وَيَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ المرْأَةَ وَيَقُولُ لَهَا: إِنْ كَانَ لَمْ يَضْطَجعْ مَعَكِ رَجُلٌ، وَإِنْ كُنْتِ لَمْ تَزِيغِي إِلَى نَجَاسَةٍ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ، فَكُونِي بَرِيئَةً مِنْ مَاءِ اللَّعْنَةِ هذَا المرِّ. وَلكِنْ إِنْ كُنْتِ قَدْ زُغْتِ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ وَتَنَجَّسْتِ، وَجَعَلَ مَعَكِ رَجُلٌ غيرُ رَجُلِكِ مَضْجَعَهُ. يَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ المرْأَةَ بِحَلْفِ اللَّعْنَةِ، وَيَقُولُ الْكَاهِنُ لِلْمَرْأَةِ: يَجْعَلُكِ الرَّبُّ لَعْنَةً وَحَلْفًا بَيْنَ شَعْبِكِ، بِأَنْ يَجْعَلَ الرَّبُّ فَخْذَكِ سَاقِطَةً وَبَطْنَكِ وَارِمًا. وَيَدْخُلُ مَاءُ اللَّعْنَةِ هذَا فِي أَحْشَائِكِ لِوَرَمِ الْبَطْنِ، وَلإِسْقَاطِ الْفَخْذِ. فَتَقُولُ المَرْأَةُ: آمِينَ، آمِينَ. وَيَكْتُبُ الْكَاهِنُ هذِهِ اللَّعْنَاتِ فِي الْكِتَابِ ثُمَّ يَمْحُوهَا فِي الماءِ المرِّ، وَيَسْقِي المرْأَةَ مَاءَ اللَّعْنَةِ المرَّ، فَيَدْخُلُ فِيهَا مَاءُ اللَّعْنَةِ لِلْمَرَارَةِ. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ يَدِ المرْأَةِ تَقْدِمَةَ الْغَيْرَةِ، وَيُرَدِّدُ التَّقْدِمَةَ أَمَامَ الرَّبِّ وَيُقَدِّمُهَا إِلَى المذْبَحِ. وَيَقْبِضُ الْكَاهِنُ مِنَ التَّقْدِمَةِ تَذْكَارَهَا وَيُوقِدُهُ عَلَى المذْبَحِ، وَبَعْدَ ذلِكَ يَسْقِي المرْأَةَ الماءَ. وَمَتَى سَقَاهَا الماءَ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَنَجَّسَتْ وَخَانَتْ رَجُلَهَا، يَدْخُلُ فِيهَا مَاءُ اللَّعْنَةِ لِلْمَرَارَةِ، فَيَرِمُ بَطْنُهَا وَتَسْقُطُ فَخْذُهَا، فَتَصِيرُ المرْأَةُ لَعْنَةً فِي وَسَطِ شَعْبِهَا. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ المرْأَةُ قَدْ تَنَجَّسَتْ بَلْ كَانَتْ طَاهِرَةً، تَتَبَرَّأُ وَتَحْبَلُ بِزَرْعٍ." (العدد ٥/ ١٥ - ٢٨).
خامسًا: تشبيهات ممجوجة لله في العهد القديم وجاء في أسفار العهد القديم أن الله يشبه نفسه تشبيهات غريبة ممجوجة، فيشحه نفسه بالحيوان تارة وبالمخمور تارة، ومثل هذه الطريقة لا يرتضيها العقلاء في التعبير عن ذواتهم، فالقارئ الكريم لن يقبل لو شُبه بالحمار بجامع الصبر والجَلد في كليهما، أو بالقطة لما عندها من حنو على أبنائها، أو بالكلب لبالغ وفائه ...
ولكن الكثير من ذلك تنسبه التوراة إلى الله، وهاك الأمثل:
١ - من ذلك قوله: ""فَأَكُونُ لَهُمْ كَأَسَدٍ. أَرْصُدُ عَلَى الطَّرِيقِ كَنَمِرٍ. أَصْدِمُهُمْ كَدُبَّةٍ مُثْكِل، وَأَشُقُّ شَغَافَ قَلْبِهِمْ، وَآكُلُهُمْ هُنَاكَ كَلَبْوَةٍ. يُمَزِّقُهُمْ وَحْشُ الْبَرِّيَّةِ" (هوشع ١٣/ ٧ - ٨).
٢ - ومثله التشبيه المنكر لله والذي جاء سفر هوشع: "فَأَنَا لأَفْرَايِمَ كَالْعُثِّ، وَلبَيْتِ يَهُوذَا كَالسُّوسِ." (هوشع ٥/ ١٢).
٣ - ويشبه سفر ميخا حزن الرب على ما أصاب بني إسرائيل بنواح النعام ونحيب
стр. 1052
إناث الثعالب، فيقول: "قَوْلُ الرَّبِّ الَّذِي صَارَ إِلَى مِيخَا ... اِسْمَعُوا أَيُّهَا الشُّعُوبُ جَمِيعُكُمْ .... مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَنُوحُ وَأُوَلْوِلُ. أَمْشِي حَافِيًا وَعُرْيَانًا. أَصْنَعُ نَحِيبًا كَبَنَاتِ آوَى، وَنَوْحًا كَرِعَالِ النَّعَامِ." (ميخا ١/ ١ - ٨).
وفي نص آخر تذكر التوراة حزنه على شعبه وعذرائها أورشليم، فيقول للنبي إرميا: وتقول لهم هذه الْكلمة: "لتذرف عيناي دموعًا ليلًا ونهارًا، ولا تكفّا أبدًا، لأنّ العذراء بنت شعبي سحقتْ سحقًا عظيمًا" (إرميا ١٤/ ١٧).
وتستمر المخازي في التشبيهات التوراتية، فتشبه الله بالمرأة تارة، وبالزوج تارة، فقد جاء فيها: "لأَنَّ بَعْلَكِ هُوَ صَانِعُكِ، رَبُّ الجنُودِ اسْمُهُ، وَوَليُّكِ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ، إِلهَ كُلِّ الأَرْضِ يُدْعَى. لأنَّهُ كَامْرَأَةٍ مَهْجُورَةٍ وَمحَزونَةِ الرُّوحِ دَعَاكِ الرَّبُّ" (إشعيا ٥٤/ ١ - ٦).
وفي موضع آخر أنه قال: "هكَذَا قَال الرَّبُّ: "أَيْنَ كِتَابُ طَلَاقِ أُمِّكُمُ الَّتِي طَلَّقْتُهَا، أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ غُرَمَائِي الَّذِي بِعْتُهُ إِيَّاكُمْ؟ هُوَذَا مِنْ أَجْلِ آثَامِكُمْ قَدْ بُعْتُمْ، وَمِنْ أَجْلِ ذُنوبِكُمْ طُلِّقَتْ أُمكُّمْ." (إشعيا ٥٠/ ١).
ومثله أن الله خاطب أورشليم " وَكَفَرَحِ الْعَرِيسِ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلهُكِ." (إشعيا ٦٢/ ٥).
٤ - ومن سيئ التشبيهات التوراتية تشبيه الله العظيم بالسكران يفيق من سكره، فتقول: "فَاسْتَيْقَظَ الرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ الخمْرِ. فَضَرَبَ أَعْدَاءَهُ إِلَى الْوَرَاءِ. جَعَلَهُمْ عَارًا أَبدِيًّا" (المزمور ٧٨/ ٦٥ - ٦٦) .. (١)
المبحث الثاني: صفات الأنبياء في الكتاب المقدس
تمهيد:
اصطفى الله أنبياءه من بين سائر خلقه، وحباهم بأن جعلهم حمل دينه إلى الناس، وأسبق أقوامهم إليه، وجعل منهم قدوة للعالمين ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام/ ٩٠) وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ
стр. 1053
حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم/ ٥٨). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (السجدة/ ٢٤).
وهذا الذي يقتضيه العقل في هؤلاء الذين اختارهم الله لهداية خلقه، أن يكونوا أحسن الناس سيرة، وأصدقهم طوية ... كيف لا، وقد جاء الحديث في التوراة عن عصمة الكهنة وبراءتهم من الآثام، لأنهم حاملو الشريعة ومبلغوها للناس، وهم - ولا ريب - دون منزلة الأنبياء، يقول سفر ملاخي عن لاوي وسبطه: "كَانَ عَهْدِي مَعَهُ لِلْحَيَاةِ وَالسَّلَامِ، وَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُمَا لِلتَّقْوَى. فَاتَّقَانِي، وَمنِ اسْمِي ارْتَاعَ هُوَ. شَرِيعَةُ الْحَقِّ كَانَتْ فِي فِيهِ، وَإِثْمٌ لَم يُوجَدْ فِي شَفَتَيْهِ. سَلَكَ مَعِي فِي السَّلَامِ وَالاسْتِقَامَةِ، وَأَرْجَعَ كَثِيرِينَ عَنِ الإِثْمِ. لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً، وَمنْ فَمِهِ يَطْلمونَ الشَّرِيعَةَ، لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الجنُودِ." (ملاخي ٢/ ٥ - ٧).
أولًا: تعظيم الأنبياء في العهد القديم:
وتثني التوراة في بعض نصوصها على بعض هؤلاء الأنبياء، فعن داود قال: ""أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا"" (صموئيل (٢) ٧/ ١٤).
وعن نوح قال: "كَانَ نُوح رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ الله". (التكوين ٦/ ٩).
وعن إبراهيم تقول التوراة بأن الله قال له في المنام: "لَا تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا". (التكوين ١٥/ ١).
وعن إسحاق "وَبَارَكَهُ الرَّبُّ" (التكوين ٢٦/ ١٢) ... إلى غير ذلك، لكن ذلك كله يضيع في بحر الرذائل التي تلصقها التوراة زورًا بحملة رسالات الله من الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله لبلاع وحيه.
ثانيًا: الطعن في أنبياء الله تعالى في الكتاب المقدس:
١ - نوح ﵇ -:
تحدثت التوراة عن سُكرِ نبي الله نوح ﵇ وحاشاه - وتعريه داخل خبائه، وحينذاك أبصره ابنه الصغير حام، وأخبر أخويه بما رأى فجاءا بظهريهما، وسترا عورة أبيهما الثمِل،
стр. 1054
فلما أفاق من سكرته وعرف ما فعل ابنه حام الصغير لعن، والقصة بتمامها: "وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلَّاحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فَقَال: "مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! (أب الفلسطينيين الذي لا علاقة له بالحادثة، الذي لم يولد حينذاك)، عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ". وَقَال: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. لِيَفْتَحِ الله لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ"." (التكوين ٩/ ٢٥ - ٢٦).
