٢/ ٢٠ - ٢٢).
٨ - ويتحدث سفر العدد عن شريعة غريبة يكتشف الرجل بموجبها خيانة زوجته أو براءتها، ألا وهو شرب ماء اللعنة المر الممزوج بغبار البيت، فإن ورمت بطنها وسقطت فخذها، فهي مذنبة، وإن قدر لها النجاة من هذا الماء الغريب، فإنها تكون بريئة.
ودعونا نتأمل طقوس هذا الاختبار الغريب، يقول سفر العدد: "يَأْتِي الرَّجُلُ بَامْرَأَتِهِ إِلَى الْكَاهِنِ، وَيَأْتِي بِقُرْبَانِهَا مَعَهَا: عُشْرِ الإِيفَةِ مِنْ طَحِينِ شَعِيرٍ، لَا يَصُبُّ عَلَيْهِ زَيْتًا وَلَا يَجْعَلُ عَلَيْهِ لُبَانًا، لأَنَّهُ تَقْدِمَةُ غَيْرَةٍ، تَقْدِمَةُ تَذْكَارٍ تُذَكِّرُ ذَنْبًا. فَيُقَدِّمُهَا الْكَاهِنُ وَيُوقِفُهَا أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مَاءً مُقَدَّسًا فِي إِنَاءِ خَزَفٍ، وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنَ الْغُبَارِ الَّذِي فِي أَرْضِ المُسْكَنِ وَيَجْعَلُ فِي الماءِ، وَيُوقِفُ الْكَاهِنُ الْمرْأَةَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَكْشِفُ رَأْسَ المُرْأَةِ، وَيَجْعَلُ فِي يَدَيْهَا تَقْدِمَةَ التَّذْكَارِ الَّتِي هِيَ تَقْدِمَةُ الْغَيْرَةِ، وَفِي يَدِ الْكَاهِنِ يَكُونُ مَاءُ اللَّعْنَةِ المرُّ.
стр. 1051
وَيَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ المرْأَةَ وَيَقُولُ لَهَا: إِنْ كَانَ لَمْ يَضْطَجعْ مَعَكِ رَجُلٌ، وَإِنْ كُنْتِ لَمْ تَزِيغِي إِلَى نَجَاسَةٍ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ، فَكُونِي بَرِيئَةً مِنْ مَاءِ اللَّعْنَةِ هذَا المرِّ. وَلكِنْ إِنْ كُنْتِ قَدْ زُغْتِ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ وَتَنَجَّسْتِ، وَجَعَلَ مَعَكِ رَجُلٌ غيرُ رَجُلِكِ مَضْجَعَهُ. يَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ المرْأَةَ بِحَلْفِ اللَّعْنَةِ، وَيَقُولُ الْكَاهِنُ لِلْمَرْأَةِ: يَجْعَلُكِ الرَّبُّ لَعْنَةً وَحَلْفًا بَيْنَ شَعْبِكِ، بِأَنْ يَجْعَلَ الرَّبُّ فَخْذَكِ سَاقِطَةً وَبَطْنَكِ وَارِمًا. وَيَدْخُلُ مَاءُ اللَّعْنَةِ هذَا فِي أَحْشَائِكِ لِوَرَمِ الْبَطْنِ، وَلإِسْقَاطِ الْفَخْذِ. فَتَقُولُ المَرْأَةُ: آمِينَ، آمِينَ. وَيَكْتُبُ الْكَاهِنُ هذِهِ اللَّعْنَاتِ فِي الْكِتَابِ ثُمَّ يَمْحُوهَا فِي الماءِ المرِّ، وَيَسْقِي المرْأَةَ مَاءَ اللَّعْنَةِ المرَّ، فَيَدْخُلُ فِيهَا مَاءُ اللَّعْنَةِ لِلْمَرَارَةِ. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ يَدِ المرْأَةِ تَقْدِمَةَ الْغَيْرَةِ، وَيُرَدِّدُ التَّقْدِمَةَ أَمَامَ الرَّبِّ وَيُقَدِّمُهَا إِلَى المذْبَحِ. وَيَقْبِضُ الْكَاهِنُ مِنَ التَّقْدِمَةِ تَذْكَارَهَا وَيُوقِدُهُ عَلَى المذْبَحِ، وَبَعْدَ ذلِكَ يَسْقِي المرْأَةَ الماءَ. وَمَتَى سَقَاهَا الماءَ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَنَجَّسَتْ وَخَانَتْ رَجُلَهَا، يَدْخُلُ فِيهَا مَاءُ اللَّعْنَةِ لِلْمَرَارَةِ، فَيَرِمُ بَطْنُهَا وَتَسْقُطُ فَخْذُهَا، فَتَصِيرُ المرْأَةُ لَعْنَةً فِي وَسَطِ شَعْبِهَا. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ المرْأَةُ قَدْ تَنَجَّسَتْ بَلْ كَانَتْ طَاهِرَةً، تَتَبَرَّأُ وَتَحْبَلُ بِزَرْعٍ." (العدد ٥/ ١٥ - ٢٨).
