والاضطهاد والشرور سيكون؟ !
وهنا نتساءل: لو كان هذا النص من كلام المسيح، فلم خالفه عندما ضربه خدم رؤساء الكهنة فلم يعرض له الخد الآخر، بل قال له: "٢٣ أَجَابَهُ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟ "" (يوحنا ١٨/ ٢٣).
كما ثمة تساؤل آخر يبحث عن إجابة: هل طبقت الكنيسة هذا الخلق في جولة من جولاتها أم أن واقع الحال يؤذن بأن هذا المقال من المحال، وإذا عجزت الكنيسة والمسيح عن ذلك، فغيرهما عنه أعجز.
٢ - ويحرم العهد الجديد الطلاق إلا بعلة الزنا، فيقول: "فَالَّذِي جَمَعَهُ الله لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ " ... ٩ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي"." (متى ١٩/ ٦ - ٩).
وهذا التشريع سبب من أسباب انتشار البغاء، إذ هو المخرج والسبيل الذي يلجأ إليه أولئك الذين حالت مشاكل الحياة واختلافات البشر دون إكمال مسيرتهم الزوجية، وحرم عليهم العهد الجديد أن يبنوا حياتهم على الطُهر من جديد، ولا يمكن أن تستقيم الحياة مع هذا التشريع العجيب، إذ ثمة أمور كثيرة تجعل الحياة بين الزوجين ضربًا من المحال، ولا مخرج من ضنكها إلا الطلاق، الذي بمنعه تقع الكثير من المضار، وهو ما دفع الكنيسة البروتستانتية لإباحة الطلاق، وهو ما تحاول الكنائس الأخرى إقراره بغية الخروج من هذا التشريع الغريب. وأما ما ذكره متى من علة تحريم الطلاق وهو قوله: "فَالَّذِي جَمَعَهُ الله لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ"" (متى ١٩/ ٦) فليس بصحيح، لأن الزواج ليس جمعًا إلهيًا بين اثنين، بل هو اتفاق بين اثنين على الزواج وفق شريعة الله وسنّته، فمثله في ذلك مثل سائر الشعائر التي أمر بها الله.
٣ - وثمة عجز تشريعي آخر تواجهه أسفار العهد الجديد في مواجهة متطلبات الحياة الإنسانية، وهو منع الزواج بأكثر من واحدة كما يفهم من (كورنثوس (١) ٧/ ١ - ٥)، وهو ما تجمع عليه الكنائس النصرانية المختلفة، بينما تشير الإحصائيات إلى زيادة مطردة في
стр. 1087
أعداد النساء، ففي انجلترا تزيد النساء على الرجال أربعة ملايين امرأة، وفي ألمانيا خمسة ملايين، وفي أمريكا ثمانية ملايين، فكيف يحل العهد الجديد هذه المشكلة التي ستتفاقم آثارها إذا تابع النصارى قول بولس في الحث على التبتل وترك الزواج " ٨ وَلكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ المتزَوِّجِينَ وَللأَرَامِلِ، إِنَّهُ حَسَنٌ لهمْ إِذَا لَبِثُوا كَمَا أَنَا. ٩ وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَضْبُطُوا أنفُسَهُمْ، فَلْيَتَزَوَّجُوا." (كورنثوس (١) ٧/ ٨ - ٩)، إن نتيجة هذا التعليم هي الفضائح التي تهز جنبات الكنيسة وتقرعها كل يوم، لتثبت أن الفطرة لا تُغلب، وأن هذا التوجيه ليس من كلمة الله، لأن الله يعلم ما يصلح عباده ويناسب أحوالهم.
стр. 1088
الفصل الثاني: الأغلاط في الكتاب المقدس .
تمهيد:
عندما نتحدث عن كتاب مقدس، فإنه من الطبيعي أن نسلم بعصمة هذا الكتاب، وأن ما فيه هو وحي الله .
إذ وجود الخطأ فيه يعني أن الله يخطئ، أو أن الروح القدس يخطئ، أو أن الرسول المبلغ يخطئ.
وهذه الاحتمالات كلها مرفوضة باتفاق الأمم وبدلالة العقل، إذ الخطأ صفة بشرية لا يمكن أن تصدر من الله أو أمناء وحيه من الملائكة أو الرسل، ففي ذلك تلبيس على البشر وإضلال لهم.
ولكنا حين نتصفح أسفار الكتاب المقدس نجد أغلاطا توراتية كثيرة، كل منها يشهد ببراءة الله ووحيه من هذا الكتاب.
أولًا: أغلاط العهد القديم .
وقد تعددت الشواهد والنماذج على الأخطاء والأغلاط في العهد القديم، ونكتفي منها بنماذج وأمثلة توضح بجلاء أمر هذه الأغلاط، فمنها:
١ - أن سفر التكوين يحكي عن خيانة إخوة يوسف لأخيهم، فيذكر أن تجارًا مديانيين أخرجوه من البئر، وباعوه لقوم من الإسماعيليين بعشرين من الفضة، وأن هؤلاء الإسماعيليين قد حملوه معهم إلى مصر "وَاجْتَازَ رِجَالٌ مِدْيَانِيُّونَ تُجَّارٌ، فَسَحَبُوا يُوسُفَ وَأَصْعَدُوهُ مِنَ الْبِئْرِ، وَبَاعُوا يُوسُفَ لِلإِسْمَاعِيلِيِّينَ بِعِشْرِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. فَأَتَوْا بِيُوسُفَ إِلَى مِصْرَ." (التكوين ٣٧/ ٢٨).
وفي مصر بيع يوسف لفوطيفار، والمفروض أن الذي باعه لفوطيفار هم الإسماعيليون الذين حملوه إلى مصر بعد أن اشتروه بعشرين من الفضة، لكن كاتب السفر أخطأ فقال: "وَأَمَّا المدْيَانِيُّونَ فَبَاعُوهُ فِي مِصْرَ لِفُوطِيفَارَ خَصِيِّ فِرْعَوْنَ، رَئِيسِ الشُّرَطِ." (التكوين ٣٧/ ٣٦)، والمفروض أن الإسماعيليين هم الذين باعوه لفوطيفار، وهذا هو الصحيح، إذ يعود سفر التكوين لتقريره فيقول: "وَأَمَّا يُوسُفُ فَأُنْزِلَ إِلَى مِصْرَ، وَاشْتَرَاهُ فُوطِيفَارُ خَصِيُّ
стр. 1089
فِرْعَوْنَ رَئِيسُ الشُّرَطِ، رَجُلٌ مِصْرِيٌّ، مِنْ يَدِ الإِسْمَاعِيليِّينَ الَّذِينَ أَنْزَلُوهُ إِلَى هُنَاكَ." (التكوين ٣٩/ ١). فمن المسئول عن هذا الخطأ؟ هل هو الله؟ تعالى عن ذلك، أم هو الكاتب المجهول الذي كتب السفر؟ أم نساخ آلاف المخطوطات الذين لم يكونوا أمناء في نساختهم للأسفار؟ أم أولئك الذين اعتبروا هذه الكتابات التاريخية - بما فيها من خلل وزلل - كلمة الله؟
٢ - ومن الأخطاء أيضًا ما زعمه سفر الأيام من إدراك الملك السامري بعشا للسنة السادسة والثلاثين من حكم الملك اليهوذي آسا، وبناؤه للرامة فيها، حيث يقول: "فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِمُلْكِ آسَا صَعِدَ بَعْشَا مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَلَى يَهُوذَا، وَبَنَى الرَّامَةَ" (الأيام (٢) ١٦/ ١)، وهو خطأ - ولا ريب - لأن الملك بعشا مات قبل هذا التاريخ بتسع سنين.
وإثبات ذلك ميسور، فقد ملك بعشا في السنة الثالثة من حكم آسا، وبقي في الملك مدة أربع وعشرين سنة، أي أنه مات في السنة السابعة والعشرين من حكم الملك آسا، فقد جاء ذلك في سفر الملوك فِي السَّنَةِ "الثَّالِثَةِ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ بَعْشَا بْنُ أَخِيَّا عَلَى جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ فِي تِرْصَةَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً." (الملوك (١) ١٥/ ٣٣).
ومما يؤكد هذا أنه قد توالى على الملك بعده في هذه السنوات التسع ثلاثة ملوك: وهم: ابنه أيلة، ثم زمري، ثم عمري.
ويحدد لنا سفر الملوك - بدقة - سنوات تولي الملوك الثلاثة، فيقول: "وَاضْطَجَعَ بَعْشَا مَعَ آبائِهِ وَدُفِنَ فِي تِرْصَةَ، وَمَلَكَ أَيْلَةُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. وِفي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ أَيْلَةُ بْنُ بَعْشَا عَلَى إِسْرَائِيلَ .. فَدَخَلَ زِمْرِي وَضَرَبَهُ، فَقَتَلَهُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ عِوَضًا عَنْهُ ... فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ عُمْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً." (الملوك (١) ١٦/ ٦ - ٢٣)، فكيف يبني بعشا الرامة في السنة السادسة والثلاثين من حكم آسا، وقد مات قبلها بتسع سنين! . (١)
٣ - ومن الأغلاط ما جاء في سفر صموئيل عن عمر شاول عندما ملك على بني
стр. 1090
إسرائيل حيث يقول: "كَانَ شَاوُلُ ابْنَ سَنَةٍ فِي مُلْكِهِ، وَمَلَكَ سَنَتَيْنِ عَلَى إِسْرَائِيلَ. " (صموئيل (١) ١٣/ ١).
وهذا أمر لا يعقل أبدًا، كما أنه يتناقض مع كل ما تقدمه التوراة من معلومات عن شاول الملك الكبير، وكيفية اختياره، ورفضه لتزويج ابنته ميكال لداود إبان ملكه (شاول)، ثم تزوج داود بها عقب توليه الملك. فذلك كله وغيره مؤذن بوجود غلط في هذا النص.
ولتفادي ذكر هذا الغلط عمدت بعض الترجمات الحديثة إلى ترك مكان السن فارغًا، وهو ما صنعه محققو الرهبانية اليسوعية، ففيها: "وكان شاول ابن .. حين صار ملكًا، وملك .. سنة على إسرائيل".
وأشاروا في الهامش إلى مصدر هذا الغلط، فقالوا عما ورد في النص العبري: "وهذا أمر غير معقول، لربما لم يعرفوا عمر شاول عند ارتقائه العرش، أو لربما سقط العمر عن النص، أو لربما قصرت مدة ملكه إلى سنتين لعبرة لاهوتية".
ولنا أن نتساءل هل كان كتبة الأسفار الملهمون يكتبون وفق معارفهم، أم كانوا يكتبون ما يمليه عليهم الروح القدس؟ .
٤ - ومثله وقع الغلط في أسفار العهد القديم في سياق الحديث عن صلة القرابة بين الملك يهوياكين والملك صدقيا الذي عينه نبوخذ نصر بعد أن عزل يهوياكين، إذ يذكر سفر الأيام أنه أخ لصدقيا، فيقول: "وَمَلَّكَ صِدْقِيَّا أَخَاهُ عَلَى يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ." (الأيام (٢) ٣٦/ ١٠).
والصحيح أن صدقيا عم يهوياكين حيث إن عمر يهوياكين أكبر أبناء أبيه عندما ملك كان حوالي ثمان سنين، وملك لمدة ثلاثة شهور وعشرة أيام فقط. (انظر الأيام (٢) ٣٦/ ٩)، بينما كان عمر صدقيا حينذاك إحدى وعشرين سنة. (انظر الأيام (٢) ٣٦/ ٩ - ١٠)، ولو كان أخًا ليهوياكين لكان ينبغي أن يكون أقل من ثمان سنوات لأن يهوياكين أكبر أبناء أبيه.