٢ - إبراهيم ﵇ -:
وأما إبراهيم خليل الله، فتزعم التوراة أنه أخطأ في حق الله لما أراد إهلاك قوم لوط، وخاطب ربه بأسلوب الناصح الغليظ، بأسلوب لا يقبل عاقل أن يخاطب به صديقه أو ابنه، فضلًا عن عبده الضعيف "فتقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَال: "أَفتهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي المدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ المكَانَ وَلَا تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟ حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لَا يَصْنَعُ عَدْلًا؟ "" (التكوين ١٨/ ٢٣ - ٢٥).
٣ - لوط ﵇ -.
وأما لوط ﵇ النبي الذي حارب الشذوذ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر، وضاجعتاه، ولم يعلم بذلك، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل، فاسمع إلى السفر: "وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الجبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صوغَرَ. فَسَكَنَ فِي المغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. وَقَالتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: "أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ. هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ
стр. 1055
أَبِينَا نَسْلًا". فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا. وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالتْ لِلصَّغِيرَةِ: "إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أيضًا فَادْخُلي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا" فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أيضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا، فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "مُوآبَ"، وَهُوَ أَبُو الموآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ. (أعداء بني إسرائيل) وَالصَّغِيرَةُ أيضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "بِنْ عَمِّي"، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ. (وهم أيضًا أعداء بني إسرائيل) " (التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٨).
ويذكر السفر تبريرًا لهذه الفاحشة، أن الكبيرة منهما قالت لأختها: ""أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ ... فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا" (التكوين ١٩/ ٣١ - ٣٢)، فيصور النص الأرض وقد خلت من الرجال، أو أن المغارة سيمكث فيها لوط وابنتاه إلى الأبد، فلا سبيل حينذاك لاستبقاء النسل إلا زنا المحارم! .
٤ - يعقوب ﵇ -.
وأما يعقوب ﵇ أصل بني إسرائيل، فهو أيضًا لم يسلم من مخازي التوراة، ولم يشفع له أبوته لهم، فتذكر التوراة أنه سرق البركة من أخيه الأكبر عيسو عندما خدع أباه إسحاق وأشربه الخمر، وأوهمه أنه عيسو، ولم يستطع إسحاق أن يفرق بين ملمس ابنه الأكبر وجلد المعزي الذي وضعه يعقوب على يده. (انظر: التكوين ٢٧/ ١٦ - ٢٥).
فبارك يعقوب، وهو يظنه عيسو، وقال له: "رَائِحَةُ ابْنِي كَرَائِحَةِ حَقْل قَدْ بَارَكَهُ الرَّبُّ. فَلْيُعْطِكَ الله مِنْ نَدَى السَّمَاءِ وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ. وَكَثْرَةَ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ. لِيَكُنْ لَاعِنُوكَ مَلْعُونِينَ، وَمُبَارِكُوكَ مُبَارَكِينَ"" (التكوين ٢٧/ ٢٧ - ٢٩).
ثم بعد برهة جاء عيسو أباه فاكتشف الخدعة، ولكن بعد فوات الأوان.
стр. 1056
وهكذا فالبركة سرقت، وهذا يعتبر كذبًا على الله واهب البركة، لا على إسحاق ويتساءل المسلمون لماذا لم يسترد إسحاق بركته؟ ثم ما هذه البركة التي تثمر خمرًا واستعبادًا للشعوب؟
وهذه البركة لا يبدو لها عظيم أثر في حياة يعقوب، فقد جوزي على خديعته لأبيه، فخدعه خاله لابان، فأدخله على ابنته الكبرى ليئة، فضاجعها، وهي غير التي عقد له عليها (راحيل). أي وقع في الزنا، ولكن من غير عمد. (انظر: التكوين ٢٩/ ٢٤).
وقد رد الصاع لخاله حينما خدعه في غنمه. (انظر: التكوين ٣٠/ ٣٧ - ٤٢).
ثم لما شاخ اعتدى شكيم على ابنته واغتصبها. (انظر: التكوين ٣٤/ ٢).
ثم زنى أحد أبنائه، وهو يهوذا بكتته ثامار، وأحبلها اثنين من أبنائه. (انظر: التكوين ٣٨/ ١٨).
ثم اعتدى ابنه البكر رؤابين على بلهة سرية يعقوب، واضطجع معها، ولم يحرك يعقوب ساكنًا. (انظر: التكوين ٣٥/ ٢١ - ٢٢). فأين أثر البركة المسروقة في هذا كله؟
٥ - موسى وهارون ﵉ .
كما تسيء التوراة إلى موسى ﵇ أعظم أنبياء بني إسرائيل، وهذه أمثلة:
١ - تذكر كلمات لا يمكن أن تصدر من موسى لما فيها من إساءة أدب مع الله، منها: ""فَقَال مُوسَى لِلرَّبِّ: "لِمَاذَا أَسَأْتَ إِلَى عَبْدِكَ؟ وَلمِاذَا لَمْ أَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنيكَ حَتَّى أَنَّكَ وَضَعْتَ ثِقْلَ جَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ عَلَيَّ؟ أَلعَلِّي حَبِلْتُ بِجَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ؟ أَوْ لَعَلِّي وَلَدْتُهُ، حَتَّى تَقُولَ لِي احْمِلْهُ فِي حِضْنِكَ كَمَا يَحْمِلُ المرَبِّي الرَّضِيعَ، إِلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفْتَ لآبَائِهِ؟ مِنْ أَيْنَ لِي لَحْمٌ حَتَّى أُعْطِيَ جَمِيعَ هذَا الشَّعْبِ؟ لأَنَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيَّ قَائِلِينَ: أَعْطِنَا لَحْمًا لِنَأْكُلَ. لَا أَقْدِرُ أَنَا وَحْدِي أَنْ أَحْمِلَ جَمِيعَ هذَا الشَّعْبِ لأَنَّهُ ثَقِيلٌ عَلَيَّ. فَإِنْ كُنْتَ تَفْعَلُ بِي هكَذَا، فَاقْتُلْنِي قَتْلًا إِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنيكَ، فَلَا أَرَى بَلِيَّتِي"." (العدد ١١/ ١٠ - ١٥).
فهل يتحدث عبد - فضلًا عن نبي - مع ربه بمثل هذا؟
٢ - وتذكر التوراة أن موسى في حربه مع أهل مديان - الذين مكث فيهم سنين - أمر بقتلهم شر قتلة، وحين لم ينفذ الجيش أمره "فَسَخَطَ مُوسَى عَلَى وُكَلَاءِ الجيْشِ، رُؤَسَاءِ
стр. 1057
الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءِ المئَاتِ الْقَادِمِينَ مِنْ جُنْدِ الحرْبِ. وَقَال لَهُمْ مُوسَى: "هَلْ أَبْقَيْتُمْ كُلَّ أُنْثَى حَيَّةً؟ إِنَّ هؤُلَاءِ كُنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، حَسَبَ كَلَامِ بَلْعَامَ، سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ فِي أَمْرِ فَغُورَ، فَكَانَ الْوَبَأُ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلًا بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا. لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ. (العدد ٣١/ ١٤ - ١٨)، ولم يخبر السفر عن طريقة التمييز بين الأبكار وغيرهن، فهل يأمر نبي بمثل هذا؟ ! !
٣ - وأما هارون القدوس كما في سفر المزامير "وَهارُونَ قُدُّوسَ الرَّبِّ" (المزمور ١٠٦/ ١٦)، فإن سفر الخروج يفتري عليه، ويتهمه بأنه الذي صنع العجل لبني إسرائيل ليعبدوه، فيقول: "فَقَال لَهُمْ هَارُونُ: "انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُوني بِهَا" فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ وَأَتَوْا بِهَا إِلَى هَارُونَ. فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْميلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلًا مَسْبُوكًا. فَقَالوا: "هذ آلهِتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ"." (الخروج ٣٢/ ٢ - ٤)، فهل هذا صنيع يصنعه قدوس الرب؟
٤ - ثم تذكر التوراة المحرفة أن الله حرم موسى وهارون من دخول الأرض المقدسة لخيانتهما لله وعدم إيمانهما: "فَقَال الرَّبُّ لمُوسَى وَهَارُونَ: "مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمَا لَمْ تُؤْمِنَا بِي حَتَّى تُقَدِّسَانِي أَمَامَ أَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِذلِكَ لَا تُدْخِلَانِ هذ الْجَمَاعَةَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا"." (العدد ٢٠/ ١٢).
٥ - وتذكر التوراة في قصة غريبة مبهمة من غير مقدمات لها، ومفادها أن الله أراد قتل موسى وهو في صحراء سيناء، حين كان متجهًا لدعوة فرعون كما أمره الرب، والذي أنقذه من القتل ذكاء زوجته صفورة وسرعة بديهتها، حيث أدركت أن سبب غضب الرب عدم ختان موسى لابنه، فختنته سريعًا، ووضعت غرلته عند رجلي الرب، فنجا موسى من الموت، يقول السفر: "وَحَدَثَ فِي الطَّرِيقِ فِي المنْزِلِ أَنَّ الرَّبَّ الْتَقَاهُ وَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَهُ. فَأَخَذَتْ صَفُّورَةُ صَوَّانَةً وَقَطَعَتْ غُرْلَةَ ابْنِهَا وَمَسَّتْ رِجْلَيْهِ. فَقَالتْ: "إِنَّكَ عَرِيسُ دَمٍ لِي".
стр. 1058
فَانْفَكَّ عَنْهُ. حِينَئِذٍ قَالتْ: "عَرِيسُ دَمٍ مِنْ أَجْلِ الختَانِ"." (الخروج ٤/ ٢٤ - ٢٦).
ولم يبين السفر السبب الصريح لهذه الغضبة الإلهية المزعومة، واكتفى ببيان هذه الطريقة الغريبة في استرضاء الرب، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
لكن القرآن الكريم يبرئ موسى وهارون من هذه الخيانة وأمثالها فيقول: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ (مريم/ ٥١، ٥٣).
٦ - يشوع بن نون ﵇ -.