خامسًا: تشبيهات ممجوجة لله في العهد القديم وجاء في أسفار العهد القديم أن الله يشبه نفسه تشبيهات غريبة ممجوجة، فيشحه نفسه بالحيوان تارة وبالمخمور تارة، ومثل هذه الطريقة لا يرتضيها العقلاء في التعبير عن ذواتهم، فالقارئ الكريم لن يقبل لو شُبه بالحمار بجامع الصبر والجَلد في كليهما، أو بالقطة لما عندها من حنو على أبنائها، أو بالكلب لبالغ وفائه ...
ولكن الكثير من ذلك تنسبه التوراة إلى الله، وهاك الأمثل:
١ - من ذلك قوله: ""فَأَكُونُ لَهُمْ كَأَسَدٍ. أَرْصُدُ عَلَى الطَّرِيقِ كَنَمِرٍ. أَصْدِمُهُمْ كَدُبَّةٍ مُثْكِل، وَأَشُقُّ شَغَافَ قَلْبِهِمْ، وَآكُلُهُمْ هُنَاكَ كَلَبْوَةٍ. يُمَزِّقُهُمْ وَحْشُ الْبَرِّيَّةِ" (هوشع ١٣/ ٧ - ٨).
٢ - ومثله التشبيه المنكر لله والذي جاء سفر هوشع: "فَأَنَا لأَفْرَايِمَ كَالْعُثِّ، وَلبَيْتِ يَهُوذَا كَالسُّوسِ." (هوشع ٥/ ١٢).
٣ - ويشبه سفر ميخا حزن الرب على ما أصاب بني إسرائيل بنواح النعام ونحيب
стр. 1052
إناث الثعالب، فيقول: "قَوْلُ الرَّبِّ الَّذِي صَارَ إِلَى مِيخَا ... اِسْمَعُوا أَيُّهَا الشُّعُوبُ جَمِيعُكُمْ .... مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَنُوحُ وَأُوَلْوِلُ. أَمْشِي حَافِيًا وَعُرْيَانًا. أَصْنَعُ نَحِيبًا كَبَنَاتِ آوَى، وَنَوْحًا كَرِعَالِ النَّعَامِ." (ميخا ١/ ١ - ٨).
وفي نص آخر تذكر التوراة حزنه على شعبه وعذرائها أورشليم، فيقول للنبي إرميا: وتقول لهم هذه الْكلمة: "لتذرف عيناي دموعًا ليلًا ونهارًا، ولا تكفّا أبدًا، لأنّ العذراء بنت شعبي سحقتْ سحقًا عظيمًا" (إرميا ١٤/ ١٧).
