← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣). وحبل الله كتابه كما فسره النبي ﷺ ، إلى غير ذلك من نصوص الكتاب. ومن عناية الرسول ﷺ بالدعوة إلى اجتماع كلمة المسلمين وتحذيرهم عن التفرق أحاديث كثيرة، منها على سبيل المثال: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَال: خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ خَطًّا ثُمَّ قَال: "هَذَا سَبِيلُ الله، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَال: هَذِهِ سُبُل قَال يَزِيدُ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١). عن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالةُ" (٢). وقد أوصى الرسول ﷺ حذيفة عند ظهور الخلاف والافتراق في الدين بقوله: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ" قال حذيفة: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قال: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الموْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ" (٣). ونختم بهذا الكلام القيم الذي ذكره الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي يبين فيه فضل هذا الدين قال: ١ - لا يوجد دين من الأديان يؤاخي العقل والعلم في كل ميدان إلا الإسلام. ٢ - ولا يوجد دين روحي مادي إلا الإسلام.

стр. 107

٣ - ولا يوجد دين يدعو إلى الحضارة والعمران إلا الإسلام. ٤ - ولا يوجد دين شهد له فلاسفة العالم المتحضر إلا الإسلام. ٥ - ولا يوجد دين يسهل إثباته بالتجربة إلا الإسلام. ٦ - ولا يوجد دين من أصوله الإيمان بجميع الرسل والأنبياء والكتب الإلهية إلا الإسلام. ٧ - ولا يوجد دين جامع لجميع ما يحتاجه البشر إلا الإسلام. ٨ - ولا يوجد دين فيه من المرونة واليسر الشيء الكثير إلا الإسلام. ٩ - ولا يوجد دين تشهد له الاكتشافات العلمية إلا الإسلام. ١٠ - ولا يوجد دين صالح لكل الأمم والأزمان إلا الإسلام. ١١ - ولا يوجد دين يسهل العمل به في كل حال إلا الإسلام. ١٢ - ولا يوجد دين لا إفراط فيه ولا تفريط إلا الإسلام. ١٣ - ولا يوجد دين حفظ كتابه المقدس إلا الإسلام. ١٤ - ولا يوجد دين صرح كتابه المنزل بأنه عام لكل الناس إلا الإسلام. ١٥ - ولا يوجد دين يأمر بجميع العلوم النافعة إلا الإسلام. ١٦ - الحضارة الحاضرة قبس من الإسلام. ١٧ - هذه الحضارة مريضة ولا علاج لها إلا الإسلام. ١٨ - ما شهد التاريخ حضارة جمعت بين الروح والمادة إلا حضارة الإسلام. ١٩ - السلام العالمي لا يتم إلا بالإسلام. ٢٠ - لا يوجد دين يسهل إثباته بالتحليل العلمي إلا الإسلام. ٢١ - لا يوجد دين وحد قانون المعاملات بين البشر إلا الإسلام. ٢٢ - لا يوجد دين أزال امتياز الطبقات إلا الإسلام. ٢٣ - لا يوجد دين حقق العدالة الاجتماعية إلا الإسلام. ٢٤ - لا يوجد دين لا يشذ عن الفطرة في شيء إلا الإسلام.

стр. 108

٢٥ - لا يوجد دين منع استبداد الحكام وأمر بالشورى إلا الإسلام. ٢٦ - لا يوجد دين أمر بالعدالة مع الأعداء إلا الإسلام. ٢٧ - لا يوجد دين بشرت به الكتب السماوية إلا الإسلام. ٢٨ - لا يوجد دين أنقذ المرأة في أدوارها: أما وزوجة وبنتا إلا الإسلام. ٢٩ - لا يوجد دين ساوى بين الأبيض والأسود والأصفر والأحمر إلا الإسلام. ٣٠ - لا يوجد دين أمر بالتعليم وحرّم كتمان العلم النافع إلا الإسلام. ٣١ - لا يوجد دين قرر الحقوق الدولية إلا الإسلام. ٣٢ - لا يوجد دين توافق أوامره ما اكتشفه الطب الحديث إلا الإسلام. ٣٣ - لا يوجد دين أنقذ الرقيق من المعاملات الوحشية وأمر بمساواته لسادته وحض على إعتاقه إلا الإسلام. ٣٤ - لا يوجد دين قرر سيادة العقل والخضوع لحكمه إلا الإسلام. ٣٥ - لا يوجد دين ينقذ الفقّراء والأغنياء بفرض جزء من مال الأغنياء يعطى للفقراء إلا الإسلام. ٣٦ - لا يوجد دين قرر من الأخلاق مقتضى الفطرة والحكمة الإلهية، فللشدة موقف وللرحمة موقف إلا الإسلام. ٣٧ - لا يوجد دين أمر بالإحسان والرفق بجميع الخلق إلا الإسلام. ٣٨ - لا يوجد دين قرر أصول الحقوق المدنية على قواعد فطرية إلا الإسلام. ٣٩ - لا يوجد دين اعتنى بصحة الإنسان وثروته إلا الإسلام. ٤٠ - لا يوجد دين أثر في النفوس والأخلاق والعقول كالإسلام (١).

стр. 109

المبحث الخامس: الإسلام بين الوسطية والغلو ومن محاسن الإسلام نفي الغلو عن أحكامه وتشريعاته الإسلام بين الغلو والتوسط. تعريف الوسطية أولًا: لغة: وسطُ الشيء: ما بين طرفيه ... ، واعلم أن الوسط قد يأتي صفة، وإن كان أصله أن يكون اسمًا من جهة أن أوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه (١). الوسطُ: من كلِ شيءٍ أَعْدَلُهُ. (٢) ثانيًا: اصطلاحًا: قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: ١٤٣). أي كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد ﷺ ، وبما جاءكم به من عند الله, فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطًا. وأما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه: أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه. وهذا معنى من معاني الوسط المذكور في الآية الكريمة، ولعل هناك معنى آخر لا يعارض المعنى الأول وهو: أن الوسط في هذا الموضع المقصود به الجزءُ، الذي هو بين الطرفين، مثل وسَط الدار، وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسَط، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها. (٣) وفي سنة النبي ﷺ ورد ما يقررُ هذا المعنى ويوضحه فمن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري ﷺ قال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ الله تَعَالى هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ

стр. 110

نَعَمْ أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ" (١). الإسلام بين الملل الأخرى: الإسلام دين الوسط بين المادية الملحدة وبين الرهبانية المبتدعة، فاليهودية والنصرانية زاغت عن العدل والاعتدال فيما يخص حقوق الروح وحقوق الجسد. فبالنسبة لليهودية كانت وما تزال ترى أن المال هو الغاية، وأن المادة هي الهدف الأسمى، ولذا أقدمت على تقديسها وتأليهها لدرجة أنها حريصة على الحياة المادية أكثر من كل شيء حتى إن عيسى ﵇ كان يخاطبهم قائلًا: "لا تعبدوا ربين: الله والمال". ويقول ول ديورانت: إن اليهود قلما كانوا يبشرون إلى حياة أخرى. ولم يرد في دينهم شيء من الخلود، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٩٤). يقول سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٩٦). ويقول تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٦١). ومن هنا نرى أن اليهود حرفت وشوهت وبالغت في هذا الجانب المادي على حساب الجانب الروحي. أما النصرانية فقد اتخذت منحىً معاكسًا للفكر اليهودي حيث بالغت في الجانب الروحي بدعوة الزهد والترهبن قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٧).

