← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا، وَمنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى المُسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا." (متى ١/ ١٧). لكن متى لم يوف بالأرقام التي ذكرها، إذ لم يذكر بين المسيح والسبي سوى اثني عشر أبًا. وقد تصرف متى في المجموعة الثانية، فأسقط عددًا من الأسماء ليحافظ على الرقم ١٤، فأسقط ما بين يورام وعزيا ثلاثة آباء، هم أخزيا بن يورام وابنه يواشى وابنه أمصيا والد عزيا. (١) والسؤال كيف يجمع علماء الكتاب المقدس بين تناقضات أنساب المسيح؟ قال بعضهم: "لا يراد من هذا شجرة نسب كامل ... أسماء قد سقطت من بعض الإنجيليين، وهذا للتوضيح الموصل إلى الرغبة بإثبات سلالة مؤسسة على الصحة التاريخية في خطوطها العريضة أو عناصرها الأساسية". ولكن بوكاي لا يرى هذا التبرير مقبولًا؛ لأن النصوص لا تسمح بمثل هذا الافتراض، إذ أن نص التوراة الذي اعتمد عليه الإنجيليون يقول: فلان في عمر كذا أنجب كذا، ثم عاش كذا من السنين، وهكذا فليس ثمة انقطاع. ويقول صاحب كتاب "شمس البر": "معرفتنا بطريقة تأليف جداول النسب في تلك الأيام قاصرة جدًّا"، ويعلق بوكاي: "لا شك أن نسب المسيح في الأناجيل قد دفع المعلقين المسيحيين إلى بهلوانيات جدلية متميزة صارخة تكافئ الوهم والهوى عند كل من لوقا ومتى". (٢) لكن النتيجة الخطيرة والمهمة المترتبة على وجود هذا التناقض هي: أن إنجيل متى لم يكن معروفًا للوقا مع أنه قد سبقه بنحو عشرين سنة، ولو كان لوقا يعرفه، أو يعتبره إنجيلًا مقدسًا لراجعه ولما خالفه، فدل ذلك على عدم وجود إنجيل متى يومذاك، أو إسقاط الاعتبار له. (٣) ثم ماذا عن يوحنا ومرقس لم أهملا نسب المسيح، فلم يذكراه؟ هل يرجع ذلك لشكهما في صحة متى ولوقا أم خوفًا من سخرية اليهود أم ..... ؟ . (٤)

стр. 1157

٢ - أسماء التلاميذ الاثني عشر ومن التناقضات بين الأناجيل أيضًا اختلاف الأناجيل في أسماء التلاميذ الاثني عشر، إذ يقدم العهد الجديد أربع قوائم للتلاميذ الاثني عشر تختلف كل واحدة عن الأخرى، وبيانه: أن أسماء التلاميذ ذكرها متى في إنجيله (١٠/ ١ - ٤)، ومرقس أيضًا (انظر ٣/ ١٦)، وذكرها لوقا في إنجيله في (٦/ ١٤) ثم في أعمال (١/ ١٣). وتتشابه القوائم الأربعة في عشرة أسماء وهي سمعان بطرس، وأخوه اندرواس، ويعقوب ابن زبدي، وأخوه يوحنا، وفيلبس، وبرثو لماوس، وتوما، ومتى، ويعقوب بن حلفي، وسمعان القانوي أو الغيور. ويتفق متى ومرقس ولوقا على ذكر يهوذا الأسخريوطي، فيما أهمل في أعمال الرسل، وهو ما يمكن أن نعتبره توافقًا، إذ قد أهمل ذكر التلميذ الخائن. وأما الاسم المكمل للإثني عشر، فيذكر متى ومرقس اسم لباوس الملقب: تداوس، فيما يذكر لوقا في إنجيله وأعمال الرسل يهوذ ابن حلفي. ولا يمكن أن يكون لهذا التلميذ هذه الأسماء الثلاثة؛ لأنه كما في تعليق الآباء اليسوعيين على (متى ١٠/ ٣): "يستبعد أن تكون هذه الأسماء المختلفة قد أطلقت على شخص واحد؛ لأن هذه الأسماء الثلاثة هي سامية كلها، حين كان لشخص واحد اسمان في ذلك الزمان؛ كان أحدهما يهوديًّا، والآخر يونانيًا أو رومانيًا. إن التقليد الذي حافظ بثبات على عدد الرسل الاثني عشر لم يتردد إلا على اسم واحد منهم". وإذا كانت الأناجيل تختلف بأمر بمثل هذه الأهمية والوضوح، فكيف لنا أن نثق بما وراء ذلك من أخبار ووقائع وتفصيلات تعرضها عن حياة المسيح وغيره. (١) ٣ - من الذي طلب الملكوت، الأم أم ابناها ؟ ومن تناقضات الأناجيل أيضًا ما تناقض فيه متى مع مرقس، فقد ذكر متى أنه

стр. 1158

"حِينَئِذٍ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا، وَسَجَدَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَال لَهَا: "مَاذَا تُرِيدِينَ؟ " قَالتْ لَهُ: "قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ". فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَال: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ .... " (متى ٢٠/ ٢٠ - ٢٣). وفي مرقس تذكر القصة نفسها وبنفس حيثياتها, لكن الذي طلب الملكوت هما الابنان، وليس أمهما، يقول مرقس: "وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبْدِي قَائِلَيْنِ: "يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا". فَقَال لَهُمَا: "مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ لَكُمَا؟ " فَقَالا لَهُ: "أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ". فَقَال لَهُمَا يَسُوعُ: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ" (مرقس ١٠/ ٣٥ - ٣٨). يقول جون فنتون في تفسيره لإنجيل متى: لقد أحدث متى بعضًا من التغيرات والحذف لما في إنجيل مرقس، وأهم ما في ذلك، أنه بينما في إنجيل مرقس نجد أن التلميذين نفسيهما يطلبان من يسوع، إذ بأمهما هي التي تطلب منه حسب رواية متى. (١) ٤ - هل أوصى المسيح تلاميذه بأخذ العصا أم أوصاهم بتركها ؟ ومن التناقضات أن مرقس يذكر وصية المسيح لتلاميذه بعد أن أعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة فقال: "وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ غَيْرَ عَصًا فَقَطْ، لَا مِزْوَدًا وَلَا خُبْزًا وَلَا نُحَاسًا فِي المنْطَقَةِ. بَلْ يَكُونُوا مَشْدُودِينَ بِنِعَال، وَلَا يَلْبَسُوا ثَوْبَيْنِ." (مرقس ٦/ ٨ - ٩). لكن الوصية في لوقا تتفق مع مرقس في أمور وتختلف في أخرى فقد جاء فيها: "وَأَرْسَلَهُمْ لِيَكْرِزُوا بِمَلَكُوتِ الله وَيَشْفُوا المُرْضَى. وَقَال لهمْ: "لَا تَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ: لَا عَصًا وَلَا مِزْوَدًا وَلَا خُبْزًا وَلَا فِضَّة، وَلَا يَكُونُ لِلْوَاحِدِ ثَوْبَانِ." (لوقا ٩/ ٢ - ٣). فقد تناقضا في وصية المسيح بخصوص العصا. كما ناقض إنجيلُ متى القديسَ مرقس في حمل العصا والأحذية، إذ نسب إلى المسيح قوله: "لَا تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً وَلَا نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ، وَلَا مِزْوَدًا لِلطَّرِيقِ وَلَا ثَوْبَيْنِ

стр. 1159

وَلَا أَحْذِيَةً وَلَا عَصًا" (متى ١٠/ ٩ - ١٠)، فقد نص متى على منعهم من اقتناء (أي تملك) الأحذية والعصا، مخالفًا ما جاء في إنجيل مرقس. ٥ - هل سمعوا صوت الله أم أن الله لا يسمع صوته ؟ يتحدث يوحنا عن الله الآب فيقول: "وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ، وَلَا أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ" (يوحنا ٥/ ٣٧)، وعليه فإن أحدًا لم يسمع صوت الله. في حين أن الإنجيليين الثلاثة يتحدثون عن صوت لله سمعه الناس بعد عمادة المسيح على يد يوحنا المعمدان، يقول مرقس: "وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ: "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ"." (مرقس ١/ ١١)، و (انظر متى ١٧/ ٥، ولوقا ٣/ ٢٢)، فكيف يتحدث الإنجيليون عن صوت الله وهو يبشر بالمسيح في حين أن يوحنا يذكر أن أحدًا لم يسمع صوت الله ولم يره؟ ثانيًا: هل يتناقض المسيح ؟ وتظهر الأناجيل المسيح متناقضًا مع نفسه في أقواله، ومرد ذلك إلى تناقض الإنجيليين الأربعة، أو تناقض الواحد منهم مع نفسه، وها هي النماذج: ١ - بطرس شيطان أم رسول ؟ يتناقض متى في صفحة واحدة وهو يتحدث عن رأي المسيح في بطرس، فقد قال له: ": "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أيضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. "وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا في السَّمَاوَاتِ" .... ". ولكنه ناقض ذلك بعده بسطور حين قال عنه: "فَالْتَفَتَ وَقَال لِبُطْرُسَ: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لَا تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ"." (متى ١٦/ ١٧ - ٢٣) ثم يتحدث متى عن إنكار بطرس للمسيح في ليلة المحاكمة بل وصدور اللعن والسب منه (انظر متى ٢٦/ ٧٤).

стр. 1160

ثم يقول عنه في موضع آخر: "مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أيضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ." (متى ١٩/ ٢٨)، فأي الأقوال نصدق في حق بطرس، وجميعها منسوبة للمسيح؟ إن هذا القول "اذهب عني يا شيطان" هو ما قاله المسيح للشيطان حين كان يغريه لكي يحيد عن طريق الله كما يذكر متى ٤/ ٢٠، ولوقا ٤/ ٨. لقد نسي كاتب إنجيل متى التوفيق بين ما سطره في صفحة واحدة، افتتحها بجعل بطرس: وكيلًا للمسيح يحل ويربط كما يشاء، لكنه ما لبث أن اختتمها بجعل بطرس أيضًا: شيطانا ومعثرة للمسيح. (١) ٢ - هل المحايد معنا أو ضدنا ؟ ومن التناقض الذي نسبه الإنجيليون إلى المسيح ﵇ ما زعمه متى أن المسيح قال لتلاميذه: "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لَا يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ." (متى ١٢/ ٣٠). وهذا يناقض ما ذكره مرقس عنه: "لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا." (مرقس ٩/ ٤٠)، فبأي الهديين يهتدي التلاميذ. ٣ - ما هو موقف المسيح من أعدائه ؟ ويعود لوقا للتناقض فينسب إلى المسيح موقفين متناقضين من الأعداء، فزعم مرة أنه أمر بمحبتهم فقال: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ." (لوقا ٦/ ٢٧ - ٣٨). لكنه نسب إلى المسيح مناقضة ذلك عندما ذكر -على لسانه- مثل الأمناء العشرة الذي ضربه المسيح لمملكته، وقد تمثل فيه قول الملك الذي رفضه شعبه، فقال: "أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي". " (لوقا ١٩/ ٢٧)، فأي الهديين في المعاملة مع الأعداء صدر من المسيح؟ ٤ - هل المطلوب بغض الوالدين أم محبتهما ؟

