← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

٤ - الحالة الأصلية: ""نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتنَا كَشَبَهِنَا" (تكوين ١: ٢٦). تقول الكنيسة التقليدية إن المقصود بكلمة "صورتنا" غير المقصود بكلمة "شبهنا" فكلمة "صورتنا" تعني أن الإنسان عاقل حرّ الاختيار، وإن كلمة "شبهنا" تعني أنه يشبه الله بما ناله من موهبة القداسة الأصلية، فقد وشّحه الله بالبر والقداسة بعد أن خلقه على صورته. أما الكنيسة الإنجيلية فتقول إن المقصود بكلمتي "صورتنا وشبهنا" هو واحد، لأن صورة الله التي خُلق عليها الإنسان أصلًا تشمل البر والقداسة. (٥) الخطية الأصلية: يعلّم التقليديون أن الخطية الأصلية عيبٌ سلبيٌ، أو ضياع موهبة القداسة الأصلية المشار إليها بكلمة "كشبهنا" (تك ١: ٢٦) (أي ضياع مشابهة الله لا صورته). وهم يقولون إنه يزول تمامًا بالعمودية. ويعلّم الإنجيليون أن الخطية الأصلية هي فساد إيجابي كلي يعمّ تشويه صورة الله الأصلية ومشابهته اللتين خلق عليهما الإنسان، وأن الإنسان يميل دائمًا إلى الخطية بعد العمودية. (٦) التبرير: يقول التقليديون إنه يتم بالإيمان والأعمال الصالحة معًا، ويقول الإنجيليون إنه بالإيمان فقط. ومما يختلفان فيه في شأن التبرير: (أ) معنى التبرير وفعله. يقول التقليديون إن التبرير يجعل الخاطئ بارًا في الذات بالتدريج (وعلى ذلك هو مرادف للتقديس عند الإنجيليين). ويقول الإنجيليون إنه هو قضاء الله وتصريحه بأن الخاطئ صار بارًا شرعًا، فصفح عن الخاطئ التائب بناء على استحقاق المسيح، وعلى شرط الإيمان به، وأن التقديس يتبعه، وهو عمل متميّز عنه. (ب) معنى الإيمان. يقول التقليديون إنه تسليم عقلي وخضوع للسلطان الكنسي النائب عن الإلهي. ويقول الإنجيليون إنه قبول تعاليم الله بالثقة وإنه الاتكال الشخصي على المسيح والشركة الحيَّة معه. (ج) المقام المعيَّن للأعمال الصالحة. يقول التقليديون إنها شروط التبرير. ويقول الإنجيليون إنها برهان التبرير ونتيجته، فهي ثمار التبرير لا سببه.

стр. 1297

(د) إمكان التحقُّق من التبرير والخلاص. ينكره التقليديون إلا إذا أُسند على إعلان خاص من الله عن لسان الكنيسة المعصومة. ويثبته الإنجيليون على درجات مختلفة. (٧) الكنيسة: (أ) يعتقد التقليديون أن كنيسة المسيح الحقيقية هي كنيستهم لا غير، ويعتقد الإنجيليون أن الكنيسة غير المنظورة واحدة وعامة وتحت رياسة المسيح فقط، وأن الكنيسة المنظورة مؤلفة من جماعات كثيرة منتظمة تحت أسماء مختلفة. (ب) يعتقد التقليديون أن صفات الكنيسة هي الوحدة والقداسة والجامعية والرسولية والعصمة وعدم إمكان السقوط، وأن هذه الصفات اجتمعت في كنيستهم وحدها، فهي الكنيسة الوحيدة الصحيحة في العالم، ولا خلاص لمن هو خارج عنها. وينكر الإنجيليون بعض تلك الصفات على المعنى البابوي، ويقولون إن كنيسة المسيح الصحيحة ليست تحت نظام واحد خارجي، بل هي الكنيسة غير المنظورة الروحية المؤلفة من كل المؤمنين بالحق في كل زمان ومكان، وأنها جسد المسيح وهو رأسها وربها بغضّ النظر عن نظامها الخارجي. (٨) البابا: يعتقد الكاثوليك أنه خليفة بطرس، ورأس الكنيسة الجامعة، ونائب المسيح على الأرض. وينكر الإنجيليون ذلك، ويعتقدون أن المسيح هو رأس الكنيسة الوحيد. (٩) الأسرار على وجه الإجمال: (أ) تعريف السر: هو إشارة منظورة لنعمة غير منظورة، مرسوم بأمر صريح في العهد الجديد من المسيح (عند الإنجيليين) أو بمجرد سلطان الكنيسة (عند التقليديين). (ب) عدد الأسرار: هي سبعة عند التقليديين واثنان عند الإنجيليين، وهما المعمودية والعشاء الرباني. (ج) فائدة الأسرار: تُنال عند التقليديين بواسطة ممارستها بواسطة الكهنة خلفاء الرسل، وعند الإنجيليين بواسطة الإيمان في قلب كل تائب مؤمن يقبلها. (١٠) المعمودية: كلاهما يختلفان في عملها في الخطية الأصلية وفي علاقتها بالتجديد

стр. 1298

وفي ضرورتها للخلاص وغير ذلك. (١١) الأفخارستيا: ما يعتقده التقليديون ويرفضه الإنجيليون: (أ) الاستحالة والسجود للخبز والخمر. (ب) منع الكأس عند الكاثوليك عن الشعب. (ج) الأفخارستيا ذبيحة حقيقية، وسمُّوها "غير دموية" وهي تكرار ذبيحة المسيح على الصليب بواسطة الكاهن لأجل خطايا الأحياء والأموات، أي النفوس في المطهر. (١٢) الأسرار الخمسة الأخرى هي: التثبيت، والاعتراف أو التوبة، والكهنوت أو الرسامة، والزيجة، والمسحة الأخيرة: يعتقد التقليديون أنها أسرار حقيقية. ويرفض الإنجيليون ذلك، غير أن بعضهم يمارس جزءًا منها بغير المعنى التقليدي. (أ) التثبيت: تقبله الكنائس اللوثرية والأسقفية والمصلحة الألمانية كعملٍ يُضاف لمعمودية الأطفال بعد تعليمهم التعليم المسيحي. وأما باقي الكنائس الإنجيلية فترفضه، معتقدةً أن الاتحاد الاختياري بالكنيسة (الاشتراك في العشاء الرباني) بواسطة الاعتراف بالإيمان جهارًا يغني عنه. (ب) الاعتراف أو التوبة: يعتقد التقليديون أن الاعتراف الشفاهي للكاهن والحِلّ منه كافيان لغفران الخطايا والآثام القابلة للغفران. وتستحسن قوانين الكنائس اللوثرية والأسقفية الاعتراف السري للراعي، وفي بعض الأحوال لا توجبه. والكنائس الأخرى تتركه لاختيار كل شخصٍ. ويرفض جميع الإنجيليين الحِلّ الكهنوتي. لكن القس عند الأسقفيين يصرّح جهارًا بمغفرة الله للتائبين إذا تمت فيهم شروط المغفرة. (ج) الكهنوت أو الرسامة: يعتقد التقليديون بالكهنوت الخاص ووجوب الرسامة من الأساقفة فقط. وعندهم أن الكاهن ينال بتلك الرسامة السلطان الكهنوتي الخاص بالتقليديين. ويعتقد الإنجيليون بكهنوت جميع المؤمنين بالإجمال وحقهم في الاشتراك في سياسة الكنيسة، ولا ينسبون إلى خدّام الكنيسة شيئًا من السلطان الكهنوتي.

