الكتاب المقدس لا يشترط أن يكون مطابقًا للحقيقة مفضلين أن يسدلوا حجابًا كثيفًا على الرغبة في تحديد زمن الأحداث التاريخية التي يتحدث عنها نص من النصوص في الكتاب المقدس وذلك باستخدام عبارات من شأنها أن تفرض القبول كما هو دون نظر لأي اعتراضات تثار بشأنه.
وهذا هو السبب في أن النصوص التي تمت كتابتها لا تزال تحتفظ بقداستها على الرغم من أن الإنسان في القرن العشرين لا يستطيع الاستمرار في الاعتماد عليها في التأريخ الدقيق للأحداث وفقًا للتقديرات الوهمية للكهنة الذين كتبوا تلك النصوص بالكتاب المقدس، وذلك باعتبار ضرورة الإيمان بها دون نظر لأي اعتراض مهما يكن معقولًا بشأنها.
إن الحقائق العلمية لا تسمح لنا أن نعتبر أن ظهور الإنسان على سطح الأرض يمتد وراء حد معين لا يتعداه في الماضي.
ويجوز لنا أن نتأكد من أن الإنسان بقدرته على التصرف وكسب الأفعال الاختيارية وفقًا للتفكير الإنساني الذي يتمتع بالتعقل والذكاء الذي يميز الكائنات البشرية عن غيرها من المخلوقات- هذا الإنسان قد بدأ ظهوره على سطح الأرض في تاريخ محدد، ولا يستطيع أحد بطبيعة الحال أن يحدد بدقة في أي عام بدأ ظهور الإنسان في عصور التاريخ الماضية لتدل على قدراته العقلية الإبداعية القادرة على الإنجاز والإبداع؟ هذه المعرفة تجعل من الجائز لنا أن نعرف بدقة الآثار الدالة على وجود هذا الإنسان على سطح الأرض في تاريخ معين على امتداد عصور التاريخ منذ عشرات الآلاف من السنين.
وهذا التأريخ العلمي مهما يكن تقريبيًا يرجع إلى حياة الإنسان في مرحلة ما قبل التاريخ مثل إنسان كروما جون، فلقد تم الوصول إلى اكتشافات أخرى في أنحاء كثيرة من العالم لآثار وبقايا إنسان مرحلة ما قبل التاريخ، وهذه الآثار البشرية تعزى إلى أنواع من البشر أقل تدرجًا في سلم البشرية ولكن تأريخ أولئك البشر يمكن أن يرجع إلى مئات الآلاف من السنين، ولكن السؤال هو: هل كانوا بشرًا بالمعنى الحقيقي لكلمة البشر؟ .
стр. 1227
وعلى كل حال وسواءً كانوا بشرًا أو لم يكونوا كذلك لدينا معطيات علمية دقيقة بشكل كاف في مجال علم السلالات البشرية ترجع ببدء تاريخ نشأة البشر على سطح الأرض إلى تاريخ أبعد بكثير في الماضي من العصر الذي يحدده سفر التكوين لأوائل البشر، مما ينشأ عنه تعارض بين حقائق العلم بشأن بدء ظهور الإنسان على سطح الأرض وبين الحقائق الحسابية التي يقدمها سفر التكوين في هذا الصدد. (١)
وصدق الله العظيم إذ يؤكد أن البشرية ضاربة جذورها في التاريخ قرونًا طويلة، فيقول: ﴿قَال فَمَا بَال الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]، وقال أيضًا: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]. (٢)
٣ - الطوفان
أولًا: تمهيد:
يروي لنا الإصحاح السادس والإصحاح السابع والإصحاح الثامن من سفر التكوين قصة الطوفان.
ونحن لا نجد في الحقيقة قصة واحدة للطوفان بل نجد قصتين، لم توضع إحداهما بعد إتمام الأخرى، ولكن تباعدت وتداخلت أجزاء إحداهما في الأخرى مع محاولة مكشوفة لمحاولة التنسيق بين الأحداث المختلفة. وإليك هذه النصوص:
أولًا: الإصحاح السادس: ١ وَحَدَثَ لَمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ يَكْثرونَ عَلَى الأَرْضِ، وَوُلدَ لهُمْ بَنَاتٌ، ٢ أَنَّ أَبْنَاءَ الله رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا. ٣ فَقَال الرَّبُّ: "لَا يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ
الطَّاهِرَةِ وَمنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى المذْبَحِ، ٢١ فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَال الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: "لَا أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ، لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلَا أَعُودُ أَيْضا أُمِيتُ كُلَّ حَيٌّ كَما فَعَلْتُ. ٢٢ مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لَا تَزَال".
وفي حقيقة الأمر نجد في هذه الإصحاحات الثلاثة تناقضات واضحة كبيرة.
والسبب في وجود هذه التناقضات أيضًا يرجع إلى وجود مصدرين لكتابة أسفار التوراة هما المصدر الياهواي والمصدر الكهنوتي. وكما هو معلوم فهذان المصدران اللذان صدرت عنهما كتابة أسفار التوراة يتناقضان ويتعارضان إلى حد كبير.
لقد تم تقطيع كل رواية للحدث إلى أجزاء وتم إدخال تعديلات وتفسيرات في مزيج تداخلت فيه عناصر أحد المصدرين في عناصر المصدر الآخر لدرجة أننا نستطيع أن نلاحظ بوضوح أننا ننتقل من أحد المصدرين إلى المصدر الآخر في ذات قصة الطوفان سبع عشرة مرة، وذلك في غضون ما لا يزيد على مئة سطر تقريبًا في هذا النص من سفر التكوين المكتوب باللغة الإنجليزية. (١)
ثانيًا: نظرة في قصة الطوفان ومدته:
ولو أننا نظرنا إلى قصة الطوفان ككل لوجدناها تمضي على هذا النحو: لما عم الفساد بين الناس قرر الله أن يدمرهم وأن يدمر كل المخلوقات الحية. وحذر الله سيدنا (نوحًا) من الطوفان قبل حدوثه وأمره أن يبني الفلك أو السفينة وأن يدخل فيها زوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم الثلاث مع كائنات حية أخرى. ويختلف المصدران المتداخلان في رواية قصة الطوفان في تحديد الكائنات الحية الأخرى التي أمر الله سيدنا (نوحًا) أن يدخلها معه إلى السفينة. هناك مقطع من الرواية كهنوتي الأصل يشير إلى أن سيدنا نوحًا قد أخذ معه في السفينة زوجًا من كل نوع. ثم يخبرنا مقطع آخر من الرواية ياهوي الأصل أن الله قد أمر
стр. 1232
سيدنا نوحًا أن يأخذ معه في السفينة سبعة من كل نوع ذكورًا وإناثًا وذلك من الحيوانات المسماة بالحيوانات الطاهرة وأن يأخذ زوجًا واحدًا من الحيوانات غير الطاهرة وبعد ذلك، على كل حال، يخبرنا نص التوراة أن سيدنا نوحًا لم يدخل بالسفينة فعلًا إلا زوجًا واحدًا من كل نوع من الحيوانات. ويؤكد لنا المتخصصون في دراسة نصوص الكتاب المقدس مثل الأب دي فو أن هذه الرواية الأخيرة إنما هي النص المعدل من الرواية الياهوية.
وفي الرواية فقرة ترجع إلى الأصل الياهوي تشير إلى السبب في الطوفان هو ماء المطر المنهمر من السماء، وهناك رواية كهنوتية المصدر تؤكد لنا أن السبب في الطوفان هو سبب مزدوج أي أن الطوفان قد حدث بسبب ماء المطر وبسبب ماء الينابيع الأرضية أيضًا.
تغطت الأرض حتى قمم الجبال وإلى منسوب أعلى من أعلى ذروة في قمم الجبال بالماء وتدمرت على الأرض كل الحياة. وبعد سنة من بدء الطوفان رست سفينة سيدنا نوح على جبل أرارات وخرج سيدنا نوح ومن معه من السفينة بعد انحسار المياه عن الأرض. وبالتوراة أيضًا موقفان مختلفان من الزمن الذي حدث فيه الطوفان والزمن الذي استغرقه دوام الطوفان. لقد استمر الطوفان أربعين يومًا وفقًا للمصدر الياهوي. واستمر الطوفان مائة وخمسين يومًا حسب النص الكهنوتي. (١)
ثالثا: تاريخ وقوعه وآثاره:
ولا تحدد الرواية الياهوية تاريخ وقوع حدث الطوفان من حياة سيدنا نوح على حين تحدد الرواية الكهنوتية عمر سيدنا نوح عند حدوث الطوفان بأنه ستمائة عام. وتعطي هذه الرواية الكهنوتية إشارات محددة لزمن وقوع الطوفان بالنسبة إلى سيدنا آدم وإلى سيدنا إبراهيم وذلك من خلال قائمة الأنساب، ووفقًا للحسابات المستمدة من سفر التكوين نجد أن سيدنا نوحًا قد ولد بعد ١٠٥٦ سنة بعد سيدنا آدم (٢) وبناءً على ذلك يكون الطوفان قد حدث بعد ١٦٥٦ من خلق الله لسيدنا آدم. ويحدد سفر التكوين وقت
стр. 1233
حدوث الطوفان بالنسبة لسيدنا إبراهيم أيضًا فيرجع بتاريخ حدوث الطوفان إلى ٢٩٢ سنة قبل مولد سيدنا إبراهيم.
