← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ونرى الآن صور التشابه بين قصة صلب بعل البابلي وصلب المسيح. نقل المؤرخ "فندلاي" وغيره مقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية، وما قيل عن المسيح في المسيحية. ويوضح ذلك الجدول التالي: محاكمة عيسى ﵇ ... محاكمة بعل ١ - أخذ عيسى أسيرًا. ... ١ - أخذ بعل أسيرًا. ٢ - وكذلك حوكم عيسى. ... ٢ - حوكم بعل علنًا. ٣ - اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة. ... ٣ - جرح بعل بعد المحاكمة. ٤ - اقتيد عيسى لصلبه على الجبل. ... ٤ - اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل. ٥ - وكان مع عيسى قاتل اسمه: ... ٥ - كان مع بعل مذنب حكم عليه "باراباس" محكوم عليه بالإعدام، ورَشح بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام. ... شخص حكم عليه بالموت. وقد طلب الشعب ولكن اليهود طلبوا العفو عن "باراباس" ... إعدام بعل، والعفو عن المذنب الآخر. وإعدام عيسى. ... ٦ - بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد، واضطرب الناس. ٦ - عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء. ... ٧ - حُرس بعل في قبره حتى لا يسرق أتباعه جثمانه. ٧ - وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه. ... ٨ - الأمهات جلست حول مقبرة بعل ٨ - مريم المجدلية، ومريم أخرى يبكينه. جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه. ... ٩ - قام بعل من الموت وعاد للحياة مع ٩ - قام عيسى من مقبرته في يوم أحد، ... مطلع الربيع وصعد إلى السماء. وفي مطلع الربيع أيضًا، وصعد إلى السماء. وقد انتقلت هذه الأسطورة البابلية فيما يبدو عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا

стр. 982

من بابل. (١) ومما يؤكد وصول هذه القصة إلى الفكر اليهودي ثم المسيحي أن التوراة ذكرت ما يدل على شهرة مثل هذه القصة ففي سفر حزقيال "فَجَاءَ بِي إِلَى مَدْخَلِ بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، وَإِذَا هُنَاكَ نِسْوَةٌ جَالِسَاتٌ يَبْكِينَ عَلَى تَمُّوزَ." (حزقيال ٨/ ١٤)، وتموز هو الإله البابلي الذي قتل لأجل خلاص البشر، ثم قام من بين الموتى. (٢) ٢ - الصلب عند النصارى: وهذه المسألة والاعتقاد بالفداء - عند النصارى - رأس الإيمان. وقد جاء ذكر الصلب في إنجيل متى: الإصحاح ٢٧، وإنجيل مرقس الإصحاح ٥، وإنجيل لوقا الإصحاح ٢٣، وإنجيل يوحنا الإصحاح ١٩، فلا حاجة للنقل منها لشهرتها، ولكن نذكر آية واحدة مثالًا لما في الأناجيل عن الصلب. ففي غلاطية (٣/ ١٣): "المسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: "مَلْعُون كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ"." (٣) (١) غرائب ترافق موت الآلهة . وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثنية مشابهة. فقد ذكر متى أحداثًا غريبة عدة، صاحبت موت المسيح حيث يقول: "وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ ... وَإِذَا حِجَابُ الهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا المدِينَةَ المُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ." (متى ٢٧/ ٤٥ - ٥٣). وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة:

стр. 983

من ذلك: أن الهنود يقولون: "لما مات "كرشنا" نحلصهم على الصليب، حدثت في الكون مصائب جمة، وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار، وأمطرت السماء نارًا ورمادًا، واندلعت ألسنة اللهب وصارت الشياطين تفسد في الأرض، وشوهد عند غروب الشمس وشروقها ألوف من الأشباح تتحارب في الهواء في كل جانب ومكان". وقال هيجن (١): "إن عباد بروسيوس يقولون إنه لما صلب على جبل قوقاسوس، اهتزت الكائنات، وزلزلت الأرض واشتد دوي الرعد ولمعان البرق ومزقت الرياح الشديدة ما في الفضاء كل ممزق .. ". والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته، معروف عند الرومان واليونان. كما ينقل المؤرخ "كنون فرار" في كتابه "حياة المسيح"، والمؤرخ جيبون في تاريخه أن عددًا من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول: "لما قتل المخلص اسكولابيوس، أظلمت الشمس، واختبأت الطيور في أوكارها ... لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا". وكذلك قيل عند موت كونز لكوتل إله المكسيكيين القدماء، وغيره من الألهة المعبودة باطلًا. وعليه فهو أسطورة قديمة تداولتها الأمم، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات. (٢) (٢) طلب الملوك والجبابرة قتل الآلهة المتجسدة وكيف خلاصها منها ١ - عند الوثنيين: قال جوكوت اشوندر جنجولي (٣) (وهو أحد الوثنيين المتنصرين في الهند): "يعتقد الهنود أنه لما ولد كرشنا سمعوا صوت منادٍ من السماء يقول لحاضنه قم وخذ الولد واهرب به واقطع نهر الجومتا، ففعل كما أمر؛ لأن الملك قانصا كان قاصدًا إهلاك الطفل المخلص،

стр. 984

وقد أرسل الملك المذكور رسلًا من مملكته كي يقتلوا كل مولود ذكر". قال هيجين: "ويعتقد الهنود الوثنيون أنه لما ولد كرشنا أخذوه بالليل وهربوا به إلى بلاد بعيدة عن محل ولادته خوفا من الملك الجبار ... ". وكذلك قيل عن "سلفاهانا" (وكان يعبده سكان أهالي كامورين بالهند)، وقيل أيضًا عن "بوذا"، و"هأوكي" (معبود الصينيين) و"حورس" (معبود المصريين)، و"تيروس "ملك الفرس" و"زورستر" (مؤسس ديانة المجوس) وغيرهم كثير. ٢ - عند النصارى: ويعتقد النصارى أن هيرودس أراد قتل المسيح ولكن الله نجاه منه، ففي إنجيل متى (٢/ ١٣): "وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلَاكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ"." (١) (٣) دماء الآلهة المسفوحة وليست مسألة المخلص فقط هي التي نقلها بولس عن الوثنيات، فقد تحدث أيضًا عن دم المسيح المسفوح فقال: "الَّذِي قَدَّمَهُ الله كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ" (رومية ٣/ ٢٥)، ويقول: "وَنَحْنُ مُتبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ" (رومية ٥/ ٩)، "أَليْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ المُسِيحِ؟ " (كورنثوس (١) ١٠/ ١٦). ويقول: "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (أفسس ١/ ٧). وفي موضع آخر يتحدث عن ذبح المسيح: "لأَنَّ فِصْحَنَا أيضًا المُسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا."، (كورنثوس (١) ٥/ ٧)، ومثل هذه النصوص تكثر في رسائل بولس وغيرها من الرسائل. لكن النصارى يتغافلون عن مسألة هامة هي أن المسيح لم يذبح، فالأناجيل تتحدث عن موت المسيح صلبًا لا ذبحًا، الموت صلبًا لا يريق الدماء، ولم يرد في الأناجيل أن المسيح نزلت منه الدماء سوى ما قاله يوحنا، وجعله بعد وفاة المسيح حيث قال: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا

стр. 985

إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ." (يوحنا ١٩/ ٢٣ - ٢٤). وهو ليس ذبحًا بكل حال. يقول ولز: "إنه لزام علينا أن نتذكر أن الموت صلبًا لا يكاد يهرق من الدم أكثر مما يريقه الشنق، فتصوير يسوع في صورة المراق دمه من أجل البشرية إنما هو في الحقيقة من أشد العبارات بُعدًا عن الدقة". ولكن هذه النظرة إلى الله، بأنه لا يرضى إلا بأن يسيل الدم نظرة قديمة موجودة عند اليهود وعند الوثنيين قبلهم، ففي التوراة تجد ذلك واضحًا في مثل قولها: "وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى المُذْبَحِ، فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَال الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: "لَا أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أيضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ" (تكوين ٨/ ٢٠ - ٢١). ومثله في محبة المحرقة وذبائحها والتنسم برائحتها قول العهد القديم: "وَبَنَى دَاوُدُ هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ، وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ سَلَامَةٍ، وَدَعَا الرَّبَّ فَأَجَابَهُ بِنَارٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى مَذْبَحِ المحْرَقَةِ." (الأيام (١) ٢١/ ٢٦). وهكذا فإن التصور اليهودي للإله مشبع برائحة الدم يقول أرثر ويجال: "نحن لا نقدر أطول من ذلك قبول المبدأ اللاهوتي المفزع الذي من أجل بعض البواعث الغامضة وجوب تضحية استرضائية، إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة، وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة". ويرى المحققون أن ادعاء إهراق دم المسيح مأخوذ من الديانة المثراسية حيث كانوا يذبحون العجل ويأخذون دمه، فيتلطخ به الآثم، ليولد من جديد بعد أن سال عليه دم العجل الفدية. (١) رابعًا: التشابه في قيامة الآلهة بعد الموت . (١) قيام الآلهة من بين الأموات . ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من الأموات،

стр. 986

فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت، فقد جاء في إنجيل متى (٢٨/ ٥ - ٧) " فَأَجَابَ الملَاكُ وَقَال لِلْمَرْأَتَيْنِ: "لَا تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ المصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَال! هَلُمَّا انْظُرَا الموْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعًا فِيهِ. وَاذْهَبَا سَرِيعًا قُولَا لِتَلَامِيذهِ: إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ. " ولكن هذا قد سبقهم إليه الهنود، حيث قالوا في كرشنا: "هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات"، وكذا يقول عُبّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض "حتى إن مهاويو (الإله العظيم) حزن ونادى: قم أيها المحب المقدس فقام كام (أي بوذا) حيًّا، وبُدلت الأحزان والأتراح بالأفراح، وهاجت السماء، ونادت فرِحة: عاد الإله الذي ظُن أنه مات وفُقد .. "، ومثله يعتقده الصينيون في إلههم (لأوكيون)، والمجوس في (زورستر). ويقول عابدو (سكولابيوس) في القصيدة التي حكت عن حياته "أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهبُّ مَن في القبور .... وأنمت من المسكن المظلم ستقوم ظافرًا وتصير إلهًا" وعن تموز يقول البابليون: "ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات". ومثل هذا الاعتقاد، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية، فقد قيل بقيام أوزوريس، وحورس، ومتراس، وباخوس، وهرقل، وكوتز لكوتل، ويلدور، وغيرهم، فكل هؤلاء قال عُبّادهم بقيامتهم من الموت. ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد. ويقول المؤرخ مهامي: "إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله". (١) (٢) نزول الآلهة إلى الجحيم من أجل تخليص الأموات من الجحيم . ١ - عند الوثنيين: يعتقد الوثنيون أن آلهتهم المتجسدين نزلوا إلى الجحيم بعد قتلهم أو صلبهم ليخلصوا الأموات. ورد ذلك عن "كرشنا"، "زورستر"، "أدونيس"، "باخوص"، "هرقل"