стр. 1299

(د) الزيجة: الفرق بين الفئتين يقوم بنظامها وبقدرة الكنيسة وسلطانها على ما يختص بها وبمسألة الطلاق. (هـ) المسحة الأخيرة: يرفضها الإنجيليون ويحسبون أن المقصود بما جاء في يع ٥: ١٤ والصلاة وليس الدهن بالزيت، الذي هو علاج طبيعي. (١٣) المطهر: هو عند الكاثوليك مكان وحال زمنيان (إلى الدينونة الأخيرة) متوسطان بين السماء وجهنم لتطهير المسيحيين غير الكاملين الذين يمكن إفادتهم بالصلوات والقُدّاسات لأجلهم. ويعتقد الإنجيليون أن في العالم الآتي حالتين فقط مختلفتين جدًّا، هما السعادة التي لا توصف والشقاوة التي لا توصف، مع التفاوت في درجاتهما. وكانت الفظائع التي نشأت عن تعليم المطهر الداعي الأول إلى الإصلاح. (١) الصراع الكنسي في سبيل الاستقلال الديني على مشارف التاريخ الحديث لمصر، تصادفنا قصة البطريرك "يوأنس" الثامن عشر، مع كنيسة روما الكاثوليكية. فعندما تولى البطريرك رئاسة الكنيسة المصرية سنة ١٧٦٩ م وكانت كنيسة روما تبذل أقصى جهدها، لضم الكنائس الشرقية -وعلى الأخص الكنيسة المصرية- وفي سبيل تحقيق هذا الهدف بعث بابا روما، مندوبا عنه إلى مصر، حاملا رسالة يدعو فيها البطريرك القبطي المصري، للاتحاد معه وأيضًا ليعرض عليه مشروع خطاب أعدته كنيسة روما ليكون صيغة للمصالحة بين الكنيستين بالرغم ما بينهما من خلافات جوهرية عقائدية وخاصة حول طبيعة يسوع المسيح ﵇ وطلبت من البطريرك المصري أن يوافق على هذه الطلبات يزعم أنها في صالح العقيدة المسيحية عامة؛ لإعلان الاتحاد بين الكنيستين. وقد دفعت الثقة المفرطة بابا روما إلى عدم رفض بطريرك مصر لهذه الطلبات، لأن هذه الفترة بزغ فيها نجم الحضارة الأوروبية، وأصبحت ذات قوة اقتصادية وعسكرية وهيبة،

стр. 1300

وأخذت ترنو في طمع إلى ما حولها من البلاد الأخرى، إضافة إلى أن مصر وبلاد الشرق عامة، كانوا يعانون من حكم الأتراك العلمانيين، بعد سقوط الخلافة الإسلامية، وبالطبع كان الحال يسير للأسوأ، وكانت الظروف تعتبر مواتية لتحقيق الأطماع الأوروبية في البلاد الشرقية. ورفض البطريرك المصري هذا العرض السخيف، ورد عليه بسخرية واستهزاء، ووفدت إلى مصر إرساليات بروتستانتية، كان من أهمها الإرسالية البريطانية والإرسالية الأمريكية عن طريق الشام. وكانت خطة الأمريكيين هي القضاء على الكنيسة القبطية، وضم أبنائها إلى كنيسة بروتستانتية جديدة، بينما كانت خطة الإنجليز هي الإبقاء على كنيسة مصر مع التغلغل فيها والسيطرة عليها من الداخل. وعملت الإرساليات الأمريكية على أن تنشأ المدارس الدينية للصغار والصبية في المراكز الرئيسية في القطر المصري، كالقاهرة والإسكندرية وأسيوط. وبدأ نزول المبشرين الأمريكيين إلى مصر سنة ١٨٤٥ م، وأنشأوا أول مدرسة لهم سنة ١٨٥٥ م، وأنشاوا كلية أسيوط سنة ١٨٦٥، وبلغت مدارس الإرسالية سنة ١٨٩٧ نحو ١٦٨ مدرسة يدرس بها ١١٠١٤ تلميذًا، وكانت كلما تكونت جالية بروتستانتية من المصريين في منطقة، أعطى المبشرون إليها المدرسة، لينشئوا غيرها في مكان آخر. وقد عارضت الكنيسة القبطية المصرية هذا النشاط، وسافر بطريرك القبط إلى أسيوط على ظهر باخرة نيلية وضعها تحت إمرته الخديوي إسماعيل، وعمل على الوقوف في وجه النشاط البروتستانتي، وعلى منع القبط من إرسال أبنائهم إلى مدارس التبشير، وطاف والكهنة على البيوت يحرمون على كل أب إرسال أولاده إلى هذه المدارس، وأعلنت الحروم الكنسية ضد من يرسل أولاده إلى مدارس الإرساليات أو يزور مكتباتها أو يقرأ كتبها أو يصافي أو يصادق أحدا من المبشرين. (١)

стр. 1301

وأخيرًا: بعد هذا العرض المسهب لهذه المسائل الخطيرة آن لنا أن نعرف الطريق الصحيح الذي يجب أن نسير عليه ألا وهو طريق الإسلام، وأن نؤمن بالكتاب الحق - القرآن الكريم - الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (فصلت: ٤٢). * * *

стр. 1302

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام تأليف أحمد بن سليمان أيوب ونخبة من الباحثين فكرة وإشراف د. سليمان الدريع المجلد الثالث شبهاتٌ عن العقيدة دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع

стр. 1303

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1304

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام ٣

стр. 1305

حُقُوق الطَّبْع مَحفوظة الطَّبْعَةُ الأُولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَارُ إيلاف الدُّوَليَّة لِلنَّشْرِ وَالتَّوزيع (دار وقفية دعوية) المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري falaslmi@gmail.com الإدارة: مجمع المخيال- هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت. الفرع الأول: الجهراء- مجمع الخير- الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩ الفرع الثاني: حولي- شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧ رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م التوزيع داخل جمهورية مصر العربية: دَارُ العِلمِ للبحث العلمي وتحقيق التراث لصاحبها: أحمد بن سليمان ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠

стр. 1306

تابع شبهات العقيدة

стр. 1307

٥ - شبهات في صفات الذات وفيها: ١ - شبهة: صفة اليد لله، والأصابع، والأنامل، والتجسيد. ٢ - شبهة: صفة الوجه. ٣ - شبهة: اعتراضهم على حديث النخامة في المسجد، وسوء فهمهم للنص. ٤ - شبهة: صفة العين لله. ٥ - شبهة: صفة القدم. ٦ - شبهة: الساق. ٧ - شبهات حول صفة المحبة لله تعالى. ٨ - شبهة: أن الله خلق آدم على صورته.

