وبذلك يتم العقد. ويشترط أن يتم الزواج في الكنيسة أما الزواج الذي يتم خارج الكنيسة فلا تعترف به، وتعده علاقة آثمة بين الرجل والمرأة.
ومن المفارقات العجيبة أن الأصل في المسيحية أن يترهب الناس ويعفوا أنفسهم عن الزواج، رجالا ونساء، ويستندون في ذلك إلى تأويل فاسد لعدم زواج السيد المسيح ﵇ ولكنهم وجدوا أن هذا غير ممكن، فأجازوا الزواج، أي أن الأصل الترهب والإعفاف والزواج استثناء، إنه ضغط على النفس البشرية، وتجاهل لناموس الحياة من استمرارية الوجود البشري، وإعمار الكون.
أما عن تعدد الزواج، فقد كان معمولا به في العصور الأولى للمسيحية، أخذا من شريعة اليهود، وتمشيًا مع قول السيد المسيح ﵇ "لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأنقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ." (متى ٥/ ١٧).
فوجدت الكنيسة نفسها أمام نص صريح للسيد المسيح، ووضع جديد أن تفرضه على الناس فرضا، وللتوفيق ومحاولة منه للخروج من هذا المأزق جعلت الزواج من واحدة فقط مباحا، وأيضًا للخروج من ارتكاب جريمة الزنا، ولكن لا يجوز الطلاق بأي حال إلا لعلة الزنا.
ويلاحظ أن هذا خروج على تعاليم المسيح ﵇ إذ أن اليهودية تجيز الطلاق لأسباب كثيرة غير علة الزنا، فإذا تم الطلاق في المسيحية لعلة الزنا فإنه لا يجوز للزاني رجلا كان أو امرأة أن يتزوج مرة أخرى، أما إذا كلن الفراق لموت أحد الزوجين، فإن الحي يجوز له أن يتزوج، كذلك يجوز الطلاق إذا كان أحد الزوجين غير مسيحي -اختلاف الملتين- ولكن بشرط أن تتعذر الألفة بينهما. (١)
سادسًا: سر الميرون (أو المسحة المقدسة) .
تعريفه: يقول النصارى: إننا بسر المعمودية نولد ولادة ثانية من فوق، ومن ولد ولادة
стр. 1262
جديدة يحتاج إلى قوة تثبته وتحفظ وجوده ونموه في الحياة الروحية.
وهوس مقدس به ينالون ختم موهبة الروح القدس.
تعريف كلمة الميرون:
هي كلمة يونانية معناها "طيب" وتطلق في الاصطلاح الكنسي على المزيج السائل المركب من نحو ٣٠ صنفا من أصناف الطيوب والعطور كالمر والعود والسليخة وقصب الذريرة وعود اللبان.
أسماؤه: ويطلق عليه أيضا "وضع الأيادي" لأن الرسل كانوا يتممونه في العصر الأول بوضع الأيادي على المعتمدين، ويسمى أيضًا "مسحة سرية -وسر المسحة- ومسحة الخلاص".
تأسيسه: يدعي النصارى أن يسوع هو الذي أسس هذا السر عندما قال: : "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيقبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. ٣٨ مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَال الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ". ٣٩ قَال هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ المؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لم يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ" (يوحنا ٧/ ٣٧ - ٣٩).
وقت تطبيق هذا السر: عند الأرثوذكس تمنح الكنيسة هذا السر بعد المعمودية حالًا. (١)
سابعًا: سر الكهنوت:
معنى الكهنوت: السر الذي يحصل به الإنسان على النعمة التي تؤهله لأداء رسالة المسيح بين البشر فيعين بين الكهنة، فهو خلافة رسولية أخذها الآباء الأولون عن الرسل أنفسهم، ويسلمونها لمن بعدهم، والرسل هم الذين أخذوا هذا السر المقدس من المسيح.
تأسيسه: يعتمد النصارى في تأسيس هذا السر على ما ورد في إنجيل متى: "١٨ الحقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تحلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ." (١٨/ ١٨).
معنى ذلك أن المسيحية تعطى للكهنة سلطة تشبه سلطة الإله، وتطلق يدهم بلا حدود في التحكم في مصائر الشعب، إذ تجعل قولهم ملزمًا يتبعه الناس، وتأسيسًا على ذلك:
стр. 1263
إذا قال الرئيس الكهنوتي لشخص أنه ليس بمسيحي صار كذلك، وإذا قال إنه مسيحي كان مسيحيًا، فليس المعتقد حرا في اعتقاده بحيث يتصرف في معارفه كما يرشده عقله، بل إنه مشدود بشفتى رئيسه الديني." (١)
ولقد تمسك آباء الكنيسة بشتى الأفكار التي تقوم على نظرية السر المقدس.
يقول عبد الأحد داود الأشوري "إن الاعتقاد النصراني القائل إن نفس الروح القدس هذا، أو الأقنوم الثالث في الثالوث المقدس، ينحدر من عرشه السماوي طوع إشارة أي قسيس أثناء احتفاله اليومي ببعض الطقوس، من أجل تقديس عناصرها وتغيير جوهرها وخصائصها إلى بعض عناصر أخرى، فوق الطبيعة، إن هذا الاعتقاد أمر مناف للعواطف الدينية لكل موحد، جهوديا كان أو مسلما، ولا يوجد شيء يهز مشاعر المسلم أكثر من الاعتقاد بأن الروح القدس -بإيعاز من أحد القسسر- يغير دائما ماء المعمودية إلى دم إله مصلوب، ويمحو ما يسمى بالخطيئة الأصلية، أو كالاعتقاد بأن العملية السحرية التي تجري على العناصر المادية للقربان المقدس، تحولها إلى دم وجسد إله متجسد".
بهذه الاعتقادات، وبالسلطان الكهنوتي، يهيمن رجال الاكليروس على الشعب، وسرعان ما يتوافد أفراد هذا الشعب على كرسي الاعتراف؛ لينالوا الغفران من الكهنة، وإذا تم الغفران صار للمغفور له الحق في تناول القربان المقدس، الذي يتحول إلى جسد ودم المسيح كما يزعمون. (٢)
إلى هنا تنهي الأسرار عند الكنيسة الأرثوذكسية، ولكن تخالفها الكنيسة الكاثوليكية في سر آخر وهو:
٨ - سر عصمة البابا
وهذا السر تنفرد به الكنيسة الكاثوليكية، وهي تدعي عصمة بابا روما واستحالة ارتكابه الإثم أو الخطيئة، لأن الروح القدس ينطق من خلاله بوصفه خليفة بطرس
стр. 1264
الرسول، أحد تلاميذ المسيح، والذي منحه السيد المسيح -بزعمهم- مفاتيح السماء والأرض، بمعنى أن كل ما يربطه على الأرض فهو مربوط في السماء، وكل ما حله على الأرض يكون أيضًا محلولا في السماء.
ولما ضيقت البروتستانية من نفوذ البابا في روما، وحدت من سلطته، اضطر بابا روما إلى تأكيد هذا السر بعقد مجمع مسكوني كاثوليكي في روما عام ١٨٦٩ م فتأكد في ذلك المجمع تمتع البابا في روما بالعصمة واستحالة ارتكابه الإثم، فواعجبي! ! (١)
الخلاصة:
يقول ول ديورانت: "إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها، وأصبحت اللغة اليونانية التي ظلت قرونا عدة صاحبة السلطان على السياسة أداة الآداب والطقوس المسيحية، وانتقلت الطقوس اليونانية الخفية إلى طقوس القداس الخفية الرهيبة، وساعدت عدة مظاهر أخرى من الثقافة اليونانية على أحداث هذه النتيجة المتناقضة الأطراف، فجاءت من مصر لآراء الثالوث المقدس، ويوم الحساب وأبدية الثواب والعقاب، وخلود الإنسان في هذا أو ذاك، ومنها جائت عبادة أم الطفل، والاتصال الصوفي بالله، ذلك الاتصال الذي أوجد الأفلاطونية الحديثة، واللإدرية، وطمس معالم العقيدة المسيحية" (٢).
ومن هنا نستطيع أن نقول إن أمر العقائد المسيحية وشعائرها، واستمدادها من الديانات الوثنية السابقة والمعاصرة لها، ليس بخاف على الكهنة المسيحيين الذين يقودون شعب الكنيسة في أنحاء الأرض، ومما يؤكد هذا النظر أن الأستاذ محمد فؤاد الهاشمي، كان قسيسا فأسلم، يقول "إن المسيحية في أصلها دين روحي سماوي، جاء به المسيح من عند الله، ولكن الكهنة في كل زمان ومكان يحتكرون الأسرار لأنفسهم تلك الأسرار التي لو كشفنا عنها، لتبين أنهم يعرفون الحق ويحيدون عنه، وإنه ليمنعني من الدخول في أسرار
стр. 1265
الكنائس عديد من الاعتبارات، سوف تزول ويأتي الوقت الذي نفصح فيه عن كل شيء، وقد احتفظ رجال الكهنوت بكثير من الأسرار، وأباحوا الرموز للشعب، وهذه سنة جرى عليها جميع الكهنة من قبل المسيحية، وقد أشار السيد المسيح إلى هؤلاء الكهنة، عندما وجه القول إلى الفريسيين والصدوقيين من اليهود قائلًا لهم: "لا تضعوا المصباح تحت المكيال" وقد عنى المسيح بالمكيال: الرموز والطقوس.
كما عنى بالمصباح الحقائق المستورة تحت الرموز والطقوس" (١).
الفصل الثاني: العبادات في عصر المسيح ﵇ -.
عندما ندرس العبادات التي جاء بها السيد المسيح، لا بد أن نطلع على عبادات العقائد التي كانت سائدة آنذاك في فلسطين والحضارات المجاورة، وخاصة عبادات اليهود والرومان، باعتبار أن الطرفين كانا الأكثر وضوحًا من حيث عقائدهما عند مجيء السيد المسيح ﵇.
أما العبادات في اليهودية فإن كثيرًا من المصادر دونت لها ووصفتها، وكذلك بثت الأناجيل شيئًا منها.
والواقع أن الحقبة التاريخية التي سبقت مجيء المسيح بحوالي مئة عام شهدت انطلاقًا شديدًا لتابعي اليهود فالظروف التي وجد فيها اليهود لم تكن مشجعة لهم على إقامة الشعائر الدينية، لأن الحملات الآشورية ثم البابلية والفارسية واليونانية قد تركت طابعًا لم يكن من السهل إزالته، حيث انتشرت في طول البلاد وعرضها العبادات الوثنية على اختلافها، وشيدت في كل أنحاء فلسطين معابد وهياكل لآلهة عديدة وكثيرة.
وأما ديانة يهوه فاضطهدت وضعفت، بل في كثير من الأحيان لم تعد كديانة من الديانات الأخرى الموجودة في البلاد بل أصبحت ديانة مكلفة كان ثمنها في بعض الأحيان حياة الذين كانوا يتمسكون بها ويحيونها حياة عملية.
وفي عام ١٦٧ ق. م قام أنطيخوس الرابع بإقامة تمثال يحتمل أن يكون تمثال جوبيتر
стр. 1266
الأولمبي في نفس المكان الذي كان فيه ما يسمى مذبح التقدمة. وبذلك اعتبر اليهود هذا العمل بأنه نجس بيت الرب. وقد أصدر هذا الإمبراطور قرارًا يمنع اليهود من تقديم الذبائح والعبادة لله في بيت الرب. وكان هدف هذا القرار توحيد الديانة الرومانية والقضاء على تنوع الديانات. والوقع أن هذا القرار كان ضد جميع الديانات وليس الديانة اليهودية فحسب. وكان من يتعجد لآلهة أخرى ويقدم لها الذبائح يحكم عليه بالموت وآنذاك أرغم اليهود على أكل لحم الخنزير.
وكان من العادات اليهودية تعيين رئيسًا للكهنة الذين يكهنون لبيت الرب وقد عرفنا من خلال الأناجيل أن زكريا ﵇ وهو الذي عاصر بداية حياة المسيح، كان يكهن للرب، لا سيما عندما جاء الملاك جبريل وبشر بولده يحيى.
