الثاني عشر: الخطأ في ذكر وادي لا يعرفه التاريخ
موضع الخطأ: ما جاء في التوراة -في سفر يوئيل- من أن الرب بعد أن يرد سبي يهوذا، سوف يجمع كل الأمم في (وادي يهوشافاط (١) لمحاكمتهم على ما فعلوه بإسرائيل (يوئيل/ ٣: ١ - ٣)
لأن من يمس إسرائيل، إنما يمس حدقة عين رب الجنود (زكريا/ ٢: ٨)، أو -كما يرى الأستاذ حبيب سعد- أن هناك حربًا عظمى سوف تنشب، تتجمع فيها كل شعوب الأرض للهجوم على أورشليم ولكن الله يتدخل ويهزم هذه الشعوب في وادي (يهوشافاط).
بيانه: وفي الحقيقة أن التاريخ لا يذكر واديًا باسم وادي (يهوشافاط) ومن هنا تسقط قيمة النص تاريخيًا، أو على الأقل، أن ما جاء به لا يعدو أن يكون مجرد أسطورة.
ويبدو أن ميل رواة أسفار الكتاب المقدس إلى الأسطورة لم يقتصر -كما يقول أستاذنا الدكتور حسن ظاظا- على ما يتعلق بهم وحدهم، بل تعدى ذلك إلى أصل السكان في فلسطين، فجعلوا لهم أممًا بائدة تصوروا أنهم كانوا عمالقة ومردة، وأنهم كانوا شعوبًا وقبائل لها أسماء تميزها، ذكروا منها: (النفليم) و (الإيميم) و (الرفائيم) و (الزوزيم) وو (الزمزميم) و (العناقيم).
ويلاحظ (أرنست رينان) أن هذه الظاهرة إنما كانت فاشية في طفولة جميع الشعوب المستقرة المتحضرة، إذ تتخيل الإنسانية الهمجية الأولى على شكل بشر لهم أجساد خرافية في الطول والعرض، ولهم قوة وبأس على مستوى الخرافات والأساطير. (٢)
الثالث عشر: الخطأ في تفسير اختلاف اللغات والأجناس
موضع الخطأ وبيانه: تلك الأساطير التي جاءت في سفر التكوين بشأن قصة حصن بابل (التكوين/ ١١: ١ - ٩)، وكيف قدمت التوراة فيها تفسيرًا ساذجًا غير علمي
стр. 1192
لاختلاف اللغات والأجناس، ذلك أنها تروي أن الله، ، قد رأى سلالة الناجين من الطوفان يبنون برجًا بغية الوصول إليه في علياء سمائه، وكانوا يحسبون السماء أشبه بلوح زجاجي يعلو على الأرض بضع مئات مئات من الأمتر، فخشي شرهم واحتاط لنفسه، فهبط الأرض وبلبل ألسنتهم فتفرقوا شذر مذر، ومن ثم فقد (كفوا عن بنيان المدينة لذلك دعي اسمها بابل لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض. (١)
الرابع عشر: الخطأ في تفسير سبب السنة الكونية وجعلها علامة على نقصان ربهم ونسيانه .
موضع الخطأ وبيانه: ما جاء في سفر التكوين بشأن (قوس قزح) التي تظهر في الأفق غب المطر (٢)، بأن الله إنما قد أنشأها لتكون تذكرة له، بألا يعود إلى إغراق الأرض أبدًا: (وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض، فيكون متى أنشر سحابًا على الأرض وتظهر القوس في السحاب، أني أذكر ميثاقي بيني وبينكم، وبين كل نفس حية في جسد، فلا تكون أيضًا المياه طوفانًا، لتهلك كل ذي جسد) (التكوين/ ٩: ١٣ - ١٥)
الخامس عشر: الخطأ في أسطورة فنوئيل
موضع الخطأ: تلك الأسطورة التي يرويها سفر التكوين لتفسير اسم (فنوئيل) في شرق الأردن، بأنه المكان الذي رأى فيه يعقوب (وجه الله) إذ تذهب رواية التوراة إلى أن يعقوب ﵇ بينما كان عائدًا من (فدان آرام) إلى أرض كنعان، وهناك عند (مخاضة يبوق)، وقد أجاز يعقوب عائلته عبر الوادي، يبرز له من يصارعه حتى مطلع الفجر، صراع رهيب يكاد فيه يعقوب يتغلب على خصمه لولا حركة مخالفة للأصول، يصاب فيها يعقوب بضربة ينخلع لها حق الورك، ويسأل يعقوب غريمه فلا يجيبه، وإن كان يباركه،
стр. 1193
فيطلق عليه اسم (إسرائيل) فيفرح يعقوب ويسمى المكان (فنوئيل) (وجه الله) قائلًا: (لأني نظرت الله وجهًا لوجه، ونجيت نفسي)، وتشرق الشمس، فإذا بيعقوب يجمع على فخذه، ومن ثم (لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا الذي على حق الفخذ, لأنه ضرب حق فخذ يعقوب على عرق النسا) (التكوين/ ٣٢: ٢ - ٣٢).
بيانه: ومن هنا فنحن لا نعجب كثيرًا لهذه الأساطير التي تطالعنا بها التوراة من حين لآخر، فهي أصلًا مجموعة من قصص تناقلته الأجيال وأخضعته للطابع المأثوري وهو أمر يكاد ينطبق على أغلب قصص الآباء الأولين التي أريد بها تقدمة لتاريخ بني إسرائيل، فهي إذن ليست من التاريخ بشيء، وإلا لما قوبلنا بتلك الفجوة التي امتدت إلى أربعمائة وثلاثين عامًا- وهي فترة بقائهم بمصر.
ومن ثم فكيف يتأتى لمنطق تحدوه النظرة العلمية، أن يتقبل -على صلاته- قصصًا زخر بدقة ما بعدها دقة تفصيلًا لحياة الآباء الأولين، حتى أنها لتسجل أحيانًا، كلمة فكلمة، ما يزعم أن تفوهوا بها في مناسبات، بينما نجد من بعد أن قد مسحت ذاكرة القوم مسحًا، فيما يتعلق بفترة ربما كانت أعصب فترات (الحياة القومية) - لو أننا بصدد أمة كان لها بالفعل كيان من قومية متصلة. (١)
السادس عشر: الخطأ في جعل أسطورة أستير حقيقة
موضع الخطأ: ما جاء في سفر أستير من أنه كان في بلاد فارس وزير يدعى هامان، اشتهر باضطهاد اليهود، فأتمر اليهود بالوزير الفارسي، وأرسلوا إلى مليكه فتاة لعوبًا من بناتهم اسمها (أستير) سلبته نبه فاستخذى لها وفتك بوزيره هامان ابتغاء مرضاتها، وخف اليهود إلى العمل ففتكوا به وبأبنائه العشرة والألوف من أنصاره (٧٥ ألفًا، فيما يقال) ذبحوا ذبح الشياه، ثم (استراحوا في اليوم الرابع (من شهر آذار = مارس) وجعلوه يوم شرب وفرح) -وهو عيد الفوريم- وما يزال يوم الشرب والفرح هذا حتى اليوم. (استير/ ٩: ١٦ - ١٧).
стр. 1194
بيانه: ولعل سائلًا يتسائل: هل كانت أستير هذه شخصية تاريخية؟ أم أن القصة أسطورة عبثت بوجدان عميق الجذور؟ ثم هل من بين ملكات فارس من تدعى أستير؟
أليست أستير تجسيدًا حيًّا للربة (عشتار)، وأن التشابه بين الاسمين لا يخفى على إنسان، ليس هذا فحسب، وإنما الرجل الذي كفلها، قيل اتخذها ابنة ولكن هناك ما يوميء إلى أنها كانت زوجة سًرا، هو (مردخاي) كان أن يكون سمى الإله (مردوك) (مردوخ) - زعيم الأرباب البابليين، وإله الزوابع- يتمكن بمعونة عشتار من الفتك بأعداء اليهود، فأنما القرابين تقدم إلى (الذات) التي تكتمل بدرًا في الرابع عشر من شهر آذار (مارس)، فلا يغربن عن بالنا، أن التقويم العبري ما يزال قمريًا حتى لحظتنا هذه.
وعلى أي حال، فإن سفر استير هذا إنما هو موضع شك كبير عند شراح التوراة ونقادها:
- لعدم وجود اسم الجلالة فيه أولًا.
- ولعدم اقتباس العهد الجديد (الإنجيل) منه ثانيًا.
- ولوجود مبالغات كثيرة فيه ثالثًا.
- ولأن بطله مردخاي إنما كان من سبس عام ٥٨٧ ق. م، ومن ثم فإنه في العام الثالث من حكم الملك الفارسي (أكزركسيس الأول) (أي حوالي عام ٤٨٢ ق. م) يكون قد بلغ المائة وعشرين عامًا، كما أن أستير يجب أن تكون في هذه الفترة عجوزًا.
وهكذا يذهب كثير من العلماء إلى أن هذا السفر الذي يتحدث عن (عيد الفوريم) (البوريم)، ما هو في الواقع إلا انتحال من الأدب البابلي، الذي يحكي ملجمة حربية بين الالهة البابلية والعيلامية، ومن ثم فقد قال (مارتن لوثر) (١٤٨٣ - ١٥٤٦) - زعيم الإصلاح البروتستانتي- (ليت هذا السفر لم يوجد ففيه حتى لم يرد اسم الله، كما أنه ليس فيه ما يحمد عليه). (١)
стр. 1195
الفصل السابع: الكتاب المقدس والعلم الحديث .
وفي هذا الباب سنقوم بعرض الكتاب المقدس على العلم الحديث لنرى مدى التوافق المفترض وجوده بين ما يفترض أن يكون وحيًا وبين الكون الذي خلقه منزل هذا الوحي والحقائق التي ركبها فيه.
المبحث الأول: موقف النصارى من العلم اعتقادًا وتشريعًا .
المبحث الثاني: دراسة نصوص الكتاب المقدس في ضوء العلم الحديث.
المبحث الثالث: موقف المفسرين النصارى من الأخطاء في نصوص الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
المبحث الأول: موقف النصارى من العلم اعتقادًا وتشريعًا.
أولًا: الأصول التي تحدد هذا الموقف وهي:
الأصل الأول: الخوارق .