стр. 1308

تمهيد: عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته، وتشتمل على هذه الوجوه: الوجه الأول: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته . الوجه الثاني: أقسام صفات الله. الوجه الثالث: الاتفاق في الأسماء لا يقتضي التماثل في المسميات. الوجه الرابع: كيف نفرق بين صفة الخالق وصفة المخلوق؟ الوجه الخامس: كل ما جاء في مخيَّلتك فالله بخلافه. الوجه السادس: المشَبِّهُ يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدمًا. الوجه السابع: عقائد بعض الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات. وإليك التفصيل الوجه الأول: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته: قال ابن القيم نقلا عن أهل السنة: وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه، ولا تمثيل؛ بل طريقتنا: إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل، ولا نؤول، ولا نمثل، ولا نجهل، ولا نقول: ليس لله يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه، ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوق، ووجه كوجوههم، وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم؛ بل نقول: له ذات حقيقة، ليست كالذوات، وله صفات حقيقة، لا مجازًا، ليست كصفات المخلوقين، وكذلك قولنا في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه. ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك من إثبات لله شيئًا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها؛ فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة، وفهم معناهما، فهكذا سائر صفاته المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها؛ فإن الله سبحانه لم يكلف عباده بذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا؛ بل كثير من مخلوقاته، أو أكثرها لم

стр. 1309

يجعل لهم سبيلا إلى معرفة كنهه وكيفيته، وهذه أرواحهم التي هي أدنى إليهم من كل دان؛ قد حجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وجعل لهم السبيل إلى معرفتها، والتمييز بينها، وبين أرواح البهائم، وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل يوم القيامة، وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان، وشاهدته عقولهم، ولم يعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، وأنهارًا من لبن؛ ولكن لا يعرفون كنه ذلك، ومادته وكيفيته؛ إذ كانوا لا يعرفون في الدنيا الخمر إلا ما اعتصر من الأعناب، والعسل إلا ما قذفت به النحل في بيوتها، واللبن إلا ما خرج من الضروع، والحرير إلا ما خرج من فم دود القز، وقد فهموا معاني ذلك في الجنة من غير أن يكون مماثلا لما في الدنيا كما قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء. ولم يمنعهم عدم النظير في الدنيا من فهم ما أُخبروا به من ذلك، فهكذا الأسماء والصفات، لم يمنعهم انتفاء نظيرها في الدنيا ومثالها من فهم حقائقها ومعانيها؛ بل قام بقلوبهم معرفة حقائقها، وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها، وهذا هو المثل الأعلى الذي أثبته سبحانه لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن: أحدها: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ (النحل: ٦٠) الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ (الروم: ٢٧) الثالث: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (الشورى: ١١) فنفى سبحانه المماثلة عن هذا المثل الأعلى، وهو ما في قلوب أهل سماواته، وأرضه من معرفته والإقرار بربوبيته وأسمائه وصفاته وذاته، فهذا المثل الأعلى هو الذي آمن به المؤمنون وأنس به العارفون، وقامت شواهده في قلوبهم بالتعريفات الفطرية المكملة بالكتب الإلهية المقبولة بالبراهين العقلية، فاتفق على الشهادة بثبوته العقل والسمع والفطرة، فإذا قال المثبت: يا الله!

стр. 1310

قام بقلبه ربًا قيومًا قائمًا بنفسه مستويًا على عرشه مكلمًا متكلمًا سامعًا رائيًا قديرًا مريدًا فعالًا لما يشاء، يسمع دعاء الداعين، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج عن المكروبين، ترضيه الطاعات، وتغضبه المعاصي، تعرج الملائكة بالأمر إليه، وتنزل بالأمر من عنده، وإذا شئت زيادة تعريف بهذا المثل الأعلى؛ فقدِّر قوى جميع المخلوقات اجتمعت لواحد منهم، ثم كان جميعهم على قوة ذلك الواحد، فإذا نسبت قوته إلى قوة الرب ﵎ لم تجد لها نسبة وإياها ألبتة، كما لا تجد نسبة بين قوة البعوضة وقوة الأسد، فإذا قدَّرت علوم الخلائق اجتمعت لرجل واحد، ثم قدَّرت جميعهم بهذه المثابة، كانت علومهم بالنسبة إلى علمه تعالى كنقرة عصفور من بحر، وإذا قدَّرت حكمة جميع المخلوقين على هذا التقدير، لم يكن لها نسبة إلى حكمته، وكذلك إذا قدَّرت كل جمال في الوجود اجتمع لشخص واحد، ثم كان الخلق كلهم بذلك الجمال؛ كان نسبته إلى جمال الرب تعالى وجلاله دون نسبة السراج الضعيف إلى جرم الشمس، وقد نبهنا الله سبحانه على هذا المعنى بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ (لقمان: ٢٧) فقدر البحر المحيط بالعالم مدادًا، ووراءه سبعة أبحر، تحيط به كلها مداد، تكتب به كلمات الله؛ نفدت البحار، وفنيت الأقلام التي لو قدرت جميع أشجار الأرض من حين خلقت إلى آخر الدنيا ولم تنفد كلمات الله ... فهذا هو الذي قام بقلوب المؤمنين المصدقين العارفين به سبحانه من المثل الأعلى، فعرفوه به، وعبدوه به، وسألوه به، فأحبوه، وخافوه، ورجوه، وتوكلوا عليه، وأنابوا إليه، واطمأنوا بذكره، وأنسوا بحبه بواسطة هذا التعريف، فلم يصعب عليهم بعد ذلك فهم استوائه على عرشه، وسائر ما وصف به نفسه من صفات كماله؛ إذ قد أحاط عليهم بأنه لا نظير لذلك، ولا مثل له، ولم يخطر بقلوبهم مماثلته لشيء من المخلوقات، وقد أعلمهم سبحانه على لسان رسوله، أنه يقبض سماواته بيده، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في كفه تعالى كخردلة في كف أحدكم، وأنه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، وسائر الخلق على

