الوجه الثاني: صفة الإمساك لله تعالى ثابتة في القرآن والسنة .
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ (فاطر: ٤١).
فهي صفة تليق بجلاله وعظمته لا تشابه صفة المخلوق.
الوجه الثالث: ذكرنا أن ربهم يمسك كأس خمر ويسقي الناس .
كما جاء في (أشعيا ٥١: ١٧): انهضي انهضي قومي يا أورشليم التي شربت من يد الرب كأس غضبه، ثفل كأس الترنح شربت مصصت.
وكما جاء في سفر (أرميا ٥١: ٧): بابل كأس ذهب بيد الرب تسكر كل الأرض من خمرها شربت الشعوب من أجل ذلك جنت الشعوب.
الشبهة الرابعة: التجسيد في صفة اليد
نص الشبهة:
قالوا: يد الله مجسمة: يخلق بيده.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ (يس: ٧١).
بناء الله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧).
يكتب في القلوب: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ (المجادلة: ٢٢).
يكتب في كتابه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي". (١)
стр. 1332
يد الله مجسمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ (الفتح: ١٠).
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ (الأنفال: ١٧).
عن عبد الله ﵁ أن يهوديا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال يحيى بن سعيد: وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله ﵁ فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له. (١)
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: صفات الله تعالى لا تشابه صفات المخلوق.
الوجه الثاني: إضافة الفعل إلى اليد بغير تعدية بحرف الجر يحتمل المجاز.
الوجه الثالث: ذكر الفهم الصحيح لبعض الآيات التي استدلوا بها.
الوجه الرابع: التجسيم في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: صفات الله تعالى لا تماثل صفات المخلوق .
لا يلزم من إثبات الصفات لله تعالى المماثلة أو المشابهة لصفات المخلوقين؛ فالأدلة المثبتة للصفات ثبت بمثلها نفي المماثلة للمخلوقين قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وليس بين الأدلة منافاة ولا منافرة.
стр. 1333
قال ابن تيمية: ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما، واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص ... ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: ٦٤).
ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: ٢٩)، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود؛ فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم.
ونظائر هذا كثيرة، فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفى مماثلته بخلقه، فمن قال: ليس لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام ولا يحب ولا يرضى ولا نادى ولا ناجى ولا استوى؛ كان معطلًا جاحدًا ممثلًا لله بالمعدومات والجمادات.
ومن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضائي أو يدان كيداي أو استواء كاستوائي؛ كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. (١)
الوجه الثاني: إضافة الفعل إلى اليد بغير تعدية بحرف الجر يكتمل المجاز .
وإنما معنى الصفة في سياق الآية يختلف عن غيرها من الآيات على حسب ما ورد في لسان العرب في تعريف اليد. فقد تكون بمعنى اليد حقيقة مثل قوله تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: ٧٥).
стр. 1334
وقد تكون بمعنى القوة أو البيعة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: من الآية ١٠)
قال ابن جرير الطبري: وفي قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان من التأويل:
أحدهما: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: البيعة؛ لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه ﷺ .
والآخر: قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله ﷺ ؛ لأنهم إنما بايعوا رسول الله ﷺ على نصرته على العدو. (١)
وقد تأتي كصفة ولكن معناها في السياق الكرم والإنفاق كما قال تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: من الآية ٦٤).
وقد قال ابن جرير الطبري في اختلاف أهل الملة في هذه الآية:
واختلف أهل الجدل في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾:
فقال بعضهم: عني بذلك نعمتاه؛ وقال ذلك بمعنى يد الله على خلقه، وذلك نعمه عليهم، وقال: إن العرب تقول: لك عندي يد؛ يعنون؛ بذلك نعمة.
وقال آخرون منهم: عنى بذلك: القوة، وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ (ص: ٤٥).
وقال آخرون منهم: بل يده ملكه، وقال: معنى قوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ملكه وخزائنه، قالوا: وذلك كقول العرب للمملوك: هو ملك يمينه، وفلان بيده عقدة نكاح فلانة؛ أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة: ١٢).
وقال آخرون منهم: بل يد الله صفة من صفاته، هي أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم ﵇، قالوا: وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن خصوصية آدم بما خصه به من خلقه إياه
стр. 1335
بيده، قالوا: ولو كان لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم؛ إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئته في خلقه تعمه، وهو لجميعهم مالك، قالوا: وإذا كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقه إياه بيده دون غيره من عباده؛ كان معلوما إنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق، قالوا: وإذا كان ذلك كذلك بطل قول من قال: معنى اليد من الله القوة والنعمة أو الملك في هذا الموضع، قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون: إن يد الله في قوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ هي نعمته؛ لقيل: بل يده مبسوطة، ولم يقل بل يداه؛ لأن نعمة الله لا تحصى بكثرة، وبذلك جاء التنزيل، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: ١٨) قالوا: ولو كانت نعمتين ينفذ محصاتين.
قالوا: فإن ظن ظان أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة؛ فذلك منه خطأ؛ وذلك أن العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه؛ وذلك كقول الله تعالى ذكره: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ (العصر: ١، ٢) وكقوله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ (البلد: ٤) وقوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ (الفرقان: ٥٥).
قال: فلم يرد بالإنسان والكافر في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر؛ بل عنى به جميع الكفار؛ ولكن الواحد أدى عن جنسه؛ كما تقول العرب: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس، وكذلك قوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ معناه: وكان الذين كفروا.
قالوا: فأما إذا ثني الاسم فلا يؤدى عن الجنس، ولا يؤدى إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما.
قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال: ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس! بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم! .
قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثني لا يؤدى في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما.
قالوا: وغير محال ما أكثر الدرهم في أيدي الناس! ، وما أكثر الدراهم في أيديهم! ؟ لأن الواحد يؤدي عن الجميع.
стр. 1336
قالوا: ففي قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى، ومع ما وصفنا من معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع، ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع النعمة، وصحة قول من قال: إن يد الله هي له صفة.
قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله، وقال به العلماء وأهل التأويل. (١)
الوجه الثالث: ذكر الفهم الصحيح لبعض الآيات التي استدلوا بها .
