← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة من القرآن والسنة نشير إلى شيء منها على سبيل المثال لا الحصر. فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥). وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٦). وقد تضمن ذلك أن جميع ما كلفهم به أمرا ونهيا فهم مطيقون له قادرون عليه وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون وفي ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك. والله تعالى أمرهم بعبادته وضمن أرزاقهم فكلفهم من الأعمال ما يسعونه وأعطاهم من الرزق ما يسعهم فتكليفهم يسعونه وأرزاقهم تسعهم فهم في الوسع في رزقه وأمره: وسعوا أمره ووسعهم رزقه ففرق بين ما يسع العبد وما يسعه العبد. وتأمل قوله : ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وكيف تجد تحته أنهم في سعة ومنحة من تكاليفه؛ لا في ضيق وحرج ومشقة؛ فإن الوسع يقتضي ذلك فاقتضت الآية أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر لهم ولا ضيق ولا حرج (١). وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٢٨)، وغيرها من الآيات الكثير. ومن أدلة هذه القاعدة في السنة النبوية: ١) قال النبي ﷺ : "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلجةِ" (٢). أي: دين الإسلام ذو يسر، أو سمى الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم. ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم

стр. 142

كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم (١). ٢) قال النبي ﷺ : "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا" (٢). وغيرها كثير من الأحاديث النبوية الشريفة. الثانية: الضرورات تبيح المحظورات. إن من مسلمات المبادئ لدى جمهور المسلمين أن الشريعة الإسلامية قد التزمت في أحكامها مبدأ رعاية مصالح الناس دنيويًا وأخرويًا، فأحكامها مبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، والمتأمل في نصوصها يجد ذلك واضحًا في جميع ما قررته من أحكام، وفي كل ميدان تناولته من ميادين الحياة، ومن هنا حصل تقسيم الأقوال والأفعال والعقود والتصرفات إلى مأمور بها لما فيها من المصالح، ومنهي عنها لما فيها من مفاسد على المتصف بها أو غيره ... غير أن الإسلام يحسب حساب الضرورات فيبيح فيها المحظورات، ويحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات بغير تجاوز لها ولا تعد لحدودها وهذا ما يعرف عند جمهور العلماء بقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" (٣). والتعريف الاصطلاحي لهذه القاعدة هو: أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال، ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعًا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع. ٢) الأدلة الشرعية على هذه القاعدة: من القرآن الكريم: أ) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: ١٧٣). ب) قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ

стр. 143

دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام: ١٤٥). ففي هذه الآيات أباح الله تعالى الأكل من المحرمات في حال الاضطرار وكذلك أبيح الفعل المحرم حال الضرورة مثل التلفظ بكلمة الكفر عند إلاكراه عليه بالقتل أو بقطع عضو من الأعضاء مع اطمئنان القلب بالإيمان بدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: ١٠٦) (١). وأيضًا ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات، وأطلق الإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة، وهو قوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ فاقتضى ذلك وجود الإباحة وبوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها (٢). من السنة النبوية: أ) فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا مَخْمَصَةٌ فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الميْتَةِ قَال: "إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا" (٣). ومعنى الحديث: إذا لم تجدوا ألبنة - تشربونها أول النهار - أو شرابًا تغتبقونه - أي تشربونه آخر النهار - ولم تجدوا بعد ذلك بقلة تأكلونها حلَّت لكم الميتة (٤). ب) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ كَانُوا بِالْحَرَّةِ مُحْتَاجِينَ قَال فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ نَاقَةٌ لَهُمْ أَوْ بعير لهم فَرَخَّصَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَكْلِهَا قَال: "فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتَائِهِمْ أَوْ سَنَتِهِمْ" (٥). ومن الأحاديث التي تثبت هذه القاعدة أيضًا الأحاديث المروية في الدفاع عن النفس أو

стр. 144

المال أو العرض، ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَال: "فَلَا تُعْطِهِ مَالكَ" قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَال: "قَاتِلْهُ" قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَال: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ" قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قتلْتُهُ قَال: "هُوَ فِي النَّارِ" (١). حالات الضرورة التي يباح فيها المحظور: ضرورة الغذاء (الجوع والعطش)، والدواء، والإكراه، والنسيان، والجهل والعسر أو الحرج وعموم البلوى، والسفر والمرض، والنقص الطبيعي (٢). ويلحق بهذه القاعدة قاعدة أخرى هي بمثابة ضابط لها وهي: (الضرورات تبيح المحظورات) أي أن المباح من فعل المحظورات يكون قدر حاجة الإنسان بحيث ينتفي الضرر الذي يهدده، فلا يتجاوز هذا القدر، وإلا وقع في المعصية، كالمقبل على الهلاك من العطش فلا يجوز له أن يشرب الخمر فوق ما يكسر عطشه ويخلصه من الموت، فإن فعل ذلك فإنه آثم ويتحمل وزر شرب الخمر (٣). صور السماحة في الإسلام أولًا: سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين: إن الله بعث نبيه ﷺ رحمة للعالمين، وهو ﷺ مثال للكمال البضري في حياته كلها، مثال للكمال في علاقته بربه وفي علاقته بالناس كلهم بمختلف أجناسهم وأعمارهم وألوانهم، مسلمين وغير مسلمين، قال جابر بن عبد الله ﵄: "وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ رَجُلًا سَهْلًا" (٤). أي سهل الخلق كريم الشمائل لطيفًا ميسرًا في الخلق (٥). وعَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّهَا قَالتْ: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عنه وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله ﷺ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ

стр. 145

حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ للهَّ بِهَا" (١). بمثل هذه القيم كانت دعوة النبي ﷺ يسر في كل شيء وذود عن حرمات الله لا عن عَرَضِ الدنيا أو أهواء النفوس. وتعدد صور السماحة في هدي النبي ﷺ مع غير المسلمين وشواهد ذلك من سيرته لا تحصر منها ما يلي: ١) رحمته ﷺ بالخلق عامة. وذلك تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء: ١٠٧). وقال ﷺ : "لَا يَرْحَمُ الله مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ" (٢). فكلمة: "العالمين" وكلمة "الناس" عامة تشمل كل العالمين وكل الناس، فدين الإسلام دين السماحة والرحمة يسع الناس كلهم ويغمرهم بالرحمة والإحسان. ٢) تجاوزه عن مخالفيه ممن ناصبوا له العدا، . وهذا له من الأمثلة ما يصعب حصرها وتعدادها فمنها: لما فتح مكة فكان موقفه فيها غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشر وعفوهم فكان موقفه ممن كانوا حربًا على الدعوة ولم يضعوا سيوفهم بعد عن حربها أن قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٣). ومنها سماحته ﷺ مع لَبِيد بن الأعصم الذي سحره في مشط ومشاطة وحف طلع نخل ذكر في بئر زروان، وحينما أخبر عائشة بذلك قالت له: أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ قَال: "قَدْ عَافَانِي الله فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ" (٤). ومنها سماحته مع زعيم المنافقين عبد الله بن أُبيِّ بن سلول الذي تحمل قصة الإفك ومع ذلك فقد عفا عنه ﷺ ، وحينما مات عبد الله بن أُبيِّ غطاه النبيُّ ﷺ بقميصه واستغفر له حتى نزل قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٨٠) (٥).