وأما يشوع وصي موسى، فإن اسمه يقترن في التوراة بسلسلة من المجازر التي طالت النساء والأطفال والرجال والحيوان، وكنموذج لهذه المجازر نحكي قصة مجزرة أريحا التي لم ينج فيها سوى راحاب الزانية ومن يلوذ بها، وأما ما عداها فقد أمر يشوع: وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى المدِينَةِ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا المدِينَةَ. وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي المدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالحمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ. وَقَال يَشُوعُ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تجَسَّسَا الأَرْضَ: "ادْخُلَا بَيْتَ المرْأَةِ الزَّانِيَةِ وَأَخْرِجَا مِنْ هُنَاكَ المرْأَةَ وَكُلَّ مَا لَهَا كما حَلَفْتُمَا لَهَا". فَدَخَلَ الْغُلَامَانِ الجاسُوسَانِ وَأَخْرَجَا رَاحَابَ وَأَبَاهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا وَكُلَّ مَا لَهَا، وَأَخْرَجَا كُلَّ عَشَائِرِهَا وَتَرَكَاهُمْ خَارِجَ مَحَلَّةِ إِسْرَائِيلَ. وَأَحْرَقُوا المدِينَةَ بِالنَّارِ" (يشوع ٦/ ٢٠ - ٢٤).
ويستمر سفر يشوع في عرض سلسلة من المجازر التي طالت النساء والأطفال الأبرياء، وكل ذلك بأمر من يشوع، وحاشاه ﵇:
"وَأَخَذَ يَشُوعُ مَقيدَةَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَضَرَبَهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَحَرَّمَ مَلِكَهَا هُوَ وَكُلَّ نَفْسٍ بِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا، وَفَعَلَ بِمَلِكِ مَقيدَةَ كَمَا فَعَلَ بِمَلِكِ أَرِيحَا. ثُمَّ اجْتَازَ يَشُوعُ مِنْ مَقيدَةَ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ إِلَى لِبْنَةَ، وَحَارَبَ لِبْنَةَ. فَدَفَعَهَا الرَّبُّ هِيَ أيضًا بِيَدِ إِسْرَائِيلَ مَعَ مَلِكِهَا، فَضَرَبَهَا بِحَدِّ السَّيْفِ وَكُلَّ نَفْسٍ بِهَا. لَمْ يُبْقِ بِهَا شَارِدًا، وَفَعَلَ بِمَلِكِهَا كَمَا فَعَلَ بِمَلِكِ أَرِيحَا. ثُمَّ اجْتَازَ يَشُوعُ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ مِنْ لِبْنَةَ إِلَى لخَيشَ وَنَزَلَ عَلَيْهَا وَحَارَبَهَا. فَدَفَعَ الرَّبُّ لخَيشَ بِيَدِ
стр. 1059
إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَضرَبَهَا بِحَدِّ السَّيْفِ وَكُلَّ نَفْسٍ بِهَا حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ بِلِبْنَةَ. حِينَئِذٍ صَعِدَ هُورَامُ مَلِكُ جَازَرَ لإِعَانَةِ لخِيشَ، وَضرَبَهُ يَشُوعُ مَعَ شَعْبِهِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُ شَارِدًا.
ثُمَّ اجْتَازَ يَشُوعُ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ مِنْ لخِيشَ إِلَى عَجْلُونَ فَنَزُلوا عَلَيْهَا وَحَارَبُوهَا، وَأَخَذُوهَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَضرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَحَرَّمَ كُلَّ نَفْسٍ بِهَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ بِلَخِيشَ. ثُمَّ صَعِدَ يَشُوعُ وَجَمِيعُ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ مِنْ عَجْلُونَ إِلَى حَبْرُونَ وَحَارَبُوهَا، وَأَخَذُوهَا وَضرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ مَعَ مَلِكِهَا وَكُلِّ مُدُنِهَا وَكُلِّ نَفْسٍ بِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ بِعَجْلُونَ، فَحَرَّمَهَا وَكُلَّ نَفْسٍ بِهَا.
ثُمَّ رَجَعَ يَشُوعُ وَكُلّ إِسْرَائِيلَ مَعَهُ إِلَى دَبِيرَ وَحَارَبَهَا، وَأَخَذَهَا مَعَ مَلِكِهَا وَكُلِّ مُدُنِهَا، وَضرُبوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ وَحَرَّمُوا كُلَّ نَفْسٍ بِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا، كَمَا فَعَلَ بِحَبْرُونَ كَذلِكَ فَعَلَ بِدَبِيرَ وَمَلِكِهَا، وَكَمَا فَعَلَ بِلِبْنَةَ وَمَلِكِهَا.
فَضَرَبَ يَشوعُ كُلَّ أَرْضِ الجبَلِ وَالجنُوبِ وَالسَّهْلِ وَالسُّفُوحِ وَكُلَّ مُلُوكِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا، بَلْ حَرَّمَ كُلَّ نَسَمَةٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ إِلهُ إِسرَائِيلَ." (يشوع ١٠/ ٢٨ - ٤٠).
وقد رأينا بعد هذه السلسلة الطويلة من المجازر، والتي تذكر بمجازر اليهود اليوم كيف نسب السفر هذه المجازر المريعة إلى أمر الرب، فقال في آخره: "كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ" (يشوع ١٠/ ٤٠).
٧ - داود ﵇ -.
وأما داود ﵇ والذي يصفه القرآن بقوله: "وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا" (الإسراء/ ٥٥).
ومع ذلك تخصه التوراة بقبائح لم تذكر لغيره:
١ - منها أنه لما أراد الزواج من ابنة شاول ملك إسرائيل الأول (طالوت) قدم إليه مهرًا عجيبًا فلقد "حَتَّى قَامَ دَاوُدُ وَذَهَبَ هُوَ وَرِجَالهُ وَقَتَلَ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ مِئَتَيْ رَجُل، وَأَتَى دَاوُدُ بِغُلَفِهِمْ (الجلدة التي تقطع في الختان) فَأَكْمَلُوهَا لِلْمَلِكِ لِمُصاهَرَةِ الملِكِ. فَأَعْطَاهُ
نبيًّا: (ملوك الأول ١/ ١١ - ٣٠)
١٦ - نبي الله شمشمون يزني بامرأة في غزة: (قضاة ١٦/ ١)
١٧ - نبي الله إرمياء يحكم على نبي الله حننيا بالكفر ويقتله:
ورد في سفر إرميا (٢٨/ ١٥ - ١٧) " فَقَال إِرْمِيَا النَّبِيُّ لِحنَنِيَّا النَّبِيِّ: "اسْمَعْ يَا حَنَنِيَّا. إِنَّ الرَّبَّ لَمْ يُرْسِلْكَ، وَأَنْتَ قَدْ جَعَلْتَ هذَا الشَّعْبَ يَتَّكِلُ عَلَى الْكَذِبِ. لِذلِكَ هكَذَا قَال الرَّبُّ: هأَنَذَا طَارِدُكَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ. هذ السَّنَةَ تَمُوتُ، لأَنَّكَ تَكَلَّمْتَ بِعِصْيَانٍ عَلَى الرَّبِّ". فَمَاتَ حَنَنِيَّا النَّبِيُّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فِي الشَّهْرِ السَّابعِ.
هذه بعض الأمثلة من الكتاب المقدس حول صفات الأنبياء.
ونتساءل: لو كان هذا حال أنبياء الله؛ فما فائدة النبوات بعد ذلك إذا كان المختارون من البشر وصفوتهم على مثل هذه الحال؟ وأي خير يرتجى في إصلاح البشرية وتطهيرها من دنس الشرك والخطيئة بعد الذي قرأنا؟
ثم هل تخليد هذا الدنس يصدر عن وحي السماء؟ لو كان ذلك الذي ذكرته التوراة من المخازي حقًّا فما فائدة ذكره؟ ما الفائدة المرجوة منه حتى يسطره الله في وحيه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. (١)
ودفاعًا عن أنبياء الله تعالى، نذكر تعظيم الله لأنبيائه في القرآن الكريم:
١ - قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم/ ٥٨).
٢ - وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ
المبحث الثالث: الأخلاق في الكتاب المقدس وأثره على أتباعه .
تمهيد:
جاء في كلام المسيح: "١٥ "اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الحمْلَانِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ! ١٦ مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنبًا، أَوْ مِنَ الحَسَكِ تِينًا؟ ١٧ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، ١٨ لَا تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلَا شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. ١٩ كُلُّ شَجَرَةٍ لَا تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. ٢٠ فَإِذًا مِنْ ثْمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. (متى ٧/ ١٥ - ٢٠).
يسوق المسلمون هذا النص الإنجيلي ويطلبون من النصارى التحاكم إليه، ومن ثم تكون الثمار دالة على حسن الغرس أو سوئه.
أولًا: الأخلاق في العهد القديم
يقول بولس: "١٦ كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ الله، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، ١٧ لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ الله كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صالِحٍ." (تيموثاوس (٢) ٣/ ١٦).
فهل كان الكتاب المقدس فعلًا موبخًا للخطيئة ومعلمًا للبر ومقومًا للسلوك، وصالحًا للتأديب؟
تمتلئ جنبات الكتاب بالنصوص المختلفة، والذي يعنينا هنا تلك النصوص التي مست الجانب الأخلاقي، فقد امتلأت أسفار الكتاب المقدس بالحديث عن رذائل مارسها بنو إسرائيل وغيرهم، وحكت طويلًا عن سكرهم وزناهم ووثنيتهم. ولقد يظن الظان أنها حكت ذلك في باب النهر والتأديب والتبصر في عاقبة المجرمين.
ولكن شيئًا من ذلك لم يكن في الكتاب المقدس الذي حوى بين دفتيه عشرات النصوص القبيحة والوقحة التي تمثل صورة لأدب الفراش والجنس المكشوف.
أولًا: ألفاظ جنسية فاضحة لا تحمل صفة القداسة والطهارة في الكتاب المقدس .
سفر نشيد الإنشاد هو أحد أسفار الكتاب المقدس ويدعي النصارى أن رب العالمين
стр. 1068
أوحاه إلى نبيه سليمان ﵇ وهذا نصه بحسب ترجمة الفاندايك:
ورد في سفر نشيد الإنشاد (٧: ١ - ٩): "مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الْحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. ٢ سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لَا يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِن عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ. ٥ رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أُسِرَ بِالْخُصَلِ. ٦ مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلَاكِ أَيَّتُهَا الْحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! ٧ قَامَتُكِ هذه شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. ٨ قُلْتُ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا. وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، ٩ وَحَنكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ. لِحَبِيبِي السَّائِغَةُ المرَقْرِقَةُ السَّائِحَةُ عَلَى شِفَاهِ النَّائِمِينَ." وفي (٨/ ١ - ٣): "١ لَيْتَكَ كَأَخٍ لِي الرَّاضِعِ ثَدْيَيْ أُمِّي، فَأَجِدَكَ فِي الْخَارِجِ وَأُقَبِّلَكَ وَلَا يُخْزُونَنِي. ٢ وَأَقُودُكَ وَأَدْخُلُ بِكَ بَيْتَ أُمِّي، وَهِيَ تُعَلِّمُنِي، فَأَسْقِيكَ مِنَ الْخَمْرِ الممْزُوجَةِ مِنْ سُلَافِ رُمَّانِي. ٣ شِمَالهُ تَحْتَ رَأْسِي، وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي. أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ أَلَّا تُيَقِّظْنَ وَلَا تُنبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ.