وتستمر المخازي في التشبيهات التوراتية، فتشبه الله بالمرأة تارة، وبالزوج تارة، فقد جاء فيها: "لأَنَّ بَعْلَكِ هُوَ صَانِعُكِ، رَبُّ الجنُودِ اسْمُهُ، وَوَليُّكِ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ، إِلهَ كُلِّ الأَرْضِ يُدْعَى. لأنَّهُ كَامْرَأَةٍ مَهْجُورَةٍ وَمحَزونَةِ الرُّوحِ دَعَاكِ الرَّبُّ" (إشعيا ٥٤/ ١ - ٦).
وفي موضع آخر أنه قال: "هكَذَا قَال الرَّبُّ: "أَيْنَ كِتَابُ طَلَاقِ أُمِّكُمُ الَّتِي طَلَّقْتُهَا، أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ غُرَمَائِي الَّذِي بِعْتُهُ إِيَّاكُمْ؟ هُوَذَا مِنْ أَجْلِ آثَامِكُمْ قَدْ بُعْتُمْ، وَمِنْ أَجْلِ ذُنوبِكُمْ طُلِّقَتْ أُمكُّمْ." (إشعيا ٥٠/ ١).
ومثله أن الله خاطب أورشليم " وَكَفَرَحِ الْعَرِيسِ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلهُكِ." (إشعيا ٦٢/ ٥).
٤ - ومن سيئ التشبيهات التوراتية تشبيه الله العظيم بالسكران يفيق من سكره، فتقول: "فَاسْتَيْقَظَ الرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ الخمْرِ. فَضَرَبَ أَعْدَاءَهُ إِلَى الْوَرَاءِ. جَعَلَهُمْ عَارًا أَبدِيًّا" (المزمور ٧٨/ ٦٥ - ٦٦) .. (١)
المبحث الثاني: صفات الأنبياء في الكتاب المقدس
تمهيد:
اصطفى الله أنبياءه من بين سائر خلقه، وحباهم بأن جعلهم حمل دينه إلى الناس، وأسبق أقوامهم إليه، وجعل منهم قدوة للعالمين ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام/ ٩٠) وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ
стр. 1053
حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم/ ٥٨). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (السجدة/ ٢٤).
وهذا الذي يقتضيه العقل في هؤلاء الذين اختارهم الله لهداية خلقه، أن يكونوا أحسن الناس سيرة، وأصدقهم طوية ... كيف لا، وقد جاء الحديث في التوراة عن عصمة الكهنة وبراءتهم من الآثام، لأنهم حاملو الشريعة ومبلغوها للناس، وهم - ولا ريب - دون منزلة الأنبياء، يقول سفر ملاخي عن لاوي وسبطه: "كَانَ عَهْدِي مَعَهُ لِلْحَيَاةِ وَالسَّلَامِ، وَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُمَا لِلتَّقْوَى. فَاتَّقَانِي، وَمنِ اسْمِي ارْتَاعَ هُوَ. شَرِيعَةُ الْحَقِّ كَانَتْ فِي فِيهِ، وَإِثْمٌ لَم يُوجَدْ فِي شَفَتَيْهِ. سَلَكَ مَعِي فِي السَّلَامِ وَالاسْتِقَامَةِ، وَأَرْجَعَ كَثِيرِينَ عَنِ الإِثْمِ. لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً، وَمنْ فَمِهِ يَطْلمونَ الشَّرِيعَةَ، لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الجنُودِ." (ملاخي ٢/ ٥ - ٧).
أولًا: تعظيم الأنبياء في العهد القديم:
وتثني التوراة في بعض نصوصها على بعض هؤلاء الأنبياء، فعن داود قال: ""أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا"" (صموئيل (٢) ٧/ ١٤).
وعن نوح قال: "كَانَ نُوح رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ الله". (التكوين ٦/ ٩).
وعن إبراهيم تقول التوراة بأن الله قال له في المنام: "لَا تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا". (التكوين ١٥/ ١).
وعن إسحاق "وَبَارَكَهُ الرَّبُّ" (التكوين ٢٦/ ١٢) ... إلى غير ذلك، لكن ذلك كله يضيع في بحر الرذائل التي تلصقها التوراة زورًا بحملة رسالات الله من الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله لبلاع وحيه.