стр. 146

ومنها سماحته مع مشركي قريش في صلح الحديبية حيث تنازل عن كتابة صفته في كتاب المصالحة كما ترجحت عنده المصلحة في ذلك لما جاءه سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَال: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" قَال سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَالله مَا أَدْرِي مَا هي، وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ فَقَال المُسْلِمُونَ: وَالله لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهمَّ" ثُمَّ قَال: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُوُلُ الله "فَقَال سُهَيْلٌ: وَالله لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ الله مَا صَدَدْنَاكَ عَنْ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "وَالله إِنِّي لَرَسُولُ الله وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي اكتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله" (١). ٣) دعاؤه ﷺ لمخالفيه من غير المسلمين. ومثال ذلك، لما قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله عَلَيْهَا فَقِيلَ هَلَكَتْ دَوْسٌ قَال: "اللهمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ" (٢). وكذلك دعاؤه ﷺ لأم أبي هريرة قبل إسلامها فعن أبي هريرة ﵁: "كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ الله ﷺ مَا أَكْرَهُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَأَنَا أَبْكِي قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ الله أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ" فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ الله ﷺ فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالتْ مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ المُاءِ قَال: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتْ الْبَابَ ثُمَّ قَالتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ... " (٣) الحديث. ومن صور الدعاء أيضًا ما كَانَ من الْيَهُودُ حديث كانوا يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 147

رجاء أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ الله فَيَقُولُ: "يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بَالكُمْ" (١). ٤) وكان ﷺ يقبل هدايا مخالفيه من غير المسلمين. فقبل هدية زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم في خيبر حيث أهدت له شاة مشوية قد وضعت فيها السم (٢). ٥) وكان ﷺ يغشى مخالفيه في دورهم. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَال انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ رسول الله ﷺ فَنَادَاهُمْ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا" فَقَالوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَال لهم رسول الله: ذَلِكَ أُرِيدُ، ثُمَّ قَالهَا الثَّانِيَةَ، فَقَالوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَال الثَّالِثَةَ، فَقَال: "اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ للهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ للهِ وَرَسُولِهِ" (٣). ٦) وكان ﷺ يأمر بصلة القريب وإن كان غير مسلم فقال لأسماء بنت أبي بكر ﵄: "صِلي أُمَّكِ" (٤). ولما تأسس المجتمع الإسلامي الأول وعاش في كنفه اليهود بعهد مع المسلمين وكان ﷺ غاية في الحلم معهم والسماحة في معاملتهم حتى نقضوا العهد وخانوا رسول الله ﷺ ، أما من يعيشون بين المسلمين يحترمون قيمهم ومجتمعهم وحذر رسول الله ﷺ من ظلم المعاهدين أو انتقاصهم فقال ﷺ : "أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٥). وشدد الوعيد على من هتك حرمة دمائهم فقال ﷺ : "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ

стр. 148

الْجنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا (١). وقال ﷺ لأصحابه: "إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا" (٢). صور من سماحة الصحابة والتابعين في معاملة غير المسلمين: تاريخ الإسلام شاهد على أن المسلمين لم يكرهوا أحدا في أي فترة من فترات التاريخ على ترك دينه، فالإسلام دين العقل والفطرة ولا يقبل من أحد أن يدخله مكرها، تحدى الأولين والآخرين بمعجزته الخالدة، ولم يعرف في تاريخ المسلمين الطويل أنهم ضيقوا على اليهود والنصارى أو غيرهم أو أنهم أجبروا أحدا من أي طائفة من الطوائف اليهودية أو النصرانية على اعتناق الإسلام. يقول توماس آرنولد: "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي" (٣). ولقد كان عهد الخلفاء الراشدين امتدادا لعهد النبي ﷺ وشهد صورا من سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين من إعانتهم بالمال أو النفس عند الحاجة، ومن كفالة العاجز منهم عن العمل أو كبير السن، وغير ذلك. وهذا هو عين ما سار عليه الخلفاء الراشدون ﵃ في صدر الإسلام في معاملتهم لأهل الذمة، وأسوق هنا بعض الشواهد والأمثلة التي تبين سماحة الصحابة ﵃ في معاملة غير المسلمين. ١) في خلافة أبي بكر ﵁ كتب خالد بن الوليد ﵁ في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق -وكانوا من النصارى-: "وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله" (٤).

стр. 149

إن التكافل الاجتماعي في الإسلام لا يرضى أن يذل رجل من أهل الذمة وهو يحيا في كنف الإسلام فيعيش على الصدقة يتكفف الناس ولكن الإسلام يحميه ويكرمه ويوجب على الدولة أن تعوله وتعول عياله. ٢) وكان أبو بكر ﵁ يوصي الجيوش الإسلامية بقوله: "وستمرون على قوم الصوامع رهبانا يزعمون أنهم ترهبوا في الله فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم" (١). ٣) وأوصى عمر ﵁ الخليفة من بعده بأهل الذمة أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم (٢). ٤) ومر عمر بن الخطاب ﵁ بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ (٣) له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه (٤). ٥) ومن السماحة أن يراعى في معاملتهم كل مصلحة وقصد صحيح فعن عبد الله بن قيس قال: كنت فيمن تلقى عمر بن الخطاب مع أبي عبيدة مقدمه من الشام فبينما عمر يسير إذ لقيه (المُقلَّسون) (٥) من أهل أذرعات بالسيوف والريحان فقال عمر ﵁: مه ردوهم وامنعوهم فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين هذه سنة العجم أو كلمة نحوها وإنك إن تمنعهم

стр. 150

منها يروا أن في نفسك نقضا لعهدهم فقال: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة (١). ٦) وعن مجاهد قال: كنت عند عبد الله بن عمرو ﵁ وغلامه يسلخ شاة فقال: "يا غلام، إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي، فقال رجل من القوم اليهودي: أصلحك الله؟ قال: سمعت النبي ﷺ يوصي بالجار حتى خشينا أو رؤينا أنه سيورثه" (٢). ٧) وفي خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ كتب إلى عدي بن أرطأة: وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه (٣). ٨) وعندما أمر عمر بن عبد العزيز مناديه ينادى: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، قام إليه رجل ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله قال: وما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي. والعباس جالس، فقال له عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد وكتب لي بها سجلا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى، فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد قم فاردد عليه ضيعته فردها عليه ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه (٤). ٩) وفي عهد الرشيد كانت وصية القاضي أبي يوسف له بأن يرفق بأهل الذمة حيث يخاطبه بقوله: "ينبغي يا أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد ﷺ والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم" (٥).

