← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وفي كل هذه الصفات لابد من أن نؤمن بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١] الوجه الثاني: من صفات الله المحبة . فالله وصف نفسه بالمحبة، وليس كما افترى النصارى أنه ليس له صفات الحبة. ومحبة الله تعالى للعبد لها أسباب: والدليل على ذلك من القرآن والسنة: الدليل من القرآن: ١ - الإنفاق في سبيل الله سبب لحب الله للعبد: قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]. ٢ - الطهارة من النجاسة والحدث، وكذلك التوبة من الذنوب والمعاصي: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ٣ - اتباع النبي ﷺ مجلبة لمحبة الله تعالى: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. ٤ - الوفاء بالعهد سبب لحب الله للعبد: قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦]. ٦ - التوكل على الله وترك الاعتماد بالقلب على البشر سبب في محبة الله: قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 1367

٧ - الحكم بالعدل سبب في محبة الله للعبد: قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢] قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]. ٨ - عدم الخوف في الله لومة لائم سبب لمحبة الله: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. ٩ - معاملة غير المسلم بالعدل سبب في محبة الله تعالى: قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. ١٠ - القتال في سبيل الله سبب في محبة الله تعالى: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. ١١ - إطعام الطعام سبب في حب الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]. هذا غيض من فيض، وهناك آيات كثيرة تدل على صفة المحبة لله تعالى. وهناك أمر آخر في القرآن يدل على محبة الله تعالى للعبد، وهو نفي محبة الله لمن فعل ما يغضبه، وحب الله تعالى لمن فعل ضد الفعل. منها قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].

стр. 1368

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]. الدليل من السنة: أما أدلة السنة فكثيرة ولكن نكتفي ببعضها: ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِذَا أَحَبَّ الله الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ في أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ". (١) وفي هذا الحديث دلالة صريحة على صفة المحبة لله تعالى. ٢ - عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال يَوْمَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ. قَال: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلتهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا. فَقَال: أَيْنَ عِليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقِيلَ: هُوَ يَا رَسُولَ الله يَشْتكِي عَيْنَيْهِ. قَال: فَأَرْسلُوا إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ الله ﷺ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. فَقَال عَليٌّ: يَا رَسُولَ الله أُقاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا. فَقَال: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى

стр. 1369

تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله فِيهِ، فَوَالله لَأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ". (١) ٣ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالوا: السَّامُ عَلَيكمْ. قَالتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيكمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ. قَالتْ: فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : مَهْلا يَا عَائِشَةُ إِنَّ الله يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ (٢) ٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله ﷺ : لله تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الجنّةَ وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ. (٣) ٥ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَال: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ ومِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. قَال رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَال: إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجمَال؛ الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ. (٤) الوجه الثالث: من الأسماء الدالة على المحبة؛ الودود . فإن الله تعالى من أسمائه الحسنى: الودود، وهو يدل على كمال المحبة له . قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠]. وقال : ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾ [البروج: ١٤]. قال ابن جرير: وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ يقول تعالى ذكره: وهو ذو المغفرة لمن تاب إليه من ذنوبه، وذو المحبة له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. قال ابن عباس: قوله: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ يقول: الحبيب. (٥)

стр. 1370

وقال القرطبي: (الودود) أي المحب لأوليائه. (١) الوجه الرابع: ومن الصفات الدال على المحبة صفة الإرادة . فإن الله تعالى موصوف بالإرادة، وهي صفة فعل، والله يريد الخير لعباده. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]. وإرادة الشيء تدل على محبته له. الوجه الخامس: من الصفات الدالة على المحبة الفرح . فإن الفرح بالشيء دلالة على حبه له. والفرح صفة من صفات الله تعالى الفعلية، والله تعالى يفرح بتوبة عبده. عن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "للهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ الله، قَال: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ". (٢) الوجه السادس: الله سبحانه يأمر بالمحبة . فقد حث الله ﵎ على الحب له وللمؤمنين في كثير من القرآن منها: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

стр. 1371

وفي هذه الآية حث المؤمنين على حب الله تعالى، ومثلها التحذير الآخر من حب شيء فوق حبه لله مع عدم المنع من حبها. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. ومن رحمته أن ألقى حب موسى في قلب آل فرعون. قال تعالى لأم موسى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]. ومن رحمته أن حث المؤمنين على الإحسان حبا في مغفرة الله تعالى لهم فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قَال أبُو بَكْرٍ: بَلَى وَالله إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَال: وَالله لَا أنزِعُهَا مِنْهُ أبدًا. (١) ولم يمنع الله الحب الطبيعي للكافر نظير نصرته للحق كما قال لنبيه ﷺ في عمه أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. ولم يمنع الله حب الخير ولكن إذا شغل الإنسان عن ذكر الله فهو مذموم، قال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾.