стр. 987

"عطارد"، "بالدور"، "كوتز لكزتل" وغيرهم من آلهة الوثنيين. ٢ - عند النصارى: وكما قال الوثنيون عن آلهتهم قالت النصارى عن يسوع أنه نزل إلى الجحيم ليخلص المعذبين فيها أيضًا. ففي أعمال الرسل: "سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ المُسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلَا رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا." (أعمال ٢/ ٣١). ويقول بطرس: "الَّذِي فِيهِ أيضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ" (بطرس (١) ٣/ ١٩). يقول القديس كريستوم في سنة ٣٤٧ م: "لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلا الكافر". ويقول القديس كليمندوس السكندري: "قد بشر يسوع في الإنجيل أهل الجحيم كما بشر به وعلمه لأهل الأرض، كي يؤمنوا به ويخلصوا أينما كانوا" وبمثله قال أوريجن وغيره من قديسي النصارى. (١) ولما وصل النصارى إلى أمريكا الوسطى، وجدوا فيها أديانًا شتى، فخفّ القسس لدعوتهم للمسيحية، فأدهشهم بعد دراستهم لهذه الأديان أن لها شعائر تشبه شعائر المسيحية، وخاصة في مسائل الخطيئة والخلاص. (٢) (٣) قيامة وعودة الآلهة من الموت للحساب والجزاء ١ - عند الوثنيين: يعتقد الصينيون أن مخلصهم وحاميهم فشنو الذي ظهر بالناسوت باسم كرشنا سيأتي ثانية في الأيام الأخيرة. ويعتقد البوذيون بظهور بوذا مرارا عديدة بالناسوت ليؤهلهم، ويعلمهم باتحادهم بذاته المحيطة، وأنه في الأيام الخيرة يأتي أيضًا. وأتباع بوخص ينتظرون مجيئه مرة ثانية ليحكم على الدنيا ويعيد إلى الناس السعادة.

стр. 988

والأثونيون كانوا منتظرين مجيء بطلهم "كالو يبوك" ثانية لكي يخلصهم من ظلم الألمانيين، فقد تحدث المؤرخون عن قول المصريين بقيامة مخلصهم بعد الموت، وأنه سيكون ديان الأموات يوم القيامة. ويذكر هؤلاء في أساطيرهم أن أوزوريس حكم بالعدل، فاحتال عليه أخوه وقتله، ووزع أجزاء جسمه على محافظات مصر، فذهبت أرملته إيزيس، فجمعت أوصاله من هنا وهناك، وهي تملأ الدنيا نحيبًا وبكاءً، فانبعث نور إلى السماء، والتحمت أوصال الجسد الميت، وقام إلى السماء يمسك بميزان العدل والرحمة. وقيل مثل ذلك عن "الثلتيون"، "الاسكندنافيون"، "وأصحاب كوتز لكوتل". ٢ - عند النصارى: وكذلك قال النصارى أنه سيجيء المسيح مرة ثانية إلى هذا العالم. فقد جاء في إنجيل متى (٢٤/ ٢٧): "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ المشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى المغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أيضًا مجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ." وجاء في أعمال الرسل (١/ ١٠ - ١١): "وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلَانِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وَقَالا: "أَيُّهَا الرِّجَال الجْلِيلِيُّونَ، مَا بَالكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ"." وفي إنجيل مرقس (١٣/ ١٦): "وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ". وفي إنجيل يوحنا (٥/ ٢٧): "وَأَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أيضًا، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ." (١)

стр. 989

خامسًا: تشابهات أخرى . (١) القول عن الآلهة المتجسدة أنها من سلالة ملوكانية . ١ - عند الوثنيين: يعتقد الهنود أن كرشنا مخلصهم من سلالة ملوكانية، وأنه ولد بحال التواضع والانكسار، ويعدون أجداده من جهة أمه، وأما من جهة أبيه فإنه مكث ابن الإله أجيالا كثيرة. ويقولون عن بوذا أنه من سلالة ملوكانية من بيت سقيا، وهم أسمى وأشهر أسباط البرهميين الذين حكموا في بلاد الهند. وفوحي ابن السماء المولود من عذراء هو من عائلة ملوكانية حكمت الصين في القرون الخالية. ويقول الصينيون عن كونفشيوس إنه من عائلة ملوكانية. وهركلوس كان من عائلة ملوكانية، وباخوص ابن الإله كان من عائلة ملوكانية، ويوسيوس ابن العذراء دانيا كان من عائلة ملوكانية. واسكوبليوس ابن الإله صاحب الآيات والعجائب كان من نسل ملوكاني، ويوجد غيرهم كثيرون ممن يقال عنهم عند الوثنيين أنهم آلهة وأبناء آلهة وكلهم من سلالة ملوكانية. ٢ - عند النصارى: وكما قال الوثنيون في آلهتهم كذلك قال النصارى في يسوع المسيح أنه من سلالة ملوكانية ويصلون نسبه بداود الملك كما هو مذكور في إنجيل متى (الإصحاح الأول) وإنجيل لوقا الإصحاح الثالث، هذا عدا الأعداد الكثيرة الموجودة في الأناجيل المدعو فيها "ابن داود"، حتى أن الشياطين كانت تدعوه "ابن داود" عندما يخرجها من الناس وغير ذلك، وهاك مثال على هذا الكلام. ففي إنجيل متى (٢٢/ ٤١ - ٤٢): "وَفِيَما كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهمْ يَسُوعُ قَائلًا: "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي المسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟ " قَالوا لَهُ: "ابْنُ دَاوُدَ"." (١) (٢) تجربة الشيطان لأبناء الآلهة .

стр. 990

١ - عند الوثنيين: جاء في كتاب "حياة بوذا الصيامية" تأليف مونكيور كونوي الصيني (١): "والكائن العظيم بوذا جرَّد نفسه في الزهد لدرجة عدم الأكل (أي صام)، والتنفس أيضًا ... فأتى الأمير مارا (أي أمير الشياطين) وقصد تجربة بوذا مرارًا عديدة مدعيًا الشفقة والحنو عليه، وقال لبوذا: "انتبه يا أيها الكائن العظيم فإن حالتك محزنة لكل من يراك، وقد نحلت لحد لا يوصف ... فإنك تمارس الرذيلة وتعانيه باطلًا وإنى أرى ألا تبقى هنا كثيرًا ... "، فأجابه الكائن العظيم بوذا: "انتبه يا مارا (أي يا أمير الشياطين)، ... ، تروم إجباري على ترك الناس بغير مرشد حتى لا يكونون في مأمن من دهائك، فاذهب عني". وجرَّب الشيطان زروستر ووعده بمواعيد عظيمة إذا اطاعه واعتمد عليه، ولكن تجاربه ذهبت سدى. وجرَّب الشيطان أيضًا "كوتز لكوتل" مخلص البرازيليين المولود من عذراء وصام أيضًا أربعين يومًا. وكان اليونانيون حينما يريدون معرفة الأسرار الخفية يصومون ويمتنعون عن تناول الطعام الطيب، وينامون على وسادات صلبة خشنة، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام من الصوم يتناولون طعامًا مقدسًا (أي باركته كهنتهم). ٢ - عند النصارى: جاء في إنجيل متى (٤/ ١ - ١١): "ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. فتقَدَّمَ إِلَيْهِ المجَرِّبُ وَقَال لَهُ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الحجَارَةُ خُبْزًا". فَأَجَابَ وَقَال: "مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ الله". ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى المدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَال لَهُ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لَا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ".

стр. 991

قَال لَهُ يَسُوعُ: "مَكْتُوبٌ أيضًا: لَا تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ". ثُمَّ أَخَذَهُ أيضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالمِ وَمَجْدَهَا، وَقَال لَهُ: "أُعْطِيكَ هذ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي". حِينَئِذٍ قَال لَهُ يَسُوعُ: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". ثُمَّ ترَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلَائِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ." (١) (٣) العمادة لإزالة الخطيئة ١ - عند الوثنيين: قال امبرلي وبنصون وهيجين وليلي ما ملخصه: "عندما يُعمِّدون الأطفال في الهند ومنغوليا وتيبت يوقدون الشموع ويحرقون البخور على المذابح وتقرأ الكهنة صلوات مخصوصة، ثم يغطسون الطفل في الماء ثلاث مرات". وكذلك يحدث عند البرهميين واليونانيين والرومانيين والمصريين. وأتباع "زورستر" يعمدون أولادهم سواء كانوا أطفالا أو مراهقين. وقال الدكتور "هيد": "وكانت العمادة عند القدماء إما غمسًا بالماء أو رشًا، ويدعون هذه العمادة الولادة الثانية، ويعدون الأنفس زكية سعيدة من بعدها. " وكان وثنيو السويد والنرويج والدانمارك يعمدون أولادهم بصب الماء عليهم، ثم يسمونهم" وكذلك جاء عن المكسيكيين القدماء. وقال "لندي": "إذا تصفحنا التاريخ نرى طقس العمادة قديم العهد جدًّا فقد كان شائعًا في آسيا وأمريكا، وكان سكان البرازيل يعمدون أولادهم الذكور والإناث في الهيكل المدعو "هيكل الصليب" بصب الماء من إبريق وكانوا يدعون ماء العمادة - "ماء الولادة الثانية". ٢ - عند النصارى: والعمادة عند النصارى سر من أسرار الكنيسة السبعة، وقد ورد ذكرها في الأناجيل، فمنها ما ورد في إنجيل مرقس (١/ ٩): "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصرَةِ الجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ. وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ المُاءِ رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ،

стр. 992

وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلًا عَلَيْهِ". وورد في إنجيل متى (٣/ ١١): "أَجَابَ يُوحَنَّا الجَمِيعَ قِائِلًا: "أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ". وفي إنجيل مرقس (١٦/ ١٦): "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ". (١) (٤) التشابه في فكرة الفادي بين الوثنيات القديمة والنصرانية . وكذلك سرت في الوثنيات فكرة الفادي والمخلص الذي يفدي شعبه أو قومه، وكانت الأمم البدائية تضحي بطفل محبوب، لاسترضاء من تسميهم آلهة السماء، وفي تطور لاحق أضحى الفداء بواسطة مجرم حكم عليه بالموت، وعند البابليين كان الضحية يلبس أثوابًا ملكية - كتلك التي ألبسها النصارى للمسيح في قصة الصلب -، لكي يمثل بها ابن الملك، ثم يجلد ويشنق. وعند اليهود خصص يوم للكفارة يضع فيه كاهن اليهود يده على جدي حي، ويعترف فوق رأسه بجميع ما ارتكب بنو إسرائيل من مظالم، فإذا حمل الخطايا أطلقه في البرية. وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية حيث كان العقل اليوناني يحكم بموت بعض الآلهة. والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضًا موجودة في الوثنيات القديمة كما وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه "صخرة الحق" أسماء ستة عشر شخصًا اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم. منهم: أوزوريس في مصر ١٧٠٠ ق. م، وبعل في بابل ١٢٠٠ ق. م، وأنيس في فرجيا ١١٧٠ ق. م، وناموس في سوريا ١١٦٠ ق. م، وديوس فيوس في اليونان ١١٠٠ ق. م، وكرشنا في الهند ١٠٠٠ ق. م، وأندرا في التبت ٧٢٥ ق. م، وبوذا في الصين ٥٦٠ ق. م، وبرومثيوس في اليونان ٥٤٧ ق. م، ومترا (متراس) في فارس ٤٠٠ ق. م. (٢) ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهًا كبيرًا مع ما يقوله النصارى في المسيح المخلص.