ووفقًا لما ورد بسفر التكوين نجد أن الطوفان قد امتدت آثاره لتشمل كل الجنس البشري وكل المخلوقات الحية التي خلقها الله على سطح الأرض باعتبار أنها قد تم تدميرها جميعًا. وبذلك تكون البشرية قد أعادت تشكيل نفسها من خلال أبناء سيدنا نوح الثلاثة وزوجاتهم مما ينتج عنه أنه عندما ولد سيدنا إبراهيم بعد حوالي ثلاثة قرون فهو قد وجد البشرية قد أعيد تشكيلها إلى مجتمعات منفصلة. (١)
رابعًا: قصة توراتية بلا مصداقية:
السؤال هو: كيف يتسنى لمثل هذه التجمعات البشرية الكبيرة التعداد كتلك التي كانت موجودة في عصر سيدنا إبراهيم أن توجد في غضون ثلاثة قرون فقط؟ إن مثل هذه الملاحظة البسيطة تسلب هذه النصوص التوراتية عن قصة الطوفان كما أوردتها التوراة كل مصداقية تمت إلى الحقيقة بأي صلة.
وبالإضافة إلى ذلك نجد أن المعلومات التاريخية المتاحة لنا تثبت استحالة اتفاق هذه الرواية التوراتية عن الطوفان مع الحقائق العلمية التاريخية في هذا الصدد.
إن العصر الذي عاش فيه سيدنا إبراهيم قد تم تحديده بالسنوات من سنة ١٨٠٠ قبل الميلاد إلى ١٨٥٠ سنة قبل الميلاد أي بفارق حسابي بسيط لا يزيد على خمسين سنة). فإذا كان الطوفان قد حدث قبل ثلاثة قرون من وجود سيدنا إبراهيم كما يقرر ذلك سفر التكوين عند ذكره للأنساب ينتج عن ذلك أن الطوفان قد حدث في القرن الحادي والعشرين أو القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد. ولكن في ذلك العصر وقبل ذلك العصر وبعد ذلك العصر في حياة متصلة الحلقات عاشت حضارات بشرية ظلت آثار حياتها موجودة على سطح الأرض كما تؤكد ذلك الدراسات العلمية التاريخية الحديثة.
стр. 1234
وحتى لا يكون هذا الزعم الذي نزعمه جزافيًا نجد أن في هذه الفترة في إقليم مثل إقليم مصر على سبيل المثال لا الحصر أن القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد هو تاريخ الفترة الوسطى الأولى الذي سبق مباشرة تاريخ الأسرة الحادية عشرة في التاريخ المصري القديم. ونجد أن أسرة (أور) الثالثة كانت موجودة على أرض (بابل). ومن المعروف جيدًا أن حياة الناس لم تتوقف في هذه الأجزاء من العالم القديم ولم يحدث إعدام وتدمير لكافة مظاهر الحياة والبشر انعدمت فيه الحياة البشرية برمتها كما تقول التوراة. (١)
خامسًا: نتيجة مؤسفة:
ونحن لا نستطيع بناء على الروايات الثلاث التي تقدمها لنا التوراة عن قصة الطوفان أن نعتبر أن هذه الروايات يمكن أن تمدنا بمعلومات يمكن وصفها بأنها أحداث تتفق مع الحقيقة. ونحن مضطرون أن نعترف -لو شئنا أن تكلم بموضوعية- أن النصوص التوراتية التي وصلت إلينا لا تمثل تعبيرًا عن الحقائق. ومن الضروري أن نسأل أنفسنا ما إذا كان من الممكن أن يكون الله قد أنزل كلاما بالكتاب المقدس مناقضًا للحقيقة مخالفًا لها.
إن من العسير أن نتقبل فكرة أن الله قد أعلم الإنسان أفكارًا وآراء لم تكن خرافية فقط، ولكنها متناقضة بعضها مع بعض ومناقضة لحقائق العلم أيضًا ومن الطبيعي أن نصل إلى ضرورة افتراض حدوث عمليات تحريف قد حدثت من جانب الناس، ونشأت عن مأثورات بشرية، وخبرات بشرية، وأقوال بشرية مرت من جيل إلى جيل في تواتر شفهي، أو من تنتقل نص مكتوب لهذا التراث الديني الذي كان قد سبقه كتابته على نحو آخر.
وعندما يدرك الإنسان أن نصًّا مثل نص سفر التكوين قد تم تعديل نصوصه مرتين على الأقل في غضون ثلاثة قرون، فكيف يدهش الإنسان حين يجد فيه أمورًا غير معقولة أو روايات يستحيل أن تتفق مع حقائق الواقع. وإذا كان تقدم المعارف البشرية الحديثة لم يتح لنا معرفة كل شيء، فهو على الأقل قد أتاح لنا قدرا من المعارف العلمية الصحيحة التي تمكننا من
стр. 1235
الحكم على مدى اتفاق أو اختلاف هذه الروايات القديمة بين أجزائها وبين المعارف العلمية التي أتيحت لنا وليس شيء أكثر معقولية من هذا الافتراض لو شئنا تفسيرًا لوجود التناقضات والأخطاء في نصوص التوراة دون حاجة إلى المغالطات في النقاش.
وإنه لمن المؤسف حقًّا ألا يعترف المعلقون والشراح للنصوص المقدسة بهذا التفسير سواء كانوا مسيحيين أو يهودًا. (١)
المبحث الثالث: موقف المفسرين المسيحيين من الأخطاء في نصوص الكتاب المقدس .
ولكي يتبين هذا الموقف لا بد من تقسيمه إلى العناصر الآتية:
١ - تمهيد .
٢ - (الأب دي فو) عرض جيد وموقف سيء.
٣ - سبل أخرى للتبرير.
٤ - دانييلو والمبالغة المكشوفة.
٥ - إقرار آخر وتبرير:
٦ - جهودهم في التوفيق بعد الضيق الذي سببته هذه الأخطاء لهم:
١ - تمهيد:
إن الإنسان ليدهش عندما يرى ردود الفعل الطائشة من جانب المفسرين
المسيحيين في محاولاتهم للدفاع عن هذه الأخطاء والمتناقضات والأمور غير المعقولة بالكتاب القدس من ذلك:
١ - أن بعضهم يضع يده ويتعرف على بعض هذه الأخطاء والمتناقضات ولا يترددون في التعامل مع هذه المسائل الشائكة.
٢ - وبعضهم يمرون باستخفاف على المسائل غير المقبولة ويصرون على الدفاع عن نصوصها كلمة كلمة.
стр. 1236
٣ - ويحاول آخرون أن يقنعوا الناس عن طريق التماس الأعذار لتبرير وجود هذه الأخطاء والمتناقضات بالكتاب المقدس باللجوء إلى مناقشات معقدة بعيدة عن الموضوع لصرف الانتباه عن صميم المشكلة على أمل أن ما يستحيل قبوله عقليًا ومنطقيًا سيتم نسيانه في خضم المعلومات المعقدة غير ذات الصلة بالموضوع. (١) وسوف نتعرض لذلك بالمثال.
٢ - (الأب دي فو) عرض جيد وموقف سيء:
أ- مدى وقوفه على أخطاء الكتاب المقدس:
في مقدمة ترجمته لسفر التكوين يتعرف بنفسه ويعترف بوجود هذه المشاكل المحرجة في نصوص سفر التكوين بل إنه يتوسع في شرح أبعادها وتوضيح وجاهتها وخطورتها.
ب- موقفه من هذه الأخطاء: وبالرغم من ذلك نجد أنه يبني موقفه إزاءها على أساس أن محاولتنا استعادة أحداث الماضي بدقة لا أهمية له.
إنه يكتب على سبيل المثال في ملاحظاته هذه في مقدمته ما نصه كما يلي: (إن حقيقة أن الكتاب المقدس قد عرض أوصافًا لسيل واحد أو طوفان واحد مدمر وقع في وادي نهر دجلة ونهر الفرات أو أكثر من طوفان، وإذا كان وصف التوراة لهذا الفيضان قد اعتراه كثير من المبالغة والتضخيم خلال تناقل وصفه على توالي الأجيال ليتخذ في النهاية شكل كارثة عالمية، فإن هذا لا يهم (٢)، ولكن المهم هو جوهر المسألة ومغزاها الذي يتمثل في أن كاتب النصوص المقدسة في هذا الصدد قد قام بتوظيف (٣) هذه الرواية عن الطوفان لتكريس وتأكيد التعاليم الخالدة التي مؤداها هو عدل الله ورحمته إزاء خبث الإنسان
стр. 1237
وعناده، ونجاة المؤمنين من غضبه وعقابه). (١)
ج- التعليق: وهكذا وبهذه الطريقة حاول الأب دي فو تبرير عملية تحويل الخرافات التي أدخلها الكتاب المقدس في روايته لأحداث الطوفان إلى حدث ذي أبعاد إلهية- ويغدو الأمر كما لو كان فكرة مناسبة وملائمة لإدماج الخرافة من أجل تقوية الإيمان وتوظيفها لتدعيم الإيمان لدى الإنسان متبعًا في ذلك مبدأ أن المؤلف قد استخدم الخرافة فيما يبدعه المؤلف من البشر لتصوير وإبراز وتجسيم التعاليم الدينية. إن هذا الموقف التبريري يتم اتخاذه من جانب المفسرين المسيحيين لتبرير وتمرير النصوص التي يفترض أنها نصوص مقدسة تقدم للناس كلام الله.
ولو أباح واستساغ الإنسان مثل هذا التدخل البشري الإنساني فيما هو إلهي يجوز تمرير كل ما اعتسفه وأدخله البشر من إضافات كلام الله في الكتاب المقدس بناء على قاعدة أن وجود مقاصد وأهداف ومعان دينية يبرر أي إضافات وأي تدخل وإدماج لكلام البشر في كلام الله، وتغدو هذه الإضافات البشرية إلى كلام الله مشروعة مقبولة في نظر المفسرين المسيحيين مما يجيز إضافات ما كتبه كهنة القرن السادس من عند أنفسهم وأضافوه إلى كلام الله في القرن السادس قبل الميلاد. بما في ذلك ما أضافوه من روايات وهمية لا أساس لها من الصحة كتلك التي شاهدنا فيما سبق من أمثلة لها.