أول أصل قام عليه الدين المسيحي، وأقوى عماد له هو خوارق العادات. تقرأ الأناجيل فلا تجد للمسيح ﵇ دليلًا على صدقه إلا ما كان يصنع من الخوارق وعددها في الأناجيل يطول شرحه. ثم إنه جعل ذلك دليلًا على صحة الدين لمن يأتي بعده، فجعل لأصحابه ذلك كما تراه في الإصحاح العاشر من إنجيل متى وغيره إذا تتبعت جميع ما قال الأولون من أهل هذا الدين تجد خوارق العادات من أظهر الآيات على صحة الاعتقادات ولا يخفى أن خارق العادة هو الأمر الذي يصدر مخالفًا لشرائع الكون ونواميسه فإذا ساغ أن يكون ذلك لكل من على كعبه في الدين لم يبق عند صاحب الدين ناموس يعرف له حكم مخصوص.
زاد الإنجيل على هذا أن الإيمان ولو كان مثل حبَّة خردل كاف في خرق نواميس الكون كما قال في الإصحاح السابع عشر من متى ١٠: فَالحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لهِذَا الجْبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لدَيْكُمْ.
وفي الحادي عشر من مرقس ٢٣: لأَنِّي الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَال لهِذَا الجْبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ! وَلَا يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَال يَكُونُ لَهُ. لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ.
стр. 1196
فكل بحث يؤدي إلى أن للكون شرائع ثابتة وأن للعلل والشرائط أو الأسباب أو الموانع أحكامًا في معلولاتها أو ما شرطت فيه أو ما تسبب عنها أو ما استحال وجوده لوجودها كان مضادًا لهذا الأصل في أي زمن. وقد كان كل علم من علوم الأكوان لا بد فيه من هذا البحث فكل علم مضاد لهذا الأصل.
ثم إن صاحب هذا الاعتقاد بهذا الأصل لا يحتاج إلى البحث في الأسباب والمسببات؛ لأن اعتقاده في الشيء أن يكون وإرادته لأن يكون كافيان في حصوله فهو في غني عن العلم والعلم عدو لما يعتقد فما أصعب احتماله إذا جاء يزاحمه في سلطانه (١).
الأصل الثاني: سلطة الرؤساء
وبعد هذا الأصل أصل آخر وهو السلطة الدينية التي منحت للرؤساء على المرؤوسين في عقائدهم وما تكنه ضمائرهم. وقد أحكم هذه السلطة ما ورد ١٦ - ١٩ من إنجيل متى: وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ.
وفي ١٨: ١٨ منه: الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا في السَّمَاءِ.
فإذا قال الرئيس الكهنوتي لشخص إنه ليس بمسيحي صار كذلك، وإذا قال إنه مسيحي فاز بها. فليس المعتقد حرًّا في اعتقاده يتصرف في معارفه كما يرشده عقله بل عينا قليه مشدودتان بشفتي رئيسه. فإذا اهتزت نفسه إلى بحث أوقفها القابض على تلك السلطة. وهذا الأصل إن نازع فيه بعض النصارى اليوم فقد جرت عليه النصرانية خمسة عشر قرنًا طوالًا.
الأصل الثالث: ترك الدنيا
وبعد هذين الأصلين أصل ثالث وهو التجرد من الدنيا والانقطاع إلى الآخرة. تجد هذا الأصل في الأناجيل وفي أعمال الرسل وكلما قرأت في الكتب الأولى عثرت به.
وتجد الأوامر الصادرة بالانقطاع إلى الملكوت والهروب من عالم الملك صريحة في
стр. 1197
الإصحاح السادس والعاشر والتاسع عشر من إنجيل متى.
فيما جاء في السادس: (لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا الله وَالمَال. "لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لَا تَهْتَمُّوا لَحِيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلَا لأَجْسَادِكُمْ بِما تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الحيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ ... لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. فَلَا تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ.
وقال في التاسع عشر: الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّماوَاتِ! وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلكُوتِ الله! .
وفي العاشر: لَا تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً وَلَا نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ، وَلَا مِزْوَدًا لِلَطَّرِيقِ وَلَا ثَوْبَيْنِ وَلَا أَحْذِيَةً وَلَا عَصًا.
وحث على الرهبانية وترك الزواج وفي ذلك قطع النسل البشري قال في (١٩: ١٠ من متى) (وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ). ثم إن ملكوت السموات قد أنيط أمره بالإيمان المجرد عن النظر في الأكوان، فماذا يكون حظ صاحب الاعتقاد بهذا الأصل من النظر في أي علم، والعلم لا دخل له في شؤون الآخرة والدنيا قد حرمت عليه؟ لا ريب أن همه يكون في الصلاة وصرف القلب بكليته إلى العبادة دون سواها, وليس الفكر في الخليقة من العبادة عنده، فإن عبادة الإنجيل ليست شيئًا سوى الإيمان والصلاة.
الأصل الرابع: الإيمان بغير المعقول
وبعد هذه الأصول أصل رابع، وهو عند عامة المسيحيين أصل الأصول، لا يختلف فيه كاثوليك، ولا أرثوذكس، ولا بروتستانت، وهو أن الإيمان منحة لا دخل للعقل فيها، وأن من الدين ما هو فوق العقل بمعنى ما يناقض أحكام العقل، وهو مع ذلك مما يجب الإيمان به. قال القديس أنسيلم (يجب أن تعتقد أولًا بما يعرض على قلبك بدون نظر، ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت) فليس الإيمان. وهو الوسيلة الفردة إلى النجاة، في حاجة إلى نظر العقل، والكون وما فيه لا يهم المؤمن أن يجيل في نظره. وقول القديس (ثم
стр. 1198
اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت) نوع من التفضل على النزعة البشرية إلى الفهم وعلى الميل الفطري إلى تصوير ما يتعلق به الاعتقاد. وإلا فمجرد الإيمان كاف في الخلاص.
ثم الويل كل الويل لطالب الفهم إذا أدى اجتهاده إلى شيء يخالف ما تعلق به إيمانه، فكأن معنى الفهم أن يخلف المؤمن لنفسه ما يسلي به نفسه على إيمانه بغير المفهوم. (١)
الأصل الخامس: إن الكتب المقدسة حاوية كل ما يحتاج إليه البشر في المعاش والمعاد .
سواء كان متعلقًا بالاعتقادات الدينية، والآداب النفسية والأعمال البدنية، مما يؤدي إلى نيل السعادة في الملكوت الأعلى أو كان من المعارف البشرية التي يتأتى للعقل الإنساني أن يتمتع بها.
قال تيرتور ليان -وهو أفضل من وصف الاعتقاد المسيحي في نهاية القرن الثالث قبل أن تعرض عليه البدع الكثيرة-: (إن عقائد المسيحية أسست على الكتب السياوية ودليل صحة هذه الكتب قدمها، وكونها أقدم من كتاب أميروس وأقدم من أقدم أثر معروف عند الرومانيين، وأقدم من تأسيس الحكومة الرومانية نفسها، والزمن ناصر الحقيقة، ثم تحقق النبوات التي وردت فيها ثم قال (إن أساس كل علم (عندهم) هو الكتاب المقدلس وتقاليد الكنيسة، وإن الله لم يقصر تعليمنا بوحي على الهداية إلى الدين فقط، بل علمنا بالوحي كل ما أراد أن نعلمه من الكون، فالكتاب المقدس يحتوي من العرفان على المقدار الذي قدر للبشر أن ينالوه).
فجميع ما جاء في الكتب السماوية من وصف السماء والأرض وما فيها وتاريخ الأمم مما يجب تسليمه مهما ضارب العقل أو خالف شاهد الحس فعلى الناس أن يؤمنوا به أولًا، ثم يجتهدوا ثانيًا في حمل أنفسهم على فهمه، أي على تسليمه أيضًا كما ترى.
وقال بعض فضلائهم: إنه يمكن أن يؤخذ فن المعادن بأكمله من الكتاب المقدس.
ونقول قد يسلم هذا الأصل لو قلنا الأصول والقواعد في الكتب المقدسة تدعو لذلك جملة فالكلام من هذا المنظور صحيح جملة أما تفاصيل ذلك فلا ولكن هيهات هيهات والتحريف قد أتى عليه.
الأصل السادس: التفريق بين النصارى وغيرهم حتى الأقربين
ذلك الأصل هو الذي ورد في الإصحاح العاشر من إنجيل متى وهو: لَا تَظُنُّوا أَنِّي
стр. 1199
جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلامًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ.
وقد صرح في عدة مواضع من الإنجيل أن الإخلال بشيء من محبة المسيحية أو بالانقياد إلى جميع ما أوصى به موجب للهلاك، وإن كان قد جاء في مواضع كثيرة أن الإيمان وحده كاف في الخلاص، غير أن روح الشدة التي جاءت في قوله: (لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا الخ) هي التي بقي أثرها في نفوس الأولين من المعتقدين بالدين المسيحي وعفت على آثار ما كان يصح أن تستشعره النفوس من بعض الوصايا الآخر.
نتائج هذه الأصول وآثارها
أولًا: الإعراض عن النظر في الكون والاستفادة منه بالتعلم:
هنا أعرض المسيحيون الأولون عن شواغل الكون وصدوا عن سبيل النظر فيه إظهارًا للغنى بالإيمان والعبادة عن كل شيء سواهما، وحجروا على همم النفوس أن تنهض إلا إلى الدعوة إلى ذلك الإيمان وتلك العبادة، ووسائل الدعوة هي الإيمان والعبادة كذلك، فإذا نزعت العقول إلى علم شيء من العالم وضعوا أمام نظرها كتب العهد القديم وحصروا العلم بين دفاتها استغناء بالوحي عن كل عمل للعقل سوى فهمه من عباراته، وليس يسوغ لكل ذي عقل فهمه، بل إنما يتلقى فهمه من رؤساء الكنيسة، خوفًا من الزيغ عن الإيمان السليم (البروتستانت رأوا أنه يجوز لغير الكنيسة تفسير الكتاب المقدس).
ثم إن إلقاء السيف ووضع التفريق بين الأقارب والأحبة إنما جاء حافظًا لذلك كله، فإذا خطر على قلب أحد خاطر سوء يرمي إلى معارضة شيء من أمور الإيمان المقررة وجب قطع الطريق على ذلك المخاطر ولم يجز في شأن صاحبه هوادة ولا مرحمة، كما أفهمه المسيح بعمله، على حسب ما ورد في الإنجيل، فقد قيل له: (هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ". فَأَجَابَ وَقَال لِلْقَائِلِ لَهُ: "مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتي؟ " ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلَامِيذه وَقَال: "هَا أُمِّي وَإِخْوَتي.) ونحو ذلك مما يدل على وجوب المقاطعة بين من يعتقد بالدين المسيحي ومن يحيد عن شيء من معتقد. ولا يخفى أن الشيء يكون
стр. 1200
بذرة ثم نبتًا ثم شجرًا، فانظر إلى ما صار أمر هذه البدايات بحكم الطبيعة.