وعندما ننظر إلى واقع العبادات لدى اليهود لابد لنا أن نشير إلى أنهم كانوا عدة فرق، وكان أهمها فرقة الفريسيين التي عاندت السيد المسيح ورفضت ما بشر به، وفي الوقت نفسه كانت جماعة الأسينيين في قمران تؤسس لنفسها عالمًا خاصًّا بها. وقد برزت أيضًا فرقة الأتقياء من الفريسيين كجماعة ترفض الاندماج وتبني الثقافة الرومانية، وبرزت أيضًا فرقة الصدوقيين التي كانت تؤيد الحكم الروماني ولكنها ظلت على يهوديتها.
وكان عدد الكهنة الصدوقيين أكثر من غيرهم حتى انقلب الأمر للفريسيين زمن المسيح، وكان الصدوقيون يؤمنون بأسفار موسى الخمسة، ويرفضون كل تقليد شفهي وكل الطقوس الخاصة بالطهارة، وكان الصدوقيون أيضًا يرفضون قيامة الأموات كما أنهم لا يؤمنون بالملائكة ولا بالشيطان، ولا يؤمنون بالعناية الإلهية، ويعتقدون أن الإنسان حر في اختيار الخير ورفض الشر.
وقبل ظهور المسيح بسنوات بدا واضحًا أن اليهود على مختلف أحزابهم آنذاك تركوا التمسك بالناموس والمكتوب، واشتركوا في عبادات ومعاملات غير يهودية وقد تواطأت طبقة الكهنة آنذاك مع الرومان.
стр. 1267
ومع ولادة المسيح وظهوره على ساحة الدعوة كانت العبادات اليهودية وكذلك المعاملات تسير جنبًا إلى جنب مع عبادات الوثنيين من الرومان ومعاملاتهم.
والواقع أنه لو رجعنا إلى تاريخ اليهود لرأينا أن الفترة التي بدأ فيها المسيح دعوته كانت فترة اضطراب وقلق وعدم استقرار من الناحية السياسية والدينية.
ومع ذلك كله فإننا نجد أن العبادات اليهودية وكذلك المعبد بقيت على حالها زمن بعثة المسيح.
إلا أن تطور العقيدة المسيحية بعد رفع المسيح لحق التطور في العبادات نفسها. فالصلاة تطورت وكذلك الصيام وكذلك بقية الأمور المتعلقة بالقرابين والمعبد والأعياد وتبرز الصلاة كأهم أنواع العبادات التي اهتم بها كتبة الأناجيل والقائمون على العقيدة النصرانية. وقد عرفنا أن اليهود قد أقاموا الصلاة، وعرف منهم الصلاة في أوقات ثلاثة، وكذلك الصلاة في أيام معروفة محددة.
وقد وردت في الأناجيل إشارات عديدة لصلاة السيد المسيح ﵇ إن كانت في بيت الرب أو في أماكن أخرى.
وكذلك عرف السيد المسيح الصيام وقام به، وقد ظهر ذلك في الأناجيل بشكل واضح. وهناك عبادات أخرى كالأدعية وتقديم القرابين والاغتسال والقيام بالامتناع عن المحرمات كشرب الخمر أو الزنا أو هتك الأعراض والتعرش بالناس.
وكل هذه الأمور أصبحت تشريعات طورها الكهنة وكبار رجال الدين في العقيدة النصرانية.
الخدمة الكهنوتية
يورد إنجيل لوقا في الفصل الأول أن زكريا كان يقوم بالخدمة الكهنوتية أمام الله في دور فرقته، وألقيت القرعة جريًا على سنة الكهنوت فأصابته ليدخل مقدس الرب ويحرق البخور، وكانت جماعة الشعب كلها تصلي في خارجه عند إحراق البخور، فمن خلال ما جاء في هذا الإنجيل نعرف أنه مع ولادة المسيح كانت هناك طقوس سائدة لدى اليهود. فهناك خدمة كهنوتية في بيت الرب يقوم بها كبير فرقة من فرق الكهنوت اليهودية، وهناك قرعة تجرى لمعرفة دور من يكهن.
стр. 1268
ويرافق هذا العمل حرق البخور الذي هو عادة موجودة فرضتها التقاليد التي بثتها التوراة. وإلى جانب ذلك هناك صلاة جماعية يقوم بها الناس خارج المقدس الذي يكون بداخله الكاهن الأكبر.
ويتضح أيضًا أن هناك ما يسمى مذبح البخور، حيث يحرق فيه البخور لتكملة مهمة التقديس.
وقد أورد القرآن الكريم قصة زكريا وتعبده ودعائه.
فحسب النص القرآني فإن زكريا كان يتعبد بالصلاة في المحراب.
يقول الله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١].
إذن فهناك صلاة وهناك تعبد في المحراب، وليس هناك شديد اختلاف في الإطار العام.
وجاء في إنجيل لوقا أنه لما انقضت ثمانية أيام فحان للطفل أن يختن سمي يسوع كما سماه الملاك قبل أن يحبل به.
وجاء أيضًا: ولما حان يوم طهوره بحسب شريعة موسى صعدا به إلى أورشليم ليقرباه للرب. كما كتب في شريعة الرب أن كل بكر ذكر ينذر للحرب وليقربا كما ورد في شريعة الرب زوجي يمام أو فرخي حمام.
فنرى أن المسيح ﵇ يختن وهو ابن ثمانية أيام وذلك تطبيقًا لسنة إبراهيم ﵇ وشريعة اليهود، التي سارت في الختان على نهج إبراهيم. فالختان إذًا من العبادات أو الطقوس التي كانت سائدة حين ولد المسيح ﵇.
ويتضح أيضًا أن هناك طقوسًا للطهارة تقوم بها المرأة بعد ولادتها بأربعين يومًا أما الغلام الذي يراد تطهيره فينذر للرب ثم يفدى بقربان.
ويتضح أيضًا أن قربان الفقراء من الناس كان عبارة عن فرخين من الحمام، أما الأغنياء فكانوا يقربون حملًا، وهذا ما ورد في نصوص التوراة، وخاصة في أسفار موسى الخمسة.
ويرد في الفصل الثاني من إنجيل لوقا أن هناك نبية هي حنة ابنة فانوئيل كانت متعبدة بالصوم والصلاة ليل نهار.
стр. 1269
وهذه أيضًا إشارة لوجود صلاة وصوم عند اليهود زمن ولادة السيد المسيح. ويأتي في لوقا أن أبويه كانا يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح.
فعيد الفصح من أعياد اليهود المعروفة ويدوم عدة أيام.
وفي الفصل الثالث من لوقا تظهر عادة التعميد وقد ابتدعها يوحنا وهي من الأمور الهامة التي ترتبط بالعقيدة النصرانية.
جاء فيه (أنا أعمدكم بالماء) (وكان يقول للجموع التي تخرج إليه لتعتمد عن يده) (ولما اعتمد الشعب كله واعتمد يسوع أيضًا وكان يصلي).
وندرك أن التعميد من صنع يوحنا وليس من صنع المسيح بمعنى أن هذه العادة سبقت خدمة المسيح.
ويتضح من الفصل الرابع أن المسيح ﵇ كان يصوم أربعين يومًا وليلة. وقد نجد ذلك في التوراة عند الحديث عن موسى ﵇ عندما ذهب ليتلقى تعاليم ربه. وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (البقرة: ٥١).
وقد ورد أيضًا قول لوقا: مكتوب: (للرب إلهك تسجد) وهذا يعني أن في العقيدة السائدة زمن السيد المسيح سجودًا. والسجود لله لا يتم إلا في صلاة.
ومن عادات العبادات أن الناس كانوا يتعبدون يوم السبت ويذهبون إلى معبد الرب، يقول لوقا ودخل المجمع يوم السبت على عادته وقام ليقرأ.
ويمر أيضًا في إنجيل لوقا أن المسيح أمر الأبرص الذي شفاه وقال له: (اذهب إلى الكاهن فأره نفسك ثم قرب برئك ما أمر به موسى شهادة لديهم)، وهذا يعني أن الذي كان يشفى من مرض ما يقدم تقدمة وقربانًا للرب حسب ما قالت شريعة موسى.
وأورد إنجيل لوقا أن تلاميذ يوحنا يكثرون من الصوم ويقيمون الصلوات.
ويرد أيضًا: (وفي تلك الأيام ذهب إلى الجبل ليصلي فأحيا الليل كله في الصلاة).
ويرد أيضًا: (وبينما هو يصلي تبدل منظر وصارت ثيابه بيضًا تتلألأ كالبرق).
стр. 1270
ويرد في إنجيل لوقا أن المسيح طلب السهر والصلاة من تلاميذه حتى يكونوا أهلًا للنجاة.
ويرد ما يسمى عشاء عيد الفصح، ويوم الفطير، وهو من الأعياد اليهودية المعروفة (وجاء يوم الفطير وفيه يجب ذبح حمل الفصح فأرسل بطرس ويوحنا وقال لهما اذهبا فأعدا لنا الفصح لنأكله).
ويرد أيضًا عن صلاته: (وأخذه الجهد فأمعن في الصلاة وصار عرقه كقطرات دم متخثر تتساقط على الأرض. ثم قام عن الصلاة فرجع إلى تلاميذه فقال لهم ما بالكم نائمين قوموا فصلوا لئلا تقعوا في التجربة).
فمن خلال ما تقدم نعرف أن الصلاة كانت موجود كعبادة يقوم بها الأنبياء والكهنة والناس، وكذلك الصيام والختان والطهارة والأعياد، فمن هذه الأمور ما ظل المسيح سائرًا عليها ومنها ما رفضه ووضع بديلًا تعبديًا عنه.
الصلاة في العقيدة النصرانية .
من خلال النصوص التي وردت في الأناجيل ندرك أن المسيح ﵇ كان يصلي وصلاته كانت تعبدًا لله وتقربًا له، وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى أن الله أمر المسيح بالصلاة فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].
والصلاة فرضت على سائر الأنبياء، لكن كل نبي يصلي حسب ما أملاه الوحي الإلهي عليه، ولم تشر الأناجيل ولا القرآن الكريم إلى كيفية الصلاة. بينما أشارت آية إلى أن زكريا كان يصلي وهو قائم، ولا ندري إذا كان القيام جزءًا من عدة حركات للصلاة أم أن الصلاة كانت تؤدى في حالة القيام فحسب.
وعندما يرد في إنجيل لوقا: (وأخذه الجهد فأمعن في الصلاة وصار عرقه كقطرات دم متخثر) نرى من خلال ذلك أن الصلاة التي كان يؤديها المسيح تأخذ جهدًا وليست هي صلاة بدون حركة، فإذا كان ساكنًا في وضع معين لا يتصبب العرق منه، ولا بد أن يكون قد أدى حركات عديدة حتى أخذ الجهد منه هذا المبلغ.
ويظهر أيضًا أن المسيح كان قد صلى في عدة أماكن فتارة في المعبد، وتارة في البرية،
стр. 1271
وهذا يشير إلى أن صلاة المسيح لها مكان محدد، وعليه فإن حصر الصلاة في الكنيسة أو الدير لا يتبع الصلاة التي أداها المسيح في أي مكان دون تحديد.
وقد ورد في إنجيل متى في الفصل السادس ما يسمى الصلاة الربانية. وقد جاءت على لسان المسيح حسب هذا الإنجيل: ويقول فيها: (فصلوا أنتم هذه الصلاة أبانا الذي في السماء ليقدس اسمك ليأت ملكوتك، ليكن ما تشاء في الأرض كما في السماء أرزقنا اليوم خبز يومنا، وأعفنا مما علينا. فقد أعفينا نحن أيضًا من لنا عليه، ولا تعرضنا للتجربة. بل نجنا من الشرير).
وبشكل عام فإن الصلاة حسب أكثرية المذاهب سبع صلوات في اليوم والليلة، وهي صلاة البكور وصلاة الساعة السادسة والحادية عشرة والثانية عشرة ومنتصف الليل. واهتمام المسيحية بالصلاة هو أكثر من اهتمامهم بالصوم، وليس للصلاة ترتيب خاص، وإنما هي أدعية تختلف من مكان إلى مكان، وغاية ما يلزم أن تحويه أن تكون على نسق الصلاة الربانية التي ذكرناها.