د- بل ومحاولة مستميتة لرد العلم وإغلاق العقول والأعين عن الحقائق: ويعطينا الأب دي فو في مقدمته لسفر التكوين الأسباب التي تضطره إلى الدفاع عن نصوص الكتاب المقدس في كل الأحوال والظروف بأي وسيلة، وبأي ثمن حتى ولو كانت غير مقبولة من الناحية التاريخية أو من الناحية العلمية. إنه يطلب منا ألا ننظر إلى التاريخ التوراتي بذات القواعد العلمية التي يستخدمها الناس (٢)، بالنسبة إلى التاريخ البشري في
стр. 1238
أيامنا الراهنة كما لو كانت هنالك معايير مختلفة لتمحيص حقائق التاريخ. إن التاريخ عندما تتم روايته بطريقة غير صحيحة لا يكون تاريخًا بل يغدو خيالًا وأوهامًا. ويتفق كل الناس على صحة هذا المبدأ. ولكن التاريخ الذي يريده الأب دي فو بالنسبة التوراة لا ينبغي -من وجهة نظره- أن يخضع للمعايير والمقاييس والقواعد المتفق عليها كشروط لصحة سرد الوقائع التاريخية.
إن مفسر التوراة يرفض أي تمحيص لما تسرده التوراة من خلال حقائق علم الجيولوجيا أو حقائق العلوم التي تبحث تطورات الحياة في العصور الجيولوجية.
إن التوراة كما يقول الأب دي فو لا تأبه بأي من هذه الدراسات العلمية.
إذا أردنا أن نربط نصوص التوراة وننظر إليها في ضوء مثل هذه العلوم فلقد ننتهي إلى تعارض أو إلى توافق مصطنع.
وجدير بالذكر أن نلاحظ أن هذا الدفع وهذا التبرير الذي يلجا إليه الأب دي فو إنما يتعلق بالتناقضات الموجودة بسفر التكوين على وجه خاص في الأحد عشر أصحاحًا الأولى منه. (١)
هـ- ماذا لو كان العلم مؤيدًا للنصوص المقدسة غير معارض:
ولكن لو كانت أي حقيقة علمية يتم الكشف عنها تؤيد وتبرهن على صحة أي حقيقة من حقائق الكتاب المقدس يتم الترحيب بها وتتخذ دليلًا على مصداقية وصحة محتويات الكتاب المقدس كله ولا يتردد المفسر في الاستشهاد بمثل هذه المعارف العلمية الحديثة لمساندة حقائق التوراة وفي ذلك وفي مثل هذه الحالات يقول الأب دي فو بالحرف الواحد: (إن الشكوك التي غيمت وأحاطت بهذه النصوص التوراتية قد انقشعت وزالت
стр. 1239
بفضل الاكتشافات التاريخية والاكتشافات التي تمت في إطار علم الآثار الشرقية) وبعبارة أخرى يمكن القول: لو كان العلم مفيدًا في تأييد إحدى روايات التوراة فلا بأس في ذلك، أما إذا دحضت حقائق العلم إحدى روايات التوراة فإن الرجوع إلى هذه الحقائق العلمية غير مقبول وغير مسموح به.
٣ - سبل أخرى للتبرير:
ويدأب عدد كبير من المفسرين المسيحيين على تفسير الأخطاء والأمور غير المعقولة وتقديم تناقضات التوراة اعتمادًا على مقولة أن كتاب نصوص التوراة إنما كانوا متأثرين بثقافتهم الخاصة وأفكارهم المستمدة من حياتهم الاجتماعية والمتسقة مع العوامل المختلفة التي كانت تشكل وتكون ثقافتهم وعقليتهم (١) ومن هنا نشأ الاصطلاح الذي يطلق عليه اسم (الأنماط الأدبية الخاصة) وأفضى إدخال هذا الاصطلاح في مناقشات أولئك المفسرين إلى حل كل المشاكل والتناقضات والصعوبات (٢). ورغم أن هذه الطريقة لا يلجأ إليها كل المفسرين فهي لا تزال مستخدمة حتى اليوم.
وهناك طريقة أخرى لتبرير وتمرير النصوص التي يأباها المنطق ولا تتسق مع المعقولية وهي إغراق هذه النصوص في فيض من المديح والمبالغة في بيان ظروف هذه النصوص والاستطراد في معان بعيدة عن النص لتشتيت انتباه السامع أو القاريء عن وجوه وأسباب التناقض إلى معان ونواح أخرى.
٤ - دانييلو والمبالغة المكشوفة:
إن تأملات وملاحظات الكاردينال دانييلو عن الطوفان تتبع هذه الطريقة -أي إغراق النصوص في فيض من المديح والمبالغة-. لقد ظهرت هذه التأملات في مجلة (الله حي) تحت عنوان (الطوفان والتعميد والحكم) حيث يكتب ما نصه: (إن تقاليد الكنيسة القديمة قد وجدت في قصة الطوفان صورة المسيح والكنيسة) ويكتب أيضًا ما نصه: (إن
стр. 1240
الطوفان حدث ذو جلالة عظيمة إنه حكم يصيب الجنس البشري كله) ولقد تأثر في ذلك بكتابات أوريجن في مواعظه عن حزقيال عندما تحدث عن حطام السفينة التي أنقذت العالم كله، ثم يستطرد الكاردينال دانييلو في بيان أهمية وقيمة الرقم ثمانية (٨) وهو الرقم الذي ذكرت التوراة أن الله قد أمر سيدنا نوحًا أن يأخذ معه في السفينة من كل نوع من أنواع الموجودات وهو أيضًا الرقم الذي يحدد عدد البشر على السفينة (باعتبار أنهم نوح وزوجته وأبناؤه الثلاثة وزوجاتهم) ويستعير دانييلو أيضا ما سبق أن كتبه أيضًا جوستين في (المحاورة) عندما قال إن العدد (٨) يرمز أيضًا إلى اليوم الثامن (عندما قام المسيح من بين الموتى) ويقول أيضًا (ولقد كان نوح وهو أول من كتبت له الحياة بعد الطوفان صورة حية معبرة عن الدور الذي أداه المسيح في حقيقة حياة البشرية).
وتستمر المقارنة ويستمر الاستطراد في المقارنة بين سيدنا نوح الذي نجا وأنقذه البشرية من الهلاك بواسطة السفينة المصنوعة من الخشب الشبيه بخشب الصليب وطفت وعامت السفينة فوق الماء الشبيه بماء التعميد الذي ينقذ البشر من الهلاك من الجهة الأخرى، ويمكن أن يقال الكثير عن مثل هذه المقارنة.
وينبغي أن نتذكر أنها تعليقات على حادثة لا يمكن الدفاع عنها كحقيقة، سواء تعلقها بالعالم كله أو تعلقها بالوقت الذي وقعت فيه حادثة الطوفان، كما تحدد التوراة زمان حدوث الطوفان.
إن تعليقات الكاردينال دانييلو ترجع بنا إلى العصر الوسيط حيث كانت نصوص التوراة يتم قبولها دون أي مناقشة حيث كانت المعقولية معدومة الصلة بالنصوص. (١)
٥ - إقرار آخر وتبرير:
ومع ذلك نجد بعض الكتابات المشجعة في ظلمات العصر الوسيط مثل كتابات القديس أوغسطين التي نبعت من تفكيره الشخصي المستقل المستنير الذي انفرد بالتقدم
стр. 1241
بالنسبة للعصر الذي عاش فيه القديس أوغسطين.
ومما لا شك فيه أن عصر آباء الكنيسة قد عرف مشاكل تتعلق بنقد النصوص إذ أننا نجد أن القديس أوغسطين يتحدث عن إحدى هذه المشكلات في خطابه رقم (٨٢) وعلى وجه الخصوص نجد ذلك في الفقرة التالية من هذا الخطاب إذ يقول فيها القديس أوغسطين ما نصه كما يلي: (إن الكتب المقدسة المعروفة باعتبار أنها وحدها هي الكتب القانونية هي الكتب التي تعلمت أن أوليها التفاتًا واحترامًا، وأعتقد أن محرريها لم يرتكبوا أي أخطاء في تحريرها. وعندما أصادف في أحدها كلامًا مناقضًا للحقيقة لا يخالجني أي شك في أن خطأ ما قد اعترى النسخة التي أجدها في يدي أو أن المترجم لم يكن دقيقًا أمينًا في الترجمة أو أن القصور إنما هو في قدرتي أنا على الفهم).
لم يكن من المعقول في نظر القديس أوغسطين القبول بأن النصوص المقدسة تحتوي على أخطاء.
كان القديس أوغسطين يؤمن تمامًا بعقيدة (عصمة النصوص المقدسة من الخطأ)، ولكنه كان يقر أيضًا ويعترف أيضًا بوجود أخطاء ومتناقضات في النصوص المقدسة، فيرجعها إلى أسباب إنسانية محضة.
وهذا المنحنى الذي نحاه القديس أوغسطين إنما هو منحى إنسان مؤمن يتمتع بحاسة نقدية سليمة في الوقت نفسه.
وفي عصر القديس أوغسطين لم تكن حقائق العالم من الوضوح والذيوع بحيث يظهر تناقضها مع نصوص الكتاب المقدس. وكانت رؤية مرنة واسعة الأفق مثل رؤيته لمبررات عدم المعقولية في بعض النصوص المقدسة كافية لتبرير وتسطيح كثير من المشكلات التي تثار في أيامنا الراهنة عند مقابلة بعض نصوص التوراة بحقائق العلم. (١)
ولا يزال مفسرو الكتاب المقدس في أيامنا الراهنة يجتهدون في الدفاع عن نصوص التوراة أمام أي اتهام بالخطأ.