стр. 1372

الوجه السابع: النبي ﷺ يأمر بالمحبة . في أحاديث كثيرة أمر النبي ﷺ بحب الله تعالى، وحبه، وحب المؤمنين، وحب الخير للناس، وحب الناس بعضهم لبعض، منها: ١ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "عَن النَّبِيِّ ﷺ قال: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". (١) ٢ - النبي ﷺ يعلن حبه للأنصار: عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ومَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَكَلَّمَهَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ مَرَّتَيْنِ". (٢) ٣ - النبي ﷺ يعلن عن حبه لأسامة بن زيد: عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ فَقَالوا فِيهِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ قُلْتُمْ فِي أُسَامَةَ، وَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ. (٣) ٣ - النبي ﷺ يعلن عن حب الله ورسوله لعلي بن أبي طالب: عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال يَوْمَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ. قَال: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا؟ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَال: أَيْنَ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ ... الحديث (٤). ٤ - عدة الجنة حب الله ورسوله:

стр. 1373

عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قَال: وَيْلَكَ وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَال: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلا أَنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ. قَال: إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، فَقُلْنَا: وَنَحْنُ كَذَلِكَ؟ قَال: نَعَمْ، فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا فَمَرَّ غُلامٌ لِلْمُغِيرةِ وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي فَقَال: إِنْ أُخِّرَ هَذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". (١) ٥ - الرسول يحث على حب الخير للناس: عَنْ أنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. (٢) ٦ - حث النبي ﷺ على حب الأنصار: عن أنس ﵁: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَال: آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ. (٣) ٧ - ربط النبي ﷺ الإيمان بالحب: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تحَابَبْتُمْ: أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنكمْ (٤). ٨ - حب الجار من الإيمان: عَنْ أنَسٍ: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجارِهِ، - أَوْ قَال لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. (٥). ٩ - ظل الرحمن يُنال بالحب في الله:

стр. 1374

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَال: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ الله فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المُسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَال: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. (١) الوجه الثامن: المحبة هي من أصول الإيمان القلبي . لا شك أن الله سبحانه قد أمر عباده بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وركب فيهم الاختيار والحرية في فعل ذلك أو تركه. قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩] والطاعة الاختيارية لا تكون إلا عن حب. كما قال الشاعر: إن المحب لمن أحب مطيع، فالعبادة مبناها على فعل المأمور وترك المحظور، وفعل المأمور لا يكون إلا عن حب. وترك المحظور لا يكون إلا عن خوف. قال ابن رجب: ومن كان همه طلب محبة الله أعطاه الله فوق ما يريده من الدنيا تبعًا، قال بعض السلف: لما توفي داود ﵇ أرسل الله إلى سليمان ﵇: ألك حاجة تسألني إياها؟ . فقال سليمان: أسأل الله أن يجعل قلبي يحبه كما كان قلب أبي داود يحبه، وأن يجعل قلبي يخشاه كما كان قلب أبي داود يخشاه. فشكر الله له ذلك وأعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. ومحبة الله تعالى على درجتين: إحداهما: واجبة، وهي المحبة التي توجب للعبد محبة ما يحبه الله من الواجبات، وكراهة ما يكرهه من المحرمات، فإن المحبة التامة تقتضي الموافقة لمن يحبه في محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه خصوصًا فيما يحبه ويكرهه من المحب نفسه، فلا