وحسب المذهب الأرثوذكسي فإن الصلاة تبدأ بصلاة النهوض من النوم، واتفقوا على أدعية معينة تقال في هذه الصلاة، تبدأ بقولهم باسم الآب والابن والروح القدس آمين المجد لك يا إلهنا المجد لك. أيها الملك السماوي المعزى روح الحق الحاضر في كل مكان وصقع، والمالىء الكل كنز الصالحات، ورازق الحياة، هلم واسكن فينا وطهرنا من دنس وخلص أيها الصالح نفوسنا.
ويستمر هذا الدعاء حتى قولهم: وأمجدك أيها الإله الكلمة الممجد في الآب والروح آمين. ويستشف من هذا أن الذي وضع هذه الأدعية ليس المسيح ﵇ بل القائمون على الديانة النصرانية. وتنبع هذه الأدعية من الإيمان بالتثليث وليس بالوحدانية، ويلاحظ كثرة الصفات التي يلصقونها بالمسيح ﵇ وبعضها صفات من صفات الله التي تنم عن خلط بين المسيح وبين الذات الإلهية وصفاتها.
وعندهم كذلك الصلاة السحرية، وتبدأ أيضا بقولهم: باسم الآب والإبن والروح
стр. 1272
القدس آمين، قدوسٌ الله قدوسٌ القوي الذي لا يموت ارحمنا (ثلاثًا) المجد للآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى الدهر دهر الداهرين آمين ... أيها الثالوث القدوس ارحمنا يا رب اغفر خطايانا، ومن هذه الأدعية قولهم: أيتها الشفيعة الرهيبة غير المخذولة يا والدة الإله الكلية التسبيح لا تعرضي يا صالحة عن توسلاتنا .. ).
وعندما نراجع بعض الأدعية التي وردت في بعض العقائد الفرعونية والهندية نرى تشابها كبيرًا بينها وبين الأدعية التي مرت معنا، وخاصة تلك التي تتعلق بالعذراء أم المسيح ﵇.
ويستند المسيحيون في صلواتهم على بعض ما ورد من مزامير التوراة كالمزمور الثالث والمزمور السابع والثلاثين، والمزمور الثاني والستين، والمزمور السابع والثماني والمزمور الثاني بعد المئة والمزمور الثامن والأربعين بعد المئة. وبعد المزامير يرددون تراتيل لا توجه لله، بل توجه للملائكة كقولهم: (يا رئيسي الجنود السماويين إننا نبتهل إليكم نحن غير المستحقين طالبين أن تشملانا بتضرعاتكما بستر أجنحة مجدكما) وهذا يحدد بيوم الاثنين. أما في يوم الثلاثاء فيرتلون بقولهم: (إن تذكار الصديق بالمديح وأنت أيها السابق تكفيك شهادة الرب، لأنك ظهرت بالحقيقة أشرف من كل الأنبياء). وفي يومي الأربعاء والجمعة يقولون: (خلص يارب شعبك وبارك ميراثك وامنح المؤمنين الغلبة على محاربهم واحفظ بقوة صليبك جميع المختصين بك ... ) وفي يوم الخميس: (أيها الرسل القديسون تشفعوا إلى الإله الرحيم أن يمنح غفران الزلات لنفوسنا)، وفي يوم السبت: (أيها الرسل والشهداء والأنبياء ورؤساء الكهنة والأبرار والصديقون الذين أكملتم حسنًا سوط الجهاد وحفظتم الإيمان .. ).
وفي الصلاة هذه دعاء للأموات الراقدين يقولون فيه: (اذكر يارب عبيدك بما أنك صالح وسامحهم بكل ما خطئوا به إليك في هذا العمر لأنه ليس أحد بلا خطيئة إلا أنت القادر أن تمنح المنتقلين الراحة).
ويؤدون بعد هذه التراتيل المزمور الخمسين الموجود في التوراة الذي يقول (ارحمني يا الله كعظيم رحمتك وكمثل كثرة رأفتك امح مآثمي ... الخ).
стр. 1273
وفي الصلاة نفسها يوجد ما يسمى التسبحة التاسعة ويقال عنها تسبحة السيدة والدة الإله. ويقولون فيها: (تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي) وهي من إنجيل لوقا. ثم يقولون فيها المزمور الثامن والأربعين بعد المئة، والمزمور التاسع والأربعين بعد المئة ويقولون فيه: (رتلوا للرب ترتيلة جديدة، فإن تسبحته في مجمع الأبرار ليفرح إسرائيل بخالقه وليبتهج بنو صهيون بملكهم. ليسبحوا لاسمه بالطبول ليرتلوا بالدف والزمار) ثم يقولون في نفس الصلاة المزمور المئة والخمسين. وفيه أيضا ترتيلة تحت عنوان المجد له.
أما الصلاة الثالثة فهي صلاة الغروب ويقولون فيها: (هلموا نسجد ونركع لملكنا وإلهنا، هلموا نسجد ونركع للمسيح ملكنا وإلهنا. هلموا نسجد ونركع للمسيح هذا هو ملكنا وربنا وإلهنا. والمسيح نفسه قال في الإنجيل لا تسجد إلا للإله، ولم يقل لا تسجد إلا للمسيح)، وفي هذه الصلاة يرتلون المزمور الثالث بعد المئة والمزمور المئة والأربعين والمزمور الحادي والأربعين بعد المئة الذي يقال فيه: (بصوتي إلى الرب صرخت، بصوتي إلى الرب تضرعت، أسكب أمامه تضرعي وأحزاني قدامه أخبر).
وفي هذه الصلاة أيضا يرتلون المزمور التاسع والعشرين بعد المئة والمزمور السادس عشر بعد المئة. وفي هذه الصلاة أيضا تراتيل منها ترتيلة المساء، وتقال يوم الأحد مساء ويوم الاثنين مساء وفيها يقولون: (الرب يستمع لي حين أصرخ إليه "مرتين"، لما دعوت استجاب لي إله بري. الرب يستمع لي حين أصرخ إليه "مرة" ثم يوم الثلاثاء مساء والأربعاء مساء والخميس مساء والجمعة مساء والسبت مساء، وفي هذه الأخيرة يقولون: (أهلنا يا رب أن نحفظ في هذا المساء بغير خطيئة. مبارك أنت يا رب إله آبائنا مسبح وممجد اسمك إلى الأبد).
وهناك صلاة رابعة تسمى صلاة النوم الصغرى. ويقولون فيها المزمور الخمسين الذي يقول: (ارحمني يا الله كعظيم وكمثل كثرة رأفتك امح مآثمي).
ويقولون فيها أيضا المزمور التاسع والستين والمزمور الثاني والأربعين بعد المئة وفيها ما يسمى المجد له.
стр. 1274
وهناك صلاة إلى الملك الحارس أو الملاك الحارس، يقولون فيها: (أيها الملاك القديس الملازم نفسي الشقية، وحياتي الذليلة، لا تهملني أنا الخاطيء، ولا تبتعد عني بسبب إسرافي وتبذخي، ولا تعط من فرصة للشيطان الشرير لكي يسود باقتداره على جسدي هذا المائت) وهناك صلوات إلى والدة الإله كما يقولون.
والصلاة الخامسة هي صلاة قبل المناولة. وهذه تعني أن المسيحي حين يزمع أن يتناول الأسرار المقدسة عليه أن يتلو صلاة النوم المعتادة، ويضيف عليها قانونًا آخر يقولون فيه: (أيها الرب المتحنن فليصر لي جسدك المقدس ودمك الكريم خبز حياة ودواء شافيا للأمراض الكثيرة).
ويلاحظ أيضا في هذه الصلاة التشابه الكبير بين ما يقال هنا وما قاله الوثنيون الهنود في صلواتهم عن الإله براهما. ولعل عبارة جسدك المقدس ودمك الكريم تدل على ذلك، وفي هذه الصلاة كلام ودعاء للقديس يوحنا الذهبي الفم ولسمعان المترجم.
وهناك أيضًا صلوات مختلفة مثل صلوات المائدة وتقال قبل الأكل وبعد الأكل، وهناك صلاة عند مطالعة ما يسمى الكتاب المقدس، وصلاة قبل الدرس، وصلاة بعد الدرس، وصلاة قبل الاعتراف، وصلاة التوبة.
وهناك أشبه شيء بالصلاة وهي التراتيل التي ترافق بالألحان، وهي عبارة عن أدعية أيضًا وتمجيد للسيد المسيح وللعذراء، ولكنها ترافق بموسيقا، وذلك داخل الكنيسة. ولم تشر الكتب والمصادر المسيحية إلى أن هناك غسلًا أو ما يشبه الوضوء والطهارة قبل الصلاة. ففي الإسلام لا تصح الصلاة دون وضو وتطهير. وهنا لا بد أن يطرح سؤال يقول: هل الصلاة في المسيحية معنوية لفظية فحسب ولا تستدعي الطهارة والغسل؟ هل يمكن للذي يقوم من نومه وهو جنب أن يؤدي الصلاة الصباحية أو صلاة بعد النوم؟ هل يستطيع أي إنسان الدخول إلى الكنيسة وتأدية الصلاة دون أن يكون مغتسلًا أو متطهرًا من نجاسة البول أو الغائط أو الجنابة؟
فالمسيح ﵇ كان يتدين بالطهارة ويغتسل من الجنابة، ويوجب غسل الحائض، وطوائف
стр. 1275
النصارى عندهم أن ذلك كله غير واجب، وأن الإنسان يقوم من على بطن المرأة ويبول ويتغوط ولا يمس الماء ولا يستجمر. والبول والنجو ينحدر على ساقه وفخذه ويصلي كذلك، وصلاته صحيحة تامة ولو تغوط وبال وهو يصلي لم يضره فضلًا عما سوى ذلك.
ويقولون إن الصلاة بالجنابة والبول والغائط أفضل من الصلاة بالطهارة، لأنها حينئذ أبعد من صلاة المسلمين واليهود، وأقرب إلى مخالفة الأمتين. ويستفتح الصلاة بالتصليب بين عينيه. وحاشى المسيح أن تكون هذه صلاته أو صلاة أحد الحواريين. والمسيح كان يقرأ في صلاته ما كان الأنبياء وبنو إسرائيل يقرؤون في صلاتهم من التوراة والزبور. وطوائف النصارى إنما يقرؤون في صلاتهم كلامًا قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم، يجري مجرى النوح والأغاني. فيقولون هذا قداس فلان وهذا قداس فلان، ينسبونه إلى الذين وضعوه. وهم يصلون إلى الشرق، وما صلى المسيح إلى الشرق قط، وما صلى إلى أن رفعه الله إلا إلى بيت المقدس، وهي قبلة داود والأنبياء قبله). (١)
والواقع أن اختلافًا كبيرًا يقع بين المذاهب المسيحية بشأن الصلاة، فالبروتستانت لا يطلبون الرحمة لنفس الميت ولا النياح له. كل ما يحدث أن يدخل جثمان الميت إلى الكنيسة لتقرأ بعض الفصول، وتلقى العظة لمجرد تعزية أسرة المتوفى، أو للاستفادة من الموت، ولكن لا يصلون مطلقًا من أجل الميت، ولا يطلبون مغفرة ولا يسألون الله من أجل أبدية هذا الذي انتقل، وكنائس البوتستانت لا تتجه إلى الشرق مثل الأرثوذكس، كذلك إذا وقفوا للصلاة لا يتجهون إلى الشرق، بل في أي اتجاه حسب موضع كل منهم.
وليس للبروتستانت ما يسمى صلاة قنديل، أي صلاة مسحة المرضى سواء اعتبرت سرًّا من أسرار الكنيسة أم لا. فهم لا يؤمنون بالأسرار أو بأية صلاة طقسية ولا بالصلاة على المرضى كسر كنسي فيه تقديس الزيت والدهن به، ولا يؤمنون بالصلوات السبع التي للكنيسة، لا بمواعيدها ولا بمحتوياتها، ولا يلتزمون بمبدأ الصلوات المحفوظة عمومًا.