من هذه الآيات:
١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ (البقرة: ٩٧). وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (آل عمران: ٣).
وهاتان الآياتان لا علاقة لهما بصفة اليد، وإنما معنى قوله: (بين يديه): أي من قبل نزول هذا الكتاب.
قال الشنقيطي في أضواء البيان (٧/ ٢٨٨، ٢٨٩): (واعلم أن لفظ اليدين قد يستعمل في اللغة العربية استعمالا خاصا، بلفظ خاصٍّ لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة، وإنما يراد به معنى أمام.
واللفظ المختص بهذا المعنى هو لفظة اليدين التي أضيفت إليها لفظة "بين" خاصة، أعني لفظة "بين يديه"؛ فإن المراد بهذه اللفظة أمامه. وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة، ولا أي صفة كائنة ما كانت.
وإنما يراد به أمام فقط كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (سبأ: ٣١)، أي ولا بالذي كان أمامه سابقا عليه من الكتب.
стр. 1337
وكقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (المائدة: ٤٦)، أي مصدقا لما كان أمامه متقدما عليه من التوراة. وكقوله: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (فصلت: ٢٥)، فالمراد بلفظ "ما بين أيديهم" ما أمامهم. وكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الأعراف: ٥٧)، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر، إلى غير ذلك من الآيات". (١)
قال ابن جرير في تفسيره: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني بذلك القرآن أنه مصدق؛ لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رسل الله من عنده، جميع ذلك واحد فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من ثم غيره كان فيه اختلاف كثير، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (٢)
ثم ذكر بأسانيده عن مجاهد وقتادة والربيع ذلك.
٢ - ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢). وهذه الآية لا علاقة لها بصفة اليد لله تعالى ولكنه التدليس والتلبيس على الجهال أمثالهم.
وإليك قول ابن جرير الطبري في الآية:
وقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله:
- فقال بعضهم: معناه لا يأتيه النكير من بين يديه ولا من خلفه.
ذكر من قال ذلك: عن سعيد: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال: النكير من بين يديه ولا من خلفه.
стр. 1338
- وقال آخرون: معنى ذلك لا يستطيع الشيطان أن ينقص منه حقا ولا يزيد فيه باطلا، قالوا: والباطل هو الشيطان، وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ من قبل الحق، ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ من قبل الباطل ذكر من قال ذلك:
عن قتادة: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الباطل: إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقا، ولا يزيد فيه باطلًا.
وقال آخرون: معناه إن الباطل لا يطيق أن يزيد فيه شيئًا من الحروف، ولا ينقص منه شيئًا منها. ذكر من قال ذلك:
عن السدي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: الباطل هو الشيطان لا يستطيع أن يزيد فيه حرفا، ولا ينقص.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: أن يقال معناه لا يستطيع ذو باطل بكيده تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه. ولا إلحاق ما ليس منه فيه وذلك إتيانه من خلفه. (١)
٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: ١). والمقصود بقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مخالفة الكتاب والسنة.
قال ابن جرير: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يقول: لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله، محكيٌّ عن العرب فلان يقدم بين يدي إمامه، بمعنى يعجل بالأمر والنهي دونه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم بالبيان عن معناه. (٢)
стр. 1339
٤ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الأعراف: ٥٧).
وليس للآية أيضًا علاقة بصفة اليد لله؛ وإنما معناها: أمام رحمته، أو قدام رحمته وهو الغيث.
قال ابن جرير: وأما قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾؛ فإنه يقول: قدام رحمته وأمامها، والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه: جاء بين يديه؛ لأن ذلك من كلامهم جرى في أخبارهم عن بني آدم، وكثر استعماله فيهم حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لا يد له.
والرحمة التي ذكرها جل ثناؤه في هذا الموضع: المطر، فمعنى الكلام إذن: والله الذي يرسل الرياح لينا هبوبها، طيبا نسيمها أمام غيثه الذي يسوقه بها إلى خلقه، فينشئ بها سحابا ثقالا، حتى إذا أقلتها، والإقلال بها: حملها كما يقال: استقل البعير بحمله وأقله: إذا حمله فقام به، ساقه الله لإحياء بلد ميت قد تعفت مزارعه، ودرست مشاربه، وأجدب أهله، فأنزل به المطر، وأخرج به من كل الثمرات. (١)
وهكذا يفعل هؤلاء؛ يستدلون بالآيات ولا يعرفون وجه تفسيرها، ويجعلونها بمعنى واحد في كل السياق، وهذا ينم عن ضلال وانحراف.
الوجه الرابع: التجسيم في الكتاب المقدس .
لقد أتوا بآيات وأحاديث ووضعوها في غير موضعها، يعيبون على المسلمين التجسيم لله تعالى زعما منهم ذلك، ونسوا ما في كتابهم المقدس عندهم من صفة اليد التي ذكرناها.
منها كما جاء في المزامير: (لأن في يد الرب كأسا وخمرها مختمرة ملآنة شرابا ممزوجا وهو يسكب منها لكن عكرها يمصه يشربه كل أشرار الأرض (مز ٧٥: ٨).
فهل يعقل أن يكون بيد الرب خمرًا يسقي بها الناس، والخمر تذهب بالعقول، وتجعل الرجل يطأ أمه أو أخته أو بنته، ويفعل ما يغضب الرب؟ ! !
* * *
стр. 1340
٢ - شبهة: صفة الوجه .
نص الشبهة:
لقد أثار النصارى شبهة: أن لله عند المسلمين وجهًا، وبهذا يكون الله جسدًا؛ لأنه لا وجه إلا على جسد واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: ٢٧). ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: ٨٨).
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: معنى الوجه .
الوجه الثاني: أقوال أهل العلم في صفة الوجه.
الوجه الثالث: الرد على النصارى.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: معنى الوجه.
في اللغة: وجه كل شيء: مستقبله.
و في القرآن والسنة على معان:
المعنى الأول: أول النهار: قال تعالى: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: ٧٢)
وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع وغيرهم من السلف. (١)
المعنى الثاني: العناية والرعاية والحب قال تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ (يوسف: ٩).