وقد اعترف محررو قاموس الكتاب المقدس بهذا الخطأ، وتأولوه قائلين: "دعي أخًا ليهوياكين أي نسيبه، أو من أصل واحد". واعترف به أيضًا وارد الكاثوليكي في كتابه "الأغلاط" حيث
стр. 1091
قال: "" لما كان هذا غلطًا بدل في الترجمة اليونانية والتر اجم الأخر بالعم". (١)
٥ - ويتحدث سفر التكوين عن سارة زوجة إبراهيم، فيذكر من جمالها وحسنها أنها وقعت في استحسان فرعون مصر وهي تبلغ الخامسة والستين من العمر، ومثل هذا غير معهود في النساء. ثم لما تجاوزت التسعين وقعت في استحسان ملك جرار أبيمالك، ومثل هذا من الشطط الذي يتنزه عنه وحي الله وكتبه.
ولبيان هذه المسألة نبين أن سارة تصغر عن زوجها بعشر سنين، فقد جاء في سفر التكوين أن إبراهيم قال: "فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَال فِي قَلْبِهِ: "هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟ ". (التكوين ١٧/ ١٧)، فبينهما عشر سنين.
وقد غادر إبراهيم حاران، وعمر سارة خمس وستون سنة "وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنيَاتِهَما الَّتِي اقْتَنيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ." (التكوين ١٢/ ٤ - ٥)، ثم بعد ذلك انطلق إلى مصر، حيث أعجب فرعون بسارة، وقد تجاوزت الخامسة والستين " وَحَدَثَ لمَّا قَرُبَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ أَنَّهُ قَال لِسَارَايَ امْرَأَتِهِ: "إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ حَسَنَةُ المنْظَرِ فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ المصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ .... فَحَدَثَ لمَّا دَخَلَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَأَوْا المرْأَةَ أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا. وَرَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ، فَأُخِذَتِ المرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ" (التكوين ١٢/ ١١ - ١٥).
ثم يتحدث سفر التكوين عن بلوغ إبراهيم التاسعة والتسعين واختتانه في هذا السن، (التكوين ١٧/ ٢٤ - ٢٥). مما يعني بلوغ سارة التسعين، وبعده يتحدث السفر عن مضي إبراهيم وزوجه العجوز إلى الجنوب، ليُعجب ويؤخَذ بجمالها - هذه المرة - أبيمالك ملك جرار، "وَانْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ هُنَاكَ إِلَى أَرْضِ الجنُوبِ، وَسَكَنَ بَيْنَ قَادِشَ وَشُورَ، وَتَغَرَّبَ
стр. 1092
فِي جَرَارَ. وَقَال إِبْرَاهِيمُ عَنْ سَارَةَ امْرَأَتِهِ: "هِيَ أُخْتِي". فَأَرْسَلَ أَبِيمَالِكُ مَلِكُ جَرَارَ وَأَخَذَ سَارَةَ." (التكوين ٢٠/ ١ - ٣)، فهل يعقل أن امرأة قاربت التسعين يقع في هيامها الملوك؟ إنه أحد أغلاط الكتاب المقدس، وأحد شهاداته على أنه من صنع البشر. (١)
أخطاء بشهادة التاريخ .
وعود لم تتحقق:
١ - ومن هذه الوعود قول التوراة أن الله قال لإبراهيم: "وَأَمَّا أَنْتَ فَتَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلَامٍ وَتُدْفَنُ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ. وَفِي الجيلِ الرَّابعِ يَرْجِعُونَ إِلَى ههُنَا" (أي فلسطين). (التكوين ١٥/ ١٥ - ١٦).
والواقع التاريخي يكذب هذا النص فقد كان الجيل الثالث والرابع من إبراهيم وهم الأسباط وأبناؤهم، كانوا هم الداخلين إلى مصر، لا الخارجين منها، وأما الخارجون منها فهم الجيل السادس من أبناء إبراهيم.
٢ - ومن هذه الوعود الزائفة ما زعمه كاتب سفر الأيام، حين قال بأن الله وعد إسرائيل بقوله لناثان النبي: "وَعَيَّنْتُ مَكَانًا لِشَعْبِي إِسْرَائِيلَ وَغَرَسْتُهُ، فَسَكَنَ فِي مَكَانِهِ، وَلَا يَضْطَرِبُ بَعْدُ، وَلَا يَعُودُ بَنُو الإِثْمِ يُذَلِّلُونَهُ كَمَا فِي الأَوَّلِ" (الأيام (١) ١٧/ ١٠).
ولم يتحقق هذا الوعد الذي زعموا أن الله وعده، فقد ذل بنو إسرائيل على يد بختنصر، وأخرجوا من ديارهم، ولم يتحقق ما قيل لناثان: "مَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُكَ وَاضْطجَعْتَ مَعَ آبَائِكَ، أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأثبِّتُ مَمْلَكَتَهُ. هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ." (صموئيل (٢) ٧/ ١٢ - ١٣).
٣ - وأيضًا تذكر التوراة أن الله وعد نبوخذ نصر الوثني وعدًا لم ينجز فهو من الأغلاط ولا ريب، فقد وعده أن يملكه على مدينة صور، ثم لم يتحقق له ذلك، فوعده بأرض مصر، ولم يتحقق ذلك أيضًا، فدل ذلك على أن هذا الوعد ليس من الله، لأن الله قادر على إنجاز وعده، فقد جاء في سفر حزقيال "لأَنَّهُ هكَذَا قَال السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَجْلِبُ عَلَى
стр. 1093
صُورَ نَبُوخَذْرَ اصَّرَ مَلِكَ بَابِلَ مِنَ الشِّمَالِ، مَلِكَ الملُوكِ، بِخَيْل وَبِمَرْكَبَاتٍ وَبِفُرْسَانٍ وَجَمَاعَةٍ وَشَعْبٍ كَثِيرٍ، فَيَقْتُلُ بَنَاتِكِ فِي الحقْلِ بِالسَّيْفِ، وَيَبْنِي عَلَيْكِ مَعَاقِلَ، وَيَبْنِي عَلَيْكِ بُرْجًا، وَيُقِيمُ عَلَيْكِ مِتْرَسَةً، وَيَرْفَعُ عَلَيْكِ تُرْسًا، وَيَجْعَلُ مَجَانِقَ عَلَى أَسْوَارِكِ، وَيَهْدِمُ أَبْرَاجَكِ بِأَدَوَاتِ حَرْبِهِ. وَلِكَثْرَةِ خَيْلِهِ يُغَطِّيكِ غُبَارُهَا. مِنْ صَوْتِ الْفُرْسَانِ وَالْعَجَلَاتِ وَالمرْكَبَاتِ تَتَزَلْزَلُ أَسْوَارُكِ عِنْدَ دُخُولِهِ أَبْوَابَكِ، كَمَا تُدْخَلُ مَدِينَةٌ مَثْغُورَةٌ. بِحَوَافِرِ خَيْلِهِ يَدُوسُ كُلَّ شَوَارِعِكِ. يَقْتُلُ شَعْبَكِ بِالسَّيْفِ فتسْقُطُ إِلَى الأَرْضِ أَنْصابُ عِزِّكِ. وَيَنْهَبُونَ ثَرْوَتَكِ، وَيَغْنَمُونَ تِجَارَتَكِ، وَيَهُدُّونَ أَسْوَارَكِ، وَيَهْدِمُونَ بُيُوتَكِ الْبَهِيجَةَ، وَيَضعُونَ حِجَارَتَكِ وَخَشَبَكِ وَترابَكِ فِي وَسْطِ الميَاهِ. وَأُبَطِّلُ قَوْلَ أَغَانِيكِ، وَصَوْتُ أَعْوَادِكِ لَنْ يُسْمَعَ بَعْدُ. وَأُصَيِّرُكِ كَضِحِّ الصَّخْرِ، فتكُونِينَ مَبْسَطًا لِلشِّبَاكِ. لَا تُبْنَيْنَ بَعْدُ، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ تَكَلَّمْتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ." (حزقيال ٢٦/ ٧ - ١٤). (١)
لكن هذا الوعد لم يتحقق كما أسلفنا، إذ استعصت صور على ملك بابل، ولم يدخلها، ولم يغنم منها غنيمة، فوعد بأرض مصر بدلًا عنها، يقول السفر: أَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ كَانَ إِلَيَّ قَائِلًا: "يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّ نَبُوخَذْرَاصَّرَ مَلِكَ بَابِلَ اسْتَخْدَمَ جَيْشَهُ خِدْمَةً شَدِيدَةً عَلَى صُورَ. كُلُّ رَأْسٍ قَرعَ، وَكُلُّ كَتِفٍ تجَرَّدَتْ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ وَلَا لِجَيْشِهِ أُجْرَةٌ مِنْ صُورَ لأَجْلِ خِدْمَتِهِ الَّتِي خَدَمَ بِهَا عَلَيْهَا. لِذلِكَ هكَذَا قَال السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَبْذُلُ أَرْضَ مِصْرَ لِنبوخَذْرَا صَّرَ مَلِكِ بَابِلَ، فَيَأْخُذُ ثَرْوَتهَا، وَيَغْنَمُ غَنِيمَتَهَا، وَيَنْهَبُ نَهْبَهَا فَتكُونُ أُجْرَةً لِجَيْشِهِ. قَدْ أَعْطَيْتُهُ أَرْضَ مِصْرَ لأَجْلِ شُغْلِهِ الَّذِي خَدَمَ بِهِ، لأَنَّهُمْ عَمِلُوا لأَجْلِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. " (حزقيال ٢٩/ ١٧ - ٢٠).
ولم يتحقق ذلك الوعد إذ لم يملك نبوخذ نصر أرض مصر أبدًا، وإن وصلت جيوشه إلى حدود مصر سنة ٦٠٥ ق. م، حين هزمت قواته المصريين في معركة قرقميش، لكن بقيت مصر تحت حكم الأسرة السادسة عشرة من حكام الفراعنة.
стр. 1094
ولم تتحقق تلك الوعود التي استمرت الأسفار تعرضها في أربعة إصحاحات من سفر حزقيال أخطاء بشهادة الواقع.
أخطاء في عدد بني إسرائيل:
١ - حديث إرميا عن نسل داود فيقول: "كَمَا أَنَّ جُنْدَ السَّمَاوَاتِ لَا يُعَدُّ، وَرَمْلَ الْبَحْرِ لَا يُحْصَى، هكَذَا أُكَثِّرُ نَسْلَ دَاوُدَ عَبْدِي وَاللَّاوِيِّينَ خَادِمِيَّ"." (إرميا ٣٣/ ٢٢)، لكن الواقع يكذب ذلك، فاليهود أقل أهل الأرض عددًا، إذ لا يبلغ تعدادهم في الأرض كلها ستة عشر مليونًا، علاوة على أن غالبهم ليسوا من أصول إسرائيلية.
وهذا أيضًا يقودنا للحديث عن الأعداد المهولة التي قدمتها التوراة لبني إسرائيل إبان موسى وبعده، إذ تتحدث التوراة عن أصل إسرائيل وهو يعقوب وأبناؤه وقد بلغوا حين هجرتهم إلى مصر سبعين نفسًا. (انظر الخروج ١/ ٣).
ثم تذكر التوراة أنهم " أثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرًا جدًّا، وامتلأت الأرض منهم" (الخروج ١/ ٧).
وبعد مائتي سنة على دخولهم مصر، خرجوا منها، بعد سنين طويلة وقاسية؛ عانوا فيها صنوفًا من الاضطهاد واستباحة النساء وقتل الذكور، ولدى نزولهم في سيناء تذكر التوراة أن موسى أمر بتعداد بني إسرائيل "فَكَانَ جَمِيعُ المعْدُودِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَسَبَ بُيُوتِ آبَائِهِمْ مِنِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا، كُلُّ خَارِجٍ لِلْحَرْبِ فِي إِسْرَائِيلَ سِتَّ مِئَةِ ألفٍ وَثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ وَأَمَّا اللَّاوِيُّونَ حَسَبَ سِبْطِ آبَائِهِمْ فَلَمْ يُعَدُّوا بَيْنَهُمْ .. " (العدد ١/ ٤٥ - ٤٧)، وإذا كان الرجال القادرون على الحرب في أحد عشر سبطًا قد بلغوا الستمائة ألف، فيفهم من هذا أن بني إسرائيل قد جاوزوا المليون.