стр. 1276
يصلي كل إنسان متى يشاء وكيفما يشاء، ولا يستخدمون صلاة (أبانا الذي في السموات) في بدء الصلاة ولا في نهايتها ولا يلتزمون بها إطلاقًا. كما لا يلتزمون مطلقًا بصلاة المزامير، ويرى الأرثوذكس أن الملائكة تعرف صلوات الناس لأنها تحمل الصلوات إلى العرش.
الصوم في العقيدة النصرانية
مثلما كان للعهد القديم أثره الأول والكبير في صلاة المسيحيين من حيث تلاوة مزامير وأقوال لأنبياء بني إسرائيل. فإن الصوم أيضًا هو امتداد من اليهودية إلى المسيحية مع تطور واضح على يد من يسمون الرسل وكتبة الأناجيل والرسائل والأعمال.
والصوم أساسي في العقيدة المسيحية حتى يرد أن الصوم عند المسيحيين أهم من الصلاة.
والصوم توجيه اختياري لا إجباري. ومعنى الصوم عندهم الامتناع عن الطعام من الصباح حتى بعد منتصف النهار، ثم هو يتناول طعام خال من الدسم، ويشمل الصوم عند المسيحيين صوم يوم الأربعاء، وهو يوم المؤامرة التي انتهت بالقبض على السيد المسيح ﵇ حسب قول الأناجيل، وكذلك صيام يوم الجمعة، لأن المسيح، كما يزعمون، صلب يوم الجمعة، وعندهم ما يسمى صوم الميلاد وعدد أيامه ٤٣ يومًا تنتهي بعيد الميلاد. ولديهم أيضًا الصوم المقدس، وعدد أيامه ٥٥ يومًا وهي عبارة عن الأربعين يومًا التي صامها المسيح مضافًا إليها أسبوعان. الأسبوع الأول منهما قبل الأربعين، ويسمى أسبوع الاستعداد والتهيئة للصوم الأربعيني المقدس. والأسبوع الثاني أسبوع الآلام، ويأتي بعد الأربعين وينتهي بأحد القيامة. ويمتنع في هذا الصوم أكل لحم حيوان أو ما يتولد منه، أو ما يستخرج من أصله، ويقتصر على أكل البقول ولا يعقد في أثنائه سر الزواج. ثم يجيء صيام الرسل، وعدد أيامه يزيد وينقص حسب الطوائف، وتتراوح مدته بين ١٥ و ٤٩. ثم صوم العذراء ومدته ١٥ يومًا تبدأ من أول شهر مسرى وهو شهر عبراني.
وهناك ما يسمى الصوم الإفخارستي (أي الصوم استعدادًا للمناولة) وهو تراث كنسي قديم، ويكون بالانقطاع عن الطعام منذ منتصف الليل السابق ليوم المناولة، يستثنى من ذلك الأطفال والطاعنون في السن ومن عليهم أخذ دواء أو طعام أو شراب بحسب
стр. 1277
وصفة طبيب. وفي حال إقامة القداس الإلهي مساءً وجب انقطاع المؤمن عن الطعام والشراب خمس ساعات قبل القداس الإلهي.
وقد ورد في الأناجيل ما يشير إلى صيام السيد المسيح ﵇.
فقد جاء في إنجيل متى: (فقد سار الروح بيسوع إلى البرية ليجربه إبليس فصام أربعين يومًا وأربعين ليلة حتى جاع) متى (٤: ١ - ٢)
وجاء أيضًا في إنجيل متى: وإذا صمتم فلا تعبسوا كالمرائين فإنهم يكلحون وجوههم ليظهر للناس أنهم صائمون. الحق أقول لكم إنهم أخذوا أجرهم، أما أنت فإذا صمت فادهن رأسك واغسل وجهك لكيلا يظهر للناس أنك صائم) متى (٦: ١٦ - ١٨).
ومن خلال قرائتنا لتعاليم الكنيسة، وخاصة الأرثوذكسية، نرى أن الصوم لم يكن رمزًا إنما هو وصية قائمة في العهد القديم كما هي قائمة في العهد الجديد.
والبروتستانت لا ينكرونه بصفة مطلقة، إنما يلغونه تقريبًا من الناحية العملية فيقول البروتستانت إن الصوم ينبغي أن يكون في الخفاء بين الإنسان والله عملًا بوصية الرب في العظة على الجبل.
وليست للبروتستانت أصوام ثابتة يصومها جميع المؤمنين في مواعيد محددة لها. وفي مناسبات خاصة بها إنما الصوم عندهم، في غالبيته، عمل فردي يصوم الفرد منهم متى شاء وكيف شاء. ولا سلطان للكنيسة عليه في هذا ولا تدخل لها في صومه. ويعتمدون على فهم خاطئ للآية التي تقول (لا يحكم أحد عليكم في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت التي هي في ظل الأمور العتيدة، وأما الجسد فللمسيح) ولا يوافقون في الصوم على الطعام النباتي، والامتناع عن الأطعمة الحيوانية ويتهمون الأرثوذكس بأنهم في ذلك ينطبق عليهم على الأقل الجزء الأخير من الآية التي تقول في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان ... مانعين عن الزواج وآمرين أن يمتنع عن أطعمة خلقها الله للتتناول بالشكر).
ويرى الأرثوذكس أن الصوم في الخفاء خاص بالعبادة الفردية وليس بالعبادة
стр. 1278
الجماعية، لأنه يوجد هذان النوعان في العبادة. فالصوم الفردي في الخفاء لا يمنع الصوم العام لكي يشترك كل المؤمنين معًّا في صومهم.
وتستند المسيحية في الصيام على ما جاء في العهد القديم من صوم الشعب أيام أستير وصوم أهل نينوى. وصوم الشعب أيام عزرا ونحميا والصوم أيام يوئيل. أما الصوم في العهد الجديد فقد ورد أن الرسل قد صاموا وليس في الخفاء فالصوم الجماعي مقبول وليس فيه رياء كما يقول البروتستانت.
الحج ومفهومه في المسيحية
لم يكن الحج يومًا من الأيام عبادة من عبادات العقيدة النصرانية. فلم تشر الأناجيل إلى ذلك، ولم تظهر هذه العبادة في الكتابات المسيحية الأولى. وكبقية العبادات خضعت هذه العبادة أو الشعيرة لاختراعات وابتداعات من قبل اللاهوتيين المسيحيين وخاصة البابا.
وباعتبار أن المسيح ﵇ قد ولد في فلسطين، ورفع إلى السماء منها فقد أنشئت له كنيسة في الناصرة وكنيسة القيامة في مدينة القدس، وكذلك كنيسة أخرى في بيت لحم، واعتبر المسيحيون كل بقعة تجول فيها المسيح مكانًا مقدسًا.
وراح اللاهوتيون مع مرور السنين يفلسفون مفهوم الحج بأنه زيارة واجبة على كل مسيحي إلى تلك الأماكن المقدسة.
كيف نشأ مفهوم الحج إلى الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين؟
في القرن الحادي عشر كانت الكنيسة مالكة غنية للحقول والمروج والبساتين، وكانت تستثمر العبيد والفلاحين الذين يخصونها استثمارًا وحشيًا. ربما أن الكنيسة كانت أكبر ملاك عقاري إقطاعي فقد كانت حصنًّا روحيًا لعموم طبقة الإقطاعيين، وفي ذلك كانت تتلخص وظيفتها الاجتماعية، وكان رجال الدين يساعدون الإقطاعيين في السيطرة على الفلاحين والحرفيين، وذلك بالوعظ بالتعاليم المسيحية التي تقول: إن النظم الأرضية هي من صنع الرب، وإنه لا يصلح ولا يمكن بالتالي تغييرها وبمطالبة الكادحين بالخضوع التام لأسيادهم، وبوعد الودعاء بالنعيم في الجنة بعد الموت، وبتهديد المتمردين والعصاة
стр. 1279
بالعذابات الأبدية في الجحيم.
وعندما أخذ العبيد يهبون ضد الأسياد في القرنين العاشر والحادي عشر وعندما بدأت أفعال الفرسان والإقطاعيين تصيب بالضرر أتباع الكنيسة من رهبان وغيرهم راحت الكنيسة تبتدع أساليب جديدة توطد من خلالها مواقعها المادية والمعنوية، وكان من أهم الأساليب التي ابتدعتها الكنيسة تحويل أنظار طبقة العبيد والفقراء نحو الشرق. فبدل النهب والسلب وجهتهم تجاه الشرق، أي تجاه بلاد الشام وفلسطين بالذات من خلال مفهوم الحج الذي طرحته.
وقد وجه البابا آنذاك نداء إلى جموع المسيحيين في الغرب يدعوهم فيه للحج إلى فلسطين، والقدس بالذات.
ويرى الباحثون أن التوجه لزيارة كنيسة القيامة وكنيسة المهد والأماكن الأخرى يعود للقرن الرابع الميلادي. لكن لم يكن ملحوظًا باعتباره طقسًا أو عبادة كالصلاة.
وما إن حل القرن الحادي عشر حتى غدا منتشرًا بقوة كبيرة في أوساط المسيحيين الغربيين وبدأت عمليات الحج بشكل فردي، ثم تطورت حتى أصبحت عملياتها تتكاثر وتكتسب طابعًا عامًا. وقد أشارت المصادر إلى أن جموعًا لا تحمى كانت تمضي من جميع أنحاء العالم إلى القدس.
وعمليات الحج أو زيارات الأماكن المقدسة انتشرت على درجة كبيرة بحيث انعكس هذا على كل قيم نظام المجتمع الإقطاعي الروحية، وفي المقام الأول على التصورات عن القداسة التي كانت لها أهمية كبيرة في الفكر الإقطاعي. وأصبحت عمليات الحج بمنزلة قسم إلزامي من الزهد والنسك. والتوجه بالسفر إلى القدس صفة لا غنى عنها في سيرة القديسين، وكل من كان يريد أن يخلق ويثبت لنفسه سمعة الطاهر (الفقير بالمسيح) كان يذهب إلى القدس لتكريم المقدسات المسيحية الموجودة هناك من قديم الزمان. والصلاة في كنيسة القيامة والتمتع بإجلال ومهابة بمشاهدة جميع الأماكن التي تجول فيها المسيح يومًا ما.
стр. 1280
وقد ترابطت مفاهيم عادة الحج مع مفاهيم العهد بممارسة سلوك النساك المقدسين بدرجة عالية من الثقة، إلى حد أنه كان لا يندر لسير القديسين أن تنسب السفر إلى القدس، بقدر ما تنسب للقديسين أنفسهم على الرغم من أن كثيرًا منهم لم يذهب إلى فلسطين ولم يحج إلى القدس. وقد ألفت الكنيسة قصصًا خيالية قالت فيها إن القديسين الذين لم يحجوا إلى فلسطين كانت في نيتهم زيارة القدس.
لقد أصبح السفر إلى فلسطين للحج إلى الأماكن المقدسة لدى المسيحيين قانونًا في سرد قصص القديسين.
أما من حيث التركيب الاجتماعي فقد كانت عمليات الحج حركة مزخرفة ملونة، وبدا أن أهداف الحجاج الفعلية كانت مختلفة على الرغم من أن الحج بدا للجميع مشروعًا دينيًا صرفًا. فكانت مثلًا لدى الفئات الفقيرة تعبيرًا مغلفًا بغلاف الدين، أما في عيون طبقة الإقطاعيين فقد كانت الأهداف المهمة هي البواعث الدنيوية، أي الرغبة في اكتساب سلع البذخ في الشرق، ورؤية أماكن جديدة والتخلص ولو مؤقتًا من رتابة الحياة القروية مع همومها اليومية.
ومن أمثلة ذلك أن أسقف أورليان المدعو أود إلرك عندما ذهب وحج إلى القدس اشترى فانوسًا نفيسًا من بطريرك القدس مقابل رطل من الذهب، وقال في ذلك أحد شواهد الحملات الصليبية، وهو رادولف غلابر: إن الأسقف حمل الفانوس إلى أورليان لأجل تجميل كنيسته حيث عاد على المرضى بالكثير من النفع.