قال ابن كثير: يقولون هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم؛ ليخلو لكم وحدكم؛ إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه وتخلوا أنتم بأبيكم. (٢)
стр. 1341
المعنى الثالث: الوجه الحقيقي وهو الجارحة: قال تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (يوسف: ٩٣).
وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ (القيامة: ٢٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ (الكهف: ٢٩).
المعنى الرابع: التذلل بالطاعة: قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ (البقرة: ١١٢).
قال الطبري: قوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ فإنه يعني بإسلام الوجه التذلل لطاعته، والإذعان لأمره، وأصل الإسلام الاستسلام؛ لأنه من استسلمت لأمره وهو الخضوع لأمره؛ وإنما سمي المسلم مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه. (١)
وقال ابن كثير: أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ (آل عمران: ٢٠). وقال أبو العالية والربيع: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخلص، ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: دينه. (٢)
المعنى الخامس: الانتكاس والضلال: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: ١١). وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الملك: ٢٢).
стр. 1342
المعنى السادس: صفة من صفات الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: ٢٧). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨﴾ (القصص: ٨٨).
هذا وهذه الآية تعبر بالوجه عن ذات الله تعالى، والوجه هو تعبير بالصفة عن الكل، وليس معناه هو الذات مع نفي الصفة كما يقول أهل البدع.
قال ابن كثير: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص: ٨٨): كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (١) (الرحمن: ٢٦، ٢٧). وقال أيضًا: وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (الرحمن: ٢٦، ٢٧).
فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص: ٨٨) أي: إلا إياه. (٢)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. (٣)
وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص: ٨٨) أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له.
стр. 1343
قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل.
وهذا القول لا ينافي القول الأول؛ فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة.
والقول الأول مقتضاه: أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعال وتقدس؛ فإنه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.
المعنى السابع: الإخلاص لله: قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٢)، وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الروم: ٣٨). وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: ٣٩).
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إِلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ. (١)
المعنى الثامن: قبلة الله: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ (البقرة: ١١٥). وإن كانت تثبت أن لله تعالى صفة الوجه.
قال ابن تيمية: فأخبر أن العبد حيث استقبل فقد استقبل قبلة الله؛ ليبين أنه حيث أمر العبد بالاستقبال والتولية فقد استقبل وولَّي قبلة الله ووجهته. (٢)
وقال أيضًا: وهذا قد قال فيه طائفة من السلف: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أي فثم جهة الله، والجهة كالوعد والعدة والوزن والزنة.
стр. 1344
والمراد بوجه الله: وجهة الله، الوجه والجهة والوجهة الذي لله يُستقبل في الصلاة كما قال في أول الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، ثم قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ١٤٢) فإذا كان لله المشرق والمغرب ولكل وجهة هو موليها، وقوله: ﴿مُوَلِّيهَا﴾؛ أي متوليها أم مستقبلها، فهذا كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي فأينما تستقبلوا فثم وجهه الله، وقد قيل: إنه يدل على صفة الله؛ لكن يدل على أن ثم وجه لله، وأن العباد أينما يولون فثم وجه الله، فهم الذين يولون ويستقبلون لا أنه هو يولي وجهه إلى كل مكان، فهذا تحريف منهم للفظ القرآن عن معناه وكذب على المسلمين. (١)
الوجه الثاني: أقوال أهل العلم في صفة الوجه
من عقيدة السلف: أن لله تعالى وجها يليق بجلاله وعظمته، نثبت له هذه الصفة كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ من غير تأويل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف. وكل آية في كتاب الله تعالى مضاف فيها الوجه لله تعالى فهي تدل على صفة الوجه له ، وإن اختلف معناها في السياق كما قدمنا في صفة اليد.
قال الشيخ على بن خضير الخضير: وهناك آيات كثيرة في القرآن وأحاديث كثيرة تدل على صفة الوجه لله، ومن أكثر الكتب بسطًا لهذه الصفة الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وقد بسط القول فيها خصوصًا الأحاديث، وعقد ثلاثة أبواب لهذه الصفة، ومثله ابن منده في كتابه التوحيد، فقد تكلم عن هذه الصفة، وكذلك اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وقبلهم الدارمي في رده على طاغوت الجهمية بشر المريسي. وقبلها كتب السنة، السنة لعبد الله بن الإمام أحمد والسنة للخلال. (٢)
стр. 1345
أم ا مذهب أهل السنة والجماعة في صفة الوجه:
أهل السنة والجماعة يثبتون أن لله وجهًا موصوفًا بالجلال والإكرام.
قال ابن خزيمة في كتابه التوحيد؛ في باب إثبات الوجه: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز واليمن وتهامة والشام مذهبنا أن نثبت لله ما أثبته لنفسه من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، ثم قال في الباب الذي بعده: نحن نقول وعلمائنا جميعًا في جميع الأقطار أن لمعبودنا وجهًا كما أعلمنا في محكم تنزيله فذوَّاه - أي وصفه بأنه ذو جلال - وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سُبحات وجه كل شيء أدركه بصره".
مذاهب الناس في صفة الوجه:
أ- مذهب أهل السنة والجماعة وقد مضى الكلام عن ذلك.
ب- مذهب الجهمية: وهو نفي صفة الوجه لله ، ويؤولون ما جاء في القرآن من ذكر الوجه لله بأربع كلمات: أنه الذات أو القبلة أو الثواب أو الأعمال الصالحة، فيقولون: ويبقى وجه ربك أي ذاته، أي يبقى الله، ويقولون في قوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ (الليل: ٢٠)، أي: ابتغاء الثواب.
وفي قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أي: القبلة. وقد رد عليهم الدارمي في كتابه: الرد على بشر المريسي، فتناول تأويل الجهمية ورد عليهم ردودًا مفحمة.
جـ - المعتزلة: ومذهبهم في صفة الوجه مثل الجهمية، فهم ينفون الوجه عن الله ويؤولون ذلك بالذات، أو بأن وجه الله هو الله، وقد نقل الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين) مذاهب الناس في الوجه، وذكر مذهب المعتزلة ونسب إلى أبي الهذيل المعتزلي أنه قال: إن وجه الله هو الله، وأن غيره قال: الذات، انتهى.