ومما يشكك في الرقم التوراتي الكبير أن موسى ﵇، وهو أحد الخارجين من مصر يعتبر الجيل الثاني للداخلين إلى مصر، فهو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي. (انظر الخروج ٦/ ١٦ - ٢٠)، وجده قاهث من الداخلين إلى مصر كما ذكرت التوراة. (انظر التكوين ٤٦/ ١١).
ويستحيل تنامي العدد بهذه الزيادة خلال جيلين أو ثلاثة، فمثلًا لم يكن الجيل الأول
стр. 1095
من أبناء لاوي سوى ثلاثة أشخاص عندما دخلوا مصر، فكيف أضحوا بعد ثلاثة أجيال فقط اثنين وعشرين ألف ذكر. (انظر العدد ٣/ ٣٩).
هذه الزيادة لا يمكن للعقل أن يستوعبها بحال، فلو ولد لكل من أبناء لاوي الثلاثة عشرة ذكور، وولد لكل منهم عشرة ذكور، ثم ولد لكل من هؤلاء عشرة ذكور، وما مات من هؤلاء جميعًا أحد، لأضحى عدد أبناء لاوي وأحفاده لا يتجاوز الأربعة آلاف من الذكور، وهو رقم لا يتناسب بحال مع الرقم التوراتي (٢٢٠٠٠).
ومما يدل على أن هذه الأعداد غير صحيحة أن بني إسرائيل كان يتولى توليد نسائهم قابلتان فقط هما: شفرة وفوعة. (انظر الخروج ١/ ١٥). ومثل هذه الأرقام المهولة لا يقوم بها قابلتان فقط.
٢ - ثم تتحدث التوراة عن حروب بني إسرائيل فتذكر أرقامًا للجيوش والقتلى لا تعقل، ففي سفر الأيام "وَضَرَبَهُمْ أَبِيَّا وَقَوْمُهُ ضَرْبَةً عَظِيمَةً، فَسَقَطَ قَتْلَى مِنْ إِسْرَائِيلَ خَمْسُ مِئةِ آلْفِ رَجُل مُختارٍ." (الأيام (٢) ١٣/ ١٧)، هذا في طرف واحد من بني إسرائيل.
ثم إن كان السبعون شخصًا قد فاقوا - خلال قرنين فقط - المليون، فإنه وبعد ثلاثة آلاف سنة ينبغي أن يكون عددهم آلافًا من الملايين تنوء الأرض بحملهم، بل يزيد هذا العدد المفترض على تعداد سكان الأرض حاليًا مرات كثيرة.
لكن الأمر على خلاف ذلك، إذ لا يتجاوز اليهود الخمسة عشر مليونًا في الأرض كلها، علاوة على أن كثيرين منهم ليسوا من ذراري بني إسرائيل.
ثم إن التوراة تذكر تعدادًا آخر، وهو التعداد الذي جرى في أرض مؤاب بعد ثمانين سنة من تعداد موسى الأول، ولم تطرأ فيه زيادة عن التعداد الأول سوى ألفي شخص. (انظر العدد ٢٦/ ١ - ٦٥)، ولو كان بنو إسرائيل يزدادون بهذه النسبة الرهيبة، لكان ينبغي أن يتضاعف عددهم عشرات المرات.
وهذه المبالغات الكبيرة في أعداد بني إسرائيل يعترف بكذبها محققو نسخة الرهبانية
стр. 1096
اليسوعية، حيث يقول هؤلاء تعليقًا على الأعداد الخيالية لبني إسرائيل المذكورة في (صموئيل (٢) ٢٤/ ٩) ما نصه: "من الواضح أن الأرقام مبالغ فيها كما في كثير من الأرقام المماثلة في العهد القديم".
وإذا تساءلنا عن الرقم الحقيقي للخارجين من مصر، فإن دائرة المعارف البريطانية تجزم بأن عددهم لم يتجاوز الخمسة عشر ألفًا.
ولا يفوتنا التنبيه على خطأ توراتي آخر يختص بمدة إقامة بني إسرائيل في مصر، حيث تذكر التوراة أن الله قال لإبراهيم: "اعْلَمْ يَقينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، ويُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ. فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ." (التكوين ١٥/ ١٣)، ووهو صريح أن مدة ذلتهم في أرض مصر أربع مائة سنة، وهذا الرقم يؤكده سفر الخروج بقوله: "وَأَمَّا إِقَامَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أقامُوهَا فِي مِصْرَ فَكَانَتْ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً." (الخروج ١٢/ ٤٠).
وهذا الذي ذكرته الأسفار التوراتي خطأ ولا ريب، إذ لم يمكثوا في مصر إلا مائتين وخمس عشرة سنة، وقد أقر علماء النصرانية ومحققوها بذلك، واجتهدوا في تصحيح الخطأ، فزعم القس منيس عبد النور في كتابه "شبهات وهمية" أن المدة المذكورة في التوراة تبدأ من ابتداء دعوة إبراهيم في العراق، وبمثله قال آدم كلارك في تفسيره، وكذا وافقهما جامعو تفسير هنري واسكات. (١)
وما ذهبوا إليه هو تصحيح للنص في ضوء المعطيات التاريخية، لكنه على أي حال تلاعب بالنص الذي يصرح بأن الأربعمائة سنة هي مقدار إقامتهم وذِلتهم واستِعبادهم في مصر، كما هو بيّنُ في قوله: "فيذلونهم أربع مائة سنة"، وقوله: "وَأَمَّا إِقَامَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَقَامُوهَا فِي مِصْرَ فكَانَتْ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً." (الخروج ١٢/ ٤٠)، فليس في النصين أي تضمين لفترة ما قبل دخولهم إلى مصر.
стр. 1097
٤ - إن العجب ليس فيما سبق من الأغلاط، بل في تلك الأخطاء التي لا يقع فيها كاتب مهما ضعفت مؤهلاته على الكتابة، ومنها أن سفر يشوع شرع يعدد المدن الفلسطينية التي سيأخذها كل سبط من أسباط بني إسرائيل، فيقول عن نصيب سبط يهوذا: "وَكَانَتِ المدُنُ الْقُصْوَى الَّتِي لِسِبْطِ بَنِي يَهُوذَا إِلَى تُخُمِ أَدُومَ جَنُوبًا: قَبْصِئِيلَ وَعِيدَرَ وَيَاجُورَ، وَقَيْنَةَ وَدِيمُونَةَ وَعَدْعَدَةَ، وَقَادَشَ وَحَاصُورَ وَيثْنَانَ، وَزِيفَ وَطَالمَ وَبَعَلُوتَ، وَحَاصُورَ وَحَدَتَّةَ وَقَرْيُوتَ وَحَصْرُونَ، هِيَ حَاصُورُ، وَأَمَامَ وَشَمَاعَ وَمُولَادَةَ، وَحَصَرَ جَدَّة وَحَشْمُونَ وَبَيْتَ فَالطَ، وَحَصَرَ شُوعَال وَبِئْرَ سَبْعٍ وَبِزْيُوتِيَةَ، وَبَعَلَةَ وَعَيِّيمَ وَعَاصَمَ، وَألْتُولَدَ وَكِسِيلَ وَحُرْمَةَ، وَصِقْلَغَ وَمَدْمَنَّةَ وَسَنْسَنَّةَ، وَلَبَاوُتَ وَشِلْحِيمَ وَعَيْنَ وَرِمُّونَ. كُلُّ المدُنِ تِسْع وَعِشْرُونَ مَعَ ضِيَاعِهَا.
" (يشوع ١٥/ ٢١ - ٣٢)، فقد ذكر سبعًا وثلاثين مدينة، وزعم أن عددها تسع وعشرون، فالفرق ثمانية مدن.
وقد حاولت نسخة الرهبانية اليسوعية تقليصه، فدمجت بعض الأسماء (حاصور ويثنان = حاصور بتنان)، و (حاصور وحدتة = حاصور حدتة)، و (قريوت وحصرون = قريوت حصرون)، و (عين ورمّون = عين رمون)، وحذفت واحدًا (بزيتوتية)، ووضعت بدلًا منه "وتوابعها"، واعتذر محققوها عن تلاعبهم بالنص وما أحدثوه فيه فقالوا عنه: "لم يُحفظ النص حفظًا جيدًا، فكثير من أسماء المدن تصوَّب بالرجوع إلى النص اليوناني أو إلى نصوص كتابية أخرى".
لكن رغم هذا كله فإن هناك ثلاثة أسماء زائدة، سها عن عدِّها كاتب السفر!
وفي الفقرة التي تليها من سفر يشوع ذكر الكاتب أسماء خمس عشرة مدينة، ثم أخطأ، فقال: "أربع عشرة مدينة مع ضياعها" (يشوع ١٥/ ٣٦)، وقد اقترح الشراح - كما نقل محققو الرهبانية اليسوعية - حذف الاسم الأخير، ليقرأ النص: "والجديرة وتوابعها" بدلًا من قوله: "والجديرة وجديروتايم" (يشوع ١٥/ ٣٦). (١)
стр. 1098
ثانيًا: أغلاط الأناجيل
تمهيد:
وكأي جهد بشري معرض للخطأ، فإن الأناجيل كذلك تمتلئ بالأغلاط التي يكذبها التاريخ والواقع، وثبوت الغلط في الكتاب يحيل قداسته، ويحيل دعوى إلهامه إلى سراب.
والأغلاط في الأناجيل كثيرة، وهي على أنواع فمنها ما تشهد عليه الأسفار المقدسة بالخطأ أو الكذب، ومنها ما يشهد عليه العقل، ومنها ما يشهد عليه التاريخ والواقع.
أولًا: الأغلاط بشهادة الكتب المقدسة
أولًا: أين هذه النصوص من تعظيم الله ورسله ؟ !
١ - يتحدث سفر الرؤيا، رؤيا يوحنا اللاهوتي عن رؤيته للأقنوم الثاني لله، أي الله الابن، وهو جالس على عرشه على صورة خروف له سبعة قرون وسبع أعين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، يقول يوحنا: "وَرَأَيْتُ فَإِذَا فِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَالحيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ وَفِي وَسَطِ الشُّيُوخِ خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأنَّهُ مَذْبُوحٌ، لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ وَسَبْعُ أَعْيُنٍ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ الله المرْسَلَةُ إِلَى كُلِّ الأَرْضِ." (الرؤيا ٥/ ٦).
٢ - ويمضي النص فيقول متحدثًا عن القائمين أمامه: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ الله، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلًا فِي هَيْكَلِهِ، وَالجالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلَا تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلَا شَيْءٌ مِنَ الحرِّ، لأَنَّ الخْروفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ الله كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ". الرؤيا (٧/ ١٥ - ١٧).
٣ - ويفصح النص عن ماهية الجالس على العرش على صورة الخروف، إنه الله الابن، الأقنوم الثاني للإله الواحد المتعدد الأقانيم، فيقول: "هؤُلَاءِ سَيُحَارِبُونَ الخروفَ، وَالخروفُ يَغْلِبُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الملُوكِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ مَدْعُوُّونَ وَمُخْتَارُونَ وَمُؤْمِنُونَ"." (الرؤيا ١٧/ ١٤).
٤ - ويمضي نص يوحنا ليذكر أن الجموع التي كانت أمام العرش كانت تصرخ بخلاص الله والخروف "بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ
стр. 1099
الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْلِ وَهُمْ يَصْرُخُونَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ: "الْخَلَاصُ لإِلهِنَا الجالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَللْخَرُوفِ". وَجَمِيعُ الملَائِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَالشُّيُوخِ وَالحْيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا لله قَائِلِينَ: "آمِينَ! الْبَرَكَةُ وَالمجْدُ وَالحكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلهِنَا إِلَى أَبَدَ الآبِدِينَ. آمِينَ! " (الرؤيا ٧/ ٩ - ١٢)، فهل الرب محتاج للخلاص؟ وممن؟ ومن الذي سيخلصه؟ أولا توجد طريقة أفضل للرمز على الإله المعبود؟ . (١)
٥ - ويتحدث العهد الجديد عن جهالة لله وضعف، ولكن جهالته أكثر حكمة من الناس، وكذا ضعفه أقوى من الناس، وذلك في قول بولس: "لأَنَّ جَهَالةَ الله أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ الله أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! " (كورنثوس (١) ١/ ٢٥).