стр. 1311

أصبع. فأي أيدي للخلق، وأي أصبع تشبه هذه اليد، وهذه الإصبع حتى يكون إثباتها تشبيها وتمثيلا؟ فقاتل الله أصحاب التحريف، والتأويل، وأصحاب التخييل، وأصحاب التجهيل، وأصحاب التشبيه والتمثيل. ماذا حرفوه من الحقائق الإيمانية، والمعارف الإلهية؟ وماذا تعوضوا به من زبالة الأذهان، ونخالة الأفكار؟ فما أشبههم بمن كان غذاؤهم المن والسلوى، بلا تعب، ولا كلفة؛ فآثروا عليه الفوم والعدس والبصل، وقد جرت عادة الله سبحانه: أن يُذِلَّ من آثر الأدنى على الأعلى، ويجعله عبرة للعقلاء (١). و ملخص هذه العقيدة: منهج السلف في توحيد الأسماء والصفات (٢). (١) في الإثبات: إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من أسماء وصفات من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا إلحاد. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (الشورى: ١١)، فقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: نفي المثلية والتشبيه والتكييف عن الله تعالى. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: إثبات لصفتي السمع والبصر لله مع نفي التعطيل والتأويل والإلحاد والتحريف. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (الأعراف: ١٨٠) قال الشيخ حمد بن ناصر آل معمر: قولنا في آيات الصفات والأحاديث الواردة في

стр. 1312

ذلك ما قاله الله ورسوله، وما قاله سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء المسلمين. فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل؛ بل نؤمن بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١) فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف، ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا -، فهو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ بل يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تكييف ولا تمثيل خلافا للمشبهة، ومن غير تحريف ولا تعطيل خلافا للمعطلة، فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام كمالك والشافعي والثوري والأوزاعي وابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين. اهـ (١) (٢) في النفي: نفي ما نفاه الله عن نفسه، ونفاه عنه رسوله ﷺ من صفاتٍ لا تليق به . مثال: قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٤٩) فنفي الظلم عن الله واجب مع إثبات كمال العدل له سبحانه. مثال آخر: قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، ففي هذه الآية إثبات لصفتي الحياة والقيومية لله تعالى؛ لأنهما من صفات الكمال،

стр. 1313

ونفي صفتي السِنَة والنوم عنه؛ لأنهما من صفات النقص، فيجب نفيهما وإثبات كمال الحياة والقيومية .... وهكذا في سائر الصفات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات: كإخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك. والنفي: كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة: ٢٥٥). وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحا أو كمالا؛ ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة: ٢٥٥) إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (البقرة: ٢٥٥)، فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيومية، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يُكرثه ولا يُثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته. وكذلك قوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (سبأ: ٣) فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض، وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتا هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا؛ بل ولا موجودًا، وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: لا يتكلم أو لا يرى، أو ليس فوق العالم أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل

стр. 1314

العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم، ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت. (١) (٢) فيما لم يرد به إثبات ولا نفي: وهو مما استُحدث بعد عصر السلف من ألفاظٍ تثبت لله صفات أو أسماء لم ترد لا في كتاب ولا في سنة مثل: الحيز والجسم والعرض والجهة وغير ذلك. ففيه أمران: الأول: التوقف في اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه. الثاني: الاستفسار عن القصد وعما يراد منه. فإن كان يُقصد به كمال يوصف الله به فنثبت المعنى دون اللفظ، وإن كان يُقصد به صفة نقص ينزه الله عنها فلا نثبت اللفظ والمعنى. مثال: الجهة: فإن أراد من يثبت الجهة لله أنه على السماء مستوٍ على عرشه مباين للخلق، فهذه صفة كمال نثبتها لله، وإن أراد أنه في كل مكان بمعنى أنه داخل العالم المخلوق، فهذا معنى نقص ينزه الله عنه فننفيه، وهكذا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه فإنه يجب الإيمان به, سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يَفهم معناه. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة. وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا؛ فليس على أحد؛ بل ولا له أن يوافق أحدا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًّا قُبِل، وإن أراد باطلا رد، وان اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه؛ بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى. كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك، فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس

стр. 1315

بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه، ونحو ذلك، وقد علم أن ما ثَمَّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق فالله ليس داخلا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل. اهـ (١) الوجه الثاني: أقسام صفات الله . تنقسم الصفات إلى قسمين: ١ - صفات ذات: وهي: التي لا تنفك عن ذات الله سبحانه. مثل اليد والوجه والساق والقدرة والحياة والعلم والسمع والبصر وغيرها من الصفات. قال تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (صّ: ٧٥)، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١١٥). وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: ٢٧)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (آل عمران: ٢) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٤٨). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (القلم: ٤٢). عن عَبْدَ الله بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قال: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: "إِنَّ قُلُوبَ

стр. 1316

بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ". (١) ٢ - صفات فعل: وهي التي تتعلق بمشيئة الله، إن شاء الله فعل وإن شاء الله لم يفعل. مثل الغضب والرضى والنزول والمجيء والمحبة والضحك والخلق والرحمة وغير ذلك من صفات الفعل. قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (الفتح: ٦)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: ٤٠)، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر: ٢٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (المجادلة: ١٤). وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: ٧٦). وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ٣٢). وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الدخان: ٤٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". (٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "يَضْحَكُ الله إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ"، فَقَالوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ الله

стр. 1317

فَيُسْتَشْهَدُ ثُمَّ يَتُوبُ الله عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْلِمُ فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله فَيُسْتَشْهَدُ". (١) وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "الله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْد مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاةٍ". (٢) الوجه الثالث: الاتفاق في الأسماء لا يقتضي التماثل في المسميات . وهذه القاعدة أصل في فهم صفات الله تعالى، والتفريق بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فإذا كانت صفات المخلوقات لا تتماثل في المسميات ولا الكيفيات مع تساويها في الأسماء؛ فإن صفات الخالق لا تتماثل مع صفات المخلوق بداهة. مثال ١: صفة العين الإنس له عين، والجن له عين، والملائكة لها عين وهي لا تتماثل؛ ذلك أن هذه المخلوقات غير متماثلة لا في المادة، ولا في الذات. الوجه الرابع: كيف نفرق بين صفة الخالق وصفة المخلوق ؟ نقول: إن الله تعالى له يد، وإن للمخلوق يدًا، ولكن يد الله تليق بكماله وقدرته وحياته وبقائه. وللمخلوق صفة يد مناسبة لعجزه وفقره وفنائه. ونقول: إن لله أصابع تليق بجلاله وعظمته وكماله وقدرته وبقائه، وللمخلوق أصابع مناسبة لعجزه وفقره وفنائه. وهكذا كل صفة وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ تُستعمل على الوجه الذي بينَّاه. فكون الله سبحانه له يد يبسطها، والمخلوق له يد يبسطها لا يقتضي ذلك أن الله يشابه مخلوقاته في ذلك كما بينا.