стр. 151

بمثل هذه المعاملة ساد المسلمون الأوائل وكانت معاملتهم محط إعجاب مخالفيهم فشهدوا لهم بالسمو في أخلاقهم والتسامح في معاملتهم. سماحة الإسلام في المعاملة في كتابات غير المسلمين: منذ فجر الدعوة الإسلامية كانت شهادة الخصوم ظاهرة بيِّنة إذ رأوا من سماحة هذا الدين وتيسيره ما بهر عقولهم وأخذ بألبابهم ورأوا من سلوك أهله ما دعاهم إليه، فاستجابت نفوس الكثيرين إليه وإلى أهله وإن لم يؤمنوا به، فدون التاريخ شهاداتهم له ولأهله بحسن المعاملة والسماحة العظيمة، فمن ذلك: (١) ما كتبه نصارى الشام في صدر الإسلام حيث كتب النصارى في الشام سنة ١٣ هـ إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁ يقولون: "يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا" (١). واستمر هذا النهج في معاملة غير المسلمين عبر تاريخ الإسلام. ٢) ففي الوقت الحاضر يعيش طوائف عديدة من النصارى في بلاد الشام ومصر وبلاد المغرب العربي وهي شاهد على سماحة الإسلام جعلت المستشرق الإنجليزي توماس آرنولد يقول: "إن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح" (٢). ويقول أيضا: "لما كان المسيحيون يعيشون في مجتمعهم آمنين على حياتهم وممتلكاتهم ناعمين بمثل هذا التسامح الذي منحهم حرية التفكير الديني تمتعوا وخاصة في المدن بحالة من الرفاهية والرخاء في الأيام الأولى من الخلافة". ٣) وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: "العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها سمح لهم جميعًا دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم وترك

стр. 152

المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أوليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال ومتى؟ ومن ذا الذي لم يتنفس الصعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ وبعد فظائع الأسبان واضطهاد اليهود. إن السادة والحكام المسلمين الجدد لم يزجوا أنفسهم في شئون تلك الشعوب الداخلية. فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: إنهم يمتازون بالعدل ولا يظلموننا البتة وهم لا يستخدمون معنا أي عنف" (١). ٤ - ويقول المستشرق ديورانت: "لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام". (٢) ثانيًا: السماحة في القجارة وقضاء الحق: وهذا أيضًا من سمات الدين الإسلامي حيث حث ﷺ على السماحة في البيع والشراء فقال: "رَحِمَ الله رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى" (٣). وهذا النص يشمل التعامل مع المسلم وغير المسلم، وفي هذا الحديث الحض على السماحة في المعاملة واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة، والحث على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم (٤). كما رغب وحث ﷺ على السماحة في القرض وإنظار العسر فقال: "تَلَقَّتْ المُلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالوا: أَعَمِلْتَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَال: آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا

стр. 153

المُعْسِرَ وَيَتَجَوَّزُوا عَنْ المُوسِرِ، قَال: فتَجَاوزُوا عَنْهُ" (١). وهذا دليل على أن السماحة اشتملت أمورًا كثيرة منها المجال الاقتصادي في البيع والشراء وهو أمر يتجدد يوميًا، مما يفصح أن التسامح ليس من الأمور النادرة بل يتجدد كل حينٍ. ثالثا: السماحة في درء الحدود: ينعق المعادون للإسلام بأن الحدود في الإسلام فيها شدة وهدر للدماء وتخلّف في تنمية الموارد البشرية، فليعلم هؤلاء أن إقامة الحدود الشرعية لا تنفذ إلا في نطاق محدود، فقد يظن بعض الناس أن إقامة الحدود في الإسلام كإقامة الصلاة في كثرتها، والحق أن أحكام الشريعة الإسلامية تعد بالمئات لكن عدد الحدود التي تقام هي سبعة: الحرابة (قطع الطريق)، والردة، والبغي، والزنا، والقذف، والسرقة، وشرب الخمر، وإذا نفذت فإنه لا يمكن ذلك إلا بعد مراحل وشروط (٢). وهذا من تمام حكمة الله تعالى ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة، كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وجعل الحجة التي يأخذهم بها، إما منهم وهي الإقرار، أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان ... وإما أن تكون الحجة من خارج عنهم، وهي البينة، واشترط فيها العدالة، وعدم التهمة، فلا أحسن في العقول والفطر من ذلك، ولو طلب منا الاقتراح لم تقترح أحسن من ذلك، ولا أوفق منه للمصلحة (٣). وها هي أمثلة تبين هذا الأمر وتوضحه، فعلى قلة تنفيذ الحد لهذه الجريمة فإنه منذ أن نزل حد الزنا لم نسمع في تاريخ أمة الإسلام أن أُقيم حد الزنا بتوافر أربعة شهود، وكذلك لم تحد امرأة حتى لو تمت عليها الشهادة كما في الملاعنة إذا لم تقر بهذه الجريمة فقد ثبت أن النبي ﷺ لم يقم الحد على المرأة في قصة الملاعنة وذلك: أَنَّ هِلَال بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظهْرِكَ، فَقَال: يَا رَسُولَ الله، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: الْبَيِّنَةَ أو حَدٌّ

стр. 154

فِي ظَهْرِكَ؟ فَقَال هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ فَلَيُنْزِلَنَّ الله مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الحدِّ فَنزلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا وَقَالوا إِنَّهَا مُوجِبَةٌ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ فَمَضَتْ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْإَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كتَابِ الله لَكَانَ لِي وَلهَا شَأْنٌ" (١). وحتى لو ثبتت جريمة الزنا بالاعتراف وأقيم حد الرجم فإن هذا الزاني الذي يرجم لو طلب منهم التوقف عن ذلك لإدلاء ما عنده ما يدفع عنه فينبغي أن يوقف الرجم ويُسمع منه هل ما يقوله يعتد به أم لا؟ وقد صح أن ماعز بن مالك فرّ حين وجد مسّ الحجارة ومسّ الموت فقال رسول الله ﷺ : "هَلَّا ترَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ الله عَلَيْهِ" (٢)؟ . وفي رواية: "فلما وَجَدَ مَسَّ الحجَار صَرَخَ بِنَا يَا قَوْمُ رُدُّونِي إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَإِنَّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرُّونِي مِنْ نَفْسِي وَأَخْبَرُونِي أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَيْرُ قَاتِلي فَلَمْ نَنزعْ عَنْهُ حَتَّى قتلْنَاهُ فَلَّما رَجَعْنَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ قَال: "فَهَلَّا ترَكْتُمُوهُ وَجِتْتُمُونِي بِهِ لِيَسْتَثْبِتَ رَسُوُل الله ﷺ مِنْهُ" (٣). وإذا وُجد أن أحد المسلمين له رغبة في الوقوع في هذه الجريمة أو ينوي فعلها فإنه ينصح ولا يؤخذ بنيته ولا يعاقب عليها. ولقد استخدم النبي ﷺ منهاجًا فريدًا في نصح الشاب الذي رغب في الزنا فأراد أن

стр. 155

يستأذن النبي ﷺ فقال له: "أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ، قَال: لَا وَالله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ قَال: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتهِمْ، قَال: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَال: لَا وَالله يَا رَسُولَ الله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ قَال: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتهِمْ قَال: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَال: لَا، وَالله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَال: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتهِمْ، قَال: أَفتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَال: لَا، وَالله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَال: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَاتهِمْ قَال: أَفَتُحِبُّهُ لخِالتِكَ قَال: لَا وَالله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ قَال: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لخَالاتهِمْ، قَال: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَال: اللهمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ" (١). وفي هذا الحديث تتجلى السماحة النبوية حيث لم تعاقب ذلك الشاب ولم تعنفه. مع أن الصحابة أرادوا أن يزجروه وينهروه عن ذلك لكن تلك السؤالات التي ألقاها المصطفى ﷺ على ذلك الشاب كانت درسًا عظيمًا له ولمن سمع تلك السؤالات. وكذلك حينما يقع الشخص في بعض المحرمات، فإن الأصل قبل الحد الستر عليه، وذلك عند شرب الخمر أو عندما يرى الزنى. فالقاعدة حديث رسول الله ﷺ : "مَنْ سَتَرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ سَتَرَ الله عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢). وكذلك أيضًا تدرء الحدود بالشبهات، وهي قاعدة فقهية مشهورة، وفي ذلك أثر صحيح عن ابن مسعود موقوفًا: "ادرءوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم" (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ فِي المُسْجِدِ فنادَاهُ فَقَال يَا رَسُولَ الله إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَال: "أَبِكَ جُنُونٌ" قَال: لَا قَال: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ" قَال نَعَمْ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ" (٤). ولما أتاه ماعز بن مالك يعترف له بالزنا قال له: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ"