стр. 993

فأما بوذا المخلص عند الهنود الوثنيين فلعله أكثر الصور تطابقًا مع ما يقوله النصارى عن المسيح، فقد ذكر صاحب كتاب "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" التشابه بين بوذا والمسيح من ثمانية وأربعين وجهًا، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي، فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد ضئيلًا. وكذلك التشابه الكبير في الألقاب التي يطلقها هؤلاء وهؤلاء على ما يعبدونه، فالبوذيون كما نقل المؤرخون يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد، ومخلص العالم، ويقولون: إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت، وأنه قدَّم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها. (١) وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا: "عانيتَ الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس، وسامحتَ المسيئين إليك". ويذكر مكس مولر في كتابه "تاريخ الآداب السنسكريتية" فيقول: "البوذيون يزعمون أن بوذا قال: دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، كي يخلص العالم". ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي. وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهًا ويقول المؤرخ بونويك في كتابه "عقيدة المصريين": يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهادًا، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل". ويوافقه دوان في كتابه "خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى". لذا يقول آرَثر ويجال: "إن هذه العقيدة دخيلة من مصدر وثني، وهي حقًّا من آثار الوثنية في الإيمان". (٢)

стр. 994

تفسير النصارى لهذا التشابه الغريب بين الوثنيات والنصرانية فكيف يفسر النصارى هذا التطابق بين معتقداتهم والوثنيات القديمة والذي جعل من النصرانية نسخة معدلة عن هذه الأديان؟ . زعم الكثيرون أن هذه الأديان نقلت هذا الفكر عن النصرانية، لكن ذلك اصطدم بكون هذه الديانات كانت قبل المسيحية بقرون طويلة، والمخطوطات والأحافير التي سجلت عقائدها كانت أقدم من ظهور المسيحية وأناجيلها. لذا كان لا بد من الاعتراف بانتحال كُتُّاب العهد الجديد لأساطير الوثنيات السابقة أو الهروب إلى عالم الأسرار والظلام، حيث يختفي دليل العقل وتسيطر الخرافة، ومنه قول الأب جيمس تد المحاضر في جامعة "اكسفورد" عن هذا التشابه: "سر لاهوتي فوق عقول البشر، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصور هؤلاء البشر. (١) صدق الله إذ يقول عن النصارى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (التوبة: ٣٠)، وقد نهاهم الله عن مشابهة المشركين فقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (المائدة: ٧٧).

стр. 995

الفصل الرابع: قانونية (قدسية الكتاب المقدس) ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: قانونية التوراة (قدسيتها) . " إن كلمة: قانون، تعنى (بالإغريقية) مقياس أو معيار .. ولقد أطلق اللفظ: قانوني، أو قانونية على قائمة الكتب التي قبلتها الكنيسة بوجه عام، باعتبارها كتبت بإلهام". (١) وإذا كانت التوراة نتاج عمل العشرات من المؤلفين الذين اجتهدوا في تسجيل تاريخ بني إسرائيل، ولم يَدُر بخلدهم أن تعتبر كتاباتهم مقدسة، إذ لو خطر على بالهم لصاغوها بطريقة أخرى، إذا كان الأمر كذلك، فمتى اكتسبت هذه النصوص قداستها؟ وهل تم ذلك لجميع أسفارها معًا أو أنه تم بالتدريج؟ . وفي الإجابة نقول: من الطبيعي عندما نتحدث عن كتاب إلهي أنّا لا نحتاج إلى الحديث عن قانونيته، إذ هو يستمدها من مصدره الإلهي، ويكتسبها منذ اللحظات الأولى التي ينزله الله فيها إلى البشر، وهذا الأمر لم يحدث مع الأسفار التوراتية التي احتاجت إلى قرارات بشرية تقدسها، فالأسفار الخمسة أقرت في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وتحديدًا في عام ٣٩٨ ق م في عهد عزرا، حين اعترفت الإمبرطورية الفارسية بناموس اليهود حسبما جاء في دائرة المعارف الأمريكية. وكان اليهود يسمون الأسفار الخمسة لموسى بالناموس أو الشريعة أو القانون. ويقول اسبينوزا: "يظهر بوضوح أنه لم تكن هناك مجموعة مقننة من الكتب المقدسة قبل عصر المكابيين (أي القرن الثاني قبل الميلاد)، أما الكتب المقننة الآن فقد اختارها فريسيو الهيكل الثاني بعد أن أعاد بناءه عزرا "الكاتب". وهذا الاختيار من الفريسين في ذلك العهد لم يكن بموافقة طوائف اليهودية المختلفة، يقول اسبينوزا: "فقد اختارها الفريسيون في ذلك العهد من بين كثير غيرها، وذلك بقرار منهم وحدهم". وقد كان مما أقره فريسيو العهد الثاني برأي اسبينوزا الأسفار الخمسة مضافًا إليها ما

стр. 996

يسمى بأسفار الأنبياء، واعتبرت قانونية وهي (يشوع - القضاة - والملوك الأول إلى الرابع وأشعيا وأرميا وحزقيال والأنبياء الصغار الاثنى عشر، وسميت المجموعة الثانية)، ولم تعتبر هذه المجموعة معادلة لسلطة الأسفار الخمسة، ورغم ذلك ألحقت بها، وقد كان ينظر إليها على أنها شروح وامتداد للأسفار الخمسة. (١) وبقي موضوع الكتب المعترف بها قابلًا للزيادة حسب الحاجة وحسب آراء كبار الكهان. وتعلق دراسة المدخل المقدمة من المسكونية الفرنسية، والرهبانية اليسوعية: " ولكن إلى متى بقيت هذه اللائحة مفتوحة؟ وما هي المبادئ التي كانت تنظم استعمالها؟ وهل ضم هذا "المؤلف" أو ذاك إلى تلك اللائحة؟ وهل كان الاستعمال واحدا في جميع الأماكن وجميع الأوساط؟ تتضمن هذه الأمثلة كثيرا من النقاط الغامضة". (٢) وفي عام ٩٠ م عقد الفريسيون مجمعًا في جامينيا، وقرروا اعتبار بعض الأسفار أسفارًا قانونية وهي: (المزامير- الأمثال- نشيد الإنشاد- راعوث، دانيال، أيوب، عزرا، نحميا، الأيام ... )، واعتبروا هذه القائمة نهائية، ورفضوا ما عداها من الأسفار، وقد بلغ عدد هذه الأسفار ستًّا وثلاثين سفرًا. يقول القس إلياس مقار: "وقد استلمت الكنيسة المسيحية من اليهود أسفار العهد القديم التي قررها اليهود في مجمع "جامينيا" عام ٩٠ م". ولم تكن هذه القائمة محل اتفاق بين اليهود، فمثلًا كان الفريسيون يعتبرون سفر دانيال قانونيًا، فيما لم يعتبره الصدوقيون كذلك، بينما كان لجماعة قمران أسفار كثيرة لم ترد في القائمة القانونية، منها أخنوخ واليوبيلات وغيرها، والأسفار التي لم تدخل في القائمة كانت خمسًا وثلاثين سفرًا كما عددها تشارلز في مقدمة كتابه: "أبو كريفا". وفي مجمع "نيقية" ٣٢٥ م أقر المجتمعون النصارى سفر يهوديت فقط، وأبقوا ثمانية

стр. 997

أسفار مشكوكًا فيها. وفي مجمع "لوديسيا" ٣٦٤ م أقر المجتمعون سفرًا آخر هو سفر أستير. وفي ٣٩٧ م عقد مجمع "قرطاجة" بحضور أكستاين، فأضاف المجمع للقائمة ستة أسفار هي (زوم، وطوبيا وباروخ وإيكليزنا سيتكس (يشوع بن سيراخ) والمكابيين الأول والثاني). واعتبر المجتمعون سفر باروخ جزءًا من إرميا، ثم فصلوهما في مجمع "ترلو"، وأصبحت هذه الأسفار متفقًا عليها عند النصارى. ومن ذلك كله نستطيع القول إن هذه الكتب قد كتبها القوم بأيديهم، ثم نسبوها إلى الله، وأعطتها المجامع البشرية صفة القداسة. (١) المبحث الثاني: قانونية العهد الجديد . نحاول في هذا المبحث أن نجيب على عدة أسئلة: كيف ظهرت الأناجيل بعد اختفاء إنجيل المسيح؟ ومن الذي كتبها؟ وما ظروف كتابتها؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة نقول وبالله تعالى التوفيق: يقرر عدد من مؤرخي النصرانية انتقال روايات شفاهية، تبلورت فيما بعد بحركة دائبة في كتابة سيرة المسيح لتلبية حاجات الكنيسة المسيحية الناشئة، ونكتفي هنا بنقل ما ذكره يواكيم إرميا في كتابه الذي نشرته الكنيسة المصرية بعنوان "أقوال المسيح غير المدونة في بشائر الأناجيل" فيقول: "ينبغي أن نضع نصب أعيننا حقيقتين أساسيتين عن بشائر الإنجيل وكتابتها: أنه لمدة طويلة، كانت كل التقاليد المعروفة عن المسيح، كلها أقوال شفاهية متناقلة .. واستمرت على هذه الصورة ما يقرب من خمسة وثلاثين عامًا، ولم يتغير الوضع إلا في عهد اضطهاد نيرون للمسيحيين، حينها اجتمع شيوخ الكنيسة وكبارها في خريف عام ٦٤ م، ووجدوا أن الكثيرين من أعمدة الكنيسة قد فقدوا .. ولم يجد المجتمعون أمامهم إلا يوحنا الملقب مرقص، زميل الرسول بطرس في الخدمة .. ليسجل