قد يأتي مغالط مكابر من عشاق التفسير بالرمز أو (الشفرة) ليقول لنا ما لا يفهم ولا يتصور في هذا الكلام الجنسي الفاضح، وليت شعري ماذا يقصد الله ﷻ بفخذي المرأة المستديرين وبسرتها وبطنها وثدياها؟ ! (تعالى الله عما يصفون)، أليس من المخجل أن ندعي بأن الله ﵎ قد أوحى بمثل هذه الكلمات الفاضحة ولو كانت بشكل رمزي؟ ! ألم يجد كاتب سفر نشيد الإنشاد ألفاظًا أخرى يستعيض بها عن هذه الألفاظ الذي لا يختلف اثنان على مبلغ وقاحتها؟ إن هذا الإصحاح من الكتاب المقدس لم يترك شيئًا للأجيال اللاحقة التي تهوي الغزل الجنسي المفضوح، فهو لا شك مصدر إلهام لمن يسلك طريق الغزل الجنسي الفاضح.
وأخيرًا: هل يجرؤ الآباء بقراءة هذا الكلام في القداس أمام الرجال والنساء؟ !
стр. 1069
٢ - الفراش المعطر! !
وفي سفر الأمثال ٧/ ٦ - ٢١ ننقل بعضًا منه كما يلي:
لأَنِّي مِنْ كُوَّةِ بَيْتِي، مِنْ وَرَاءِ شُبَّاكِي تَطَلَّعْتُ، .... ، ٨ عَابِرًا فِي الشَّارِعِ عِنْدَ زَاوِيَتِهَا، وَصَاعِدًا فِي طَرِيقِ بَيْتِهَا. ٩ فِي الْعِشَاءِ، فِي مَسَاءِ الْيَوْمِ، فِي حَدَقَةِ اللَّيْلِ وَالظَّلَامِ. ١٠ وَإِذَا بِامْرَأَةٍ اسْتَقْبَلَتْهُ فِي زِيِّ زَانِيَةٍ، وَخَبِيثَةِ الْقَلْبِ. ١١ صَخَّابَةٌ هِيَ وَجَامِحَةٌ. فِي بَيْتِهَا لَا تَسْتَقِرُّ قَدَمَاهَا. ١٢ تَارَةً فِي الْخَارِجِ، وَأُخْرَى فِي الشَّوَاعِ، وَعِنْدَ كُلِّ زَاوِيَةٍ تَكْمُنُ. ١٣ فَأَمْسَكَتْهُ وَقَبَّلَتْهُ. أَوْقَحَتْ وَجْهَهَا وَقَالتْ لَهُ: ١٤ "عَلَيَّ ذَبَائِحُ السَّلَامَةِ. الْيَوْمَ أَوْفَيْتُ نُذُورِي. ١٥ فَلِذلِكَ خَرَجْتُ لِلِقَائِكَ، لأَطْلُبَ وَجْهَكَ حَتَّى أَجِدَكَ. ١٦ بِالدِّيبَاجِ فَرَشْتُ سَرِيرِي، بِمُوَشَّى كَتَّانٍ مِنْ مِصْرَ. ١٧ عَطَّرْتُ فِرَاشِي بِمُرّ وَعُودٍ وَقِرْفَةٍ. ١٨ هَلُمَّ نَرْتَوِ وُدًّا إِلَى الصَّبَاحِ. نَتَلَذَّذُ بِالحبِّ. ١٩ لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ. ذَهَبَ فِي طَرِيق بَعِيدَةٍ .... ، ٢١ أَغْوَتْهُ بِكَثْرَةِ فُنُونِهَا، بِمَلْثِ شَفَتَيْهَا طَوَّحَتْهُ.
التغزل بثدي المرأة على صفحات الكتاب المقدس! !
ورد في سفر الأمثال (٥: ١٨): (( .... وَافْرَحْ بِامْرَأَةِ شَبَابِكَ، الظَّبْيَةِ المحْبُوبَةِ وَالْوَعْلَةِ الزَّهِيَّةِ. لِيُرْوِكَ ثَدْيَاهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَبِمَحَبَّتِهَا اسْكَرْ دَائِمًا.! ))
وأيضًا في نشيد الأنشاد (٨: ٨): ((٢٠ لَنَا أُخْتٌ صَغِيرَةٌ لَيْسَ لَهَا ثَدْيَانِ. فَمَاذَا نَصْنَعُ لأُخْتِنَا فِي يَوْمٍ تُخطَبُ؟
ونحن نسأل: كيف يمكن أن تأتي مثل هذه العبارات المثيرة للشهوة من عند الله ﵎؟ !
٤ - كيف يصور لنا الكتاب المقدس حجم عورات الشباب وكمية المني الخارج من ذكورهم؟ ورد في سفر حزقيال (٢٣: ١٩): ((وَعَشِقَتْ مَعْشُوقِيهِمِ الَّذِينَ لحمُهُمْ كَلَحْمِ الحمِيرِ وَمَنِيُّهُمْ كَمَنِيِّ الْخَيْلِ.)) نحن نسأل: أليس هذا تصويرًا مخجلًا خادشًا للحياء على صفحات الكتاب المقدس؟ !
٥ - ورد في سفر حزقيال ١٦/ ٣ - ٣٩: "٣ وَقُلْ: هكَذَا قَال السَّيِّدُ الرَّبُّ لأُورُشَلِيمَ:
١٧ وَيَكُونُ مِنْ بَعْدِ سَبْعِينَ سَنَةً أَنَّ الرَّبَّ يَتَعَهَّدُ صُورَ فتعُودُ إِلَى أُجْرَيها، وَتَزْيب مَعَ كُلِّ مَمَالِكِ الْبِلَادِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. ١٨ وَتَكُونُ تِجَارَتها وَأُجْرَتُهَا قُدْسًا لِلرَّبِّ. لَا تُخْزَنُ وَلَا تُكْنَزُ، بَلْ تَكُونُ تِجَارَتها لِلْمُقِيمِينَ أَمَامَ الرَّبِّ، لأَكْل إِلَى الشِبَعِ وَللِبَاسٍ فَاخِرٍ."
١٠ - الكتاب المقدس يحدثنا عن ٢٠٠ غلفة (جلدة الذكر التي تقطع عند الختان) قدمت كمهر! ! !
جاء في سفر صموئيل الأول (١٨/ ٢٥): أن نبي الله داود طلب أن يكون زوجًا لابنة شاول الملك فاشترط شاول عليه أن يكون المهر ١٠٠ غلفة: ((فَأَبْلَغَ عَبِيدُ شَاوُلَ دَاوُدَ بِمَطْلَبِ الملِكِ، فَرَاقَهُ الأَمْرُ، وَلَا سِيَّمَا فِكْرَةُ مُصَاهَرَةِ الملِكِ. وَقَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ المهْلَةُ المعْطَاةُ لَهُ، انْطَلَقَ مَعَ رِجَالِهِ وَقَتَلَ مِئَتَيْ رَجُلٍ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَأَتَى بِغُلَفِهِمْ وَقَدَّمَهَا كَامِلَةً لِتكُونَ مَهْرًا لمُصَاهَرَةِ الملِكِ. فزوَّجَهُ شَاوُلُ عِنْدَئِذٍ مِنِ ابْنَتِهِ مِيكَال.)).
ثانيًا: دعوة صريحة للاغتصاب
١ - ورد في سفر التثنية ٢٢/ ٢٨ - ٢٩: "٢٨ "إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ فتَاةً عَذْرَاءَ غَيْرَ مَخْطُوبَةٍ، فَأَمْسَكَهَا وَاضطَجَعَ مَعَهَا، فَوُجِدَا. يُعْطِي الرَّجُلُ الَّذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا لأَبِي الْفَتَاةِ خَمْسِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَتَكُونُ هِيَ لَهُ زَوْجَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أَذَلَّهَا. لَا يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلَّ أَيَّامِهِ. "
٢ - كيف يوصي الكتاب المقدس بسرقة النساء واغتصابهن؟ جاء في سفر القضاة (٢١: ٢٠): ((فَأَوْصَوْا بَنِي بَنْيَامِينَ قَائِلِينَ: انْطَلِقُوا إِلَى الْكُرُومِ وَاكْمِنُوا فِيهَا. وَانْتَظِرُوا حَتَّى إِذَا خَرَجَتْ بَنَاتُ شِيلُوهَ لِلرَّقْصِ فَانْدَفِعُوا أَنْتُمْ نَحْوَهُنَّ، وَاخْطِفُوا لأَنْفُسِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَةً وَاهْرُبُوا بِهِنَّ إِلَى أَرْضِ بَنْيَامِينَ.)) ونحن نسأل: أين القداسة في هذا الكلام؟
ثالثا: السباب المقزع على صفحات الكتاب المقدس
كما تحوي الأسفار المقدسة بعض صور السباب المقزع، كما في قوله: ١ - " ٦ الله قَدْ تَكَلَّمَ بِقُدْسِهِ: ...... ٨ مُوآبُ مِرْحَضَتِي. عَلَى أَدُومَ أَطْرَحُ نَعلي" (المزمور ٦٠/ ٦ - ٨)، فهل يعتبر الإله العظيم أمة من الأمم التي خلقها محلًا لقضاء حاجته أو التنظف من قذره، بل هل له حاجة أو قذر؟ وهل يحتاج إلى مرحاض، ولو على سبيل الاستعارة.
стр. 1074
٢ - ومن السباب الذي لا يليق بالله العظيم الجليل ووحيه ما تنقله الأسفار عن الملك شاول أنه قال ليوناثان ابنه: "٣٠ فَحَمِيَ غَضَبُ شَاوُلَ عَلَى يُونَاثَانَ وَقَال لَهُ: "يَا ابْنَ المتعَوِّجَةِ المتمَرِّدَةِ، أَمَا عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدِ اخْتَرْتَ ابْنَ يَسَّى لخِزيِكَ وَخِزْيِ عَوْرَةِ أُمِّكَ؟ " (صموئيل (١) ٢٠/ ٣٠).
٣ - ومن ذلك أن إشعيا قال لبني إسرائيل: " ٣٠ "أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقَدَّمُوا إِلَى هُنَا يَا بَنِي السَّاحِرَةِ، نَسْلَ الْفَاسِقِ وَالزَّانِيَةِ" (إشعيا ٥٧/ ٣).