стр. 156

قَال: لَا يَا رَسُولَ الله قَال: "أَنِكْتَهَا" لَا يَكْنِي قَال: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ (١). وفي رواية مسلم قال: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، طَهِّرْنِي فَقَال: "وَيْحَكَ ارْجعْ فَاسْتَغْفِرْ الله وَتُبْ إِلَيْهِ" قَال فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَال: يَا رَسُولَ الله طَهِّرْنِي فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "وَيْحَكَ ارْجعْ فَاسْتَغْفِرْ الله وَتُبْ إِلَيْهِ" قَال فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَال: يَا رَسُولَ الله طَهِّرْنِي فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَال لَهُ رَسُولُ الله: "فِيمَ أُطَهِّرُكَ" فَقَال مِنْ الزِّنَى فَسَأَل رَسُولُ الله ﷺ : "أَبِهِ جُنُونٌ؟ " فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَقَال: "أَشَرِبَ خَمْرًا؟ " فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ قَال: فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "أزَنَيْتَ" فَقَال: نَعَمْ "فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ" ... " (٢). ويستفاد من الحديث أنه لا يمكن إقامة الحد إلا بعد الاعتراف أربع مرات تعادل أربعة شهود، وأن الإمام يتأكد من سلامة عقل المعترف، وفيه أيضًا السماحة بقوله: ارجع فاستغفر الله وتب إليه.

стр. 157

المبحث السادس: الحقوق الإسلامية المطلب الأول: مقدمة عامة عن الحقوق ومزايا هذا الدين الإسلامي . إن قضية "الحقوق"، أشغلت العالم اليوم بجميع أممه ودوله ولا تزال، وهي قضية كبرى، جديرة بالبحث والدراسة، من وجهة النظر الشرعية الإسلامية، ذلك أن تسلط العالم الغربي، وفرض هيمنته الفكرية والإعلامية على كثير من دول العالم، وبخاصة العالم العربي والإسلامي، أدى إلى ضياع المفهوم الإسلامي لهذه القضية وغيرها، وأوجد انطباعًا لدى الناس بأنه لا طريق لنيل الحقوق إلا من خلال التبعية المقيتة لذلك العالم الغربي، والدخول طوعًا أوكرهًا ضمن أحلافه ومنظوماته، وتحمّل أصناف المهانة، من أجل الحصول على هذه الحقوق. لقد أصل الدين الإسلامي قضية الحقوق تأصيلًا شرعيًا متكاملًا، يتبين من خلال هذا الأمر أن مفهوم "الحقوق" يتضمن أربعة أمور أساسية هي: النص الشرعي، والقواعد أو المبادئ، وتنظيم العلاقات، والوجوب أو الإلزام، وبتطبيق هذه الأسس على ما جاء من آيات الحقوق في القرآن الكريم، نجد أن مفهوم "الحقوق" في القرآن، يشتمل على هذه الأمور نفسها، ولنأخذ مثالًا لذلك، آيات الحقوق في آخر سورة الأنعام، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. وتطبيق الأسس الأربعة على النحو الآتي: ١) النص الشرعي: وهو هذه الآيات القرآنية الجامعة.

стр. 158

٢) القواعد والمبادئ التي تتضمنها النصوص: فالآيات تتضمن حقوقًا كثيرة منها: حق الله، حق الوالدين، حق الحياة، حق اليتيم، حق الذمي وغير ذلك مما بينته الآيات. ٣) تنظيم علاقات الناس: فهذه القواعد جاءت لضبط حياة الناس في علاقة بعضهم ببعض، فهي تنظم علاقة الفرد بوالديه وأولاده وسائر فئات المجتمع، بل حتى مع المخالف في الدين، فله حق الوفاء بالعهد ونحوه. ٤) الوجوب والإلزام في تطبيق هذه المبادئ: فهذه المطالب جاءت بصيغة الأمر من الله تعالى، وهو في الأصل يقتضي الوجوب كما قرره أهل العلم، إضافة إلى أن الآيات الثلاث تضمنت في خاتمة كل واحدة منها؛ تأكيد الوجوب بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾: أي أمركم به وأوجبه عليكم. قال ابن كثير: يقول تعالى: هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم فيه. (١) كما أن هذه الحقوق هي واجبات شرعية ملزمة، فهي عبادات يؤجر على فعلها، ويحاسب على تضييعها، وهي تنظم في مجموعها علاقات الناس ومعاملاتهم وحياتهم الاجتماعية، فأصحاب هذه الحقوق هم فئات مختلفة من المجتمع مثل: الآباء والأمهات، الأيتام، الجيران، الأبناء، المرأة، وهكذا. ومن جهة أخرى: ترتبط هذه الحقوق بالضرورات، التي جاءت الشرائع بحفظها، ذلك أن مصالح الناس الدنيوية والأخروية، إنما تكون بحفظ مقاصد الشريعة ومنها هذه الضرورات، فهي من الدين المشترك بين الأنبياء، ويدل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]

стр. 159

وفي هذا دلالة واضحة على أن كافة الشرائع، جاءت بحفظ تلك الضرورات، وهي قاعدة عظيمة لحفظ حقوق الأفراد والمجتمعات العامة والخاصة، ففي حفظ الدين مثلًا، إعطاء لحق التدين والعبادة، وفي حفظ النفس منح لحق الإنسان في الحياة، وفي حفظ النسل، تأكيد لحق الإنسان في التزوج، وحفظ المال يتضمن حق الإنسان في التملك والسعي في الأرض وممارسة أنواع المعاملات كالبيع والشراء والشراكة والتجارة، ونحوها، وحفظ العقل فيه حق الحرية في التفكير والتدبر، وهكذا. ومما يؤصل مسألة "الحقوق" في القرآن والسنة، كثرة الفئات التي راعى القرآن والسنة حقوقها، إضافة إلى تعدد أنواع الحقوق، كما سنبين بالتفصيل. من خلال ما سبق بيانه في مفهوم "الحقوق" وتأصيله في القرآن الكريم، يمكن أن نستشف معالم مهمة، وخصائص مميزة، لمبادئ "الحقوق في الدين الإسلامي" فمن ذلك: ١) أن مصدرها الوحي المتمثل في القرآن والسنة النبوية، فهي منحة ربانية، أوجبها الله للإنسان، فهي ليست من مخلوق لبشر مثله، يمنّ بها عليه متى شاء، أو يمنعها إذا شاء، كلّا، بل هي فرض لازم وحق واجب، من الخالق سبحانه لبني الإنسان. وقد أشارت الآيات إلى هذا في عدة مواضع كما تقدم في مثل قوله تعالى: (ذلكم وصاكم به) وقوله: (فريضة من الله) وقوله: (وقضى ربك) وغيرها. ٢) أنها تنبع من التكريم الإلهي للإنسان، الذي أكدته النصوص القرآنية الصريحة الواضحة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] وغيرها. ولذا فإن القيام بهذه الحقوق، هو جزء من دين المسلم وعبوديته لله تعالى، وأمر مستقر في فطرة الإنسان التي فطره الله عليها. ٣) أنها شاملة لجميع أنواع الحقوق: الاجتماعية، والمالية، والسياسية، والشخصية، وغيرها، كما أنها عامة لكل أصناف المجتمع، ولجميع أفراده، حتى المخالفين منهم، كما تقدم ذكره آنفًا. ٤) أنها ثابتة لا تقبل الإلغاء ولا التبديل ولا التغيير، لأنها جزء من الدين، ولأنها فرض من رب العالمين، الذي حفظ دينه عامة، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ

стр. 160

لَحَافِظُونَ (٩)﴾ فهو باقٍ إلى قيام الساعة، وهو صالح لكل زمانٍ ومكان، بينما وثائق البشر عرضة للنقض والتعديل في كل وقت وحين. ٥) أنه ٤ يترتب على أدائها الجزاء والثواب، وعلى التقصير فيها: الحساب والعقاب، ذلك أنها واجبة ملزمة، يؤكد ذلك بجلاء قول النبي: "لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (١). ٦) أنها أحيطت بضمانات لحمايتها من الانتهاك، تتلخص في: أ) إقامة الحدود الشرعية، التي من مقاصدها: المحافظة على حقوق الأفراد، وحفظ الضرورات الخمس. ب) تحقيق العدالة المطلقة التي أوجبها الله على عباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. إلى غير ذلك من الخصائص التي تميز منهج "الحقوق في الدين الإسلامي"، وتؤكد تفرده بالصلاحية المطلقة: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]. (٢) المطلب الثاني: ذكر بعض هذه الحقوق بشيء من التفصيل، وهي كما يلي: ١ - حق الله تعالى على العباد. ٢ - حق النبي ﷺ على أمته ٣ - حق الأنبياء والمرسلين. ٤ - حق القرآن. ٥ - حقوق آل البيت. ٦ - حق العلماء. ٧ - حق الحاكم. ٨ - حق الحياة.

стр. 161

٩ - حقوق الوالدين. ١٠ - حقوق الزوج. ١١ - حق المرأة. ١٢ - حق الطفل. ١٣ - حق الميت على أهله. ١٤ - حق الأخوة. ١٥ - حق الجنين. ١٦ - حق الجسد. ١٧ - حق المريض. ١٨ - حق اللسان. ١٩ - حق اليتيم. ٢٠ - حق الضيف. ٢١ - حق الجوار. ٢٢ - حق الخادم والمملوك. ٢٣ - حق الدواب. ٢٤ - حقوق الطريق. ٢٥ - حق اللجوء. ٢٦ - حقوق الذميين. وإليك تفصيلها.

стр. 162

١ - حق الله تعالى على العباد وهذا الحق هو أعظم الحقوق على الإطلاق، وأجلها قدرًا، وهو يدور على أصلين: الأول: توحيده . الثاني: عبادته سبحانه لا شريك له. فعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَال: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَال لَهُ عُفَيرٌ، فَقَال: يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ الله عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله؟ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: فَإِنَّ حَقَّ الله عَلَى الْعِبَادِ؛ أَنْ يَعْبُدُوهُ؛ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى الله أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَال: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا" (١). قال ابن حجر: قَوْله (أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا): المُرَاد بِالْعِبَادَةِ عَمَلُ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ المُعَاصِي وَعَطَفَ عَلَيْهَا عَدَمَ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ تَمَامُ التَّوْحِيدِ، وَالحكْمَةُ فِي عَطْفِهِ عَلَى الْعِبَادَة أَنَّ بَعْضَ الْكَفَرَةِ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الله وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً أخْرَى فَاشْتَرَطَ نَفْي ذَلِكَ، والمراد من حق الله على عباده، ما يستحقه الله على عباده مما جعله عليهم، وقال القرطبي: وحق الله على العباد هو ما وعدهم به من الثواب وألزمهم إياه بخطابه (٢). أولًا: توحيد الله : أعلى وأغلى الحقوق على الإطلاق، وهو الذي خلق الله الخلق لأجله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، هذا مع قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا﴾ [النحل: ٣٦]، وبذلك يكون معنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله. قال الإمام البقاعي: (لا إله إلا الله) أي: انتفى انتفاءًا عظيمًا أن يكون معبودًا بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعًا إذا كان الإذعان والعمل بما تقتضيه، إلا فهو جهل

стр. 163

صرف، وقد دل كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة (١). قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وفي حديث جبريل: (الْإِيمَانِ أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (٢). وهذه الأصول الستة يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، وفي أمر المعاد وغير ذلك من أمور الغيب. و الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: ١ - الإيمان بوجود الله: فوجود الله من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته ويهتدي إليها بطبيعته، وليس من مسائل العلوم المعقدة، ولا من حقائق التفكير العويصة، ولولا أن شدة الظهور قد تلد الخفاء، ولقتراب المسافة جدًّا قد يعطل الرؤية ما اختلف على ذلك مؤمن ولا ملحد ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. ٢ - الإيمان بربوبيته: ومعنى الرب: أي: الخالق والمالك والمدبر، فهذا معنى ربوبية الله ، ولا يغني واحد من هذه الثلاثة عن الآخر، فهو الخالق الذي أوجد الأشياء من عدم ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، والمالك أي: خالق الخلق وانفرد بملكه له، كما انفرد بخلقه له، كذلك أيضًا منفرد بالتدبير، فهو المدبر لجميع الأمور، وهذا بإقرار المشركين فإنهم إذا سئلوا من يدبر الأمور؟ فسيقولون: الله، فهو المنفرد بالتدبير ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥].

стр. 164

٣ - الإيمان بألوهيته: الإيمان بأنه سبحانه هو الإله الحق، وأنه لا يشاركه أحد في هذا الحق لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولهذا كانت دعوة الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هي الدعوة إلى قول (لا إله إلا الله)، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ولو أن أحدًا آمن بوجود الله وآمن بربوبيته، ولكنه يعبد مع الله غيره فلا يكون مؤمنًا حتى يفرده سبحانه بالألوهية. ٤ - الإيمان بأسمائه وصفاته: الواردة في كتابه العزيز والثابتة عن الرسول الأمين ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف مع الإيمان بما دلت عليه هذه المعاني العظيمة التي هي أوصاف الله ، يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النحل: ٧٤]. الأمر الثاني: من حقوق الله علينا: عبادته سبحانه لا شريك له: والعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار، والمنافقين، والإحسان إلي الجار، واليتيم والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء، والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله. ذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وبها أرسل جميع الرسل، وذم