стр. 111

وقال رسول الله ﷺ : "لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ الله عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ: بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ " (١). صور الوسطية في الإسلام: وسطية الإسلام من أبرز خصائصه، وهي بالتبع من أبرز خصائص أمة الاستجابة (٢). فالأمة الإسلامية وسط في كل جوانب الدين (٣). ١) في جانب العقيدة: فهم ممتثلون لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: ٧٧). فهم وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين؛ لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون، ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود؛ فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وقتلوا فريقا. بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أربابا كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ (آل عمران: ٧٩: ٨٠). ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح فلم يقولوا هو الله ولا ابن الله ولا ثالث ثلاثة

стр. 112

كما تقوله النصارى، ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتانا عظيما حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود، بل قالوا هذا عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. (١) وكذلك في صفات الله تعالى: فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة؛ فقالوا: هو ﴿فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت. إلى غير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق؛ ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب. والمؤمنون آمنوا بالله ليس له سميٌّ ولا ندٌّ ولم يكن له كفوا أحد وليس كمثله شيء. فإنه رب العالمين وخالق كل شيء وكل ما سواه عباد له فقراء إليه ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ (مريم: ٩٣ - ٩٥). (٢) ٢) في جانب التشريع وكذلك هم وسط في شرائع دين الله فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء. ويثبت كما قالته اليهود كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (البقرة: ١٤٢). وبقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ (البقرة: ٩١). ولا جوزوا لأكابر علمائهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١).

стр. 113

قال عدي بن حاتم ﵁ قلت: يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: ما عبدوهم؛ ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم (١). والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره. وقالوا: سمعنا وأطعنا؛ فأطاعوا كل ما أمر الله به. وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيما (٢). وفي السنة مثال على هذا الأمر وهو حديث الثلاثة نفر؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَال: أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَال: آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَال: آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَال: "أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَالله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ للهَّ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (٣). ٣) في جانب الحلال والحرام: وهم وسطٌ أيضًا في هذا الباب، فإن اليهود كما قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٦٠). فلا يأكلون ذوات الظفر؛ مثل الإبل والبط. ولا شحم الثرب (٤) والكليتين؛ ولا الجدي في لبن أمه. إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما؛ حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعا. والواجب عليهم مئتان وثمانية وأربعون أمرًا وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت. وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وباشروا جميع النجاسات وإنما قال لهم المسيح ﴿وَلِأُحِلَّ

стр. 114

لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩). وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المفْلِحُونَ (الأعراف ١٥٧)). (١) ٤) في جانب الدعوة: من فضل الله على الأمة الإسلامية، أن الرسالة الخاتمة جاءت شاملة لكل ما يحتاجه المسلمون في حياتهم الدينية والدنيوية، موجهة لكل الثقلين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ذلك أن الهدف هو هداية الله للإنسان، دون قصر الدعوة على جنس بذاته، أو مكان معين؛ إذ إن دعوة الرسول ﷺ موجهة إلى الناس كافة، قال الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِّ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهَّ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهَّ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (الأعراف: ١٥٨). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾ (الأنبياء الآية ١٠٧). وعلى ذلك إجماع المسلمين في كل العصور. وقد وَضُحَ في القرآن الكريم، والسنة النبوية، كيف يؤدي المسلمون واجبهم في الدعوة إلى الله. ويُقصد بوسطية الدعوة، أن منهاج الدعوة إلى الله، هو أوسط المناهج وأعدلها وأقومها، وهو الجدير وحده بالاتباع في كل زمان ومكان، وأن هذا المنهاج جانب من التشريع الإلهي، يجب أن يلتزم به المسلم إزاء الآخرين، سواء أكانوا مسلمين يحتاجون إلى

стр. 115

تنمية المعارف، أو تزكية النفوس، حتى يكون اتباعهم للشريعة صحيحًا، أم كانوا غير مسلمين تطلب لهم الهداية. ويمكن أن نحدد بعض الملامح المهمة في منهاج الدعوة والتي منها يتبين أن الإسلام هو دين الوسطية حتى في الدعوة إليه. أ) هداية الناس بيد الله: قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: ٥٦). وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (فاطر: ٨). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَال رَسُولُ الله ﷺ اللهمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ" (١). ب) مهمة الدعاة التبليغُ والبيان: قال تعالى: وقال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى الآية ٤٨). فإذا بذل الدعاة جهدهم في ذلك، فقد قاموا بالواجب، وأدوا الأمانة: ج) لا إكراه في الدين: قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٥). وقال سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩). د) وسائل الدعوة ثلاث: وهي الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، كما قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥). فالحكمة: وهي ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والسنة، تجذب أصحاب العقول والفطر السوية. والموعظة الحسنة: أي ما في الكتاب والسنة من الزواجر والوقائع بالناس، يذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى، والداعية بهذه الوسيلة يستميل أولئك الذين يستمعون القول

стр. 116

فيتبعون أحسنه، والذين تلين قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق. أما من يحتاج فهمه إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (العنكبوت: ٤٦). وهذه الأساليب الثلاثة، أهم أساليب الدعوة التي لا يخرج عن نطاقها والتأثر بها من المدعوين إلا من قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (الأعراف: ١٤٦). هـ) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو من أوصاف الأمة الإسلامية التي استحقت بها الخيرية على الأمم، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (١١٠)﴾. وقد استحق بنو إسرائيل اللعن بتركهم لهذه الشريعة، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ٧٨ - ٧٩). ومنهاج الإسلام فيه منهاج الوسط والاعتدال، ، ومراعاة الاستطاعة والقدرة. ولقد كانت حياة النبي ﷺ هي المنهاج العملي للوسطية في الدعوة إلى الله، وعلى سيرته سار الخلفاء الراشدون، والتابعون لهم بإحسان. والأمثلة على ذلك كثيرة، فمنها حديث المسيء صلاته لما صلى الرجل عدة مرات، والنبي يقول له في كل مرة "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثم علمه النبي ﷺ كيفية الصلاة (١). وأيضًا حديث معاوية بن الحكم السلمي لما تكلم في الصلاة وعلَّمه النبيُّ ﷺ "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ ما يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ" (٢).