стр. 998

كل ما يستطيع أن يتذكره من أحاديث المسيح وتعاليمه، وكتب مرقص بشارته المختصرة التي تحمل اسمه، وهي أقدم قصة كتبت عن حياة المسيح. والحقيقة الثانية: أن قصة مرقس عن المسيح وأقواله قد دفعت غيره ليحذوا حذوه، وينسجوا على منواله .. وتنشأ بشائر أخرى ... حتى كان هناك عدد لا يستهان به من البشائر. .. ولما رأت الكنيسة أن الأمر جدُّ خطير بدأت في تقصي أسس هذه البشائر الأربعة المعروفة، واعتبرت ما سواها "بشائر أبو كريفية"، طوردت وجمعت وأحرقت حتى اختفت". وينبه المحققون إلى أمر هام، وهو أن شيئًا من الأناجيل لم يكن يسمى إنجيلًا في الصدر الأول للنصرانية، إنما سميت "كاروزوتا" أي موعظة، وذلك باللغة اليونانية التي وجد بها ما سمي فيما بعد بالأناجيل. وهذه الكتابات أطلق عليها القديس جوستين في منتصف القرن الثاني اسم "مذكرات الرسل". (١) يقول مدخل الرهبانية اليسوعية متحدثًا عن تاريخ تدوين العهد الجديد: "ويمكن تأريخ إنجيل مرقس في السنين ٦٥ - ٧٠ م .. وأما إنجيل متى وإنجيل لوقا فلا تنعكس فيهما البيئات نفسها، لأنهما وُجها إلى بيئات أخرى، وقد وضعا بعد إنجيل مرقس بخمس عشر إلى عشرين سنة". وقد بدأت في أواسط القرن الثاني حركة لتجميع كتاب مقدس للنصارى على غرار ما عند اليهود، وقد أثمرت ما بين أيدينا من أسفار العهد الجديد. يقول المدخل الفرنسي للعهد الجديد: "لم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة تدوين أهم ما عمله الرسل وتولي حفظ ما كتبوه، ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة ١٥٠ م تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلًا جدًّا إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء

стр. 999

أمرهم رسائل بولس، واستعملوها في حياتهم الكنسية، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقًا بالكتاب المقدس. ومع ما كان لتلك النصوص من الشأن فليس هناك قبل القرن الثاني (بطرس (٢) ٣/ ١٦) أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة، ولا يذكر أن لمؤلف من تلك المؤلفات صفة ما يلزم، فلم يظهر ذلك إلا في النصف الثاني من القرن الثاني، فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة. ١٧٠ م بمقام الأدب القانوني، وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين. يجدر بالذكر ما جرى بين السنة ١٥٠ والسنة ٢٠٠ إذ حدد على نحو تدريجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى. هناك عدد كبير من المؤلفات (الحائرة) يذكرها بعض الآباء ذكرهم لأسفار قانونية في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة. وهناك أيضًا مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها ذلك الوقت على أنها جزء من الكتاب المقدس، ومن ثم جزء من القانون لم تبق زمنًا على تلك الحال، بل أخرجت آخر الأمر من القانون، ذلك ما جرى لمؤلف هرماس وعنوانه الراعي، وللديداكي، ورسالة أكليمنص الأولى، ورسالة برنابا ورؤيا بطرس". (١) وهذا الذي ذكرته مقدمة العهد الجديد نستطيع أن نجمله بأن حركة تدوين الأناجيل بدأت بعد موت أهم التلاميذ، وأخذت شرعيتها في أواسط القرن الثاني كما ساعد في تكوين قانونية العهد الجديد مرقيون الهرطوقي سنة ١٦٠ م حيث دعا لنبذ سلطة العهد القديم، واحتاج لتزويد كنيسته بأسفار مقدسة أخرى، فساهم أتباعه في نشر هذه الأناجيل فقد جمع في عهده إنجيلًا، وراجعه مراجعة دقيقة ليتمشى مع أفكاره، وجمع إليه رسالة

стр. 1000

بولس إلى أهل غلاطية، وهي رسالة تؤكد إبطال الناموس ونقده، ثم أضاف رسائل بولس إلى أهل كورنثوس وتسالونيكي وأفسس وفيلبي وفليمون. كيفية اختيار الأناجيل الأربعة أما الكيفية التي اختارت بها الكنيسة هذه الأناجيل دون غيرها، ومكان الاختيار، فلا يوجد أي تفصيل عند النصارى عن هذه النقطة سوى ما ذكره المدخل الفرنسي للعهد الجديد: "يبدو أن مقياس نسبة المؤلف إلى الرسل استعمل استعمالًا كبيرًا، ففقد رويدًا رويدًا كل مؤلف لم تثبت نسبته إلى رسول من الرسل ما كان له من الحظوة". ولكن هذا القول إنما يصح لو كانت هذه الأناجيل جميعًا قانونية، ثم بدأ بعضها يفقد بريقه عند التحقيق والتدقيق، بينما حصل العكس في تاريخ الكتاب المقدس، إذ لم يعتبر شيئًا من هذه الكتب قانونيًا، ثم بدأ في الاختيار فيما بعد. ويقول الأب كننغسر بأن الأناجيل التي رفضت هي التي لا تتفق مع الخط الأرثوذكسي. لكن المتفق عليه عند مؤرخي الكنيسة أن الأناجيل الأربعة ورسائل بولس قد أقرت في أواخر القرن الثاني، وكان أول من ذكر الأناجيل الأربعة المؤرخ أرينيوس سنة ٢٠٠ م تقريبًا، ثم ذكرها كليمنس اسكندريانوس، ودافع عنها، واعتبرها واجبة التسليم. يقول الدكتور دوود ويل في كتابه "أطروحة حول إيرينوس": "نحن على يقين بأن كتابات كل من كليمنت رومانوس، هرماس، اغناطيوس وبوليكارب والذين كتبوا بعد التاريخ المفروض لكتبة الأناجيل ليس بها أي ذكر لهذه الكتب الأربعة". وأما جستين مارتاير أحد أبرز آباء الكنيسة فقد كتب في منتصف القرن الثاني مستدلًا لألوهية المسيح بأكثر من ثلاثمائة نص من العهد القديم ونحو مائة من الأناجيل المرفوضة، ولم ينقل نصًّا واحدًا من الأناجيل الأربعة، بل لم يشر إليها البتة، يقول البطريرك الدكتور قايلز في كتابه "السجل المسيحي": "هذه الأسماء متى ومرقس ولوقا ويوحنا لم يذكرها جستين، ولا أي نص منها نجده في أي من كتاباته". وأما بقية أسفار العهد الجديد فقد بقيت موضع نزاع بين الكنائس طوال القرن

стр. 1001

الثالث، وقد قبلت بعض الكتب في الكنائس الشرقية كالرسالة إلى العبرانيين، بينما رفضها أتباع الكنائس الغربية، وقبلوا رؤيا يوحنا اللاهوتي. (١) ترتيب الأسفار المقدسة ودلالته: وكما وقع الخلاف في إلهامية بعض الأسفار وقع الخلاف في ترتيب هذه الأسفار في العهد الجديد، وهذا الخلاف مهم، إذ كلٌ رتب الأسفار حسب ما يعتقد لها من قيمة وقداسة وأهمية، فالخلاف في الترتيب خلاف في قيمة الأسفار. وأقدم قائمة رتبت الأسفار كانت في أواسط القرن الرابع قائمة أثناسيوس ٣٦٧ م، وكان ترتيبه كالتالي: الأناجيل ثمَّ أعمال الرسل ثمَّ الرسائل الكاثوليكية ثمَّ رسائل بولس ثمَّ سفر الرؤيا. ثمَّ أصدر مجمع روما ٣٨٢ م ترتيبًا آخر، تلا الأناجيل فيه رسائل بولس ثمَّ رؤيا يوحنا ثمَّ الرسائل الكاثوليكية السبعة، وأما الترتيب الحالي فكان من قرارات مجمع ترنت ١٥٤٦ م. (٢) وهكذا تبيّن لنا من خلال استعراض مسيرة الأناجيل تأليفًا وتقديسًا، أن تقديس هذه الكتب عمل بشري لا يستند إلى دليل من هذه الكتب، بل هو قرار اختلفت فيه المجامع حتى أُقر، ولو كان من الوحي لما اختلفت فيه المجامع، ولما احتاج إلى قرار كنسي ليصبح مقدسًا ووحيًا إلهيًا. (٣) المبحث الثالث: الأسفار الغير قانونية (أبو كريفا) تناولنا بشيء من التفصيل الأناجيل الأربعة، على اعتبار أنها الأناجيل المعتمدة والتي عليها المسيحيون على اختلاف طوائفهم. فهل يا ترى يوجد أناجيل غير هذه الأربعة؟ إنه سؤال حيوي وهام جدًّا، والإجابة عنه ستعطي المزيد والمزيد على القصور الذي أصاب سند الأناجيل بوجه عام. هذا الموضوع تناوله كثير من علماء المسيحية، وأعلنوها صراحة، إذ يقررون ويعترفون أنَّه