стр. 165

المستكبرين عن عبادته، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، والدين كله داخل في العبادة، وقد ثبت في الصحيح، أن جبريل لما جاء إلي النبي ﷺ في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا"، وفي قوله: "قال ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، ثم قال في حديث آخر (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) (١). فجعل هذا كله من الدين، والدين يتضمن معنى الخضوع، والذل، يقال: دنته فدان، أي: أذللته فذل، يقال يدين الله ويدين لله أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له. فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له وتتضمن العبادة معنى الذل والحب بغاية المحبة له (٢). ٢ - حق النبي ﷺ على أمته ١ - الإيمان به ﷺ -: فالإيمان به من أركان الإيمان التي يجب على المسلم الإيمان بها، ومن هذه الأركان الإيمان بالرسل، وهو رسول من أولئك الرسل عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم، قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]، وقد أخبر بوجوب الإيمان به فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (٣). ومن الإيمان به التصديق الجازم الذي لاشك فيه بأن رسالته ونبوته هي حق من عند الله تعالى، والعمل بمقتضى ذلك، والتصديق بأن كل ما جاء به من الدين وما أخبر به عن الله تعالى حق صحيح، ولابد من تصديق ذلك بالقلب واللسان، فلا يكفي الإيمان به باللسان، والقلب مُنْكِر لذلك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. ٢ - محبته ﷺ -: وهذا حق من حقوقه على أمته، وواجب عليهم أيضًا، فينتفي الإيمان

стр. 166

بعدم محبة النبي ﷺ ، فقد أوجب الله محبة نبيه في كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وقال ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (١). وقال ﷺ : "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ" (٢). ٣ - طاعته ﷺ وامتثال أمره: طاعته ﷺ واجبة بكتاب الله ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠]. قال ابن كثير: يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به والمعاندين له، وأن لا يتركوا طاعته ﷺ ، بل امتثلوا أمره، واتركوا زواجره بعدما علمتم ما دعاكم إليه من الحق، قال ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: يا رسول الله، ومن يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٣). وقال ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته ويقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" (٤). ومما يدل على عظم شأن طاعته أن الله تعالى قرن طاعته سبحانه بطاعة نبيه فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وقال ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع الله

стр. 167

ومن عصاني فقد عصى الله" (١). ولابد من الحذر كل الحذر من مخالفة أمره وأن ذلك مما يحبط الأعمال ويوجب النيران، فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن: ٢٣]، فمن طاعته التمسك بسنته وما أمر به واجتناب ما نهى عنه والابتعاد عنه والاهتداء بهديه، والالتزام بنظافة الثوب والبدن، وتحري الصدق في الأقوال والأفعال، وطلب الحلال في المأكل، والمشرب، والملبس، والنكاح، واجتناب الحرام في ذلك. وغير ذلك من الأمور التي ينبغي على المسلم متابعتها والعمل بها مما أمر بها النبي، واجتناب ما نهى عنه من أعمال وأفعال قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا" (٢). ٤ - اتباعه ﷺ -: ومما يجب على المؤمن اتباع نبيه، واتباعه ﷺ يكون في الاعتقاد والقول، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]، فلا بد للمسلم من اتباع هدي نبيه، واقتفاء آثره والعمل بما جاء به من قول وفعل. وقال ابن رجب الحنبلي: وقوله: "فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" (٣)، هذا إخبار منه بما سيقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، ويجب على المسلم رد كل قول لقوله، وترك كل تشريع لشرعه والإعراض عن كل ما خالف هديه في القول والعمل والاعتقاد، والأخذ بكل ما صح عنه وثبت نسبته إليه فهو ﷺ أعلم الناس بربه تعالى وأخشاهم وأتقاهم له فيجب التمسك بما جاء به واتباع ذلك بلا تردد ولا شك لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى وإنما يعلمه ربه ،

стр. 168

فالواجب على المؤمن اتباع النبي ﷺ في العقيدة والعبادة والسلوك فهذا هو طريق النجاة يوم القيامة بإذن الله ﵎ ومن خالف ذلك فسيلقي به إلى النار والعياذ بالله (١). ٥ - الاقتداء به ﷺ -: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فلقد أمر الله جل وعلا نبيه بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء والرسل. وأمرنا نحن باتباع النبي والاقتداء به فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]، أي أن لكم فيه قدوة صالحة في أفعاله وأقواله فاقتدوا به، فمن اقتدى به وتأس به سلك الطريق الموصل إلى كرامة الله وهو الصراط المستقيم، فهو ﷺ الأسوة الحسنة التي يوفق للاقتداء بها من كان يرجو الله واليوم الآخر، لما معه من الإيجار والخوف من الجبار سبحانه، ولما يرجو من ثواب ربه، وما يخشاه من عقابه وعذابه، فكل ذلك حافز، ودافع للاقتداء به في أقواله وأفعاله وأحواله. ٦ - توقيره ﷺ وتعظيم شأنه: توقيره من آكد حقوقه على أمته قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩] فيجب توقيره ﷺ وإجلاله وتعظيمه، كما ينبغي له ذلك على ألا يُرفع إلى مقام العبودية فإن ذلك محرم لا يجوز ولا ينبغي إلا لله . ومن توقيره ﷺ تعظيم شأنه احترامًا، وإكبارًا لكل ما يتعلق به من اسمه وحديثه، وسنته وشريعته، وآل بيته، وصحابته - رضوان الله عليهم - وكل ما اتصل به ﷺ من قريب أو بعيد. فيُرفع من قدره حتى لا يساويه ولا يدانيه أحد من الناس. فمن توقيره ﷺ عدم التقدم بين يديه مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أي لا تقولوا قبل قوله وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا، فلا يحل لأحد أن يسبقه بالقول ولا برأي ولا بقضاء بل يتعين عليهم أن يكونوا تابعين له ﷺ . وقال جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 169

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]، فهذا نهي من الله بعدم رفع الصوت عند مخاطبة النبي، ولا يجهر المخاطب له بالقول بل يخفض الصوت ويخاطبه بالأدب ولين الجانب ويخاطبه بالتعظيم والتكريم والإجلال والإعظام. ٧ - وجوب النصح له ﷺ -: قال ابن رجب (١): وأما النصيحة للرسول في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته، وأما بعد موته، فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاقه وآدابه وتعظيم أمره ولزوم القيام به وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته والغضب على من صنعها لأثرة دنيا وإن كان متدينًا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة، أو صهر، أو هجرة، أو نصرة، أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ولباسه، والإيمان به وبما جاء به، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه ..... ونحو ذلك. ومن النصيحة له ﷺ الذب عن شريعته وحمايتها بألا يزيد فيها أحد ما ليس فيها، أو أن ينتقصها أحد، فيحارب أهل البدع القولية والفعلية والعقدية، كل حسب بدعته، وكذلك احترام أصحابه وتعظيمهم ومحبتهم، لأنهم خير القرون فلا يجتمع حب رسول الله والنصح له وبغض أصحابه أو أحد منهم، فمن سب الصحابة فقد قدح في الدين، لأنهم هم الذين بلغوا دين الله بعد وفاة نبيه وفي ذلك قدح لله وسب له، وتشكيك في حكمته تعالى، فالله جل وعلا قد اختار لنبيه ولحمل دينه من هم أهل لذلك لأن الله تعالى تكفل بحفظ دينه، وهيئ له من العلماء من يبلغوه إلى الناس، فالأمة لا تجتمع على ضلالة. فمن النصح له محبة أصحابه لأنهم هم الذين بلغوا عنه هذا الدين، فرضي الله عنهم أجمعين. فاللهم صلي وسلم وزد وبارك على نبينا محمد ما غرد طير وصاح، وصلي على محمد ما أظلم ليل وأشرق صباح.