وقر في نفوس المسيحيين أن السلامة في ترك الفكر والأخذ بالتسليم وتقرر عند القوم قاعدة: (إن الجهالة أم التقوى) فحصروا التعليم في الأديار، ومنعت الكنيسة أن ينشر التعليم بين العامة إلا ما كان دعوة إلى الصلاح وتقرير الإيمان على وجه ظاهر. ويبقى غير القسيسين في جهالة حتى بأمور الدين وحقائقه وأسراره.
لم يكن يسمح لأحد أن يبدي رأيا يخالف صريح ما في الكتاب ولذلك صور كثيرة نذكر منها:
أ - عندما أظهر بلاج رأيه في أن الموت كان يوجد قبل آدم أي إن الحيوانات كان يدركها الموت قبل أن يخطئ آدم بالأكل من الشجرة، قام لذلك ضوضاء وارتفعت جلبة وانتهى الجدال والجلاد إلى صدور أمر إمبراطوري بقتل كل شخص يعتقد ذلك. يقول المؤرخ: وهكذا عد الاعتقاد بأن الموت كان يزور الأحياء قبل آدم جريمة على الملك.
ب - أحرقت كتب البطالسة والمصريين بالأسكندرية قال أوروسيوس المؤرخ: إنه رأى أدراج المكتبة خالية من الكتب بعد أن نال تيوفيل الأمر الإمبراطوري بإتلافها بنحو عشرين سنة.
ج - ثم جاء تيوفيل ابن أخته سيريل وكان خطيبًا مفوهًا له على الشعب سلطان بفصاحته. وكان في الإسكندرية بنت تسمى هيباتي الرياضية تشتغل بالعلوم والفلسفة، وكان يجتمع إليها كثير من أهل النظر في العلوم الرياضية، وكان لا يخلو مجلسها من البحث في أمور أخرى، خصوصًا في هذه المسائل الثلاث: من أنا؟ وإلى أين أذهب؟ وماذا يمكنني أن أعلم؟ فلم يحتمل ذلك القديس سيريل، مع أن البنت لم تكن مسيحية بل كانت على دين آبائها المصريين فأخذ يثير الشعب عليها حتى قعدوا لها وقبضوا عليها في الطريق سائرة إلى دار ندوتها. وجردوها من ثيابها وأخذوها إلى الكنيسة مكشوفة العورة وقتلوها هناك، ثم قطع جسمها وجرد اللحم عن العظم وما بقي منها ألقي في النار: يقول المؤرخ راوي هذه القصة: ولم يسأل سيريل عما صنع بهيباتي ولم تنظر الحكومة الرومانية فيما وقع
стр. 1201
عليها، ولعل ذلك كان أول ما تقررت تلك القاعدة: (الغاية تشفع للوسيلة). (١)
ثانيًا: استبداد الكنيسة بفهم الكتب المقدسة
ولقد احتجزت الكنيسة لنفسها الحق في فهم الكتب المقدسة عندهم، واستبدت بتفسيرها دون سائر الناس، ولا معقب لما تقول في هدا التفسير، أو في رأي تبديه، أو أمر تعلنه، وعلى الناس أن يتلقوا قولها بالقبول وافق العقل أو خالفه، وعلى المسيحي إذا لم يستسغ عقله قولا قالته أو مبدأ دينيًا أعلنته أن يروض عقله على قبوله، فإن لم يستطع، فعليه أن يشك في العقل، ولا يشك في قول البابا.
ولقد كانت تعلن أمورًا ما جاء بها الكتاب المقدس عندهم، وما تعرض له المسيحيون الأولون، ولا المجامع الأولى، وهي أمور غريبة جد الغرابة، بعيدة عن القبول في أحكام العقل جد البعد، وتلزم المسيحيين بها، وتفرضها عليهم فرضًا، ومن قال كلمة فيها فالويل له ينزلونه به في الدنيا ولا ينتظرون حساب الديان في الآخرة.
ونذكر القارئ على سبيل المثال بمسألتين كان لها أثر في الفكر المسيحي، وبسببهما عما وغيرهما تقدم المصلحون في جرأة داعين إلى إصلاح الكنيسة بالحسنى أو بغير الحسنى. هاتان المسألتان هما مسألة الاستحالة ومسألة الغفران.
أما مسألة الاستحالة فالأساس فيها ما علمت في شرح الشعائر النصرانية، من أن المسيحيين يأكلون يوم الفصح خبزًا ويشربون خمرًا، ويسمون ذلك العشاء الرباني، ولقد زعمت الكنيسة أن ذلك الخبز يستحيل إلى جسد المسيح، وذلك الخمر يستحيل إلى دم المسيح المسفوك، فمن أكلهما وقد استحالا هذه الاستحالة فقد أدخل المسيح في جسده بلحمه ودمه، وذلك أمر غريب في العقل، لا يستطيع أن يستسيغه أحد بيسر وسهولة، بل لا يستطيع أن يستسيغه قط. إذ كيف يتحول الخبز لحمًا، وكيف يصير لحم شخص معين معروف. وكيف تتحول الخمر دما، وتصير دم شخص معين معروف؟ ذلك غريب بل
стр. 1202
مستحيل التصور والقبول في العقل، ولكن الكنيسة فرضت على الناس قبوله ومنعتهم من منقاشته، وإلا عرضوا للطرد والحرمان. وهل ورد هذا الأمر في الكتب المقدس، حتى يجب الأخذ به من غير تفسير أو تأويل؟ إنه أمر استقلت به الكنيسة وأعلنته وأبدته في أحد مجامعها، غير معتمدة في ذلك على نص صريح من الكتب المقدسة عندهم.
ولقد خالفت في بعض شأنه الكنيسة الكاثوليكية غيرها من الكنائس، فالكنيسة الشرقية ترى أن العشاء الرباني لا يكون بالفطير، بينما تراه الكنيسة اللاتينية، ووجد من أحرار الفكر من ينكرون هذه الاستحالة، ويعتقدون أنها غير ممكنة في العقل ولا سائغة في الفكر.
أما المسألة الثانية وهي مسألة امتلاك الكنيسة حق الغفران للمسيء في الدنيا فقد قررته الكنيسة حقًّا لنفسها في المجمع الثاني عشر أيضًا.
وقد جاء في كتاب تاريخ الكنيسة في بيان قرار المجمع في هذا الشأن: (أنهى المجمع تعليمه فيما يتعلق بأمر الغفران) فقال: (إن يسوع المسيح ما كان قد قلد الكنيسة سلطان منح الغفرانات، وقد استعملت الكنيسة هذا السلطان الذي نالته من العلا منذ الأيام الأولى، قد أعلم المجمع المقدس، وأمر بأن تحفظ للكنيسة في الكنيسة هذه العملية الخلاصية للشعب المسيحي، المثبتة بسلطان المجامع).
ثم ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أن الغفرانات غير مفيدة، أو ينكرون على الكنيسة سلطان منحها، غير أنه قد رغب في أن يستعمل هذا السلطان باعتدال واحتراس حسب العادة المحفوظة قديمًا، والمثبتة في الكنيسة، لئلا يمس التهذيب الكنسي تراخ بفرط التساهل.
هذا قرار المجمع، وفيه تمكين للكنيسة من سلطان قوي جبار، وهو سلطان مسح الذنوب، وغفرانها مهما يكن مقدارها، ومهما تكن قد دنست النفس، وأرهقت القلب، ولكنه قد أوصى الكنيسة بالاعتدال والاحتراس، حتى لا يؤدي الإفراط في منح الغفران إلى ترك التهذيب الديني، وهجر تعاليم الكنيسة، والعبث بهدى الدين، فهل أخذت الكنيسة بما أعطاها المجمع، وراعت حق الرعاية ما أوصاها به من عدم الإفراط في
стр. 1203
الإعطاء والمنح؟ لقد أتى حين من الدهر من بعد أن أعطى رجال الدين أنفسهم ذلك الحق، أن أفرطوا في إعطائه إفراطًا شديدًا وأنشأوا صكوكًا تباع وتشترى، فباعوها كأنها عرض من أعراض الدنيا، ومتعة من متاعها، وبذل العصاة في سبيلها المال، وما كان عليهم من حرج في أن يرتكبوا ما شاءوا من الموبقات، وينالوا ما تهوى الأنفس من معاص. . ما دام ذلك يفتدى بمال قل أو جل، وهذا نص صك الغفران الذي بياع بيع السلعة، وإليك صورة من صك الغفران:
(ربنا يسوع المسيح يرحمك يا فلان، ويحلك باستحقاقات آلامه الكلية القداسة، وأنا بالسلطان الرسولي المعطى لي أحلك من جميع القصاصات، والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها، وأيضًا من جميع الأفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة، ومن كل علة، وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا، والكرسي الرسولي، وأمحو جميع أقذار المذنب وكل هلامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة، وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر، وأردك حديثًا إلى الشركة في أسرا الكنيسة، وأقرنك في شركة القديسين، وأردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا عند معموديتك، حتى أنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح، وإن لم تم سنين مستطيلة فهذه النعمة تبقى غير متغيرة، حتى تأتي ساعتك الأخيرة باسم الآب والابن والروح القدس).
هذه صورة من صور صك الغفران تذكر أنها تمحو الآثام، وتغفر ذنوب العاصي ما تقدم منها وما تأخر تغسله من ذنوبه الماضية حتى يصير طاهرًا، ثم لا يصير قابلًا لأن تؤثر فيه الذنوب مهما يرتكب من خطايا، ومهما ينغمس في المعاصي. كأن ذلك الصك جواز المرور إلى النعيم المقيم، لا يعوق حامله عائق، ولا يرده عن الوصول خازن أو حارس.
هذا ما يدل عليه الصك، وهذا ما كانت تحاول الكنيسة أن تلقيه في روع الناس تمكينًا لسلطانها، ورغبة في نقودهم التي يبذلونها للكنيسة في سبيل الحصول على ذلك الصك
стр. 1204
الذي يكون سر الأمان، وطريق الوصول إلى الغاية.
لقد ابتدأت الكنيسة صك الغفران بمسألة الاعتراف بالذنوب عند الموت والتوبة، ثم تولى القسيس مسح هذه الذنوب والشخص لم يودع الدنيا، ثم انتقلت من ذلك إلى أن جعلت لنفسها الحق في الغفران والشخص قوي يستقبل الحياة، ولا يودعها ويقبل على متعها، ولا يدبر عنها، وغالت فجعلت لنفسها حق غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب، ثم أغرقت في المغالاة فاتخذها رجال الدين بابًا من أبواب الكسب للكنيسة. ثم إنهم ينفقون ما يجمعون من مال فيما يحله الدين والأخلاق وما قد يحرمانه وبذلك طم، حتى جاوز الحزام الطبيين.