стр. 1002

في الأعصر الغابرة، كانت توجد أناجيل أخرى، لكنها أخفيت ولم يعرف عنها شيء، ولكن، لماذا أخفيت؟ قد يقال لأنها لم تعتمد من الكنيسة، فهل يصح أن يكون ذلك سببا في إخفائها، أم أن فيها أو في بعضها شيء ضد صالح الكنيسة لا ينبغي لأحد أن يطلع عليه؟ إن الناظر في تاريخ المسيحية يجد أن حركة التأليف نشطت في الجيل الأوّل من النصرانية بشكل واسع، وظهرت أناجيل كثيرة كما تدلنا على ذلك مقدمة إنجيل لوقا "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة، رأيت أنا أيضًا، إذ قد تتبعت كل شيء من الأوّل بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علّمتَ به" (لوقا ١/ ١ - ٤)، لكن هذه الكثرة الكاثرة من الأناجيل التي سطرها تلاميذ المسيح لم يكتب لها القبول فيما بعد من الكنيسة، فاندثرت وأضحت في خبر كان. (١) ومن هنا نشأ مصطلح "أبو كريفا". ولذا سنناقش هذا المبحث من خلال العناصر الآتية: أولًا: ماذا تعني "أبو كريفا " ثانيًا: نظرة تاريخية في الأناجيل غير القانونية. ثالثًا: الأناجيل الأبوكريفية من حيث كونها كاملة أو ناقصة. رابعًا: ما وصل إلينا من الأناجيل المحرمة (الأبوكريفا). خامسًا: الأدلة التاريخية على وجود الأناجيل. سادسًا: وأخيرًا ملاحظات. وإليك التفصيل أولًا: ماذا تعني "أبو كريفا"؟ أبو كريفا لفظ يوناني في صيغة الجمع معناه الأشياء المخبأة التي يجب إخفاؤها لأنها كاذبة وقد سماها ايرونيموس بالملفق، وسماها ترتليانوس بالزائف. وهي إما أسفار اختبأ كتابها الحقيقيون وراء أسماء بعض رجال العهد الجديد، وإما أسفار تنقل عقيدة سرية لا تتفق والعقائد القديمة قد

стр. 1003

دست فيها دسًا من وراء ستار من الأسماء والظروف الإنجيلية الحقيقية. (١) ثانيًا: نظرة تاريخية في الأناجيل غير القانونية . رأينا كيف اعترفت الكنيسة بأربعة أناجيل، وأنها رفضت عددًا كبيرًا من الأناجيل والكتب التي ألفها الجيل الأوّل من المسيحيين، وأوصلها صاحب كتاب اكسيهومو (١٨١٠ م) إلى أربعة وسبعين كتابًا، وعدّدها، فذكر أن منها ما هو منسوب لعيسى وأمه، وللحواريين، ومنها ما هو منسوب للإنجيليين الأربعة، وبعض الباحثين يصل بعدد الأناجيل إلى ما يربو على المائة كتاب، ومنها ما هو منسوب لجماعات مسيحية قديمة كإنجيل المصريين والناصريين. وقد سميت بعض هذه الكتب أناجيل كإنجيل بطرس وإندرياه ويعقوب وميتاه (متى) وإنجيل المصريين لمرقس وبرنابا، وعددت دائرة المعارف الأمريكية أسماء ستة وعشرين إنجيلًا لا تعترف بهم الكنيسة رغم نسبتهم إلى المسيح وكبار حوارييه. وقد كانت بعض هذه الكتابات والأناجيل متداولة لدى عدد من الفرق المسيحية القديمة، وظلت متداولة إلى القرن الرابع الميلادي. وفي مجمع نيقية ٣٢٥ م أمرت الكنيسة باعتماد الأناجيل الأربعة ورفض ما سواها، من غير أن تقدم مبررًا لرفض تلك الأناجيل سوى مخالفتها لما تم الاتفاق عليه في المجمع، وفي ذلك يقول العالم الألماني تولستوي في مقدمة إنجيله الخاص الذي وضع فيه ما يعتقد صحته: "لا ندري السر في اختيار الكنيسة هذا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره، واعتباره مقدسًا منزلًا دون سواه مع كون جميع الأشخاص الذين كتبوها في نظرها رجال قديسون. . . ويا ليت الكنيسة عند اختيارها لتلك الكتب أوضحت للناس هذا التفضيل. . . إن الكنيسة أخطأت خطأ لا يغتفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الأخرى واجتهادها. .". وأمرت الكنيسة بحرق جميع هذه الأناجيل لما فيها من مخالفات للعقيدة الكنسية،

стр. 1004

وصدر قرار من الإمبراطور بقتل كل من عنده نسخة من هذه الكتب. (١) ثالثًا: الأناجيل الأبوكريفية من حيث كونها كاملة أو ناقصة: وهذه الأناجيل إما كاملة وإما ناقصة، والناقصة نوعان أيضًا منها ما يمكن إثبات ذاتيته، ومنها ما تكسر وتهشم إلى حدّ يصعب عنده تعيين الأصل الذي انتمى إليه. وقبل أن نشرع في بيان ذلك ينبغي أن نورد سؤالًا ينبغي أن يورد هنا وهو كيف نصف هذه الأناجيل المخبأة بهذه الصفات ولا نصف بها الأناجيل الأربعة المعروفة، وقد وجدت دواعي الشك والمساواة بين الكل نظرًا لكثرة الكتاب وضياع السند؟ ومن الذي حكم وفصل هذا التفصيل بين هذه وتلك؟ . ونعود إلى تفصيل ما شرعنا فيه وهو تبيين الأناجيل المخبأة من حيث النقصان والكمال: المخبأة الناقصة: أناجيل النصارى المتهودين: وهي من الأناجيل الأبوكريفية الناقصة التي يمكن إثبات ذاتيتها، ولعلها أقرب الأناجيل الأبوكريفية إلى الإنجيل الصحيح ويقع تحت هذا العنوان (إنجيل العبرانيين) و (إنجيل الناصريين) و (إنجيل الأبيونيسين) و (إنجيل الرسل الاثنى عشر)، ورأى رجال الاختصاص فيما مضى أصلًا واحدًا وراء هذه الأناجيل الأربعة، ولكن متابعة النقد والبحث في هذا الموضوع أدت إلى تقسيم الأربعة إلى فئتين: "إنجيل العبرانيين والناصريين" و"إنجيل الأبيونيسين الفقراء الرسل". الفئة الأولى: إنجيل العبرانيين والناصريين: ليس لدينا عن هذا الإنجيل سوى أربعين. مثالًا استشهد بها الآباء القديسون ولا سيما "ايرونيموس" وثلاثة عشر حاشية وردت على هامش بعض المخطوطات، كتب هذا الإنجيل بالآرامية ولكن بأحرف عبرانية، وشاع استعماله في أواخر القرن الأوّل بعد الميلاد في الأوساط النصرانية المتهودة في حلب. وقارب هذا الإنجيل إنجيل متى في الرواية،

стр. 1005

فاعتبره بعضهم لأول وهلة الأصل الذي نقل منه إنجيل متى، ثمَّ بان اعتماد هذا الإنجيل في الأناجيل الثلاثة الأولى (متى ومرقس ولوقا) فأمسى غريبًا بعيدًا. الفئة الثانية: إنجيل الأبيونيين والرسل: ويستدل من الأمثلة التي اقتبسها القديس (ابيفانيوس) من هذا الإنجيل أنَّه يعود إلى أواخر القرن الثاني، إلى الأوساط المتأخرة التي عاشت الكسائيين الأردنيين في إقناعهم عن أكل اللحوم واعتراضهم على الحبل (به) بلادنس وقولهم إنه ابن الله بالتبني. إنجيل المصربين: ذكره اقليمس الإسكندري ومناظره (ثيودوتوس الغنوسي) و (اوريجنس) وليس لدينا منه سوى بعض نماذج أوردها (اقليمس) وصاحبه (انقراتي) في اتجاهه وقد شاع استعماله في الأوساط الانقراتية في مصر في النصف الأوّل من القرن الثاني. والانقراتيون جماعة من الهراطقة الغنوسيين الذين غالوا في الزهد فامتنعوا عن اللحم والخمر والزواج. وقالوا "التشبيه" أي أن ابن الله لم يتخذ جسدًا ولم يقتل ولم يصلب وإنما شبه لمن حوله ذلك. إنجيل بطرس: دون في سوريا في منتصف القرن الثاني وشاع استعماله في الأوساط المركيونية ووصل إلى كنيسة أرسوز الارثوذكسية بين رأس الخنزير والاسكندرونة، فأقبل البعض على مطالعته وامتنع غيرهم. فأذن سرابيون أسقف أنطاكيا بقراءته أولًا تهدئه للخصام ثمَّ حصل على نسخة منه وعكف على مطالعتها فلمس الدس والتضليل فيها فحرم قراءته ووضع رسالة في ذلك. وعثر المنقبون في مصر سنة ١٨٨٦/ ١٨٨٧ على شيء يسير من هذا الإنجيل عكف علماء العهد الجديد على درس ما اكتشف فوجدوه يمت إلى الأناجيل الأربعة بصلة ولكنه يذر الشك فيما إذا كان المسيح تألم عن الصلب عملًا بعقيدة المشبهة ثمَّ ينحى على اليهود وهيردوس باللوم الشديد وينزه بيلاطيس. أناجيل الرؤيا: وهي تشمل أناجيل "توماس ومتياس" و"فيليبوس" و"يهوذا" و"برثلماس" ورائدهما غنوسي صرف، فهي تجعل السيد المخلص يظهر لبعض أتباعه في حياته على الأرض

стр. 1006

وبعد قيامته، ويتحدث إليهم في مواضيع تثبت نواحي معينة من الفلسفة الدينية الغنوسية. فاسيليذس: هو في الأرجح سوري المولد، غنوسي المذهب عاش في الإسكندرية في الربع الثاني من القرن الثاني، وادعى أنَّه يحمل تقليدًا رسوليًا يعود إلى بطرس نفسه فكتب إنجيلًا وعلق عليه في أربعة وعشرين كتابًا. قال بأنّه في قمة الوجود لا يوصف بالسلبيات صدرت عنه أرواح متضائلة في الألوهية أبعدها عن إله اليهود. ولما طغى إله اليهود وأخضع البشر أرسل إله القمة عقله فاستقر في يسوع الذي تألم في الظاهر فقط. الأناجيل المخفية الكاملة: وهي أحدث عهدًا في غالب الأحيان من الإلهامات التي أشرنا إليها ولكنها صادرة عن أوساط قديمة الرأي ويجوز تنسقها هكذا: مجموعة الأهل والأقرباء. مجموعة الطفولة والصبوة. مجموعة بيلاطيس. وقد يكون الدافع الأساسي في تدوين هذه المجموعات تزويد المؤمنين بمعلومات وتفاصيل رغبوا في الوصول إليها والاطلاع عليها. أناجيل الأهل والأقرباء: وهذه ثلاثة: أ - إنجيل يعقوب، ب - انتقال العذراء، ج - تاريخ يوسف النجار. أما إنجيل يعقوب فإنَّه دون في القرن الثاني فيما يظهر بلغة يونانية صحيحة نقية تضمن سيرة العذراء حتى البشارة، ورواية يوسف عن ولادة المسيح وسجود المجوس، وذبح الأطفال، وموت زخريا، والجدير بالذكر أن ما ننقله عن يواكيم وحنة وطفولة العذراء مأخوذ من هذا الإنجيل، ويعقوب الذي نسب إليه هذا الإنجيل هو يعقوب الرسول ابن زيدي. وكتاب انتقال العذراء والدة الإله من مخلفات القرن الرابع، وقد نسب إلى يوحنا اللاهوتي، وتالايخ يوسف النجار الذي نسب إلى السيد المخلص نفسه هو في الواقع من