ولا يقبل بحال أن يقال عن الله العظيم أن له ضعفًا أو جهالة، بل هو القوي العزيز الحكيم العليم.
٦ - ينسب العهد الجديد إلى المسيح سباب إخوانه من الأنبياء وتشبيههم باللصوص والسراق، واتهامهم بعدم الحرص على هداية أقوامهم، فيقول يوحنا: "فَقَال لهمْ يَسُوعُ أيضًا: "الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا بَابُ الخرَافِ. جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ، وَلكِنَّ الخرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ. أَنا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى. السَّارِقُ لَا يَأْتِي إِلَّا لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَليَكُونَ لهمْ أَفْضَلُ. أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الخرَافِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ، وَلَيْسَ رَاعِيًا، الَّذِي لَيْسَتِ الخرَافُ لَهُ، فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلًا وَيَتْرُكُ الخرَافَ وَيَهْرُبُ، فَيَخْطَفُ الذِّئْبُ الخرَافَ وَيُبَدِّدُهَا." (يوحنا ١٠/ ٧ - ١٢).
ومن المحال أن يسطر الله في وحيه مثل هذه الإساءات لمقامه العظيم، وكذا لكتبه ورسله.
стр. 1100
< رمز>ثانيًا: زكريا المقتول هو ابن يهوياداع وليس ابن برخيا
فمن الأغلاط التي تشهد لها الأسفار المقدسة عند النصارى بالخطأ ما جاء في متى في قوله أن المسيح قال: لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالمذْبَحِ." (متى ٢٣/ ٣٥).
وقد غلط متى، إذ المقتول بين الهيكل والمذبح هو زكريا بن يهوياداع، فقد جاء في سفر الأيام "وَلَبِسَ رُوحُ الله زَكَرِيَّا بْنَ يَهُويَادَاعَ الْكَاهِنَ فَوَقَفَ فَوْقَ الشَّعْبِ ... فَفَتَنُوا عَلَيْهِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ بِأَمْرِ الملِكِ فِي دَارِ بَيْتِ الرَّبِّ." (الأيام (٢) ٢٤/ ٢٠ - ٢١).
وأما زكريا بن برخيا فهو آخر عاش أيام سبي بابل، وهو من الأنبياء الصغار، وينسب إليه السفر الذي في التوراة، ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس " ويذكر التقليد اليهودي أن زكريا هذا طالت أيامه، وعاش في بلاده، ودفن بجانب حجي الذي كان زميلًا له". (١)
كما يجدر أن ننبه هنا إلى أن لوقا قد نقل قول المسيح الذي ذكره متى، ولكنه لم يخطئ كما أخطأ متى، فقد قال: "مِنْ دَمِ هَابِيلَ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا الَّذِي أُهْلِكَ بَيْنَ المذْبَحِ وَالْبَيْتِ. " (لوقا ١١/ ٥١).
ثالثا: إحالة متى الخاطئة إلى سفر إرمياء
وفي نبوءة أوردها متى أخطأ وهو ينقل عن التوراة، يقول متى: "حِينَئِذٍ لما رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلًا: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا". فَقَالوا: "مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ! " فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالوا: "لَا يَحَلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الخزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ". فتشَاوَرُوا وَاشْتَتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. لِهذَا سُمِّيَ ذلِكَ الحْقْلُ "حَقْلَ الدَّمِ" إِلَى هذَا الْيَوْمِ. حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْجميَا النَّبِيِّ الْقَائِلِ: "وَأَخَذُوا الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، ثَمَنَ المثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ، كَمَا أَمَرَنِي الرَّبُّ"." (متى ٢٧/ ٣ - ١٠).
فإحالته إلى سفر إرميا غير صحيحة، إذ لا يوجد شيء من ذلك في إرميا، والصحيح
стр. 1101
أنه في سفر زكريا: "فَقَال لِي الرَّبُّ: "ألقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ، الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ". (زكريا ١١/ ١٢ - ١٣).
ويجدر أن ننبه هنا أن القصة في سفر زكريا لا علاقة لها بيهوذا ولا المسيح، إذ الثمن الذي يطلبه زكريا ثمن كريم، أجرة كهانته، في حين أن الثمن الذي قبضه يهوذا ثمن خيانة ولؤم.
والحق أن الإحالة ليست إلى سفر زكريا ولا إرميا، بل هي بالحقيقة إحالة إلى سفر غير قانوني ينسب إلى النبي إرمياء، فقد نقل المحقق آدم كلارك في تفسيره للكتاب المقدس عن العلامة جيروم قوله: "إن اليهود من فرقة الناصريين أظهروا له هذه النبوءة في نسخة عبرية لسفر إرميا مشكوك فيها (أبو كريفا)؛ لكن من الراجح أنهم أدخلوا هذه النبوءة في سفر إرميا فقط لموافقة الاقتباس الموجود في متى".
رابعًا: أصحاب داود لم يأكلوا خبز التقدمة في عهد الكاهن أخيمالك
وأخطأ كاتب إنجيل مرقس مرتين وهو يتحدث عما فعله داود عندما جاع فأكل من خبز التقدمة الذي لا يجوز أكله إلا للكهنة فقال: "فَقَال لَهُمْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؟ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ الله فِي أَيَّامِ أَبِيَاثارَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلَّا لِلْكَهَنَةِ، وَأَعْطَى الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أيضًا". " (مرقس ٢/ ٢٥ - ٢٦).
وقوله: "الذين كانوا معه" خطأ ولا محالة، لأن داود كان حين ذهب إلى رئيس الكهنة كان وحيدًا فارًا من وجه شاول، كما في سفر صموئيل وفيه "فَجَاءَ دَاوُدُ إِلَى نُوبٍ إِلَى أَخِيمَالِكَ الْكَاهِنِ، فَاضْطَرَبَ أَخِيمَالِكُ عِنْدَ لِقَاءِ دَاوُدَ وَقَال لَهُ: "لمَاذَا أَنْتَ وَحْدَكَ وَلَيْسَ مَعَكَ أَحَدٌ؟ " .... " (صموئيل (١) ٢١/ ١ - ٤).
والخطأ الثاني الذي وقع فيه مرقس حينما سمى رئيس الكهنة أبياثار، وفي صموئيل أن رئيس الكهنة يومذاك هو أبوه، أخيمالك الذي قتله شاول، لأنه أعطى الخبز المقدس لداود. (انظر صموئيل (١) ٢٠/ ٢٢ - ٢٣).
وينبه محررو الكتاب المقدس إلى أن أبياثار هرب بعدها إلى داود مع صادوق رئيس الكهنة
стр. 1102
بعد مقتل أبيه أخيمالك. وقد اعترف بهذا الغلط وارد الكاثوليكي في كتابه "الأغلاط"، وقال نقلًا عن مستر جوويل أنه كتب: غلط مرقس، فكتب أبياثار موضع أخيمالك.
خامسًا: الثناء على يهوذا الخائن
وفي أثناء حديث الإنجيليين عن التلاميذ فإنهم يذكرون الإثني عشر بخير، وينسون أن فيهم يهوذا الخائن، ولربما ذكروا حوادث حصلت بعد موته، فذكروه فيها.
ومن ذلك قول متى أن المسيح قال لتلاميذه الإثني عشر: : "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أيضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ." (متى ١٩/ ٢٨).
ولم يستثنِ متى يهوذا الخائن الذي يقول عنه ناقلًا عن المسيح: "وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ! "." (متى ٢٦/ ٢٤)، وقد تنبه لوقا لخطأ متى، فلم يقع فيه، ولم يذكر عدد الكراسي. (انظر: لوقا ٢٢/ ٢٨ - ٢٩).
وهذا الخطأ وقع به بولس وهو يتحدث عن قيامة المسيح والتي يفترض أنها بعد وفاة يهوذا بأيام وقبل انتخاب البديل عنه ميتاس (انظر أعمال ١/ ٢٦)، فقال بولس: "وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لاكثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ" (كورنثوس (١) ١٥/ ٤ - ٦).
وقد تنبه للخطأ كاتب مرقس وهو يروي ذات القصة، فقال: "أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ .. " (مرقس ١٦/ ١٤).
سادسًا: مدة مكث المسيح في بطن الأرض ليست ثلاثة أيام وثلاث ليال
ومن الأغلاط ما ذكره متى عن مكث ابن الإنسان (المسيح) في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، حيث يقول: "حِينَئِذٍ أَجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ: "يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نرَى مِنْكَ آيةً". فَأَجابَ وَقَال لَهُمْ: "جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلَا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلَّا آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَال، هكَذَا
стр. 1103
يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَال." (متى ١٢/ ٣٨ - ٤٠).
ومن المعلوم في الأناجيل أن المسيح صلب يوم الجمعة، ودفن ليلة السبت، وخرج من قبره قبل فجر الأحد، أي لم يمكث في القبر سوى ليلة السبت ويوم السبت وليلة الأحد. وهو ما يعدل ليلتين ويوم، وليس ثلاثة أيام وثلاث ليال، كما أخبر متى.
وقد اعترف (بالسي وشلز) أن متى قد غلط، وزعم أنه أخطأ في فهم كلام المسيح، فهذا التفسير بالبقاء ثلاثة أيام وثلاث ليال في الأرض كان من جانبه، وأما مقصود المسيح فهو: "أن أهل نينوى كما آمنوا بسماع الوعظ وما طلبوا معجزة، كذلك فليرضَ الناس مني بسماع الوعظ".
وأما يوحنا فيحاول في تفسيره تحوير النص فيقول: إن الثلاثة أيام والثلاثة ليال تحسب من يوم الخميس حين أكل المسيح العشاء مع التلاميذ وتحول الطعام إلى جسده، فبطن الأرض مجاز عن بطونهم. (١) وهو قول ممجوج واضح التكلف.
وأما تفسير (بالسي وشلز) فهو اعتذار لا يقبل، لأنه قد جاء مثل هذا القول عند غير متى، ففي يوحنا قال لهم: ": "انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ"."، فلم يفهم اليهود كلامه، وظنوه يتحدث عن هيكل سليمان " فَقَال الْيَهُودُ: "فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟ " وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ. فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، تَذَكَّرَ تَلَامِيذُهُ ألَهُ قَال هذَا، فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكَلَامِ الَّذِي قَالهُ يَسُوعُ." (يوحنا ٢/ ١٩ - ٢٤)، ولكنه قد قام في اليوم الثاني، وبعد مضي ليلتين فقط.
وقال لوقا: "يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، ويُصْلَبَ، وَفي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ"." (لوقا ٢٤/ ٧)، وفي مرقس "فَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ"." (مرقس ١٠/ ٣٤)، وقيامته هي القيامة من الموت، وقد قام في اليوم الثاني من الموت المزعوم.
ثانيًا: أغلاط بشهادة الواقع
١ - العودة القريبة للمسيح والنهاية السريعة للدنيا
وثمة نصوص أخرى كثيرة غلط فيها الإنجيليون بشهادة الواقع والتاريخ، ومن مثل
стр. 1104
ذلك ما جاء في إنجيل متى عن القيامة القريبة التي تقترن بعودة المسيح القريبة، والتي حددها المسيح كما يزعمون بأنها قبيل انقضاء جيله، وعليه طلب إلى تلاميذه أن لا يذهبوا للدعوة في مدن السامريين فإن القيامة دون ذلك.
وقد قارب مجموع النصوص -التي تحدثت عن عودة المسيح والقيامة- العشرة، أهمها: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلَائِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يجازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ الموْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ"." (متى ١٦/ ٢٧ - ٢٨).
ويقول أيضًا: "وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذ المدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَانِ." (متى ١٠/ ٢٣).
وفي سفر الرؤيا يقول: "هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا." (الرؤيا ٣/ ١١).
ويقول يعقوب: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ. فَتَأَنَّوْا أَنْتُمْ وَثَبِّتُوا قُلُوبَكُمْ، لأَنَّ مجِيءَ الرَّبِّ قَدِ اقْتَرَبَ." (يعقوب ٥/ ٨).
وتحدث متى عما يرافق عودة المسيح من أحداث " وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلَامِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ: "قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلَامَةُ مجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟ "".