ثالثا: مقاومة النصرانية للعلم:
لا أجد في التاريخ ذكرًا للعلم والفلسفة بعد ظهور المسيحية في مظهر القوة لعهد قسطنطين وما بعده إلا في أثناء المنازعات الدينية التي كان يفصل فيها تارة بسلطان الملوك، وأخرى بجمع المجامع، وثالثة بسفك الدماء، فتخمد شعلة العلم وينتصر الدين المحض. وإنما الذكر كل الذكر لما كان بين المسيحية وما جاورها من الملل الأخرى من الحروب الدينية للحمل على العقيدة بما كان يعتقد المسيحيون وما كان يقع بين ملوك أوربا من التسافك في الدماء بإغراء رؤساء الكنيسة، وأمر ذلك معروف عند من له إلمام بالتاريخ وليس من موضعونا الكلام فيه.
ولكني أرى شبه نزاع بين العلم والدين ظهر في أوروبا بعد ظهور الإسلام واستقرار سلطانه في بلاد الأندلس واحتكاك الأوربيين بالمسلمين في الحروب الصليبية.
رجع الآلاف من الغزاة الصليبيين إلى بلادهم وحملوا إلى الناس أخبارًا تناقض ما كان ينشره دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة من أن المسلمين جماعة من الوثنيين غلبوا على الأرض المقدسة وأجلوا عنها دين التوحيد، ونفوا منها كل فضيلة وإخلاص، وهم وحوش ضارية، وحيوانات مفترسة. فلما قفل الغزاة إلى ديارهم قصوا على قومهم أن أعداءهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة، وذوي ود ووفاء وفضل مجاملة.
ثم كان الخليفة الحكم الثاني جعل من بلاد الأندلس فردوسًا، كما قال الفيلسوف الأميركاني،
стр. 1205
وكان اليهود والنصارى يتلاقون في تلك البلاد تحت ظلال الأمن والحرية قال بطرس المحترم الشهير: إنه رأى كثيرًا من العلماء يأتون إلى تلك البلاد لتلقي العلوم الفلكية حتى من بلاد انكلترا، وأولئك الذين يسعون إلى طلب العلوم من أي بلاد جاءوا كانوا يجدون فيها رحبًا وسعة، وكان قصر الخليفة يشبه أن يكون مصنعًا للكتب- نسخ وتذهيب وتجليد. . . إلخ ما قال.
ثم انتشرت صناعة الورق التي اخترعها العرب، ثم وجدت المطبعة وسهل على الناس أن ينشروا آرائهم بعد أن تنبهت أفكارهم بما جلب إليهم رسل العلم الذي حملوه إليهم من أهالي أسانيا ومن حملوه مما جاورها ثم أنساب إلى العلم شيء مما سماه الأوروبيون فلسفة ابن رشد، عند ذلك اهتمت المسيحية بالأمر وأخذت تحارب كل ما يظهر على ألسنة الناس أو يرد على أسماعهم مما يخالف ما في الكتب المقدسة وتقاليد الكنيسة.
قال دي رومنيس: إن قوس قزح ليست قوسًا حربية بيد الله ينتقم بها من عباده إذا أراد، بل هي من انعكاس ضوء الشمس في نقط الماء، فجلب إلى روما وحبس حتى مات ثم حوكمت جثته وكتبه فحكم عليها وألقيت في النار، وقيل في علة الحكم: إنه أراد الصلح بين كنيستي روما وانكلترا، وأي ذنب أعظم من هذا الصلح؟ هو أضخم بلا ريب من ذنب القول بأن قوس قزح من انعكاس ضوء الشمس في نقط الماء.
رابعًا: مراقبة المطبوعات ومحكمة التفتيش .
أنشئت المراقبة على المطبوعات، وحتم على كل مؤلف وكل طابع أن يعرض مؤلفه أو ما يريد طبعه على القسيس أو المجلس الذي عين للمراقبة، وصدرت أحكام المجمع المقدس بحرمان من يطبع شيئًا، لم يعرض على المراقب، أو ينشر شيئًا لم يأذن المراقب بنشره، وأوعز إلى هذا المراقب أن يدقق النظر حتى لا ينشر ما فيه شيء يوميء إلى مخالفة العقيدة الكاثوليكية، ووضعت غرامات ثقيلة على أرباب المطابع يعاقبون بها فوق الحرمان من الكنيسة (كأن الحكومة العثمانية على ما تنشر بعض الجرائد أخذت نسخة من قرار المجمع المقدس لتجري عليه مراقبة المطبوعات ولكن للسياسة لا للدين).
أنشئت محكمة التفتيش لمقاومة العلم والفلسفة عندما خيف ظهورها بسعي تلامذة
стр. 1206
ابن رشد وتلامذته خصوصًا في جنوب فرنسا وإيطاليا. . أنشئت هذه المحكمة الغربية بطلب الراهب توركماندا.
قامت المحكمة بأعمالها حق القيام ففي مدة ١٨ سنة- من سنة ١٤٨١ إلى ١٤٩٩ - حكمت على ١٠ آلاف ومائتين وعشرين شخصًا بأن يحرقوا وهم أحياء فأحرقوا وعلى ٦ آلاف وثمانمائة وستين بالشنق بعد التشهير فشهروا وشنقوا وعلى سبعة وتسعين ألفًا وثلاثة وعشرين شخصًا بعقوبات مختلفة فنفذت، ثم أحرقت كل توراة بالعبرية.
ماذا كانت وسائل التحقيق عند هذه المحكمة (المقدسة)؟ وسيلة واحدة هي أن يحبس المتهم، وتجري عليه أنواع العذاب المختلفة بآلات التعذيب المتنوعة إلى أن يعترف بما نسب إليه وعند ذلك يصدر الحكم ويعقبه التنفيذ.
قرر مجمع لا تران سنة ١٥٠٢ أن يلعن كل من ينظر في فلسفة ابن رشد. وطفق الدومينينكان يتخذون من ابن رشد ولعنه ولعن من ينظر في كلامه شيئًا من الصناعة والعبادة لكن ذلك لم يمنع الأمراء وطلاب العلوم من كل طبقة من تلمس الوسائل للوصول إلى شيء من كتبه وتحلية العقول ببعض أفكاره.
اشتدت محكمة التفتيش في طلب أولئك المجرمين طلاب العلم والسعادة إلى كسبه، ونيط بها كشف البدعة والحكم فيها مهما اشتد خفاؤها: في المدن، في البيوت، في السراديب، في الأنفاق، في الأنفاق، في المخازن، في المطابخ، في المغارات، في الغابات وفي الحقول، فوفت بما كلفت مع البهجة والسرور اللائقين بأصحاب الغيرة على الدين، عملًا بالقول الجليل (ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا) كان يؤخذ الرهبان في صوامعهم والقسوس في كنائسهم والأشراف في قصورهم، والتجار بين بضائعهم، والصناع في مصانعهم، والعامة في بيوتهم ومزارعهم، وحيثما وجدوا، وأينما ثقفوا، ويوقفون أما المحكمة، وتصدر الأحكام عليهم يوم اتهامهم.
قرر مجمع (لا تران) أن يكون من وسائل الإطلاع على أفكار الناس الاعتراف
стр. 1207
الواجب أداؤه على المهب الكاثوليكي أمام القسيس في الكنيسة (أي الاعتراف بالذنوب طلبًا لغفرانها)، تذهب البنت أو الزوجة أو الأخت لأجل الاعتراف بين يدي القسيس يوم الأحد، فيكون مما تسأل عنه عقيدة أبيها أو زوجها أو أخيها وما يبدر من لسانه في بيته، وما يظهره في أعماله بين أهله. فإذا وجد القسيس متلقي الاعتراف شيئًا من الشبهة في طلب العلم غير المقدس على من سأل عنه رفع أمره إلى المحكمة، فينقض شهاب التهمة عليه. فإذا سئل عن الشاهد الذي عول عليه اتهامه لا يجاب، وإنما يقام التعذيب مقام شخص الشاهد وهو من أهله حتى يعترف.
أوقعت هذه المحكمة المقدسة من الرعب في قلوب أهل أوروبا ما خيل لكل من يلمع في ذهنه شيء من نور الفكر إذا نظر حوله أو التفت وراءه أن رسول الشؤم يتبعه، وأن السلاسل والأغلال أسبق إلى عنقه ويديه، ومن ورود الفكرة العلمية إليه، وقال با غلياديس ما كان يقوله جميع الناس لذلك العهد: (يقرب من المحال أن يكون الشخص مسيحيًا ويموت على فراشه).
حكمت هذه المحكمة من يوم نشأتها سنة ١٤٨١ إلى سنة ١٨٠٨ على ثلاثمائة وأربعين ألف نسمة منهم نحو مائتي ألف أحرقوا بالنار أحياء.
خامسًا: اضطهاد المسيحية للمسلمين واليهود والعلماء عامة
لما كان ابن رشد هو الينبوع الذي تفجر منه ماء العلم والحرية في أوربا على زعم القسوس، وكان ابن رشد أستاذًا يتعلم عنده كثير من اليهود، وقد اتهموا بنشر أفكاره وآرائه ثم هو مع ذلك مسلم، صب غضب الكنيسة على اليهود والمسلمين معًا فصدر الأمر في ٣٠ مارس (آذار) ١٤٩٢ أن كل يهودي لم يقبل المعمودية في أي سن كان وعلى أي حال كان، يجب أن يترك بلاد أسبانيا قبل شهر يولو (تموز) ومن رجع منهم إلى هذه البلاد عوقب بالقتل وأبيح لهم أن يبيعوا ما يملكون من عقار ومنقول بشرط أن لا يأخذوا في الثمن ذهبًا ولا فضة، وإنما يأخذون الأثمان عروضًا وحوالات ومن ذا الذي يشتري اليوم بثمن ما يأخذه بعد ثلاثة أشهر بلا ثمن؟ (يعني أن أموال اليهود تكون مباحة بعد
стр. 1208
جلائهم الذي تم في يولو) وصدر أمر (تور كماندو) أن لا يساعدهم أحد من سكان أسبانيا في أمر من أمورهم. وهكذا خرج اليهود، تاركين كل ما يملكون بأرواحهم على أنه لا نجاة لكثير منها، فقد اغتالها الجوع ومشقة السفر مع العدم والفقر.