стр. 1242
٦ - جهودهم في التوفيق بعد الضيق الذي سببته هذه الأخطاء لهم:
وللتوفيق بين ما لا يقبل التوفيق وبين الاعتقاد السائد بين مفسري الكتاب المقدس ومؤداه هو الصدق المطلق لكل نصوص الكتاب المقدس على الرغم من ظهور ووضوح التناقض فيما بينها من جهة وفيما بينها وبين الحقائق العلم من جهة أخرى، اجتهد علماء اللاهوت المسيحي في تعريف الحقيقة والتصورات الكلاسيكية للحقيقة وليس متاحًا في بحثنا هذا أن نعرض لكل تفاصيل الدراسات اللاهوتية المتصلة بموضوع (الحقيقة في التوراة) مثل تلك الدراسة التي قدمها أ. لورتز عام ١٩٧٢ تحت عنوان (ما هي حقيقة التوراة) وهي الدراسة التي أصدرتها دار سنتريون في باريس ويهمان فحسب بهذا الصدد أن نشير إلى رأي مؤلف هذه الدراسة فيما يتعلق بحقائق العلم.
يلاحظ مؤلف كتاب (ما هي حقيقة التوراة) أن المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان قد حذر من إعطاء رجال الدين المسيحي أي قواعد أو أحكام للتمييز بين الخطأ والحقيقة في التوراة حيث إن هناك اعتبارات أساسية تشير إلى استحالة هذا التمييز بين الخطأ والحقيقة، ولا تستطيع الكنيسة أن تتخذ قرارًا تحسم به الرأي بشأن صحة أو خطأ المناهج العلمية بحيث تحل بشكل عام مشكلة الحقائق والأخطاء في الكتاب المقدس.
ومن الواضح أن الكنيسة لا تستطيع أن تصدر تقييما صحيحا عن قيمة المنهج العلمي كوسيلة للوصول إلى المعرفة ولكن المسألة إنما هي شيء آخر تمامًا. إن المسألة هنا لا تتعلق بالنظريات العلمية ولكن المسألة في حقيقة الأمر تتصل بالحقائق العلمية الثابتة فعلًا في يومنا هذا، وفي عصرنا هذا ليس من الضروري أن يكون الإنسان متعمقًا في العلوم الوضعية ليعرف أن العالم لم يخلق من عدم منذ سبعة وثلاثين أو ثمانية وثلاثين قرنا مضت. إننا نعرف معرفة يقينية أن الإنسان لم يكن قد بدأ في الظهور على سطح الأرض آنذاك، وأن ترتيب الأدوار الجيولوجية التي بني على أساسها هذا الترتيب التوراتي قد ثبت بطلانه بما لا يدع مجالًا لأي ريب. ولقد كان من الضروري لمؤلف كتاب (ما هي حقيقة التوراة؟ ) أن يعي مثل هذا الاعتبار على سبيل المثال لا الحصر.
стр. 1243
إن ما يقوله مؤلف هذا الكتاب بشأن العلم إنما هو محاولة من جانبه لتنحية حقائق العلم حتى لا تكشف التناقض والخطأ في بعض نصوص التوراة يتضح لنا مدى ضيقهم وضجرهم إزاء حقائق العلم مما يفضي إلى استحالة الدفاع عن هذه الأخطاء التوراتية دفاعًا منطقيًا مقنعًا فيما عدا اللجوء إلى القصور البشري، والادعاء بأنهم الممتثلون الشرعيون لجزء من الوحي الإلهي.
إن هذا الضيق الذي يعتري الأوساط المسيحية فيما يتعلق بشأن الوحي الإلهي (في التوراة) كان واضحًا جدًّا في المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان (١٩٦٢ - ١٩٦٥) بحيث إنه قد تطلب تجريب ما لا يقل عن ٥ صياغات، حتى اتفقوا على النص النهائي لقرارهم بعد ثلاث سنوات من المناقشات حتى ينتهوا من (هذا الوضع المؤلم الذي كان يهدد بسحب الأرض من تحت أقدام المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان) على حد تعبير صاحب القداسة الأسقف فيبر في مقدمته التي كتبها للوثيقة المسكونية الرابعة من الوحي الإلهي في التوراة.
وهنالك جملتان وردتا في هذه الوثيقة الخاصة بالوحي الإلهي في التوراة، وردتا في الفصل الرابع ص ٥٣، وتشير هاتان الجملتان إلى وجود شوائب في بعض النصوص مما يفضي إلى بطلانها بشكل لا يسمح بأي معارضة لهذا البطلان ومع ذلك تسبغ عليها هالة من الألوهية والقداسة عندما تقول بالحرف الواحد (وبالنظر إلى موقف الناس من الخلاص قبل مجيء المسيح فإن العهد القديم (التوراة) إنما يمكن كل الناس أن يعرفوا من هو الله؟ ومن هو الإنسان؟ وكيف تصرف الله بعدله ورحمته نحو الإنسان؟ وأسفار العهد القديم مع أنها تحوي مادة لا تبلغ حد الكمال وبها شوائب يعتريها البطلان فهي تحوي أيضًا ما يدل على أنها تعاليم إلهية حقيقية).
وليس هناك تعبير أكثر حسمًا من هذا التعبير الوارد في هذه الوثيقة مستخدمًا كلمات مثل (عديم الاكتمال) وكلمات مثل (ظاهر البطلان والخطأ) ليتضح الانتقاد الذي ينبغي أن يفضي إلى نبذ القبول بمحتوى هذه النصوص. إن مبدأ وجوب نبذ هذه النصوص قد
стр. 1244
تم الاعتراف به بكل وضوح.
إن هذا النص إنما هو جزء من وثيقة رسمية أعلنها مؤتمر لرجال الدين المسيحي وتم التصويت عليها وصدرت عن المؤتمر الفاتيكاني المشار إليه بأغلبية ٢٣٤٤ صوتًا ضد ستة أصوات فقط عارضت إصداره.
ولو عن لأحد أن يتشكك في هذا القرار الصادر بمثل هذه الأغلبية لقطع الشك باليقين ما حرره أصحاب القداسة (الكاردينال ويبر) مصاغًا في الجملة التي كتبها يقول فيها بهذا الصدد ما نصه كما يلي: (إن أسفارًا معينة في التوراة اليهودية موجودة بالتوراة في الوقت الحالي وبها شوائب تنتقص مصداقيتها).
لقد ورد تعبير (ظاهر البطلان والخطأ) في صلب الوثيقة الفاتيكانية وورد تعبير (التوراة اليهودية في الوقت الحالي بها شوائب تنقص مصداقيتها) ربما تحاول الإيهام بأن هذا الاتهام إنما يلتصق فقط بالتوراة في نصوصها العبرية باعتبار أن النص العبري من التوراة فقط هو موضوع ذلك القرار الذي يدمغ بعض نصوصها بالنقص والبطلان والخطأ. (١).
стр. 1245
الباب الخامس: متفرقات تتعلق بالعقيدة النصرانية .
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أسرار الكنيسة السبعة
وقبل المناقشة التفصيلية لهذه الأسرار السبعة، ومعرفة أصلها، وتكوينها، وكيف تتم حسب الملة النصرانية، نحب أن نعرف ببعض التعريفات الخاصة بها، والتي تعتبر كمقدمة وتمهيد لما نريد التعرض له.
أولًا: معنى كلمة سر:
لكلمة "سر" في الكتاب المقدس ثلاثة معان:
١ - المعنى المعروف والمشهور، وهو " الشيء المستتر"، كما في قوله "وَعَمِلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ سِرًّا" (ملوك (٢) ١٧/ ٩)، وقوله "وَلَا تُبحْ بِسِرِّ غَيْركَ" (أمثال ٢٥: ٩).
٢ - ويراد بها أيضًا كل شيء مقدس وغير منظور، كما في الفقرات الآتية:
"١٤ سِرُّ الرَّبِّ لِخَائِفِيهِ" (مزمور ٢٥/ ١٤)، " لِدَانِيآلَ كُشِفَ السِّرُّ" (دانيال ٢/ ١٩)، "يُعْلِنُ سِرَّهُ لِعَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءِ" (عاموث ٣: ٧).
٣ - وتأتي الكلمة أيضًا بمعنى "رمز أو إشارة أو علامة" كما في قوله في سفر الرؤيا (١٧/ ١ - ٧) من وصف الزانية الجالسة على المياه: "وَعَلَى جَبْهَتِهَا اسْمٌ مَكْتُوبٌ: "سِرٌّ"، وقال الملاك "أَنَا أَقُولُ لَكَ سِرَّ الْمرْأَةِ".
ثانيًا: تعريف السر الكنسي:
أما أسرار الكنيسة فقد جاءت في الكتاب بمعنى مواهب أو أعطيات ولها علامات تشير إلى أمور مقدسة خفية.
مثال ذلك قول بولس عن الزواج "٣٢ هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ المسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ." (أفسس ٥/ ٣١) ومعنى ذلك أن الاتحاد المحسوس بين الرجل وزوجته علامة أو رمز إلى أمر روحي مكنون هو وحدة القلب والروح التي تشبه اتحاد المسيح والكنيسة.
فالسر الكنسي إذن معناه نعمة غير منظورة نحصل عليها بممارسة طقس ظاهر ذي علاقة بها على يد كاهن شرعي.
стр. 1246
ثالثا: شروط إتمام السر:
١ - مادة ملائمة للسر كالماء للمعمودية، والخبز والخمر لسر الشركة، والزيت للمسحة وهكذا.
٢ - كاهن مشرطن قانونيا بوضع اليد.
استدعاء الروح القدس من الكاهن بالعبارات المعينة لتقديس السر لحلول الروح القدس. (١)
رابعًا: مفعول الأسرار:
اختلف النصارى حول مفعول الأسرار، هل لها قوة ذاتية تمنح فاعليها الخلاص والنعمة، أم أنها رموز مقدسة للدلالة على الخلاص والنعمة؟
الأرثوذكس والكاثوليك يعتقدون أن الأسرار تمنح فاعليها النعمة بذاتيتها وقوتها.