стр. 1007

آثار القرن الخامس، وقد دون في مصر باللغة القبطية باللهجتين الصعيدية والبحرية. وتمجيد يوسف والاحتفال بذكره وتعظيمه من الأمور التي اهتم لها المصريون المسيحيون الأولون قبل غيرهم. أناجيل الطفولة والصبوة: وهي تشمل إنجيل "توما الإسرائيلي" الفيلسوف، وإنجيل الطفولة العربي وتختلف النسخ في ضبط اسم "توما" فهو في بعض النسخ اليونانية "توما" الإسرائيلي الفيلسوف، وفي غيرها القديس "توما". وجاء في بعض النسخ اللاتينية أنَّه توما الإسرائيلي. واعتبره كيرلس بضاعة مانوية، ولعا الربط بين اللقبين من نتاج عقل شرقي بعيد. وإنجيل توما الفيلسوف يتضمن مجموعة من غرائب العجائب التي أجراها يسوع بين الخامسة والثانية عشرة من عمره. والإنجيل العربي من مخلفات القرن السابع والثامن بعد الميلاد، منه نسخ في روما وفلورنسة، أما النسخة التي نشر نصها (سيك) في سنة ١٦٩٧ فإنها ضائعة، ومعظم محتوياته واردة في تاريخ العذراء، نشره "برج" في سنة ١٨٩٩ وتبدأ عجائب السيد في هذا الإنجيل في المهد فالقابلة التي عاونت العذراء واهتمت بأمرها وقت الولادة يبست يداها لأنها لم تكن مؤمنة ثمَّ شفاها الطفل المولود. ومن عجائبه في الناصرة بعد عودته من مصر أنَّه كان يصنع طيورًا من طين فتطير. إنجيل نيقوديموس: وهو من مصنفات القرن الرابع، ويتألف من قسمين رئيسيين وأولهما ضبط بما أجراه بيلاطس وأخبار القيامة والثاني وصف لنزول المسيح إلى الجحيم وما فعله فيه وهنالك أيضًا عشر وثائق تتعلّق بأخبار بيلاطس منها رسائله إلى الامبراطور في صلب المسيح وموته وبين مخطوطات باريس العربية (١٦٠)، تاريخ حياة بيلاطس تنسب إلى غملائيل وحنانيا. إنجيل برنابا . (١) وسيفرد الحديث عنه. رابعًا: ما وصل إلينا من الأناجيل المحرمة (الأبوكريفا)

стр. 1008

وهكذا اختفت معظم هذه الأناجيل ولم يصل منها سوى إنجيل برنابا والإنجيل الأغنسطي وإنجيل الطفولية وإنجيل يعقوب، وثلاث قصاصات من إنجيل مريم وبعض شرائح لاتينية وإغريقية وقبطية من إنجيل برثولماوس وإنجيل نيقوديموس، كما عثر أخيرًا في نجع حمادي بمصر على مقتطفات من إنجيل بطرس وكتاب أعمال يوحنا. ولعل أهم ما وجد في نجع حمادي مائة وأربعة عشر قولًا منسوبًا للمسيح في إنجيل توما الذي يختلف أسلوبه عن الأناجيل الأربعة، إذ لم يسرد قصة المسيح، بل نقل أقواله، ويرجع المحقق كويستر هذا الإنجيل إلى منتصف القرن الأوّل الميلادي، وأرجعه كيسيبل إلى ١٤٠ م. وعثر أيضًا على إنجيل "الحقيقة" والذي اعتبره ايرينوس (١٨٠ م) إنجيلًا مزورًا. (١) خامسًا: الأدلة التاريخية على وجود هذه الأناجيل . وقد ينازع قوم في الإثبات التاريخي لهذه الأناجيل، وللتأكيد على وجود هذه الأناجيل في القرن الأوّل وحتى قبل كتابة الإنجيليين الأربعة لأناجيلهم نتذكر ما سطره لوقا في مقدمته "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا. . رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأوّل بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمتَ به" (لوقا ١/ ١ - ٤)، فقد كان بين يديه مجموعة كبيرة من الأناجيل، لا يعلم عددها إلا الله. وقد استشهد كل من كليمنت الرومي (٩٧ م) وبوليكارب (١١٢ م) بأقوال للمسيح في صيغ مستقلة غير موجودة في الأناجيل الأربعة. وقد جمع فابري سيوس ما تبقى من هذه الأناجيل، وطبعها في ثلاثة مجلدات. (٢) سادسًا: وأخيرًا ملاحظات: وبادئ ذي بدء فإن المحققين سجلوا حول هذه الأناجيل ملاحظات.

стр. 1009

- أن ثمة كتب كثيرة ظهرت في القرن الأوّل، وكلها منسوبة للمسيح وحوارييه. - أن هذه الأناجيل تخالف عقائد مجمع نيقية، وبعضها كان خاصًّا بفرق مسيحية موحدة. - أن الكنيسة حين حرمت هذه الأناجيل، لم تقدم أدلة على صحة القرار الذي اتخذته. - أنَّه كما لا يحق لرجال الكنيسة إعطاء صفة القانونية للأناجيل الأربعة، فإنَّه لا يحق لهم إبطال صحة هذه الأناجيل واعتبارها أبو كريفا (مزيفة، خفية). (١) المبحث الرابع: إنجيل المسيح . تمهيد: أخبرنا القرآن الكريم بوجود إنجيل هو كتاب الله الذي أنزل على نبي الله عيسى ﷺ وذلك في عدة آيات من الذكر الحكيم من ذلك قوله تعالى: (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين). (٢) فإذا كانت هذه الأناجيل والرسائل التي بين أيدي النصارى من صنع البشر وتأليفهم، وإذا كان أصحابها لم يدعوا لأنفسهم أنهم يسجلون كلمة الله، فكيف أضحت هذه الكتابات مقدسة وإلهية؟ . لذا فنحن هنا نبحث عن ذلك الإنجيل الأصلي الذي جاء به عيسى ﵇ من خلال العناصر الآتية: أولًا: أين الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، والذي يؤمن به المسلمون؟ ثانيًا: نصوص تتحدث عن إنجيل المسيح الأصلي. ثالثًا: تهرب عموم النصارى من الاعتراف بالإنجيل الأصلي، والرد عليهم. رابعًا: إقرار علماءهم بوجود إنجيل المسيح وفقده. خامسًا: هل هذه الأناجيل المعتمدة الآن هي إنجيل المسيح؟

стр. 1010

سادسًا: يا مسلمون أين إنجيل المسيح الذي تدعونه؟ ! ! سابعًا: رأي العقاد والرد عليه. وإليك التفصيل أولًا: أين الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، والذي يؤمن به المسلمون ؟ نعم أين الإنجيل الخاص بالسيد المسيح؟ . الجواب المؤكد: لا يوجد له أثر، وهذه النتيجة ليست من عندنا، بل تأيدت بما ذكره القس الماروني في كتابه (ذخيرة الألباب) ونصه: إن أسفار العهد الجديد لا تستغرق كل أعمال المسيح ولا تتضمن كل أقواله، كما شهد به القديس يوحنا) لقد تساءل المحققون طويلًا عن إنجيل المسيح الذي أنزله الله على عيسى، ذلكم الإنجيل الذي يؤمن به المسلمون والذي تذكره الأناجيل كثيرًا. لكن الإجابة النصرانية هي صمت مطبق وتجاهل لوجود هذا الإنجيل، فنقطة البدء عندهم للإنجيل أو العهد الجديد تبدأ من الحواريين وهم يسطرون الرسائل والأناجيل. لكن رسائل بولس التي ألفت في النصف الثاني من القرن الأوّل تتحدث في نصوص كثيرة عن إنجيل المسيح، ولا تذكر شيئًا عن الأناجيل الأربعة التي لم يكن مرقس - أول الإنجيليين - قد خط شيئًا منها، إذ أن بولس - وله أربعة عشر رسالة في العهد الجديد - قتل سنة ٦٢ م، بينما ألف مرقس أول الأناجيل عام ٦٥ م، ثمَّ تتابعت العشرات من الأناجيل بعد ذلك، وهي تشير أيضًا إلى إنجيل المسيح ﵇ أو إنجيل الله. (١) ثانيًا: نصوص تتحدث عن إنجيل المسيح الأصلي . ومع أننا لا نجد ذلك الإنجيل الأصلي والذي أنزله الله على نبيه عيسى ﵇ إلا أننا نجد ما قد يشير إليه في هذه الأناجيل المعتمدة، تحدث بولس ثمَّ الإنجيليون عن إنجيل المسيح في نصوص كثيرة منها: قول بولس: "إني أعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعًا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح

стр. 1011

إلى إنجيل آخر. . يوجد قوم يريدون أن يحولوا إنجيل المسيح. ." (غلاطية ١/ ٦ - ٨). فهو يتحدث عن إنجيل حقيقي يتركه الناس إلى إنجيل آخر مزور. ومثله قول بولس: "بل نتحمل كل شيء، لئلا نجعل عائقًا لإنجيل المسيح. . أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل، من الإنجيل يعيشون". (كورنثوس (١) ٩/ ١٢ - ١٤). ويقول متوعدًا: "الذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع، الذين سيعاقبون بهلاك أبدي". وفي الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل حديث عن إنجيل حقيقي من ذلك: ورد في إنجيل متى (وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم، يكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب) (متى ٤: ٢٣). يكرز: يذيع البشارة علانية، وبشارة الملكوت الأخبار السارة عن ملكوت السموات، والبشارة: أي الخبر المفرح. فإذا كان المسيح ﵇ كرز أي يذيع البشارة علانية، وأن البشارة هي الأخبار السارة فمعنى ذلك أنَّه يبشر ويتلو كتابًا ولا يخفى أن الكتاب المنزل عليه هو الإنجيل، إذا فهذه إشارة قد تكون خفية على وجود إنجيل أصلي كان يبشر به عيسى ﵇. ومثل ذلك أيضًا في إنجيل مرقس على لسان المسيح حين بدأ يعلن دعوته (جاء يسوع على الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل) (١: ١٤ - ١٥). وفي أعمال الرسل أن بطرس قام وقال: "أيها الرجال الإخوة: أنتم تعلمون أنَّه منذ أيام قديمة اختار الله بيننا أنَّه بفمي يسمع الأمم كلمة الإنجيل، ويؤمنون" (أعمال ١٥/ ٧). أي إنجيل هذا الذي أشار إليه بطرس، وعلى ما نستطيع أن نقطع به، لم تكن على الأقل كل الأناجيل المتداولة قد كتبت عندما قال بطرس هذا الكلام، ثمَّ ما معنى أن الله قد اختار أنَّه بفمه يسمع الأمم كلمة الإنجيل - وبطرس بالذات - يسمع الأمم كلمة الإنجيل، ويؤمنون به، ثمَّ لا نجد بين الأناجيل المتداولة إنجيلًا منسوبًا لبطرس رغم أنَّه