стр. 1375

تصح المحبة بدون فعل ما يحبه المحبوب وكراهة ما يكرهه المحبوب. وسئل بعض العارفين عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد: ولو قلتَ لي: مُتْ مُتُّ سمعًا وطاع ... وقلتُ لداعي الموت: أهلًا ومرحبا وأنشد بعضهم: تعصى الإلهَ وتزعُمُ حبَّه ... هذا لعمري في القياسِ شنيعُ لو كان حبُّك صادقًا لأطعته ... إن المحبَّ لمن يحبُّ مُطيعُ ومتى أخل العبد ببعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحرمات فمحبته لربه غير تامة، فالواجب عليه المبادرة بالتوبة، والاجتهاد في تكميل المحبة المفضية لفعل الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها، وهذا معنى قول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". فإن الإيمان الكامل يقتضي محبة ما يحبه الله، وكراهة ما يكرهه الله والعمل بمقتضى ذلك، فلا يرتكب أحد شيئًا من المحرمات أو يخل بشيء من الواجبات إلا لتقديم هوى النفس المقتضي لارتكاب ذلك على محبة الله تعالى المقتضية لخلافه. الدرجة الثانية من المحبة: درجة المقربين، وهي أن يمتلئ القلب بمحبة الله تعالى حتى توجب له محبة النوافل، والاجتهاد فيها، وكراهة المكروهات، والانكفاف عنها، والرضا بالأقضية والأقدار المؤلمة للنفوس لصدورها عن المحبوب، كما قال عامر بن قيس: أحببت الله حبًا هوّن عليَّ كل مصيبة، ورضَّاني بكل بلية، فلا أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت عليه ولا على ما أمسيت. وقال عمر بن عبد العزيز لما مات ولده الصالح: إن الله أحب قبضه، وإني أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبة الله. وكان يقول: إذا أصبحت فمالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر. يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وِجدَانُنا كلَّ شيءٍ بعدَكم عدمُ

стр. 1376

إن كان سرَّكم ما قد بُليت به ... فما لجرحٍ إذا أرضاكُمُ ألمُ (١) الوجه التاسع: المحبة في كتابهم المقدس وفي تاريخهم . أما المحبة في كتابهم المقدس فقد وردت على النحو التالي: ١ - الله محبة. وردت في سفر أيوب في موضعين: الموضع الأول: (ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة) (١ يو ٤: ٨) الموضع الثاني: (ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه) (١ يو ٤: ١٦). وعندما نتجه إلى الموضع الأول: (من لا يحب لا يعرف الله). ونقول هذا قول فيه نظر: لأن المعرفة تختلف عن الحب، فليس كل ما يعرفه الإنسان يحبه، وإلا ما كانت هناك كراهية! ! ! فكثير من الناس يعرفون الله تعالى، ومع ذلك تحمل قلوبهم الكراهية للمؤمنين والرسل، قال تعالى عن اليهود والنصارى في شأن النبي محمد ﷺ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وكلمة (من لا يحب) عامة تشمل الحب الغريزي والحب الإيماني. فنجد أن الشيوعي والملحد والكافر فيهم غريزة الحب لكثير من الناس. وإيصال الخير لهم. ومع ذلك ليسوا بمؤمنين. ولكن الإسلام لم يربط الحب بالمعرفة، وإنما بالإيمان، وهذا أبلغ في الوصف وأدق. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وقول الرسول ﷺ : "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحبَّ المَرْءَ لا يُحبُّهُ إِلا للهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ".

стр. 1377

ففي الآية والحديث ربط الإيمان بالحب، وليس ربط الحب بالمعرفة. وأما الكلام عن الموضع الثاني فهو أشد من الأول: فهم يقولون: (ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا، الله محبة، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله، والله فيه) فقولهم (ومن يثبت في المحبة يثبت في الله، والله فيه) هذا دلالة على حلول الله في العبد، وهي عقيدة خبيثة درج عليها النصارى. وتدل على أن الله قد يوجد في جميع البشر ليس الأمر خاصًّا بحلول اللاهوت في الناسوت كما صوروا ذلك مع المسيح ﵇؛ بل صار الأمر أعم من ذلك؛ فكل من يحب يحل الله فيه، فكل المحبين آلهة؛ وليس المسيح فقط. كما أنهم يدعون أن المسيح هو ابن الله ثم يعودون ويقولون (طوبى لصانعي السلام. فإنهم أبناء الله يدعون) وكل هذا تناقض في العبارات دلالة على تحريفهم لكتابهم كما هو مبين في موضعه. وفي موضع آخر من سفر يوحنا (انظروا أية محبة أعطانا الأب حتى ندعى أولاد الله من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه) (١ يو ٣: ١) ٢ - محبة الناس مخالفة لمحبة الله. فها هم يدعون إلى ترك محبة الناس فقد جاء في يوحنا ١: (لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الأب) (١ يو ٢: ١٥). وهي دعوة صريحة للكراهية وحب النفس. ٣ - محبة المال أصل لكل شر. والمال هو عصب الحياة، وحبه أمر فطري غريزي لا ينكره أحد من البشر. ولكنهم هنا يناقضون الفطرة والغريزة في ذلك فقد جاء في رسالة بولس الأولى: (إن محبة المال أصل لكل الشرور الذي إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة) (١ تي ٦: ١٠). وأما في الإسلام فقد قال الله تعالى: ﴿الْمَال وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦].