стр. 1161

ومن التناقض أيضًا ما وقع فيه لوقا حين زعم أن المسيح قال: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلَا يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلَادَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أيضًا، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا." (لوقا ١٤/ ٢٦). ثم في موضع آخر يذكر لوقا أن رجلًا سأل المسيح عن طريق الحياة الأبدية فكان من إجابته". أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ"." (لوقا ١٨/ ٢٠). وفي مرقس أن المسيح قال: ": تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ." (مرقس ١٢/ ٣١)، فهل المطلوب من التلاميذ بغض الوالدين أم محبتهما وإكرامهما؟ ٥ - هل يعقل أن يكون مصير المسيح ﵇ جهنم ؟ وتتناقض الأناجيل حين تذكر أن المسيح توعد الذين يشتمون إخوانهم بالنار، ثم تزعم أنه صنعه، فقد قال: "وَمَنْ قَال: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ." (متى ٥/ ٢٢). في حين أن لوقا زعم أن المسيح قال لتلميذيه اللذين لم يعرفاه بعد القيامة: "فَقَال لهما: "أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأنبِيَاءُ! " (لوقا ٢٤/ ٢٥)، وأنه قال لبطرس: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! " (متى ١٦/ ٢٣). وخاطبه في موطن آخر: ": "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟ "" (متى ١٤/ ٣١)، فهل يحكم النصارى على المسيح باستحقاقه النار، أم يحكمون على هذه النصوص بالقصور والتناقض. ثالثا: التناقض بين العهد القديم والعهد الجديد وكما تناقض الإنجيليون وكتاب الرسائل مع بعضهم فإنهم تناقضوا مع أسفار العهد القديم، في مختلف القضايا التي شاركوا كُتاب العهد القديم في الحديث عنها، اللاهوتية منها والتاريخية. أولًا: التناقضات في صفات الله ١ - يقول يوحنا: "الله لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ." (يوحنا ١/ ١٨) وكلامه حق. لكنه متناقض مع ما جاء في عدة مواضع في التوراة، منها قول يعقوب: "نَظَرْتُ الله وَجْهًا لِوَجْهٍ" (التكوين ٣٢/ ٣٠). ومثله ما جاء في سفر الخروج أن موسى أصر على رؤية الله فقال له الرب: "وَقَال

стр. 1162

الرَّبُّ: "هُوَذَا عِنْدِي مَكَانٌ، فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ. وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي، أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي، وَأَمَّا وَجْهِي فَلَا يُرَى"." (الخروج ٣٣/ ٢١ - ٢٣). ٢ - كما وصف يوحنا الله الآب بأنه لم يسمع أحد صوته، فيقول: "وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ، وَلَا أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ" (يوحنا ٥/ ٣٧)، وعليه فإن أحدًا لم يسمع صوت الله، وهو بذلك يخالف ما جاء في التوراة، التي تذكر أن بني إسرائيل سمعوا صوت الله حين كلمهم في حوريب" فَكَلَّمَكُمُ الرَّبُّ مِنْ وَسَطِ النَّارِ وَأَنْتُمْ سَامِعُونَ صَوْتَ كَلَامٍ، وَلكِنْ لَمْ تَرَوْا صُورَةً بَلْ صَوْتًا." (التثنية ٤/ ١٢)، فهل سمع البشر صوت الله أم لم يسمعوه؟ ٣ - ويصف بولس الله بوصف حق، فيقول: "لأَنَّ الله لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلَامٍ" (كورنثوس (١) ١٤/ ٣٣)، ولكنه يناقض بذلك ما جاء في سفر التكوين "وَقَال الرَّبُّ: "هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلسَانٌ وَاحِدٌ لِجمِيعِهِمْ، ... هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبِلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لَا يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ". فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ" (التكوين ١١/ ٦ - ٩). تناقضات أخرى بين العهدين ١ - هل كل المطعومات مباحة ؟ ومن التناقضات أيضًا أن التوراة تتحدث عما يجوز أكله وما لا يجوز من الأطعمة مما ينجس أكله. (انظر اللاويين ١١/ ١ - ٤٧). لكن مرقس يذكر أن المسيح خالف ذلك فقال كلاما غريبًا أباح فيه كل طعام فقال: "اسْمَعُوا مِنِّي كُلُّكُمْ وَافْهَمُوا. لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، لكِنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.". وقد صعُب فهم هذا على تلاميذه فأعادوا السؤال عنه، فأعاد الجواب، وقال: "لأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ بَلْ إِلَى الْجوْفِ، ثُمّ يَخْرُجُ إِلَى الْخَلَاءِ، وَذلِكَ يُطَهِّرُ كُلَّ الأَطْعِمَةِ"." (مرقس ٧/ ١٤ - ١٩). فهذه أغرب طريقة في تطهير الطعام، وهي تناقض أحكام التوراة وتخالفها وتنقضها. ٢ - من الذي اشترى الأرض من شكيم ؟

стр. 1163

ومن التناقضات أيضًا ما بين أعمال الرسل وسفر التكوين فيمن اشترى أرض شكيم من بني حمور، هل هو إبراهيم أم إسحاق؟ فقد جاء في أعمال الرسل "فَنَزَلَ يَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ وَمَاتَ هوَ وَآُباؤُنَا، وَنُقِلُوا إِلَى شَكِيمَ وَوُضِعُوا فِي الْقَبْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ بِثَمَنٍ فِضَّةٍ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ." (أعمال ٧/ ١٥ - ١٦). وفي سفر التكوين أن أرض شكيم قد ابتاعها يعقوب لا إبراهيم، حيث يقول: "ثُمَّ أَتَى يَعْقُوبُ سَالِمًا إِلَى مَدِينَةِ شَكِيمَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، حِينَ جَاءَ مِنْ فَدَّانِ أَرَامَ. وَنَزَلَ أَمَامَ المدِينَةِ. وَابْتَاعَ قِطْعَةَ الْحَقْلِ الَّتِي نَصَبَ فِيهَا خَيْمَتَهُ مِنْ يَدِ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ بِمِئَةِ قَسِيطَةٍ." (التكوين ٣٣/ ١٨ - ١٩). والخطأ من كاتب أعمال الرسل لأن الأرض التي ابتاعها إبراهيم، هي في أرض حبرون (الخليل)، واشتراها من عفرون، وفيها دفن سارة، ثم دفن هو فيها كما في سفر التكوين "وَوَزَنَ إِبْرَاهِيمُ لِعِفْرُونَ الْفِضَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي مَسَامِعِ بَنِي حِثَّ. أَرْبَعَ مِئَةِ شَاقِلِ فِضَّةٍ جَائِزَةٍ عِنْدَ التجَّارِ. فَوَجَبَ حَقْلُ عِفْرُونَ الَّذِي فِي الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي أَمَامَ مَمْرَا، الْحَقْلُ وَالمُغَارَةُ الَّتِي فِيهِ، وَجَمِيعُ الشَّجَرِ الَّذِي فِي الْحْقْلِ الَّذِي في جَمِيعِ حُدُودِهِ حَوَاليْهِ، ١٨ لإِبْرَاهِيمَ مُلْكًا لَدَى عُيُونِ بَنِي حِثَّ، بَيْنَ جَمِيعِ الدَّاخِلِينَ بَابَ مَدِينَتِهِ. وَبَعْدَ ذلِكَ دَفَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَغَارَةِ حَقْلِ المُكْفِيلَةِ أَمَامَ مَمْرَا، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ" (التكوين ٢٣/ ١٦ - ١٩). فمن الذي اشترى أرض شكيم، يعقوب أم إبراهيم؟ رابعًا: النصارى بين الاعتراف بالتناقضات والمكابرة " والمقصود أن هذا الاضطراب في الإنجيل يشهد بأن التغيير وقع فيه قطعا, ولا يمكن أن يكون ذلك من عند الله، بل الاختلاف الكبير الذي فيه يدل على أن ذلك الاختلاف من عند غير الله" (١). وتبذل محاولات يائسة وساذجة للجمع بين هذه المتناقضات وتقديمها بصورة متوافقة متكاملة، لكن التكلف يكتنف جميع هذه المحاولات التي غالبًا ما تظهر باهتة، إضافة لما

стр. 1164

تحمله من صور للجمع لا دليل عليها. لذا فإن الفيلسوف الناقد اليهودي اسبينوزا صدق وهو يقول عن التوراة، وينطبق حديثه على العهد الجديد: "فإذا ظن أحد أني أتحدث بطريقة عامة جدًّا دون أساس كاف، فإني أرجو أن يكلف نفسه العناء، ويدلنا على ترتيب يقين لهذه الروايات يستطيع المؤرخون اتباعه في كتاباتهم للأخبار دون الوقوع في خطأ جسيم، وعلى المرء في أثناء محاولته تفسير الروايات والتوفيق أن يراعي العبارات والأساليب، وطرق الوصل في الكلام، ويشرحها بحيث نستطيع طبقًا لهذا الشرح أن نقلدها في كتاباتنا, ولسوف أنحني مقدمًا في خشوع لمن يستطيع القيام بهذه المهمة، وإني على استعداد لأن أشبهه (بأبوللو) نفسه. على أني أعترف بأني لم أستطع أن أجد من يقوم بهذه المحاولة، على الرغم من طول بحثي عنه، ومع أني مشبع منذ طفولتي بالآراء الشائعة عن الكتاب القدس، فقد كان من المستحيل ألا أنتهي إلى ما انتهيت إليه. وعلى آية حال فليس هناك ما يدعونا إلى أن نعطل القاري هنا، وأن نعرض عليه في صورة تحد أن يقوم بمحاولة ميئوس منها" (١). اعترافات بتناقضات الأناجيل وقليلون هم الذين يعترفون بالحقيقة، ومنهم محررو مجلة "الحقيقة المجردة (الناصعة) "النصرانية والتي يقول عدد يوليو ١٩٧٥ م منها: "هناك ادعاءات كثيرة لتناقضات في الكتاب القدس لم يستطع العلماء حلها حتى الآن، وفيها ما يسر كل كافر ملحد، فهناك بعض الصعوبات النصية التي ما زال العلماء يتصارعون معها إلى يومنا هذا, ولا ينكر هذه الحقيقة إلا من كان جاهلًا بالكتاب المقدس". ومثلهم يقول مفسرو الترجمة المسكونية للتوراة عن الأناجيل بأنها "صورة لأدب غير مترابط، مفتقر هيكله إلى حسن التتابع ... يبدو أن ما فيه من تضاد غير قابل للتذليل". (٢)

стр. 1165

الفصل الخامس: اختلافات بين تراجم الكتاب المقدس تمهيد: نحاول في هذا المبحث أن نرصد الاختلافات الواقعة بين تراجم الكتاب المقدس المتعددة، والتي تختلف عن بعضها اختلافًا واضحًا لكل ذي عينين. أولًا: قائمة تراجم الكتاب المقدس: (١) تراجم عربية: ١ - الكتاب المقدس: منشورات دار المشرق -بيروت- ١٩٨٣، اعتماد: أغناطيوس زيادة، مطران بيروت. ويرمز له في البحث: الكتاب المقدس للكاثوليك. ٢ - الكتاب المقدس: دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط - طبعة العيد المئوي ١٨٨٣/ ١٩٨٣، الرمز: الكتاب المقدس للبروتستانت. ٣ - كتب الشريعة الخمسة: دار المشرق -بيروت- ٠١٩٨٤ اعتماد: بولس باسيم النائب الرسولي للاتين. الرمز: التوراة للكاثوليك. ٤ - العهد الجديد: منشورات دار المشرق - بيروت- ١٩٨٥ - الطبعة العاشرة. اعتماد: بولس باسليم، النائب الرسولي للاتين. الرمز: العهد الجديد للكاثوليك. ٥ - العهد الجديد: منشورات المطبعة الكاثوليكية - بيروت- ١٩٦٩ - الطبعة الخامسة. الرمز: العهد الجديد للمطبعة الكاثوليكية. (٢) تراجم إنجليزية: ١ - ترجمة الملك جيمس. ٢ - الترجمة القياسية المراجعة. (٣) تراجم فرنسية ١ - لوي سيجو الفرنسية. ٢ - الترجمة الفرنسية المسكونية. (١) ثانيًا: أمثلة من الكتاب المقدس على اختلاف التراجم أولًا: العهد القديم