وفي فبراير (شباط) سنة ١٥٠٢ نشر الأمر بطرد أعداء الله المغاربة (المسلمين) من أشبيلية وما حولها- من لم يقبل المعمودية منهم يترك بلاد أسبانيا قبل شهر أبريل (نيسان) وأبيح لهم أن يبيعوا ما يملكون على الشرط الذي وضع للمسلمين شرط آخر، وهو أن لا يذهبوا في طريق يؤدي إلى بلاد إسلامية، ومن خالف ذلك فجزاؤه القتل. فهؤلاء المساكين نفوا جميعًا إلى القتل إن لم يكن قتل الجزاء عند الرجوع فالموت ملاقيهم بالتعب مع العري.
ألا يعجب القارىء إذا رأى أن (برونو) يحرق بالنار حيًّا بعد حبس طويل سنة ١٦٠٠ لأنه قال بقول الصوفية في وحدة الوجود، وقال إن هذا العالم يحتوي على عوالم كثيرة؟ .
ظهر القول بكرويةِ الأرض -ذلك الأمر الذي عرفه المسلمون وصار رأيًا لهم في أول خلافة بني العباس، ولم تتحرك له شعرة في بدن- فأحدث اضطرابًا شديدًا في عالم النصرانية ولا يسلم هذا المقال ما وقع من الحوادث في شأنه.
هل يصدق القارىء أن ما قصده كريستوف كولمب من السفر في المحيط الأطلنطي لعله يكتشف أرضًا جديدة كان من الأمور التي اهتمت لها الكنيسة، وحكم مجمع سلامانك بأنه مخالف لأصول الدين، ثم أعيد النظر فيه وعرض على أقوال الآباء من كريزستوم وأوغستين وجيروم وغر يغوار وبازيل وانبرواز وعلى رسائل الرسل والأناجيل والنبوات والزبور والأسفار الخمسة، ولم ينتج هذا العرض شيئًا، ولكن ساعده على ما قصده بعض الملوك رغم الكنيسة كما هو معلوم. قال كريستوف كولمب (إن الذي أوحي إليه هذا القصد النبيل هي كتب ابن رشد) من هنا تفهم لم قامت الكنيسة وقعدت؟ قاعدة سلطان رجال الكنيسة على غيرهم؟ ما أشد تمسك الكنيسة بهذا الأصل (السلطة للقسوس والطاعة على العامة) كل رأي لم يصدر عن ذلك المصدر الديني الذي يربط
стр. 1209
ويحل في الأرض والسماء فهو باطل تجب مقاومته بكل ما يستطاع، لهذا حكم على غاليلي الذي ذهب إلى إلى أن حركة الكواكب هي على النظام المعروف عند الفلكيين اليوم.
سادسًا: مقاومة ما يجد من سبل العلاج ويخفف من الألم
وهذا كثير نذكر من ذلك:
١ - مقاومة الحقن تحت الجلد: هل تدري ماذا حصل من المقاومة لإدخال الحقن تحت الجلد بمادة المرض؟ اكتشفت هذه الطريقة الطبية عند المسلمين في الاستانة، ثم نقلتها إلى أوروبا امرأة تسمى ماري مونتاجو سنة ١٧٢١ فقامت قيامة القسوس وعارضوا في استعمالها واحتيج في تعضيدها إلى التماس المساعدة من ملك انكلترا.
٢ - وعادت هذه الشدة في المعارضة عندما اكتشف طريقة تطعيم الجدري.
٣ - مقاومة تسهيل الولادة: أي مقاومة لم يلاقها اكتشاف تخدير المرأة عند الولادة حتى لا تحس بألم الطلق. اكتشاف أمريكاني رأى حضرات القسوس فيه أنه يخلص المرأة من تلك اللعنة أو تلك العقوبة التي سجلت عليها في سفر التكوين (إذ جاء في الإصحاح الثالث منه: وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حملك بالوجع تلدين أولادًا).
سابعًا: مقاومة السلطة المدنية وحرية الاعتقاد
نشر البابا منشورًا في سنة ١٨٦٤ جاء فيه لعن كل من يقول بجواز خضوع الكنيسة لسلطة مدنية أو جواز أن يفسر أحد شيئًا من الكتب المقدسة على خلاف ما ترى الكنيسة أو يعتقد بأن الشخص حر فيما يعتقد ويدين به ربه وفي منشور له سنة ١٨٦٨ أن المؤمنين يجب عليهم أن يفدوا نفوذ الكنيسة بأرواحهم وأموالهم، وعليهم أن ينزلوا عن أرائهم وأفكارهم، ودعا الروم الأرثوذكس والبروتستانت إلى الخضوع للكنيسة الرومانية على هذا الوجه.
في سنة ١٨٧١ كان النزاع بين حكومة روسيا والبابا في عزل أستاذ في إحدى الكليات رأى رأيًا لا يروق للحزب الكاثوليكي، فحرمه البابا وطلب من الحكومة عزله، وكانت إحدى المعضلات السياسية، غير أن عزيمة بسمارك نصرت مدينة القرن التاسع عشر على سلطان الكنيسة، وأبقت الأستاذ، وجعلت التعليم تحت السلطة المدنية.
стр. 1210
ثالثا: اعتراض بعنوان (البروتستانت أو الإصلاح):
ربما يقول قائل: إن هذا الذي ذكرت هو عمل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ولكن قد قام في المسيحية مصلحون يرون إرجاع الدين إلى أصل الكتب المقدسة، ويبيحون للعامة أن ينظروا فيها ويفهموها، وقد رفعوا تلك السيطرة عن الضمائر والعقول، ومن عهد ظهور الإصلاح والرجوع إلى أصول الدين الأولى بزغت شمس العلم بالرغب، وبسط للعلم بساط التسامح، وذلك لا يمكن أن يكون إلا جريًا مع طبيعة الدين.
لا أذكر في الجواب عن ذلك إلا ما ذكر البروتسانت أنفسهم في تاريخ الإصلاح: استمرت عقوبة الموت قانونًا يحكم به على كل من يخالف معتقد الطائفة، وقد أمر كلفان -هو الزعيم الثاني للبروتستانت ولوثر الأول- بإحراق (سيرفيت) في جنيف لأنه كان يعتقد أن الدين المسيحي كان قد دخل عليه شيء من الابتداع قبل مجمع نيقية، وكان يقول إن روح القدس ينعش الطبيعة بأسرها. فكان جزاؤه على هذا أن شوي على النار حتى مات وكذا أحرق (فايتي) في تولوز سنة ١٦٢٩.
قالوا: البروتستانت قاموا يطالبون بالحرية في فهم الكتب المقدسة وبإبطال السلطة على غفران الذنوب والتجارة ببيع الثواب والسعادة الأخروية، وإبطال عبادة الصور.
ولكنهم لم يغيروا شيئًا من الاعتقاد بأن الكتب المقدسة هي نبراس الهداية في طريق العلم البشري، كما أنها منبع نور الإيمان بالدين الإلهي، وأنه لا يباح للعقل أن ينساق في نظره إلى ما يخالف شيئًا مما حوته، وأنه لا حاجة إلى شيء من العلم وراء ما ورد فيها. وبالجملة إنهم لم يبطلوا أصلًا من الأصول الستة التي تقدمت، إلا أنهم قالوا بمنع غلو الرؤساء في سلطتهم المبنية على الأصل الثاني في سابق قولنا.
قالوا: ولهذا لم يكن مذهب الإصلاح أخف وطأة على العلم، ولا أفضل معاملة له من الكاثوليك، لأن كلا المذهبين يرجع إلى طبيعة واحدة (وهي القائمة على الأصول الستة)
стр. 1211
ولم يكن لأهل النظر العقلي جزاء في كلتا الملتين إلا القتل وسفك الدم. (١)
المبحث الثاني: دراسة نصوص الكتاب المقدس في ضوء العلم الحديث
للقيام بهذه الدراسة ينبغي أن نوضح ثلاثة أمور هامة وهما:
١ - مدى دقة العلم الذي تدرس نصوص الكتاب المقدس في ضوئه أو بعبارة أخرى (أي علم الذي يصح أن تدرس الكتب المقدسة في ضوءه):
من الضروري أن نؤكد أننا عندما نشير إلى معطيات العلم هنا -التي يدرس في ضوئها نصوص الكتاب المقدس- فإننا نقصد بها حقائق العلم التي استقر ثبوتها وتأكدت صحتها كحقائق علمية. وهذا الاعتبار يخرج من نطاق الحقائق العلمية أي نظريات تفسيرية ربما تكون مفيدة أو متفقًا عليها الآن لتفسير بعض الظواهر ولكن البحث العلمي لا يزال جاريًا ومتصلًا بشأنها للتأكد من صحتها أو اكتشاف نظريات أخرى غيرها أقرب إلى الصواب وأكثر قربًا من مسار التقدم العلمي إن ما نعنيه بحقائق العلم هنا هو: (الحقائق العلمية المستقرة علميًّا ولا جدال بين العلماء على صدقها) ولو كان العلم يجوز أن يقدم نظريات علمية غير مكتملة البراهين على صوابها فمن الممكن يتصل التقدم العلمي إلى إثباتها بحيث يتلاشى الخوف من وجود خطأ فيها.
٢ - نوع النصوص التي يجوز ويسوغ أن تدرس في ضوء العلم الحديث أو بعبارة أخرى (أي النصوص تقارن وتدرس في ضوء العلم الحديث)؟ وهل كل النصوص يصح أن تدرس من خلال العلم الحديث؟
إن هذه الدراسة والمقارنة بين حقائق العلم ومقرات الدين لا دخل لها ولا صلة بالمسائل الدينية البحتة.
إن العلم -على سبيل المثال- لا يعرض ولا يعترض على الطريقة التي تجلى وظهر بها الله لسيدنا موسى ﵇ ويقال نفس الشيء عن كيفية مولد المسيح ﵇ بدون أب من
стр. 1212
البشر. والكتب المقدسة لا تعطي أي تفسير مادي لمثل هذه المسائل إن الدراسة إنما هي معنية بما تقوله الكتب المقدسة عن الظواهر الطبيعية البحتة التي نلاحظ الفرق بين الكثرة والوفرة في المعلومات حول هذه الموضوعات المشتركة التناول بين الدين والعلم في القرآن الكريم وندرتها في التوراة والإنجيل في هذا الصدد.
٣ - أسلوب الدراسة: وأظن أن تلخيصها في هذه الجملة يكفي (روح الإنصاف الذي ينبغي أن يتحلى بها من يقوم بالدراسة).
إن أكثر التناقضات مع حقائق العلم الحديث نستطيع أن نجدها في سفر التكوين وهذه التناقضات تتعلق بثلاثة موضوعات رئيسية هي:
١ - خلق العالم ومراحل هذا الخلق .
٢ - تاريخ خلق العالم وتاريخ ظهور الإنسان على الأرض.