ثانيًا: حالات الزنا ورنا المحارم الواقعة في الكتاب المقدس .
من أصعب الأمور التي تواجهها البشرية هو الانحلال الخلقي، تفتت الأسرة وموت العلاقة الأسرية بين أفراد الأسرة، فلا يقدر الأخ حق أخته ولا يعلم حرمتها ويتورط في الفساد الخلقي والنفسي لدرجة أن يزني بأخته أو أن يزني الأب ببنته أو زوجة ابنه أو الأم بابنها وغيره من الحوادث التي تنذر عما قريب بهلاك البشرية وفسادها وحلول غضب الله على العالمين.
١ - شمشون يمارس الزنى مع إحدى البغايا بمدينة غزة على صفحات الكتاب المقدس ! ، يقول كاتب سفر القضاة (١٦/ ١): ((ثُمَّ ذَهَبَ شَمْشُونُ إلَى غَزَّةَ، وَرَأَى هُنَاكَ امْرَأَةً زَانِيَةً فَدَخَلَ إِلَيْهَا.))
٢ - (راعوث) تضاجع (بوعز) بتوصية من حماتها على صفحات الكتاب المقدس ، يقول كاتب سفر راعوث (٣: ٤): ((وَمَتَى اضْطَجَعَ فَاعْلَمِي المكَانَ الَّذِي يَضْطَجعُ فِيهِ، وَادْخُلي وَاكْشِفِي نَاحِيَةَ رِجْلَيْهِ وَاضْطَجِعِي، وَهُوَ يُخْبِرُكِ بِمَا تَعْمَلِينَ".))
٣ - داود النبي يضاجع فتاة صغيرة في فراشه على صفحات الكتاب المقدس ! ! :
يقول كاتب سفر الملوك الأول (١/ ١ - ٤): ((وَشَاخَ الملِكُ دَاوُدُ. تَقَدَّمَ فِي الأَيَّامِ. وَكَانُوا يُدَثِّرُونَهُ بِالثِّيَابِ فَلَمْ يَدْفَأْ. فَقَال لَهُ عَبِيدُهُ: "لِيُفَتِّشُوا لِسَيِّدِنَا الملِكِ عَلَى فَتَاةٍ عَذْرَاءَ، فَلْتَقِفْ أَمَامَ الملِكِ وَلْتكنْ لَهُ حَاضِنَةً وَلْتَضْطَجعْ فِي حِضْنِكَ فَيَدْفَأَ سَيِّدُنَا الملِكُ". فَفَتَّشُوا عَلَى فَتَاةٍ جَمِيلَةٍ فِي جَمِيعِ تُخُومِ إِسْرَائِيلَ، فَوَجَدُوا أَبِيشَجَ الشُّونَمِيَّةَ، فَجَاءُوا بِهَا إِلَى الملِكِ. ٤ وَكَانَتِ الْفَتَاةُ جَمِيلَةً جِدًّا، فَكَانَتْ حَاضِنَةَ الملِكِ. وَكَانَتْ تَخْدِمُهُ، وَلكِنَّ الملِكَ لَمْ يَعْرِفْهَا. "
٥ - وفي حزقيال ٢٣/ ٣٤: "٣٤ فَتَشْرَبِينَهَا وَتَمْتَصِّينَهَا وَتَقْضَمِينَ شُقَفَهَا وَتَجْتَثِّينَ ثَدْيَيْكِ، لأَنِّي تَكَلَّمْتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. "
٦ - وورد في سفر التكوين ٣٨/ ٩: ٩ فَعَلِمَ أُونَانُ أَنَّ النَّسْلَ لَا يَكُونُ لَهُ، فَكَانَ إِذْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيهِ أَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَى الأَرْضِ، لِكَيْ لَا يُعْطِيَ نَسْلًا لأَخِيهِ. "
٧ - وورد في حزقيال ١٦/ ٧: "٧ جَعَلْتُكِ رَبْوَةً كَنبَاتِ الحقْلِ، فَرَبَوْتِ وَكَبُرْتِ، وَبَلَغْتِ زِينَةَ الأَزْيَانِ. نَهَدَ ثَدْيَاكِ، وَنَبَتَ شَعْرُكِ وَقَدْ كُنْتِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً. "
٩ - العم مع بنت أخيه:
١ - ورد في يشوع ١٥/ ١٦: ١٢ فَقَال كَالبُ: "الَّذِي يَضْرِبُ قَرْيَةَ سَفَرٍ وَيَأْخُذُهَا، أُعْطِيهِ عَكْسَةَ ابْنَتِي امْرَأَةً". ١٣ فَأَخَذَهَا عُثْنِيئيلُ بْنُ قَنَازَ، أَخُو كَالبَ الأَصْغَرُ مِنْهُ. فَأَعْطَاهُ عَكْسَةَ ابْنَتَهُ امْرَأَةً. " لا تفكر يا مسكين أن تقول: إن هذا كان قبل الشريعة، فهذه القصة في نهاية عهد يوشع بن نون تقريبًا بعد وفاة موسى بكثير، ويوشع بن نون لم يضع أي شريعة لبني إسرائيل من حلال أو حرام وإنما وضعها موسى قبل وفاته، ولو كان الأمر هكذا فمن المفروض أن يكون زواج الرجل من بنت أخيه حلال إلى الآن عند اليهود! ! !
٢ - ورد في قضاة ١٩/ ٢٢: "٢٢ وَفِيمَا هُمْ يُطَيِّبُونَ قُلُوبَهُمْ، إِذَا بِرِجَال المدِينَةِ، رِجَالِ بَنِي بَلِيَّعَال، أَحَاطُوا بِالْبَيْتِ قَارِعِينَ الْبَابَ، وَكَلَّمُوا الرَّجُلَ صَاحِبِ الْبَيْتِ الشَّيْخَ قَائِلِينَ: "أَخْرِجِ الرَّجُلَ الَّذِي دَخَلَ بَيْتَكَ فَنَعْرِفَهُ". ٢٣ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ الْرَّجُلُ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَقَال لهمْ: "لَا يَا إِخْوَتِي. لَا تَفْعَلُوا شَرًّا. بَعْدَمَا دَخَلَ هذَا الرَّجُلُ بَيْتِي لَا تَفْعَلُوا هذ الْقَبَاحَةَ. ٢٤ هُوَذَا ابْنَتِي الْعَذْرَاءُ وَسُرِّيَّتُهُ. دَعُونِي أُخْرِجْهُمَا، فَأَذِلُّوهُمَا وَافْعَلُوا بِهِمَا يَحْسُنُ فِي أَعْيُنِكُمْ. وَأَمَّا هذَا الرَّجُلُ فَلَا تَعْمَلُوا بِهِ هذَا الأَمْرَ الْقَبِيحَ". ٢٥ فَلَمْ يُرِدِ الرِّجَال أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ. فَأَمْسَكَ الرَّجُلُ سُرِّيَّتَهُ وَأَخْرَجَهَا إِلَيْهِمْ خَارِجًا، فَعَرَفُوهَا وَتَعَلَّلُوا بِهَا اللَّيْلَ كُلَّهُ إِلَى الصَّبَاحِ. وَعِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَطْلَقُوهَا. ٢٦ فَجَاءَتِ المرْأَةُ عِنْدَ إِقْبَالِ الصبَاحِ وَسَقَطَتْ عِنْدَ بَابِ بَيْتِ الرَّجُلِ حَيْثُ سَيِّدُهَا هُنَاكَ إِلَى الضَّوْءِ. ٢٧ فَقَامَ سَيِّدُهَا فِي الصبَاحِ وَفَتَحَ أَبْوَابَ
стр. 1079
الْبَيْتِ وَخَرَجَ لِلذَّهَابِ فِي طَرِيقِهِ، وَإِذَا بِالمرْأَةِ سُرِّيَّتِهِ سَاقِطَةٌ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ، وَيَدَاهَا عَلَى الْعَتبَةِ. ٢٨ فَقَال لَهَا: "قُومِي نَذْهَبْ". فَلَمْ يَكُنْ مجُيبٌ. فَأَخَذَهَا عَلَى الحمَارِ وَقَامَ الرَّجُلُ وَذَهَبَ إِلَى مَكَانِهِ. ٢٩ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ وَأَمْسَكَ سُرِّيَّتَهُ وَقَطَّعَهَا مَعَ عِظَامِهَا إِلَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ قِطْعَةً، وَأَرْسَلَهَا إِلَى جَمِيعِ تُخُومِ إِسْرَائِيلَ.
٣ - وورد في إرميا ٥١/ ١٣: "١٣ أَيَّتُهَا السَّاكِنَةُ عَلَى مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، الْوَافِرَةُ الْخَزَائِنِ، قَدْ أَتَتْ آخِرَتُكِ، كَيْلُ اغْتِصَابِكِ. "
وتبحث في هذا كله عن عقوبة للمجرم فلا تجد، إذ لم تخبرنا التوراة أن حد الزنا المذكور في سفر اللاويين (٢٥/ ١٧) قد طبق مرة واحدة.
وكنموذج للعقوبة التوراتية المفقودة نعرض لما جاء في سفر صموئيل عن عالي رئيس الكهنة وقاضي بني إسرائيل " ٢٢ وَشَاخَ عَالِي جِدًّا، وَسَمِعَ بِكُلِّ مَا عَمِلَهُ بَنُوهُ بِجَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَبِأَنَّهُمْ كَانُوا يُضَاجِعُونَ النِّسَاءَ المجْتَمِعَاتِ فِي بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. ٢٣ فَقَال لَهُمْ: "لِمَاذَا تَعْمَلُونَ مِثْلَ هذ الأُمُورِ؟ لأَنِّي أَسْمَعُ بِأُمُورِكُمُ الخبِيثَةِ مِنْ جَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ. ٢٤ لَا يَا بَنِيَّ، لا. لهُ لَيْسَ حَسَنًا الْخَبَرُ الَّذِي أَسْمَعُ." (صموئيل (٢) ٢/ ٢٢ - ٢٤)، فهل هذا كل ما صنعه كبير قضاة بني إسرائيل مع أولئك الذين يزنون في خيمة الاجتماع! ؟
يقول ول ديورانت في قصة الحضارة: "ومهما يكن أصلها - أي الكتابات الغرامية - فإن وجودها في التوراة سر خفي ولكنه سر ساحر جميل. ولسنا ندري كيف غفل - أو تغافل - رجال الدين عما في هذه الأغاني من عواطف شهوانية." (١)
وتقول مقدمة الآباء اليسوعيين: "لا يقرأ نشيد الإنشاد إلا القليل من المؤمنين، لأنه لا يلائمهم كثيرًا".