стр. 117

وفي هذه الفترة القليلة من الزمن في حياة الأمم، دخل الناس في دين الله أفواجًا وتكوَّن المجتمع المسلم الواحد في عقيدته وشريعته وسلوكه الاجتماعي. وكانت الدعوة إلى الله وفق منهاج الوسطية القرآنية، هي السبيل الأول لانتشار الإسلام ودعوته (١). ٥) في جانب حقوق الإنسان: الإسلام يحترم حقوق الإنسان ويلزمه بأداء الواجب إذ أنهما وجهان لعملة واحدة فكل حق يقابله واجب، ويعطيه مكانته وكامل حقوقه المشروعة شريطة ألا تكون هذه الحقوق على حساب الجماعة، وهكذا نرى أنه من الحقوق التي منحها الإسلام للفرد حق حرية الرأي والتعبير والمشاركة في المجتمع وحق التملك وحق الكرامة وحرية التدين. فالحرية التي يرفع شعارها اليوم الكثير من الدول في العالم بلا ضوابط ولا قيود مما أدى للفوضى والتناقض والاضطراب في فهمها وتطبيقها؛ فحرية كل فرد تكون اعتداء على حريات الآخرين، وفي الوقت نفسه فإن الحجر عليها كبت لا يرضى، فجاء الإسلام ليعلن الحرية في حمى الدين المقيدة بضوابط شرع رب العالمين، تلك التي تمنع الإنسان من فعل الشر، وتدفعه لجلب الخير. فالحرية في الإسلام لا تعني التفلت من المسؤولية، وحرية القول لا تعني حرية السب والشتم، وحرية الفكر لا تعني حرية الكفر والإلحاد والهدم، وحرية الانتقال لا تعني حرية الاستيلاء والاحتلال. وأما بالنسبة لحق التملك فقد أباح الإسلام للإنسان الملكية الفردية مع مراعاة حقوق الآخرين في هذه الملكية من زكاة وصدقات ووجوه البر والخير والإحسان، وكذلك الإرث والوصايا وغيرها، قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات: ١٩)،

стр. 118

وقال سبحانه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: ٧). لقد أباح الإسلام التملك الفردي احترامًا لحق الإنسان وحثًا له على العمل والإنتاج تلقائيًا ولكن مع مراعاة مصلحة الجماعة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والتخفيف من الفوارق الطبقية هذه هي الوسطية الإسلامية الحقيقية التي لا نجدها في الأنظمة الاقتصادية الحديثة. أما بالنسبة لكرامة الإنسان فإن الفرد في الإسلام مكرم عند الله بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣). وقال رسول الله ﷺ : "أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ" (١). فالإسلام ينبذ العنصرية بكل أشكالها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء، آية: ٧٠). وتظهر وسيطة الإسلام هنا من إعطاء الحق والعدل والاعتدال في الكرامة للجميع (٢). ٦) في جانب إنفاق المال: يعد المال في الإسلام عصب الحياة وقوام الأعمال إلا أنه في الوقت نفسه يحذرنا المولى من طغيانه، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ (العلق: ٦). وقال تعالى: ﴿الْمَال وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف: ٤٦). وقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ (القصص: ٧٧).

стр. 119

لقد أمرنا الله بالاعتدال في الإنفاق فلا إسراف ولا تقتير، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (سورة الإسراء: ٢٩)، وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ٣١). ويقول : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧). ولما مرض سعد بن أبي وقاص وأتاه النبي ﷺ يعوده، قال له: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَال: "لَا" فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ فَقَال: "لَا" ثُمَّ قَال: "الثَّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ" (١). ومن هنا فإن المال في الإسلام هو نعمة ينبغي للإنسان أن يشكر الله عليها فيبذل قصارى جهده في حسن التصرف والبذل للمستحقين دون إسراف أو تقتير. وحذر الإسلام أيضًا من الترف الفاحش الذي يؤدي إلى الفسق وارتكاب المعاصي فيستوجب غضب الرب كما يستوجب الدمار والهلاك والخراب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: ١٦) (٢). ٧) في جانب المعاملة مع النفس: حذر الإسلام من طغيان النفس وأهوائها وتحكمها في سلوك الإنسان، إلا أنه في الوقت نفسه نهانا عن إرهاق النفس بما لا تطيق، كما نهانا الإسلام عن تحريم ما أحله الله من الطيبات. وهذا يعني أن الإنسان عليه أن يتخذ من نفسه موقفًا وسطًا؛ بحيث لا تتحكم فيه كما تشاء ولا يكلفها ما لا تطيق من أمور العبادات والعمل ولا يمنعها حقها من التمتع بالطيبات.

стр. 120

وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: ٧). ولما دخل سلمان الفارسي ﵁ على أبي الدرداء ﵁ وصنع أبو الدرداء لَهُ طَعَامًا قَال له سلمان: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ فقَال سلمان: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَال له سلمان: نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَال: نَمْ فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَال سَلْمَانُ قُمْ الْآنَ: فَصَلَّيَا فَقَال لَهُ سَلْمَانُ: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ "فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ سَلْمَانُ" (١). وأمر الإسلام الإنسان أيضًا أن يسلك مسلك الحلم والتعقل والرزانة بحيث لا يكون لينًا فيعصر ولا يابسًا فيكسر، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٤). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ (الشورى: ٣٧). وقال ﷺ : "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ" (٢). لذا لا بد من الوسطية هنا واستعمال الحكمة، فالغضب عواقبه وخيمة كما أنه دليل على الضعف وتحكم النفس والشيطان. وحتى في مشي الإنسان في الطريق أمر الإسلام المسلم بالتوسط فيه، فلا اختيال ولا تكبر ولا مسكنة ولا ذلة. فقال تعالى آمرًا رسوله ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ (الشعراء: ٢١٥). وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ (لقمان، الآيات: ١٨ - ١٩)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا

стр. 121

(٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ (الإسراء: ٣٧ - ٣٨) .. وقال ﷺ : "إِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ" (١). ٨) في جانب الشهادة والحكم: سبق أن أوضحنا أن من معاني كلمة "وسطًا" التي وردت في الآية الكريمة معنى العدل وهو ما فسره النبي ﷺ كما ورد في صحيح البخاري (٢). وقد جاءت آيات كثيرة تبيّن وجوب العدل في الشهادة، وكذلك في الحكم - أيضًا - والشهادة هي إحدى مقدّمات الحكم في كثير من الأحكام .... ، وإذا كان العدل يعني الوسط، كما تقرّر، فإن أمر الله بالعدل في الشهادة والحكم هو أمر وإقرار لمنهج الوسطيَّة، ويتّضح ذلك - من الآتي: ١) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ (النساء: ١٣٥). ومعنى الآية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط، يعني العدل وشهداء الله جمع شهيد ونصبت الشهداء على القطع مما في قوله: ﴿قَوَّامِينَ﴾ من ذكر الذين آمنوا. معناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، أو حين شهادتكم ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (النساء: ١٣٥). أي ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والديكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموا على صحتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غني فتجوروا. ٢) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨). يعني جلّ ثناؤه: يا أيها

стр. 122

الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله، شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتجاوزوا ما حدّدت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصّروا فيما حدّدت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدّي، واعملوا فيه بأمري (١). ٣) تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: ١٥٢). ومعنى الآية الكريمة: وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم، فقولوا الحق بينهم، واعدلوا، وأنصفوا، ولا تجوروا، ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم ذا قرابة لكم، ولا تحملنّكم قرابة قريب، أو صداقة صديق، حكمتم بينه ولين غيره، أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليه فيه. (٢) ٤) وردت آيات كثيرة تأمر بالعدل، وتنهى عن الهوى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠)، يقول تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (الأعراف: ٢٩). ويقول تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (صّ: ٢٦). ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء: ٣٣) (٣). توسط أهل السنة والجماعة بين الفرق الإسلامية فأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق كلها .