стр. 1166

١ - روح الله والإنسان تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت، تحت عنوان فرعي هو: فساد العالم الذي هيج غضب الله وجلب الطوفان: "وَحَدَثَ لمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ يَكْثُرُونَ عَلَى الأَرْضِ، وَوُلدَ لَهُمْ بَنَاتٌ، أَنَّ أَبْنَاءَ الله رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا. فَقَال الرَّبُّ: "لَا يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً". كَانَ فِي الأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذلِكَ أيضًا إِذْ دَخَلَ بَنُو الله عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلَادًا، هؤُلَاءِ هُمُ الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ." (سفر التكوين ٦/ ١ - ٤) وتقول ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك في العدد ٣ من الفقرة السابقة "فقال الرب: لا تحل روحي على الإنسان أبدا, لأنه جسد وتكون أيامه مئة وعشرين سنة". وتقول ترجمة التوراة للكاثوليك في العدد ٣ من تلك الفقرة التي اتخذت عنوانًا فرعيًا هو: بنو الله وبنات الناس، "فقال الرب: لا تثبت روحي في الإنسان إلى للأبد, لأنه بشر، فتكون أيامه مئة وعشرين سنة". وكما هو ملاحظ عن طريق المقارنة بين النصوص أن ثمة خلاف واقع بين الترجمات العربية حول هذا النص. وقد اتفقت الترجمتان: القياسية الإِنجليزية، ولوي سيجو الفرنسية على القول بأن روح الرب: سوف لا يبقى إلى الأبد في الإنسان، أما ترجمة الملك جيمس فقالت: بأن الروح سوف لا يخاصم الإنسان أبدًا. وقالت الترجمة المسكونية إنه: سوف لا يوجه الإنسان على الدوام. لقد انقسمت التراجم على نفسها ولا يرجى لها إصلاح نظرا لغموض الأصل الذي يتحدث عن أسطورة شعبية قديمة. (١) ٢ - اسم إله بني إسرائيل تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت:

стр. 1167

"فَقَال مُوسَى لله: "هَا أنَّا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لهمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لهمْ؟ " فَقَال الله لِمُوسَى: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ". وَقَال: "هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ". وَقَال الله أيضًا لِمُوسَى: "هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ." (الخروج ٣/ ١٣ - ١٥). وتقول ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك في اسم الإله: "فقال الله لموسى: أنا هو الكائن. وقال: كذا قل لبني إسرائيل: الكائن أرسلني إليكم. وقال الله لموسى ثانية: كذا قل لبني إسرائيل، إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب بعثني إليكم. هذا اسمي إلى الدهر، وهذا ذكري إلى جيل فجيل" (الخروج ٣/ ١٤ - ١٥) وهنا نلاحظ اختفاء كلمة يهوة التي وردت في العدد ١٥ من ترجمة البروتستانت. وتقول ترجمة التوراة للكاثوليك: "قال الله لموسى: أنا هو من هو. وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل: أنا هو أرسلني إليكم. وقال الله لموسى ثانية: هكذا تقول لبني إسرائيل: هكذا تقول لبني إسرائيل: الرب إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم. هذا اسمي للأبد وهذا ذكري من جيل إلى جيل" (الخروج ٣/ ١٤ - ١٥). وهنا نلاحظ أن كلمة: الرب، قد حلت محل كلمة: يهوة، التي وردت في ترجمة البروتستانت. وتقول التراجم الإِنجليزية في اسم الإله: أنا الذي أنا، وأنا من أنا، والكائن. وتقول التراجم الفرنسية: أنا هو الكائن، والكائن. والخروج من هذا الشتات أمر ميسور إذا اجتنبت الأساطير والتقاليد الشعبية القديمة. فالكتاب المقدس يبدأ بالآتي: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ." لقد اتفقت على ذلك جميع التراجم العربية، وكذلك اتفقت التراجم الإنجليزية على استخدام كلمة: god نظيرًا لكلمة: الله، في العربية. واتفقت أيضًا التراجم الفرنسية على استخدام كلمة: dieu نظيرًا للفظ الجلالة: الله.

стр. 1168

وعلى ذلك يكون اسم الإله الواحد الخالق هو: الله. (١) ٣ - حديث موسى عند تلقي الرسالة: في أول وحي موسى، أعطاه الله الرسالة، وبعثه إلى بني إسرائيل وإلى فرعون، وعلمه ماذا يقول وماذا يفعل، وأجرى على يديه آيتين، وعلمه كيف يجري المعجزة أو الآية الثالثة إذا لم يصدقوا الآيتين السابقتين، بعد ذلك كان لموسى موقف. تقول فيه ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: فَقَال مُوسَى لِلرَّبِّ: "اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَسْتُ أنَّا صَاحِبَ كَلَامٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلَا أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلَا مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ". فَقَال لَهُ الرَّبُّ: "مَنْ صَنَعَ لِلإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أنَّا الرَّبُّ؟ فَالآنَ اذْهَبْ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعَلِّمُكَ مَا تَتكلَّمُ بِهِ". فَقَال: "اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَرْسِلْ بِيَدِ مَنْ تُرْسِلُ". فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى مُوسَى .. " (الخروج ٤/ ١٠ - ١٤). وتذكر ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك قولًا آخر غير هذا القول الجاف الذي ينسب لموسى -أي استمع أيها السيد، جاء فيه: "فقال موسى للرب: رحماك يا رب. إني لست أحسن الكلام ... رحماك يا رب: أبعث من أنت باعثه". وتقول ترجمة التوراة الكاثوليكية: فقال موسى للرب: العفو يا رب، إني لست رجل كلام ... قال: العفو يا رب، أرسل من تريد أن ترسله". وتذكر التراجم الإِنجليزية أن لهجة موسى لم تكن جافة، حيث خلت من ذلك القول: استمع أيها السيد, وكذلك تقول الترجمة الفرنسية. (٢) ٤ - موسى يقال له: إله وشبه إله ! تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: إن الرب جعل موسى إلها لهارون أخيه، وكذلك إلها لفرعون، فقال لموسى: "أَلَيْسَ هَارُونُ اللَّاوِيُّ أَخَاكَ؟ ... فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ

стр. 1169

الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصنَعَانِ. وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا." (الخروج ٤/ ١٤ - ١٦). "فَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى: "انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ. " (الخروج ٧/ ١). وهذا ما تقوله أيضًا ترجمة التوراة للكاثوليك. أما ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك فقد أبقت على علاقة موسى بكل من فرعون وهارون -كما جاءت في خروج ٧/ ١ - لكنها قالت في الحديث الذي سبق هذا عن العلاقة بين موسى وهارون قولًا آخر، إذ جعلت موسى مثل الله! "هو يخاطب الشعب عنك، ويكون لك فما، وأنت تكون له بمثابة الله" (خروج ٤/ ١٦). وأما التراجم الإِنجليزية والفرنسية فقد اختلفت هي الأخرى مثلما حدث في التراجم العربية ... وهنا نلاحظ: اتفاق ترجمة الملك جيمس الإِنجليزية مع ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك في جعل موسى بالنسبة لهارون بمثابة: الله، وجعله إلها بالنسبة لفرعون. اتفاق الترجمة الفرنسية المسكونية مع ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت في جعل موسى إلها لكل من هارون وفرعون. اتفاق الترجمة القياسية الإِنجليزية -بوجه عام- مع ترجمة لوي سيجو الفرنسية في جعل موسى مثل: الله، بالنسبة لكل من هارون وفرعون. وما من شك في أن الحديث عن الله، وعن الألوهية هو أخطر حديث في الكتب المقدسة، يلزمه التمسك التام بكامل الدقة والأمانة. لكن كتبة الأسفار المقدسة لم يتورعوا عن إطلاق لفظ: الإله، على كل من اعتقدوا أنه تلقى كلمة الله، وذلك جريا وراء شاعر أو مغن أطلق ألفاظه في لحظة من لحظات هياج النفس وانفعالاتها. يقول المزمور ٨٢ لآساف، كبير المغنين: "أَنَّا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهِةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ. لكِنْ

стр. 1170

مِثْلَ النَاسِ تَمُوتُونَ". ويقول كاتب إنجيل يوحنا أن المسيح استخدم هذه الفقرة في محاجته لليهود: "أَجَابَهُمْ: "أَليْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أنَّا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَال آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ الله ... فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ ... " (يوحنا ١٠/ ٣٤ - ٣٦). (١) ٥ - أول الوصايا العشر: تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: "ثُمَّ تَكَلَّمَ الله بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلًا: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. " (الخروج ٢٠/ ١ - ٢). وبهذا تقول التراجم الإِنجليزية والفرنسية: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي "لكن ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك، وترجمة التوراة للكاثوليك تقول: "لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي". إذا كان هناك داع لتعديل الترجمة التي تقول: "لا يكن لك آلهة اخرى أمامي"، فلتكن: "لا يكن لك آلهة أخرى إلا أنا". وهذا يتفق مع الصيغة الفرنسية الأخيرة. ٦ - الرب حي إلى الأبد تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت في وحي من الله لموسى: "حَيٌّ أَنَا إِلَى الأَبَدِ" (التثنية ٣٢/ ٤٠). وهو ما تقوله ترجمة التوراة للكاثوليك. وهو كذلك ما تقوله التراجم الإِنجليزية والفرنسية. لكن ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك تقول: "حي أنا إلى الدهر". ومن المعلوم لغة أن: الدهر عند العرب يطلق على الزمان، وعلى الفصل من فصول السنة، وأقل من ذلك. ويقع على مدة الدنيا كلها. وقالوا أقمنا على ماء كذا دهرا، وهذا

стр. 1171

المرعى يكفينا دهرًا. وقيل الدهر: الأبد. فاستخدام كلمة الدهر في قول الله: حي أنا إلى الدهر، به قصور ملحوظ. ذلك أن: كل أبد دهر، وليس كل دهر أبد. والأبد هو الدهر أو الزمن الذي لا نهاية له. (١) ٧ - مع خطيئة داود . يقول الكتاب المقدس أن داود قد بهره جمال زوجة أحد جنوده حين رآها تستحم عارية، فأرسل إليها وزنا بها. وفي هذا تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: "فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلًا وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالتْ: "إِنِّي حُبْلَى"." (صموئيل الثاني ١١/ ٤ - ٥). لقد حرص كتبة الأسفار على بيان أن داود لم يزن بتلك المرأة إلا وهي مطهرة من طمثها وفق شريعة موسى التي تنهى عن المعاشرة الجنسية خلال مدة الطمث، فتقول: وَلَا تَقْتَرِبْ إِلَى امْرَأَةٍ فِي نَجَاسَةِ طَمْثِهَا لِتَكْشِفَ عَوْرَتهَا" (لاويين ١٨/ ١٩) هذا -وتتفق ترجمة الملك جيمس الإِنجليزية مع القول بأن المرأة كانت مطهرة من طمثها. أما ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك -وبقية التراجم الإِنجليزية والفرنسية الأخرى- فإنها تبين أن المرأة تطهرت بعد عملية الزنا ثم رجعت إلى بيتها: "فأرسل داوود رسلا، وأخذها، فدخلت عليه، فدخل بها، وتطهرت من نجاستها، ورجعت إلى بيتها". (٢) ٨ - كلمات داود الأخيرة ... هل هي وحي إلهي، أم قول بشر ؟ تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: "فَهذِهِ هِيَ كَلِمَاتُ دَاوُدَ الأَخِيرَةُ: "وَحْيُ دَاوُدَ بْنِ يَسَّى، وَوَحْيُ الرَّجُلِ الْقَائِمِ فِي الْعُلَا، مَسِيحِ إِلهِ يَعْقُوبَ، وَمُرَنِّمِ إِسْرَائِيلَ الْحُلْوِ" (صموئيل الثاني ٢٣/ ١)، وهنا انقسمت التراجم على نفسها. ذلك أن الترجمة القياسية الإِنجليزية، والترجمة المسكونية الفرنسية، تتفقان مع ما جاء