стр. 1378

ثم حذر أن يلهيه المال عن طاعة الله تعالى فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. ٣ - وصايا في كتاب لوقا يعمل النصارى بعكسها تمامًا جاء في إنجيل لوقا الإصحاح السادس: ٢٧ "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، ٢٨ بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. ٢٩ مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أيضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلَا تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أيضًا. ٣٠ وَكُلُّ مَنْ سَأَلكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلَا تُطَالِبْهُ. ٣١ وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أيضًا بِهِمْ هكَذَا. ٣٢ وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أيضًا يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. ٣٣ وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أيضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا. ٣٤ وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أيضًا يُقْرِضُونَ الْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ المثْلَ. ٣٥ بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لَا تَرْجُونَ شَيْئًا، فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيمًا وَتَكُونُوا بَنِي الْعَليِّ، فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ. ٣٦ فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أباكُمْ أيضًا رَحِيمٌ. ٣٧ "وَلَا تَدِينُوا فَلَا تُدَانُوا. لَا تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلَا يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ". ولننظر في تاريخ النصارى على مر العصور ماذا فعلوا بأعدائهم حتى بني جلدتهم؟ ، وكيف أن الحرب العالمية الأولى والثانية قد راح ضحيتها أكثر من سبعين مليون نسمة دون فائدة تعود لأحد الأطراف. ولننظر إلى الحرب الصليبية وكم قتلوا من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والشباب؟ ! ولننظر إلى الحركات الاستعمارية في الأمريكتين، كم قتلوا من السكان الأصليين؟ كما جاء في بعض الإحصائيات أكثر من مليار، وماذا فعلوا في أفريقيا والهند والدول التي استعمروها؟ نهبوا الأموال وقتلوا الناس واستعبدوهم.

стр. 1379

وماذا فعلوا في البوسنة والهرسك؟ ، وماذا فعلوا في الشيشان ولا يزالوا يفعلون؟ ، وماذا فعل الأمريكان وحلفائهم في أفغانستان والعراق؟ ولو نظرنا إلى حركات التشويه والسب في نبي الإسلام والله على صفحات الانترنت، وفي الفضائيات والصحف وغيرها من وسائل الإعلام لرأينا أن كل هذا يناقض ما جاء في إنجيل لوقا. وهذا إذا دل فإنما يدل على أن هؤلاء لا دين لهم صحيح يرتكزون عليه؛ إنما هو الهوى والتحريف بحسب هواهم (١). * * *

стр. 1380

٨ - شبهة: أن الله خلق آدم على صورته . نص الشبهة: في قوله ﷺ : "خَلَقَ الله آدَمَ عَلَى صُورَتهِ"، استشكل البعض؛ حيث فهموا أن القول بإعادة الضمير على الله تعالى في هذا الحديث يلزم منه التشبيه، تشبيه صورة آدم بصورة الله تعالى. والرد من وجوه: الوجه الأول: الأحاديث الواردة في هذا الباب ، وبيان درجتها. الوجه الثاني: أقوال أهل العلم في الأحاديث. الوجه الثالث: ترجيح القول الأول (أن الضمير يعود على الله، والصورة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف)، ولإثبات الصورة لله تعالى، والرد على الأقوال الأخرى. الوجه الرابع: المعنى الصحيح للحديث. الوجه الخامس: وجوب الإيمان بظاهر الكتاب والسنة، وأنه حق. الوجه السادس: وماذا عن هذا الوصف الذي ذكره الكتاب المقدس؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: الأحاديث الواردة في هذا الباب. ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: خَلَقَ الله آدَمَ عَلَى صورَتهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَال: اذْهَبْ؛ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفرِ مِنْ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ الله، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ (١). ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتهِ" (٢).

стр. 1381

٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَجَنَّبْ الْوَجْهَ، وَلَا تَقُلْ قَبَّحَ الله وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ؛ فَإِنَّ الله تَعَالى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتهِ" (١). ٣ - عَنِ ابْنِ عُمَر ﵄ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : لا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ تَعَالى (٢).