يقول حبيب جرجس: "إن الأسرار تمنح النعمة من ذاتها وبقوتها، فبها يتطهر الإنسان ويولد ثانية ويتجدد وتغفر خطاياه، وبها يقبل الروح القدس، وبها يتحد مع المسيح ويثبت فيه ويحيا إلى الأبد" (٢)
أما الإنجيليون فيعتقدون أنها رموز للدلالة على نعمة الله.
ففي علم اللاهوت النظامي: "فالأسرار تعني في نظر الكنيسة الإنجيلية رموزا مقدسة، وختوم عهد النعمة أقامها الله للدلالة على المسيح وفوائده، ولإثبات نصيبهم فيه. وأيضًا لوضع فرق ظاهر بين أعضاء الكنيسة وسائر العالم، ولأجل ربطهم بخدمة الله في المسيح حسب كلمته.
والأسرار تصير وسائط فعالة للخلاص ليس بقوة في ذاتها ولا في خادمها، ولكن بمجرد بركة المسيح وفعل روحه القدس في الذين يقبلونها بالإيمان. (٣)
خامسًا: التأثر بالأديان الوثنية في إطلاق كلمة السر على الشعائر:
يقول فهيم عزيز: "السر ترجمة للكلمة اليونانية (Musterion) وهي تعني في
стр. 1247
استعمالها اليوناني الأصلي الطقوس السرية والتعاليم المختصة بها لتفسيرها وكيفية إقامتها، وقد ارتبطت هذه الكلمة بالديانات السرية حيث كان يقوم الشخص ببعض الطقوس ويستلم بعض التعاليم السرية، وبذلك يصبح الشخص كاملا أو روحيا" (١).
سادسًا: عدد الأسرار:
عددها سبعة لتكون موافقة ومناسبة لحاجات الإنسان في هذه الحياة، وهي:
١ - سر المعمودية.
٢ - سر المسحة المقدسة أو الميرون.
٣ - سر الشكر أو الافخارستيا.
٤ - سر التوبة.
٥ - سر مسحة المرضى.
٦ - سر الزيجة.
٧ - سر الكهنوت.
وليس في الكنيسة أكثر أو أقل من هذه الأسرار.
ونحاول الآن التعرف على حقيقة هذه الأسرار بشيء من التفصيل، مع مقارنة سر التعميد والتناول بالديانات الوثنية لأنهما هما السران المتفق عليهما بين الأرثوذكس والإنجيليين.
أولًا: سر المعمودية
أهميته: يقول جيب جرجس: "ولسر المعمودية الرتبة الأولى بين الأسرار المسيحية لأنه بمثابة باب يدخل منه المسيحي إلى الكنيسة وملكوت النعمة طبقا لما جاء في إنجيل يوحنا "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ المُاءِ وَالرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ الله." (٣/ ٥)،
ولذلك يمنح هذا السر للمؤمن قبل أي سر آخر. ومن لا يقبله فلا حق له في الاشتراك في باقي الأسرار. (٢)
стр. 1248
والمعمودية كلمة معربة من الكلمة السريانية (معموديتو) ومعناها الغسل لأجل التطهر ومن كلمة المعمودية اشتقت كلمتا (اعتمد) و (عماد) وغيرهما. (١)
أسماؤه: وقد أطلق النصارى على سر المعمودية أسماء كثيرة:
يقول حبيب جرجس: "وبناء على مفاعيله باعتبار طقسه المنظور دعي حميمًا، وينبوعًا مقدسًا، وبالنظر إلى نتائجه غير المنظورة، دعاه الآباء ولادة جديدة، وتقديسًا وختم الإيمان، وختم الدين المسيحي، وحميم الخلاص، والولادة الثانية، حميم الحياة، وماء الحياة الدائمة، وهكذا من الأسماء الدالة على تأثيراته ومنحه" (٢)
أصل هذه الفريضة عند النصارى:
يذكر النصارى أن هذا السر بدأ منذ يوحنا المعمدان الذي يقولون عنه إنه كان يعمد الناس حتى إنه عمد المسيح نفسه.
ويقول الأستاذ أنيس الصائغ: "ولما جاء يسوع تبنى هذا الطقس وجعله فريضة في الكنيسة المسيحية" (٣)
والقول بأن يوحنا المعمدان كان يعمد بأمر إلهي قول ينظر إليه بمزيد من الحذر خاصة وأنه لم يرد في العهد القديم (٤)، ولا في أي مصدر آخر سوى الأناجيل، وهي ليست المصدر العلمي الموثوق به الذي يمكن الأخذ بأقواله على أنها صحيحة وحقيقية.
هذا إلى جانب أن معمودية يوحنا -على فرض أنه كان يعمد- تختلف عن معمودية النصارى؛ فيوحنا المعمدان -كما جاء في أناجيلهم- كان يعمد لأجل التوبة (متى ٣/ ١١) أما معمودية النصارى فلها غاية أخرى كما سيتبين فيما بعد.
أما الاستناد إلى ما جاء في إنجيل متى من أن المسيح أمرهم بالتعميد، فهذا القول أمر
стр. 1249
به المسيح -في نظرهم- بعد صلبه وموته وقيامته من القبر، وهي أمور تبين بالأدلة أنها باطلة، وما بني على باطل فهو باطل خاصة وأن المسيح ﵇ لم يعمد أحدا في حياته. (١)
وقت التعميد:
لم يتفق المسيحيون على وقت معين للتعميد.
(أ) فبعضهم يعمد الشخص في طفولته حتى ينشأ الطفل المسيحي مبرأ من الذنوب، وهذا هو الغالب.
(ب) وبعضهم يعمده في أي وقت من حياته.
(ج) والبعض الآخر يجري التعميد والشخص على فراش الموت بحجة أن التعميد إزالة للسيئات وتطهير من الذنوب. (٢)
نصوص التعميد:
جاء في إنجيل متى (٢٨/ ١٨ - ٢٠): "١٨ فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلَا: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، ١٩ فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. ٢٠ وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتكمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". آمِينَ."
غاية المعمودية في نظر النصارى:
اختلف النصارى حول غاية المعمودية، وذلك بناء على اختلافهم حول مفعول الأسرار.
فالتعميد في نظر الإنجيليين رمز أو علامة خارجية للمواعيد الإلهية فليس لها أي فعل داخلي تحدثه في النصراني.
أما الأرثوذكس والكاثوليك فيرون أن العميد شركة حقيقية مع المسيح، فالإنسان الذي يغطس تماما تحت سطح الماء يشبه إنسانا مات مع المسيح، وعندما يخرج من الماء فذلك يشبه القيامة مع المسيح فهو يخرج إنسانا جديدا لحياة جديدة" (٣)
стр. 1250
فالمعمودية في نظرهم موت، ودفن، وقيامة مع المسيح إلى حياة جديدة. (١)
هذا إلى جانب أن التعميد -في نظرهم- يمحو الخطيئة الأصلية، ويمحو لدى البالغ الخطايا الشخصية ويفي ما يتوجب عليه من ديون ويحدث فيهم الموت عن الخطيئة. (٢)
كما أنها -أي المعمودية- في نظرهم "ضرورية جدا للخلاص وبدونها لا يمكن للإنسان أن يخلص" (٣).
فالمعمودية في نظر الأرثوذكس والكاثوليك ليست إشارة أو رمزا ولكنها عمل -كما يقول حبيب جرجس- يترك أثرا في النفس هو التطهير ومغفرة الخطايا والولادة الثانية" (٤)
ويستفاد من هذه الأقوال أن التعميد وحده كاف في محو الخطايا وغفران الذنوب، وإذا كان الأمر كذلك فإننا نقول للنصارى لا حاجة إذن لصلب المسيح وموته وذلك لاستقلال التعميد بالخلاص ومغفرة الذنوب ومحو الخطايا.
كيف تتم المعمودية ؟
اختلف النصارى أيضًا حول الكيفية التي يتم بها التعميد:
هل تتم بالتغطيس أو بالرش والسكب؟
اعتادت الكنيسة الإنجيلية رش الماء -وهو رأي الأغلبية- وبعضهم يفضل التغطيس بل يحسبه ضروريا للمعمودية، وبعضهم يرى أن الرش أو السكب مستحسن. (٥)
أما الأرثوذكس فيرون أن المعمودية لا تتم إلا بالتغطيس في الماء بواسطة رجال الكنيسة ويلزم أن يكون التغطيس ثلاث مرات.
والكاثوليك يرون أنها تكون بالتغطيس أو بالغسل أو بالرش. (٦)
стр. 1251
ويقول الأستاذ محمد مجدي مرجان (الذي كان نصرانيا وأسلم) وطريقة العماد في الكنائس هي نفس طريقة يوحنا، صنعوا بئرا أو بركة صغيرة في كل كنيسة على غرار نهر الأردن الذي كان يعمد يوحنا الناس فيه، وملئوا البركة بالاء، فإذا احتاجوا لتعميد شخص لتنصيره سواء أكان طفلا حديث الولادة ولد لأبوين مسيحيين أم كان رجلا أو امرأة اعتنقت المسيحية حديثا، فإنه يخلع ملابسه ويصير عاريا كما ولدته أمه، ثم يأتي الكاهن ومساعده ويحملونه ويضعونه داخل البئر ويقومون بتغطيسه بأكمله ثلاث مرات في البحيرة حتى يتطهر من دنس الحمل وخطيئة الميلاد ويصير مباركًا. (١)
تأثر النصرانية بالأديان الوضعية في التعميد:
يقول كمال الدين" قد شوهد أن كل ما في الطقوس والنظامات الرسمية للديانة الوثنية قد أدخل على دين عيسى النقي الطاهر". (٢)
ويقول شارل جنيبير: "إلا أنه لا مجال للشك في أن الروح الوثنية فيما يختص بمظاهر العبادة العملية قد فرضت على النصرانية شيئًا فشيئا حتى أصبحنا نجدها كاملة في احتفالاتها". (٣)
والتعميد كان من أهم الشعائر المنتشرة بين الوثنيين وقت وقبل ظهور المسيحية بالآف السنين.