ولعله يقصد النَّظَّام وهو من أئمة المعتزلة، والأشعري خبير بمذهب المعتزلة فقد استمر أربعين سنة على الاعتزال ولذلك فإن أقواله مهمة في معرفة اعتقاد المعتزلة وغيرهم.
стр. 1346
د- الكُلّابية: وهؤلاء يثبتون صفة الوجه لله تعالى كأهل السنة، ويثبتون جميع الصفات الذاتية لله كالوجه واليد والعين، ابتداءً من إمامهم عبد الله بن سعيد بن كلَّاب، وكذا الأشعري فإنه يثبت صفة الوجه لله تعالى كما في كتابه (الإبانة ص ٣٥) والأشعري على الصحيح أنه كُلّابي، وقد ذكر ذلك عنه ابن حجر في كتابه "لسان الميزان"، لما ترجم لعبد الله بن سعيد بن كلّاب، قال: "وقد مشى الأشعري على طريقته".
ومن الكلّابية الذين أثبتوا صفة الوجه (القلانسي) والحارث المحاسبي المتصوف، وابن مهدي الطبري والباقلاني، كما أثبتها بعض المحدثين الذين فيهم ميل لذهب لكلّابية، كالبيهقي وابن فُورك. والبيهقي في كتابه "الأسماء والصفات"، وابن فورك في كتابه "مشكل الحديث"، قد أثبتوا صفة الوجه لله .
والبيهقي ﵀ تأثر بالكلّابية في باب صفات الله الاختيارية ومثله شيخه ابن فورك.
وخلاصة مذهب الكلّابية المحضة أو من تأثر بهم في بعض الوجوه أنهم يثبتون صفة الوجه كأهل السنة والجماعة.
هـ- مذهب المجسّمة والمشبّهة: فإنهم يثبتون لله وجها كوجه المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وقد رد عليهم ابن خزيمة في كتابه التوحيد في باب إثبات الوجه، وذكر مذهبهم الأشعريُّ في كتابه مقالات الإسلاميين.
و- مذهب الماتريدية: فهؤلاء ينفون صفة الوجه ولا يثبتونها، ويفسرون الوجه بتفسيرات الجهمية، أنها الذات أو الثواب أو القبلة ... إلخ.
ز- الأشاعرة: وهؤلاء قسمان:
١ - أوائل الأشاعرة: فهؤلاء في الحقيقة كلّابية كأبي الحسن الأشعري، والباقلاني، وهؤلاء يثبتون صفة الوجه.
стр. 1347
٢ - متأخري الأشاعرة: ويسمون الأشاعرة المحضة، فهؤلاء ينفون صفة الوجه عن الله ، ويفسرون آيات الوجه بمعنى الذات أو الثواب أو الجزاء أو الأعمال الصالحة إلا أنهم يضيفون تفسيرًا خاصًّا بهم وهو (الرضى).
الوجه الثالث: الرد على النصارى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ردًّا على النصارى: وأما قولهم: له وجه يوليه إلى كل مكان؛ فليس هذا في القرآن؛ ولكن في القرآن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (الرحمن: ٢٦، ٢٧) وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ (القصص: ٨٨)، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١١٥)، وهذا قد قال فيه طائفة من السلف: فثم قبلة الله، أي فثم جهة الله، والجهة كالوعد والعِدة والوزن والزِنة، والمراد بوجه الله: وجهة الله، الوجه، والجهة والوجهة الذي لله يستقبل في الصلاة كما قال في أول الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، ثم قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١١٥) كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ١٤٢)، فإذا كان لله المشرق والمغرب، ولكلٍ وجهة هو موليها وقوله: ﴿مُوَلِّيهَا﴾؛ أي متوليها أم مستقبلها، فهذا كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١١٥) أي فأينما تستقبلوا فثم وجهة الله، وقد قيل: إنه يدل على صفة الله؛ لكن يدل على أن ثم وجه لله، وأن العباد أينما يولون فثم وجه الله، فهم الذين يولون ويستقبلون لا أنه هو يولي وجهه إلى كل مكان، فهذا تحريف منهم للفظ القرآن عن معناه، وكذب على المسلمين ومن قال بالقول الثاني من المسلمين؛ فإن ذلك يقتضي أن الله محيط بالعالم كله كما قد بسطت هذه الأمور في غير هذا
стр. 1348
الموضع؛ إذ المقصود هنا بيان ضلال هؤلاء في دينهم فيما ابتدعوا من الكفر والتثليث والاتحاد دون الذين آمنوا بالله ورسله، وما أخبرت به الرسل عن الله ﵎. (١)
ماذا في كتابهم المقدس عن وجه الله ؟
لو حصرت عدد المرات الموجودة في كتابهم المقدس عن وجه الله ووجه الرب لرأيتها أكثر مما هي موجودة في القرآن.
١ - الرب يمشي وله وجه وتختبئ الناس منه ولا يراهم:
كما جاء في سفر (التكوين ٣: ٨): (وسمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة).
٢ - الجبال تتزلزل من وجه الرب:
كما جاء سفر (القضاء ٥: ٥): (تزلزلت الجبال من وجه الرب وسيناء هذا من وجه الرب إله إسرائيل).
٣ - وجه الله كوجه المخلوق:
كما جاء في سفر (التكوين ٣٣: ١٠): (فقال يعقوب: لا إن وجدت نعمة في عينيك تأخذ هديتي من يدي؛ لأني رأيت وجهك كما يرى وجه الله فرضيت علي).
٤ - الدماء تسقط أمام وجه الرب:
كما جاء في صمويل الأول (٢٦: ٢٠): (والآن لا يسقط دمي إلى الأرض أمام وجه الرب، لأن ملك إسرائيل قد خرج ليفتش على برغوث واحد كما يتبع الحجل في الجبال).
٥ - داود يطلب وجه الرب:
كما جاء في (صمويل الثاني ٢١: ١): (وكان جوع في أيام داود ثلاث سنين سنة بعد سنة فطلب داود وجه الرب فقال الرب: هو لأجل شاول ولأجل بيت الدماء لأنه قتل الجبعونيين).