стр. 1382

الوجه الثاني: أقوال أهل العلم . اختلف أهل العلم - رحمهم الله تعالى - في هذه الأحاديث وما في معناها على أقوال كثيرة، واختلفوا على أي شيء يعود الضمير في قوله ﷺ (خلق الله آدم على صورته)، ويمكن أن تُقسم أقوالهم في هذا الحديث إلى خمسة أقوال: القول الأول: أن الضمير يعود على الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. القول الثاني: أن الضمير يعود على الله من باب إضافة الخالق إلى المخلوق. القول الثالث: أن الضمير يعود على المضروب. القول الرابع: أن الضمير يعود على آدم. القول الخامس: إنكار التحدث بهذا الحديث. وفيما يلي بيان لهذه الأقوال، وترجيح الصحيح منها: القول الأول: أن الضمير يعود على الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.

стр. 1383

وعلى هذا جمهور أهل السنة؛ بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ممن انتصر لهذا القول وأطال الكلام جدًّا على هذا الحديث، قال: لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في الحديث عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك (١). وممن أثبت أن الصورة لله تعالى بهذا الحديث: إسحاق بن راهوية، والإمام أحمد. فعن إسحاق الكوسج أنه قال: قلت لأحمد (لا تقبحوا الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته) (٢)، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح. وقال ابن راهوية: صحيح ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي (٣). وسُئل الإمام أحمد فقيل له: يا أبا عبد الله الحديث الذي روي عن النبي ﷺ (أن الله خلق آدم على صورته) على صورة آدم؟ فقال: فأين الذي يروي عن النبي (أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن) (٤). وأي صورة كانت لآدم قبل أن يُخلق؟ (٥).

стр. 1384

وصرح الإمام أحمد بأن القول: بإعادة الضمير على آدم أو على الرجل المضروب قول الجهمية، فقال: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة لآدم قبل أن يخلقه؟ (١). وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قال رجل لأبي: إنّ فلانًا يقول في حديث رسول الله ﷺ : (إنّ الله خلق آدم على صورته) فقال: على صورة الرجل، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا (٢). وممن قال بهذا القول أيضًا الآجري ﵀، فقد عقد بابًا بعنوان (الإيمان بأن الله خلق آدم على صورته بلا كيف)، ثم ساق هذا الحديث بطرق متعددة، ثم قال: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها كيف، ولم؛ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر (٣). وقال به أيضًا ابن قتيبة، وأبو يعلى الفراء، وأبو إسماعيل الهروي، فقد عقد بابًا بعنوان: (إثبات الصورة لله (٤). ثم ساق تحته حديث أبي هريرة (خلق الله آدم على صورته). وكذا قوام السنة إسماعيل التيمي الأصبهاني (٥)، والشيخ أبو بطين (٦)، وعبد العزيز بن باز (٧)، ومحمد العثيمين (٨) - عليهم رحمة الله-.

стр. 1385

واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ظاهر النصوص السابقة والتي فيها قوله ﷺ (خلق الله آدم على صورته). والأصل حمل اللفظ على ظاهره وذلك بإرجاع الضمير إلى الله تعالى، وقد قال الإمام أحمد ﵀ عند هذا الحديث: وإذا ثبتت صحته فغير ممتنع الأخذ بظاهره من غير تفسير ولا تأويل (١). وسُئل ﵀ عنه فقال: لا نفسره، كما جاء الحديث (٢). قال القاضي أبو يعلى تعليقًا على هذا الكلام: فقد صرح بالقول بالأخذ بظاهره والكلام فيه في فصلين: أحدهما: جواز إطلاق تسمية الصورة عليه سبحانه، والثاني: في إطلاق القول بأنه خلق آدم على صورته وأن الهاء راجعة على الرحمن (٣). وسُئل الإمام أحمد أيضًا فقال: نقول كما جاء الحديث (٤). ٢ - حديث ابْنِ عُمَر قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : لا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ تَعَالى. فقالوا: هذا نص صحيح صريح غير قابل للتأويل (٥). القول الثاني: أن الضمير يعود على الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه. كما في قوله (ناقة الله)، وكما يقال في الكعبة (بيت الله) وهكذا، وبهذا جزم ابن خزيمة بناءً على افتراض صحة حديث (على صورة الرحمن) فقال بعد ما أعلَّ الحديث بما تقدم: فإن صح هذا الخبر مسندًا بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت، وحبيب