ثالثا: شذوذ في الكتاب المقدس
المثال الأول: قصة داود ويوناثان بن شاول الذي تنبأ وهو عريان:
стр. 1080
ورد في صموئيل ١/ ٢٦: "٢٦ قَدْ تَضَايَقْتُ عَلَيْكَ يَا أَخِي يُونَاثَانُ. كُنْتَ حُلْوًا لِي جِدًّا. مَحَبَّتُكَ لِي أَعْجَبُ مِنْ مَحبَّةِ النِّسَاءِ. "
قصة داود مع يوناثان ابن شاولى قصة عجيبة فعلًا تبدأ بعد أن قتل داود جليات الفلسطيني في الحرب، وداود هو ذلك الفتى الجميل أصفر الشعر جميل العينين كما يصفه الكتاب المقدس في صموئيل الأولى ١٦/ ١٢ هكذا: "١٢ فَأَرْسَلَ وَأَتَى بِهِ. وَكَانَ أَشْقَرَ مَعَ حَلَاوَةِ الْعَيْنَيْنِ وَحَسَنَ ائنْظَرِ. فَقَال الرَّبُّ: "قُمِ امْسَحْهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ".
وداود أيضًا هو جد الرب يسوع الذي يعبده النصارى كما هو معلوم للجميع، وهو أبو سليمان، وسليمان هو ابن بتشبع زوجة أوريا الحثي التي اغتصبها داود من زوجها أوريا الحثي وقتل زوجها غدرًا في الحرب وأنجب منها من الزنى سليمان (كما يزعمون هم) وبعد أن قتل داود جليات الفلسطيني أعجب به شاول أبو يوناثان جدًّا، خاصة أن داود كان يعمل عنده عازفًا على العود ثم أحبه يوناثان كثيرًا فقال في صموئيل الأولى ١٨/ ١ هكذا: "١ وَكَانَ لمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ مَعَ شَاوُلَ أَنَّ نَفْسَ يُونَاثَانَ تَعَلَّقَتْ بِنَفْسِ دَاوُدَ، وَأَحَبَّهُ يُونَاثَانُ كَنَفْسِهِ. " ومن شدة إعجاب يوناثان بشاول فقد فعل شيئًا عجيبًا من أجله، لقد اضطر يوناثان من شدة حبه لداود أن يخلع ملابسه من أجله، بعد أن قطع معه عهدًا، ولا ندري ما العهد الذي يقطعه رجلان مع بعضهما فيخلع أحدهما ملابسه بعد هذا العهد، كما يقول في نفس السفر ١٨/ ٣ - ٤: "٣ وَقَطَعَ يُونَاثَانُ وَدَاوُدُ عَهْدًا لأَنَّهُ أَحَبَّهُ كَنَفْسِهِ. ٤ وَخَلَعَ يُونَاثَانُ الجُبَّةَ الَّتِي عَلَيْهِ وَأَعْطَاهَا لِدَاوُدَ مَعَ ثِيَابِهِ وَسَيْفِهِ وَقَوْسِهِ وَمِنْطَقَتِهِ. " حتى أن يوناثان قد حل منطقته التي يلف بها وسطه كما قرأت، ولكن شاولى بدأ يشعر بشيء ما تجاه داود فقرر أن يوقعه في فخ حتى يتخلص منه فيضع له العصا والجزرة كما يقول في نفس السفر ١٨/ ٢٠ - ٢١: "٢٠ وَميكَال ابْنَةُ شَاوُلَ أَحَبَّتْ دَاوُدَ، فَأَخْبَرُوا شَاوُلَ، فَحَسُنَ الأَمْرُ فِي عَيْنَيْهِ. ٢١ وَقَال شَاوُلُ: "أُعْطِيهِ إِيَّاهَا فَتكُونُ لَهُ شَرَكًا وَتَكُونُ يَدُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ عَلَيْهِ". وَقَال شَاوُلُ لِدَاوُدَ ثَانِيَةً: "تُصَاهِرُنِي الْيَوْمَ". وهكذا شعر الملك شاول بخطر داود على بيته،
стр. 1081
فداود أصبح على علاقة بيوناثان وقد خلع له يوناثان ملابسه، ثم إن أخت يوناثان (ميكال) قد أحبت داود، فأصبح الولد وأخته يحبان داود، فقرر شاول التخلص منه كما قرأت وقرر أن يوقعه بين فكي الفلسطينين.
ولا تنسى أن شاول هو نبي من أنبياء بني إس ائيل بنص الكتاب المقدس، ولكنه أراد أن يقتل داود فهو يشعر بخطره على آل بيته خاصة على ابنه يوناثان، فماذا قال شاول في نفس السفر ١٨/ ٢٥ هكذا: "٢٥ فَقَال شَاوُلُ: "هكَذَا تَقُولُونَ لِدَاوُدَ: لَيْسَتْ مَسَرَّةُ الملِكِ بِالمهْرِ، بَلْ بِمِئَةِ غُلْفَةٍ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ لِلانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَاءِ الملِكِ". وَكَانَ شَاوُلُ يَتَفَكَّرُ أَنْ يُوقِعَ دَاوُدَ بِيَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. " ولما أفلت داود من هذا الفخ ضج شاول جدا منه فأراد أن يختبر ابنه يوناثان صاحب العلاقة مع داود، فقال له في نفس السفر ١٩/ ١ - ٣: "١ وَكَلَّمَ شَاوُلُ يُونَاثَانَ ابْنَهُ وَجَمِيعَ عَبِيدِهِ أَنْ يَقْتُلُوا دَاوُدَ. ٢ وَأَمَّا يُونَاثَانُ بْنُ شَاوُلَ فَسُرَّ بِدَاوُدَ جِدًّا. فَأَخْبَرَ يُونَاثَانُ دَاوُدَ قَائِلًا: "شَاوُلُ أَبِي مُلْتَمِسٌ قَتْلَكَ، وَالآنَ فَاحْتَفِظْ عَلَى نَفْسِكَ إِلَى الصَّبَاحِ، وَأَقِمْ فِي خُفْيَةٍ وَاخْتَبِئْ. ٣ وَأَنَا أَخْرُجُ وَأَقِفُ بِجَانِبِ أَبِي فِي الحقْلِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، وَأُكَلِّمُ أَبِي عَنْكَ، وَأَرَى مَاذَا يَصِيرُ وَأُخْبِرُكَ". ويبدو ان العلاقة بين داود ويوناثان وصلت إلى مرحلة خطيرة فانظر ماذا يقول له يوناثان في ٢٠/ ٤: "٤ فَقَال يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: "مَهْمَا تَقُلْ نَفْسُكَ أَفْعَلْهُ لَكَ".
فمهما يخطر على بال داود فإن يوناثان مستعد أن يفعله له! ! ! لا عجب في ذلك لكن العجب أن يكون مكان اختباء داود الذي يختاره هو الحقل، فهو يريد أن يلتقي بيوناثان في الحقل ليلًا وانظر إلى ما جاء في ٢٠/ ٥: "٥ فَقَال دَاوُدُ لِيُونَاثَانَ: "هُوَذَا الشَّهْرُ غَدًا حِينَمَا أَجْلِسُ مَعَ الملِكِ لِلأَكْلِ. وَلكِنْ أَرْسِلْنِي فَأَخْتَبِئَ فِي الحقْلِ إِلَى مَسَاءِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ. " وقد وافقه يوناثان، وطلب منه أن يخرجا إلى الحقل معا فيقوا في ٢٠/ ١١: "١١ فَقَال يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: "تَعَال نَخْرُجُ إِلَى الْحَقْلِ". فَخَرَجَا كِلَاهُمَا إِلَى الحقْلِ. " فالمحبة كما ترون واضحة جدا بينهما ولا داعي أن نسيء الظن، ولكن كما قال يوناثان ٢٠/ ١٧: "١٧ ثُمَّ عَادَ يُونَاثَانُ وَاسْتَحْلَفَ دَاوُدَ بِمَحَبَّتِهِ لَهُ
стр. 1082
لأَنهُ أَحَبَّهُ محَبَةَ نَفْسِهِ. ١٨ وَقَال لَهُ يُونَاثَانُ: "غَدًا الشَّهْرُ، فَتُفْتَقَدُ لأَنَّ مَوْضِعَكَ يَكُونُ خَالِيًا. " نعم سيفتقد يوناثان مكان داود فمكانه لا يعوضه أحد أبدًا، ولكن شاول أبا يوناثان قد اكتشف ما بين داود ويوناثان وأدرك حقيقة الأمر فكان قوله في شدة القسوة وإن أردت فقل في شدة الصراحة لقد قال لابنه يوناثان كلمات في نظر من كتبوا هذا الكتاب كلمات رائعة يترفع أي إنسان عفيف أن يذكرها أمام أحد، فانظر ما قاله شاول النبي لابنه يوناثان بعد أن اكتشف ما بينه وبين داود النبي من علاقة يندى لها الجبين.
قال في ٢٠/ ٣٠: "٣٠ فَحَمِيَ غَضبُ شَاوُلَ عَلَى يُونَاثَانَ وَقَال لَهُ: "يَا ابْنَ المتَعَوِّجَةِ المتمَرِّدَةِ، أَمَا عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدِ اخْتَرْتَ ابْنَ يَسَّى لخِزْيِكَ وَخِزْيِ عَوْرَةِ أُمِّكَ؟ " وكفى بالعبارة السابقة شاهدًا على مستوى أسلوب الكتاب المقدس إن صح أن نسميه مقدسًا وعلى ما كان يفكر فيه شاول فعبر عنه بهذه العبارة.
المثال الثاني: ورد في سفر الملوك (٢) ٤/ ٣٢ - ٣٥: "٣٢ وَدَخَلَ أَلِيشَعُ الْبَيْتَ وَإِذَا بِالصَّبِيِّ مَيْتٌ وَمُضْطَجعٌ عَلَى سَرِيرِهِ. ٣٣ فَدَخَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ عَلَى نَفْسَيْهِمَا كِلَيْهِمَا، وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ. ٣٤ ثُمَّ صَعِدَ وَاضْطَجَعَ فَوْقَ الصَّبِيِّ وَوَضَعَ فَمَهُ عَلَى فَمِهِ، وَعَيْنَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَيَدَيْهِ عَلَى يَدَيْهِ، وَتَمَدَّدَ عَلَيْهِ فَسَخُنَ جَسَدُ الْوَلَدِ.٣٥ ثُمَّ عَادَ وَتَمَشَّى فِي الْبَيْتِ تَارَةً إِلَى هُنَا وَتَارَةً إِلَى هُنَاكَ، وَصَعِدَ وَتَمَدَّدَ عَلَيْهِ فَعَطَسَ الصَّبِيُّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فَتَحَ الصَّبِيُّ عَيْنَيْهِ. "
كل هذا في الكتاب القدس مع أنه ورد في اللاويين ٢٠/ ١٣: "١٣ وَإِذَا اضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ ذَكَرٍ اضْطِجَاعَ امْرَأَةٍ، فَقَدْ فَعَلَا كِلَاهُمَا رِجْسًا. إِنهما يُقْتَلَانِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا.