فأجابهم المسيح بذكر علامات كثيرة، ومنها "وَللْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لَا يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلَامَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثيرٍ ... الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ (١). السَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولَانِ وَلكِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ." (متى ٢٤/ ٢٩ - ٣٥).
стр. 1105
وفي لوقا: "وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمنَةُ الأُمَمِ. "وَتَكُونُ عَلَامَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَعَلَى الأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بحَيْرَةٍ. الْبَحْرُ وَالأَمْوَاجُ تَضِجُّ، وَالنَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفٍ وَانْتِظَارِ مَا يَأْتِي عَلَى المَسْكُونَةِ، لأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثيرٍ." (لوقا ٢١/ ٢٤ - ٢٧).
وقد سيطرت فكرة العودة السريعة والقيامة القريبة على كُتاب الرسائل، ومنهم بولس الذي يقول: "نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ." (كورنثوس (١) ١٠/ ١١).
وفي رسالته إلى تسالونيكي يتحدث عن الكيفية التي سيلاقي بها المسيح بعد قيام المؤمنين بالمسيح من الأموات، يقول: "إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مجِيءِ الرَّبِّ، لَا نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلَائِكَةٍ وَبُوقِ الله، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي المَسِيحِ سَيقُومُونَ أَوَّلًا. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلَاقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ." (تسالونيكي (١) ٤/ ١٥ - ١٧).
ويؤكد إيمانه بهذه الفكرة في قوله: "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لَا نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، في لحظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ." (كورنثوس (١) ١٥/ ٥١ - ٥٢).
وعلى هذا النص الأخير تعلق الرهبانية اليسوعية، فتقول: "يتكلم بولس بكلام إنسان يتوقع أن يكون حيًّا عند مجيء المسيح".
ويقول معجم اللاهوت الكتابي: "يبدو أن المؤمنين، في فجر الكنيسة، وقد لبسوا نور الفصح والعنصرة، قد ظنوا أن المسيح سيأتي من فوره .. لا يقول بولس أبدًا بأن المجيء الثاني المجيد سيأتي بعد حقبة طويلة من الزمن، بل بالعكس يداعبه الأمل بأن يكون إذ ذاك حيًّا يرزق (تسالونيكي (١) ٤/ ١٧) ".
ويقول يوحنا: "أَيُّهَا الأَوْلَادُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ المَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ" (يوحنا (١) ٢/ ١٨).
стр. 1106
تقول الرهبانية اليسوعية تعليقًا على هذا النص: "تلميح إلى الساعة الأخيرة من التاريخ، كان المسيحيون الأوائل ومنهم يوحنا، على يقين من أن تلك الساعة قريبة، ولكنهم كانوا يعتقدون بأن مجيء الرب في المجد سيسبقه قيام كائن مفسد، هو المسيح الدجال".
٢ - معجزات المؤمنين:
ومن النصوص أيضًا التي تثبت شهادة الواقع خطأ الإنجيليين فيها، لأن المسيح لا يكذب، ولا يمكن أن يقول ما نسب إليه فيها، إذ هو من الخطأ البيّن.
من ذلك ما جاء في خاتمة مرقس، ففيها أن المسيح ظهر لتلاميذه بعد الصلب وقال لهم: "وَهذه الآيَاتُ تَتْبَعُ المؤْمِنِينَ: يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِي، وَيَتكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ. يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ، وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئًا يُميتًا لَا يَضُرُّهُمْ، وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى المرْضَى فَيَبْرَأُونَ". (مرقس ١٦/ ١٧ - ١٨).
وقريبًا من هذا المعنى يقول مرقس بأن المسيح قال لتلاميذه: ": "لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِالله. لأَنِّي الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَال لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ! وَلَا يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَال يَكُونُ لَهُ." (مرقس ١١/ ٢٢ - ٢٣).
وفي إنجيل متى: "وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلَاةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالونَهُ"." (متى ٢١/ ٢٢) وحين تقدم رجل إلى المسيح يرجوه أن يشفي ابنه من الصرع، ويقول: ". لكِنْ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئًا فتحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا". فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ". فَلِلْوَقْتِ صَرَخَ أَبُو الْوَلَدِ بِدُمُوعٍ وَقَال: "أُومنُ يَا سَيِّدُ، فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي"." (مرقس ٩/ ٢٣)، لقد أفهمه المسيح أن صنع المعجزات -كل المعجزات- يقدر عليه المؤمنون، وعليه طلب منه الإيمان ليشفي ابنه، فتعهد الرجل بالإيمان، وشفى له المسيح ابنه، لأنه لم يصر بعدُ في عداد المؤمنين.
وينقل يوحنا على لسان المسيح أنه قال: "الْحَقَّ الْحَقَّ أقولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَال الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أيضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، ... " (يوحنا ١٤/ ١٢)، فكل مؤمن يستطيع صنع المعجزات الباهرة التي صنعها المسيح من إحياء للموتى وشفاء للمرضى، والتجربة خير برهان!
стр. 1107
أما أولئك الذي يعجزون عن فعل المعجزات ممن يؤمن بقدسية هذا النص، فهؤلاء لا إيمان لهم، إذ يحكى متى عن تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد ليسألوه عن سبب إخفاقهم في شفاء المصروع فأجابهم: "فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ. فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لهِذَا الجبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلَا يَكُونُ شَيءٌ غَيْرَ مُمكنٍ لَدَيْكُمْ." (متى ١٧/ ٢٠).
وعليه فكل مؤمن نصراني يستطيع إحياء الموتى وشفاء المرضى وإخراج الشياطين ... ، وإن لم يصنع ذلك فليس بمؤمن.
ويبالغ يوحنا في عرضه للمعجزات التي يتوارثها النصارى عن المسيح، إذ يقول في نص آخر بأن المسيح قال لليهود: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحفَظُ كَلَامِي فَلَنْ يَرَى المَوْتَ إِلَى الأَبَدِ". "وفهم اليهود منه موتًا حقيقيًّا فقالوا: "أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ؟ وَالأَنْبِيَاءُ مَاتُوا. مَنْ تَجْعَلُ نَفْسَكَ؟ " " فلم يتهمهم بسوء الفهم بل قال لهم: "أَجَابَ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئًا. أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي، " (يوحنا ٨/ ٥١ - ٥٤).
إذًا هذه النصوص تتحدث عن معجزات يصنعها المؤمنون، فهل يتحقق شيء منها في حياة أولئك الذين يدعون الإيمان بالمسيح؟ .
٣ - التعويض السريع في الدنيا
ومن الأمور التي ذكرتها الأناجيل أيضًا، ويكذبها واقع الناس ما جاء في مرقس أن بطرس قال للمسيح: ": "هَا نَحْنُ قَدْ تركْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ". فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَال: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ أَحَدٌ تركَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلَادًا أَوْ حُقُولًا، لأَجْلِي وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ، إِلَّا وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هذَا الزَّمَانِ، بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَاتٍ وَأَوْلَادًا وَحُقُولًا، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ، وَفي الدَّهْرِ الآتِي الحْيَاةَ الأَبَدِيَّةَ." (مرقس ١٠/ ٢٨ - ٣٠) ومثله في متى: "وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلَاةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالونَهُ"." (متى ١٩/ ٢٩)، وفي لوقا: "وَيَأْخُذُ فِي هذَا الزَّمَانِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً" (لوقا ١٨/ ٢٩ - ٣٠).
وحار المحققون في فهم كيفية الحصول على هذا التعويض، كيف يمكن للإنسان أن يصبح
стр. 1108
عنده أمهات وآباء كثر ... وإذا فُهم أن الآباء والإخوة والأمهات أمور مجازية، فكيف يفهم تعويض الحقول والزوجات؟ ومتى رأينا ذلك لأحد أولئك الذين يهجرون أوطانهم للتبشير، فيتركون أمهاتهم وأخواتهم وأموالهم، متى أعطوا جزاء في الدنيا مائة ضعف.
والنص واضح الدلالة أنه يتحدث عن جزاء دنيوي "مع اضطهادات"، وستحصل "في هذا الزمان" ثم وعد بالحياة الأبدية في الآخرة.
٤ - الأرض كروية أم مسطحة ؟
ويتحدث سفر الرؤيا عن الأرض وقد رآها يوحنا مسطحة لها أربع زوايا، ويقف ملَك عند كل زاوية من الزوايا الأربع، يقول يوحنا: "وَبَعْدَ هذَا رَأَيْتُ أَرْبَعَةَ مَلَائِكَةٍ وَاقِفِينَ عَلَى أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ، مُمْسِكِينَ أَرْبَعَ رِيَاحِ الأَرْضِ لِكَيْ لَا تَهُبَّ رِيحٌ عَلَى الأَرْضِ، وَلَا عَلَى الْبَحْرِ، وَلَا عَلَى شَجَرَةٍ مَا." (الرؤيا ٧/ ١)، وقد أعاد يوحنا ذكر زوايا الأرض الأربعة ثانية في قوله: "ثُمَّ مَتَى تمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يحلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ" (الرؤيا ٢٠/ ٧).
وأكد متى هذا التصور للأرض حين تحدث عن تجربة إبليس للمسيح، فعندما أراد أن يريه جميع ممالك الأرض أصعده إلى جبل عال، فرأى جميع العوالم والممالك، "ثُمَّ أَخَذَهُ أيضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالمِ وَمَجْدَهَا" (متى ٤/ ٨).
والذي مكنه من رؤيتها علو الجبل الذي صعد عليه، وهذا قد يستقيم فيما لو كانت الأرض مسطحة، لكنه يستحيل مع كرويتها، كما لا يخفى.
ثالثا: أغلاط بشهادة العقل:
كما ثمة أغلاط في الأناجيل يشهد العقل بأنها لا تصدر عن الوحي، لأنه أي العقل يشهد بخطئها وجهل قائلها بقوانين الله في الطبيعة.
١ - نجم في سماء أورشليم
ذكر متى قصة المجوس الذين جاءوا للمسيح عند ولادته وسجدوا له فقال: "وَلمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الملِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ المشْرِقِ قَدْ جَاءُوا
стр. 1109
إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: "أَيْنَ هُوَ الموْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي المَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ" .... ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي المَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْق، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا .... " (متى ٢/ ١ - ١٠).
فعند عرض القصة على العقل فإنه يرفضها لأمور:
أن متّى يتحدث عن نجم يمشي، وحركته -على رغم بعده الهائل- ملحوظة على الأرض تشير إلى بعض أزقة أورشليم دون بعض، ثم إلى بيت من بيوتها، حيث يوجد المسيح، فيتوقف وهو في السماء، فكيف مشى، وكيف دلهم على البيت، وكيف وقف؟ ! ! وكيف رأوا ذلك كله؟ أسئلة ليس لها إجابة.
كيف عرف المجوس خبر المسيح ونجمه وهم لا يعرفون الله؟ وكيف يسجدون لنبي وهم لا يؤمنون بدينه؟ فهذا من الكذب بدليل أن أحدًا من قدماء المجوس ومؤرخيهم لم ينقل مثل هذا، وكذلك لم ينقله الإنجيليون الآخرون، ومنهم لوقا الذي تتبع كل شيء بتدقيق.
ثم لماذا تحمل المجوس عناء هذه الرحلة الطويلة؟ هل لمجرد أن يسجدوا بين يديه ويقدموا له الهدايا ثم يعودون! ! ؟
كما يتحدث النص عن اهتمام الوالي هيرودس بأمر المولود وأنه أضمر قتله، وطلب من المجوس أن يخبروه إذا وجدوا الطفل ليسجد له، ثم أُوحي للمجوس في المنام أن لا يرجعوا لهيرودس، ففعلوا، فلو كان اهتمام هيرودس حقًّا لقام معهم إلى بيت لحم وهي على مقربة من أورشليم، أو لأرسل معهم خاصته، إذ الموضوع بالنسبة إليه جِدُّ خطير.
وأما ما ذكره متى عن قتل هيرودس للأطفال بعد تواري المجوس قبل أن يقف على الطفل فهذا كذب بدليل أن أحدًا من المؤرخين كما يذكره على أهمية هذا الحدث، كما ننبه إلى أن هيرودس الكبير قد مات قبل الميلاد بأربع سنوات كما تذكر ذلك كافة المصادر التاريخية.