стр. 1318

الوجه الخامس: كل ما جاء في مخيلتك فالله بخلافه . بمعنى: أن الله تعالى غيب عنا؛ لا تدرك ذاته، فليس لنا تخيله وتخيل صفاته؛ ولا يجوز لنا قياس صفات الخالق على صفات المخلوق؛ لأن ما وقع في خيالنا إنما هي صفات مخلوق قابلة للفناء والعجز. أما صفات الله تعالى فهي غير ذلك. الوجه السادس: المشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدما . بمعنى أن من عطل صفات الله؛ أي نفاها وقال: ليس لله يد، ولا قدم، ولا وجه، ولا علم، ولا قدرة، ولا سمع، ولا بصر، ولا عين ... إلى آخره؛ فإنه بذلك يعبد ربا معدومًا لا وجود له. ومن وقع في خياله أن الله له صفات، وهي تشابه صفات المخلوق فهو بذلك يعبد صنمًا، ولا فرق بينه وبين عُبَّاد الأصنام. الوجه السابع: عقائد بعض الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات . أولًا - أهل التعطيل: وهؤلاء ينقسمون إلى: ١ - الجهمية: وهم أتباع جهم بن صفوان: وهؤلاء يقولون بنفي جميع أسماء الله تعالى وصفاته. ٢ - المعتزلة: وهم أتباع واصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد البصري، وهؤلاء يقولون: بإثبات الأسماء ونفي الصفات. ٣ - الأشاعرة والماترُدية: وهؤلاء يثبتون لله سبع صفات فقط، وهي: السمع والبصر والإرادة، والكلام، والحياة، والعلم، والقدرة. ولهم حجج في ذلك منها: أن هذه الصفات تشابه صفات المخلوقين، فلو أثبتناها، أثبتنا النقص لله تعالى، والله منزه عن النقص. فلجؤوا إلى تفسيرها وتأويلها بتأويلات عقيمة لا خطام لها ولا زمام. فأوَّلُوا اليد بالقدرة أو النعمة، والوجه بالذات، ونحو ذلك من هذه التأويلات. فنرد على الجهمية بهذه القاعدة: القول في الصفات كالقول في الذات.

стр. 1319

ومعنى ذلك: أن الجهمية يثبتون لله ذاتًا - ولو نفوا الذات لما بقي لهم إله يعبدونه - فنقول لهم: لمَ أثبتم لله ذاتًا ووجودًا، وللمخلوق ذاتًا ووجودًا؟ قالوا: لله ذات ووجود يليق بجلاله وعظمته. وللمخلوق ذات ووجود مناسبة لعجزه وفنائه. فنقول لهم: القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإذا كان الله له ذات ووجود يليق بجلاله وعظمته؛ كذلك له صفات تليق بجلاله وعظمته، وللمخلوق صفات مناسبة لعجزه وفنائه. ونرد على المعتزلة: بنفس مقولة الجهمية؛ حيث إنهم ينفون الصفات كلها، ويثبتون الذات والوجود. ويثبتون الأسماء على أساس أنها وردت في القرآن، ولكنها لا تعبر عن صفات، ولا تتضمن صفات؛ بل هي أعلام محضة على ذات الخالق. وهذا منهم مخالف للفطرة والعقول السليمة. أما الأشاعرة والماترودية: فنرد عليهم بقولنا: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. بمعنى: إذا قلنا لهم: لمَ أثبتم صفة الإرادة ونفيتم صفة الغضب والفرح؟ قالوا: لله صفة إرادة تليق بجلاله وعظمته، وللمخلوق صفة إرادة مناسبة لعجزه وفنائه. قلنا لهم: وكذلك: لله صفة غضب تليق بجلاله وعظمته، وللمخلوق صفة غضب مناسبة لعجزه وفنائه، ولا فرق بين صفة وصفة. ثانيًا: أهل التشبيه والتمثيل: وهم الذين أثبتوا لله الأسماء والصفات ولكن على طريقة أنها تشابه المخلوقين، فقالوا لله يد كأيدينا، وقدم كقدمنا، ووجه كوجهنا، وعين كأعيننا، وأول من تكلم بذلك هو الحكم بن هشام الرافضي. وشُبَهُهم أن الله تعبَّد الخلق بما يفهمون ويعقلون من الصفات، ولا تكون إلا بما شابه به الخلق. ومذهبهم باطل بالشرع والعقل والحس:

стр. 1320

أما بالشرع: فقد قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١)، فنفى المثلية، وأثبت صفة السمع والبصر. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ (النحل: ٧٤) فنهى الله تعالى عن تمثيله بغيره من مخلوقاته. وأما بالعقل: فمن وجوه منها: الأولى: التباين الواضح لكل ذي عقل بين الخالق والمخلوق في الذات والوجود، وهذا يستلزم التباين في الصفات. الثاني: أن تشبيه الله بالمخلوق فيه تنقيص لله إذ إن صفات المخلوق ناقصة وقابلة للفناء، فيستلزم نقصان صفات الله، وهذا ضلال. فقد قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (الفرقان: ٥٨). وأما بالحس: فلأن المخلوقات على اختلافها لها صفات، ولكن ليست متماثلة ولا متشابهة فكيف بالخالق ؟ ! ثالثا: أهل التفويض وهم الذين فوضوا معنى الصفات وكيفيتها إلى الله فقالوا: لا نعلم لها معنى ولا كيفية. وهؤلاء أخطر الفرق ضلالًا؛ لأنه يستلزم من قولهم: أن الله تعبد العباد بكلام لا يفهمونه؛ بل لا يفهمه النبي ﷺ وأصحابه فضلًا عن غيرهم. وهذا مخالف للشرع والعقل: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ (النحل: ٦٤). فكيف يبين النبي ﷺ كلاما لا يفهم معناه! ! والعقل يقول: إن هذه الصفات لها معان وكيفية: أما المعنى فهو الذي وضحه النبي ﷺ للناس وجاء على لسان السلف، وأما الكيفية فهذه لم يطلعنا الله تعالى عليها ولا نبيه فهي عنا مجهولة ولم نكلف الخوض فيها. وإليك ذكر الشبهات والرد عليها.