رابعًا: رضاعة الكبير ورضاعة الجماهير
١ - ورد في إشعياء ٤٩/ ٢٢: "٢٢ هكَذَا قَال السَّيِّدُ الرَّبُّ: "هَا إِنِّي أَرْفَعُ إِلَى الأُمَمِ يَدِي وَإِلَى الشُّعُوبِ أُقِيمُ رَايَتِي, فَيَأْتُونَ بِأَوْلَادِكِ فِي الأَحْضَانِ، وَبَنَاتُكِ عَلَى الأَكْتَافِ يُحْمَلْنَ. ٢٣ وَيَكُونُ الملُوكُ حَاضِنِيكِ وَسَيِّدَاتُهُمْ مُرْضِعَاتِكِ. بِالْوُجُوهِ إِلَى الأَرْضِ يَسْجُدُونَ لَكِ، وَيَلْحَسُونَ غُبَارَ رِجْلَيْكِ، فَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي لَا يَخْزَى مُنْتَظِرُوهُ". "
٢ - وفي إشعياء أيضًا ٦٠/ ١٦: "١٦ وَتَرْضَعِينَ لَبَنَ الأُمَمِ، وَتَرْضَعِينَ ثُدِيَّ مُلُوكٍ،
стр. 1083
وَتَعْرِفِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُخَلِّصُكِ وَوَليُّكِ عَزِيزُ يَعْقُوبَ.
٣ - وفي إشعياء أيضًا ٦٦/ ١٢: "١٢ لأَنَّهُ هكَذَا قَال الرَّبُّ: "هأَنَذَا أُدِيرُ عَلَيْهَا سَلَامًا كَنَهْرٍ، وَمَجْدَ الأُمَمِ كَسَيْل جَارِفٍ، فَتَرْضَعُونَ، وَعَلَى الأَيْدِي تُحْمَلُونَ وَعَلَى الرُّكْبَتَيْنِ تُدَلَّلُونَ.
٤ - وفي نشيد ١/ ١٣: "١٣ صرَّةُ المُرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ."
خامسًا: أثر الكتاب على واقع المجتمعات النصرانية
وعند النظر إلى المجتمع النصراني بشكل عام يسجل المحققون على المجتمع النصراني انتشار عدد من الموبقات، من أهمها: (الزنا والشذوذ - الانتحار والجرائم - التمييز العنصري البغيض - التفكك الأسري والعلاقات الاجتماعية السيئة - المخدرات والمسكرات والخمور - الانسلاخ من الدين وشيوع الإلحاد - الوحشية مع الأمم الأخرى ... ).
ويتبين من هذا كله من خلال بعض الأرقام التي أوردها المحققون نقلًا عن إحصائيات صادرة في الغرب إضافة إلى قراءتهم الصحيحة للمجتمع النصراني.
فقد نشرت مجلة بونتي الألمانية إحصاءً حول معتقدات الألمان، ونتيجة الإحصاء أن ٦٥% من الألمان يؤمنون بالله، و ٥٠% يؤمنون بالحياة بعد الموت والجزاء فيه.
وفي جنوب أفريقيا حيث نسبة النصارى ٩٨% ينتشر زنا المحارم بين البيض بنسبة ٨%، بينما يبلغ عدد مدمني الخمر في أمريكا كما يقول القس جيمي سويجارت أربعة وأربعين مليون إضافة إلى أحد عشر مليون سكير.
ويذكر جون ستون بحثًا ميدانيًا أجري عام ١٩٧٨ م، وكان من نتيجته أن ٤% من المجتمع الأمريكي يمارسون السحاق أو الشذوذ طوال حياتهم، و ١٠ % يمارسونه لمدة ثلاث سنوات، وتشير أرقام اتحاد تنظيم الأسرة في بريطانيا إلى أن نصف الفتيات المراهقات تحت ١٦ سنة يمارسن الزنا. (١)
كيف يواجه العهد الجديد هذا الواقع ؟
стр. 1084
وللمرء أن يتساءل: ماذا لدى الإنجيل من مقومات الإصلاح لهذا الفساد وتلك الأرقام الوبائية؟ وهل للإنجيل علاقة بهذه الأرقام؟
الإجابة تتلخص في قصور التشريعات الإنجيلية عن معالجة الأوضاع الفاسدة في المجتمعات النصرانية، بل ليس من التجني في شيء إذا قلنا بأن الكتاب المقدس هو أحد أسباب الفساد في تلك المجتمعات، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. (١)
وقد تجلت مسئولية الكتاب عن هذا الفساد بأمور تتفاوت في أثرها، لكنها مجتمعة حوت أسباب البلاء وجذوره، وفي كل ذلك ما يدل على أنه ليس كلمة الله، لأن الله يرسل أنبياءه بكتبه ليهدي الناس ويخرجهم من الظلمات والشرور إلى الهدى والنور.
أولًا: العهد الجديد ومنافاته للفطرة الإنسانية
ثمة نصوص إنجيلية كثيرة تجلى فيها مصادمة الإنجيل الموجود بين أيدينا للفطرة الإنسانية التي خلق الله عليها عباده، مما يترك أثرًا سلبيًا أخلاقيًا أو اجتماعيًا على قارئيها، منها:
١ - أنه ثمة نصوص تصطدم مع طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها، ومنه ما جاء في العهد الجديد من حث على التبتل وترك الزواج يقول بولس: "٨ وَلكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ المتزَوِّجِينَ وَللأَرَامِلِ، إِنَّهُ حَسَنٌ لهمْ إِذَا لَبِثُوا كَمَا أَنَا." (كورنثوس (١) ٧/ ٨).
وفي نص آخر يقول: "٧ لأَنَّ اهْتِمَامَ الجسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ لله" (رومية ٨/ ٧)، وعليه فالأكل والشرب والنوم والزواج ... وغيرها من حاجات الإنَسان الفطرية إنما يمارسها الإنسان وهو يعادي ربه، وهذه حرب على الفطرة الإنسانية.
وأما التلميذ يعقوب فيبالغ في تحذيره من محبة العالم، من غير أن يفرق بين الخير والشر، فيقول: "٤ أَيُّهَا الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ محَبَّةَ الْعَالمِ عَدَاوَةٌ لله؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحبًّا لِلْعَالمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّاِ للهِ." (يعقوب ٤/ ٤)، فهل محبة الخير أوَ الوالدين أو حتى شهوات
стр. 1085
الإنسان الفطرية من نكاح وتناسل وطعام وشراب، هل محبة هذه المحبوبات عداوة لله؟ !
٢ - وفي مرة أخرى ينسب متى إلى المسيح أنه قال: "وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أنفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ"." (متى ١٩/ ١٢).
٣ - ويذكر متى دعوة المسيح إلى التخلي عن الدنيا بما فيها الحاجات الأساسية والضرورية للحياة الإنسانية السوية، فقد جاءه رجل فقال للمسيح بأنه حفظ الوصايا كلها: "٢١ قَال لَهُ يَسُوعُ: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلَاكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَال اتْبَعْنِي". فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ الْكَلِمَةَ مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرةٍ.
فَقَال يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ! وَأَقُولُ لَكُمْ أيضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إلى مَلَكُوتِ الله! ". ٢٥ فَلَمَّا سَمِعَ تَلَامِيذُهُ بُهِتُوا جِدًّا قَائِلِينَ: "إِذًا مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟ " ٢٦ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَال لَهُمْ: "هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ الله كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ"." (متى ١٩/ ٢٠ - ٢٥).
فهذا النص وأمثاله محارب لدفعة الحياة التي بها يقوم العمران والحضارات.
ثانيًا: العجز التشريعي للعهد الجديد:
ورأى المحققون أيضًا أن تشريعات الأناجيل عاجزة عن إقامة الحياة المستقيمة المتكاملة بما تحمل هذه الأناجيل من مثالية مقيتة يستحيل أن تصلح الحياة معها.
١ - ومن ذلك ما نسبه متى إلى المسيح: "، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أيضًا" (متى ٥/ ٣٩)، وقد ورد النص في مقابل القصاص، ولذلك فهو إلغاء لشريعة القصاص، أو إضافة أخلاقية تفتقر إلى المعقولية، وكأني به يحث على الرضا بالضيم والظلم، وهو ولا ريب سبب عظيم في ظهور الفساد والبغي.
ومثله قول لوقا: "مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أيضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلَا تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أيضًا. وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلَا تُطَالِبْهُ." (لوقا ٦/ ٢٩ - ٣٠)، فهل يصنع هذا أحد من العقلاء؟ ولو صنعه الناس فأي واقع من الظلم
стр. 1086
والاضطهاد والشرور سيكون؟ !
وهنا نتساءل: لو كان هذا النص من كلام المسيح، فلم خالفه عندما ضربه خدم رؤساء الكهنة فلم يعرض له الخد الآخر، بل قال له: "٢٣ أَجَابَهُ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟ "" (يوحنا ١٨/ ٢٣).
كما ثمة تساؤل آخر يبحث عن إجابة: هل طبقت الكنيسة هذا الخلق في جولة من جولاتها أم أن واقع الحال يؤذن بأن هذا المقال من المحال، وإذا عجزت الكنيسة والمسيح عن ذلك، فغيرهما عنه أعجز.
٢ - ويحرم العهد الجديد الطلاق إلا بعلة الزنا، فيقول: "فَالَّذِي جَمَعَهُ الله لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ " ... ٩ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي"." (متى ١٩/ ٦ - ٩).