стр. 1012

بفمه كما قال، اختار الله أن يسمع الأمم كلمة الإنجيل أليس هذا وحده بكاف على الأقل لينفي عن الأناجيل المتداولة اليوم شرعيتها، ويؤكد أن هناك إنجيلًا آخر اختار الله أن تسمعه الأمم بفم بطرس غير هذه الأناجيل الأربعة المعروفة، وهل هي محض مصادفة أن يقول بطرس هذا الكلام ومع هذا فإننا نقرأ اسمه في أول سلسلة الأناجيل التي طاردتها الكنيسة فمن ذا الذي أحرقه يا ترى ومن أعطاه حق حرق ذلك الإنجيل. (فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم) (رو ١: ٩)، (وفي اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح) (رومية ٢: ١٦)، (وأنا أعلم أني إذا جئت إليكم سأجيء في ملء بركة إنجيل المسيح) (رو ١٥: ٢٩)، (لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شيء لئلا نجعل عائقًا لإنجيل المسيح) (١ كورنثوس ٩: ١٢)، (وأعرفكم أيها الإخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه) (١ كورنثوس ١٥: ١). الملاحظ أن هذه النصوص تتحدث عن إنجيل واحد، وليس الأناجيل الأربعة أو السبعين التي رفضتها الكنيسة، وتسمي النصوص هذا الإنجيل، إنجيل الله، وإنجيل المسيح. كما أطلقت النصوص اسمًا آخر على وحي الله الذي أوتيه المسيح، وهو (كلمة الله)، فالجموع ازدحمت عليه عند شاطئ البحيرة لتسمع منه الإنجيل التي ينزل عليه من الله. "وإذ كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله" (لوقا ٥/ ١). وحين دخل كفر ناحوم" اجتمع كثيرون، حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب، فكان يخاطبهم بالكلمة" (مرقس ٢/ ٢)، ويحسب نسخة الرهبانية اليسوعية: "فألقى إليهم كلمة الله". إن ذلك الكلام الإلهي الذي كان يفوه به المسيح ﵇ وتزدحم الجموع لسماعه هو ما يؤمن به المسلمون، إنه كلمة الله التي نزلت على المسيح، المسماة في القرآن بالإنجيل. جاء في رسالة بولس إلى أهل رومية" أولًا أشكر إلهي يسوع المسيح من جهة جميعكم أن إيمانكم ينادى به في كل العالم فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه شاهد لي كيف

стр. 1013

بلا انقطاع أذكركم" (١). ثالثا: تهرب عموم النصارى من الاعتراف بالإنجيل الأصلي، والرد عليهم وقد تهرب عموم النصارى من الإقرار بوجود إنجيل حقيقي هو إنجيل المسيح، فقالوا: لم ينزل على المسيح شيء، بل الإنجيل هو أقواله الشخصية، وقد سطرها الإنجيليون، وهذا بالطبع متسق مع قولهم بألوهية المسيح، إذ لا يليق بالإله أن يؤتى كتابًا، فهذا حال الأنبياء. لكن يردُّ هذه الدعوى ذكر النصوص التي تحدثت عن وحي الله إلى المسيح، منها: قوله: "أنا أتكلم بما رأيت عند أبي" (يوحنا ٨/ ٣٨). وكذا قوله مثبتًا نزول الوحي عليه، بما أسماه وصية الله التي أعطاه الله إياها: "لأني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية: ماذا أقول وبماذا أتكلم، وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب، هكذا أتكلم" (يوحنا ١٢/ ٤٩ - ٥٠). ومثله قوله: "أتكلم بهذا كما علمني أبي" (يوحنا ٨/ ٢٨). ويسمي يوحنا المعمدان ﵇ كلام الله الذي سيؤتاه المسيح (الشهادة)، ويتنبأ بإعراض الكثيرين من بني إسرائيل عنها، فيقول: "الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع، وما رآه وسمعه به يشهد، وشهادته ليس أحد يقبلها، ومن قبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأنَّ الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله" (يوحنا ٣/ ٣١ - ٣٤). لذا لما جاءته أمه وإخوته ووقفوا ببابه، أعرض عنهم وأقبل على تلاميذه الذين يسمعون منه كلام الله ويعملون به "فأجاب وقال لهم: أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله، ويعملون بها" (لوقا ٨/ ٢١). فكلام الله ليس مجرد بشارة يؤمن بها المؤمنون - كما يزعم القائلون بأن إنجيل المسيح

стр. 1014

هو البشارة بخلاصه بل هو عمل ينصاعون إليه وينفذونه. وهذا الوحي الذي آتاه الله سيحاسب الناس بحسبه يوم القيامة "من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه، الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير، لأني لم أتكلم من نفسي" (يوحنا ١٢/ ٤٨ - ٤٩). (١) رابعًا: إقرار علمائهم بوجود إنجيل المسيح وفقده ونقل العلامة رحمة الله الهندي في كتابه الماتع إظهار الحق عن بعض علماء النصرانية إقرارهم بوجود إنجيل يسوع قبل ضياعه واختفائه، ومنهم مارش وليكرك وكوب وأكهارن وغيرهم. يقول أكهارن: "إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال رسالة المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال أنها هي الإنجيل الأصلي، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين كانوا لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم، ولم يروا أحواله بأعينهم، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب وما كانت الأحوال المسيحية مكتوبة فيه على الترتيب". إذن فهؤلاء الأحرار يقرون أنَّه كان هناك إنجيل يعد من المسيحية بمنزلة القلب، ولكنه غير موجود، فهل لنا أن نقول أن ذلك الإنجيل هو المشار إليه في أقوال متى ونرقس، وبولس السابقة، وهو الذي نزل على عيسى، أهو إنجيله وإنجيل الله؟ ليت، وهل ينفع ليت، ليت هذا الإنجيل قائم، وحرصت الكنيسة على بقائه، وقامت بحياطته ليكون فيصلًا بين المختلفين، وحكمًا بين الفرق والمفترقين، وليكون قسطاس المجامع القديمة والحديثة التي حكمت حين الانشقاق، وليكون مصدرًا علميًّا لمن يكتب في المسيحية الأولى ويتبعها في مدارجها في أحقاب الزمن وملابسات التاريخ. (٢) خامسًا: هل هذه الأناجيل المعتمدة الآن هي إنجيل المسيح ؟ لا بد أن نعلم أن هذه الأناجيل لم تنزل على المسيح ولم يملها وذلك لا نزاع فيه بين

стр. 1015

النصارى أنفسهم وإليك بيان ذلك: نقل الشيخ رشيد رضا عن دائرة المعارف الفرنسية أن الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى النصارى ما ظهرت إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح ﵇ وهي متعارضة، مجهولة الأصل والتاريخ، بل وقع الخلاف بينهم في مؤلفيها واللغة التي ألفوا بها، كما أن نسخها الأصلية فقدت. ويقول فضيلة الأستاذ الشيخ محمَّد أبو زهرة ﵀ إن الأناجيل الأربعة، لم يملها المسيح، ولكنها كتبت بعده، وبالتالي فليست هي الوحي الذي أوحي إليه، وهي كما تشتمل على أخبار المسيح من وقت ولادته حتى الوقت الحكم عليه بالموت صلبًا - وصلبه بالفعل على حدّ اعتقادهم - فإنها أيضًا تشتمل على أخبار يوحنا المعمدان حتى قتله). وأما رسل الرسائل فإن كتابها لم يدعوا لأنفسهم أنهم رسل من الله حتى يمكن القول بأن ما حرروه وحي من الله أو الهام منه. اللهم إلا ما جاء عن بولس، فهو يذكر في رسائله أنَّه يتكلم عن الله وأحيانًا يقول إنه يتكلم عن نفسه، مع أنَّه لا يوجد في كتب المسيحية ما يشهد له بالرسالة أو الإلهام أو الإيمان، سفر أعمال الرسل. وهذه الأناجيل المعتمدة رسميًا ليست - بدون شك - ذلك الإنجيل الأصلي المنزل على عيسى ﵇، وهذا باعترافهم، ويعلل الإمام أبو زهرة ذلك فيقول: ففي هذا كله نجد كلمة إنجيل أو كلمة بشارة (وهي ترجمة كلمة إنجيل اليونانية) مضافة إلى ملكوت الله، كما في إنجيل متى ومرقس، وإنجيل الابن كما في رسالة بولس إلى أهل رومية، وكلمة الإنجيل من غير إضافة كما في إنجيل مرقس ورسالة بولس إلى أهل كورنثوس الأولى، ولا شك أن الإنجيل المذكور في كل هذا ليس واحدًا من هذه الأناجيل لأنها: لا تضاف إلا إلى أصحابها باتفاق النصارى، لأنَّ المسيح قد وعظ بهذا الإنجيل - كما جاء في عبارة متى التي نقلناها - ولم يكن واحد من هذه الأناجيل قد وجد في عهده بالاتفاق. ليس من المعقول أن يعظ بأقوال تلاميذه وهم بعد لا يزالون في دور التعليم. لأنَّ هذا الإنجيل قد ذكر في هذه الأناجيل على أنَّه كان قائمًا في عهد عيسى.