стр. 123

فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسطٌ بين أهل التعطيل، الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه؛ حتى يشبهوه بالعدم والموات وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات. فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف وتمثيل. وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله؛ الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء؛ وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل. فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ١٤٨). فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير. فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار ولا يسمونه مجبورا؛ إذ المجبور من أكره على اختلاف اختياره والله سبحانه جعل العبد مختارًا لما يفعله فهو مختار مريد والله خالقه وخالق اختياره وهذا ليس له ثظير. فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية؛ الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ . وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان. ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية. فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة وأنهم لا يخلدون في النار. بل يخرج

стр. 124

منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان وأن النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وهم أيضًا في أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم وسط بين الغالية. الذين يغالون في علي ﵁ فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄ ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك وربما جعلوه نبيا أو إلها وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ﵄ ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما. ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما ويقدحون في خلافة علي ﵁ وإمامته (١). وهم وسط بين المعتزلة المعظمين للعقل إلى درجة أنهم يردون المتواتر من الأحاديث ويلوون أعناق الآيات بتأويلاتهم الفاسدة لزعمهم أنها تخالف العقل، وبين أهل الجمود والظاهر ممن يلغون دور العقل في الفهم والاستنباط والفقه ولا يثبتون للنص معنى. وهم وسط بين من يقول: نقرأ القرآن والسنة للبركة، وأما العلم والفقه فهو مدون في المتون والمختصرات والمطولات وأقوال الرجال، ويحفظون الأقوال والمسائل دون اهتمام بالدليل، وبين من يقول: "الكتاب والسنة"، بمعنى إهدار جهود السابقين من الأئمة الأعلام ومصابيح الظلام الذين أصَّلُوا الأصول وفرَّعوا الفروع ونفعوا الأمة وخدموا الكتاب والسنة، فالمتأخرون من بحر علومهم يغرفون، ولكن هذا لا يعني أنهم معصومون ولا يخطئون، فأهل السنة والجماعة يحبونهم ويحترمونهم وينتفعون بعلومهم ويستعينون بأقوالهم لفهم الكتاب والسنة واتباع الصحيح من الأقوال. وهم وسط بين من يقول بأن كل مجتهد مصيب وبين من يسفه آراء العلماء ويتطاول على أئمة الإسلام، وقولهم في المسألة كل مجتهد مأجور وإن أخطأ، لقول النبي ﷺ : "إِذَا حَكَمَ الحاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ واحد" (٢).

стр. 125

وهم وسط بين المتفلتين المتتبعين لرخص العلماء بزعم التيسير والتخفيف على العباد وبين المتشددين المحرمين لكل شيء. وهم وسط في مسألة التقليد بين من يحرم الاجتهاد ويوجب التقليد على كل أحدٍ وبين من يحرم التقليد على إطلاقه دون تفصيل (١). وكذلك في سائر "أبواب السنة" هم وسط. لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان (٢). الإسلام بين الغلو واليسر: تعريفُ اليُسْرِ: لغة: نقيض العسر. وهو السهولة . (٣) اصطلاحًا: هو تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، من غير تشدد يحرم الحلال ولا تميع يحلل الحرام، ويدخل تحت هذا المصطلح: السعة، ورفع الحرج، وغيرها من المصطلحات التي تحمل المدلول نفسه (٤). الدين الإسلامي قائم على اليسر ورفع الحرج: إن الدين الإسلامي قائم بمجمله على اليسر ورفع الحرج ابتداءً من العقيدة وانتهاءً بأصغر أمور الأحكام والعبادات بشكل يتوافق مع الفطرة الإنسانية وتتقبله النفس البشرية من غير تكلف أو تعنت، "فإن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشاق الإعنات فيه والدليل على ذلك أمور" (٥): أولًا: الآيات الكثيرة التي تثبت التيسير وتنفي العسر والحرج والمشقة عن الدين الإسلامي منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٥٨). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (النساء: ٢٨).

стр. 126

وكذلك الأحاديث الكثيرة التي تحمل معاني اليسر في أمور الدين وعدم التنطع والتشدد في العبادات والطاعات، فقد أشار ﵊ إلى أن أهم ما تميزت به رسالة الإسلام عن غيرها من الرسالات السماوية السابقة هي اليسر ورفع الحرج والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر ولكن نكتفي منها بالإشارة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلجةِ" (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى الله الحنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ" (٢). والمتمعن في السيرة النبوية يجد أن سلوك النبي ﷺ وتعامله مع صحابته مبنى على منهج التيسير والسماحة، والشواهدُ أكثر من أن تعد أو تحصى، ولكن نكتفي بسرد حادثة وقعت لأحد الصحابة وجاء إلى الرسول ﷺ ، يريدُ مخرجًا لها وهو صحابي فقير لا يملك قوت يومه. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ الله هَلَكْتُ قَال: "مَا لَكَ" قَال وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا" قَال: لَا قَال: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" قَال: لَا فَقَال: "فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا" قَال: لَا قَال: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَال: "أَيْنَ السَّائِلُ" فَقَال: أَنَا قَال: "خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ" فَقَال الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ الله، فَوَالله مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا -يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَى بَدَتْ أَنْيَاُبهُ ثُمَّ قَال: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (٣). ثانيًا: اعتماد الشريعة الإسلامية على عدة أسس في التيسير.

стр. 127

فإن الشريعة الإسلامية - كما سبق - اعتمادها الأساسي على التيسير ورفع الحرج وللتحقيق فقد اعتمدت على عدة أسس أو مرتكزات مثل: ١) الرُخْصَة: ومعناها لغة: ترخيصُ الله للعبد فيها يخففه عليه، والتسهيلُ (١). واصطلاحًا: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعي لمعارض راجح (٢). والرخصة قاعدة عظيمة من قواعد هذا الدين حيث تشمل جميع أمور الدين وجوانبه في العقيدة والعبادة والمعاملة والعقوبات وغيرها، وهي منحة وصدقة من الله تعالى لعباده، كما قال ﵊ "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَةُ" (٣). والرخصة من أهم معالم اليسر في هذا الدين، وأن الله - تعالى - إنما أجازها ليخفف عن عباده وطأة بعض التكاليف، ويعذرهم عما لا يطيقونه لذلك يستحب إتيان هذه المنحة والعمل بها في مواضع الجواز، يقول ﷺ : "إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ" (٤). ونسوق بعض الأمثلة التي توضح تيسير الشرع الحنيف في هذا الجانب وهو الرخص. أ) الرخصة في السفر: وذلك بقصر الصلاة الرباعية المفروضة وصلاتها ركعتين، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر وكذا المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير. وكذلك الإفطار للصائم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: ١٨٤). وقال ﷺ : "لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" (٥). ب) التيمم بالتراب عند عدم وجود الماء أو عند تعذر استعماله لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ

стр. 128

حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: ٦). جـ) الرخصة في الحيض والنفاس، وهما عذران للصلاة والصيام والطواف بالنسبة للمرأة (١). ٢) الأصل في الأشياء الإباحة: وهذا من أهم المرتكزات والأسس التي قام عليها منهج التيسير في الإسلام وهو أن الأصل في الأشياء حلها وإباحتها، وليس منعها وحرمتها، فكل ما خلق في هذا الكون مسخرٌ للإنسان ومهيأ للاستمتاع به، ما لم يكن فيه نهي صريحٌ، فقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية: ١٣). وبما أن الشارع قد بين ذلك فلا يحق لأحد أن يحرم هذا المباح، فإنه بذلك يدخل في نطاق التنطع والتعنت المنهي عنه، ومن أجل ذلك جاء التحذير الرباني بالنهي عن تحريم الأمور المباحة أو تحليل المحرم، فقد كان هذا السؤال سببًا لإخراج الناس من الدين الحق، وإحلال غضب الله عليهم، كما حدث لبعض الأمم السابقة، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (المائدة: ١٠١، ١٠٢). ويقول ﷺ : "إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" (٢). ٣) عدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان والإكراه: وفي هذا الأمر تظهر سماحة الإسلام ويسره في توافقه مع الفطرة الإنسانية السليمة التي خلقها الله في نفس الإنسان، ومن هذه الفطرة الخطأ الذي يقع فيه الإنسان في معظم أحواله من غير قصد، وكذلك ما يعتريه من نسيان - وهو ما ذكره الله تعالى - على لسان المؤمنين الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ "قَال قَدْ فَعَلْتُ" (٣). وما كان يجيب به ﷺ في حجة الوداع على من أخطأ أو نسي فقدم أو أخر فكان الجواب دائمًا"

стр. 129

افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" (١). فما كان هذا الجواب إلا سماحة الإسلام وتيسيره ورفعه الحرج على أتباعه. وأما الاستكراه فهو أمرٌ خارجٌ عن إرادة الإنسان، لا يستطيع كل إنسان أن يتحمل ما قد يتعرض له من أذى أو ضرر أو تهديد بالقتل أو قطع عضو وغيره، فحينها رخص له الشارع أن يتنازل عن بعض مفاهيمه الدينية تخلصًا من الحال التي يعاينها والعذاب الواقع عليه كما حصل لعمار بن ياسر ﵄ حينما ذكر آلهة قريش بخير ونال من رسول الله ﷺ تحت وطأة التعذيب، وقتل أبواه أمام عينه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ , فقال له الرسول ﷺ : "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النبي ﷺ : "إن عادوا فعد" (٢). وما ذلك إلا رحمة وتيسيرًا لهم، لأن الخطأ والنسيان من الأمور الفطرية التي لا يسلم منها أحد، وأما الإكراه فلأن قوة التحمل تختلف من إنسانٍ لآخر، من أجل ذلك جاء هذا التشريع الرباني بهذه الصورة الميسرة التي تناسب أطباع الناس وفطرهم (٣). ٤) التوبة: والتوبة من الأسس المتينة التي يرتكز عليها منهج التيسير في الإسلام وهي سبب من أسباب ثبات المؤمن وبقائه على دين الله تعالى، حيث تزيل عن كاهله هموم المعاصي وأثقال المخالفات، وتدفعه للعمل دومًا نحو الأفضل، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ (الزمر: ٥٣). والتوبة سبب لمحبة الله تعالى للإنسان عندما ينيب إليه بعد أن عصاه ويندم على فعله:

стр. 130

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ (البقرة: ٢٢٢). وأيضًا قول النبي ﷺ : "لله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا" (١). ومن يسر هذا الدين وسعته ورحمته، أن الله تعالى جعل الأعمال الصالحة مكفرات لخطايا بني آدم لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ (الفرقان: ٧٠). ومن أمثلة هذه الأعمال التي تكفر السيئات: أ) الوضوء: فإنه يكفر الذنوب والخطايا ما اجتنبت الكبائر لقوله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ" (٢). ب) الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة وكذا صوم رمضان فإنها جميعًا تكفر الخطايا لقوله ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الخمْسُ وَالجمْعَةُ إِلَى الجمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ" (٣). ج) أن كل ابتلاء ومصيبة يبتلى بها المسلم فهي كفارة له لقوله ﷺ : "مَا يُصِيبُ المسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" (٤). مجالات التيسير في الإسلام: أولًا: في العبادات: يظهر مبدأ اليسر والمسامحة جليًّا في العبادات أكثر من غيرها من أمور الدين، حيث إنها سلوك ظاهر، فجميع العبادات قائمة على هذا المبدأ الذي خص الله تعالى به هذه الأمة من غيرها من الأمم المفروضة منها والنوافل، يقول عليه ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ

стр. 131

فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا" (١). ويمكن أن نشير إلى بعض هذه المظاهر في العبادات الآتية: أ) في الطهارة: يظهر مبدأ اليسر في الطهارة واضحًا لأنها المدخل إلى العبادات، واليسر فيها أمر ضروري، لأن المسلم يتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات، ويغتسل من الجنابة كذلك، ويتعرض لبعض النجاسات هنا وهناك، فإن الشدة في الطهارة توقعه في الضيق والحرج ويجعل نفسه تمل من العبادة نفسها فضلًا عن الطهارة. ومن الأمثلة الواضحة على هذا التيسير قول النبي ﷺ لما سئل عن ماء البحر قال: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٢). ويتبين هذا اليسر أيضًا من قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فقام الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ : "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ" (٣). ومن اليسر في الطهارة أيضًا أنه إذا تعلقت القذارة بالنعلين فإن مسحهما بالأرض يطهرهما لقوله ﵊: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى المسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا" (٤). ومن يسر هذا الدين أيضًا في الطهارة أن النجاسة الواقعة على الثوب تزال بالماء وهذا فيه يسر كبير إذا قورن بما كانت عليه بنو إسرائيل من قبل حيث كانوا يكلفون بقص ما أصيب بالنجاسة من الثوب. ب) التيمم: ومن اليسر في هذا الدين أن المسلم إذا لم يجد الماء ليتوضأ به أو كان به مرض أو جرح لا يستطيع أن يتوضأ بالماء، فله أن يتيمم بالتراب، فضلًا من الله تعالى وتسهيلًا عليه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ

стр. 132

لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ (المائدة: ٦). بخلاف ما كانت عليه الشرائع السابقة، حيث لا تقبل صلاة من غير تطهر بالماء. وجاء تأكيد هذا الأمر في السنة النبوية في قوله ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١). ج) الصلاة: ويمكن بيان بعض صور التيسير في الصلاة من خلال النقاط الآتية: ١) أنها فرضت في بداية الأمر في رحلة المعراج خمسين صلاة ثم خففت إلى خمس في العمل وخمسين في الأجر. ٢) مشروعية الجمع والقصر في الصلاة أثناء السفر أو المطر أو المرض وذلك للظروف التي يمر بها الإنسان في هذه الحالات من قلة في الماء أو البرد أو خوف من الطريق أو زيادة في المرض. لذلك جعل الإسلام فيه الصلاة بشكل آخر يتناسب مع هذه الظروف فأجاز له الجمع والقصر، حيث قصرت الصلوات الرباعية إلى ركعتين فقط. ويتغير وضع الصلاة وكيفيتها كذلك في حالة الخوف في الحرب أو هجوم سبع أو سيل ونحوه، ويسهل أمرها وتقصر، لما في ذلك من مصلحة على المسلمين وحماية لهم من عدوهم الذين قد يغدرون بهم أثناء الصلاة، وتسمى هذه الصلاة بصلاة الخوف، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٠١) ثم ذكرت في الآية الآتية كيفية أداء هذه الصلاة على دفعتين. ٣) جواز الصلاة في أي مكان من الأرض، حيث لم تكن جائزة عند الأمم السابقة إلا