стр. 1172

في ترجمة البروتستنات هذه من حيث احتواء العدد رقم ١ من هذا الإصحاح رقم ٢٣ على وجود كلمتى: وحي. أما ترجمة الملك جيمس الإِنجليزية، وترجمة لوي سيجو الفرنسية، فتختلفان مع التراجم السابقة، إذ أن كلمتى: وحي، يحل محلهما لفظي: كلمة. إن هذا الفرق جوهري في كتاب مقدس يلتزم المؤمن به بما جاء في تعاليمه: عقيدة وسلوكا باعتباره تنزيلا إلهيًا، والفرق كبير حقًّا، والبون شاسع، بين أن يقال هذا: كلام داود أو: هذا وحي داود! (١) ٩ - هل تزوج عمرام عمته ألم ابنة عمه . أجمعت ترجمات الكتاب المقدس العربية والإِنجليزية والفرنسية الحديثة على ما جاء في سفر الخروج (٦/ ٢٥): "وَأَخَذَ عَمْرَامُ يُوكَابَدَ عَمَّتَهُ زَوْجَةً لَهُ. فَوَلَدَتْ لَهُ هَارُونَ وَمُوسَى." انظر نسخة البروتستانت العربية ١٩٨٣ م. ويختلف هذا ويتناقض مع ما جاء في ترجمة الكتاب المقدس العربية (رجارد واطس) طبعة لندن ١٨٣١ م، و (وليم واطس) طبعة لندن ١٨٦٦ م: "فتزوج عمرام يوخابد ابنة عمه فولدت له هارون وموسى". انظر نسخة (رجاردواطس) العربية طبعة لندن. ١٠ - هل قتل ثلاثة آلاف أم ثلاثة وعشرين ألف رجل: أجمعت تراجم الكتاب المقدس العربية والإِنجليزية والفرنسية الحديثة على ما جاء في سفر الخروج (٣٢/ ٢٨): "فَفَعَلَ بَنُو لَاوِي بِحَسَبِ قَوْلِ مُوسَى. وَوَقَعَ مِنَ الشَّعْبِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُل. " ولكن يختلف هذا ويتناقض مع ما جاء في ترجمة الكتاب القدس لرجارد واطس سنة ١٨٣١، و (وليم واطس) طبعة لندن سنة ١٨٦٦ م: "فصنع بنو لاوي كما أمرهم موسى فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل". (٢)

стр. 1173

ثانيًا: أمثلة من العهد الجديد على اختلاف التراجم ١ - صيغة التثليث: وردت هذه الصيغة في رسالة يوحنا الأولى (٥/ ٧) وكانت تعتبر النص الوحيد -في الكتاب المقدس- الذي يعطي الأساس لعقيدة التثليث التي تقول بأن الثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس هم واحد! لكن التراجم الحديثة للكتاب المقدس حذفتها باعتبارها نصا دخيلا أقحمه كاتب مجهول منذ قرون. يقول كتاب: "هل الكتاب المقدس حقا كلمة الله؟ " (١) (ص ١٦٥) وهو يتحدث عن الترجمات المختلفة المتلاحقة التي من شأنها تنقية الكتاب المقدس مما يكون قد علق به من أخطاء نتيجة لقصور الترجمات السابقة - ما يلي: "بمقارنة أعداد كبيرة من المخطوطات القديمة باعتناء، يتمكن العلماء من اقتلاع آية أخطاء ربما تسللت إليها. مثالًا على ذلك: الإدخال الزائف في يوحنا الأولى، الإصحاح الخامس. فالجزء الأخير من العدد ٧ والجزء الأول من العدد ٨ يقول، حسب الترجمة البروتستينية العربية، طبع الأمريكان في بيروت (ونقرأ في الترجمة اليسوعية العربية شيئًا مماثلا): (في السماء ... الاب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة). ولكن طوال القرون الثلاثة عشر الأولى للميلاد، لم تشتمل آية مخطوطة يونانية على هذه الكلمات. وترجمة حريصا العربية تحذف هذه الكلمات كليا من المتن. والترجمة البروتستينية العربية ذات الشواهد تضعها بين هلالين، موضحة في المقدمة أنه (ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها). وهكذا تساعدنا الترجمات العصرية للكتاب المقدس على الوصول إلى المعنى الصحيح لما نقرأه".

стр. 1174

تقول ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك: "لأن الشهود في السماء ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والشهود في الأرض ثلاثة الروح والماء والدم وهؤلاء الثلاثة هم في واحد" (يوحنا (١) ٥/ ٧ - ٨). وتقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: "فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ (في السَّمَاءِ) هُمْ ثَلَاثَةٌ: (الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ. وَالَّذِينَ يَشْهَدُونَ في الأَرْضِ هُمْ ثَلَاثَةٌ): الرُّوحُ، وَالمُاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلَاثَةُ هُمْ في الْوَاحِدِ.". وإذا رجعنا إلى التنبيه الذي وضعته هذه الترجمة في مطلعها نجده يقول في الكلمات التي توضع بين هلالين أو قوسين ما يلي: "والهلالان () يدلان على أن الكلمات التي بينها ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها". أي أن صيغة التثليث هذه فقرة مزيفة من عمل كاتب مجهول ... وتقول ترجمة العهد الجديد للكاثوليك: "والذين يشهدون ثلاثة (٧). الروح والماء والدم وهؤلاء الثلاثة متفقون (٨) ". ثم تقول في الحاشية السفلى تعليقا على العدد (٧): "في بعض الأصول: الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. لم يرد ذلك في الأصول اليونانية المعول عليها، والأرجح إنّه شرح أدخل إلى المتن في بعض النسخ". وهذا ما تقوله أيضًا ترجمة العهد الجديد للمطبعة الكاثوليكية، سواء بالنسبة للمتن أو الحاشية. وتظهر صيغة التثليث هذه في ترجمة الملك جيمس الإِنجليزية فقط لكنها اختفت من كل من: الترجمة القياسية الإِنجليزية (٢)، والترجمة الفرنسية المسكونية (٣)، وترجمة لوي سيجو الفرنسية. ومن الملاحظ أن صيغة التثليث قد اختفت من التراجم الكاثوليكية الفرنسية الحديثة التي ظهرت منذ أكثر من ٧٥ عامًا، كما أنها اختفت من التراجم البروتستينية الحديثة التي ظهرت منذ أكثر من ٤٠ عامًا, ولو أنها وضعت بين هلالين علامة على عدم أصالتها. كذلك اختفت صيغة التثليث من التراجم الكاثوليكية العربية الحديثة مثل: العهد

стр. 1175

الجديد للكاثوليك، والعهد الجديد للمطبعة الكاثوليكية. والسؤال الآن: من المسئول عن مصائر الملايين من المسيحيين الذين هلكوا وهم يعتقدون أن عقيدة التثليث التي تعلموها تقوم على نص صريح في كتابهم المقدس، بينما هو نص دخيل أقحمته يد كاتب مجهول؟ ! . (١) المسيح عبد الله . بشر النبي إشعياء بنبي عظيم ينتظره العالم، أول صفاته أنه عبد الله ورسوله. وقد اعتقد كاتب إنجيل متى أن تلك النبوءة قد تحققت في المسيح، فاقتبس لذلك مقدمتها ووضعها في الإصحاح الثاني عشر من ذلك الإنجيل، في الأعداد من رقم ١٨ إلى رقم ٢١. وتقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت في هذه النبوءة: "هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ ... " (اشعياء ٤٢/ ١). وتقول ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك نفس الشيء. وقد اتفقت الترجمتان الإِنجليزيتان: الملك جيمس والقياسية، على استخدام كلمة: servant مقابل كلمة: عبد، العربية. كذلك اتفقت الترجمتان الفرنسيتان: لوي سيجو، والمسكونية على استخدام كلمة: serviteur مقابل كلمة: عبد، العربية. لكن نقرأ في إنجيل متى بالعربية، حسب ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: "هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ." (متى ١٢/ ١٧ - ١٨). كذلك استبدلت بقية التراجم العربية الأخرى -وهي: الكتاب المقدس للكاثوليك، والعهد الجديد للكاثوليك، والعهد الجديد للمطبعة الكاثوليكية- استبدلت جميعها كلمة فتاي، بكلمة: عبدي، ضاربة بالأمانة العلمية والدينية عرض الحائط. فمن المعلوم أن: العبودية تعني الخضوع والذل. وأن العبادة تعني الانقياد والخضوع.

стр. 1176

والعبد ضد الحر، كذلك يقال للشاب الحدث: فتى، ثم استعير للعبد. ويقال: الفتى، أي الشاب، والفتاة، أي الشابة، والفتى أيضًا: السخي الكريم من ذلك يتبين أن كلمة: فتى، لا تعني بالضرورة عبدا، بل إن المعنى الذي يتوارد لأول وهلة هو الشاب، أو ذو الخصال الحميدة، فمن الواجب أن يقرأ متى هكذا: "هو ذا عبدي الذي اخترته ... ". وتكرر نفس الشيء في سفر أعمال الرسل عدة مرات، وضعت فيها كلمة: فتى، في موضع كان يجب أن تستخدم فيه كلمة: عبد، وذلك اعتمادًا على مقارنة التراجم المختلفة. تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: "فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ ذلِكَ أَجَابَ الشَّعْبَ: . إِنَ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ ... أَقَامَ الله فَتَاهُ يَسُوعَ .. . (أعمال ٣/ ١٣، ٢٦). "رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى الله وَقَالوا: "أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، الْقَائِلُ بِفَمِ دَاوُدَ فَتَاكَ ... ٢ لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلَاطُسُ. .. وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ" (أعمال ٤/ ٢٥، ٢٧، ٣٠). وقد استخدمت ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك نفس الكلمة: فتى، سواء في المواضع الأربعة الخاصة بالمسيح، أو في الموضع الخامس الخاص بداود والمذكور في: أعمال ٤/ ٢٥. كذلك استخدمت الترجمتان الفرنسيتان كلمة: serviteur في المواضع الخمسة التي استخدمت فيها كلمة: فتى العربية. واستخدمت النسخة القياسية الإِنجليزية كلمة: servant في تلك المواضع الخمسة. أما نسخة الملك جيمس الإِنجليزية فقد استخدمت كلمة: child في المواضع الأربعة الخاصة بالمسيح، بينما استخدمت كلمة: servant في الموضع الخاص بداود. وقياسًا على ما سبق، ومقارنة بالترجمات الفرنسية والإِنجليزية وخاصة الحديثة منها، يجب أن تحل كلمة: عبد، محل كلمة: فتى، المستخدمة في هذه الفقرات، وما شابهها في