стр. 1321

١ - شبهة صفة اليد لله، والأصابع، والأنامل، والتجسيد نص الشبهة: اعترضوا على بعض صفات الله كصفة اليد وبسطها، وساقوا جملة من الأحاديث: الله له يد يمنى: عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". الله يبسط يده: عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وببسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". الله له خنصر (إصبع من أصابع اليد): عن أنس بن مالك ﵁. أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال "هكذا، وأشار بإصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر. وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة". وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ في قوله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: أظهر مقدار هذا، ووضع الإبهام على خنصر الإصبع الصغرى، فقال حميد: يا أبا محمد ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره وقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد؟ ! يحدثني أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وتقول أنت: ما تريد إلى هذا؟ والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: إثبات صفة اليد لله. الوجه الثاني: الجواب عن الإبهام. الوجه الثالث: ماذا يقول الكتاب المقدس في صفة اليد لله تعالى؟ الوجه الرابع: الرد على ملحقات هذه الشبهة. وإليك التفصيل

стр. 1322

الوجه الأول: إثبات صفة اليد لله . وهي ثابتة بالكتاب والسنة صفة تليق بجلاله وعظمته. أولًا: القرآن: وردت صفة اليد في القرآن على ثلاثة أنواع: النوع الأول: مفردة: قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: ٨٨). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠). النوع الثاني: مثناه: قال تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (ص: ٧٥). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: ١). والنوع الثالث: مجموعة قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (يس: ٧١). فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء إليهما فقال ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ولما ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعدها بالباء، وهذه يفهم منها مثل ما يفهم من قوله "عملنا وخلقنا" في المراد بالجمع، أما قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لو كان المراد منها مجرد الفعل لم يكن لذكر اليدين بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت؟ فالفعل إذا أضيف إلى يد ذي اليد ثم عُدّي بالباء إلى يده مفردة أو مثناة فهو مما باشرته يده، فعن حكيم بن جابر قال "أُخبرت أن ربكم لم يمس بيده إلا ثلاثة أشياء: غَرسَ الجنة بيده، وخَلقَ آدم بيده، وكَتبَ التوراة بيده" (١)، وكما جاء في

стр. 1323

الصحيحين وغيرها في حديث الشفاعة الطويل أن النبي ﷺ أخبر بأن أهل الموقف يأتون آدم يوم القيامة فيقولون: "يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء؛ فاشفع لنا إلى ربك" (١)، وكما جاء في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي أن الملائكة قالوا: "يا رب خلقت بني آدم يأكلون، ويشربون، وينكحون، ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال الله تعالى: "لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيديَّ، ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان. (٢) فكل هذه الأحاديث والآثار تبين المقصود من تخصيص آدم في الآية بكونه مخلوقًا بيد الله . ثانيا: الأدلة من السنة على إثبات اتصاف الله باليد . ثم يقال: ليست هذه الآية الوحيدة التي ثبت بها اتصاف مولانا العظيم بصفة اليد؛ بل هناك نصوص أخرى من الكتاب والسنة، فمن ذلك أن أبا هريرة ﵁ كان يقول قال رسول الله ﷺ "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ . (٣) وعن عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا "المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين". (٤) وقوله ﷺ : "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه، وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع". (٥) ولمّا ذكر النبي ﷺ أعلى أهل الجنة منزلة قال الله: "أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها". (٦)

стр. 1324

وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في استفتاح الصلاة: "لبيك وسعديك والخير كله في يديك". (١) وعن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". (٢) وفي الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ قال: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة". (٣) أما الأدلة من نصوص القرآن فمنها قوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (سورة المائدة: ٦٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سورة الزمر: ٦٧) قال ابن عمر ﵁: رأيت رسول الله ﷺ قائمًا على المنبر فقال: "إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السماوات والأرض في قبضته ثم قال هكذا ومد يده وبسطها ثم يقول أنا الله الرحمن". (٤) الوجه الثاني: الجواب عن الإبهام . ذكروا الحديث وفيه: "وأشار بإصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر". وهذا نشأ من عدم فهمهم للحديث؛ لأن الذي فعل ذلك رسول الله ﷺ بإبهامه، ولم يخبر عن الله تعالى، قال ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٩٧٩): حدثنا أبو زرعة، ثنا محمد بن كثير، ثنا حماد، أنبأ ثابت، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ

стр. 1325

جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (الأعراف: ١٤٣)، قال رسول الله ﷺ : - هكذا وصفه حماد -، ووضع طرف إبهامه على طرف خنصره من المفصل". قال: "فساخ الجبل". فالوصف كان من حماد بن سلمة لفعل رسول الله ﷺ ، ولم يكن إخبارًا عن صفات الله ، ولو فرض أن النبي ﷺ أخبر عن الله تعالى بهذه الصفة؛ فنحن نقول فيها مثلما قلنا في باقي الصفات الأخرى من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل. أما صفة الأنامل فقد وردت في حديث الرؤيا عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قَال: احْتبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيعًا، فَثُوِّبَ بِالصَّلاةِ وَصَلَّى وَتَجَوَّزَ فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَال: كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْنَا فَقَال: إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمْ الْغَدَاةَ! إِنِّي قُمْتُ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَال: يَا مُحَمَّدُ! أَتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْملأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي يَا رَبِّ، قَال: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْملأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي رَبِّ. فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ، وَعَرَفْتُ. فَقَال: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصمُ الْملأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَال: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ: نَقْلُ الأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ، وَجُلُوسٌ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ. قَال: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الْكَلامِ، وَالصَّلاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَال: سَلْ، قُلْتُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ، وَقَال رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا. (١) كل ذلك حق نؤمن به؛ ولكن ليس على طريق أهل التشبيه الذين يمثلون الخالق

стр. 1326

بالمخلوق! ؛ وليس على طريقة أهل التعطيل الذين ينفون عن الله تعالى كل صفة وصف بها نفسه بدعوى الوقوع في التشبيه. فالله لا مثلَ له، ولا ندَ له، ولا كفوَا له سبحانه؛ وليست صفاته كصفات المخلوق وإن تشابهت في الأسماء كما قدمنا. الوجه الثالث: ماذا يقول الكتاب المقدس في صفة اليد لله تعالى ؟ ١ - إثبات صفة اليد في الكتاب المقدس. ٢ - نسبة أفعال لا تليق بالله لهذه الصفة. فقد وصفوا الله تعالى بأنه: الله له يد: ١ - يد الله على المواشي والحمير والبقر: في سفر (الخروج ٩: ٣): فَهَا يَدُ الرَّبِّ تَكُونُ عَلَى مَوَاشِيكَ الَّتِي فِي الْحَقْلِ، عَلَى الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالْجِمَالِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَبَأً ثَقِيلًا جِدًّا. ٢ - يد الله تبيد وتهلك: في سفر (التثنية ٢: ١٥): وَيَدُ الرَّبِّ أيضًا كَانَتْ عَلَيْهِمْ لإِبَادَتِهمْ مِنْ وَسَطِ الْمَحَلَّةِ حَتَّى فَنُوا. ٣ - ويد غير الرب تبيد: في سفر (٧ يوشع: ٧): وَقَال يَشُوعُ: "آهِ يَا سَيِّدُ الرَّبُّ! لِمَاذَا عَبَّرْتَ هذَا الشَّعْبَ الأُرْدُنَّ تَعْبِيرًا لِكَيْ تَدْفَعَنَا إِلَى يَدِ الأَمُورِيِّينَ لِيُبِيدُونَا؟ لَيْتَنَا ارْتَضَيْنَا وَسَكَنَّا فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ. ٤ - يد الرب تخرج على الناس وتدخل: في سفر (راعوث ١: ١٣): هَلْ تَصْبِرَانِ لَهُمْ حَتَّى يَكْبُرُوا؟ هَلْ تَنْحَجِزَانِ مِنْ أَجْلِهِمْ عَنْ أَنْ تَكُونَا لِرَجُل؟ لَا يَا بِنْتَيَّ. فَإِنِّي مَغْمُومَةٌ جِدًّا مِنْ أَجْلِكُمَا؛ لأَنَّ يَدَ الرَّبِّ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيَّ". ٥ - يد الرب تضرب بالبواسير: في سفر صمويل (١: ٥/ ٦): فَثَقُلَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَى الأَشْدُودِيِّينَ، وَأَخْرَبَهُمْ وَضَرَبَهُمْ بِالْبَوَاسِيرِ فِي أَشْدُودَ وَتُخُومِهَا. ٦ - يد الرب على أصحاب الطرب: في سفر (٣ الملوك الثاني: ١٥): وَلمَّا ضَرَبَ الْعَوَّادُ بِالْعُودِ كَانَتْ عَلَيْهِ يَدُ الرَّبِّ.