стр. 170

٨ - محبة أهل بيته وصحابته ﵃ -: إن محبة أهل بيت رسول الله، ومحبة أصحابه ﵃، كل ذلك من محبته، وهي محبة واجبة فمن أبغض أحدًا من أهل بيت النبي أو أحدًا من صحابته الكرام ﵃، فقد أبغض النبي ﷺ ، لأن محبته مقرونة بمحبتهم. قال ﷺ : "أذكركم الله في أهل بيتي" (١). وقال ﷺ لأم سلمة: "لا تؤذيني في عائشة" (٢). وقوله في صحابته: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" (٣). وقوله: "لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٤). ٩ - الصلاة عليه ﷺ -: ومن حقه على أمته أن يصلوا عليه كلما ذكر ﷺ ، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. قال ابن كثير: أي أن الله تعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه ثم أمر أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع عليه الثناء عليه من أهل العالمينِ: العلوي والسفلي جميعًا (٥). فالصلاة والسلام عليه واجبة على كل مؤمن ومؤمنة لما في ذلك من الأجر العظيم من الله ﷻ ولما في ذلك أيضًا من طاعة لله تعالى عندما أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه. قال النووي: إذا صلي على النبي فليجمع بين الصلاة والتسليم - أي ليقل ﵊ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾. وعن ابن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها

стр. 171

عشرًا" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصلي عليّ (٢). ٣ - حق الأنبياء والمرسلين: ١ - الإيمان بهم: فالإيمان بالأنبياء والمرسلين أصل من أصول الإيمان، قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤]. والكفر بهم كفر بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠: ١٥١]. ٢ - الإيمان بمعجزاتهم: المعجزة: هي الأمر الخارق للعادة، يظهره الله تعالى على يد من يشاء من عباده مقرونةً بالتحدي عند دعوى النبوة، هذا وقد أيد الله تعالى كل رسول منهم بمعجزات خارقة للعادة، كناقة صالح ونار إبراهيم، وعصا موسى ويده البيضاء، وفلق البحر وتفجير الماء من الحجر، وكإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى، وكانشقاق القمر لسيدنا محمد ﷺ ، ونبع الماء من يده الشريفة، وتكثير الطعام والشراب، وتكليم الجمادات له صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ٣ - الاعتقاد بعصمتهم: حياة الأنبياء تحلق في مستوى من الكمال لا تهبط عنه أبدًا، والمؤمن من عامة الناس تتذبذب حرارته في مدارج الارتقاء، ويعتبر الحد الأسمى الذي يقف عنده هو مقام الإحسان وهو (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، بيد أن مقام الإحسان

стр. 172

وهو آخر ما يصل إليه الناس بعد الجهد والمران، هو المرتبة الدنيا للأفق الذي يعيش فيه الأنبياء، إذ يستحيل في حقهم أن يسقطوا دونه، وقد قرر علماء المسلمين أن العصمة واجبة لرسل الله كافةً، فلا يليق أن تصدر عن أحدهم كبيرة لا قبل البعثة ولا بعدها (١). ٤ - الشهادة لهم بأنهم قد بلغوا أممهم: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال القرطبي: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطًا، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخْدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسولُ الله ﷺ : "يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَال لأمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وأمَّتُهُ فتشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢). ٥ - الإيمان بالكتب المنزلة عليهم: إن معنى الإيمان بالكتب الإلهية الذي هو جزء من عقيدة المؤمن: التصديق الجازم بما أوحى الله تعالى من كلامه الخاص إلى من اصطفى من رسله ﵈، فجمع ودون فكان صحفًا مطهرةً، وكتبًا قيمةً، فما عرف منها آمن به المؤمن تفضيلًا، وما لم يعرف آمن به إجمالًا، والمصدر الوحيد الذي يرجع إليه في معرفة الكتب الإلهية بالتفضيل هو القرآن الكريم وحده، إذ هو الكتاب المحفوظ حفظًا، لا يتطرق إليه معه الزيادة والنقص ولا التحريف ولا التغيير أو التبديل بحال من الأحوال. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾

стр. 173

[الحديد: ٢٥]، وقال : ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. ٦ - محبتهم، وإزالة الشبهات التي افتريت عليهم: من علامات المحبة لأنبياء الله ورسله: إماطة اللثام عما دار حولهم من مفتريات وأوهام، فلقد تعرض الأنبياء على مر العصور والدهور لحملات غاشمة ظالمة، وألصقت بهم التهم، ودارت حولهم مفتريات في محاولة شيطانية صهيونية للنيل من مكانهم، والحط من شأنهم، ولم يسلم نبي من ذلك حتى رسولنا الأمين ﷺ ﴿مَا يُقَال لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]. ٤ - حق القرآن أولًا: فضل تلاوة القرآن وحملته: قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". (١) وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو عليه شديد فله أجران". (٢) وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر". (٣) ثانيًا: حقوق القرآن الكريم: ولهذا الكتاب حقوق علينا ينبغي أن نعلمها ونراعيها مع القرآن الكريم

стр. 174

١ - الإيمان به: فالإيمان بالكتب المنزلة أصل من أصول الإيمان، فمن كفر بكتاب منزل كفر كفرًا يخرجه من الملة والعياذ بالله. قال : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. ونؤمن بأن القرآن الكريم كلام الله منه بدأ وإليه يعود بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال : ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]. علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه بقول البشر. (١) ٢ - مراعاة آداب تلاوته: ولتلاوة القرآن آداب ظاهرة وباطنة، فمن الآداب الظاهرة للتلاوة: الأول: في حال القارئ: وهو أن يكون على الوضوء واقعًا على هيئة الأدب والسكون إما قائمًا وإما جالسًا مستقبل القبلة مطرقًا رأسه ولا متكئ ولا جالس على هيئة التكبر. الثاني: في مقدار القراءة: وللقراءة عادات مختلفة في الاستكثار والاختصار فمنهم من يختم القرآن في اليوم والليلة مرة وبعضهم مرتين وانتهى بعضهم إلى ثلاث ومنهم من يختم في الشهر مرة، .... ، والتفصيل في مقدار القراءة أنه إن كان من العابدين السالكين طريق العمل فلا ينبغي أن ينقص عن ختمتين في الأسبوع، وإن كان من السالكين بأعمال القلب وضروب الفكر أو من المشتغلين بنشر العلم فلا بأس أن يقتصر في الأسبوع على مرة، وإن كان نافذ الفكر في معاني القرآن فقد يكتفي في الشهر بمرة لكثرة حاجته إلى كثرة الترديد والتأمل. الثالث: في كتابة القرآن: يستحب تحسين كتابة القرآن وتبيينه. الرابع: الترتيل: هو المستحب في هيئة القرآن؛ لأن المقصود من القراءة التفكر والترتيل