стр. 133

في المعابد والصوامع، يقول ﵊: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ .... " (١) الحديث. ٤) تخفيف الصلاة وعدم الإطالة فيها، لأن صلاة الجماعة تجمع بين الصغير والكبير والمريض، فينبغي مراعاة ذلك، وهذا ما كان الرسول ﷺ يحذر أصحابه معه، يقول جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَال مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ، أَوْ أَفَاتِنٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحاجَةِ" (٢). ويقول ﷺ : "إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أَمِّهِ" (٣). ٥) رفعت الصلاة عن الحائض والنفساء، ولا تقضي بعد الطهر، وهذا يسر ولطف على المرأة، حيث تعاني في فترة الحيض والنفاس آلامًا ودماء، يصعب معها الصلاة، وقد تطول هذه المدة فيشق القضاء، فجاءت الرحمة الربانية على المرأة بهذا التيسير، ولم يطلب منها قضاء تلك الصلوات الفائتة عنها بعد ذلك (٤). ٦) مشروعية سجود السهو لجبر الخلل الذي يحصل في الصلاة، ولم تطلب إعادتها. كل هذا اليسر وهذه السماحة جاءت في الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين

стр. 134

وهو الصلاة التي هي أعظم الأعمال العملية. د) الزكاة: وتتبين مظاهر اليسر والتسهيل في أداء فريضة الزكاة من خلال الأمور الآتية: ١) أنها لم تأت على جميع الممتلكات والعقارات والأموال وإنما اقتصرت على بعض الأصناف. ٢) ثم إنها يشترط في الأصناف التي تجب فيها الزكاة أن تبلغ النصاب. ٣) ومن يسر الإسلام أيضًا في أداء هذه الفريضة أنه لم يجعل دفع الزكاة إلا مرة واحدة في السنة، وذلك بعد أن يحول عليها الحول. ٤) ومن ذلك أيضًا أن مقدار المال الواجب دفعه للزكاة قليل جدًّا بالنسبة للمال الذي يوجب فيه الزكاة بحيث لا يؤثر فيه كثيرًا ولا يتأثر بذلك صاحبه. هذا فضلًا عن كيفية تعامل الإسلام مع زكاة الزروع، حيث أوجب العشر في التي تسقى بماء المطر، ونصف العشر بالتي تسقى بالنضح والآبار، لقوله ﷺ : "فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" (١). وهكذا نلاحظ يسر الإسلام وتسهيله في هذا الجانب مما يجعل صاحب المال يسارع إلى إخراج زكاة ماله عن طيب نفس، دون ضجر أو ملل أو ثقل. هـ) الصيام: ونستطيع أن نلاحظ تيسير الإسلام أيضًا في هذه الفريضة من خلال النقاط الآتية: ١) أن الصيام لم يفرض إلا في شهر واحد في السنة وهو شهر رمضان قوله تعالى: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: ١٨٤)، وهذا فيه سعة وتيسير على المسلم. ٢) أن وقت الصيام من الفجر إلى غروب الشمس، ولا يجوز الزيادة في هذا الوقت، من أجل ذلك نهى عن صوم الوصال وهو وصل صيام يومين أو ثلاثة متواليات، لما في ذلك من مشقة وعنت على النفس يقول ﷺ : "لَا تُوَاصِلُوا قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَال لَسْتُ

стр. 135

كَأَحَدٍ مِنْكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى" (١). ٣) ومن أفطر خطأ أو نسيانًا فإنه يكمل صومه، ولا حرج عليه، فإنما أطعمه الله وسقاه، يقول ﷺ : "مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ" (٢). ٤) جواز الإفطار عند السفر أو المرض، لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ١٨٥). و) الحج: ويتضح يسر الإسلام في هذا الركن أيضًا من خلال النقاط الآتية: ١) الاستطاعة في الزاد والراحلة، وأن لا يكون عليه دين أو التزام مالي آخر من حقوق الآخرين، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧). ٢) وجوبه في العمر مرة واحدة، لأن فيه المشقة والعناء، فيصعب على المؤمن أن يؤديه كل عام. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ الله عَلَيْكُمْ الحجَّ فَحُجُّوا" فَقَال رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله "فَسَكَتَ" حَتَّى قَالهَا ثَلَاثًا فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَال ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" (٣). ٣) التخيير بين المناسك الثلاثة: التمتع والقران والإفراد (٤). ٤) التخيير في الترتيب بين بالأعمال الثلاثة يوم العيد، الرمي والحلق والطواف، وهذا فيه تيسيرٌ على الحاج الذي يعاني من زحمة الناس والمواصلات والأسفار، يقول ابن عباس

стр. 136

- ﵄: قَال رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَال: "لَا حَرَجَ" قَال حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَال: "لَا حَرَجَ" قَال ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَال: "لَا حَرَجَ" (١). وفي رواية مسلم قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: فما رأيته ﷺ سئل يومئذ عن شيءٍ إلا قال: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" (٢). ٥) أن الله تعالى جعله سببًا لمغفرة الذنوب والخطايا، وقد وعد الرسول ﷺ الحاج بالجنة وأنه يرجع كيوم ولدته أمه فقال ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (٣). ويقول أيضًا: "وَالحجُّ المبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجنَّةُ" (٤). وهكذا لاحظنا يسر الإسلام أيضًا في هذا الركن. ثانيًا: في المعاملات: لم يقتصر التيسير في الإسلام على العقيدة والعبادة بل تعداه إلى المعاملات التي تأخذ مساحة واسعة من حياة الإنسان العملية، فالتجارة والصناعة والزراعة والتعليم ونحوها يدخل جميعها تحت مظلة المعاملات، والناس في المعاملات أكثر عرضة للمعاصي والآثام، لأن المحرك هو المال، ومعلوم مدى تأثير المال على نفس الإنسان وطباعه وسلوكه، ولذلك كانت النصوص القرآنية والنبوية تترى في اتباع التيسير والسامحة في المعاملات، يقول ﷺ : "رَحِمَ الله رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى" (٥). ونبين بعض صور التيسير في المعاملات: أ) ففي البيع أجاز الإسلام للمتبايعين الخيار في عدد من المواضع كما إذا كانا في مجلس البيع، رفعًا للحرج الذي يقع فيه أحدهما، لأنه ربما يحصل ضرر كبير إذا تم هذا العقد يقول ﷺ : "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالْخِيَارِ

стр. 137

مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ" (١). ب) وحرم الإسلامُ الربا الذي فيه ظلم الناس، وهو سبب في إفشاء الفقر والغنى الفاحشين، وسبب لزرع الأحقاد والضغائن بين أبناء المجتمع الواحد، فحرم الله الربا وأباح القرض الحسن، يقول الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٦). وقال تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (المزمل: ٢٠). ج) كما حرم هذا الدين احتكار الطعام والسلع واحتجازها في وقت تشتد حاجة الناس إليها، يقول ﵊: "مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ" (٢). د) التيسير على المدين المعسر، وهو مبدأ عظيم جاء به الإسلام رحمة بحاله وتقديرًا لظروفه القاسية، وهو عنصر قوى من عناصر التكافل الاجتماعي بين أبناء الأمة، حيث يجعل من المجتمع وحدة متينة، قائمة على الحب والوئام، والتعاون والتراحم، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ (البقرة: ٢٨٠). وأوصى به النبي ﷺ فقال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ الله مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ" (٣). ويقول ﷺ عن رجل كان يتجاوز عن المعسر: "كانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَال لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ الله أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجَاوَزَ الله عَنْهُ" (٤). ثالثا: في العقوبات: لقد تميزت الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع، والقوانين

стр. 138

في التشريع الجنائي ووضع العقوبات المناسبة لأفعال الناس التي تضر بالأنفس والأموال والأعراض وغيرها حيث أضفت الشريعة على هذه العقوبات ألوانًا من السماحة واليسر بحيث تتقبلها النفس الإنسانية في كل أحوالها. ويمكن أن نبين هذه السماحة والسعة من خلال بيان عقوبتين فقط وهما: أ) عقوبة قتل النفس: إن قتل النفس بغير حق يعد من أكبر الجرائم وأعظمها عند الله تعالى، يقول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام: ١٥١). وقد جعل الله تعالى قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعًا وإحياء نفس بمثابة إحياء الناس جميعًا، يقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣٢). ويقول ﷺ : "لَزَوَال الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ" (١). فقتل النفس فعلٌ شنيعٌ وجريمة عظمى، وكان حكم الله في القتل أن يقتل القاتل قصاصًا. قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: ٤٥). ونستطيع أن نظهر يسر الإسلام وسماحته في تطبيق العقوبة على القاتل من خلال الآتي: ١) لا يؤخذ أحد بجريرة أحد، أي أنه لا يعاقب إلا القاتل نفسه، وليس لأهله وذريته وقبيلته شأن في فعله وتطبيق العقوبة عليه، بدون تعسف أو تعد، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية، حيث كان يقتل بالرجل الواحد أكثر من رجل، فنجد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (الإسراء: ٣٣). ٢) ولكن من يسر الإسلام وسماحته أن جعل المجال مفتوحًا أمام ولي أمر المقتول

стр. 139

وخيره بين إحدى ثلاث: القصاص أو الدية أو العفو، لقوله ﷺ : "مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ "الْخَبْلُ الْجِرَاحُ" فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ أَوْ يَعْفُوَ فَإِنْ أَرَادَ رَابِعَةً فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ عَدَا بَعْدُ فَقَتَلَ فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا (١). ٣) ومن يسر الإسلام وسماحته قبل تطبيق هذه العقوبة أنه يغري أهل المقتول بما عند الله تعالى، إذا تجاوزوا عن القاتل وعفوا عنه، لقوله ﷺ : "مَا عَفَا رَجُلٌ إِلَّا زَادَهُ الله بِهِ عِزًّا وَلَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَلَا عَفَا رَجُلٌ قَطُّ إِلَّا زَادَهُ الله عِزًّا" (٢). ٤) ومن سماحة الإسلام ويسره أنه اشترط في جواز تطبيق القصاص اتفاق أولياء الدم جميعًا على هذا القصاص، فإذا وجد من بينهم من عفا عن القاتل وإن كانت امرأة فإن الحكم يسقط، ويمنع القصاص. وكذلك إذا كان من بين أولياء الدم من لم يبلغ سن التمييز أو كان غائبًا، فإنه ينتظر بلوغه أو عودته من غيبته لأخذ رأيه، فإن عفا عن الجاني فإن الحكم يسقط، وقد يأخذ ذلك سنينًا وأعوامًا، وفي ذلك حكمة فربما ينسى هؤلاء الأولياء حنقهم على دمهم وتتخفف الوطأة عليهم، فيكون العفو حينها أقرب إلى القصاص. ب) عقوبة الزنا: وجريمة الزنا من الجرائم الأخلاقية التي تفسد الأسر والمجتمعات وتضيع الأنساب وتفشي الضغائن والأحقاد، لذلك كانت هذه الجريمة من الكبائر التي توعد الله فاعلها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، لقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: ١٩). وعقوبة الزاني الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، وفي هذا يسر وسماحة، وذلك بتناسب العقوبة مع طبيعة الزاني نفسه، فالزاني الثيب أعظم جرمًا من الزاني غير المحصن، لذلك جاءت عقوبته أقسى وأشد وهي الرجم.

стр. 140

ومن يسر الإسلام وسماحته في إنفاذ العقوبة على الزاني أنه طلب شهادة أربعة أشخاص على الفاحشة، وهذا من باب التحدي الزائد، وتجنبًا لتطبيق العقوبة، وحتى لا يقع الناس في أعراض غيرهم، وليس هذا فحسب وإنما حدد عقوبة للذي يقذف الآخرين ويتهمهم بالزنا من غير أن يحضروا أربعة أشخاص فحينها ينال عقوبة القذف يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (النور: ٤). ومن أجل إقرار هذا المبدأ لدى الأمة كان الرسولُ ﷺ يحاول تجنب تطبيق حد الزاني، أو يوجد للمعترف بالزنا أعذارًا لعله يتراجع عن اعترافه كما ثبت في حديث ماعز بن مالك. وقد عمل الإسلام على تخفيف وقوع الزنا ومحاولة الستر على مرتكبها وأن تتم التوبة بينه وبين الله تعالى فالأمر يرجع إلى الله تعالى يوم القيامة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. القواعد الشرعية المستنبطة من النصوص الواردة في اليسر: استنبط علماء الأصول من النصوص الواردة في سماحة الإسلام ويسره بعض القواعد وجعلوها معالم لعلم الأصول، ونذكر منها قاعدتين أساسيتين. الأولى: المشقة تجلب التيسير. وهذه قاعدة عظيمة تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدرها وبيان منزلتها في الفقه الإسلامي وأجمعت عليها كتب القواعد الفقهية وهي من الدعائم والأسس التي يقوم عليها صرح الفقه الإسلامي وأصوله (١). معنى القاعدة: لغة: أن الصعوبة والعناء تصبح سببًا للتسهيل. اصطلاحًا: أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسر أو إحراج (٢). الأدلة الشرعية على هذه القاعدة.