стр. 1177

مختلف المواضع من أسفار العهد الجديد. إن داود هو عبد الله ونبيه، وكذلك المسيح هو عبد الله ونبيه. . . (١) ١ - لم يُرسل المسيح إلا إلى بني إسرائيل. تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: "ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: "ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا". فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فتقَدَّمَ تَلَامِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: "اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا! " فَأَجَابَ وَقَال: "لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ". (متى ١٥/ ٢١ - ٢٤). وهكذا تقول التراجم العربية الأخرى، وهي: الكتاب المقدس للكاثوليك، والعهد الجديد للكاثوليك، والعهد الجديد للمطبعة الكاثوليكية. وكذلك تقول الترجمتان الفرنسيتان: لوي سيجو، والمسكونية. وكذلك تقول ترجمة الملك جيمس الإِنجليزية. إلا أن الترجمة القياسية الإِنجليزية أدخلت تعديلا مخالفا، وترجمتها بالعربية: "أجاب: لقد أرسلت فقط إلى خراف بيت إسرائيل الضالة". ولو أن هذه الصيغة تعني قصر رسالة المسيح علي بني إسرائيل، إلا أن هذه الصيغة التي تقول: "لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" إنما تعني توكيدا لقصر رسالته على الإسرائيليين دون سواهم حتى ولو كانوا جيرانهم الذين يتحدثون لغتهم ويرتبطون معهم بمختلف روابط الحياة. فأي الكلمات هي التي نطق بها المسيح؟ وأي من التراجم جاءت أقرب إلى الأصول؟ ! هل صحيح ما يقال من أن: المؤمنين بالمسيح ولدهم الله؟ ! تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ

стр. 1178

يَصِيرُوا أَوْلَادَ الله، أَيِ المُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. الَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ الله." وهو ما تقوله ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك، وتوضح أن أولئك المؤمنين "من الله ولدوا" وهو أيضًا ما تقوله ترجمة العهد الجديد للكاثوليك. أما ترجمة العهد الجديد للمطبعة الكاثوليكية فإنها جعلت الحديث عمن ولد ليس من دم ولا من مشيئة رجل، إنما هو المسيح وليس المؤمنون الذين قبلوه. وفي هذا تقول: "أما الذين قبلوه فقد أولاهم أن يصيروا أبناء الله. هم الذين آمنوا باسمه. وهو ليس من دم، ولا من رغبة ذي لحم، ولا من رغبة رجل، بل الله ولده" وتتفق أيضًا التراجم الإِنجليزية والفرنسية على أن الحديث عمن ولد من الله إنما هم المؤمنون وليس المسيح، وكل ذلك خلاف لما تقول به ترجمة المطبعة الكاثوليكية. (١) وبعد كل هذا نقول إن التراجم كلها تحتاج إلى مراجعات ومراجعات، تلتزم أقصى ما يكون من الأمانة والتمحيص والتدقيق، وقبل ذلك وبعده تقدر مسئولية الكلمة التي يتوقف على الاعتقاد في صدقها مصائر الناس الأبدية. (٢) الفصل السادس: أخطاء تاريخية في الكتاب المقدس . سنشير إلى الأخطاء التاريخية في الأمور الآتية: أولًا: الخطأ في ظهور الحيثيين. ثانيًا: الخطأ في تاريخ تسمية فلسطين: ثالثا: الخطأ أو الشك في مكان دفن إبراهيم ﵇. رابعًا: الخطأ في مجموعة من التواريخ والأسماء. خامسًا: الخطأ في القول بأن فرعون رئيس الشرطة كان خصيًا وكذا كل حاشية القصر الملكي.

стр. 1179

سادسًا: الخطأ في الفترة التي يتم فيها التحنيط: سابعًا: الخطأ في عصر إطلاق لقب فرعون على من يملك مصر. ثامنًا: الخطأ في عصر تاريخ إطلاق كلمة رعمسيس: تاسعًا: الخطأ في ذكر ملك لا يعرفه التاريخ في هذه الحقبة الزمنية اسمه (سوا). عاشرًا: الخطأ في القول بأن يربعام بني مدينة (شكيم): الحادي عشر: الخطأ في القول بأن سليمان بني مدينة تدمر الثاني عشر: الخطأ في ذكر وادي لا يعرفه التاريخ: الثالث عشر: الخطأ في تفسير اختلاف اللغات والأجناس. الرابع عشر: الخطأ في تفسير سبب السنة الكونية بجعلها علامة على نقصان ربهم ونسيانه. الخامس عشر: الخطأ في أسطورة فنوئيل. السادس عشر: الخطأ في جعل أسطورة أستير حقيقة. وإليك التفصيل أولًا: الخطأ فما ظهور الحيثيين موضع الخطأ: أن سفر التكوين يروي أن إبراهيم الخليل ﵇ قد اشترى (مغارة المكفيلة) من عفرون الحثى (التكوين: ٢٣/ ١ - ٢٠). كما يروي كذلك أن (عيسو) قد تزوج من (يهوديت) ابنة (بيري الحثى) و (بسمة) ابنة (إيلون الحثى) (التكوين: ٢٦/ ٣٤) (٣٦/ ١ - ٣). بيانه: ومن المعروف تاريخيًا أن الحيثيين لم يظهروا في فلسطين على أيام إبراهيم الخليل (١٩٤٥ - ١٧٦٥ ق. م)، وحفيده (عيسو) صحيح أن الحيثيين كانوا على صلة بسورية في عصر الإمبراطورية الحيثية، وأن الجيوش الحيثية على أيام (شوبيلوليوما) (١٣٨٥ - ١٣٥٩ ق. م) قد وصلت إلى دمشق ولكنها لم تدخل فلسطين نفسها على الإطلاق ولم توجد بين الدول الحيثية دولة واحدة تقع إلى الجنوب من مدينة (حماة) ولم تكن هذه الأخيرة ضمن أي جزء من أقاليم فلسطين، إذ كانت تفصلها عنها المملكة الآرامية في دمشق، والتي طالما

стр. 1180

ناصبت الإسرائليين العداء. ومن ثَمَّ فإن وجود الحيثيين في فلسطين قبل الغزو الإسرائيلي بقيادة يشوع (في النصف الأول من القرن الثاني عشر قبل الميلاد) -فضلًا عن أن يكون ذلك على أيام إبراهيم الخليل- إنما يثير مشكلة عجيبة، لم يجد لها النقاد من تعليل، سوى نسبة نصوص التوراة - التي تتردد فيها كلمة (بني حث) و (حيثى)، و (حيثيات) - إلا للكاتب الكهنوتي في العهد التالي للمنفي، ومن ثم فليست بالدليل التاريخي ذو القيمة الكبيرة. (١) ثانيًا: الخطأ في تاريخ تسمية فلسطين موضع الخطأ: أن سفر الخروج يقول: (تأخذه الرعدة سكان فلسطين) (الخروج: ١٥/ ١٤). بيانه: من المعروف تاريخيًا أن كلمة (فلسطين) (وهي مشتقة من كلمة (برست) أو (بلستيا) نسبة إلى قبائل (البلست))، لم تطلق على (أرض كنعان) إلا بعد غزو (شعوب البحر) لمصر وسورية من جزرهم، على أيام فرعون مصر العظيم (رمسيس الثالث) (١١٨٢ - ١١٥١ ق. م) إذ اشتركت قبائل البلست (الهندو أوربية) في الغزو الذي قام به أقوام البحر هؤلاء في السنة الثامنة من عهد رعمسيس الثالث (حوالي عام ١١٧٤ ق. م) ثم انتهى بالنسبة لهم في معركة بحرية وأخرى برية، ثم سمح لهم الفرعون بعد ذلك بالإقامة في سواحل سورية الجنوبية في المنطقة ما بين يافا وغزة، وكانت أهم مدنهم غزة وعسقلان وأشدود وعفرون وجت، ثم أطلق اليونان اسمهم على كنعان، ومن ثم فقد احتفظ باسم قبائل البلست على فلسطين، وإن كان ذلك لا يرجع إلى أنهم قد أصبحوا غالبية السكان فيها، أو أنهم قد بسطو نفوذهم عليها جميعًا ولكن ربما لأنهم آخر من نزل بها وإلى كثرة ترديد التوراة لاسمهم. وهكذا يبعد العهد بموسى ﵇ (القرن الثالث عشر ق. م) عن ظهور هذه التسمية، مما يدل على أن إطلاقها على أيامه إنما كان خطأ تاريخيًا كما يجعلنا -في الوقت نفسه-

стр. 1181

نستبعد أن يكون كليم الله هو صاحب هذا الكلام. (١) ثالثا: الخطأ أو الشك في مكان دفن إبراهيم ﵇ -. موضع الخطأ أو الشك: أن سفر التكوين يروي أن سيدنا إبراهيم ﵇ إنما قد دفن -كذا سارة- في مغارة المكفيلة، وقد دار حول ذلك شك كبير. بيانه: لأنه منذ القرن الثامن عشر، وحتى القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لم يكن لإبراهيم وذريته مقام في غير الجنوب، عند جيرار، أو ورائها جنوبًا ولم يكن لإبراهيم مقام في حبرون ومن ثم فإن الدكتور كامبل إنما يرجح أن إبراهيم لم يدفن في مغارة المكفيلة بحبرون، على مقربة من أورشليم، ولكن الذين انتسبوا إليه تعلقوا بذكرى هذا المدفن، لتسويغ دعواهم في مملكتهم (يهوذا). (٢) رابعًا: الخطأ في مجموعة من التواريخ والأسماء موضع الأخطاء: أن سفر دانيال إنما يروي أن الملك (بيلشاصر) بن (نبوخذ نصر) أقام وليمة استعمل فيها أواني الذهب والفضة التي أخذها أبوه من هيكل أورشليم عند استيلائه على المدينة المقدسة في عام ٥٨٧ ق. م، ثم أنس الملك يدًا بشرية تخط على جدران قصره كتابة مستعجمه، فوجل قلبه، واصطكت ركبتاه، فأشارت عليه الملكة أن يفزع إلى دانيال، قائلة (إن الملك نبوخذ نصر أبوك، جعله كبير المجوس والسحرة والكلدانيين والمنجمين). وجاء دانيال إلى الملك البابلي هادرًا يعنف به؛ لأنه احتسى الخمر في الآنية المجتلبة من هيكل أورشليم، وقال: إن هذا الخط السحري المتوهج على الجدار ويقرأ هكذا (منا منا تقيل وفرسين)، ثم شرع يفسر هذا بقوله: (منا أحصى الله ملكوتك وأنها)، تقيل: وزنت بالموازين فوجدت ناقصًا، فرس: قسمت مملكتك لمادي وفارسى). ويستطرد سفر دانيال في روايته (في تلك الليلة قتل بيلشاصر ملك الكلدانيين، فأخذ المملكة داريوس المادي وهو ابن اثنين وستين سنة) (دانيال: ٥/ ١ - ٣١)