٣ - وصف الطوفان.
ثم تكمل هذه الدراسة بوقفة مع التاريخ ثم مع علم الآثار كما سيأتي وإليك تفصيل ذلك:
خلق العالم ومراحل هذا الخلق.
يلاحظ الأب دي فو أن سفر التكوين (يقدم لنا روايتين مختلفتين عن خلق العالم وقد وضعت كل رواية منها إلى جانب الرواية الأخرى) ولكي نلم بمدى تناقض كل منهما مع الأخرى ومع حقائق العلم ندرس فيما يلي كلًّا منهما على حدة.
الرواية الأولى عن خلق العالم:
تمهيد:
تحتل الرواية الأولى عن خلق العالم بالتوراة من الإصحاح الأول من سفر التكوين والجمل الأولى من الإصحاح الثاني.
إنها مثال نموذجي للتناقضات مع مقتضيات الدقة من وجهة النظر العلمية.
ومن الضروري فحص كل فقرة منها على حدة وسيكون هذا الفحص كالآتي:
стр. 1213
أولًا: المرحلة الغازية أسبق من مرحلة الماء .
في سفر التكوين ١/ (١ - ٢): فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. ٢ وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ الله يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الميَاهِ.
التعليق: إننا نستطيع أن نقبل تمامًا أن مرحلةَ ما قبل خلق الأرض كان الكون غارقًا في الظلمات. ولكن وجود الماء في بدء خلق ليس له ما يسوغه من وجهة نظر العلم وربما كان ذلك من آثار بعض الأساطير والفلسفات القديمة إذ إن العلم يقرر سبق المرحلة الغازية لمرحلة المواد الصلبة في خلق العالم. ومن الخطأ أن نقحم الماء في أول مرحلة من مراحل خلق العالم. (١) فوجود الماء على وجه الأرض في اليوم الأول يتناقض مع النظرية العلمية القائلة بأن الأرض بل والعالم كان غازيًا في بداية خلقه. (٢) نعم لأنه وفق التكوين الجيولوجي للكون تمثل المياه مرحلة متأخرة. (٣)
ثانيًا: نور بلا نجوم أو صباح ومساء دون أرض تدور ولا شمس تدور حولها:
في سفر التكوين ١/ (٣ - ٥): وَقَال اللهُ: "لِيَكُنْ نُورٌ"، فَكَانَ نُورٌ. ٤ وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. ٥ وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلًا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا.
التعليق: إن النور الذي يحيط بالعالم إنما هو نتيجة انعكاسات لضوء النجوم على الأجرام غير المضيئة. وفي هذه المرحلة من خلق العالم لم تكن النجوم قد خلقت بعد. وحسب قول التوراة لم يتم خلق النجوم إلا في اليوم الرابع، كما تشير إلى ذلك الجملة الرابعة عشر. ومن غير المنطقي أن يتم ذكر نتيجة ما سيحدث في اليوم الرابع في غضون ذكر أحداث اليوم الأول. ويضاف إلى ذلك أن تقسيم اليوم إلى ليل ونهار ليس له مكان معقول في اليوم الأول من الخلق حسب قول التوراة إذ لا يعقل وجود كل منهما إلا بعد وجود الأرض ودورانها تحت الشمس
стр. 1214
وهو ما تم بعد اليوم الأول. (١) وما نحن نعلمه هو أن النهار والليل هما دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس ولا نهار -بغير شمس- فالنهار- وما يبدو من ضوء هو انعكاسات ضوئية وتشتيت لضوء الشمس على ذرات الغبار. (٢)
ثالثًا: السماء لم تتكون من الماء المدعى أنه أسبق من الغاز .
في سفر التكوين ١/ (٦ - ٨): وَقَال اللهُ: "لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْميَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلًا بَيْنَ مِيَاهٍ وَميَاهٍ". ٧ فَعَمِلَ اللهُ الْجلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتي تَحْتَ الجُلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتي فَوْقَ الْجلَدِ. وَكَانَ كَذلِكَ. ٨ وَدَعَا اللهُ الْجلَدَ سَمَاءً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَانِيًا.
التعليق: إن خرافة المياه يستمر استخدامها هاهنا أيضًا مع افتراض انفصال هذه المياه الخرافية إلى طبقتين تصبح إحداهما ببساطة أرضًا وتصبح الأخرى سماء. إن صورة انقسام المياه هكذا إلى طبقتين: إحداهما أرض والأخرى سماء إنما هي صورة غير مقبولة علميًّا. (٣) هذا وإن قصة المياه التي "تحت" الجلد والمياه التي "فوقه" تعكس الضلال الذي عرفت به الشعوب البدائية كلها. فحسب التصورات القديمة، أن السماء عبارة عن جسم كثيف صلب، ومن هنا جاءت تسميتها با "الجلد"، أي القساوة اليابسة. واعتقدوا أيضًا. أن تجمعًا مائيًا هائلًا يقوم خلف ذلك الجلد، الذي تشكل السماء قاعه. وإذا كان كل قارىء يعرف اليوم أن المطر ما هو إلا الماء المتبخر من الأرض، فقد اعتقدوا في زمن ما، أن المطر هو الماء الذي ينساب من التجمع المائي العلوي، عبر فتحات صممت لهذا الغرض بالذات، لكن ها الرأي يثير السخرية اليوم، صمد طويلًا جدًّا في أذهان الناس. ففي القرون المسيحية الأولى، أقره علماء اللاهوت كلهم. (٤)
رابعًا: هل يوجد عالم نباتي منظم تنظيم وراثي دون تمثيل غذائي بسبب عدم وجود الشمس؟ وهل يقبل القول بأن النبات وجد قبل الإنسان بثلاثة أيام فقط ؟
стр. 1215
في سفر التكوين ١ (٩ - ١٣): وَقَال اللهُ: "لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ". وَكَانَ كَذلِكَ. ١٠ وَدَعَا اللهُ الْيَابِسَةَ أَرْضًا، وَمُجتمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَارًا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. ١١ وَقَال اللهُ: "لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلًا يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ". وَكَانَ كَذلِكَ. ١٢ فَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلًا يُبْزِرُ بِزْرًا كَجِنْسِهِ، وَشَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. ١٣ وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَالِثًا.
التعليق: من المقبول علميًّا أن القارات قد ظهرت في مرحلة من تاريخ الأرض عندما كانت الأرض مغطاة بالمياه. ولكن افتراض وجود عالم نباتي منظم تنظيمًا وراثيًا من خلال البذور التي لا تظهر إلا بعد نضج الثمار يستحيل أن يتحقق إلا بوجود الشمس التي لم تخلق إلا في اليوم الرابع كما يقرر ذلك الإصحاح الأول من سفر التكوين ذاته، وذلك ينطبق أيضًا على خلق الليل والنهار إذ يستحيل تصور إمكانية التمييز بينهما قبل خلق الشمس التي لم تخلق إلا في اليوم الرابع كما سبق أن أشرنا.
وهل بدأت الحياة النباتية بالحشائش وبقلًا ببزر وشجرًا له ثمر قبل ظهور الشمس وبغير التمثيل الضوئي؟
كما أن القول بأن النبات وجد قبل الإنسان بثلاثة أيام فقط قول مردود إذ تتحدث المكتشفات العلمية عن وجود النبات قبل الإنسان بملايين السنين. (١)
خامسًا: الأرض أولًا أم الشمس والنجوم ؟
في سفر التكوين: ١/ (١٤ - ١٩): وَقَال اللهُ: "لِتكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ. وَتَكُونَ أَنْوَارًا فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ". وَكَانَ كَذلِكَ. فَعَمِلَ اللهُ النُّورينِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ،
стр. 1216
وَالنُّجُومَ. وَجَعَلَهَا اللهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَلتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا رَابِعًا.
التعليق: إن الوصف الذي يقدمه كاتب التوراة في هذه الفقرة يمكن أن يكون مقبولًا، وأهم نقد يمكن توجيهه إليه هو مكان وتوقيت ظهور الشمس بالنسبة لنظام خلق العالم ككل. وكما نعرف علميًّا انفصلت الأرض وانفصل القمر من الكوكب الأصلي لهما وهو الشمس وترتيب وتوقيت خلق الشمس والقمر بعد خلق الأرض إنما هو مخالف ومناقض بكل شدة وبكل حسم للرأي المستقر علميًّا بشأن تكوين نظام المجموعة الشمسية. إذن فخلق الأرض ليس سابقًا على خلق الشمس والقمر حتى تكون مياه ونبات ونور! ! . فهذا مرفوض علميًّا. (١)
لقد اعتبر العلماء هذا من الخرافات، ولك أن تتخيل أيها القارئ الكريم، أنه حتى نهاية القرن الميلادي السابع عشر، كان العلماء يعتقدون أن الشمس ليست مصدر الضوء، بل هي "تمرره" عبرها وحسب، أما الضوء، فهو موجود بذاته. وحتى رينيه ديكاريت نفسه كان من أنصار هذا الضلال. واستمرت الحال هكذا حتى جاء الفلكي الدانماركي أولاف ريمر (١٦٤٤ - ١٧١٠)، الذين يدين تعاليم التوارة مناقضة تامة، وهي أن الضوء الساقط فوق عالمنا مصدره الشمس، وهو لا ينتشر دفعة واحدة. . ثم حدد هذا العالم سرعة الضوء -وهو ما ثبتت صحته غير مرة- مبينًا أنه يصل من الشمس إلى الأرض في ثمان دقائق وثمان عشرة ثانية، أي أن سرعته حوالي ثلاث مائة ألف كيلو متر في الثانية. وقد توصل ريمر إلى اكتشافه هذا عن طريق مراقبه هبوط الظلام فوق الأقمار التابعة لكوكب المشتري. كان ريمر يقيم عندئذ في فرنسا، فكتب بحثًا عن اكتشافاته وقدمه في أكاديمية باريس، في الثاني والعشرين من تشرين الثاني عام ١٦٧٥.