стр. 1327

٧ - الرب يضع في يده كأسا وخمرًا: كما جاء في (المزامير ٧٥: ٨): أَنَّ فِي يَدِ الرَّبِّ كَأْسًا وَخَمْرُهَا مُخْتَمِرَةٌ. مَلآنةٌ شَرَابًا مَمْزُوجًا. وَهُوَ يَسْكُبُ مِنْهَا. لكِنْ عَكَرُهَا يَمَصُّهُ، يَشْرَبُهُ كُلُّ أَشْرَارِ الأَرْضِ. ٨ - واليد تخرج من ذراع وله يمين: كما جاء في سفر (الحكمة ٥: ١٧): فلذلك سينالون ملك الكرامة وتاج الجمال من يد الرب لأنه يسترهم بيمينه وبذراعه يقيهم. ملك الأرض في يد الرب: كما في سفر (سيراخ ١٠: ٤): ملك الأرض في يد الرب فهو يقيم عليها في الأوان اللائق من به نفعها. ٩ - الله يهز يده: كما جاء في سفر (أشعيا ١١: ١٥): وَيُبِيدُ الرَّبُّ لِسَانَ بَحْرِ مِصْرَ، وَيَهُزُّ يَدَهُ عَلَى النَّهْرِ بِقُوَّةِ رِيحِهِ، وَيَضْرِبُهُ إِلَى سَبْعِ سَوَاق، وَيُجِيزُ فِيهَا بِالأَحْذِيَةِ. ١٠ - والرب يمسح الدموع: كما جاء في (أشعيا ٢٥: ٨): وَيَمْسَحُ السَّيِّدُ الرَّبُّ الدُّمُوعَ عَنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَيَنْزِعُ عَارَ شَعْبِهِ عَنْ كُلِّ الأَرْضِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ تَكَلَّمَ. ١١ - يد الرب تسقي كأس الغضب: كما جاء في (أشعيا ٥١: ١٧): انْهَضِي، انْهَضِي! قُومِي يَا أُورُشَلِيمُ الَّتِي شَرِبْتِ مِنْ يَدِ الرَّبِّ كَأْسَ غَضَبِهِ، ثُفْلَ كَأْسِ التَّرَنُّحِ شَرِبْتِ. مَصَصْتِ. ١٢ - الرب له يد وأذن: كما جاء في (أشعيا ٥٩: ١): ها أن يد الرب لم تقصر عن أن تخلص ولم تثقل أذنه عن أن تسمع. ١٢ - يد الرب تحمل كأس ذهب فيه خمر: كما جاء في سفر (أرميا ٥١: ٦ - ٨): اهْرُبُوا مِنْ وَسْطِ بَابِلَ، وَانْجُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ. لَا تَهْلِكُوا بِذَنْبِهَا، لأَنَّ هذَا زَمَانُ انْتِقَامِ الرَّبِّ، هُوَ يُؤَدِّي لَهَا جَزَاءَهَا. ٧ بَابِلُ كَأْسُ ذَهَبٍ بِيَدِ الرَّبِّ تُسْكِرُ كُلَّ الأَرْضِ. مِنْ خَمْرِهَا شَرِبَتِ الشُّعُوبُ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ جُنَّتِ الشُّعُوبُ. ١٤ - يد الله تمس المخلوق:

стр. 1328

كما جاء في سفر (أيوب ١٩: ٢١): تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لأَنَّ يَدَ الله قَدْ مَسَّتْنِي. ١٥ - وله أصابع: كما جاء في (الزامير ٨: ٣): إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا. ١٦ - الرب له ذراع: كما جاء في (أشعيا ٥١: ٩): اسْتَيْقِظِي، اسْتَيْقِظِي! الْبَسِي قُوَّةً يَا ذِرَاعَ الرَّبِّ! اسْتَيْقِظِي كَمَا فِي أَيَّامِ الْقِدَمِ، كَمَا فِي الأَدْوَارِ الْقَدِيمَةِ. أَلَسْتِ أَنْتِ الْقَاطِعَةَ رَهَبَ، الطَّاعِنَةَ التِّنِّينَ؟ وجاء أيضًا (أشعيا ٥٣: ١): مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلمِنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ . كما جاء في (يونان ١٢: ٣٨): لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الذي قَالهُ: "يَارَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ وهم بعد هذا كله يعيبون على القرآن والسنة ذكر صفات الله ﵎، ؟ وهما لا يشبهان الله بخلقه كما يفعلون، ولا ينفيان عنه صفات الكمال.! ! ! الوجه الرابع: الرد على ملحقات هذه الشبهة . الشبهة الأولى: الأصابع نص الشبهة: يقول المعترض: الله له خمسة أصابع. عن عبد الله ﵁ أن يهوديا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قرأ وما قدروا الله حق قدره. (١) ونقول: أولًا: هذا كلام اليهود أيضًا؛ لأن الذي أخبر النبي ﷺ عنه هو اليهودي، فلماذا تعيبون على قوم أنت تؤمنون بكتابهم المسمي عندكم "العهد القديم" وفيه مثل هذا الكلام؟ ! ثانيًا: ذكرنا كما جاء في المزامير ٨: ٣: إذا أرى سماواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها.