وفي سفر الأخبار (٣٣: ١٢): (ولما تضايق طلب وجه الرب إلهه وتواضع جدا أمام إله آبائه).
٦ - وجه الرب لا يتحول عمن لا يحول وجهه عن فقير:
стр. 1349
كما جاء في طوبيا: (تصدق من مالك ولا تحول وجهك عن فقير وحينئذ فوجه الرب لا يحول عنك) (طوبيا ٤: ٧).
٧ - الشيطان يخرج من أمام وجه الرب:
كما جاء في (سفر أيوب ١: ١٢): (فقال الرب للشيطان: هو ذا كل ما له في يدك وإنما إليه لا تمد يدك ثم خرج الشيطان من أمام وجه الرب).
٨ - وجه الرب ضد عامل الشر:
كما جاء في (المزامير ٣٤: ١٦): (وجه الرب ضد عاملي الشر ليقطع من الأرض ذكرهم).
٩ - المدن تهدم من وجه الرب:
كما جاء في (أرمياء ٤: ٢٦): (نظرت وإذا البستان برية وكل مدنها نقضت من وجه الرب من وجه حمو غضبه).
١٠ - الرب له وجه يطلب ويندم الرب على فعل الشر:
في أرمياء (٢٦: ١٩): هل قتلا قتله حزقيا ملك يهوذا وكل يهوذا ألم يخف الرب وطلب وجه الرب فندم الرب عن الشر الذي تكلم به عليهم فنحن عاملون شرا عظيما ضد أنفسنا.
١١ - وجه الرب يقسم:
كما جاء في مراثي (أرمياء ٤: ١٦): (وجه الرب قسمهم لا يعود ينظر إليهم لم يرفعوا وجوه الكهنة ولم يترأفوا على الشيوخ).
١٢ - وجه الرب يستعطفه الناس:
كما جاء في (باروك ٢: ٨): (ونحن لم نستعطف وجه الرب تائبين كل واحد عن أفكار قلبه الشرير).
١٣ - وجه الرب يتضرع إليه:
كما جاء في (دنيال ٩: ١٣): (كما كتب في شريعة موسى قد جاء علينا كل هذا الشر ولم نتضرع إلى وجه الرب إلهنا لنرجع من آثامنا ونفطن بحقك).
стр. 1350
١٤ - وجه الرب يهرب منه الناس:
كما جاء في (يوئيل ١: ٣): (فقام يونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرب فنزل إلى يافا ووجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش فدفع أجرتها ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش من وجه الرب).
وكما جاء في (يوئيل ١: ١٠) أيضًا: (فخاف الرجال خوفا عظيما وقالوا له: لماذا فعلت هذا فإن الرجال عرفوا أنه هارب من وجه الرب لأنه أخبرهم).
وكما جاء في (حجي ١: ١٢): (حينئذ سمع زربابل بن شالتيئيل ويهوشع بن يهو صادق الكاهن العظيم وكل بقية الشعب صوت الرب إلههم وكلام حجي النبي كما أرسله الرب إلههم وخاف الشعب أمام وجه الرب).
١٥ - وجه الرب يطلب الرضى:
جاء في (زكرياء ٨: ٢١): (وسكان واحدة يسيرون إلى أخرى قائلين لنذهب ذهابا لنترضي وجه الرب ونطلب رب الجنود أنا أيضًا اذهب. ٢٢ فتأتي شعوب كثيرة وأمم قوية ليطلبوا رب الجنود في أورشليم وليترضوا وجه الرب).
١٦ - الناس تتقدم أمام وجه الرب:
كما جاء في (لوقا ١: ٧٦): (وأنت أيها الصبي نبي العلي تدعى لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه).
١٧ - وجه الرب يأتي بالفرج:
كما جاء في (أعمال الرسل ٣: ١٩): (فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تأتى أوقات الفرج من وجه الرب).
كل هذه الفقرات من الكتاب المقدس تثبت صفة الوجه للرب، وفي كثير منها تحييز للرب في مكان، وتشبيه الرب بالمخلوق الضعيف، وصفات النقص.
* * *
стр. 1351
٣ - شبهة: النخامة في المسجد .
نص الشبهة:
وهذه الشبهة تابعة لشبهة الوجه، ولكننا أردنا إفرادها برد؛ لأنها تحتاج إلى توضيح.
فقد قالوا: يبزق في وجه الله:
عن أبي هريرة ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأَي نُخامةً في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَال "ما بال أحَدِكُم يقوم مُسْتقبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أمَامَهُ، أَيُحِبُّ أحَدُكُمْ أنْ يُسْتَقْبلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجْهِهِ؟ فَإِذا تَنَخَّعَ أحدُكُم فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ فَإنْ لم يَجِد فليَقُل هَكَذَا". وَوَصَفَ القاسِمُ: فَتَفَلَ في ثَوْبِهِ ثم مسح بعْضَهُ على بَعض". (١)
والجواب عنها من وجوه:
الوجه الأول: كل ما جاء في خيالك فالله بخلافه .
الوجه الثاني: المعني الصحيح للحديث .
الوجه الثالث: أن الإسلام قد راعى الأدب في عبادة العبد ربه.
الوجه الرابع: عقوبة من بصق تجاه القبلة.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: كل ما جاء في خيالك فالله بخلافه.
فما جاء في الكتاب والسنة عن الله تعالى لا يجب على المسلم أن يصور ذلك في خياله ويحكيه على أساس أنه هو المقصود من الكلام.
فما تخيله هؤلاء الجاهلون عن الله من خلال هذه النصوص هو محض افتراء على الله؛ لأنه ليس هو ما قصدوه هم. وذلك أنه لا يستطيع أحد أن يصف الله في ذاته؛ فكيف يكيفه في أفعاله؟ والقول في الصفات كالقول في الذات.
الوجه الثاني: المعني الصحيح للحديث.