стр. 141

دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة من القرآن والسنة نشير إلى شيء منها على سبيل المثال لا الحصر. فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥). وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٦). وقد تضمن ذلك أن جميع ما كلفهم به أمرا ونهيا فهم مطيقون له قادرون عليه وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون وفي ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك. والله تعالى أمرهم بعبادته وضمن أرزاقهم فكلفهم من الأعمال ما يسعونه وأعطاهم من الرزق ما يسعهم فتكليفهم يسعونه وأرزاقهم تسعهم فهم في الوسع في رزقه وأمره: وسعوا أمره ووسعهم رزقه ففرق بين ما يسع العبد وما يسعه العبد. وتأمل قوله : ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وكيف تجد تحته أنهم في سعة ومنحة من تكاليفه؛ لا في ضيق وحرج ومشقة؛ فإن الوسع يقتضي ذلك فاقتضت الآية أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر لهم ولا ضيق ولا حرج (١). وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٢٨)، وغيرها من الآيات الكثير. ومن أدلة هذه القاعدة في السنة النبوية: ١) قال النبي ﷺ : "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلجةِ" (٢). أي: دين الإسلام ذو يسر، أو سمى الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم. ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم

стр. 142

كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم (١). ٢) قال النبي ﷺ : "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا" (٢). وغيرها كثير من الأحاديث النبوية الشريفة. الثانية: الضرورات تبيح المحظورات. إن من مسلمات المبادئ لدى جمهور المسلمين أن الشريعة الإسلامية قد التزمت في أحكامها مبدأ رعاية مصالح الناس دنيويًا وأخرويًا، فأحكامها مبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، والمتأمل في نصوصها يجد ذلك واضحًا في جميع ما قررته من أحكام، وفي كل ميدان تناولته من ميادين الحياة، ومن هنا حصل تقسيم الأقوال والأفعال والعقود والتصرفات إلى مأمور بها لما فيها من المصالح، ومنهي عنها لما فيها من مفاسد على المتصف بها أو غيره ... غير أن الإسلام يحسب حساب الضرورات فيبيح فيها المحظورات، ويحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات بغير تجاوز لها ولا تعد لحدودها وهذا ما يعرف عند جمهور العلماء بقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" (٣). والتعريف الاصطلاحي لهذه القاعدة هو: أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال، ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعًا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع. ٢) الأدلة الشرعية على هذه القاعدة: من القرآن الكريم: أ) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: ١٧٣). ب) قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ

стр. 143

دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام: ١٤٥). ففي هذه الآيات أباح الله تعالى الأكل من المحرمات في حال الاضطرار وكذلك أبيح الفعل المحرم حال الضرورة مثل التلفظ بكلمة الكفر عند إلاكراه عليه بالقتل أو بقطع عضو من الأعضاء مع اطمئنان القلب بالإيمان بدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: ١٠٦) (١). وأيضًا ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات، وأطلق الإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة، وهو قوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ فاقتضى ذلك وجود الإباحة وبوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها (٢). من السنة النبوية: أ) فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا مَخْمَصَةٌ فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الميْتَةِ قَال: "إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا" (٣). ومعنى الحديث: إذا لم تجدوا ألبنة - تشربونها أول النهار - أو شرابًا تغتبقونه - أي تشربونه آخر النهار - ولم تجدوا بعد ذلك بقلة تأكلونها حلَّت لكم الميتة (٤). ب) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ كَانُوا بِالْحَرَّةِ مُحْتَاجِينَ قَال فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ نَاقَةٌ لَهُمْ أَوْ بعير لهم فَرَخَّصَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَكْلِهَا قَال: "فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتَائِهِمْ أَوْ سَنَتِهِمْ" (٥). ومن الأحاديث التي تثبت هذه القاعدة أيضًا الأحاديث المروية في الدفاع عن النفس أو

стр. 144

المال أو العرض، ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَال: "فَلَا تُعْطِهِ مَالكَ" قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَال: "قَاتِلْهُ" قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَال: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ" قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قتلْتُهُ قَال: "هُوَ فِي النَّارِ" (١). حالات الضرورة التي يباح فيها المحظور: ضرورة الغذاء (الجوع والعطش)، والدواء، والإكراه، والنسيان، والجهل والعسر أو الحرج وعموم البلوى، والسفر والمرض، والنقص الطبيعي (٢). ويلحق بهذه القاعدة قاعدة أخرى هي بمثابة ضابط لها وهي: (الضرورات تبيح المحظورات) أي أن المباح من فعل المحظورات يكون قدر حاجة الإنسان بحيث ينتفي الضرر الذي يهدده، فلا يتجاوز هذا القدر، وإلا وقع في المعصية، كالمقبل على الهلاك من العطش فلا يجوز له أن يشرب الخمر فوق ما يكسر عطشه ويخلصه من الموت، فإن فعل ذلك فإنه آثم ويتحمل وزر شرب الخمر (٣). صور السماحة في الإسلام أولًا: سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين: إن الله بعث نبيه ﷺ رحمة للعالمين، وهو ﷺ مثال للكمال البضري في حياته كلها، مثال للكمال في علاقته بربه وفي علاقته بالناس كلهم بمختلف أجناسهم وأعمارهم وألوانهم، مسلمين وغير مسلمين، قال جابر بن عبد الله ﵄: "وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ رَجُلًا سَهْلًا" (٤). أي سهل الخلق كريم الشمائل لطيفًا ميسرًا في الخلق (٥). وعَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّهَا قَالتْ: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عنه وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ

стр. 145

حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ للهَّ بِهَا" (١). بمثل هذه القيم كانت دعوة النبي ﷺ يسر في كل شيء وذود عن حرمات الله لا عن عَرَضِ الدنيا أو أهواء النفوس. وتعدد صور السماحة في هدي النبي ﷺ مع غير المسلمين وشواهد ذلك من سيرته لا تحصر منها ما يلي: ١) رحمته ﷺ بالخلق عامة. وذلك تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء: ١٠٧). وقال ﷺ : "لَا يَرْحَمُ الله مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ" (٢). فكلمة: "العالمين" وكلمة "الناس" عامة تشمل كل العالمين وكل الناس، فدين الإسلام دين السماحة والرحمة يسع الناس كلهم ويغمرهم بالرحمة والإحسان. ٢) تجاوزه عن مخالفيه ممن ناصبوا له العدا، . وهذا له من الأمثلة ما يصعب حصرها وتعدادها فمنها: لما فتح مكة فكان موقفه فيها غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشر وعفوهم فكان موقفه ممن كانوا حربًا على الدعوة ولم يضعوا سيوفهم بعد عن حربها أن قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٣). ومنها سماحته ﷺ مع لَبِيد بن الأعصم الذي سحره في مشط ومشاطة وحف طلع نخل ذكر في بئر زروان، وحينما أخبر عائشة بذلك قالت له: أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ قَال: "قَدْ عَافَانِي الله فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ" (٤). ومنها سماحته مع زعيم المنافقين عبد الله بن أُبيِّ بن سلول الذي تحمل قصة الإفك ومع ذلك فقد عفا عنه ﷺ ، وحينما مات عبد الله بن أُبيِّ غطاه النبيُّ ﷺ بقميصه واستغفر له حتى نزل قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٨٠) (٥).
следующие страницы →