٢ - الركوب على الجحش والأتان معًا
ومما يكذبه العقل ولا يتصوره ما ذكره متى عند حديثه عن دخول المسيح أورشليم فقال: "وَأَتَيَا بِالأَتَانِ وَالْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا." (متى ٢١/ ٧)
стр. 1110
فجلوس المسيح على الجحش والأتان معًا لا يتصوره العقل.
وهو غلط وكذب أراد متى من خلاله أن يحقق نبوءة توراتية "فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: "قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ"." (متى ٢١/ ٤ - ٥).
٣ - عجائب متى عند موت المصلوب:
ومما يرفضه العقل أيضًا ما حكاه متى من عجائب حصلت عند موت المسمح يقول: "وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ (١) قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا المَدِينَةَ المقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ." (متى ٢٧/ ٥١ - ٥٤).
والقصة من الغلط بل والكذب، إذ لم يعهد مثل هذه العودة للقديسين والراقدين، ولم يعهد أن عاد هؤلاء أو غيرهم من الموت.
قال (نورتن) الملقب بحامي الإنجيل: "هذه الحكاية كاذبة، والغالب أن أمثال هذه الحكايات كانت رائجة عند اليهود بعد ما صارت أورشليم خرابًا، فلعل أحدًا كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى، وأدخلها الكاتب في المتن، وهذا المتن وقع في يد المترجم، فترجمها على حسبه".
ونقول ما قاله العلامة أبو زهرة: "لعل كثيرًا مما في المتن أصله في الحاشية ثم نقل خطأ في المتن"، فكيف يتسنى لنا بيان هذا الزائف وإخراجه من الكتاب؟ . (٢)
٤ - ما هو السبب الصحيح للقبض على المسيح
لقد حدث الاختلاف بين كتاب الأناجيل في السبب المباشر الذي من أجله تم القبض على المسيح (كما يزعمون! )
стр. 1111
فمفاد الأناجيل الثلاثة (متى ومرقس ولوقا) أن السبب المباشر الذي حرك رؤساء الكهنة والكتبة ضده هو حادث الهيكل.
ففي متى ٢١/ ١٢ - ١٤: "وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ الله وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمامِ وَقَال لَهُمْ: "مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلَاةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصوصٍ! " وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ عُمْيٌ وَعُرْجٌ فِي الْهَيْكَلِ فَشَفَاهُمْ. "
وقال مرقس بعد حادثة طرد الباعة والصيارفة مباشرة ١١/ ١٨: "وَسَمِعَ الْكَتبَةُ وَرُؤَسَاءُ الْكهَنَةِ فَطَلَبُوا كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ، لأَنَّهُمْ خَافُوهُ، إِذْ بُهِتَ الْجَمْعُ كُلُّهُ مِنْ تَعْلِيمِهِ."
وفي لوقا ١٩/ ٤٥ - ٤٨: وَلمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ قَائِلًا لهمْ: "مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتُ الصَّلَاةِ. وَأنتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ! ".
وَكَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ.
وفي ٢٠/ ١٩ - ٢٠: "فَطَلَبَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتبَةُ أَنْ يُلْقُوا الأَيَادِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَلكِنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَال هذَا المثَلَ عَلَيْهِمْ. "
أما مفاد نص يوحنا فإن السبب المباشر في القبض على من يزعمون أنه المسيح ﵇ إنما هو إقامة رجل يدعى لعازر من قبره فكان ذلك سببا لتحرك اليهود ضده في تنفيذ مؤامرة القبض عليه وتسليمه لرجال السلطة، يقول يوحنا ١١/ ٤١ - ٤٨: "فَرَفَعُوا الحْجَرَ حَيْثُ كَانَ المَيْتُ مَوْضُوعًا، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَال: "أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي". وَلمَّا قَال هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا! " فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل. فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ". فَكَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مَرْيَمَ، وَنَظَرُوا مَا فَعَلَ يَسُوعُ، آمَنُوا بِهِ. وَأَمَّا
стр. 1112
قَوْمٌ مِنْهُمْ فَمَضَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ وَقَالوا لهمْ عَمَّا فَعَلَ يَسُوعُ. فَجَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ مَجْمَعًا وَقَالوا: "مَاذَا نَصْنَعُ؟ فَإِنَّ هذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً. إِنْ تَرَكْنَاهُ هكَذَا يُؤْمِنُ الجْمِيعُ بِهِ، فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأْخُذُونَ مَوْضِعَنَا وَأُمَّتَنَا".
"فَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ تَشَاوَرُوا لِيقْتُلُوهُ. " يوحنا ١١/ ٥٣٠
"وَكَانَ أيضًا رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ قَدْ أَصْدَرُوا أَمْرًا أنَّهُ إِنْ عَرَفَ أَحَد أَيْنَ هُوَ فَلْيَدُلَّ عَلَيْهِ، لِكَيْ يُمْسِكُوهُ. " يوحنا ١١/ ٥٧.
التعليق: فهذا تناقض لا يمكن رفعه، وسببه الخلاف في سبب القبض عليه فإنه عند يوحنا قصة لإقامة لعازر، وعند الثلاثة حادث الهيكل! ! . (١)
رابعًا: أغلاط بشهادة التاريخ .
ومن الأحداث التاريخية غير الصحيحة أيضًا ما ورد في الإنجيل المنسوب إلى لوقا ٢/ ١ - ٦ ما يلي: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْر مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ المسْكُونَةِ. وَهذَا الاكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ. فَذَهَبَ الجمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ. فَصَعِدَ يُوسُفُ أيضًا مِنَ الجلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيَرتهِ، لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ المخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى. وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ."
فقد تضمن هذا النص أن (كِيرِينِيُوس) والي سورية قد كانت ولايته عليها بعد الميلاد بست سنوات فأكثر وهذا ما ذكره قاموس الكتاب المقدس: "كيريو نيوس: كان واليا على سوريا عام ٦ - ١١ م". (٢)
بينما يفيدنا نص لوقا أن الاكتتاب الذي جرى في عهد (كيرنيوس) والي سورية كان في العام الأول لميلاد المسيح ﵇ (٣) " وهذا غلط لأن المراد بكل المسكونة إما أن يكون جميع ممالك سلطنة
стр. 1113
روما وهو الظاهر، أو جميع مملكة يهوذا، ولم يصرح أحد من القدماء المؤرخين اليونانيين الذين كانوا معاصرين للوقا أو متقدمين عليه قليلًا في تاريخه (١)، بهذا الاكتتاب المقدم على ولادة المسيح، وإن ذكر أحد من الذين كانوا بعد لوقا بمدة مديدة فلا سند لقوله، لأنه ناقل عنه، ومع قطع النظر عن هذا كان كيرينيوس والي سورية بعد ولادة المسيح بخصس عشرة سنة، فكيف يتصوّر في وقته الاكتتاب الذي كان قبل ولادة المسيح بخمس عشرة سنة؟ وكذا كيف يتصوّر ولادة المسيح في عهده؟ أبقي حمل مريم ﵍ إلى خمس عشرة سنة؟ ! ! ، لأن لوقا أقر في السفر الأول (٢) أن حمل زوجة زكريا ﵇ كان في عهد هيرود وحملت مريم بعد حملها بستة أشهر، ولما عجز البعض عن التوفيق حكم بأن الآية الثانية إلحاقية مما كتبها لوقا" (٣).
رأي النصارى في أغلاط كتاب الأناجيل:
وبعد، لعل المرء يتساءل ما هو رأي النصارى بأغلاط الأناجيل؟ وهل يقرونها؟
في الإجابة نقول: لا ريب أن أتباع الكنيسة الذين أغلقوا عقولهم في وجه الحقيقة يرفضون أن يحوي الإنجيل غلطًا، لأن روح القدس لا يغلط، ومن هؤلاء الدكتور القس شروش حيث يقول: "إنا نعلم أن الإنجيل هو وحي الله، لأن التنبؤ بالأحداث قد تم قبل وقوع الأحداث بقرون، إن للإنجيل تأثيره على المجتمعات البشرية طالما تم الإيمان به والعمل بمقتضاه. أكثر من ذلك فإن دقة الإنجيل قد وجدت من يتحداها، ولكنها لم تجد من ينجح في التحدي".
ويقول أيضًا: "إن صحة محتويات الإنجيل قد أثبتتها الوثائق التاريخية والحفريات الأثرية والوثائق القديمة، وتوجد الآن أكثر من خمس وعشرين ألف وثيقة من الوثائق المقدسة بالمتحف البريطاني من أجلكم، لكي تتأكدوا من صحة مشيئة الله" (٤).
ولما كانت الحقيقة -بوجود الغلط في الأناجيل والرسائل- ساطعة كالشمس عمل
стр. 1114
بعض علماء النصرانية على التخلص من هذه الأغلاط بالإقرار بأن الإلهام لم يكن مصاحبًا للإنجيليين حال كل كتابة كتبوها، يقول هورن: "إذا قيل إن الكتب المقدسة أوحي بها من عند الله لا يراد أن كل الألفاظ والعبارات من إلهام الله ... ولا يتخيل أنهم كانوا يلهمون في كل أمر يبينونه، وفي كل حكم كانوا يحكمون به".
وتقول دائرة المعارف البريطانية: "وقع النزاع في أن كل قول مندرج في الكتب المقدسة هل هو إلهامي أم لا؟ وكذا كل حالط من الحالات المندرجة فيها، فقال جيروم وكثيرون: ليس كل قول إلهامي ... الذين قالوا: إن كل قول إلهامي لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة". (١)
وهذا القول يطالب قائلوه بتعيين المواضع غير الإلهامية وإقامة الدليل على خصوصها بعدم الإلهام أو إقامة الدليل على خصوص المواضع التي يقولون بإلهاميتها، هاذا لم يتم ذلك وجب التوقف في شأن الكتب المقدسة، إذ فيها ما هو عمل بشري لا يجوز اعتباره مصدرًا دينيًا.
стр. 1115
الفصل الثالث: التحريف في الكتاب المقدس .
تمهيد:
تحدث القرآن الكريم عن تحريف التوراة في آيات كريمة منها قول الله تعاق: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧١)، ويقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (النساء: ٤٦)، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٧٥).
وعن تحريفهم بالنقص يقول: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (الأنعام: ٩١)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٧٤)، ويقول: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (المائدة: ١٥).
وعن تحريفهم بالزيادة والكذب على الله يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٩)، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٨).
فالتحريف إذًا يكون بالنقص والزيادة، وكل ذلك وقع في التوراة كما سنرى.
وهو قسمان: لفظي، معنوي.
أما المعنوي فلا نزاع بيننا وبين النصارى في وقوعه لأنهم يسلمون كلهم صدوره عن اليهود في العهد العتيق في تفسير الآيات، التي هي إشارة في زعمهم إلى المسيح، وفي تفسير الأحكام التي هي أبدية عند اليهود، وأن علماء البروتستانت يعترفون بصدوره عن معتقدي
стр. 1116
البابا في كتب العهدين، كما أن معتقدي البابا يرمونهم بهذا رميًا شديدًا فلا احتياج إلى إثباته.
بقي القسم الأول وله ثلاثة أنواع:
أولًا: تحريف بتبديل الألفاظ.
ثانيًا: تحريف بالزيادة.
ثالثًا: تحريف بالنقصان. (١)
النوع الأول: التحريف بالتبديل .
أولًا: مقدمة عن نسخ العهد القديم .
لكي يتضح لنا موضوع التحريف بالتبديل في العهد القديم ينبغي أن نعلم أن النسخ المشهورة للعهد القديم عند أهل الكتاب ثلاث نسخ:
(الأولى) العبرانية وهي المعتبرة عند اليهود، وجمهور علماء البروتستنت.
(والثانية) النسخة اليونانية، وهي التي كانت معتبرة عند المسيحيين إلى القرن الخامس عشر من القرون المسيحية، وكانوا يعتقدون إلى هذه المدة تحريف النسخة العبرانية.