стр. 1352
قال ابن تيمية: وكذلك قوله ﷺ : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة؛ فإن الله قِبَلَ وجهه فلا يبصق قبل وجهه. . . الحديث "حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلى؛ بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات؛ فإن الإنسان لو أنه يناجى السماء أو يناجى الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضًا قبل وجهه، وقد ضرب النبي ﷺ المثل بذلك - ولله المثل الأعلى - ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه؛ لا تشبيه الخالق بالمخلوق فقال النبي ﷺ "ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به" فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟
فقال النبي ﷺ : سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخليا به، وهو آية من آيات الله، فالله أكبر". (١)
وقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابها للمرئي، فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه؛ كلٌّ يراه فوقه قبل وجهه كما يري الشمس والقمر، ولا منافاة أصلا، ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله؛ يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد.
واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وهذا اللفظ مجمل؛ فإن قوله: (ظاهرها غير مراد) يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين، مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلى أنه مستقر في الحائط الذي يصلى إليه، وأن الله معنا ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد.
ومن قال: إن مذهب السلف أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى؛ لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث، فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض
стр. 1353
الناس، فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار معذورا في هذا الإطلاق، فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية، وكان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر؛ حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظًا ومعنى.
وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله: (الظاهر غير مراد عندهم) أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يختص بصفة المخلوقين؛ بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازًا ذهنيا أو جوازًا خارجيا غير مراد؛ فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف، أو تعمد الكذب، فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل لا نصا ولا ظاهرا أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد حقيقة، وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف، بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله ، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها؛ لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين؛ أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون؛ لجواز أن يراد غيره، وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف.
أما في كثير من الصفات فقطعا مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم الذي لم يحك هنا عشره؛ علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك، والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل لا نصا ولا ظاهرا ولا بالقرائن على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر؛ بل الذى رأيته أن كثيرا من كلامهم يدل إما نصا، وإما ظاهرا على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة؛ بل الذي رأيته؛
стр. 1354
أنهم يثبتون جنسها في الجملة، وما رأيت أحدا منهم نفاها، وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضًا كقول نعيم بن حماد الخزاعى شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر.
وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. (١)
الوجه الثالث: أن الإسلام قد راعى الأدب في عبادة العبد ربه .
وليس البصاق من الأدب إذا كان تلقاء من يناجيه. ألا ترى أنه لو خاطب إنسان آخر ثم أراد أن يبصق فبصق في وجهه أنه ليس من الأدب الذي درجت عليه الفطرة؛ إذا كان هذا حال الإنسان مع الإنسان فكيف بالإنسان مع ربه؟ ! !
عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَلا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي الله مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ وَلا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه العراجين أن يمسكها بيده، فدخل المسجد ذات يوم وفي يده واحد منها، فرأى نخامات في قبلة المسجد فحتهن حتى أنقاهن ثم أقبل على الناس مغضبًا فقال: "أيحب أحدكم أن يستقبله رجل فيبصق في وجهه؟ ! ! إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه والملك عن يمينه فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه". (٣)
وأيضًا: هل يجوز في عقيدتهم وهم في كنائسهم يتضرعون أمام صورة من يدعون أنه المسيح أو مريم؛ أن يبصقوا تلقاء وجوههم وهم على هذه الحالة؟
والجواب بالبديهة: لا.
стр. 1355
فلماذا يتندرون ويسخرون من النبي ﷺ وهو يعلم المسلمين الأدب مع الله تعالى؟ ! ! !
الوجه الرابع: عقوبة من بصق تجاه القبلة .
لقد نهى النبي ﷺ في أكثر من حديث عن البصاق تجاه القبلة منها:
عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : "يجيء صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه". (١)
قال الصنعاني: وفي الحديث دلالة على تحريم البصاق إلى القبلة مطلقا، سواء ذلك في المسجد أو في غيره، وعلى المصلي وغيره، "وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها وفي المسجد أو غيره" (٢).
قال الألباني: والأحاديث الواردة في النهي عن البصق في الصلاة تجاه القبلة كثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرها، وإنما آثرت هذا دون غيره، لعزته وقلة من أحاط علمه به. ولأن فيه أدبا رفيعا مع الكعبة المشرفة، طالما غفل عنه كثير من الخاصة، فضلا عن العامة، فكم رأيت في أئمة المساجد من يبصق إلى القبلة من نافذة المسجد!
وفي الحديث أيضًا فائدة هامة وهي الإشارة إلى أن النهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط؛ إنما هو مطلق يشمل الصحراء والبنيان؛ لأنه إذا أفاد الحديث أن البصق تجاه القبلة لا يجوز مطلقا، فالبول والغائط مستقبلا لها لا يجوز بالأولى. (٣)
* * *
стр. 1356
٤ - شبهة: صفة العين لله .
نص الشبهة:
قالوا: الله له عين، وهذا لا يليق بالإله، ووردت أحاديث تنفي العور عن الله.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: كلمة حق يراد بها باطل .
الوجه الثاني: من عقيدة أهل السنة والجماعة؛ إثبات صفة العين لله تعالى.
الوجه الثالث: إثبات العينين لله.
الوجه الرابع: أن الله تعالى ليس بأعور.
الوجه الخامس: في كتابهم المقدس صفة العين للرب.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: كلمة حق يراد بها باطل.
عندما ذكروا هذه الآيات والأحاديث؛ ليس لإثبات حق؛ وإنما لإرادة الباطل الذي وقع في رؤوسهم. وقد ثبتت هذه الصفة لله تعالى في القرآن والسنة:
١ - من القرآن: قال تعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩].
وقال ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨].
ومن السنة: عن نافع عن عبد الله ﵁ قال: ذُكر الدجال عند النبي ﷺ فقال "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية". (١)
قال ابن خزيمة: فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما ثبَّتَ الخالق البارئ لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله ﵎ ما قد ثبته الله في محكم تنزيله ببيان النبي ﷺ الذي جعله الله مبينا عنه في قوله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا
стр. 1357
نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فبين النبي ﷺ أن لله عينين، فكان بيانه موافقا لبيان محكم التنزيل الذي هو مسطور بين الدفتين مقروء في المحاريب والكتاتيب. (١)
الوجه الثاني: من عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات صفة العين لله تعالى .
وأنها ليست كعين المخلوق، فله عين تليق بجلاله وعظمته، وللمخلوق عين مناسبة لعجزه وفنائه.
الوجه الثالث: إثبات العينين لله .