وهناك أهداف أخرى تجلت من خلال مواقف بعض زعماء الإقطاعيين الأوربيين، ومثال ذلك أن روبير الأول النورماندي الذي انطلق إلى الشرق سنة ١٠٣٥ م أجبر أتباعه الكبار قبل بداية الحج على حلف اليمين والاعتراف بابنه غير الشرعي غليوم ابن الزنى (والذي أصبح الفاتح فيما بعد) وريثًا له. وهكذا كان الحج في هذه الحالة ذريعة مناسبة لأجل بلوغ هدف سياسي معين.
стр. 1281
ومن عادات الزعماء الإقطاعيين أثناء سفرهم إلى فلسطين بغية الحج أنهم كانوا يوزعون شتى المجوهرات التي أخذوها مهم لهذه الغاية. وكانوا يعتبرون ذلك بمنزلة توطيد لنفوذهم في أوساط الشعب البسيط، وكانت الكنيسة تشجع هذه التوزيعات بوصفها فعلًا يرضي الله.
وتحت ذريعة الحج كان الفرسان ينضمون إلى الزعماء والملوك. ففي سنة ١٠٦٥ م انطلق من ألمانيا إلى الحج زهاء سبعة آلاف شخص إلى اثني عشر ألفًا. وكان الذين لا أرض لهم وكذلك المعدمون يفتشون فيما وراء البحار عن الفرص لإصلاح أوضاعهم، وكان بعض منهم يرغبون في غفران الجرائم التي اقترفوها في بلادهم، والواقع أن الفرسان نهبوا في بلادهم الكنائس والأديرة، وعلى الرغم من ذلك توجهو إلى الحج لغايات وأهداف كثيرة أخرى. لقد تقبل هؤلاء المسيحية على طريقتهم كما فهموها وكيفوها للمفاهيم المألوفة على الإقطاعيين، وكانوا يتصورون الرب بصورة المولى الأعلى الذي يكافىء أتباعه الأرضيين بسخاء على خدمتهم الأمينة، ويغفر الخطايا، ويمنح الغبطة الأبدية في الجنة، كل هذا يفسر اتساع اشتراك الفرسان في عمليات الحج، وهذه العمليات كانت تلقى التحبيذ التام من جانب رجال الكنيسة.
إن حركة الحج التي اخترعها البابا والإقطاع قد هيأت للحروب الصليبية فكريًا وعمليًا، فقد أسهمت في تعاظم الأمزجة والميول الدينية الزهدية، وعرفت الأوربيين على الطرق إلى الشرق وعلى الوضع في الوطن العربي. وأهم ما أسهمت فيه تعطش الإطاعيين لامتلاك إقطاعات وأراض واسعة في الشرق العربي.
وإذا نظرنا إلى مفهوم الحج في وقتنا المعاصر الذي يخص المسيحية فإننا نرى ضعفًا كبيرًا فيه. بل انقطاعًا تامًا لدى بعض الفئات المسيحية، ومع الاحتلال الصهيوني لفلسطين زاد ضعف مفهوم الحج لدى المسيحيين.
ومن جانب آخر فقد أصدر البابا شنودة قرارًا يمنع فيه المسيحيين الأقباط من الذهاب
стр. 1282
إلى القدس بحجة الحج ما دامت القدس في قبضة الاحتلال الصهيوني.
وبشكل عام فإن الكنائس الشرقية ترى في الحج إلى القدس في هذه الظروف ضربًا من الخروقات للمسيحية. فلا حج إلى بيت المقدس في ظل الاحتلال الصهيوني.
بينما قام البابا الحالي بزيارة إلى فلسطين وأدى حجه وزار كنيسة القيامة وكنيسة المهد وزار حائط البراق المسمى زورًا وبهتانًا حائط المبكى.
وبذلك شكل بادرة طيبة بالنسبة لليهود المحتلين. وفتح بابًا لجميع المسيحيين الغربيين الكاثوليك لزيارة الأماكن المقدسة ولو كانت تحت الاحتلال.
أما البروتستانت فإنهم يجدون باحتلال الصهاينة للقدس أمرًا محببًا بل أمرًا إلهيًا يهيء لمجيء المسيح الثاني، ويسجع البروتستانت الكيان الصهيوني على إقامة ما يسمى الهيكل مكان المسجد الأقصى. على الرغم من أن البروتستانت أكثر المسيحيين حقدًا على الإسلام وأكثر المسيحيين تحللًا من تعاليم الدين المسيحي فالحج بنظرهم أمر تافه إذا ما قيس بإعلان الحرب على المسلمين وإقامة الهيكل وتقوية الدولة اليهودية حتى يأتي المسيح حسب ما يزعمون. (١)
الفصل الثالث: الطوائف النصرانية والخلاف بينها .
أولًا: التعريف بالكنيسة .
إن كلمة "الكنيسة" كلمة معربة من الإغريقية، فهي من أصل يوناني، وهذا دليل واضح على أن نشأتها إنما كانت في أحضان الإمبراطورية الرومانية، غريبة عما كان يجب أن يكون مهدها ومنشؤها أورشليم، حيث يطلق على بيت الله المجمع الذي كان يرتاده يسوع المسيح ليعلم الشعب.
"وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الجلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الملَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب." (متى ٤/ ٢٣).
стр. 1283
أما سر خروج الدعوة من أورشليم إلى آسيا الصغرى واليونان فيرجع إلى بولس الذي رآه اليهود بين قومه قد تزندق وحاولوا قتله فأثبت "لوقا" هذه الواقعة قائلا: "٤٥ فَلَمّا رَأَى الْيَهُودُ الجمُوعَ امْتَلأوا غَيْرَةً، وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ مَا قَالهُ بُولُسُ مُنَاقِضِينَ وَمُجَدِّفِينَ. ٤٦ فَجَاهَرَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَقَالا: "كَانَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أنتُمْ أَوَّلًا بِكَلِمَةِ الله، وَلكِنْ إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ، وَحَكَمْتُمْ أنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأبدِيَّة، هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى الأُمَمِ. ٤٧ لأَنْ هكَذَا أَوْصَانَا الرَّبُّ: قَدْ أَقَمْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ، لِتكُونَ أنتَ خَلَاصًا إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". (لوقا ١٣/ ٤٥ - ٤٧).
وأصبحت الكنيسة في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، أي في غير أرضها وسماتها ديانة ناشئة ضعيفة بين عمالقة أديان الخلاص الرسمية في الإمبراطورية الرومانية، كالبوذية والميتراسية، وتعرضت طيلة أربعة قرون وقبل الاعتراف بها للاضطهادات اليهودية والوثنية.
لقد أوصى بولس الأساقفة قائلا: "اِحْتَرِزُوا إِذًا لأنفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أقامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ الله الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ." (أعمال الرسل ٢٠/ ٢٨).
ثانيًا: انقسام الكنيسة على ذاتها .
انقسمت الكنيسة على ذاتها في خلال الفترة من عام ٤٥١ إلى عام ١٥٢١ م إلى مذاهب تختلف الواحدة عن الأخرى اختلافا جوهريا، ومن ثم نشأت الكنائس المنشقة تباعا على هذا النحو:
١ - الكنيسة المصرية الأرثوذكسية (تعني مستقيم الرأي) عام.٤٥١
٢ - كنيسة الموارنة بسوريا (نسبة إلى مؤسس المذهب) عام.٦٨٠
٣ - كنيسة الروم الأرثوذكس (تعني حر الفكر) عام.٨٧٩
٤ - كنيسة روما الكاثوليكية (تعني مقيم الحجة) عام.٨٧٩
٥ - الكنيسة البروتستانتية عام ١٥٢١.
وإن هذا الانقسام الجوهري دليل على أن العهد الجديد كتاب وضعي، قام بتصنيفه مجموعة من البشر، وفي هذا الانقسام الذاتي يقول المسيح: "٢٥ فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، وَقَال لَهُمْ: "كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بيتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لَا يَثْبُتُ." (متى ١٢/ ٢٥).
يقول عبد الأحد داود "إن أي دين يعتمد على مداولات وقرارات المجامع العامة
стр. 1284
المؤمنة أو الملحدة هو دين مصطنع.
إن دين الإسلام هو الإيمان بالله الواحد والتسليم المطلق لمشيئته، هذا الإيمان يعتنقه الملائكة في السماء، والمسلمون في الأرض، إنه دين التقديس والاستنارة، وقلعة الإيمان التي لا يمكن للوثنية اقتحامها". (١)
ثالثًا: التعريف بالفرق
كانت هناك طوائف ومذاهب مسيحية كثيرة في عصر المسيحية الأولى، لكنها فنيت بسبب قسوة اليهود ثم الرومان، وأحيانا بسبب قسوة فرق المسيحية الأخرى التي نالت نصيبا من الحظوة لدى أباطرة الرومان.
أولًا: الكاثوليك:
١ - تسمى كنيستهم بالكنيسة الغربية؛ لامتداد نفوذها إلى الغرب اللاتيني الذين يقطنون بلاد إيطاليا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال، كما يوجد لها أتباع في بلاد أخرى في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية وأفريقيا وآسيا.
٢ - يدعي الكاثوليك أن مؤسس كنيستهم الأول هو بطرس الرسول كبير الحواريين ورئيسهم، وأن بابوات روما هم خلفاؤه؛ لذلك فهم يسمون كنيستهم بالبطرسية أو الرسولية أو اللاتينية أو العامة لأنها تدعى أم الكنائس ومعلمتها، ولأنها وحدها هي التي تنشر المسيحية في العالم.
٣ - تتبع كنيسة الكاثوليك في روما النظام البابوي وهو مجمع كنائس مكون من مجلس الكرادلة ويرأسه البابا، ولهذا المجمع الحق في إصدار إرادات بابوية سامية، هي في نظرهم إرادات إلهية، لأن البابا خليفة بطرس تلميذ المسيح ووصيه، فهو بالتالي يمثل الله، لذا كانت إرادته لا تقبل المناقشة أو الجدل.
معتقدات الكنيسة الكاثوليكية:
١ - تقول كنيسة روما بأن روح القدس نشأ عن الله الآب، والابن معا.
стр. 1285
٢ - وتعتقد أيضًا بالمساواة الكاملة بين الإله الآب والإله الابن.
٣ - وتقول بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين.
٤ - ومن مستحدثاتها أنها أحلت الدم المخنوق، وأباحت للرهبان أكل دهن الخنزير؛ وكل ذلك لتجذب إليها الجرمان الوثنيين واللادينيين.
٥ - اعتادت كنيسة روما إصدار صكوك الغفران لمن يشاء من رعاياها.
وهناك طوائف أخرى تتبع الكنيسة الكاثوليكية، وإن لم تكن تتبع اعتقادها في طبيعة المسيح ومشيئته وهم:
(أ) النسطورية:
تنسب إلى نسطور الذي كان بطريركا للقسطنطينية لمدة أربع سنين قبل خلعه ونفيه إلى مصر، حيث أقام في مدينة أخميم حتى مات.
معتقدات هذه الفرقة:
يرى النسطورية أن مريم العذراء أم المسيح لم تلد الإله، بل ولدت الإنسان فقط، ثم اتحد ذلك الإنسان بعد ولادته بالأقنوم الثاني وهو الابن، وليس ذلك الاتحاد بالمزج أو هو اتحاد حقيقي بل كان اتحادًا مجازيًا لأن الإله منحه المحبة ووهبه النعمة فصار بمنزلة الابن.
وواضح جدًّا أن نسطورا بهذه المقالة يلغي تماما الاعتقاد السائد بألوهية السيد المسيح ولهذا كاتبه رؤساء الكنائس الأخرى للرجوع عن هذه المقالة، لكنه لم يستجب، فعقد مجمع أفسس سنة ٤٣١ وقرر لعنه وطرده.