يقول لندي: "إذا تصفحنا التاريخ نرى طقس العمادة قديم العهد جدا، فقد كان شائعا في آسيا وأمريكا وكان البرازيل يعمدون أولادهم الذكور والإناث في الهيكل المدعو (هيكل الصليب) يصب الماء من إبريق وكان يدعون ماء العمادة: ماء الولادة الثانية". (٤)
وقد أشار كثير من العلماء الأوروبيين إلى أن التعميد كان منتشرا منذ عهد قديم في بلاد كثيرة، فكانوا عندما يعمدون الأطفال في الهند ومنغوليا والتيبت" ... " (٥)
стр. 1252
وسنرى ذلك عند الأمم الوثنية واحدة تلو الأخرى:
١ - التعميد عند المصريين:
يقول زكي شنودة: "وكان المصريون يستعملون الغسل أو الرش بالماء المقدس وهو طقس يشبه العماد عند المسيحيين". (١)
وكان المصريون يعتقدون أن من يعمد تحصل له الولادة الثانية ويحصل على النعيم الأبدي- وذلك كما يعتقد النصارى في التعميد.
يقول جون لويمر: "ففي عبادة إيزيس كان العضو يولد من جديد عندما يستحم في المياه المقدسة". (٢)
٢ - التعميد عند الفارسيين:
وقد وجد التعميد عند الفارسيين القدماء، حيث كانوا يأخذون أولادهم إلى الهياكل بعد الولادة ببضع أيام، ويسلمونهم للكاهن عند صنم الشمس، فيغمسه في إناء مملوء ماء، ثم يسمونه بما يريدون من الأسماء. (٣)
وكان التعميد واحدًا من طقوس ديانة (مثرا) الفارسية، وكان التعميد في هذه الديانة يتم عن طريق الاستحمام في دماء ثور، وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن مثرا قدم ثورا ذبيحة وذلك لتخصيب الأرض. (٤)
٣ - التعميد عند الهنود:
ذكر كثير من الباحثين أنه كان لدى البرهميين القدماء عادة تشبه ما يقوم به المصريون والفرس من طقوس وهي العمادة بعينها، وحين إجرائها يصلون ويتوسلون للشمس، ومن بعد قسم الأيمان المغلظة من المعمد على أداء الطاعة التامة للكهنة وحفظ الأسرار والنظافة على جسده يرشونه بالماء ثلاث مرات، ويخاطبونه بما يوافق المقام، ويعدون الرش
стр. 1253
بالماء (الخلق الجديد) ويلبسونه ثوبًا خصوصيًا وإكليلًا، ويرسمون على جبينه صليبًا ويضعون على صدره صليبًا. ... (١)
٤ - التعميد عند اليونانيين:
وكان التعميد أيضًا واحدا من طقوس الأديان اليونانية أيضًا.
ففي الديانة الأليوسيسة كان من يريد الدخول في هذا الدين يقوم بالاستحمام في الخليج ليتطهر من الدنس الجسمي والروحي. (٢)
وفي الديانة الأورفية كان التعميد واحدا من أهم طقوسها حتى لقد اعتقد بعض الباحثين أن المسيحية استمدت هذا السر منها. (٣)
٥ - التعميد عند الرومانيين:
وكان الرومانيون الوثنيون أيضًا يقومون بطقوس التعميد وما شابهها" فكانوا يعمدون أولادهم بالماء ويعتقدون أن العمادة واسطة لإزالة الخطايا، وكانوا يعمدون أولادهم على اسمها وبركتها، ... ، ويدعون ماء العمادة (الماء المقدس)، ومن بعد العمادة يعطي الكاهن أبوي الطفل ورقة شهادة على أن ولدهما عمد وخلق ثانية، ثم لهم الحق بعد ذلك أن يعدونه من العائلة ويتخذون هذا اليوم عيدا عظيما." (٤)
ثانيًا: سر التناول (العشاء الرباني)
وهو يرمز إلى عشاء عيسى الأخير مع تلاميذه وحوارييه إذ اقتسم معهم الخبز والنبيذ.
تعريفه: له تعريفات مختلفة تبعا لاختلافهم حول غاية العشاء الرباني.
فالإنجيليون يعرفونه: بأنه سر يدل على موت المسيح بإعطاء خبز وخمر وقبولها حسبما رسم المسيح، والقابلون باستحقاق يتناولون جسده ودمه مع جميع فوائده لا تناولا جسميا
стр. 1254
جسديا بل تناولا روحيا بالإيمان. (١)
أما الكاثوليك فيعرفونه بأنه سر حضور ربهم يسوع حضورا حقيقا بجسده ودمه ونفسه ولاهوته تحت أعراض الخبز والخمر.
والخبز في نظرهم يتحول إلى جسد المسيح والخمر إلى دمه. (٢)
أما الأرثوذكس فيعرفونه بتعريف يشبه تعريف الكاثوليك وذلك لأنهم متفقون في الغاية من العشاء الرباني.
يقول حبيب جرجس: "سر مقدس به يأكل المؤمن -المسيحي- جسد المسيح الأقدس ويشرب دمه الزكي تحت أعراض الخبز والخمر". (٣)
والخلاصة: أن الإنجيليين يرون أن حضور المسيح وقت تناول العشاء الرباني حضورا روحيا، أما الكاثوليك والأرثوذكس فيرون أن المسيح يحضر هذا السر -وقت الاحتفال به- حضورا حقيقيًّا، وأن الخبز يتحول إلى جسد المسيح، والخمر يتحول إلى دمه تحولا حقيقيا، "وذلك أمر غريب في العقل، لا يستطيع أن يستسيغه أحد بيسر وسهولة بل لا يستطيع أن يستسيغه قط، إذ كيف يتحول الخبز لحما؟ وكيف يصير لحم شخص معين معروف؟ وكيف تتحول الخبز دما؟ وتصير دم شخص معين معروف! ذلك غريب بل مستحيل التصور والقبول في العقل." (٤)
أسماؤه: وهذا السر من أهم الأسرار المسيحية ولذلك دعي عندهم "سر الأسرار"، "وأسمى أسرار الكنيسة".
ولقد أطلق على هذا السر أسماء متعددة فهو (سر الشكر -العشاء الرباني- العشاء السري -العشاء الإلهي- مائدة الرب -مائدة المسيح- المائدة السرية -خبز الرب-
стр. 1255
كأس الحياة الخلاصية- الأفخارستيا- والاجتماع- والتقدمة) إلى غير ذلك من الأسماء.
العناصر التي تستعمل في العشاء الرباني: الخبز والخمر هما عنصر العشاء الرباني وقد اختارهما المسيح -في نظرهم- لأنهما مادتان بسيطتان تشير ان إلى جسده ودمه. (١)
وقد استدل المسيحيون على ذلك بما جاء في إنجيل متى" وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلَامِيذَ وَقَال: "خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي" وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ" (متى ٢٦/ ٢٦ - ٢٧).
وبما جاء في رسالة بولس لأهل كورنثوس الأولى (١١/ ٢٣ - ٢٦): "إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَال: "خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي المكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي"".
وقد اختلفت الكنائس حول استعمال الفطير في العشاء الرباني بدل الخبز، ونشأت بينهما منازعة شديدة على هذا الموضوع في القرن الحادي عشر.
تأثر المسيحية بالأديان الوضعية في العشاء الرباني:
كان الوثنيون يمارسون طقوسا كثيرة من بينها فكرة (الوليمة المقدسة) يدعون فيها الأكل من لحوم آلهتهم والشرب من دمائهم، لكي تكون فيهم (أي في أجسادهم صفات وقوة آلهتهم) (٢).
ولنعرض الآن لفكرة التناول عند الأمم الوثنية:
١ - التناول في الديانة الهندية:
إن الأفخارستيا فكرة مأخوذة من مشركي الهند، فإن قدمائهم يتوقف ظاهر عبادتهم على ربان النار شعلها رب البيت صباحا ويبعث مع حراراتها صلاة حارة يستنزل بها رحمة القوة المستترة وراء الطبيعة، ورب البيت مثل الأب أو الكاهن تشارك امرأته في تقدمة
стр. 1256
القربان شراب مخمر ومن أقراص دقيق معجون بالسمن كقربان المسيحيين. (١)
٢ - التناول في الديانة الفارسية:
يقول ول ديورانت: "وكان من مشروبات الفارسيين مشروب مسكر يسمى (الهوما) يقدمونه قربانا مجببا آلهتهم، وكانوا يعتقدون أنه لا يبعث في مدمنه الهياج والغضب بل يبعث فيهم التقى والاستقامة" (٢)
ويقول شارل جنيبير: "ونقل إلينا جوستين -أحد المدافعين عن المسيحية في القرن الثاني الميلادي (١٠٥ م- ١٦٥ م) أن أسرار مثيرا احتوت على نوع من الشعائر، يفرض تقديم كأس من الشراب وقطعة خبز إلى المؤمن مع النطق ببعض العبارات المعروفة آنذاك" (٣).
٣ - في الديانة اليونانية:
كان اليونانيون المتعبدون بالأديان السرية يقيمون بعض الطقوس الدينية والتي كان من أهمها (التناول) أو (العشاء الرباني).
ففي الأسرار الأليوسيسة كانوا يتناولون -كما يقول ول ديورانت- عشاء ربانيا مقدسا إحياء لذكرى "ديميتير" ويشربون مزيجا مقدسا من دقيق الحنطة والماء ويأكلون كعكا مقدسا" (٤).
وفي أسرار (ديونيسس) كانوا يقيمون بعض الاحتفالات التي تمثل موت الإله (ديونيسس) وبعثه.