стр. 1182

ومن عجيب أن التوراة لم تشر -حتى مجرد إشارة- إلى أن الملك البابلي قد أنكر على دانيال اليهودي جرأته وتطاوله عليه، ولا جبهه إياه بهذا النذير الذي يتهدده هو وبلاده، ولم يفرط عليه في القول، بل إنه أعلن رضاه عنه وأعلى منزلته ورفع مرتبته، فجعله ثالث ثلاثة في مملكته. بيانها: وبدهي أن هناك الكثير من العقبات التي تقف حجر عثرة في قبولنا لرواية التوراة هذه، منها: (أ) أن التاريخ العالمي لم يعرف ملكًا يدعى (داريوس المادي) قتل (بيلشاصر) ملك الكلدانيين، بل إن بيلشاصر) نفسه لم يكن ملكًا على الكلدانيين. (ب) أن (بيلشاصر) هذا، لم يكن ابنًا للملك البابلي (نبوخذ نصر) (٦٠٥ - ٥٦٢ ق. م)، ولا خليفة له، ذلك لأن ولده وخليفته إنما كان (أويل مردوخ) (٥٦٢ - ٥٦٠ ق. م) ثم خلفه زوج أخته واحد قواد أبيه (نريجليسار) (نرجال- سار- أوصر) (٥٥٩ - ٥٥٦ ق. م) ثم خلفه ولده (لباشي مردوخ) (٥٥٦ ق. م) وكان طفلًا، ذبح بعد تسعة أشهر، ليحل محله (نبونيد) (٥٥٥ - ٥٣٩ ق. م) آخر ملوك بابل. وهكذا يبدو واضحًا أن (بيلشاصر) ليس ابنًا للملك البابلي (نبوخذ نصر) ولا خليفة له، وربما كان -فيما يرى بعض الباحثين- الابن الأكبر (نبونيد) وولي عهده، وربما كان نائبًا عنه في الفترة التي قضاها في تيماء -وتقع على مبعدة ١٠٤ كيلًا إلى الشمال من مدينة (العلا) الحالية ١٦٠ كيلًا إلى الشرق من خليج العقبة- بعد أن قام بحملة في العام الثالث من حكمه، استولى فيها على عدة مدن في شمال غريب الجزيرة العربية ثم أقام قصرًا في تيماء نفى فيه حينًا من الدهر، أصبحت تيماء فيه وكأنها قد غدت خليفة لبابل. (ج) أن الذي استولى على بابل إنما كان العاهل الفارسي (كيروش الثاني) (٥٥٨ - ٥٣٠٥. م)، إذ استولت جيوشه على المدينة العريقة في ١٢ أو ١٣ أكتوبر من عام ٥٣٩ ق. م وفي ٢٦ من نفس الشهر بدأ الكتاب يؤرخون باسم العاهل الجديد (كيروش ملك العالم) وفي ٢٩ أكتوبر ٥٣٩ ق. م، دخل كيروش نفسه بابل، وفرشت الورود في طريقه،

стр. 1183

وعين (جوبرياس) -والذي كان قد هرب إلى فارس منذ عشر سنوات، ليعمل في خدمة كيروش ضد قومه البابليين- واليًا (ستراب) على إقليم بابل الجديد، وأعلن كيروش أنه (الملك العظيم، الملك القوي، ملك بابل، ملك سومر وأكد، ملك كل أنحاء العالم). وهكذا يبدوا واضحًا أن الذي فتح بابل، إنما كان (كيروش الثاني) وليس (داريوس المادي) وحتى لو كان (دانيال) يقصد به الملك (دار الأول) (٥٢٢ - ٤٨٦ ق. م) الذي خلف (قمبيز الثاني) (٥٢٠ - ٥٢٢ ق. م) بن (كيروش الثاني) بعد أن تمكن من قتل المدعى (جاوماتا) ٢٢٦ الماجي والقبض على أنصاره في ٢٩ سبتمبر من عام ٥٢٢ ق. م- فمن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن (بابل) إنما قد سقطت في أيدي الفرس على أيام (كيروش الثاني) وليس على أيام (دار الأول) بل وقبل بداية حكمه بحوالي سبعة عشر عامًا (أكتوبر ٥٣٩ سبتمبر ٥٢٢ ق. م). (د) ذلك الخطأ في رواية دانيال، من أن الكلدانيين قد كملوا الملك بالآرامية (ويعني اليهودية) فليس من طبائع الأشياء أن يتحدث أهل بابل إلى ملكهم بلسان اليهود. (هـ) أن (داريوس) لم يكن ابن (أحشويروش) كما تقول التوراة في سفر دانيال - وإنما هو ابن (هستاسبس) وهو أمير من الأسرة الملكية في فارس وأن (أحشويروش) والمعروف باسم (أكزركسيس) هو ولده وقد خلفه على عرش فارس باسم (أكزر كسيس الأول) (٤٨٦ - ٤٢٤ ق. م)، ومنها (و) أن (داريوس المادي) (دار الأول) لم يكن في الثانية والستين من عمره - كما تقول التوراة عندما تولى العرش، وإنما كان في الثامنة والعشرين، ذلك لأنه مات في نوفمبر من عام ٤٨٦ ق. م، وهو في الرابعة والستين من عمره وبعد أن حكم ٣٦ عامًا. (١) خامسًا: الخطأ في القول بأن فرعون رئيس الشرطة كان خصيًا وكذا كل حاشية القصر الملكي . موضع الخطأ: ذلك الخطأ التاريخي الذي جاء في سفر التكوين بشأن وصف (فوطيفار) بأنه (خصى فرعون رئيس الشرطة) (التكوين: ٣٩/ ١).

стр. 1184

بيانه: ولست أدري كيف دار في خلد كاتب نص سفر التكوين هذا في التوراة بأن رئيس الشرطة المصرية إنما كان خصيًا، أو لم يكن دافعًا له في دحض هذه الفرية -في نظر كتبة التوراة، ومن لف لفهم- أنه كان زوج أجمل سيدة في البلاد. ولكن ما الحيلة وصاحب سفر التكوين، يرى أن حاشية القصر الملكي كلها من الخصيان، حتى لنجده إنما يصف رئيس سقاة الفرعون ورئيس الخبازين في قصره بأنهما من الخصيان، إذ يقول (فسخط فرعون على خصيه رئيس السقاة، ورئيس الخبازين) (التكوين: ٤٠/ ٢). وفي الواقع، إن ذلك أمرًا، ما اعتدناه في مصر الفراعنة، وماحدثنا تاريخها به، وإنما ذلك رأي يهود الأسر البابلي، حين كتبوا توراتهم على ضفاف الفرات في القرن السادس قبل الميلاد، متأثرين بكل الحضارات القديمة التي شاهدوها، أو التي عاشوها في ظلالها من ناحية، وبحقدهم الأعمى من ناحية أخرى، حتى أعماهم عن حقائق التاريخ فجعلوا كل رجال البلاط المصري من الخصيان. (١) سادسًا: الخطأ في الفترة التي يتم فيها التحنيط: موضع الخطأ: ما جاء في سفر التكوين من أن الصديق ﵇ إنما قد (أمر عبيده الأطباء أن يحنطوا أباه، فحنط الأطباء إسرائيل، وكان له أربعون يومًا لأن هكذا تكمل أيام المحنطين) (التكوين ٥٠/ ٢ - ٣). بيانه: وهذا في الواقع خطأ ذلك لأن مدة التحنيط إنما كانت سبعين يومًا -وليس أربعين يومًا- على أرخص الأنواع، ولأفقر الناس، وأن هناك أنواعًا ثلاثة من التحنيط، وهي -إن اختلفت في المواد المستعملة، أو في كيفية التحنيط- فإنها إنما تتفق جميعًا على أن مدة التحنيط إنما كانت سبعين يومًا. (٢) سابعًا: الخطأ في عصر إطلاق لقب فرعون على من يملك مصره موضع الخطأ: ما درج عليه سفر التكوين من إطلاق لقب (فرعون) على ملك مصر، أثناء

стр. 1185

سرده لقصتي إبراهيم ويوسف، ﵉، دون أن يضيف اسمًا آخر إلى لقبه هذا. (التكوين (١٢: ١٤ - ٢٠)، (٣٩: ١)، (٤٠: ٢ - ٢١)، (٤١: ٤٦)، (٤٢: ١٥)، (٤٧: ١ - ٤٦)، (٥٠: ٤ - ٧). بيانه: ويرى الأستاذ حبيب سعيد أن هذه إنها كانت هي العادة المتبعة في القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، أما في عهد (سليمان) (٩٦٥ - ٩٢٢ ق. م) فقد جرت العادة أن تضاف كلمة (ملك مصر) إلى لقب (فرعون) أو اسم فرعون نفسه - كما في سفر الملوك الأول. والرأي عندنا أن الأمر غير ذلك تمامًا -كما سوف نرى حالًا- وإن كان من الأفضل هنا، أن نشير -قبل أن نتعرض للقب (فرعون) بالمناقشة- إلى أن القرآن الكريم قد حرص في سرده لقصة يوسف الصديق ﵇ الذي عاش في مصر أيام الهكسوس - على أن يلقب حاكم مصر الذي عاصره بلقب (الملك) بينما حرص على أن يلقب حاكم مصر الذي عاصر موسى الكليم ﵇ بلقب (فرعون). ومن المعروف تاريخيًا أن كلمة (فرعون) في صيغتها المصرية (بر- عو) أو (بر- عا) إنما كانت تعني- بادئ ذي بدء- (البيت العالي) أو (البيت العظيم) وهي طريقة من الطرائق الكثيرة التي كانت تشير إلى القصر الملكي وليس إلى ساكنه- ثم حدث خلال عصر (تحوتمس الثالث) (١٤٩٠ - ١٤٣٦ ق. م) أن الاصطلاح (بر- عو) (أو فرعون) إنما بدئ في إطلاقه على الملك نفسه وانطلاقًا من هذا، فإن إطلاق كلمة أو لقب (فرعون) على ملك مصر قبل عصر (تحوتمس الثالث) إنما يعد خطًا في تسلسل تواريخ الأحداث حيث أصبحت لفظة (فرعون) تعبيرًا محترمًا، يقصد به الملك نفسه منذ هذه الفترة من عصر الأسرة الثامنة عشرة وعلى أي حال فإن استعمال لقب (فرعون) إنما يبدو مؤكدًا منذ أيام (إخناتون) (١٣٦٧ - ١٣٥٠ ق. م) حيث يشير (سير أن جاردنر) العالم الحجة في اللغة المصرية القديمة - إلى أن هناك خطابًا من عهد (إخناتون) استعمل فيه لقب (فرعون) بالنسبة إلى ملك مصر (إي إخناتون) ثم سرعان ما أصبح لقب (فرعون) منذ الأسرة التاسعة عشرة (١٣٠٨ - ١١٩٤

стр. 1186

ق. م) وما بعدها يستعمل في بعض الأحيان كمرادف لكلمة (جلالته) ومن هذا الوقت أصبحنا نقرأ، خرج فرعون، و (قال فرعون .... وهكذا) ومن ثم فإنه يبدو لي أن القرن الكريم وإنما أراد أن يفرق بين حاكم مصر الأجنبي في أيام يوسف على عصر الهكسوس، وبين حاكم مصر الوطني على أيام موسى، فأطلق على الأول لقب (ملك) وعلى الثاني لقب (فرعون) وهو اللقب الذي كان يطلق على ملوك مصر وقت ذاك، هذا فضلًا عن أن ذلك إنما هو من إعجاز القرآن الذي لا إعجاز بعده. وإذا ما عدنا إلى التوراة لوجدنا أن الحقائق التاريخية إنما تقف ضد ما جاء فيها بشأن لقب (فرعون) ذلك لأن التوراة إنما تستعمل هذا اللقب حين يجب أن تستعمل لقب ملك وذلك في الفترة السابقة للأسرة الثامنة عشرة المصرية، وفي نفس الوقت إنما هي تستعمل لقب (ملك) حين يجب أن تستعمل لقب (فرعون) وذلك منذ الأسرة الثامنة عشرة وما بعدها. (١) ثامنًا: الخطأ في عصر تاريخ إطلاق كلمة رعمسيس: موضع الخطأ: ما جاء في سفر التكوين من أن يوسف ﵇، إنما قد أسكن أباه وإخوته في أرض رعمسيس. (التكوين/ ٤٧: ١١). بيانه: وهذا خطأ تاريخي ذلك لأن كلمة (رعمسيس) لا تستعمل قبل الأسرة التاسعة عشر (١٣٠٨ - ١١٩٤ ق. م) وليس منذ عصر الهكسوس (حوالي ١٧٢٥ - ١٥٧٥ ق. م) أي عصر يوسف الصديق ﵇. (٢) تاسعًا: الخطأ في ذكر ملك لا يعرفه التاريخ في هذه الحقبة الزمنية اسمه (سوا) الخطأ: ما جاء في التوراة من أن (هوشع) (٧٣٣ - ٧٣٤ ق. م) ملك إسرائيل، قد أعلن العصيان -بل والثورة- على (شلمنصر الخامس) ٢٣١ (٧٢٧ - ٧٢٢ ق. م) ملك أشور، وأنه قد (أرسل رسلًا إلى (سوا) ملك مصر ولم يؤد جزية إلى ملك أشور حسب كل سنة) (الملوك الأول/ ١٧: ٤ - ٥).