(ب) المارونية:
ومقر هذه الطائفة جبل لبنان، وتنسب إلى القديس يوحنا مارون الذي أعلن سنة ٦٦٧ م أن المسيح ذو طبيعتين ولكنه ذو إرادة واحدة أو مشيئة واحدة.
ولم تقبل الكنائس المسيحية هذا الرأي، لذلك اجتمع المجمع السادس بمدينة القسطنطينية سنة ٦٨٠ م وقرر رفض نحلة مارون، وحرمانه ولعنه وتكفيره وتكفير كل من يذهب مذهبه.
стр. 1286
وقد نزلت بأتباع مارون الاضطهادات وصنوف الأذى، فلم يجدوا لهم ملجأ إلا الفرار والاعتصام بمدن جبل لبنان، وقد تحايلت الكنيسة الكاثوليكية عليهم وقربتهم إليها، فأعلنوا لها الطاعة والاتحاد معها سنة ١١٨٢ م، على أن يبقوا على رأيهم وبطريركهم الخاص بهم وإن كان يقر بالرياسة لبابا روما.
(ج) السريان:
هم من طوائف المسيحيين الآسيويين يقولون إن المسيح ذو طبيعة واحدة (مثل أقباط مصر) لكنهم يعترفون برياسة الكنيسة الكاثوليكية عليهم وإن كان لهم رأيهم وبطريركهم الخاص بهم.
ثانيًا: الأرثوذكس:
١ - تسمى كنيستهم الكنيسة الشرقية أو اليونانية، أو كنيسة الروم الشرقيين لأن أتباعها كانوا من الروم الشرقيين، أي من شرق أوروبا كروسيا ودول البلقان واليونان.
٢ - مقر هذه الكنيسة الأصلي كان مدينة القسطنطينية، بعد انفصالها عن كنيسة روما سنة ١٠٥٤ م، وتتبع تلك الكنيسة نظام الإكليروس، ويبدأ من البطريرك ويليه في الرتبة المطارنة، ثم الأساقفة ثم القمامصة وهم قسس ممتازون يليهم القسس العاديون.
معتقدات الكنيسة الأرثوذكسية:
١ - أصرت الكنيسة الشرقية على أن روح القدس نشأ عن الله الآب فقط.
٢ - قالت بأفضلية الإله الآب عن الإله الابن.
٣ - تصر الكنيسة الشرقية على أن المسيح له طبيعة واحدة ومشيئة واحدة.
٤ - لم تقبل الكنيسة الشرقية أكل الدم المخنوق ورفضت إباحة أكل دهن الخنزير للرهبان.
وهناك طوائف أخرى تتبع المذهب الأرثوذكسي، وإن كانت كنائسها مستقلة عنها وهي:
(أ) الكنيسة المصرية:
ورئيسها هو بطريرك القبط المقيم بالقاهرة، ويدعى حاليا بابا الإسكندرية ورئيس الإفريقيين المسيحيين، ويتبعه في هذه الرياسة سكان الحبشة المسيحيون، فهم خاضعون لبطريرك الكنيسة القبطية، وهو يعين لهم أسقفا يسوسهم.
стр. 1287
نبذة تاريخية عن الكنيسة المصرية:
كانت مدينة الإسكندرية، في عصر الإمبراطورية الرومانية، تعتبر عاصمة كبرى للأسقفيات، ومن أساقفتها: أريوس زعيم الموحدين، وإثناسيوس زعيم التثليث، وديسقورس زعيم فكرة الإله المتجسد في يسوع المسيح.
وبما أن مصر في ذاك الوقت كانت نصرانية، فإنها أصبحت تعاني سياسيا من تبعيتها للإمبراطورية الرومانية، لدرجة أن المصريين هربوا من ديارهم، وسكنوا الكهوف، والمغارات هربا من ظلم الرومان، ومن العسف الذي كان واقعا عليهم، وتدل بعض المراجع التاريخية على أن التقويم القبطي، يبدأ من عصر الشهداء.
معتقداتها:
تعتقد الكنيسة المصرية أن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت، وانعقد لأجل هذا مجمع أفسس الثاني خلال النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، حيث أعلن هذا الرأي، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية رفضته ووصفت هذا المجمع بأنه مجمع اللصوص، لكن بعد ذلك انعقد مجمع خليكدونية سنة ٤٥١ م، وتقرر فيه أن المسيح فيه طبيعتان لا طبيعة واحدة، وأن الألوهية طبيعة وحدها والناسوت طبيعة وحدها والناسوت طبيعة وحدها التقتا في المسيح، وبذلك رفض المجمع الأخير رأي الكنيسة المصرية، بل لعن هذا المجمع ديسقورس بطريرك الإسكندرية، إلا أن الأقباط المصريين عندما بلغهم ما نزل برئيس كنيستهم غضبوا، وأجمعوا أمرهم على عدم الاعتراف بقرارات ذلك المجمع، بل ثاروا ضد الرومان، وطلبوا تعيين بطريرك من مذهبهم.
وقد كان قرار مجمع خليكدونية هو السبب في انفصال الكنيسة المصرية عن الكنيسة الغربية، ونشط أتباع المذهب القبطي في الدعوة إليه والدفاع عنه، وينتشرون في ربوع البلاد ومن أبرز هؤلاء "يعقوب البرذاعي الذي يجول في البلاد الرومانية داعيًا إلى اعتناق المذهب القبطي المصري وسلك في سبيل ذلك كثيرًا من المخاطر والجرأة.
стр. 1288
واستمر الحال هكذا حتى كان الفتح الإسلامي لمصر بقيادة عمرو بن العاص في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فنال المصريون الحرية السياسية إلى جانب الحرية الدينية، وذلك بانتصار الإسلام على دولة الروم، ثم امتد الفتح الإسلامي حتى غطى بقاع الأرض من أقصاها إلى أقصاها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، بقناعة واقتناع ورغبة لا رهبة.
وقد لخص صاحب كتاب "تاريخ المسيحية في مصر" عقيدة الكنيسة المصرية فقال الآتي: "كنيستنا مستقيمة الرأي التي تسلمت إيمانها من كيرلس وديسقورس ومعهما الكنائس الحبشية والسريانية الأرثوذكسية، تعتقد بأن الله ذات واحدة -مثلثة الأقانيم- أقنوم الأب -وأقنوم الابن- وأقنوم الروح القدس، وأن الأقنوم الثاني أي أقنوم الابن تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، فصير هذا الجسد معه واحدا، وحدة ذاتية جوهرية منزهة عن الاختلاط والامتزاج والاستحالة بريئة من الانفصال، وبهذا الاتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين ومشيئة واحدة."
(ب) الأرمن:
هم طوائف من المسيحيين موطنهم الأصلي أرمينيا، وإن كانوا ينتشرون في مصر وبعض بلاد الشرق الأوسط، يعتقدون في المسيح اعتقاد الكنيسة القبطية أن المسيح ذو طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، ولكن لهم تقاليد دينية وطقوس دينية مختلفة، كما أن لهم بطاركة مستقلين بهم، لأنهم لا يندمجون في الكنائس الأخرى.
ثالثا: البروتستانت (أو الإصلاح الديني) .
١ - ينتشر البروتستانت في ألمانيا وإنجلترا والدانمارك وهولنده وسويسرا والنرويج وأمريكا الشمالية، وهم يسمون كنيستهم الإنجيلية، بمعنى أن أتباع تلك الكنيسة يتبعون الإنجيل ويفهمونه بأنفسهم دون الخضوع لأحد آخر أو طائفة أخرى، فالكل قادر على فهمه.
وهذا الاتجاه منهم في فهم الإنجيل يعارضون به الكنائس الأخرى التي تعتبر فهم الإنجيل وقفا على رجال الكنيسة، الذين يعتقدون في جانبهم الإلهام، فضلا عن ادعائهم بتلقي تعاليم غير مكتوبة يتناقلها البابوات خلفا عن سلف. كما يصح أن نصفها بأنها
стр. 1289
كانت تركز على التعليم العقلاني وبالتالي ثارت على البدع المتفشية في الكنيسة الكاثوليكية، ورأت فيها جنوحا عن تعاليم السيد المسيح فمثلا، عقيدتهم في القربان المقدس هو أنه خبز على الحقيقة، وخمر على الحقيقة، ولن يتحولا بأي حال من الأحوال إلى جسد المسيح ودمه، وإنما يمارسان للذكرى فقط.
٢ - زعيمهم الأول هو لوثر، وكان من أشد الناس إنكارا على من ينظر في فلسفة أرسطو، وكان يلقبه بالخنزير الدنس الكذاب.
أصول البروتستانت
أولًا: ليس للقسيس البروتستانتي هيمنة على مقدرات شعب الكنيسة، فالجميع متساوون أمام الله، والجميع يتقدمون أمام الله بإيمان يقيني يبعث فيهم الثقة، وكل إنسان مسئول عن عمله أمام الله مباشرة، والله يجزي كل إنسان بعمله.
ومن هذا الاعتقاد فإن الكنيسة البروتستانتية تزين جدرانها بنصوص من التوراة، أو من العهد الجديد، وكلها تحض على الإيمان الحقيقي المصفى، مثل:
١ - "٢٢ اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأنِّي أَنا الله وَلَيْسَ آخَرَ." (إشعياء ٤٥/ ٢٢).
٢ - "٢٨ تَعَالوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ المُتعَبِينَ وَالثَّقِيِلي الأَحْمَالِ، وَأنا أُرِيحُكُمْ." (متى ١١/ ٢٨).
٣ - ": إِنِّي أُرِيدُ رَحْمةً لَا ذَبِيحَةً، لأنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوبةِ". (متى ٩/ ١٣).
ثانيًا: عند ممارسة العشاء الرباني، لا ترى فيها الكنيسة حلول الله الابن، أو استحضار الله الروح القدس، فهي تمارس العشاء الرباني وفقا أيضًا لتعاليم بولس، ومستندهم في ذلك: "٢٣ لأنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتكُمْ أيضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِم فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا ٢٤ وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَال: "خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي المكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي". ٢٥ كَذلِكَ الْكَأْسَ أيضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: "هذ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الجْدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي". (كورنثوس (١) ١١/ ٢٣ - ٢٥).
ثالثًا: يجري النظام الإداري فيها على انتخاب اللجنة التنفيذية بالاقتراع السري بين الأعضاء
стр. 1290
القساوسة، وهذه اللجنة تتألف من رئيس ونائب رئيس وأمين عام وأمين الصندوق.
رابعًا: لا تعترف الكنيسة البروتستانتية بالبابوية، ولا بالرتب الكهنوتية، فالكل سواء، وإنما التفاضل يكون بالحياة المثلى لقول المسيح ﵇: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أباكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (متى ٥/ ٤٨).
خامسًا: ويطالب البروتستانت أيضًا بإبطال عبادة الصور، وإبطال صكوك الغفران والتجارة ببيع الثواب.
سادسًا: من ناحية الثياب الكهنوتية لم يلتزم البروتستانت بهذه الثياب؛ ذلك لأن يسوع اختار تلاميذه من عامة اليهود من صيادي السمك وأوصاهم قائلا: "اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ." (متى ١٠/ ٧)
ولذلك فهم لا يعرفون إلا بالكرازة، وسرعان ما يختلطون بالناس، والناس يألفونهم ويتيحون لهم فرص العمل دون أن ينكشف أمرهم.
وهم يعملون بوصية السيد المسيح ﵇ القائلة: "١٦ هَا أنا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَاب، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالحيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالحمامِ. ١٧ وَلكِنِ احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ، لأَنَهُمْ سَيُسْلِمُونكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونكُمْ. ١٨ وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلَاةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجلي شَهَادَةً لهمْ وَللأُمَمِ. ١٩ فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلَا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتكلَّمُونَ، لأنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتكَلَّمُونَ بِهِ، ٢٠ لأَنْ لَسْتُمْ أنتُمُ المُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتكلَّمُ فِيكُمْ." (متى ١٠/ ١٦ - ٢٠).