стр. 1016

لأنه ذكر من غير نسبته إلى أحد - كما جاء في إنجيل مرقس ورسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، وليس واحد من هذه الأربعة تنصرف إليه كلمة إنجيل من غير نسبته إلى صاحبه. ولأنه ذكر في رسالة بولس إلى أهل رومية منسوبًا إلى المسيح الابن. وليس واحد من هذه الأناجيل يستحق هذا الاسم. لهذا كله نقول: ليس هذا الإنجيل واحدًا منها كما تقضي بذلك طبيعة السياق، وكما يقضي بذلك العقل وإذا كان الأمر كذلك، فهل لنا أن نفهم أن هناك إنجيلًا أصيلًا نزل على عيسى وكرز به على حدّ تعبيرهم ووعظ ويعتبر الأصل لهذه الديانة؟ . (١) وهل إذا وجد ذلك الإنجيل يكون حجة في أيدي المسيحيين؟ إننا نعتقد - بلا شك - أنَّه لو كان موجودًا بعينه لكان حجة في أيدي المسلمين لأنَّ منزل كل من الإنجيل والقرآن الكريم واحد وهو الله تعالى، فلا يمكن عقلا أن يختلفا أو يتناقضا. (٢) المبحث الخامس: إنجيل برنابا تمهيد: لقد ظهر إنجيل جديد كشف عنه البحث العلمي، وقد حمل من الإمارات ما يدلّ على أنَّه في نشأته يمتد إلى أبعد أعماق التاريخ المسيحي، وأبعد أغواره. وهو يشبه الأناجيل القائمة في أنَّه قصة المسيح من ولادته إلى اتهامه، ويحكي محاوراته، ومناقشاته، وخطبه، ولكن الكنيسة لم تعترف به، وأنكرته. فليس معتبرًا عند المسيحيين مصدرًا دينيًا، ولكنه متداول بين علماء الأمم الأوروبية، وقد اتجهوا إليه بالبحث والعناية، والاهتمام ولم يمنعهم من ذلك إنكار الكنيسة له وذلك الإنجيل هو إنجيل برنابا، فما هي قصته؟ (٣). أولًا: من هو برنابا ؟ يقول قاموس الكتاب المقدس: "برنابا: اسم آرامي معناه" ابن الوعظ"، وهو لاوي

стр. 1017

قبرصي الجنس، اعتنق المسيحية في زمان الرسل فترك علاقاته العلمية وابتدأ يجاهد في نشر بشرى الخلاص في العالم، ويحث الناس على اعتناق المسيحية، ويعزيهم في مصابهم، ولذلك سماه الرسل برنابا أي ابن الوعظ بعد ما كان اسمه أولًا يوسف" (١). وجاء ذكره في أعمال الرسل التي ينسب تدوينها إلى لوقا، فقد جاء في ٤/ ٣٦ - ٣٧: " ٣٦ وَيُوسُفُ الَّذِي دُعِيَ مِنَ الرُّسُلِ بَرْنَابَا، الَّذِي يُتَرْجَمُ ابْنَ الْوَعْظِ، وَهُوَ لَاوِيٌّ قُبْرُسِيُّ الْجِنْسِ، ٣٧ إِذْ كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ." وقد ذهب برنابا للدعوة في أنطاكية وكان داعية ناجحًا: "٢٢ فَسُمِعَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ فِي آذَانِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَأَرْسَلُوا بَرْنَابَا لِكَيْ يَجْتَازَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. ٢٣ الَّذِي لمَّا أَتَى وَرَأَى نِعْمَةَ الله فَرِحَ، وَوَعَظَ الْجَمِيعَ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الرَّبِّ بِعَزْمِ الْقَلْبِ ٢٤ لأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَمُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالإِيمَانِ. فَانْضَمَّ إِلَى الرَّبِّ جَمْعٌ غَفِيرٌ. ٢٥ ثُمَّ خَرَجَ بَرْنَابَا إِلَى طَرْسُوسَ لِيَطْلُبَ شَاوُلَ. وَلمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ." (أعمال ١١/ ٢٢ - ٢٥). وذكر المؤرخون أن وفاته كانت سنة ٦١ م في قبرص، حيث قتله الوثنيون رجما بالحجارة ودفنه ابن أخته مرقس الإنجيلي (٢). فيتضح من هذا أن برنابا إما من الحواريين الإثنى عشر (٣) وإما من الرسل السبعين، ولا يحتمل وجود برنابا آخر؛ لأنه لم يرد ذكر لغير برنابا واحد في جميع المراجع، وملامحه واحدة فيها كلها. (٤) ومهما يكن من شيء في هذا الأمر، وهو كونه من الحواريين أو ليس منهم، فإن برنابا حجة عند المسيحيين، وهو من الملهمين في اعتقادهم، فإن صحت نسبة هذا الإنجيل إليه كان ما

стр. 1018

يشمله حجة عليهم، يدعوهم إلى أن يوازنوا بين ما جاء فيه وما جاء في غيره من كتبهم، ويؤخذ بما هو أقرب إلى التصور والتصديق، وأصح سندًا، وأقرب بالمسيحية الأولى رحمًا. (١) ثانيًا: التعريف بإنجيل برنابا: لقد أسهب مترجم إنجيل برنابا في الحديث عن تاريخ هذا الإنجيل ومدى صحة نسبته إلى مؤلفه، ومن خلال هذه المقدمة نستطيع استنتاج الآتي: (أ) النسخة الإيطالية: اتفق المؤرخون على أن أقدم نسخة عثروا عليها لهذا الإنجيل، نسخة مكتوبة باللغة الإيطالية، عثر عليها كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا، وذلك في سنة ١٧٠٩، وقد انتقلت النسخة مع بقية مكتبة ذلك المستشار في سنة ١٧٣٨ م إلى البلاط الملكي بفينا، وكانت تلك النسخة هي الأصل لكل نسخ هذا الإنجيل في اللغات التي ترجم إليها. (٢) وغني عن البيان أن هذه النسخة الإيطالية مترجمة عن اللغة التي كتب بها في الأصل هذا الإنجيل، فإذا صح أن مؤلفه هو برنابا فإن من الراجح أن يكون قد كتبها بإحدى اللغات الثلاث التي كانت المؤلفات الدينية وغيرها تدون بها في عصره وفي بيئته وهي اللغات العبرية والآرامية واليونانية ولا يمكن أن يكون قد كتب في الأصل بالإيطالية لأنها لغة حديثة لم يتم تكونها وانشعابها عن أمها اللاتينية إلا حوالي القرن السادس عشر الميلادي. (٣) (ب) النسخة الأسبانية: ولكن في أوائل القرن الثامن عشر، أي في زمن مقارب لظهور النسخة الإيطالية وجدت نسخة أسبانية ترجمها المستشرق سايل إلى اللغة الإِنجليزية، ولكن لم يعلم من تلك النسخة وترجمتها إلا شذرات أشار إليها الدكتور هوايت في إحدى الخطب، . . .، ولقد رجح المحققون أن النسخة الإيطالية هي الأصل للنسخة الأسبانية، وذلك أنها قد قدمت بمقدمة تذكر أن الذي كشف النقاب عن النسخة الإيطالية التي كانت أصلًا للنسخة الأسبانية هو

стр. 1019

راهب لاتيني اسمه (فرامينو) وهذه قصته: فيقول "إنه عثر على رسائل لأيريانوس وفيها رسالة يندد فيها بما كتبه بولس الرسول. ويسند تنديده إلى إنجيل برنابا، فدفعه حب الاستطلاع إلى البحث عن إنجيل برنابا. وقد وصل إلى مبتغاه لما صار أحد المقربين إلى البابا سكنس الخامس، فإنَّه عثر على ذلك الإنجيل في مكتبة هذا البابا فأخفاه بين أردانه، وطالعه، فاعتنق الإِسلام. ويظهر أن تلك النسخة هي نفس النسخة التي عثر عليها سنة ١٧٠٩ م. (١) ثالثًا: إلى أي حدّ تصح نسبة هذا الإنجيل إلى برنابا ؟ لقد ناقش الدكتور خليل سعادة هذا الأمر بالتفصيل في مقدمته لهذا الإنجيل وخلص إلى الآتي: "أن واضع هذا الإنجيل يهودي أندلسي تعمق في دراسة اليهودية، ثمَّ تنصر وتعمق في دراسة النصرانية، ثمَّ اعتنق دين الإِسلام وتحمس له" (٢). "ونحن نرى أن هذه الصورة يصعب أن توجد في الخيال فهيهات أن توجد في الواقع، وأي خيال يستطيع أن يصور يهوديًّا متعمقًا في اليهودية يتنصر ويتعمق في النصرانية، ثمَّ يسلم ويتعمق في الإِسلام ويتحمس له تحمسًا يحمله على كتابة إنجيل ونسبته إلى واحد من الحواريين أو الرسل؟ إن هذا الرجل يحتاج أن يعمر عدة قرون كما يحتاج إلى وسائل غير عادية ليصل إلى هذه النتيجة، ثمَّ لماذا لم ينتقل مثل هذا الرجل مباشرة من اليهودية للإسلام كما فعل كثير من يهود الأندلس؟ الحق أن هذا التفكير يبدو مستحيلًا ومضحكًا في نفس الوقت! ! . ونحن نسأل الدكتور سعادة: لماذا وضع هذا الرجل المسلم هذا الإنجيل؟ الطبيعي أنَّه وضعه ليحتج به المسلمون على المسيحيين في المناظرات التي كانت دائمة الوقوع بينهم، ولكن ما رأي الدكتور سعادة في أن أحدًا لم يحتج بهذا الإنجيل قط ولم يرد ذكره في تلك المناظرات الحامية كما كتب ذلك الدكتور سعادة نفسه (٣). وكيف ينحدر إنجيل كاذب كهذا إلى مكتبة البابا، ثمَّ إلى البرنس أيوجين، ثمَّ إلى مكتبة

стр. 1020

البلاط الملكي بفينا؟ وأول من عثر عليها في خزانة كتبه رئيس ديني خطير، وكاشفها راهب وكل هذه أوساط مسيحية" (١). "فلا مظنة لأنَّ تكون مدخولة عليهم، وهي منسوبة لقديس من القديسين هو برنابا ولم يعرف بهذا الاسم سواه، له مثل مكانته الدينية. ولقد كان وجود إنجيل له أمرًا معروفًا بين العلماء بهذا الدين، فهذا فرامينو يقول إنه اطلع على رسالة لأريانوس يستنكر ما كتب بولس مستشهدًا على استنكاره بإنجيل برنابا، ويذكر التاريخ أن هناك أناجيل كثيرة حرمت قراءتها الكنيسة". (٢) رابعًا: سبب كتابة برنابا لإنجيله وقد كتب برنابا إنجيله ليكشف ما صنعه بولس كما جاء في مقدمته "إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائمًا مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم أيضًا بولس الذي لا أتكلم معه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته. . ." (برنابا: مقدمة/ ٢ - ٨). خامسًا: أوجه الخلاف بين هذا الإنجيل والأناجيل الأخرى . ذكر مترجمه أربعة أمور خالف فيها هذا الإنجيل الأناجيل الأربعة الأخرى: الأوّل: أنَّه لم يعتبر المسيح ابن الله، ولم يعتبره إلها، وقد ذكر ذلك في مقدمته فقال: "أيها الأعزاء إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشؤين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائما مجوزين كل لحم نجس الذين ضل في عدادهم أيضًا بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب
следующие страницы →