"وكان أهم هذه الاحتفالات أن يمسك النساء بماعز أو ثور أو رجل في بعض الأحيان (يرين أن الإله قد تقمصه) ويمزقنه إربًا وهو على قيد الحياة إحياء لذكرى تمزيق ديونيسس، ثم يشربن دمه، ويأكلن لحمه يتخذنه عشاء ربانيًا مقدسًا، معتقدات أن الإله سيدخل بهذه الطريقة إلى أجسامهن ويستحوذ على أرواحهن، وكن في هذه الحماسة
стр. 1257
القدسية يؤمن بأنهن سيصبحن والإله شيئًا واحدًا". (١)
ثالثا: سر (التوبة) الاعتراف .
تعريفه: هو سر مقدس به يرجع الخاطئ إلى الله ويتصالح معه تعالى، باعترافه بخطاياه أمام كاهن ليحصل منه على حل بالسلطان المعطى له من المسيح، وبه ينال التجديد وغفران الخطايا.
أسماؤه: أطلق عليه أسماء عديدة مثل: (حل الخطايا- ميناء ثانية بعد الغرق- اعتراف - مصالحة- معودية ثانية).
دليله: ويستدل النصارى على هذا السر بقول المسيح في متى للتلاميذ (١٨/ ١٧ - ١٨) "١٧ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ. الحْقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تحلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ. " وكان هذا وعدا منه لهم، وبناء عليه أسس هذا السر بعدما قيامته عندما ظهر لتلاميذه: " فَقَال لهمْ يَسُوعُ أيضًا: "سَلَامٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أنا". وَلمَّا قَال هذَا نَفَخَ وَقَال لهمُ: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ"." (يوحنا ٢٠/ ٢١ - ٢٣). (٢)
وقد سبق أن قلنا: إن أحداث القيامة لا يوثق بها.
وقد عرفنا من خلال القرآن الكريم أن الغافر هو الله، وأن الاعتراف بالذنب يكون في ضمير الإنسان وروحه. ويعني هذا أن التوبة والاعتراف أمران يربطان بين العبد وبين الله : فلا واسطة حتى ولو كان نبيا. فكل نفس تحاسب حسب ما عمل بها صاحبها، والأنبياء لا يغفرون ذنوب الناس، ولم يبعثوا واسطة للغفران بين الله وبين الناس.
وقد صرح المسيح ﵇ بأنه لم يؤمر أن يغفر للناس خطاياهم. وقد أناط الغفران لله وحده؛ لأنه أي المسيح ليس إلا نبيا بشرا وليس له سلطان لغفران الذنوب، فالعباد هم عباد الله، فهو
стр. 1258
بمشيئته يغفر أو لا يغفر، وليس المسيح سوى نبي يدعو ويبلغ ويهدي إلى التوحيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨].
لكن النصرانية تصر على أن المسيح هو الذي أسس سر التوية بعد قيامته من الأموات كما سبق.
أما عن كيفية الاعتراف فيرون أن بعض المؤمنين يلجأ إلى بديل عن الاعتراف.
فمنهم مثلًا من يطلب من الكاهن حل الخطايا (الصلاة على الرأس) قبل ما يسمى بالمناولة، ومنهم من يكتفي بترديد صلاة الاعتراف (أومن يارب وأعترف) التي يتلوها بعض الكهنة في القداس الإلهي مباشرة قبل المناولة.
والاعتراف الصحيح في الكنيسة هو الاعتراف الفردي الصادق أمام الكاهن، وفيه يقر التائب بخطاياه جميعها.
ويستثنى الذين هم على وشك الموت، فهم عاجزون عن الاعتراف، لذلك يمنحهم الكاهن الحل من خطاياهم ويناولهم جسد الرب ودمه الكريمين دونما تردد حسب ما يدعون.
والأساقفة والكهنة وحدهم يمنحون حل الخطايا للمؤمنين التائبين.
ولكي يتقبل الكاهن اعترافات المؤمنين ويحلهم من خطاياهم يجب أن يحصل على إذن خاص من أسقفه، ويستطيع كل كاهن بحكم رتبته، أن يحل من الخطايا جميع المؤمنين التائبين الذين في خطر الموت. ويتقدم المؤمنون إلى سر التوبة كلما دعتهم الحاجة. ومن المفضل أن يعترف المؤمن دوريا، وبخاصة خلال الصوم ولا سيما الصوم الأربعيني.
فمن الملاحظ أن للكهنة سلطانا كبيرا في التكفير عن الخطايا .. ونريد أن نسأل سؤالًا وهو: ألا تغفر خطايا من يعترف لربه بها بينه وبين الله؟ ألا تقبل التوبة إلا إذا كان الكاهن مشرفًا على التائب يسمع منه توبته؟
فغفران الذنوب أمر من اختصاص رب العالمين ومن يدع أنه يغفر الخطايا فهو مشرك بالله تعالى، ويقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ
стр. 1259
لَيَأْكُلُونَ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤].
إذًا فهناك بعض الرهبان والأحبار يستغلون مواقعهم الدينية ليكسبوا الأموال الحرام من الناس فكيف يمكن أن يكونوا واسطة لغفران الذنوب؟ ، وقد أصبح غفران الذنوب بدعة عجيبة، فإذا أراد البابا أن يبني كنيسة أو يجمع مالا لشيء ما، طبع صكوك الغفران ووزعها على أتباعه ليبيعوها للناس كالذين يبيعون أسهم الشركات أو أوراق اليانصيب، وبالصك فراغ ترك يكتب به اسم الذي سيغفر ذنبه.
رابعًا: سر مسحة المرضى .
تعريفه: يقول النصارى: هو سر مقدس به ينال المريض شفاء أمراضه الروحية والجسدية.
تأسيسه: يدعي النصارى بأن هذا السر أسس من السيد المسيح، ويستدلون على ذلك بأن يعقوب الرسول يشير إلى ذلك صريحًا بقوله" أَمرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَصَلَاةُ الإِيمَانِ تَشْفِي المُرِيضَ، وَالرَّبّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ." يعقوب (٥/ ١٤ - ١٥).
وقد مارس الرسل هذا السر عندما أرسلهم المسيح للكرازة كما قال مرقس الإنجيلي "وَدَهَنُوا بِزَيْتٍ مَرْضَى كَثِيرِينَ فَشَفَوْهُمْ." (مرقس ٦/ ١٣) (١).
الشروط اللازمة لإتمام هذا السر:
١ - الشخص القابل السر وهو المريض قوله "أَمَرِيضٌ أَحَد بَيْنكُمْ؟ ".
٢ - خادم السر بقوله "فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ".
٣ - صورة السر وهي "الصلاة" بقوله "فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ".
٤ - مادة السر بقوله "وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ".
٥ - مفعول السر وهو الشفاء بقوله" وَصَلَاةُ الإِيَمانِ تَشْفِي المرِيضَ، والرَّبُّ يُقِيمُهُ،
стр. 1260
وإنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ."
خامسًا: سر الزيجة .
تعريفه: يقولون: الزيجة هي ناموس طبيعي سنه الله تعالى منذ ابتداء الخليقة.
غايته: وقد حدد النصارى لسر الزيجة غايتين:
الأولى: هي نمو النوع البشري وحفظه بالتناسل حسب الأمر الإلهي.
الثانية: هي التعاون والتعاضد ومساعدة كل من الزوجين للآخر.
الشروط المطلوبة لعقد رباط الزيجة:
وقد اشترط النصارى لهذا السر أربعة شروط:
أولا: أن يكون العروسان مسيحيين لأنه بدون الإيمان بالمسيح لا يمكن نيل النعمة الإلهية المعطاة بهذا السر أو بغيره.
ثانيا: أن يكونا أرثوذكسيين لأنه لا وجه لنوال غير الأرثوذكس إكليلا أرثوذكسيا من يد كاهن أرثوذكسي.
ثالثًا: أن يكونا بعيدين عن القرابة الجسدية والروحية المعينة درجاتها من قوانين الكنيسة الأرثوذكسية.
رابعا: أن يكونا راضيين وقابلين الزواج بتمام الحرية والإرادة المطلقة.
أوصاف الزيجة المسيحية:
للزيجة المسيحية صفتان:
الأولى: وحدة الزيجة، وهي أن يكون للرجل امرأة واحدة، وللمرأة رجل واحد أي منع تعدد الأزواج والزوجات.
والثانية: عدم انفكاك هذه الزيجة، بمعنى حرمة الطلاق. (١)
كيف يتم هذا السر؟
يقرب القسيس رأس العروسين، ويربطهما برباط واحد ثم يتلو بعض العبارات،
стр. 1261
وبذلك يتم العقد. ويشترط أن يتم الزواج في الكنيسة أما الزواج الذي يتم خارج الكنيسة فلا تعترف به، وتعده علاقة آثمة بين الرجل والمرأة.
ومن المفارقات العجيبة أن الأصل في المسيحية أن يترهب الناس ويعفوا أنفسهم عن الزواج، رجالا ونساء، ويستندون في ذلك إلى تأويل فاسد لعدم زواج السيد المسيح ﵇ ولكنهم وجدوا أن هذا غير ممكن، فأجازوا الزواج، أي أن الأصل الترهب والإعفاف والزواج استثناء، إنه ضغط على النفس البشرية، وتجاهل لناموس الحياة من استمرارية الوجود البشري، وإعمار الكون.
أما عن تعدد الزواج، فقد كان معمولا به في العصور الأولى للمسيحية، أخذا من شريعة اليهود، وتمشيًا مع قول السيد المسيح ﵇ "لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأنقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ." (متى ٥/ ١٧).
فوجدت الكنيسة نفسها أمام نص صريح للسيد المسيح، ووضع جديد أن تفرضه على الناس فرضا، وللتوفيق ومحاولة منه للخروج من هذا المأزق جعلت الزواج من واحدة فقط مباحا، وأيضًا للخروج من ارتكاب جريمة الزنا، ولكن لا يجوز الطلاق بأي حال إلا لعلة الزنا.