(والثالثة) النسخة السامرية، وهي المعتبرة عند السامريين، وهذه النسخة هي النسخة العبرانية لكنها تشتمل على سبعة كتب من العهد العتيق فقط، أعني الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇، وكتاب يوشع وكتاب القضاة؛ لأن السامريين لا يسلمون الكتب الباقية من العهد العتيق، وتزيد على النسخة العبرانية في الألفاظ والفقرات الكثيرة التي لا توجد فيها الآن. (٢)
ثانيًا: نماذج التحريف بالتبديل .
١ - ورد في سفر التثنية (٢٧/ ٤) في النسخة العبرانية هكذا: "فإذا عبرتم الأردن فانصبوا الحجارة التي أنا اليوم أوصيكم في جبل عِيبال وشيدها بالجص تشييدًا" (٣).
وفي طبعة أخرى هكذا "حين تعبرون الأردن، تقيمون هذه الحجارة التي أنا أوصيكم
стр. 1117
بها اليوم في جبل عيبال، وتكلسها بالكلس."
وهذه الجملة "فانصبوا الحجارة التي أنا اليوم أوصيكم في جبل عيبال" في النسخة السامرية هكذا: (تقيمون الحجارة هذه التي أنا موصيكم اليوم في جبل جريزيم وتشيده بشيد) (١).
وعيبال (٢) وجِرزيم (٣) جبلان متقابلان كما يفهم من الفقرتين ١٢ و ١٣ من هذا الإصحاح حيث يقول: "هؤلاء يقفون على جبل جرزيم لكي يباركوا الشعب حين تعبرون الأردن ... " وهؤلاء يقفون على جبل عيبال للعنة ... "، ومن الفقرة ٢٩ من الإصحاح "من هذا السفر حيث يقول" ... فاجعل البركة على جبل جرزيم، واللعنة على جبل عيبال"، فيفهم من النسخة العبرانية أن موسى ﵇ أمر ببناء الهيكل -أعني المسجد- على جبل عيبال، ومن النسخة السامرية أنه أمر ببنائه على جبل جِرزيم، وبين اليهود والسامريين سلفًا وخلفًا نزاع مشهور تدعي كل فرقة منهما أن الفرقة الأخرى حرّفت التوراة في هذا المقام.
٢ - ورد في سفر التكوين الإصحاح ٢٩ - (طبعة سنة ١٨٤٤ م) - هكذا: "- ونظر بئرًا في الحقل، وثلاثة قطعان غنم رابضةً عندها لأن من تلك البئر كانت تشرب الغنم، وكان حجر عظيم على فم البئر (٣) وكان يجتمع كل الغنم ... (٨) فقالوا ما نستطيع حتى تجتمع الماشية" إلى آخر الآية، وفي طبعة سنة ١٨٦٥ م كما يلي: "وَنَظَرَ وَإِذَا فِي الْحَقْلِ بِئْرٌ وَهُنَاكَ ثَلَاثَةُ قُطْعَانِ غَنَمٍ رَابِضَةٌ عِنْدَهَا، لأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ يَسْقُونَ الْقُطْعَانَ، وَالحجَرُ عَلَى فَمِ الْبِئْرِ كَانَ كَبِيرًا. فَكَانَ يَجْتَمِعُ إِلَى هُنَاكَ جَمِيعُ الْقُطْعَانِ فَيُدَحْرِجُونَ الْحَجَرَ عَنْ فَمِ الْبِئْرِ وَيَسْقُونَ الْغَنَمَ ... فَقَالوا: "لَا نَقْدِرُ حَتَّى تَجْتَمِعَ جَمِيعُ الْقُطْعَانِ وَيُدَحْرِجُوا الحْجَرَ عَنْ فَمِ الْبِئْرِ، ثُمَّ نَسْقِي الْغَنَمَ".
ففي الآية الثانية والثامنة وقع لفظ "قطعان غنم"، ولفظ "الماشية"، والصحيح لفظ
стр. 1118
(الرعاة) بدلهما كما هو في النسخة السامرية (١) واليونانية والترجمة العربية لوالتن.
٣ - ورد في سفر صموئيل الثاني (٢٤/ ١٣) قال: "فَأَتَى جَادُ إِلَى دَاوُدَ وَأَخبَرهُ وَقَال لَهُ: "أَتَأْتِي عَلَيْكَ سَبْعُ سِنِي جُوعٍ فِي أَرْضِكَ، أَمْ تَهْرُبُ .... ".
وفي سفر أخبار الأيام الأول ٢١/ ١١ - ١٢ " فَجَاءَ جَادُ إِلَى دَاوُدَ وَقَال لَهُ: "هكَذَا قَال الرَّبُّ: اقْبَلْ لِنَفْسِكَ: إِمَّا ثَلَاثَ سِنِينَ جُوعٌ .... " ففي الموضع الأول لفظ "سَبْعُ سِنِي" وفي الثاني "ثَلَاثَ سِنِينَ" وأحدهما غلط يقينًا.
قال آدم كلارك في ذيل عبارة صموئيل: "وقع في كتاب أخبار الأيام ثلاث سنين لا سبع سنين، وكذا في اليونانية وقع ههنا ثلاث سنين، كما وقع في أخبار الأيام، وهذه هي العبارة الصادقة بلا ريب". انتهى كلامه.
٤ - وقع في سفر صموئيل الثاني (٢٤/ ٩): "فَكَانَ إِسْرَائِيلُ ثَمَانَ مِئَةِ أَلْفِ رَجُل ذِي بَأْسٍ مُسْتَلِّ السَّيْفِ، وَرِجَالُ يَهُوذَا خَمْسَ مِئةِ أَلْفِ رَجُل.".
وفي ٢١/ ٥ من سفر أخبار الأيام الأول: "فَكَانَ كُلُّ إِسْرَائِيلَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِئَةَ أَلْفِ رَجُل مُسْتَلِّي السَّيْفِ، وَيَهُوذَا أَرْبَعَ مِئَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ رَجُل مُسْتَلِّي السَّيْفِ". فإحدى العبارتين ههنا محرفة.
قال آدم كلارك في المجلد الثاني من تفسيره ذيل عبارة صموئيل: "لا يمكن صحة العبارتين، وتعيين الصحيحة عسير، والأغلب أنها الأولى، ووقعت في كتب التواريخ من العهد العتيق تحريفات كثيرة بالنسبة إلى المواضع الأخر، والاجتهاد في التطبيق عبث، والأحسن أن يسلم من أول الوهلة الأمر الذي لا قدرة على إنكاره بالظفر، ومصنفو العهد العتيق وإن كانوا ذوي إلهام لكنّ الناقلين لم يكونوا كذلك". انتهى كلامه.
فهذا المفسر اعترف بالتحريف، لكنه لم يقدر على التعيين، واعترف أن التحريفات في كتب التواريخ كثيرة، وأنصف فقال: الأسلم تسليم التحريف من أول الوهلة.
стр. 1119
٥ - ورد في رسالة بولس إلى أهل أفسس ٥/ ٢١ طبعتي سنة ١٨٢٣ م وسنة ١٨٤٤ م وردت هذه الفقرة هكذا: "وليخضع بعض لبعض بخوف المسيح" وفي باقي الطبعات: "خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ الله.".
قال كريسباخ وشولز: "إن لفظ "الله" غلط، والصحيح لفظ "المسيح". (١)
والمواضع المحرفة كثيرة وهذه أمثلة فقط
النوع الثاني: التحريف بالزيادة
نماذج التحريف بالزيادة
أولا: في العهد القديم:
١ - ورد في سفر التكوين (٣٦/ ٣١): "وَهؤُلَاءِ هُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ مَلَكُوا فِي أَرْضِ أَدُومَ، قَبْلَمَا مَلِكٌ مَلِكٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ".
ولا يمكن أن تكون هذه الآية من كلام موسى ﵇ لأنها تدل على أن المتكلم بها بعد زمان قامت فيه سلطنة بني إسرائيل، وأول ملوكهم شاول (٢) وكان بعد موسى ﵇ بثلاثمائة وست وخمسين سنة (٣٥٦) سنة.
قال آدم كلارك في المجلد الأول من تفسيره ذيل هذه الآية: "غالب ظني أن موسى ﵇ ما كتب هذه الآية والآيات التي بعدها إلى الآية التاسعة والثلاثين، بل هذه الآيات هي آيات الباب الأول من السفر الأول من كتاب أخبار الأيام (٣)، وأظن ظنًا قويًّا قريبًا من اليقين أن هذه الآيات كانت مكتوبة على حاشية نسخة صحيحة من التوراة، فظن الناقل
стр. 1120
أنها جزء من المتن فأدخلها فيه".
فاعترف هذا المفسر بإلحاق الآيات التسع، وعلى اعترافه يلزم أن كتبهم كانت صالحة للتحريف، لأن هذه الآيات التسع، مع عدم كونها من التوراة دخلت فيه وشاعت بعد ذلك في جميع النسخ.
٢ - ورد في سفر التثنية (٣/ ١٤) طبعة سنة ١٨٤٤ م: "يائير ابن منسي أخذ كل كورة أرجوب إلى تخم الجشوريين والمعكيين ودعاها على اسمه باشان حووث يائير إلى هذا اليوم". وفي طبعة سنة ١٨٦٥ م وما بعدها هكذا: "يَائِيرُ ابْنُ مَنَسَّى أَخَذَ كُل كُورة أَرْجُوبَ إِلَى تُخْمِ الْجَشُورِيِّينَ وَالمُعْكِيِّينَ، وَدَعَاهَا عَلَى اسْمِهِ بَاشَانَ "حَوُّوثِ يَائِيرَ" إِلَى هذَا الْيَوْمِ."
وهذه الآية أيضًا لا يمكن أن تكون من كلام موسى ﵇، لأن المتكلم بها لا بد أن يكون متأخرًا عن ياير تأخيرًا كثيرًا، كما يشعر به قوله: "إلى هذا اليوم"؛ لأن أمثال هذا اللفظ لا يستعمل إلا في الزمان الأبْعَد على ما حقق المحققون من علمائهم، مثل هورن وغيره. (١)
٣ - ورد في سفر العدد ٣٢/ ٤٠ - طبعة سنة ١٨٤٤ م-: "وذهب يائير ابن منسي وأخذ مزارعها ودعاهن حووث يائير". وفي طبع سنة ١٨٦٥ وما بعدها فهي الفقرة ٤١ وهي كما يلي: "وَذَهَبَ يَائِيرُ ابْنُ مَنَسَّى وَأَخَذَ مَزَارِعَهَا.
وَدَعَاهُنَّ: حَوُّوثَ يَائِيرَ. "ويقال في هذه الفقرة ما قيل في المثال السابق، وقد جزم علماؤهم (٢) بأن بعض الجمل والعبارات ليست من كلام موسى ﵇، لكنهم ما قدروا أن يبينوا اسم الملحق على سبيل التعيين، بل نسبوا على سبيل الظن إلى عزرا ﵇، وهذا الظن ليس بشيء ولا يظهر من الأبواب المذكورة أن عزرا أَلحق شيئًا في التوراة لأنه يُفهم من باب كتاب عزرا أنه تأسف على أفعال بني إسرائيل، واعترف بالذنوب، ويُفهم من باب
стр. 1121
كتاب نحميا أن عزرا قرأ التوراة عليهم. (١)
٤ - ورد في سفر العدد ٢١/ ١٤ - طبعة سنة ١٨٤٤ م-: "ولذلك يقال في سفر حروب الرب كما صنع في بحر سوف كذلك يصنع في أودية أرنون". وفي طبعة سنة ١٨٦٥ م جاءت هذه الفقرة هكذا: "لِذلِكَ يُقَال فِي كِتَابِ "حُرُوبِ الرَّبِّ": "وَاهِبٌ فِي سُوفَةَ وَأَوْدِيَةِ أَرْنُونَ". وفي التوراة السامرية: "بسبب ذلك يقال في كتاب ملاحم الله المعطي القلزم".