قال ابن خزيمة: نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى، وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السموات العلى، وما بينهما من صغير وكبير، لا يخفى على خالقنا خافية في السموات السبع والأرضين السبع ولا مما بينهم، ولا فوقهم ولا أسفل منهن، لا يغيب عن بصره من ذلك شيء، يرى ما في جوف البحار ولججها كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه. (٢)
وبوب اللالكائي في أصول الاعتقاد (سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن صفات الله الوجه والعينين واليدين). (٣)
الوجه الرابع: أن الله تعالى ليس بأعور .
لأن العور صفة نقص، والله منزه عن صفة النقص. وقد خلق الله تعالى الدجال بهذه الصفة حتى لا يختلط الأمر عند الناس ويظنوا أنه الله، وخاصة وأن الله تعالى قد أقدره على أشياء لا يقدر عليها إلا هو سبحانه؛ فتنة للناس، واختبارا وامتحانا؛ ليكشف الله لخلقه حال الناس فيميز الصادق من الكاذب للناس.
стр. 1358
وهذا شيخ الإسلام يحتج بحديث الدجال على إثبات صفة العين لله تعالى، وردا على النصارى فقال: ولهذا لما أنذر النبي ﷺ بالمسيح الدجال وقال: "ما من نبي إلا وقد أنذر أمته المسيح الدجال حتى نوح أنذر قومه به".
وذكر النبي ﷺ له ثلاث دلائل ظاهرة تظهر لكل مسلم تبين كذبه:
أحدها: قوله ﷺ : "مكتوب بين عينيه كافر (ك ف ر) يقرأه كل مؤمن قارئ وغير قارئ".
الثاني: قوله ﷺ : "واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت" فبين أن الله لا يراه أحد في الدنيا بعينيه، وكل بشر فإنه يرى في الدنيا بالعين، فعلم أن الله لا يتحد ببشر.
الثالث: قوله ﷺ : "أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور" ودلائل نفي الربوبية عنه كثيرة؛ لكن لما كان حلول اللاهوت في البشر، واتخاذه به مذهبا ضل به طوائف كثيرون من بني آدم، النصارى وغيرهم، وكان المسيح الدجال يأتي بخوارق عظيمة، والنصارى احتجوا على إلهية المسيح بمثل ذلك.
ذكر النبي ﷺ من علامات كذبه أمورا ظاهرة لا يحتاج فيها إلى بيان موارد النزاع التي ضل فيها خلق كثير من الآدميين، فإن كثيرًا من الناس؛ بل أكثرهم تدهشهم الخوارق حتى يصدقوا صاحبها قبل النظر في إمكان دعواه، وإذا صدقوه صدقوا النصارى في دعوى إلهية المسيح، وصدقوا أيضًا من ادعى الحلول والاتحاد في بعض المشايخ، أو بعض أهل البيت، أو غيرهم من أهل الإفك والفجور.
وبهذا يظهر الجواب عما يورده بعض أهل الكلام كالرازي على هذا الحديث حيث قالوا: دلائل كون الدجال ليس هو الله ظاهرة، فكيف يحتج النبي ﷺ على ذلك بقوله: "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور"؟ وهذا السؤال يدل على جهل قائله بما يقع فيه بنو آدم من الضلال، وبالأدلة البينة التي تبين فساد الأقوال الباطلة، وإلا فإذا كان بنو إسرائيل في عهد موسى ظنوا أن العجل هو إله موسى فقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]، وظنوا أن موسى نسيه، والنصارى مع كثرتهم يقولون: إن المسيح هو الله، وفي المنتسبين إلى القبلة خلق كثير
стр. 1359
يقولون ذلك في كثير من المشايخ، وأهل البيت، حتى إن كثيرا من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد، وهو أن يكون الموحِّد هو الموحَّد وينشدون:
ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد
توحيد من يخبر عن نعته عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد
فكيف يستبعد مع إظهار الدجال هذه الخوارق العظيمة أن يعتقد فيه أنه الله! وهو يقول: أنا الله، وقد اعتقد ذلك فيمن لم يظهر فيه مثل خوارقه من الكذابين، وفيمن لم يقل أنا الله كالمسيح، وسائر الأنبياء والصالحين. (١)
الوجه الخامس: في كتابهم المقدس صفة العين للرب .
- الله له أعين:
كما جاء في سفر (الأمثال ٣: ٤): (فتجد نعمة وفطنة صالحة في أعين الله والناس).
وكما جاء في سفر (زكريا ٤: ١٠): (لأنه من ازدرى بيوم الأمور الصغيرة فتفرح أولئك السبع ويرون الزيج بيد زربابل إنما هي أعين الرب الجائلة في الأرض كلها).
- جاءت العين مفردة.
كما جاء في (المزامير ٣٣: ١٨): (هو ذا عين الرب على خائفيه الراجين رحمته).
- عين الرب على خائفيه.
كما جاء في (المزامير ٣٣: ١٨): (هو ذا عين الرب على خائفيه الراجين رحمته).
فكيف بعد ذلك يعيبون على المسلمين أن الله ذكر صفة العين له في كتابه؟ ! ! ، أم أنهم يكفرون بكتابهم أيضًا؛ لأن فيه هذه الصفة؟ ! !
* * *
стр. 1360
٥ - شبهة: صفة القدم .
نص الشبهة:
قالوا: الله له قدم ويضعها في جهنم.
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يزال يُلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العالمين قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، ثم تقول: قد قد بعزتك وكرمك. ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة" (١).