ويلاحظ أن هذا خروج على تعاليم المسيح ﵇ إذ أن اليهودية تجيز الطلاق لأسباب كثيرة غير علة الزنا، فإذا تم الطلاق في المسيحية لعلة الزنا فإنه لا يجوز للزاني رجلا كان أو امرأة أن يتزوج مرة أخرى، أما إذا كلن الفراق لموت أحد الزوجين، فإن الحي يجوز له أن يتزوج، كذلك يجوز الطلاق إذا كان أحد الزوجين غير مسيحي -اختلاف الملتين- ولكن بشرط أن تتعذر الألفة بينهما. (١)
سادسًا: سر الميرون (أو المسحة المقدسة) .
تعريفه: يقول النصارى: إننا بسر المعمودية نولد ولادة ثانية من فوق، ومن ولد ولادة
стр. 1262
جديدة يحتاج إلى قوة تثبته وتحفظ وجوده ونموه في الحياة الروحية.
وهوس مقدس به ينالون ختم موهبة الروح القدس.
تعريف كلمة الميرون:
هي كلمة يونانية معناها "طيب" وتطلق في الاصطلاح الكنسي على المزيج السائل المركب من نحو ٣٠ صنفا من أصناف الطيوب والعطور كالمر والعود والسليخة وقصب الذريرة وعود اللبان.
أسماؤه: ويطلق عليه أيضا "وضع الأيادي" لأن الرسل كانوا يتممونه في العصر الأول بوضع الأيادي على المعتمدين، ويسمى أيضًا "مسحة سرية -وسر المسحة- ومسحة الخلاص".
تأسيسه: يدعي النصارى أن يسوع هو الذي أسس هذا السر عندما قال: : "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيقبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. ٣٨ مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَال الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ". ٣٩ قَال هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ المؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لم يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ" (يوحنا ٧/ ٣٧ - ٣٩).
وقت تطبيق هذا السر: عند الأرثوذكس تمنح الكنيسة هذا السر بعد المعمودية حالًا. (١)
سابعًا: سر الكهنوت:
معنى الكهنوت: السر الذي يحصل به الإنسان على النعمة التي تؤهله لأداء رسالة المسيح بين البشر فيعين بين الكهنة، فهو خلافة رسولية أخذها الآباء الأولون عن الرسل أنفسهم، ويسلمونها لمن بعدهم، والرسل هم الذين أخذوا هذا السر المقدس من المسيح.
تأسيسه: يعتمد النصارى في تأسيس هذا السر على ما ورد في إنجيل متى: "١٨ الحقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تحلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ." (١٨/ ١٨).
معنى ذلك أن المسيحية تعطى للكهنة سلطة تشبه سلطة الإله، وتطلق يدهم بلا حدود في التحكم في مصائر الشعب، إذ تجعل قولهم ملزمًا يتبعه الناس، وتأسيسًا على ذلك:
стр. 1263
إذا قال الرئيس الكهنوتي لشخص أنه ليس بمسيحي صار كذلك، وإذا قال إنه مسيحي كان مسيحيًا، فليس المعتقد حرا في اعتقاده بحيث يتصرف في معارفه كما يرشده عقله، بل إنه مشدود بشفتى رئيسه الديني." (١)
ولقد تمسك آباء الكنيسة بشتى الأفكار التي تقوم على نظرية السر المقدس.
يقول عبد الأحد داود الأشوري "إن الاعتقاد النصراني القائل إن نفس الروح القدس هذا، أو الأقنوم الثالث في الثالوث المقدس، ينحدر من عرشه السماوي طوع إشارة أي قسيس أثناء احتفاله اليومي ببعض الطقوس، من أجل تقديس عناصرها وتغيير جوهرها وخصائصها إلى بعض عناصر أخرى، فوق الطبيعة، إن هذا الاعتقاد أمر مناف للعواطف الدينية لكل موحد، جهوديا كان أو مسلما، ولا يوجد شيء يهز مشاعر المسلم أكثر من الاعتقاد بأن الروح القدس -بإيعاز من أحد القسسر- يغير دائما ماء المعمودية إلى دم إله مصلوب، ويمحو ما يسمى بالخطيئة الأصلية، أو كالاعتقاد بأن العملية السحرية التي تجري على العناصر المادية للقربان المقدس، تحولها إلى دم وجسد إله متجسد".
بهذه الاعتقادات، وبالسلطان الكهنوتي، يهيمن رجال الاكليروس على الشعب، وسرعان ما يتوافد أفراد هذا الشعب على كرسي الاعتراف؛ لينالوا الغفران من الكهنة، وإذا تم الغفران صار للمغفور له الحق في تناول القربان المقدس، الذي يتحول إلى جسد ودم المسيح كما يزعمون. (٢)
إلى هنا تنهي الأسرار عند الكنيسة الأرثوذكسية، ولكن تخالفها الكنيسة الكاثوليكية في سر آخر وهو:
٨ - سر عصمة البابا
وهذا السر تنفرد به الكنيسة الكاثوليكية، وهي تدعي عصمة بابا روما واستحالة ارتكابه الإثم أو الخطيئة، لأن الروح القدس ينطق من خلاله بوصفه خليفة بطرس
стр. 1264
الرسول، أحد تلاميذ المسيح، والذي منحه السيد المسيح -بزعمهم- مفاتيح السماء والأرض، بمعنى أن كل ما يربطه على الأرض فهو مربوط في السماء، وكل ما حله على الأرض يكون أيضًا محلولا في السماء.
ولما ضيقت البروتستانية من نفوذ البابا في روما، وحدت من سلطته، اضطر بابا روما إلى تأكيد هذا السر بعقد مجمع مسكوني كاثوليكي في روما عام ١٨٦٩ م فتأكد في ذلك المجمع تمتع البابا في روما بالعصمة واستحالة ارتكابه الإثم، فواعجبي! ! (١)
الخلاصة:
يقول ول ديورانت: "إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها، وأصبحت اللغة اليونانية التي ظلت قرونا عدة صاحبة السلطان على السياسة أداة الآداب والطقوس المسيحية، وانتقلت الطقوس اليونانية الخفية إلى طقوس القداس الخفية الرهيبة، وساعدت عدة مظاهر أخرى من الثقافة اليونانية على أحداث هذه النتيجة المتناقضة الأطراف، فجاءت من مصر لآراء الثالوث المقدس، ويوم الحساب وأبدية الثواب والعقاب، وخلود الإنسان في هذا أو ذاك، ومنها جائت عبادة أم الطفل، والاتصال الصوفي بالله، ذلك الاتصال الذي أوجد الأفلاطونية الحديثة، واللإدرية، وطمس معالم العقيدة المسيحية" (٢).
ومن هنا نستطيع أن نقول إن أمر العقائد المسيحية وشعائرها، واستمدادها من الديانات الوثنية السابقة والمعاصرة لها، ليس بخاف على الكهنة المسيحيين الذين يقودون شعب الكنيسة في أنحاء الأرض، ومما يؤكد هذا النظر أن الأستاذ محمد فؤاد الهاشمي، كان قسيسا فأسلم، يقول "إن المسيحية في أصلها دين روحي سماوي، جاء به المسيح من عند الله، ولكن الكهنة في كل زمان ومكان يحتكرون الأسرار لأنفسهم تلك الأسرار التي لو كشفنا عنها، لتبين أنهم يعرفون الحق ويحيدون عنه، وإنه ليمنعني من الدخول في أسرار
стр. 1265
الكنائس عديد من الاعتبارات، سوف تزول ويأتي الوقت الذي نفصح فيه عن كل شيء، وقد احتفظ رجال الكهنوت بكثير من الأسرار، وأباحوا الرموز للشعب، وهذه سنة جرى عليها جميع الكهنة من قبل المسيحية، وقد أشار السيد المسيح إلى هؤلاء الكهنة، عندما وجه القول إلى الفريسيين والصدوقيين من اليهود قائلًا لهم: "لا تضعوا المصباح تحت المكيال" وقد عنى المسيح بالمكيال: الرموز والطقوس.
كما عنى بالمصباح الحقائق المستورة تحت الرموز والطقوس" (١).
الفصل الثاني: العبادات في عصر المسيح ﵇ -.
عندما ندرس العبادات التي جاء بها السيد المسيح، لا بد أن نطلع على عبادات العقائد التي كانت سائدة آنذاك في فلسطين والحضارات المجاورة، وخاصة عبادات اليهود والرومان، باعتبار أن الطرفين كانا الأكثر وضوحًا من حيث عقائدهما عند مجيء السيد المسيح ﵇.
أما العبادات في اليهودية فإن كثيرًا من المصادر دونت لها ووصفتها، وكذلك بثت الأناجيل شيئًا منها.
والواقع أن الحقبة التاريخية التي سبقت مجيء المسيح بحوالي مئة عام شهدت انطلاقًا شديدًا لتابعي اليهود فالظروف التي وجد فيها اليهود لم تكن مشجعة لهم على إقامة الشعائر الدينية، لأن الحملات الآشورية ثم البابلية والفارسية واليونانية قد تركت طابعًا لم يكن من السهل إزالته، حيث انتشرت في طول البلاد وعرضها العبادات الوثنية على اختلافها، وشيدت في كل أنحاء فلسطين معابد وهياكل لآلهة عديدة وكثيرة.
وأما ديانة يهوه فاضطهدت وضعفت، بل في كثير من الأحيان لم تعد كديانة من الديانات الأخرى الموجودة في البلاد بل أصبحت ديانة مكلفة كان ثمنها في بعض الأحيان حياة الذين كانوا يتمسكون بها ويحيونها حياة عملية.
وفي عام ١٦٧ ق. م قام أنطيخوس الرابع بإقامة تمثال يحتمل أن يكون تمثال جوبيتر