والحقيقة أن البروتستانت لم يغيروا شيئا من الاعتقاد بأن الكتب المقدسة هي نبراس الهداية في طريق العلم البشري، بل إنهم فقط قالوا بمنع غلو الرؤساء في سلطتهم، أو بمعنى آخر كانت حركة لإصلاح الكنيسة لا إصلاحا للمسيحية وإرجاعها إلى أصولها النقية، وأيضًا فتحوا باب العداوة بينهم وبين غيرهم من الطوائف المسيحية.
لذلك بقيت الموضوعات الجوهرية في الديانة النصرانية كما هي، مثل الآتي:
١ - التثليث ومدى سلامة قرارات المجامع السابقة في العقيدة.
стр. 1291
٢ - صلب المسيح للتكفير عن خطيئة البشر.
٣ - البحث عن إنجيل المسيح نفسه، والاقتصار على التعاليم التي أتى بها المسيح نفسه، واستبعاد التعاليم الأخرى.
ولكن هذا لا يعني عدم ظهور مصلحين حقيقيين أرادوا فعلا إصلاح العقيدة من جذورها، وفيما يلي أسماء لبعض هؤلاء وما حاول القيام به:
أولًا: آريوس قسيس الإسكندرية في بداية القرن الرابع الميلادي.
أعلن آريوس أن الله وحده هو الإله الأصلي الواجب الوجود، أما المسيح والروح القدس فهما كائنان من خلق الله. فما كان جزاؤه إلا أن حكم عليه مجمع نيقية بالكفر والهرطقة ويتقرر قتله مع مشايعيه.
ثانيًا: أوريجانوس.
أعلن أن الله روح لا يدركه الفهم، وهو أعلى من أن تكون أوصافه شبيهة بالإنسان، وأن الله لا يجزأ ولا يتجسد ولا يحصر. فحكم عليه بالحرمان وحرقت كتبه ثم طرد مع أتباعه.
ثالثًا: الفيلسوف المسيحي ترتليان في القرن الثالث الميلادي.
أعلن قوله "إننا بريئون من الذين ابتدعوا مسيحية رواقية أو أفلاطية أو جدلية بعد المسيح والإنجيل، لسنا بحاجة إلى شيء".
رابعا: الأسقف نسطور.
أنكر ألوهية المسيح، ويقرر أنه إنسان كسائر الناس مملوء بالنعمة والبركة.
خامسًا: الأسقف مقدونيوس أسقف القسطنطينية
أنكر ألوهية الروح القدس، فعقد مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ م وقرر طرده وحرمانه وعزله.
سادسًا: المصلح الأسباني سرفيتوس.
أعلن وحدانية الله وإنكار الثالوث فتقرر حرقه حيا سنة ١٥٥٣ م.
سابعًا: في بولونيا نادى سرسينس بوحدانية الله وبشرية المسيح، وقرر أن الإله لا يحل
стр. 1292
في البشر، وقد تفرع عن عقيدته مذهب الموحدين، الذين قاموا يدعون إلى تطهير المسيحية من أدران الوثنية وجهالة التجسيد. وكان جزاؤهم كمن سبقوهم.
وهكذا لاحق عباد المسيح الموحدين في كل مكان وفي كل زمان، حتى انتشر الظلام في جميع أرجاء المعمورة وكان لابد من رسول ودين جديد لأهل الأرض، فجاء نور الإسلام فبدد ظلمات الشرك والأوثان، وأرسى عقيدة توحيد الخالق المنزه عن الشريك والوالد والصاحبة والولد، فأرجع القلوب والأفئدة إلى التوحيد الذي هو دين الأنبياء جميعا من لدن آدم أبي البشر حتى ختام رسالات السماء بمحمد ﷺ .
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (الأنبياء/ ٢٥).
ويقابل ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا، منسوبا إلى المسيح ﵇: "وَهذه هِيَ الحيَاةُ الأبدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أنتَ الإِلهَ الحقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ المُسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ." (١٧/ ٣).
وسبق ذلك في العهد القديم، في سفر الخروج ضمن وصايا الرب لموسى-﵇"أَنا الرَّبُّ إِلهُك الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لَا يَكُنْ لَكَ آلهةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لَا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلَا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الماءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لَا تَسْجُدْ لهنَّ وَلَا تَعْبُدْهُنَّ". (٢٠/ ٣ - ٥).
ملخص الاتفاق والاختلاف العقدي بين الكنائس
أولا: ما هي التعاليم التي تتفق فيها الكنيستان الشرقية (الأرثوذكسية) والتقليدية (الكاثوليكية) والتعاليم التي تختلفان فيها؟
أولًا- الاتفاقات هي:
(١) قبول تعاليم القوانين الثلاثة الأولى المسكونية، أي الرسولي والنيقوي والأثناسي، ما عدا كلمة "والابن" التي أضافها الغربيون على قانون الإيمان النيقوي، وكذلك كلمة "والابن" في القانون الأثناسي.
(٢) التعاليم الآتية التي نشأت بعد نشر القوانين المسكونية (وهي مرفوضة عند
стр. 1293
الإنجيليين) وهي:
(أ) سلطان التقليد الكنسي وعقيدة أنه دستور للإيمان مع الكتاب المقدس.
(ب) شفاعة مريم العذراء والقديسين وصورهم (لا تماثيلهم) وذخائرهم.
(ج) عصمة الكنيسة، غير أن الكنيسة التقليدية تحصر العصمة في المنصب التقليدي، والكنيسة الشرقية في المجامع المسكونية السبعة وفي مجمع البطاركة.
(د) التبرير بالإيمان والأعمال معًا أي أن الإيمان والأعمال شرطان للتبرير.
(هـ) الأسرار السبعة مع فرق زهيد في ما يتعلق بالتثبيت والمسحة.
(و) التجديد بواسطة المعمودية، وضرورة المعمودية بالماء للخلاص.
(ز) الحِل الكهنوتي من الخطايا بالسلطان الإلهي.
(ح) استحالة الخبز والخمر بعد تقديسهما والسجود لهما.
(ط) ذبيحة القداس لأجل الأحياء والأموات. وهذا هو محور العبادة عندهم، وأما التبشير فثانوي.
(ي) الصلاة لأجل الموتى.
ثانيًا- ما تختلفان فيه:
(١) الكتاب المقدس: لم تمنع الكنيسة الشرقية استعمال الشعب للكتاب المقدس كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية.
(٢) انبثاق الروح القدس الأزلي (لا إرساله الزمني) من الابن، فإن الكنيسة الغربية تعتقد به والشرقية تنكره.
(٣) رياسة البابا وعصمته. فالكنيسة الغربية تعتقد أنهما حجر الزاوية في الإيمان المسيحي، والشرقية ترفضهما مطلقًا، وتحسبهما من تعاليم ضد المسيح.
(٤) الحبل بمريم العذراء بلا دنس، الذي نادى به الكاثوليك سنة ١٨٥٤ م.
(٥) زواج أصحاب الدرجات الكهنوتية الأقل. فالكنيسة الشرقية تجيزه، والغربية تمنعه حيثما استطاعت.
стр. 1294
(٦) منع كأس الأفخارستيا عن الشعب عند الكاثوليك.
(٧) أسلوب ممارسة عدة من الطقوس والفرائض. ومما تنفرد فيه الكنيسة الشرقية تغطيس المعتمد ثلاث مرات عوضًا عن السكب أو الرش، واستعمال الخمير في الأفخارستيا عوضًا عن الفطير، والصلاة للروح القدس ليبارك العناصر المقدسة، وشركة الأطفال في العشاء الرباني، ودهن الأطفال المعتمدين بالميرون، وتكرار المسحة في المرض.
ثانيا: ما هي التعاليم التي تتفق فيها الكنيستان الشرقية والإنجيلية (البروتستانتية) والتعاليم التي تختلفان فيها؟
أولًا- ما تتفقان فيه:
(١) الإيمان بالكتاب المقدس وقبول تعاليم قوانين الإيمان الثلاثة الأولى المسكونية.
(٢) تتفقان في رفض ما يأتي:
(أ) رياسة البابا وعصمته. (ب) الحبل بمريم العذراء بلا دنس. (ج) منع الكأس عن الشعب. (د) بتولية الكهنة والشمامسة الإلزامية. (غير أن الكنيسة الشرقية تمنع زواج الكاهن ثانية، وتأمر ببتولية الأساقفة).
ثانيًا- ما تختلفان فيه:
(١) انبثاق الروح القدس الأزلي (لا إرساله الزمني): هل هو من الآب وحده، أو من الآب والابن معًا. ويتفق الإنجيليون والكاثوليك في انبثاق الروح الأزلي. ولم يكن هذا الموضوع في عصر الإصلاح موضوع بحث، ولا جرى عليه جدال وخصام، فاتّخذته الكنائس المصلحة أمرًا مسلّمًا به. غير أن بعض اللاهوتيين يميلون إلى تقليل أهمية هذه المسألة كموضوعٍ للخلاف بين الشرقيين والغربيين، كما تبين في قرار مؤتمر بون سنة ١٨٧٤ م المؤلّف من نوَّاب من الكاثوليك القدماء والكنيسة الشرقية وبعض أساقفة وقسوس الكنيسة الأسقفية. وقد قامت هذه المسألة حاجزًا بين الشرق والغرب منذ أكثر من ألف سنة: هل انبثاق الروح الأزلي هو من الآب وحده، أو هل هو من الآب والابن معًا؟ فالكنيسة الشرقية (حفظًا لشأن الآب في الثالوث الأقدس) اعتقدت بالانبثاق من
стр. 1295
الآب وحده. والكنيسة الغربية (حفظًا لشأن الابن في الثالوث) اعتقدت بالانبثاق من الآب والابن معًا. غير أنه لا فرق بينهما في أن الروح القدس مرسَلٌ من الآب والابن معًا لإتمام مقاصد إلهية في عمل الفداء (يو ١٤: ٢٦ و ١٥: ٢٦ و ١٦: ٧). ولا فرق أيضًا من جهة عمله الخاص في تجديد القلب وتقديسه.
(٢) التعاليم التي نشأت بعد نشر القوانين الثلاثة الأولى المسكونية: الرسولي والنيقوي والأثناسي؛ فإن الكنيسة الشرقية تتفق فيها مع الغربية ضد الإنجيليين.
ثالثا: ما هي التعاليم التي تختلف فيها الكنيستان التقليدية والإنجيلية؟
ما تختلفان فيه فهو:
(١) دستور الإيمان: تعتبر الكنيسة التقليدية أن الكتاب المقدس والتقليد هما معًا دستور الإيمان. بينما يقول الإنجيليون أن الكتاب المقدس هو القانون الوحيد المعصوم للإيمان والأعمال، وهو كافٍ لإرشادنا إلى الخلاص وأن له سلطانًا على كل ما سواه.
(٢) الكتاب المقدس: وحوله اختلافات، منها:
(أ) عدد الأسفار القانونية: فإن أسفار العهد القديم الأبوكريفية تدخل عند التقليديين في الأسفار القانونية، والإنجيليون لا يحسبونها.
(ب) مطالعة الشعب للكتاب المقدس ونشره بين الناس: لا تستحسن الكنيسة التقليدية ذلك، والإنجيلية تنادي بلزومه وتسعى في توزيعه، لأن تعاليمها مؤسسة على الكتاب المقدس فقط.
(٣) مواضيع العبادة: وهي عند التقليديين:
(أ) الله (ب) مريم العذراء (ج) الملائكة والقديسون (د) صور القديسين وذخائرهم. وعند الإنجيليين الله فقط. فالتقليدي يقترب إلى المسيح بوسطاء من البشر، ويجعل عبادته لمريم العذراء تنوب عن عبادته ليسوع. والإنجيلي يقترب إلى المسيح مباشرة، ويصلي له باعتبار أنه كاهنه ومخلّصه العظيم الوحيد الكافي له، وشفيعه عن الآب.