ثانيًا: الطعن في أنبياء الله تعالى في الكتاب المقدس:
١ - نوح ﵇ -:
تحدثت التوراة عن سُكرِ نبي الله نوح ﵇ وحاشاه - وتعريه داخل خبائه، وحينذاك أبصره ابنه الصغير حام، وأخبر أخويه بما رأى فجاءا بظهريهما، وسترا عورة أبيهما الثمِل،
стр. 1054
فلما أفاق من سكرته وعرف ما فعل ابنه حام الصغير لعن، والقصة بتمامها: "وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلَّاحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فَقَال: "مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! (أب الفلسطينيين الذي لا علاقة له بالحادثة، الذي لم يولد حينذاك)، عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ". وَقَال: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. لِيَفْتَحِ الله لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ"." (التكوين ٩/ ٢٥ - ٢٦).
٢ - إبراهيم ﵇ -:
وأما إبراهيم خليل الله، فتزعم التوراة أنه أخطأ في حق الله لما أراد إهلاك قوم لوط، وخاطب ربه بأسلوب الناصح الغليظ، بأسلوب لا يقبل عاقل أن يخاطب به صديقه أو ابنه، فضلًا عن عبده الضعيف "فتقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَال: "أَفتهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي المدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ المكَانَ وَلَا تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟ حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لَا يَصْنَعُ عَدْلًا؟ "" (التكوين ١٨/ ٢٣ - ٢٥).
٣ - لوط ﵇ -.
وأما لوط ﵇ النبي الذي حارب الشذوذ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر، وضاجعتاه، ولم يعلم بذلك، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل، فاسمع إلى السفر: "وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الجبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صوغَرَ. فَسَكَنَ فِي المغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. وَقَالتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: "أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ. هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ
стр. 1055
أَبِينَا نَسْلًا". فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا. وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالتْ لِلصَّغِيرَةِ: "إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أيضًا فَادْخُلي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا" فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أيضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا، فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "مُوآبَ"، وَهُوَ أَبُو الموآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ. (أعداء بني إسرائيل) وَالصَّغِيرَةُ أيضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "بِنْ عَمِّي"، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ. (وهم أيضًا أعداء بني إسرائيل) " (التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٨).
ويذكر السفر تبريرًا لهذه الفاحشة، أن الكبيرة منهما قالت لأختها: ""أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ ... فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا" (التكوين ١٩/ ٣١ - ٣٢)، فيصور النص الأرض وقد خلت من الرجال، أو أن المغارة سيمكث فيها لوط وابنتاه إلى الأبد، فلا سبيل حينذاك لاستبقاء النسل إلا زنا المحارم! .
٤ - يعقوب ﵇ -.
وأما يعقوب ﵇ أصل بني إسرائيل، فهو أيضًا لم يسلم من مخازي التوراة، ولم يشفع له أبوته لهم، فتذكر التوراة أنه سرق البركة من أخيه الأكبر عيسو عندما خدع أباه إسحاق وأشربه الخمر، وأوهمه أنه عيسو، ولم يستطع إسحاق أن يفرق بين ملمس ابنه الأكبر وجلد المعزي الذي وضعه يعقوب على يده. (انظر: التكوين ٢٧/ ١٦ - ٢٥).
فبارك يعقوب، وهو يظنه عيسو، وقال له: "رَائِحَةُ ابْنِي كَرَائِحَةِ حَقْل قَدْ بَارَكَهُ الرَّبُّ. فَلْيُعْطِكَ الله مِنْ نَدَى السَّمَاءِ وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ. وَكَثْرَةَ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ. لِيَكُنْ لَاعِنُوكَ مَلْعُونِينَ، وَمُبَارِكُوكَ مُبَارَكِينَ"" (التكوين ٢٧/ ٢٧ - ٢٩).
ثم بعد برهة جاء عيسو أباه فاكتشف الخدعة، ولكن بعد فوات الأوان.