стр. 1187

بيانه: ومن المعروف تاريخيًا أنه ليس هناك ملك في هذه الفترة من تاريخ مصر يحمل اسم (سوا) ومن هنا حاول بعض الباحثين أن يقرنوا هذا ال (سوا) ب (سيبه) (تورتان مصر) الذي تشير إليه حوليات العاهل الأشوري (سرجون الثاني) (٧٢٢ - ٧٠٥ ق. م) بأنه خرج من (ربيجو) (وهي رفح المصرية على المقربة من حدود فلسطين) مع (هنو) ملك غزة لكي يقوما بمعركة حاسمة وكان (هنو) قد هرب في عهد تجلات بلاسر الثالث) (٧٢٧ - ٧٢٧ ق. م) إلى مصر. ويرى (سير ألن جاردنر) أنه ليس من الممكن أن يكون (سوا) أو (سيبه) من الناحيتين اللغوية والتاريخية الملك الأثيوبي (شبكو) (٧١٦ - ٦٩ من. م) ومن ثم فهذه -في أغلب الأمر- أسماء قواد، وذلك لأن الاسم (سوا) لا يمكن أن يكون (شبكو) كما أن (شبكو) نفسه لم يحكم مصر إلا في حوالي ٧١٥ ق. م (أو ٧١٦ ق. م)، وأن طلب المساعدة إنما تم قبل ذلك بعقد من الزمان في حوالي عام ٧٢٥ ق. م ويرى (أوسترلي) أنه واحد من أمراء الدلتا، بل ربما -فيما يرى جيمس هنري برستد، وهوجرفنكلر، وغيرهما- كان حاكمًا لولاية (موصرو) والتي تقع في شمال بلاد العرب، وتحمل اسمًا مشابهًا لاسم مصر ويرى (كتشن) أن طلب (هوشع) ملك إسرائيل في عام ٧٢٥ ق. م، مساعدة (سوا) ملك مصر -طبقًا لرواية سفر الملوك الثاني- إنما تقع في عهود أوسركون الرابع) (٧٣٠ - ٧١٥ ق. م) ملك تانيس وبوباسته (من الأسرة الثانية والعشرية) و (أيوب وت الثاني) ملك (لينتو بوليس) (من الأسرة الثالثة والعشرين) و (تف تخت) (٧٢٨/ ٧٢٧ - ٧٢٠ ق. م) ملك سايس (من الأسرة الرابعة والعشرين) وأن كل الأسس التاريخية والجغرافية والنصية والسياسية تجعل من (أوسكرن الرابع) أفضل المرشحين لأن يكون (سوا). ويدل لقب (سوا) هذا واسمه على أنه ليس هو (سيبه) وتورتان مصر (قائد جيش مصر)، الذي ذكته حوليات سرجون الثاني ملك آشور في عام ٧٢٠ ق. م، فقائد الجيش

стр. 1188

ليس هو الفرعون، فضلًا عن أن اسم هذا القائد إنما يقرأ، وليس (سيبه)، وأخيرًا فإن النص العبري لن يقرأ (وزير مصر) كما اقترح البعض. ويعارض (كتشن) كذلك في أن يكون (سوا) هو (أيوبوت الثاني) وأما (تف نخت) فهناك من يقترحه على أساس أن فترة حكمه كملك (٧٢٨/ ٧٢٧ - ٧٢٠ ق. م) تتناسب والحادث موضوع المناقشة، كما أن هناك من يقترح توحيد الكلمة العبرية (سوا)، وتفسر على أنها الأصل للاسم الحوري للملك (تف نخت)، إلا أن ذلك خيالًا واسعًا كما أنه غير مقبول بصفة عامة، هذا فضلًا عن أن الحكام والكتاب الأجانب لا يشيرون إلى الفراعين المصريين إلا بأسمائهم التي ترد في خراطيشهم وفي العصر المتأخر (من الأسرات ٢٢ إلى ٢٦) بأسمائهم الشخصية فحسب، ومن ثم فإن (سوا) لا يمكن أن يكون (سيبه). وهناك من يقترح أن يقرأ نص سفر الملوك الثاني (١٧: ٤) (أن يوسِّع قد أرسل رسلًا إلى سايس، إلى ملك مصر) ومعنى هذا أنه ترك الملك (تف- نخت) دون أن يسميه، وأن (تف نخت) كان أقوى من كل من (أوسركون الرابع) و (إيو بوت الثاني) ورغم أن ذلك ربما كان صحيحًا إلى حد ما، فإن إمارة (تف نخت) إنما تقع في غريب الدلتا، فضلًا عن أنها ليست أكبر بكثير من المساحة التي كان يحكمها (أوسركون الرابع) كوريث للأسرة الثانية والعشرين (٢٣٤ وأما عن محاولة معاملة (سايس) مع (تف نخت)، فهناك عقبات كؤود تقف أمامها وهي: (أ) أننا نجد من الناحية الجغرافية أن (سايس) بعيدة جدًّا بدرجة لا تسمح ل (تف نخت) تقديم العون لملك إسرائيل. (ب) أن قراءة (سوا) في نص الملوك الثاني (١٧: ٤) على أنها (سايس) تتطلب تنقيحًا في النص لا مبرر له، بل ليس هناك حاجة إلى ذلك مطلقًا، ذلك لأن (سوا) اسم شخص، و (سايس) اسم مكان. (ج) أن هناك تخالفًا قائمًا (منذ أوسركون الثاني وتكلوت الثاني) بين ملوك الأسرة الثانية والعشرين والعبرانيين، ولم تكن إمارة سايس معروفة حتى تلك اللحظة في البلاط

стр. 1189

الإسرائيلي. (د) أن الأنبياء العبرانيين في تلك الأيام، إنما كانوا يهاجمون بعنف أولئك الرسل الذين كانوا يذهبون إلى شرق الدلتا, وليس إلى سايس البعيدة فالنبي إشعياء (٧٣٤ - ٦٨٠ ق. م) يعلن أن رؤساء صوعن أغبياء، ثم يندد بالحكام العبرانيين (الذين ينزلون إلى مصر ولم يسألوا فمى ليلتجئوا إلى حصن فرعون ويحتموا بطل فرعون) وذلك لأن رؤساءه صاروا في صوعن، وبلغ رسله إلى حانيس)، وهكذا يؤكد النبي العبراني، في القرن الثامن قبل الميلاد -عدم جدوى التحالف مع فرعون، وقد كان هذا الفرعون ومستشاروه في (تانيس) - والتي كانت في الغالب عاصمة مصر، فيما بين الأسرتين (تف نخت). (هـ) أنه ليس هناك من هو أكثر ملاءمة من (أوسركون الرابع) ملك تانيس وبوباسته -فيما يرى كتشن- ومع ذلك لم يستطع أن يقدم لنا ملكًا يحمل اسم (سوا) الذي جاء اسمه في التوراة، من بين ملوك مصر على وجه اليقين. (١) عاشرًا: الخطأ في القول بأن يربعام بنى مدينة (شكيم) موضع الخطأ: ما يرويه سفر الملوك الأول من أن (يربعام) ملك إسرائيل (٩٢٢ - ٩٥١ ق. م) قد بنى (شكيم في جبل أفرايم وسكن بها) (ملوك أول/ ١٢: ٢٥). بيانه: ولعل المقصود بذلك أن (يربعام) إنما قد نظم مدينة (شكيم) وهي تل بلاطة على مقربة من (نابلس الحالية) كمدينة ملكية، فالمدينة -طبقًا لرواية التوراة نفسها- إنما هي أقدم من الملك (يربعام) بآلاف السنين، وقد زارها إبراهيم الخليل ﵇ في زيارته الأولى لكنعان، قادمًا من حران وبنى هناك مذبحًا للرب أو قل محرابًا لعبادة الله الواحد الأحد - حيث نزل هناك في مكان (بلوطة مورة) بين جبل عيبال وجرزيم هذا فضلًا عن أن سفر القضاة إنما يشير إلى أن القوم من أهل شكيم إنما قد اجتمعوا في مدينتهم، وهناك (جعلوا أبيمالك ملكًا عند بلوطة النصب التي في شكيم)، هذا إلى أن سفر الملوك الأول نفسه -

стр. 1190

وفي نفس الإصحاح الثاني عشر - قد سبق أن أخبرنا أن قبائل إسرائيل قد اجتمعت في شكيم لاختيار (رحبعام) بن (سليمان) ملكًا عليهم بشروطهم. (١) الحادي عشر: الخطأ في القول بأن سليمان بنى مدينة تدمر موضع الخطأ: ما جاء في التوراة -في سفري الملوك الأول، والأخبار الثاني- من أن سيدنا سليمان ﵇ قد بني مدينة (تدمر) في البرية (ملوك أول (٩: ١٨)، أخبار أيام ثان (٨: ٤)، والأمر كذلك بالنسبة إلى المؤرخ اليهودي (يوسف بن متى). بيانه: وليس هناك من شك في أن وجهة النظر هذه خاطئة، ذلك لأن مدينة (تدمر) إنما قد ذكرت في الوثائق الآشورية منذ أيام الملك الأشوري (تجلات بلاسر الأول) (١١١٦ - ١٠٩٠ ق. م) في صورة (تدمر أمورو) ٢٣٧ أي قبل أن يولد سليمان نفسه، وبفترة تسبق ما دون في التوراة بشأنها، بأكثر من سبعة قرون. ومن هنا فقد رأى العلماء أن الرواية التي تذهب إلى أن سليمان هو الذي بني تدمر، إما أنها أرادت أن تعظم من شأن مملكة إسرائيل كعادة الروايات اليهودية -وكأن مكانة النبي الكريم لا تتأتى إلا ببناء المدن واتساع مملكته وليست برسالته السماوية- ومن ثم فقد نسبت إليه بناء هذه المدينة التي تقع في منطقة بعيدة عن حدود دولته إسرائيلية، وإما أن هناك خطأ قد وقع فيه كاتب الحوليات العبراني حين خلط بين (ثامار) التي أسسها سليمان، وهي موضع جاء ذكره في سفر حزقيال، ويقع إلى الجنوب الشرقي من (يهوذا)، وإن كنا لا ندري موقعه الآن على وجه التحقيق وربما كانت الشهرة التي اكتسبتها (تدمر) على أيام كتبة الأسفار العبرانيين هي السبب في نسبة بنائها إلى النبي الكريم. وانطلاقًا من هذا كله، فقد ذهب كتبة الأسفار هؤلاء إلى أن المدينة التي بناها سليمان، ليست هي (ثامار) وإنما هي (تدمر) والتي كانت مدينة عامرة بسكانها، وذات شهرة في مجاوراتها، فيما بين عامي ٣٠٠ و ٢٠٠ ق. م. (٢)