стр. 1296
٤ - الحالة الأصلية: ""نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتنَا كَشَبَهِنَا" (تكوين ١: ٢٦). تقول الكنيسة التقليدية إن المقصود بكلمة "صورتنا" غير المقصود بكلمة "شبهنا" فكلمة "صورتنا" تعني أن الإنسان عاقل حرّ الاختيار، وإن كلمة "شبهنا" تعني أنه يشبه الله بما ناله من موهبة القداسة الأصلية، فقد وشّحه الله بالبر والقداسة بعد أن خلقه على صورته. أما الكنيسة الإنجيلية فتقول إن المقصود بكلمتي "صورتنا وشبهنا" هو واحد، لأن صورة الله التي خُلق عليها الإنسان أصلًا تشمل البر والقداسة.
(٥) الخطية الأصلية: يعلّم التقليديون أن الخطية الأصلية عيبٌ سلبيٌ، أو ضياع موهبة القداسة الأصلية المشار إليها بكلمة "كشبهنا" (تك ١: ٢٦) (أي ضياع مشابهة الله لا صورته). وهم يقولون إنه يزول تمامًا بالعمودية. ويعلّم الإنجيليون أن الخطية الأصلية هي فساد إيجابي كلي يعمّ تشويه صورة الله الأصلية ومشابهته اللتين خلق عليهما الإنسان، وأن الإنسان يميل دائمًا إلى الخطية بعد العمودية.
(٦) التبرير: يقول التقليديون إنه يتم بالإيمان والأعمال الصالحة معًا، ويقول الإنجيليون إنه بالإيمان فقط. ومما يختلفان فيه في شأن التبرير: (أ) معنى التبرير وفعله. يقول التقليديون إن التبرير يجعل الخاطئ بارًا في الذات بالتدريج (وعلى ذلك هو مرادف للتقديس عند الإنجيليين). ويقول الإنجيليون إنه هو قضاء الله وتصريحه بأن الخاطئ صار بارًا شرعًا، فصفح عن الخاطئ التائب بناء على استحقاق المسيح، وعلى شرط الإيمان به، وأن التقديس يتبعه، وهو عمل متميّز عنه.
(ب) معنى الإيمان. يقول التقليديون إنه تسليم عقلي وخضوع للسلطان الكنسي النائب عن الإلهي. ويقول الإنجيليون إنه قبول تعاليم الله بالثقة وإنه الاتكال الشخصي على المسيح والشركة الحيَّة معه.
(ج) المقام المعيَّن للأعمال الصالحة. يقول التقليديون إنها شروط التبرير. ويقول الإنجيليون إنها برهان التبرير ونتيجته، فهي ثمار التبرير لا سببه.
стр. 1297
(د) إمكان التحقُّق من التبرير والخلاص. ينكره التقليديون إلا إذا أُسند على إعلان خاص من الله عن لسان الكنيسة المعصومة. ويثبته الإنجيليون على درجات مختلفة.
(٧) الكنيسة:
(أ) يعتقد التقليديون أن كنيسة المسيح الحقيقية هي كنيستهم لا غير، ويعتقد الإنجيليون أن الكنيسة غير المنظورة واحدة وعامة وتحت رياسة المسيح فقط، وأن الكنيسة المنظورة مؤلفة من جماعات كثيرة منتظمة تحت أسماء مختلفة.
(ب) يعتقد التقليديون أن صفات الكنيسة هي الوحدة والقداسة والجامعية والرسولية والعصمة وعدم إمكان السقوط، وأن هذه الصفات اجتمعت في كنيستهم وحدها، فهي الكنيسة الوحيدة الصحيحة في العالم، ولا خلاص لمن هو خارج عنها. وينكر الإنجيليون بعض تلك الصفات على المعنى البابوي، ويقولون إن كنيسة المسيح الصحيحة ليست تحت نظام واحد خارجي، بل هي الكنيسة غير المنظورة الروحية المؤلفة من كل المؤمنين بالحق في كل زمان ومكان، وأنها جسد المسيح وهو رأسها وربها بغضّ النظر عن نظامها الخارجي.
(٨) البابا: يعتقد الكاثوليك أنه خليفة بطرس، ورأس الكنيسة الجامعة، ونائب المسيح على الأرض. وينكر الإنجيليون ذلك، ويعتقدون أن المسيح هو رأس الكنيسة الوحيد.
(٩) الأسرار على وجه الإجمال:
(أ) تعريف السر: هو إشارة منظورة لنعمة غير منظورة، مرسوم بأمر صريح في العهد الجديد من المسيح (عند الإنجيليين) أو بمجرد سلطان الكنيسة (عند التقليديين).
(ب) عدد الأسرار: هي سبعة عند التقليديين واثنان عند الإنجيليين، وهما المعمودية والعشاء الرباني.
(ج) فائدة الأسرار: تُنال عند التقليديين بواسطة ممارستها بواسطة الكهنة خلفاء الرسل، وعند الإنجيليين بواسطة الإيمان في قلب كل تائب مؤمن يقبلها.
(١٠) المعمودية: كلاهما يختلفان في عملها في الخطية الأصلية وفي علاقتها بالتجديد
стр. 1298
وفي ضرورتها للخلاص وغير ذلك.
(١١) الأفخارستيا: ما يعتقده التقليديون ويرفضه الإنجيليون:
(أ) الاستحالة والسجود للخبز والخمر. (ب) منع الكأس عند الكاثوليك عن الشعب. (ج) الأفخارستيا ذبيحة حقيقية، وسمُّوها "غير دموية" وهي تكرار ذبيحة المسيح على الصليب بواسطة الكاهن لأجل خطايا الأحياء والأموات، أي النفوس في المطهر.
(١٢) الأسرار الخمسة الأخرى هي: التثبيت، والاعتراف أو التوبة، والكهنوت أو الرسامة، والزيجة، والمسحة الأخيرة: يعتقد التقليديون أنها أسرار حقيقية. ويرفض الإنجيليون ذلك، غير أن بعضهم يمارس جزءًا منها بغير المعنى التقليدي.
(أ) التثبيت: تقبله الكنائس اللوثرية والأسقفية والمصلحة الألمانية كعملٍ يُضاف لمعمودية الأطفال بعد تعليمهم التعليم المسيحي. وأما باقي الكنائس الإنجيلية فترفضه، معتقدةً أن الاتحاد الاختياري بالكنيسة (الاشتراك في العشاء الرباني) بواسطة الاعتراف بالإيمان جهارًا يغني عنه.
(ب) الاعتراف أو التوبة: يعتقد التقليديون أن الاعتراف الشفاهي للكاهن والحِلّ منه كافيان لغفران الخطايا والآثام القابلة للغفران. وتستحسن قوانين الكنائس اللوثرية والأسقفية الاعتراف السري للراعي، وفي بعض الأحوال لا توجبه. والكنائس الأخرى تتركه لاختيار كل شخصٍ. ويرفض جميع الإنجيليين الحِلّ الكهنوتي. لكن القس عند الأسقفيين يصرّح جهارًا بمغفرة الله للتائبين إذا تمت فيهم شروط المغفرة.
(ج) الكهنوت أو الرسامة: يعتقد التقليديون بالكهنوت الخاص ووجوب الرسامة من الأساقفة فقط. وعندهم أن الكاهن ينال بتلك الرسامة السلطان الكهنوتي الخاص بالتقليديين. ويعتقد الإنجيليون بكهنوت جميع المؤمنين بالإجمال وحقهم في الاشتراك في سياسة الكنيسة، ولا ينسبون إلى خدّام الكنيسة شيئًا من السلطان الكهنوتي.
стр. 1299
(د) الزيجة: الفرق بين الفئتين يقوم بنظامها وبقدرة الكنيسة وسلطانها على ما يختص بها وبمسألة الطلاق.
(هـ) المسحة الأخيرة: يرفضها الإنجيليون ويحسبون أن المقصود بما جاء في يع ٥: ١٤ والصلاة وليس الدهن بالزيت، الذي هو علاج طبيعي.
(١٣) المطهر: هو عند الكاثوليك مكان وحال زمنيان (إلى الدينونة الأخيرة) متوسطان بين السماء وجهنم لتطهير المسيحيين غير الكاملين الذين يمكن إفادتهم بالصلوات والقُدّاسات لأجلهم. ويعتقد الإنجيليون أن في العالم الآتي حالتين فقط مختلفتين جدًّا، هما السعادة التي لا توصف والشقاوة التي لا توصف، مع التفاوت في درجاتهما. وكانت الفظائع التي نشأت عن تعليم المطهر الداعي الأول إلى الإصلاح. (١)
الصراع الكنسي في سبيل الاستقلال الديني
على مشارف التاريخ الحديث لمصر، تصادفنا قصة البطريرك "يوأنس" الثامن عشر، مع كنيسة روما الكاثوليكية.
فعندما تولى البطريرك رئاسة الكنيسة المصرية سنة ١٧٦٩ م وكانت كنيسة روما تبذل أقصى جهدها، لضم الكنائس الشرقية -وعلى الأخص الكنيسة المصرية- وفي سبيل تحقيق هذا الهدف بعث بابا روما، مندوبا عنه إلى مصر، حاملا رسالة يدعو فيها البطريرك القبطي المصري، للاتحاد معه وأيضًا ليعرض عليه مشروع خطاب أعدته كنيسة روما ليكون صيغة للمصالحة بين الكنيستين بالرغم ما بينهما من خلافات جوهرية عقائدية وخاصة حول طبيعة يسوع المسيح ﵇ وطلبت من البطريرك المصري أن يوافق على هذه الطلبات يزعم أنها في صالح العقيدة المسيحية عامة؛ لإعلان الاتحاد بين الكنيستين.
وقد دفعت الثقة المفرطة بابا روما إلى عدم رفض بطريرك مصر لهذه الطلبات، لأن هذه الفترة بزغ فيها نجم الحضارة الأوروبية، وأصبحت ذات قوة اقتصادية وعسكرية وهيبة،
стр. 1300
وأخذت ترنو في طمع إلى ما حولها من البلاد الأخرى، إضافة إلى أن مصر وبلاد الشرق عامة، كانوا يعانون من حكم الأتراك العلمانيين، بعد سقوط الخلافة الإسلامية، وبالطبع كان الحال يسير للأسوأ، وكانت الظروف تعتبر مواتية لتحقيق الأطماع الأوروبية في البلاد الشرقية.
ورفض البطريرك المصري هذا العرض السخيف، ورد عليه بسخرية واستهزاء، ووفدت إلى مصر إرساليات بروتستانتية، كان من أهمها الإرسالية البريطانية والإرسالية الأمريكية عن طريق الشام.
وكانت خطة الأمريكيين هي القضاء على الكنيسة القبطية، وضم أبنائها إلى كنيسة بروتستانتية جديدة، بينما كانت خطة الإنجليز هي الإبقاء على كنيسة مصر مع التغلغل فيها والسيطرة عليها من الداخل.
وعملت الإرساليات الأمريكية على أن تنشأ المدارس الدينية للصغار والصبية في المراكز الرئيسية في القطر المصري، كالقاهرة والإسكندرية وأسيوط.
وبدأ نزول المبشرين الأمريكيين إلى مصر سنة ١٨٤٥ م، وأنشأوا أول مدرسة لهم سنة ١٨٥٥ م، وأنشاوا كلية أسيوط سنة ١٨٦٥، وبلغت مدارس الإرسالية سنة ١٨٩٧ نحو ١٦٨ مدرسة يدرس بها ١١٠١٤ تلميذًا، وكانت كلما تكونت جالية بروتستانتية من المصريين في منطقة، أعطى المبشرون إليها المدرسة، لينشئوا غيرها في مكان آخر.
وقد عارضت الكنيسة القبطية المصرية هذا النشاط، وسافر بطريرك القبط إلى أسيوط على ظهر باخرة نيلية وضعها تحت إمرته الخديوي إسماعيل، وعمل على الوقوف في وجه النشاط البروتستانتي، وعلى منع القبط من إرسال أبنائهم إلى مدارس التبشير، وطاف والكهنة على البيوت يحرمون على كل أب إرسال أولاده إلى هذه المدارس، وأعلنت الحروم الكنسية ضد من يرسل أولاده إلى مدارس الإرساليات أو يزور مكتباتها أو يقرأ كتبها أو يصافي أو يصادق أحدا من المبشرين. (١)