стр. 175

مُعِينٌ عليه، وقال ابن عباس ﵄: لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إليّ من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرًا، واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحب له في القراءة أيضًا الترتيل والتؤدة لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيرًا في القلب من الهذرمة والاستعجال. (١) الخامس: البكاء: وهو مستحب مع القراءة، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ لما قرأ عليه عبد الله بن مسعود ﵁ من أول سورة النساء حتى وصل إلى قوله ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]. وإنما طريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن فمن الحزن ينشأ البكاء، .... ، ووجه إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره فيحزن لا محالة ويبكي فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد الحزن والبكاء فإن ذلك أعظم المصائب. السادس: أن يراعي حق الآيات: فإذا مر بآية سجدة سجد، وكذلك إذا سمع من غيره سجدة سجد إذا سجد التالي، ولا يسجد إلا إذا كان على طهارة. السابع: في الجهر بالقراءة: ولا شك في أنه لا بد أن يجهر به إلى حد يسمع نفسه، إذ القراءة عبارة عن تقطيع الصوت بالحروف، .... ، والإسرار أبعد عن الرياء والتصنع فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه فإن لم يخف ولم يكن في الجهر ما يشوش الوقت على مصل آخر فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته أيضًا تتعلق بغيره فالخير المتعدي أفضل من اللازم، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه ويصرف إليه سمعه، ولأنه يطرد النوم في رفع الصوت ولأنه يزيد في نشاطه للقراءة ويقلل من كسله. (٢) الثامن: أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لقوله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ

стр. 176

فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾، وفي أثناء القراءة إذا مر بآية تسبيح سبح وكبر، وإذا مر بآية دعاء واستغفار دعا واستغفر، ... ، قال حذيفة: صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، وإذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل. (١) التاسع: تحسين القراءة وترتيلها: بترديد الصوت بلا تمطيط مفرط يغير النظم لقوله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٢)، واستمع ﷺ مرة إلى أبي موسى الأشعري ﵁ فقال: لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير داود. (٣) ومن الآداب الباطنة: الاْول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله ولطفه بخلقه حيث أوصل إليهم معاني كلامه بكل يسر وسهولة. الثاني: التعظيم للمتكلم، فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه، عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشيَ عليه ويقول: هو كلام ربي هو كلام ربي. الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس، .... ، قيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحب إليّ من القرآن حتى أحدث به نفسي؟ . الرابع: التدبر: وهو وراء حضور القلب؛ قال علي ﵁: لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها، وعن أبي ذر ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي قوله ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (٤). الحق الثالث: العمل به وتطبيق أحكامه: فلقد أنزل الله الكتاب بالحق والميزان ليقوم الناس بالقسط ... وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ... وفرض على المسلمين ما فيه

стр. 177

من أحكام، قال ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. ٥ - حقوق آل البيت ﵈: اختلف أهل العلم في تعريف من هم آل البيت وأصح ما قيل في ذلك قولان الأول: من تحرم عليهم الصدقة وهو منصوص الشافعي وأحمد وجمهور أصحابهما. والقول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة (١). لآل البيت عند أهل السنة والجماعة حقوق وواجبات: ١ - منها: حق الموالاة والمحبة، فتجب محبتهم لإيمانهم، وتجب محبتهم لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، حيث قال النبي ﷺ : "أذكركم الله في أهل بيتي" (٢)، ولقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾ [الشورى: ٢٣]. وهذه الآية لها معنيان: أحدهما السابق، والآخر: أن تحبوني لقرابتي فيكم، فإنه لا يخلو بطن في قريش إلا وله صلة قرابة به ﷺ . ٢ - ومنها: حق الدفاع عنهم، وتبرئة ساحتهم مما ينسب إليهم كذبًا وزورًا، والدفاع عنهم لا يعني مجرد الرد على من يسبهم، بل يشمل ذلك، ويشمل الرد على من غلا فيهم، وأنزلهم فوق منزلتهم، فإن ذلك يؤذيهم. ٣ - ومنها: مشروعية الصلاة عليهم، وذلك في عقب الأذان، وفي التشهد آخر الصلاة، وعند الصلاة على النبي ﷺ فقد جاء في هذا عدة نصوص، كما جاء في الحديث لما سئل النبي عن كيفية الصلاة عليه في الصلاة؟ قال: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميا مجيد، والسلام كما قد علمتم) (٣).

стр. 178

فالصلاة على آله من تمام الصلاة عليه وتوابعها؛ لأن ذلك مما تقرُّ به عينه، ويزيده الله به شرفًا وعلوًا. ٤ - ومن حقوق آل البيت عند أهل السنة، حقهم من الخُمس، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١] وقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]، لكنّ أهل السنة - بخلاف الشيعة - يقولون: إنهم يعطون من خمس الغنائم، وليس من خمس الأموال، فليس في الإرث خمس، وكذا في المسكن والسيارة وغيرها، لأن الله يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] فقال: مِنْ شَيْءٍ ولم يقل: من أموالكم. ففي الخمس سهم خاص بذي القربى، وهو ثابت لهم بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وهو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح. قال ابن تيمية: "فآل بيت النبي لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقًّا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله" (١). ٥ - ومنها: اليقين الجازم بأن نسب رسول الله وذريته هو أشرف أنساب العرب قاطبة، فإن النبي ﷺ يقول: "إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٢). ٦ - ومن هذه الحقوق: تحريم الزكاة والصدقة عليهم؛ وذلك لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ؛ فقد قال رسول الله: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل

стр. 179

لمحمد ولا لآل محمد" (١). قال ابن تيمية: "وأما تحريم الصدقة فحرمها عليه وعلى أهل بيته تكميلًا لتطهيرهم، ودفعًا للتهمة عنه، كما لم يورث، فلا يأخذ ورثته درهمًا ولا دينارًا" (٢). ٦ - حق العلماء: إن مكانة العلماء في الإسلام مكانة عالية وغالية، فلقد رفع الإسلام شأنهم، وأعلى قدرهم، وصان حقهم، نطقت بذلك آيات القرآن والأحاديث والآثار. فمن الآيات: قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ومن الأحاديث: ١ - عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٣) ٢ - وعن أبي الدرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ : "فَضْلَ الْعَالمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ". (٤) ومن الآثار: سئل ابن المبارك: من الناس؟ فقال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قال: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين. وقال يحيى بن معاذ الرازي: العلماء أرحم بأمة محمد ﷺ من آبائهم وأمهاتهم قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا وهو يحفظونهم من نار الآخرة. (٥)

стр. 180

وعليه فحقوق العلماء علينا كثيرة نذكر منها الآتي: الحق الأول: أن نحفظ مكانتهم، ونتأدب معهم: فالتأدب مع العلماء من تعظيم العلماء تعظيم لشعائر الله وقد قال : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والشعيرة: هي كل ما أشعر الله بتعظيمه من أعلام الدين وتوقير حملته وحماته فهذا من توقير الله ، وقد قال ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، قال سعيد بن جبير: "ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته". (١) وهذه جملة من الآداب التي ينبغي أن نتحلى بها مع العلماء: ليكن شيخك محلَّ إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الآداب مع شيخك فيجلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ومع الكتاب، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنبا الإكثار من السؤال، لاسيما مع شهود الملأ، فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل. ولا تناده باسمه مجردًا، أو مع لقبه كقولك: يا شيخ فلان! بل قل: يا شيخي أو شيخنا! فلا تسمه، فإنه أرفع في الأدب ولا تخاطبه بتاء الخطاب، أو تناديه من بعد من اضطرار، وانظر ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير ﷺ في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] والتزم توقير المجلس، وإظهار السرور من الدرس والإفادة به، وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالمًا؟ ). (٢) وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "إن من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال ولا تعنته في الجواب وأن لا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا نفشين له سرًّا ولا
следующие страницы →