стр. 1191

الثاني عشر: الخطأ في ذكر وادي لا يعرفه التاريخ موضع الخطأ: ما جاء في التوراة -في سفر يوئيل- من أن الرب بعد أن يرد سبي يهوذا، سوف يجمع كل الأمم في (وادي يهوشافاط (١) لمحاكمتهم على ما فعلوه بإسرائيل (يوئيل/ ٣: ١ - ٣) لأن من يمس إسرائيل، إنما يمس حدقة عين رب الجنود (زكريا/ ٢: ٨)، أو -كما يرى الأستاذ حبيب سعد- أن هناك حربًا عظمى سوف تنشب، تتجمع فيها كل شعوب الأرض للهجوم على أورشليم ولكن الله يتدخل ويهزم هذه الشعوب في وادي (يهوشافاط). بيانه: وفي الحقيقة أن التاريخ لا يذكر واديًا باسم وادي (يهوشافاط) ومن هنا تسقط قيمة النص تاريخيًا، أو على الأقل، أن ما جاء به لا يعدو أن يكون مجرد أسطورة. ويبدو أن ميل رواة أسفار الكتاب المقدس إلى الأسطورة لم يقتصر -كما يقول أستاذنا الدكتور حسن ظاظا- على ما يتعلق بهم وحدهم، بل تعدى ذلك إلى أصل السكان في فلسطين، فجعلوا لهم أممًا بائدة تصوروا أنهم كانوا عمالقة ومردة، وأنهم كانوا شعوبًا وقبائل لها أسماء تميزها، ذكروا منها: (النفليم) و (الإيميم) و (الرفائيم) و (الزوزيم) وو (الزمزميم) و (العناقيم). ويلاحظ (أرنست رينان) أن هذه الظاهرة إنما كانت فاشية في طفولة جميع الشعوب المستقرة المتحضرة، إذ تتخيل الإنسانية الهمجية الأولى على شكل بشر لهم أجساد خرافية في الطول والعرض، ولهم قوة وبأس على مستوى الخرافات والأساطير. (٢) الثالث عشر: الخطأ في تفسير اختلاف اللغات والأجناس موضع الخطأ وبيانه: تلك الأساطير التي جاءت في سفر التكوين بشأن قصة حصن بابل (التكوين/ ١١: ١ - ٩)، وكيف قدمت التوراة فيها تفسيرًا ساذجًا غير علمي

стр. 1192

لاختلاف اللغات والأجناس، ذلك أنها تروي أن الله، ، قد رأى سلالة الناجين من الطوفان يبنون برجًا بغية الوصول إليه في علياء سمائه، وكانوا يحسبون السماء أشبه بلوح زجاجي يعلو على الأرض بضع مئات مئات من الأمتر، فخشي شرهم واحتاط لنفسه، فهبط الأرض وبلبل ألسنتهم فتفرقوا شذر مذر، ومن ثم فقد (كفوا عن بنيان المدينة لذلك دعي اسمها بابل لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض. (١) الرابع عشر: الخطأ في تفسير سبب السنة الكونية وجعلها علامة على نقصان ربهم ونسيانه . موضع الخطأ وبيانه: ما جاء في سفر التكوين بشأن (قوس قزح) التي تظهر في الأفق غب المطر (٢)، بأن الله إنما قد أنشأها لتكون تذكرة له، بألا يعود إلى إغراق الأرض أبدًا: (وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض، فيكون متى أنشر سحابًا على الأرض وتظهر القوس في السحاب، أني أذكر ميثاقي بيني وبينكم، وبين كل نفس حية في جسد، فلا تكون أيضًا المياه طوفانًا، لتهلك كل ذي جسد) (التكوين/ ٩: ١٣ - ١٥) الخامس عشر: الخطأ في أسطورة فنوئيل موضع الخطأ: تلك الأسطورة التي يرويها سفر التكوين لتفسير اسم (فنوئيل) في شرق الأردن، بأنه المكان الذي رأى فيه يعقوب (وجه الله) إذ تذهب رواية التوراة إلى أن يعقوب ﵇ بينما كان عائدًا من (فدان آرام) إلى أرض كنعان، وهناك عند (مخاضة يبوق)، وقد أجاز يعقوب عائلته عبر الوادي، يبرز له من يصارعه حتى مطلع الفجر، صراع رهيب يكاد فيه يعقوب يتغلب على خصمه لولا حركة مخالفة للأصول، يصاب فيها يعقوب بضربة ينخلع لها حق الورك، ويسأل يعقوب غريمه فلا يجيبه، وإن كان يباركه،

стр. 1193

فيطلق عليه اسم (إسرائيل) فيفرح يعقوب ويسمى المكان (فنوئيل) (وجه الله) قائلًا: (لأني نظرت الله وجهًا لوجه، ونجيت نفسي)، وتشرق الشمس، فإذا بيعقوب يجمع على فخذه، ومن ثم (لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا الذي على حق الفخذ, لأنه ضرب حق فخذ يعقوب على عرق النسا) (التكوين/ ٣٢: ٢ - ٣٢). بيانه: ومن هنا فنحن لا نعجب كثيرًا لهذه الأساطير التي تطالعنا بها التوراة من حين لآخر، فهي أصلًا مجموعة من قصص تناقلته الأجيال وأخضعته للطابع المأثوري وهو أمر يكاد ينطبق على أغلب قصص الآباء الأولين التي أريد بها تقدمة لتاريخ بني إسرائيل، فهي إذن ليست من التاريخ بشيء، وإلا لما قوبلنا بتلك الفجوة التي امتدت إلى أربعمائة وثلاثين عامًا- وهي فترة بقائهم بمصر. ومن ثم فكيف يتأتى لمنطق تحدوه النظرة العلمية، أن يتقبل -على صلاته- قصصًا زخر بدقة ما بعدها دقة تفصيلًا لحياة الآباء الأولين، حتى أنها لتسجل أحيانًا، كلمة فكلمة، ما يزعم أن تفوهوا بها في مناسبات، بينما نجد من بعد أن قد مسحت ذاكرة القوم مسحًا، فيما يتعلق بفترة ربما كانت أعصب فترات (الحياة القومية) - لو أننا بصدد أمة كان لها بالفعل كيان من قومية متصلة. (١) السادس عشر: الخطأ في جعل أسطورة أستير حقيقة موضع الخطأ: ما جاء في سفر أستير من أنه كان في بلاد فارس وزير يدعى هامان، اشتهر باضطهاد اليهود، فأتمر اليهود بالوزير الفارسي، وأرسلوا إلى مليكه فتاة لعوبًا من بناتهم اسمها (أستير) سلبته نبه فاستخذى لها وفتك بوزيره هامان ابتغاء مرضاتها، وخف اليهود إلى العمل ففتكوا به وبأبنائه العشرة والألوف من أنصاره (٧٥ ألفًا، فيما يقال) ذبحوا ذبح الشياه، ثم (استراحوا في اليوم الرابع (من شهر آذار = مارس) وجعلوه يوم شرب وفرح) -وهو عيد الفوريم- وما يزال يوم الشرب والفرح هذا حتى اليوم. (استير/ ٩: ١٦ - ١٧).

стр. 1194

بيانه: ولعل سائلًا يتسائل: هل كانت أستير هذه شخصية تاريخية؟ أم أن القصة أسطورة عبثت بوجدان عميق الجذور؟ ثم هل من بين ملكات فارس من تدعى أستير؟ أليست أستير تجسيدًا حيًّا للربة (عشتار)، وأن التشابه بين الاسمين لا يخفى على إنسان، ليس هذا فحسب، وإنما الرجل الذي كفلها، قيل اتخذها ابنة ولكن هناك ما يوميء إلى أنها كانت زوجة سًرا، هو (مردخاي) كان أن يكون سمى الإله (مردوك) (مردوخ) - زعيم الأرباب البابليين، وإله الزوابع- يتمكن بمعونة عشتار من الفتك بأعداء اليهود، فأنما القرابين تقدم إلى (الذات) التي تكتمل بدرًا في الرابع عشر من شهر آذار (مارس)، فلا يغربن عن بالنا، أن التقويم العبري ما يزال قمريًا حتى لحظتنا هذه. وعلى أي حال، فإن سفر استير هذا إنما هو موضع شك كبير عند شراح التوراة ونقادها: - لعدم وجود اسم الجلالة فيه أولًا. - ولعدم اقتباس العهد الجديد (الإنجيل) منه ثانيًا. - ولوجود مبالغات كثيرة فيه ثالثًا. - ولأن بطله مردخاي إنما كان من سبس عام ٥٨٧ ق. م، ومن ثم فإنه في العام الثالث من حكم الملك الفارسي (أكزركسيس الأول) (أي حوالي عام ٤٨٢ ق. م) يكون قد بلغ المائة وعشرين عامًا، كما أن أستير يجب أن تكون في هذه الفترة عجوزًا. وهكذا يذهب كثير من العلماء إلى أن هذا السفر الذي يتحدث عن (عيد الفوريم) (البوريم)، ما هو في الواقع إلا انتحال من الأدب البابلي، الذي يحكي ملجمة حربية بين الالهة البابلية والعيلامية، ومن ثم فقد قال (مارتن لوثر) (١٤٨٣ - ١٥٤٦) - زعيم الإصلاح البروتستانتي- (ليت هذا السفر لم يوجد ففيه حتى لم يرد اسم الله، كما أنه ليس فيه ما يحمد عليه). (١)

стр. 1195

الفصل السابع: الكتاب المقدس والعلم الحديث . وفي هذا الباب سنقوم بعرض الكتاب المقدس على العلم الحديث لنرى مدى التوافق المفترض وجوده بين ما يفترض أن يكون وحيًا وبين الكون الذي خلقه منزل هذا الوحي والحقائق التي ركبها فيه. المبحث الأول: موقف النصارى من العلم اعتقادًا وتشريعًا . المبحث الثاني: دراسة نصوص الكتاب المقدس في ضوء العلم الحديث. المبحث الثالث: موقف المفسرين النصارى من الأخطاء في نصوص الكتاب المقدس. وإليك التفصيل المبحث الأول: موقف النصارى من العلم اعتقادًا وتشريعًا. أولًا: الأصول التي تحدد هذا الموقف وهي: الأصل الأول: الخوارق . أول أصل قام عليه الدين المسيحي، وأقوى عماد له هو خوارق العادات. تقرأ الأناجيل فلا تجد للمسيح ﵇ دليلًا على صدقه إلا ما كان يصنع من الخوارق وعددها في الأناجيل يطول شرحه. ثم إنه جعل ذلك دليلًا على صحة الدين لمن يأتي بعده، فجعل لأصحابه ذلك كما تراه في الإصحاح العاشر من إنجيل متى وغيره إذا تتبعت جميع ما قال الأولون من أهل هذا الدين تجد خوارق العادات من أظهر الآيات على صحة الاعتقادات ولا يخفى أن خارق العادة هو الأمر الذي يصدر مخالفًا لشرائع الكون ونواميسه فإذا ساغ أن يكون ذلك لكل من على كعبه في الدين لم يبق عند صاحب الدين ناموس يعرف له حكم مخصوص. زاد الإنجيل على هذا أن الإيمان ولو كان مثل حبَّة خردل كاف في خرق نواميس الكون كما قال في الإصحاح السابع عشر من متى ١٠: فَالحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لهِذَا الجْبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لدَيْكُمْ. وفي الحادي عشر من مرقس ٢٣: لأَنِّي الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَال لهِذَا الجْبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ! وَلَا يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَال يَكُونُ لَهُ. لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ.
следующие страницы →