стр. 1329

فلماذا تنكرون شيئًا أو تستهزئون بشيء هو موجود في كتابكم المقدس؟ ! ! . ثالثًا: أن الله إذا وصف نفسه بوصف أو وصفه نبيه بهذا الوصف فهو على ما يليق بذات الخالق. الشبهة الثانية: الحجر يمين الله في الأرض نص الشبهة: الحجر الأسود يمين الله، والله يصافح الناس بيمينه كما في الحديث "الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده". والجواب عنها نقول: إن هذا الحديث منكر مرفوعًا: وإذا كان كذلك فلا تقوم به حجة ولا يلزمنا به عقيدة. (١)

стр. 1330

الشبهة الثالثة: الله يمسك نص الشبهة: الله يمسك خبزة بيده كما يمسك الإنسان خبزته: عن أبي سعيد الخدري، قال النبي ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة" فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: "بلى" قال: تكون الأرض خبزة واحدة، كما قال النبي ﷺ ، فنظر النبي ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا". (١) والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه . فليس في الحديث أن الله يمسك خبزة؛ وإنما في الحديث أن الله يمسك بالأرض، والأرض تكون كخبزة في يد أحدنا.

стр. 1331

الوجه الثاني: صفة الإمساك لله تعالى ثابتة في القرآن والسنة . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ (فاطر: ٤١). فهي صفة تليق بجلاله وعظمته لا تشابه صفة المخلوق. الوجه الثالث: ذكرنا أن ربهم يمسك كأس خمر ويسقي الناس . كما جاء في (أشعيا ٥١: ١٧): انهضي انهضي قومي يا أورشليم التي شربت من يد الرب كأس غضبه، ثفل كأس الترنح شربت مصصت. وكما جاء في سفر (أرميا ٥١: ٧): بابل كأس ذهب بيد الرب تسكر كل الأرض من خمرها شربت الشعوب من أجل ذلك جنت الشعوب. الشبهة الرابعة: التجسيد في صفة اليد نص الشبهة: قالوا: يد الله مجسمة: يخلق بيده. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ (يس: ٧١). بناء الله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧). يكتب في القلوب: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ (المجادلة: ٢٢). يكتب في كتابه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي". (١)

стр. 1332

يد الله مجسمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ (الفتح: ١٠). ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ (الأنفال: ١٧). عن عبد الله ﵁ أن يهوديا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال يحيى بن سعيد: وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله ﵁ فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له. (١) والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: صفات الله تعالى لا تشابه صفات المخلوق. الوجه الثاني: إضافة الفعل إلى اليد بغير تعدية بحرف الجر يحتمل المجاز. الوجه الثالث: ذكر الفهم الصحيح لبعض الآيات التي استدلوا بها. الوجه الرابع: التجسيم في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: صفات الله تعالى لا تماثل صفات المخلوق . لا يلزم من إثبات الصفات لله تعالى المماثلة أو المشابهة لصفات المخلوقين؛ فالأدلة المثبتة للصفات ثبت بمثلها نفي المماثلة للمخلوقين قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وليس بين الأدلة منافاة ولا منافرة.

стр. 1333

قال ابن تيمية: ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما، واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص ... ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: ٦٤). ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: ٢٩)، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود؛ فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم. ونظائر هذا كثيرة، فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفى مماثلته بخلقه، فمن قال: ليس لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام ولا يحب ولا يرضى ولا نادى ولا ناجى ولا استوى؛ كان معطلًا جاحدًا ممثلًا لله بالمعدومات والجمادات. ومن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضائي أو يدان كيداي أو استواء كاستوائي؛ كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. (١) الوجه الثاني: إضافة الفعل إلى اليد بغير تعدية بحرف الجر يكتمل المجاز . وإنما معنى الصفة في سياق الآية يختلف عن غيرها من الآيات على حسب ما ورد في لسان العرب في تعريف اليد. فقد تكون بمعنى اليد حقيقة مثل قوله تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: ٧٥).

стр. 1334

وقد تكون بمعنى القوة أو البيعة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: من الآية ١٠) قال ابن جرير الطبري: وفي قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان من التأويل: أحدهما: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: البيعة؛ لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه ﷺ . والآخر: قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله ﷺ ؛ لأنهم إنما بايعوا رسول الله ﷺ على نصرته على العدو. (١) وقد تأتي كصفة ولكن معناها في السياق الكرم والإنفاق كما قال تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: من الآية ٦٤). وقد قال ابن جرير الطبري في اختلاف أهل الملة في هذه الآية: واختلف أهل الجدل في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: فقال بعضهم: عني بذلك نعمتاه؛ وقال ذلك بمعنى يد الله على خلقه، وذلك نعمه عليهم، وقال: إن العرب تقول: لك عندي يد؛ يعنون؛ بذلك نعمة. وقال آخرون منهم: عنى بذلك: القوة، وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ (ص: ٤٥). وقال آخرون منهم: بل يده ملكه، وقال: معنى قوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ملكه وخزائنه، قالوا: وذلك كقول العرب للمملوك: هو ملك يمينه، وفلان بيده عقدة نكاح فلانة؛ أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة: ١٢). وقال آخرون منهم: بل يد الله صفة من صفاته، هي أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم ﵇، قالوا: وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن خصوصية آدم بما خصه به من خلقه إياه

стр. 1335

بيده، قالوا: ولو كان لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم؛ إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئته في خلقه تعمه، وهو لجميعهم مالك، قالوا: وإذا كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقه إياه بيده دون غيره من عباده؛ كان معلوما إنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق، قالوا: وإذا كان ذلك كذلك بطل قول من قال: معنى اليد من الله القوة والنعمة أو الملك في هذا الموضع، قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون: إن يد الله في قوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ هي نعمته؛ لقيل: بل يده مبسوطة، ولم يقل بل يداه؛ لأن نعمة الله لا تحصى بكثرة، وبذلك جاء التنزيل، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: ١٨) قالوا: ولو كانت نعمتين ينفذ محصاتين. قالوا: فإن ظن ظان أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة؛ فذلك منه خطأ؛ وذلك أن العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه؛ وذلك كقول الله تعالى ذكره: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ (العصر: ١، ٢) وكقوله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ (البلد: ٤) وقوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ (الفرقان: ٥٥). قال: فلم يرد بالإنسان والكافر في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر؛ بل عنى به جميع الكفار؛ ولكن الواحد أدى عن جنسه؛ كما تقول العرب: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس، وكذلك قوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ معناه: وكان الذين كفروا. قالوا: فأما إذا ثني الاسم فلا يؤدى عن الجنس، ولا يؤدى إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما. قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال: ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس! بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم! . قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثني لا يؤدى في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما. قالوا: وغير محال ما أكثر الدرهم في أيدي الناس! ، وما أكثر الدراهم في أيديهم! ؟ لأن الواحد يؤدي عن الجميع.
следующие страницы →