هذه الفقرة لا يمكن أن تكون من كلام موسى بل تدل على أن مصنف سفر العدد ليس هو؛ لأن هذا المصنف نقل ههنا الحال عن سِفْر حروب الرب، ولم يعلم إلى الآن جَزْمًا أن مصنف هذا السفر أي شخص؟ ومتى كان؟ وأين كان؟ وهذا السفر كالعنقاء (٢) عند أهل الكتاب سمعوا اسمه وما رأوه ولا يوجد عندهم. (٣)
٥ - ورد في سفر التكوين (١٣/ ١٨): "فَنَقَلَ أَبْرَامُ خِيَامَهُ وَأَتَى وَأَقَامَ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا الَّتِي فِي حَبْرُونَ، وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ.".
وفي سفر التكوين ٣٥/ ٢٧: "وَجَاءَ يَعْقُوبُ إِلَى إِسْحَاقَ أَبِيهِ إِلَى مَمْرَا، قَرْيَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، حَيْثُ تَغَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ."، وفي سفر التكوين ٣٧/ ١٤: "فَأَرْسَلَهُ مِنْ وَطَاءِ حَبْرُونَ فَأَتَى إِلَى شَكِيمَ."، لمجا ورد فيه كلها لفظ "حبرون" وهو اسم قرية كان اسمها في سالف الزمان (قرية رابع)، وبنو إسرائيل بعد ما فتحوا فلسطين في عهد يوشع ﵇ غيّروا هذا الاسم إلى حبرون (٤)، كما هو المصرح به في سفر يشوع ١٤/ ١٥: "وَاسْمُ حَبْرُونَ قَبْلًا قَرْيَةُ أَرْبَعَ، الرَّجُلِ الأَعْظَمِ فِي الْعَنَاقِيِّينَ."، فهذه الآيات
стр. 1122
ليست من كلام موسى ﵇، بل من كلام شخص كان بعد هذا الفتح والتغيير.
وكذلك وقع في سفر التكوين أيضًا ١٤/ ١٤ لفظ (دان) ونص الفقرة كما يلي: "فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ المتمَرِّنِينَ، وِلْدَانَ بَيْيهِ، ثَلَاثَ مِئَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ. " وهو اسم بلدة عمّرت في عهد القضاة (١)؛ لأن القضاة فتحوا بلدة لايش وقتلوا أهلها وأحرقوا تلك البلدة وعمروا بدلها بلدة جديدة وسموها "دان"، كما هو مذكور في سفر القضاة ١٨/ ٢٧ - ٣١: "وَأَمَّا هُمْ فَأَخَذُوا مَا صَنَعَ مِيخَا، وَالْكَاهِنَ الَّذِي كَانَ لَهُ، وَجَاءُوا إِلَى لَايِشَ إِلَى شَعْبٍ مُسْتَرِيحٍ مُطْمَئِنٍّ، وَضَرَبُوهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ. ... فَبَنَوْا الْمَدِينَةَ وَسَكَنُوا بِهَا. وَدَعَوْا اسْمَ الْمَدِينَةِ "دَانَ" بِاسْمِ دَانٍ أَبِيهِمِ الَّذِي وُلدَ لإِسْرَائِيلَ. وَلكِنَّ اسْمَ الْمَدِينَةِ أَوَّلًا "لَايِشُ".". فلا تكون هذه الآية أيضًا من كلام موسى ﵇. (٢)
ثانيًا: في العهد الجديد:
وكما وقع التحريف في العهد القديم، كذلك حدث في العهد الجديد أيضًا، ونكتفي للتدليل على ذلك بعشرة أمثلة.
١ - ورد في إنجيل متى ١٤/ ٣: "فَإِنَّ هِيرُودُسَ كَانَ قَدْ أَمْسَكَ يُوحَنَّا وَأَوْثَقَهُ وَطَرَحَهُ فِي سِجْنٍ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيه"، وورد في إنجيل مرقس ٦/ ١٧: "لأَنَّ هِيرُودُسَ نَفْسَهُ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ وَأَمْسَكَ يُوحَنَّا وَأَوْثَقَهُ فِي السِّجْنِ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ، إِذْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِهَا، وورد كذلك في إنجيل متى ٣/ ١٩. " أَمَّا هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرُّبْعِ فَإِذْ تَوَبَّخَ مِنْهُ لِسَبَبِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ، وَلِسَبَبِ جَمِيعِ الشُّرُورِ الَّتِي كَانَ هِيرُودُسُ يَفْعَلُهَا.".
ولفظ "فِيلُبُّس" غلط يقينًا في الأناجيل الثلاثة، ولم يثبت في كتاب من كتب التواريخ أن اسم زوج هيروديا كان "فِيلُبُّس"، بل صرح يوسيفس في الباب الخامس من الكتاب
стр. 1123
الثامن عشر: "أن اسمه كان هيرود أيضًا".
وأيضًا لم يذكر لفظ "فِيلُبُّس" في طبعات سنة ١٨٢٣ م وسنة ١٨٤٤ م وسنة ١٨٨٢ م، بينما ذكر في طبعات سنة ١٨٢٥ م وسنة ١٨٢٦ م وسنة ١٨٦٥ م وما بعدها.
ومن أجل هذا قال هورن في الصفحة ٦٣٢ من المجلد الأول من تفسيره: "الغالب أن اسم "فِيلُبُّس" وقع في المتن من غلط الكاتجط، فليسقط وكريسباخ قد أسقطه"، وعندنا هذا اللفظ من أغلاط الإنجيليين، ولا نسلم قولهم من غلط الكاتب، لأنه دعوى بلا دليل ويبعد كل البعد أن يقع الغلط من الكاتب في الأناجيل الثلاثة في مضمون واحد.
٢ - ورد في إنجيل لوقا ٧/ ٣١ - طبعة سنة ١٨٢٥، ١٨٢٦ م- هكذا: "ثُمَّ قَال الرَّبُّ: "فَبِمَنْ أُشَبِّهُ أُنَاسَ هذَا الجيلِ؟ وَمَاذَا يُشْبِهُونَ؟ " وهذه الجملة "ثم قال الرب" زيدت تحريفًا، ولذلك وضعت هذه الجملة في طبعتى سنة ١٨٦٥ م و ١٩٨٣ م بين قوسين هلاليين للتنبيه على زيادتها.
قال المفسر آدم كلارك في ذيل هذه الآية: "هذه الألفاظ ما كانت أجزاء لمتن لوقا قط، ولهذا الأمر شهادة تامة، وردَّ كل محقق هذه الألفاظ، وأخرجها بنجل وكريسباخ من المتن". (١)
٣ - ورد في إنجيل متى ٢٧/ ٩: "حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ الْقَائِلِ: "وَأَخَذُوا الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، ثَمَنَ المُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ" ولفظ (إِرْمِيَا) غلط من الأغلاط المشهورة في إنجيل متى لأن هذا لا يوجد في كتاب أرمياء، ولا يوجد هذا المضمون في كتاب آخر من كتب العهد العتيق بهذه الألفاظ، نعم توجد في الفقرة ١١/ ١٣ من سفر زكريا عبارة تناسب هذه العبارة التي نقلها متى وهي "فَقُلْتُ لهمْ: "إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْزَتِي وَإِلَّا فَامْتَنِعُوا". فَوَزَنُوا أُجْزَتِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. ١٣ فَقَال لِي الرَّبُّ: "أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ، الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ". فَأَخَذْتُ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَألقَيْتُهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرَّبِّ."، لكن بين العبارتين فرق كثير يمنع أن
стр. 1124
يحكم أن متى نقل عن هذا الكتاب، ومع قطع النظر عن هذا الفرق لا علاقة لعبارة كتاب زكريا ﵇ بهذه الحادثة التي ينقل فيها متى، وفي هذا الموضع أقوال مضطربة لعلماء المسيحيين سلفًا وخلفًا.
٤ - ورد في رؤيا يوحنا (١/ ١٠ - ١١) - طبعة سنة ١٨٦٥ م، ١٩٨٣ م-: ١٠ - كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ، وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتًا عَظِيمًا كَصَوْتِ بُوقٍ قَائِلًا: "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ. وَالَّذِي تراهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ" إلى آخرها.
فقد ذكرت جملة "الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ" في هاتين الطبعتين محصورة بين قوسين هلاليين للدلالة على زيادتها حسبما هو مذكور في التنبيه في الصفحة الأولى منهما، وأما طبعة سنة ١٨٢٣ م وطبعة سنة ١٨٤٤ م فلم تذكر فيهما الجملة السابقة، فقد وردت فيهما فقرة رؤيا يوحنا (١/ ١٠ - ١١) كما يلي: ١٥١١ - صرت بالروح في يوم الأحد وسمعت خلفي صوتا عظيما مثل بوق (١١) قائلًا: الذي تراه اكتبه في سفر" وقريب منها نص طبعة سنة ١٨٨٢ م.
٥ - ورد في إنجيل متى (٦/ ١٨) - طبعة سنة ١٨٢٥ و ١٨٢٦ م-: "وأبوك الذي يرى في السر يجازيك علانية"، ولفظ علانية إلحاقي.
قال آدم كلارك في ذيل شرح هذه الآية بعد ما أثبت إلحاقيته: "لما لم يكن لهذا اللفظ سند كامل أسقطه كريسباخ ووتستين وبنجل من المتن" انتهى.
ولذلك لا يوجد هذا اللفظ في طبعتى سنة ١٨٢٣ م وسنة ١٨٤٤ م. ونص فقرة إنجيل متى ٦/ ١٨ فيهما كما يلي: "وأبوك الذي ينظر في السر يجازيك"، وكذلك لفظ "علانية" أسقط من طبعة سنة ١٨٨٢ م.
أما في طبعتي سنة ١٨٦٥ م وسنة ١٩٨٣ م فقد وضع هذا اللفظ فيهما بين قوسين هلالين للدلالة على زيادته وأنه ليس له وجود في أقدم النسخ وأصحها، ونص الفقرة السابقة فيهما كما يلي: "فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ (عَلَانِيَةً)." (١)
стр. 1125
النوع الثالث: التعريف بالنقص
أولًا: في العهد القديم:
لقد وقع التحريف بالنقص في العهد القديم، وأخذ أشكالًا متنوعة وصورًا عديدة، وفيما يلي ذكر بعض الصور والأمثلة عليها.
أولًا: الإحالات الإنجيلية إلى التوراة والتي لا نجدها في الأسفار الموجودة بين أيدينا.
١ - ورد في ٢/ ٢٣ من إنجيل متى هكذا: "وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَال لَهَا نَاصِرَةُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: "إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا"
وقوله: "لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: "إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا" من أغلاط هذا الإنجيل، ولا يوجد هذا في كتاب من الكتب المشهورة المنسوبة إلى الأنبياء، لكن أقول ههنا كما قال علماء الكاثوليك: إنَّ هذا كان في كتب الأنبياء، لكن اليهود ضيعوا هذه الكتب قصدًا لعناد الدين المسيحي، ثم أقول: أي تحريف بالنقصان يكون أزيد من أن تضيّع فرقة الكتب الإلهامية قصدًا للأغراض النفسانية، ولعناد ملة أخرى؟ .
٢ - ما شهد المسيح بضياعه حين قال: "أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟ " (متى ١٢/ ٥)، ولا يوجد مثله في كلام التوراة، فدل ذلك على ضياعه وفقده.
ونحوه في قوله: "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَال الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ". (يوحنا ٧/ ٣٧)، وهذه الإحالة مفقودة من الكتاب.
ثانيًا: النقص الذي ترك مكانه بياض. وهذه بعض الأمثلة:
١ - ما جاء في سفر التثنية (٢٥/ ٢ - ٥) "فَإِنْ كَانَ المُذْنِبُ مُسْتَوْجِبَ الضَّرْبِ، يَطْرَحُهُ الْقَاضِي وَيَجْلِدُونَهُ أَمَامَهُ عَلَى قَدَرِ ذنبِهِ بِالْعَدَدِ. أَرْبَعِينَ يَجْلِدُهُ. لَا يَزِدْ، لِئَلَّا إِذَا زَادَ فِي جَلْدِهِ عَلَى هذ ضَرَبَاتٍ كَثِيرَةً، يُحْتَقَرَ أَخُوكَ فِي عَيْنَيْكَ. (بياض)، لا تَكُمَّ الثور في دراسه (١)، (ثم ينتقل