стр. 1217
أما كاتب سطور التورات، فقد كان فريسة الجهل التام بشؤون الفلك، ولكن هذا لا يعفي يهوه من مسؤولياته، كان عليه أن يعرف كل شيء عندما كتبت التورات. (١)
سادسًا: الحيوانات البرية أولًا:
في سفر التكوين ١/ (٢٠ - ٣١): ٢٠ وَقَال اللهُ: "لِتَفِضِ الْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ الأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ السَّمَاءِ". ٢١ فَخَلَقَ اللهُ التَّنَانِينَ الْعِظَامَ، وَكُلَّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الحْيَّةِ الدَّبَّابَةِ الْتِى فَاضَتْ بِهَا الْمِيَاهُ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلَّ طَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. ٢٢ وَبَارَكَهَا اللهُ قَائِلًا: "أثمِرِي وَاكْثُرِي وَامْلإِي الْميَاهَ فِي الْبِحَارِ. وَلْيَكْثُرِ الطَّيْرُ عَلَى الأَرْضِ". ٢٣ وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا خَامِسًا. ٢٤ وَقَال اللهُ: "لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا". وَكَانَ كَذلِكَ. ٢٥ فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. ٢٦ وَقَال اللهُ: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ". ٢٧ فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتهِ. عَلَى صُورَةِ الله خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُم. ٢٨ وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَال لهمْ: "أَثْمِرُوا وَاكْثروا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ". ٢٩ وَقَال اللهُ: "إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. ٣٠ وَلكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا". وَكَانَ كَذلِكَ. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاح يَوْمًا سَادِسًا.
التعليق: هذه الفقرة تحتوي على مزاعم لا يمكن القبول بها وفقًا لما ورد بدأ ظهور مملكة الحيوان بظهور مخلوقات بحرية وطيور ذات أجنحة. والوصف التوراتي يخبرنا أن
стр. 1218
الأرض نفسها لم تكن مأهولة بالكائنات الحية حتى مجيء اليوم التالي أي اليوم السادس كما سنرى في الفقرة التالية من ذات سفر التكوين. من المؤكد أن الأصول العضوية للحياة جاءت من البحر. من البحر تم تشكيل الأرض كما هو الشأن في تكوينها الذي أعطاها شكلها المعروف لنا، وعلى ظهرها وجد عالم الحيوانات ومن الحيوانات التي كانت تعيش على سطح الأرض وعلى وجه الخصوص من نوع معين من الزواحف يعتقد أن الطيور قد نشأت. إن العديد من الخصائص البيولوجية المشتركة بينهما تجعل هذا الاحتمال الظني ممكنًا. ووحوش الأرض لم يتم ذكرها حتى اليوم السادس بسفر التكوين حتى فترة ما بعد خلق الطيور وهذا الترتيب في الظهور بحيث تظهر الوحوش بعد الطيور ليس مقبولًا. (١)
سابعًا: لهفة تفضحهم وتنسب إلى ربهم نقصًا
في سفر التكوين ٢/ (١ - ٣): "فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. ٢ وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. ٣ وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا.
التعليق: إن هذا الوصف التوراتي لليوم السابع يحتاج منا بعض التعليقات. وتنصب هذه التعليقات:
أولًا: وقبل كل شيء على ما تعنيه الكلمات المستخدمة في التوراة لوصف هذا اليوم السابع.
إن كلمة (جند) في تعبير: (وأكملت السموات والأرض وكل جندها) إنما هي كلمة غريبة في هذا السياق.
أما كلمة (استراح) التي وردت في النص فهي تفيد أن الله كان قد أصابه التعب في الأيام الستة الأولى (فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل) ومن هنا جاء يوم الراحة عند اليهود وهو يوم السبت.
ولا ريب أن هذه الراحة التي يفترض هذا النص التوراتي أن الله قد أخذها بعد اليوم
стр. 1219
السادس من أيام العمل إنما هي خرافة اخترعها خيال كاتب الإصحاح الثاني من سفر التكوين. وربما كان هناك تفسير لوجود هذه الخرافة. إننا يجب أن نضع في اعتبارنا أن هذا الوصف لعملية خلق العالم الذي نعرض له بالدراسة كما ورد بالتوراة إنما هو من النصوص التي سبق أن أشرنا إليها باعتبار أنها نصوص المرحلة الكهنوتية وهي المرحلة التي أخذ فيها (الكهنة) وهم الورثة الروحيون للنبي حزقيال (نبي السبي البابلي) على عاتقهم كتابة أسفار التوراة في القرن السادس قبل الميلاد. ومن المعروف أن أولئك الكهنة قد أعادوا صياغة وكتابة أسفار التوراة حسب مفهومهم وخبراتهم التي اكتسبوها وفقًا لمشيئتهم واهتماماتهم الخاصة التي ذكر الأب دي فو أن طابعها التشريعي كان جوهريًا.
وعلى حين لا يشير النص اليهودي للتوراة إلى راحة الله الذي تعب من عمله في الأيام الستة فسبت أي (استراح) نجد أن الكاتب (الكهنوتي) يقحمها على النص الذي يصف عملية خلق الله للعالم.
إن هذا الكاتب (الكهنوتي) يقسم روايته إلى أيام بالمعنى الدقيق لأيام الأسبوع وهو يجعل الهدف الأهم من هذه الرواية هو راحة الله في اليوم السابع والله هو أول من احترم الراحة في اليوم السابع. ولا ريب أن العلم يصف مثل هذه المحاولة الكهنوتية لفرض الراحة من العمل يوم السبت بأنها مجرد وهم وتوهم.
إن تهافت الكاتب الكهنوتي لقصة الخلق في بدء سفر التكوين على استغراق كل مراحل الخلق المتعاقبة في نطاق أسبوع بهدف الحث على الطاعة الدينية من جانب الشعب اليهودي بقصد وجوب إلزامه بتقديس الراحة يوم السبت لا يقبل أبدًا إمكانية الدفاع عنه من وجهة النظر العلمية.
إننا اليوم ندرك تمامًا أن تكوين العالم والأرض قد حدث في غضون مراحل استمرت على امتداد فترات زمنية طويلة.
وحتى لو كانت عملية الخلق كما قدمتها لنا التوراة قد انتهت في مساء ذلك اليوم
стр. 1220
السادس، ودونما ذكر لتلك الراحة التي فرضها سفر التكوين على الله مفترضًا أن الله قد أصابه التعب طوال الأيام الستة التي عمل فيها على خلق العالم، وحتى لو كان اليوم يستخدم بمعنى مجازي للإشارة إلى زمن غير محدود كما هو الشأن في القرآن الكريم يظل الوصف الكهنوتي التوراتي غير مقبول حيث أن تتابع وتوالي ظهور المخلوقات يتضمن تناقضًا تامًا مع المبادئ الأولية للمعرفة العلمية.
ويجوز أن نقول بناء على ما سبق بيانه إن هذا الوصف الكهنوتي لقصة الخلق بالتوراة يظل تصورًا غير معقول ولا مقبول كمجرد خرافة بحتة وتزييف غير معقول. والغرض منه يختلف تمامًا عن أبي تفسير يهدف إلى الوصول إلى أن تكون الحقيقة معروفة.
فخلاصة ذلك أن السفر يتحدث عن ستة أيام أرضية تتكون من ليل ونهار "وكان صباح"، "وكان مساء"، وكان سابعها يوم السبت الذي استراح فيه الخالق -تعالى عن ذلك-، ومن المعلوم علميًّا أن الخلق تم على فترات كونية تقدر بملايين السنين، والعلماء يقولون بأن الأرض احتاجت لملايين السنين حتى بردت قشرتها وغدت صالحة للحياة، فيما يتحدث السفر عن ظهور الماء على الأرض في أول أيامها، ثم ظهور النبات في ثالثها، والحيوانات في رابعها وخامسها. (١)
تاريخ خلق العالم وظهور الإنسان على الأرض .
وفي هذا المبحث سنناقش ونستعرض ما يلي:
أولًا: عمر خلق الأرض والإنسان حسب التوراة.
ثانيًا: ماذا يقول العلم الحديث بهذا الصدد.
ثالثًا: تفصيل الفترات الزمنية حسب معلومات الكتاب المقدس.
رابعًا: خطأ فاحش وسكوتهم عنه مفضوح.
وإليك التفصيل
стр. 1221
أولًا: عمر خلق الأرض والإنسان حسب التوراة .
التقويم اليهودي يتوافق ويتسق مع أحداث العهد القديم وهو يشير إلى أن النصف الثاني من عام ١٩٧٥ لميلاد المسيح يماثل بدء العام ٥٧٣٦ منذ بداية خلق العالم حسب التقويم اليهودي وكانت عملية خلق الإنسان قد تمت بعد أيام عديدة ليكون له نفس عمر الأرض من حيث حسابها بسنوات التقويم اليهودي.
ملاحظة هامة: ومن المحتمل أن تصويبًا ينبغي أن نأخذه في اعتبارنا، ويتعلق هذا التصويب بحقيقة أن حساب الزمن في التقويم اليهودي يتم حسب الأعوام القمرية بينما التقويم المسيحي الميلادي المستخدم في الغرب يعتمد على السنوات الشمسية وهذا التصويب يلزم عمله إذا شئنا مزيدًا من الدقة، ولكن حيث إن حساب هذا الفارق لا يشكل إلا فرقًا مقداره لا يزيد على ٣% نجد له أثرًا طفيفًا. ولكي نجعل حساباتنا أكثر بساطة من الأسهل إهمال هذا الفارق حيث إنه لا يتعدى في الحساب كله أكثر من ثلاثين سنة لكل ألف سنة.
ولذلك نكون أقرب ما نكون إلى الصواب عندما نقول: إن التقدير العبري يرجع ببدء تاريخ العالم إلى سبعة وثلاثين قرنًا من الزمان قبل ميلاد المسيح ﵇. (١)
وعلى هذا نقول: حسب الكتاب المقدس فعمر الأرض متزامن مع وجود آدم ﵇، وقد حدد الكتاب المقدس الزمن من آدم إلى الطوفان، ومن نوح ﵇ إلى إبراهيم ﵇ ومن إبراهيم ﵇ حتى ميلاد السيد المسيح بحوالي ٥٠٠٠ عام (٢).
يضاف إليهم ٢٠٠٠ عام تقريبًا" (بعد الميلاد) فيصبح عمر الأرض يكافئ عمر الإنسان وفي حدود ٧٠٠٠ عام أو يزيد ببضع عقود.
стр. 1222
ثانيًا: ماذا يقول العلم الحديث بهذا الصدد:
نستطيع بناء على ذلك أن ندرك الفرق بين الحقيقة العلمية في هذا الصدد وبين المعلومات التي يقدمها لنا الكتاب المقدس بهذا الشأن، وهذه الحقائق تتعارض تمامًا مع ما تقدمه لنا نصوص العهد القديم من معلومات في هذا الموضوع إن سفر التكوين يمدنا بمعلومات محددة مقتضبة عن المدة الزمنية التي انقضت منذ عهد سيدنا آدم وسيدنا إبراهيم وعن المدة التي انقضت منذ عهد سيدنا إبراهيم إلى بدء تاريخ المسيحية. والمعلومات التي يقدمها لنا غير كافية ومن الضروري سد ثغراتها من مراجع أخرى.