الجنة والنار يتحاوران والله يتدخل في الحوار ويضع رجله في جهنم
عن أبي هريرة ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "تحاجت الجنة والنار، فقالت: النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها. فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا. (٢)
والرد على ذلك نقول:
صفة القدم والرجل ثابتة لله تعالى في السنة الصحيحة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقول ﷺ : "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه" - وفي رواية: رجله - فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قد قد - وفي رواية: قط قط - بعزتك"، ونحو قوله ﷺ : "فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا"، وقوله ﷺ : "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك أنا الديان"، إلى غيرها من الأحاديث هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها، وفي الآي الواردة في
стр. 1361
الصفات: أنا نقلبها، ولا نحرفها، ولا نكيفها، ولا نعطلها، ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نُعمل رأينا وفكرنا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها؛ بل نؤمن بها، ونكل علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم. روينا عن إسحاق أنه قال: لا نزيل صفة مما وصف الله بها نفسه أو وصفه بها الرسول عن جهتها، لا بكلام، ولا بإرادة، إنما يلزم المسلم الأداء، ويوقن بقلبه أن ما وصف الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاته، ولا يعقل نبي مرسل، ولا ملك مقرب تلك الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب ، فأما أن يدرك أحد من بني آدم تلك الصفات، فلا يدركه أحد ... الحديث إلى آخره. وكما روينا عن مالك والأوزاعي وسفيان والليث وأحمد بن حنبل أنهم قالوا في الأحاديث في الرؤية والنزول: أَمِرُّوها كما جاءت، وكما روى عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى السماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث: إن هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها. اهـ (١)
* * *
стр. 1362
٦ - شبهة: الساق .
نص الشبهة:
قالوا: الله يكشف عن ساقه أمام الناس.
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢].
وفي حديث أبي سعيد الخدري .... وفيه، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ....... الحديث. (١)
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: وصف الله نفسه بأن له ساق، ووصفه رسوله به .
الوجه الثاني: تنازع السلف في المراد بالساق في الآية؛ هل هي صفة، أو أنها غير صفة .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: وصف الله نفسه بأن له ساق، ووصفه رسوله به.
فهو حق نؤمن به من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل كباقي الصفات التي ذكرت في القرآن والسنة الصحيحة.
قال تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢].
وفي حديث أبي سعيد ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدًا. (٢)
الوجه الثاني: تنازع السلف في المراد بالساق في الآية، هل هي صفة، أو أنها غير صفة
قال ابن تيمية: وتمام هذا: أني لم أجدهم تنازعوا إلا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] فروي عن ابن عباس ﵁ وطائفة: أن المراد به الشدة؛ أن الله يكشف عن
стр. 1363
الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة: أنهم عدُّوها في الصفات للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر. (١)
وقال ابن القيم: نقول من أين في ظاهر القرآن أن لله ساقا؟ وليس معك إلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾؛ والصحابة متنازعون في تفسير الآية؛ هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه، ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه؛ وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه: (فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدًا)، ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ مطابق لقوله ﷺ : "فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا"، وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه، قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه؛ فإن لغة القوم في مثل ذلك: أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠]، وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، فالعذاب والشدة هو المكشوف؛ لا المكشوف عنه، وأيضًا فهناك تحدث الشدة وتشتد، ولا تزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا
стр. 1364
يدعون إلى السجود؛ وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة. (١)
وفي خلاصة القول: أن الساق ثبتت في الحديث الصحيح وأضيفت إلى الله تعالى؛ فهي صفة من صفات الذات تليق بجلاله وعظمته .
* * *
стр. 1365
٧ - شبهات حول صفة المحبة لله تعالى .
نص الشبهة:
لقد أثار المعترضون شبهة أن الله في عقيدة المسلمين لا يوصف بالمحبة، وعلى ذلك فالمسلمون لا يعرفون المحبة في دينهم.
المسلم محروم من معرفة عظمة وقوة واتساع محبة الله، لأن القرآن لا يوافق على أن يوصف الله بأنه محبة لأن الله لم يصف نفسه في القرآن بذلك؟
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: صفات الله تعالى غاية في الكمال .
الوجه الثاني: من صفات الله المحبة.
الوجه الثالث: من الأسماء الدالة على المحبة؛ الودود.
الوجه الرابع: ومن الصفات الدال على المحبة صفة الإرادة.
الوجه الخامس: من الصفات الدالة على المحبة الفرح.
الوجه السادس: الله سبحانه يأمر بالمحبة.
الوجه السابع: النبي ﷺ يأمر بالمحبة.
الوجه الثامن: المحبة هي من أصول الإيمان القلبي.
الوجه التاسع: المحبة في كتابهم المقدس وفي تاريخهم.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: صفات الله تعالى غاية في الكمال.
فإن الله قد وصف نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال.
والصفات كما قدمنا على نوعين:
صفات ذات: وهي التي لا تنفك عن ذات الله تعالى: مثل اليد والوجه والقدم والساق والكف وغير ذلك.
وصفات فعل: وهي التي تتعلق بمشيئة الله تعالى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
مثل الغضب والرضا والمحبة والنزول والاستواء ونحو ذلك من صفات الفعل.
стр. 1366
وفي كل هذه الصفات لابد من أن نؤمن بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]
الوجه الثاني: من صفات الله المحبة .
فالله وصف نفسه بالمحبة، وليس كما افترى النصارى أنه ليس له صفات الحبة.
ومحبة الله تعالى للعبد لها أسباب:
والدليل على ذلك من القرآن والسنة:
الدليل من القرآن:
١ - الإنفاق في سبيل الله سبب لحب الله للعبد:
قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤].
٢ - الطهارة من النجاسة والحدث، وكذلك التوبة من الذنوب والمعاصي:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
٣ - اتباع النبي ﷺ مجلبة لمحبة الله تعالى:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
٤ - الوفاء بالعهد سبب لحب الله للعبد:
قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦].
٦ - التوكل على الله وترك الاعتماد بالقلب على البشر سبب في محبة الله:
قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
стр. 1367
٧ - الحكم بالعدل سبب في محبة الله للعبد:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢] قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].
٨ - عدم الخوف في الله لومة لائم سبب لمحبة الله:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
٩ - معاملة غير المسلم بالعدل سبب في محبة الله تعالى:
قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
١٠ - القتال في سبيل الله سبب في محبة الله تعالى:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤].
١١ - إطعام الطعام سبب في حب الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨].
هذا غيض من فيض، وهناك آيات كثيرة تدل على صفة المحبة لله تعالى.
وهناك أمر آخر في القرآن يدل على محبة الله تعالى للعبد، وهو نفي محبة الله لمن فعل ما يغضبه، وحب الله تعالى لمن فعل ضد الفعل.
منها قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].