وهذا التشريع سبب من أسباب انتشار البغاء، إذ هو المخرج والسبيل الذي يلجأ إليه أولئك الذين حالت مشاكل الحياة واختلافات البشر دون إكمال مسيرتهم الزوجية، وحرم عليهم العهد الجديد أن يبنوا حياتهم على الطُهر من جديد، ولا يمكن أن تستقيم الحياة مع هذا التشريع العجيب، إذ ثمة أمور كثيرة تجعل الحياة بين الزوجين ضربًا من المحال، ولا مخرج من ضنكها إلا الطلاق، الذي بمنعه تقع الكثير من المضار، وهو ما دفع الكنيسة البروتستانتية لإباحة الطلاق، وهو ما تحاول الكنائس الأخرى إقراره بغية الخروج من هذا التشريع الغريب. وأما ما ذكره متى من علة تحريم الطلاق وهو قوله: "فَالَّذِي جَمَعَهُ الله لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ"" (متى ١٩/ ٦) فليس بصحيح، لأن الزواج ليس جمعًا إلهيًا بين اثنين، بل هو اتفاق بين اثنين على الزواج وفق شريعة الله وسنّته، فمثله في ذلك مثل سائر الشعائر التي أمر بها الله.
٣ - وثمة عجز تشريعي آخر تواجهه أسفار العهد الجديد في مواجهة متطلبات الحياة الإنسانية، وهو منع الزواج بأكثر من واحدة كما يفهم من (كورنثوس (١) ٧/ ١ - ٥)، وهو ما تجمع عليه الكنائس النصرانية المختلفة، بينما تشير الإحصائيات إلى زيادة مطردة في
стр. 1087
أعداد النساء، ففي انجلترا تزيد النساء على الرجال أربعة ملايين امرأة، وفي ألمانيا خمسة ملايين، وفي أمريكا ثمانية ملايين، فكيف يحل العهد الجديد هذه المشكلة التي ستتفاقم آثارها إذا تابع النصارى قول بولس في الحث على التبتل وترك الزواج " ٨ وَلكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ المتزَوِّجِينَ وَللأَرَامِلِ، إِنَّهُ حَسَنٌ لهمْ إِذَا لَبِثُوا كَمَا أَنَا. ٩ وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَضْبُطُوا أنفُسَهُمْ، فَلْيَتَزَوَّجُوا." (كورنثوس (١) ٧/ ٨ - ٩)، إن نتيجة هذا التعليم هي الفضائح التي تهز جنبات الكنيسة وتقرعها كل يوم، لتثبت أن الفطرة لا تُغلب، وأن هذا التوجيه ليس من كلمة الله، لأن الله يعلم ما يصلح عباده ويناسب أحوالهم.
стр. 1088
الفصل الثاني: الأغلاط في الكتاب المقدس .
تمهيد:
عندما نتحدث عن كتاب مقدس، فإنه من الطبيعي أن نسلم بعصمة هذا الكتاب، وأن ما فيه هو وحي الله .
إذ وجود الخطأ فيه يعني أن الله يخطئ، أو أن الروح القدس يخطئ، أو أن الرسول المبلغ يخطئ.
وهذه الاحتمالات كلها مرفوضة باتفاق الأمم وبدلالة العقل، إذ الخطأ صفة بشرية لا يمكن أن تصدر من الله أو أمناء وحيه من الملائكة أو الرسل، ففي ذلك تلبيس على البشر وإضلال لهم.
ولكنا حين نتصفح أسفار الكتاب المقدس نجد أغلاطا توراتية كثيرة، كل منها يشهد ببراءة الله ووحيه من هذا الكتاب.
أولًا: أغلاط العهد القديم .
وقد تعددت الشواهد والنماذج على الأخطاء والأغلاط في العهد القديم، ونكتفي منها بنماذج وأمثلة توضح بجلاء أمر هذه الأغلاط، فمنها:
١ - أن سفر التكوين يحكي عن خيانة إخوة يوسف لأخيهم، فيذكر أن تجارًا مديانيين أخرجوه من البئر، وباعوه لقوم من الإسماعيليين بعشرين من الفضة، وأن هؤلاء الإسماعيليين قد حملوه معهم إلى مصر "وَاجْتَازَ رِجَالٌ مِدْيَانِيُّونَ تُجَّارٌ، فَسَحَبُوا يُوسُفَ وَأَصْعَدُوهُ مِنَ الْبِئْرِ، وَبَاعُوا يُوسُفَ لِلإِسْمَاعِيلِيِّينَ بِعِشْرِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. فَأَتَوْا بِيُوسُفَ إِلَى مِصْرَ." (التكوين ٣٧/ ٢٨).
وفي مصر بيع يوسف لفوطيفار، والمفروض أن الذي باعه لفوطيفار هم الإسماعيليون الذين حملوه إلى مصر بعد أن اشتروه بعشرين من الفضة، لكن كاتب السفر أخطأ فقال: "وَأَمَّا المدْيَانِيُّونَ فَبَاعُوهُ فِي مِصْرَ لِفُوطِيفَارَ خَصِيِّ فِرْعَوْنَ، رَئِيسِ الشُّرَطِ." (التكوين ٣٧/ ٣٦)، والمفروض أن الإسماعيليين هم الذين باعوه لفوطيفار، وهذا هو الصحيح، إذ يعود سفر التكوين لتقريره فيقول: "وَأَمَّا يُوسُفُ فَأُنْزِلَ إِلَى مِصْرَ، وَاشْتَرَاهُ فُوطِيفَارُ خَصِيُّ
стр. 1089
فِرْعَوْنَ رَئِيسُ الشُّرَطِ، رَجُلٌ مِصْرِيٌّ، مِنْ يَدِ الإِسْمَاعِيليِّينَ الَّذِينَ أَنْزَلُوهُ إِلَى هُنَاكَ." (التكوين ٣٩/ ١). فمن المسئول عن هذا الخطأ؟ هل هو الله؟ تعالى عن ذلك، أم هو الكاتب المجهول الذي كتب السفر؟ أم نساخ آلاف المخطوطات الذين لم يكونوا أمناء في نساختهم للأسفار؟ أم أولئك الذين اعتبروا هذه الكتابات التاريخية - بما فيها من خلل وزلل - كلمة الله؟
٢ - ومن الأخطاء أيضًا ما زعمه سفر الأيام من إدراك الملك السامري بعشا للسنة السادسة والثلاثين من حكم الملك اليهوذي آسا، وبناؤه للرامة فيها، حيث يقول: "فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِمُلْكِ آسَا صَعِدَ بَعْشَا مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَلَى يَهُوذَا، وَبَنَى الرَّامَةَ" (الأيام (٢) ١٦/ ١)، وهو خطأ - ولا ريب - لأن الملك بعشا مات قبل هذا التاريخ بتسع سنين.
وإثبات ذلك ميسور، فقد ملك بعشا في السنة الثالثة من حكم آسا، وبقي في الملك مدة أربع وعشرين سنة، أي أنه مات في السنة السابعة والعشرين من حكم الملك آسا، فقد جاء ذلك في سفر الملوك فِي السَّنَةِ "الثَّالِثَةِ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ بَعْشَا بْنُ أَخِيَّا عَلَى جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ فِي تِرْصَةَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً." (الملوك (١) ١٥/ ٣٣).
ومما يؤكد هذا أنه قد توالى على الملك بعده في هذه السنوات التسع ثلاثة ملوك: وهم: ابنه أيلة، ثم زمري، ثم عمري.
ويحدد لنا سفر الملوك - بدقة - سنوات تولي الملوك الثلاثة، فيقول: "وَاضْطَجَعَ بَعْشَا مَعَ آبائِهِ وَدُفِنَ فِي تِرْصَةَ، وَمَلَكَ أَيْلَةُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. وِفي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ أَيْلَةُ بْنُ بَعْشَا عَلَى إِسْرَائِيلَ .. فَدَخَلَ زِمْرِي وَضَرَبَهُ، فَقَتَلَهُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ عِوَضًا عَنْهُ ... فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ عُمْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً." (الملوك (١) ١٦/ ٦ - ٢٣)، فكيف يبني بعشا الرامة في السنة السادسة والثلاثين من حكم آسا، وقد مات قبلها بتسع سنين! . (١)
٣ - ومن الأغلاط ما جاء في سفر صموئيل عن عمر شاول عندما ملك على بني
стр. 1090
إسرائيل حيث يقول: "كَانَ شَاوُلُ ابْنَ سَنَةٍ فِي مُلْكِهِ، وَمَلَكَ سَنَتَيْنِ عَلَى إِسْرَائِيلَ. " (صموئيل (١) ١٣/ ١).
وهذا أمر لا يعقل أبدًا، كما أنه يتناقض مع كل ما تقدمه التوراة من معلومات عن شاول الملك الكبير، وكيفية اختياره، ورفضه لتزويج ابنته ميكال لداود إبان ملكه (شاول)، ثم تزوج داود بها عقب توليه الملك. فذلك كله وغيره مؤذن بوجود غلط في هذا النص.
ولتفادي ذكر هذا الغلط عمدت بعض الترجمات الحديثة إلى ترك مكان السن فارغًا، وهو ما صنعه محققو الرهبانية اليسوعية، ففيها: "وكان شاول ابن .. حين صار ملكًا، وملك .. سنة على إسرائيل".
وأشاروا في الهامش إلى مصدر هذا الغلط، فقالوا عما ورد في النص العبري: "وهذا أمر غير معقول، لربما لم يعرفوا عمر شاول عند ارتقائه العرش، أو لربما سقط العمر عن النص، أو لربما قصرت مدة ملكه إلى سنتين لعبرة لاهوتية".
ولنا أن نتساءل هل كان كتبة الأسفار الملهمون يكتبون وفق معارفهم، أم كانوا يكتبون ما يمليه عليهم الروح القدس؟ .
٤ - ومثله وقع الغلط في أسفار العهد القديم في سياق الحديث عن صلة القرابة بين الملك يهوياكين والملك صدقيا الذي عينه نبوخذ نصر بعد أن عزل يهوياكين، إذ يذكر سفر الأيام أنه أخ لصدقيا، فيقول: "وَمَلَّكَ صِدْقِيَّا أَخَاهُ عَلَى يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ." (الأيام (٢) ٣٦/ ١٠).
والصحيح أن صدقيا عم يهوياكين حيث إن عمر يهوياكين أكبر أبناء أبيه عندما ملك كان حوالي ثمان سنين، وملك لمدة ثلاثة شهور وعشرة أيام فقط. (انظر الأيام (٢) ٣٦/ ٩)، بينما كان عمر صدقيا حينذاك إحدى وعشرين سنة. (انظر الأيام (٢) ٣٦/ ٩ - ١٠)، ولو كان أخًا ليهوياكين لكان ينبغي أن يكون أقل من ثمان سنوات لأن يهوياكين أكبر أبناء أبيه.
وقد اعترف محررو قاموس الكتاب المقدس بهذا الخطأ، وتأولوه قائلين: "دعي أخًا ليهوياكين أي نسيبه، أو من أصل واحد". واعترف به أيضًا وارد الكاثوليكي في كتابه "الأغلاط" حيث