ثالثًا: تفصيل الفترات الزمنية حسب معلومات الكتاب المقدس من آدم إلى إبراهيم:
بالإصحاحات ٤، ٥، ١١، ٢١، ٢٥ قدم لنا سفر التكوين معلومات متصلة بأنساب الأنبياء بدءًا من سيدنا آدم حتى سيدنا إبراهيم، ولما كان سفر التكوين يذكر عمر كل منهم وعمر الأب عند ميلاد الابن في الغالب الأعم، نستطيع أن نحدد تاريخ ميلاد ووفاة كل خلف لكل سلف، كما هو واضح من الجدول التالي المستمد من النص الكهنوتي بسفر التكوين، حيث إن هذا النص هو الوحيد في التوراة الذي يعطي معلومات من هذا النوع، ومن هذا الجدول نستطيع أن نستنتج أن سيدنا إبراهيم وففا لمعلومات التوراة قد ولد بعد ١٩٤٨ سنة بعد سيدنا آدم، وفيما يلي جدول يوضح تاريخ الميلاد ومقدار العمر وتاريخ الوفاة بعد خلق آدم حتى نصل إلى سيدنا إبراهيم ﵇:
إن الكتاب المقدس لا يعطينا أية معلومات رقمية عن هذه الفترة الممتدة من سيدنا إبراهيم حتى العصر المسيحي مثل تلك المعلومات التي نجدها بسفر التكوين عن العصر السابق لعصر سيدنا إبراهيم وعصر أسلاف سيدنا إبراهيم، ويجب علينا أن نبحث عن مصادر أخرى للمعلومات لنتمكن من تحديد الزمن الذي يفصل بين سيدنا إبراهيم وسيدنا عيسى.
إن هذا العصر الذي يمتد فيما بين سيدنا إبراهيم وسيدنا عيسى يقدر حاليًا بحوالي ثمانية عشر قرنًا قبل ميلاد المسيح ﵇.
وبإضافة هذه المدة إلى المدة التي تفصل بين سيدنا آدم وسيدنا إبراهيم كما يحددها سفر التكوين نجد أن هذه الإضافة تصل بنا إلى حوالي ثمانية وثلاثين قرنًا قبل ميلاد المسيح ﵇، (المدة التي تفصل بين سيدنا إبراهيم وسيدنا عيسى ١٨ قرنًا قبل الميلاد + المدة التي تفصل بين سيدنا آدم وسيدنا إبراهيم وهي ٢٠ قرنًا قبل الميلاد، إذن المدة بين سيدنا آدم وسيدنا عيسى ﵇= ١٨ + ٢٠ = ٣٨ قرنًا قبل الميلاد) (١).
ومن ذلك أن (المطران جيمس أشار)، (١٥٨١ - ١٦٥٦) - مطران أرماغ في أيرلندا أصدر كتابه الذي حسب فيه عمر العالم، وقد ذهب إلى أن الأرض قد خلقت في الأسبوع الذي ينتهي يوم السبت الموافق ٢٢ أكتوبر من ٤٠٠٤ ق. م.
وفي عام ١٧٠١/ أضيفت تواريخ (جيمس أشار) إلى النسخة الإنجليزية الرسمية -وهي نسخة الملك جيمس للتوراة- ومن ثم فقد أصبح لهذه التواريخ سلطانًا قويًّا، حتى أن الجيولوجيين الأوائل قابلوا مقاومة صلبة ودينية متعصبة لنظرياتهم التي تذهب إلى أن عمر العالم في الحقيقة يبلغ ملايين عديدة من السنين. (٢)
وقد زاد بعضهم الفترة من خلق الأرض إلى ميلاد المسيح فوصلت إلى حوالي ٥٠ قرنًا أو أزيد قليلًا. (٣)
стр. 1225
رابعًا: خطأ فاحش وسكوتهم عنه مفضوح:
وهذا التقدير يستحيل إنكار الخطأ فيه، والسبب في هذا أن الخطأ ينبع من الغلطات التي في الكتاب المقدس في المدة التي يحددها الكتاب المقدس بين سيدنا آدم وسيدنا إبراهيم، والتقويم اليهودي لا يزال يؤسس تقويمه على هذا الأساس الخاطيء.
وفي أيامنا هذه يمكن لنا أن نتحدى أولئك المدافعين التقليديين عن الحقيقة التوراتية، اعتمادًا على وضوح وجود التناقض بين أوهام الكهنة اليهود الذين كانوا يعيشون في القرن السادس قبل الميلاد ويتصرفون في شئون كتابة التوراة للناس وبين المعلومات والحقائق التي اكتشفها العلم الحديث. وعلى مدار قرون متلاحقة كانت هذه المعلومات القديمة تستخدم كقاعدة لتحديد أحداث العصر القديم وتنسب إلى المسيح.
وفيما قبل عصرنا الحديث كانت الطبعات المختلفة من الكتاب المقدس تمد القارىء بمقدمة تتضمن شرح التتابع التاريخي للأحداث التي مرت بالبشرية من خلق العالم وأيام تحريرهم للكتاب المقدس. ولقد كانت الأرقام تختلف وتتمايز بين وقت وآخر، وعلى سبيل المثال: - تعطينا طبعة الفولجاتا من الكتاب المقدس مثل هذا الانطباع عندما تجعل تاريخ حياة سيدنا إبراهيم ترجع إلى الوراء قليلًا محددة بدء الخليقة بأربعين قرنًا قبل الميلاد.
أما طبعة والتون من الكتاب المقدس المتعددة اللغات التي صدرت في القرن السابع عشر فهي تعطي القارىء لها بعديد اللغات قائمة بالأسماء والأعمار قريبة من القائمة التي سبق لنا تقديمها عن أنساب سيدنا إبراهيم ﵇.
وبحلول العصر الحديث لم يعد المشرفون على طباعة الكتاب المقدس يستطيعون التمسك بمثل هذه الأنماط الجزافية لتحديد تاريخ الأحداث دون الاصطدام بواحد من الاكتشافات العلمية هنا أو هناك يحتم أن يكون تاريخ بدء العالم قد تم في زمان يسبق الزمان المحدد للأحداث بقرون عديدة، ولذلك قنع المشرفون على تحرير وإعادة طبع الكتاب المقدس بأن يحذفوا المقدمات التي كانوا يعرضون فيها لتحديد تاريخ الأحداث وفقا لنصوص الكتاب المقدس، أو اكتفوا بالتحذير بأن التاريخ المستمد من نصوص
стр. 1226
الكتاب المقدس لا يشترط أن يكون مطابقًا للحقيقة مفضلين أن يسدلوا حجابًا كثيفًا على الرغبة في تحديد زمن الأحداث التاريخية التي يتحدث عنها نص من النصوص في الكتاب المقدس وذلك باستخدام عبارات من شأنها أن تفرض القبول كما هو دون نظر لأي اعتراضات تثار بشأنه.
وهذا هو السبب في أن النصوص التي تمت كتابتها لا تزال تحتفظ بقداستها على الرغم من أن الإنسان في القرن العشرين لا يستطيع الاستمرار في الاعتماد عليها في التأريخ الدقيق للأحداث وفقًا للتقديرات الوهمية للكهنة الذين كتبوا تلك النصوص بالكتاب المقدس، وذلك باعتبار ضرورة الإيمان بها دون نظر لأي اعتراض مهما يكن معقولًا بشأنها.
إن الحقائق العلمية لا تسمح لنا أن نعتبر أن ظهور الإنسان على سطح الأرض يمتد وراء حد معين لا يتعداه في الماضي.
ويجوز لنا أن نتأكد من أن الإنسان بقدرته على التصرف وكسب الأفعال الاختيارية وفقًا للتفكير الإنساني الذي يتمتع بالتعقل والذكاء الذي يميز الكائنات البشرية عن غيرها من المخلوقات- هذا الإنسان قد بدأ ظهوره على سطح الأرض في تاريخ محدد، ولا يستطيع أحد بطبيعة الحال أن يحدد بدقة في أي عام بدأ ظهور الإنسان في عصور التاريخ الماضية لتدل على قدراته العقلية الإبداعية القادرة على الإنجاز والإبداع؟ هذه المعرفة تجعل من الجائز لنا أن نعرف بدقة الآثار الدالة على وجود هذا الإنسان على سطح الأرض في تاريخ معين على امتداد عصور التاريخ منذ عشرات الآلاف من السنين.
وهذا التأريخ العلمي مهما يكن تقريبيًا يرجع إلى حياة الإنسان في مرحلة ما قبل التاريخ مثل إنسان كروما جون، فلقد تم الوصول إلى اكتشافات أخرى في أنحاء كثيرة من العالم لآثار وبقايا إنسان مرحلة ما قبل التاريخ، وهذه الآثار البشرية تعزى إلى أنواع من البشر أقل تدرجًا في سلم البشرية ولكن تأريخ أولئك البشر يمكن أن يرجع إلى مئات الآلاف من السنين، ولكن السؤال هو: هل كانوا بشرًا بالمعنى الحقيقي لكلمة البشر؟ .
стр. 1227
وعلى كل حال وسواءً كانوا بشرًا أو لم يكونوا كذلك لدينا معطيات علمية دقيقة بشكل كاف في مجال علم السلالات البشرية ترجع ببدء تاريخ نشأة البشر على سطح الأرض إلى تاريخ أبعد بكثير في الماضي من العصر الذي يحدده سفر التكوين لأوائل البشر، مما ينشأ عنه تعارض بين حقائق العلم بشأن بدء ظهور الإنسان على سطح الأرض وبين الحقائق الحسابية التي يقدمها سفر التكوين في هذا الصدد. (١)
وصدق الله العظيم إذ يؤكد أن البشرية ضاربة جذورها في التاريخ قرونًا طويلة، فيقول: ﴿قَال فَمَا بَال الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]، وقال أيضًا: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]. (٢)
٣ - الطوفان
أولًا: تمهيد:
يروي لنا الإصحاح السادس والإصحاح السابع والإصحاح الثامن من سفر التكوين قصة الطوفان.
ونحن لا نجد في الحقيقة قصة واحدة للطوفان بل نجد قصتين، لم توضع إحداهما بعد إتمام الأخرى، ولكن تباعدت وتداخلت أجزاء إحداهما في الأخرى مع محاولة مكشوفة لمحاولة التنسيق بين الأحداث المختلفة. وإليك هذه النصوص:
أولًا: الإصحاح السادس: ١ وَحَدَثَ لَمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ يَكْثرونَ عَلَى الأَرْضِ، وَوُلدَ لهُمْ بَنَاتٌ، ٢ أَنَّ أَبْنَاءَ الله رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا. ٣ فَقَال الرَّبُّ: "لَا يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