стр. 1386

قد سمعه من عطاء بن أبي رباح، وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش، فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه، لأن الخلق يضاف إلى الرحمن، إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن؛ لأن الله صورها، ألم تسمع قوله : ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، فأضاف الله الخلق إلى نفسه؛ إذ الله تولى خلقه إلى آخر كلامه، وكذاك قوله : ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه (١). وقال النووى: وَقَالتْ طَائِفَة: يَعُود إِلَى الله تَعَالى، ويكُون المُرَادُ إِضَافَة تَشْرِيف وَاخْتِصَاص كَقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وَكَما يُقَال فِي الْكَعْبَة: بَيْت الله وَنَظَائره. وَالله أَعْلَم (٢). القول الثالث: أن الضمير في قوله (على صورته) عائد على المضروب: قال النووى ﵀: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيله فَقَالتْ طَائِفَة: الضَّمِير فِي (صُورَته) عَائِد عَلَى الأخ المَضْرُوب، وَهَذَا ظَاهِر رِوَايَة مُسْلِم (٣). وقال ابن حجر ﵀: وَاخْتُلِفَ فِي الضَّمير عَلَى مَنْ يَعُود؟ فَالْأكثَر على أنَّهُ يَعُودُ عَلَى المَضْرُوبِ لِما تَقَدَّمَ مِنْ الْأَمْر بِإِكْرَامِ وَجْهه، وَلَوْلَا أَنَّ المُرَاد التَّعْلِيل بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الجُمْلَة اِرْتِبَاط بِمَا قَبْلهَا (٤). ولعل مراد الحافظ بقوله (فالأكثر ... )، أي: أكثر أهل التأويل كابن حبان والبيهقي والقاضي عياض والقرطبي وغيرهم (٥). وقال أبو حاتم: يريد به صورة المضروب، لأن الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم

стр. 1387

ضرب وجهًا خلق الله آدم على صورته (١). وهذا القول لا يُعرف عند أحد من أهل السنة سوى ابن خزيمة وابن منده. قال ابن خزيمة: تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَحَرَّ الْعِلْمَ أَنَّ قَوْلَهُ: "عَلَى صُورَتهِ" يُرِيدُ صُورَةَ الرَّحْمَنِ عَزَّ رَبُّنَا وَجَلَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى الْخَبَرِ، بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: "خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتهِ"، الْهَاءُ فِي هَذَا الموْضِعِ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ المَضْرُوبِ، وَالمَشْتُومِ، أَرَادَ ﷺ أَنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ هَذَا المَضْرُوبِ، الَّذِي أَمَرَ الضَّارِبَ بِاجْتِنَابِ وَجْهِهِ بِالضَّرْبِ، وَالَّذِي قَبَّحَ وَجْهَهَ، فَزَجَرَ ﷺ أَنْ يَقُولَ: "وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ"، لِأَنَّ وَجْهَ آدَمَ شَبِيهُ وُجُوهِ بَنِيهِ، فَإِذَا قَال الشَّاتِمُ لِبَعْضِ بَنِي آدَمَ: قَبَّحَ الله وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، كَانَ مُقَبِّحًا وَجْهَ آدَمَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، الَّذِي وُجُوهُ بَنِيهِ شَبِيهَةٌ بِوَجْهِ أَبِيهِمْ، فَتَفَهَّمُوا رَحِمكُمُ الله مَعْنَى الخبرِ، لَا تَغْلَطُوا وَلَا تَغَالطُوا فَتَضِلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَتَحْمِلُوا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْبِيهِ الَّذِي هُوَ ضَلَالٌ (٢). وقال ابن بطال: وذهب طائفة إلى أن الحديث إنما خرج على سبب، وذلك: "أن النبي ﷺ مر برجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه لطخًا ويقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك فقال ﷺ ، وذكره (٣). وقال البدر العيني: واختلف في مرجع هذا الضمير، فعند الأكثرين يرجع إلى المضروب وهذا حسن (٤). واستدل من قال بأن الضمير يعود على المضروب بما يلي:

стр. 1388

١ - التعليل في قوله ﷺ : (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، فقوله (فإن الله خلق آدم على صورته) بيان لسبب النهي عن ضرب الوجه، وهو أن آدم ﵇ خُلق على صورة المضروب، ولذلك عنون ابن حبان على هذا الحديث بقول (ذكر العلة التي من أجلها زُجر عن هذا الفعل) (١). وقال البيهقي: وإنما أرادوا - والله أعلم - أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب (٢). ٢ - حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسولُ الله ﷺ : "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ، وَلَا تَقُلْ قبَّحَ الله وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ؛ فَإِنَّ الله تَعَالى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتهِ" (٣). قال ابن حجر: وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك (٤). ونقد استدلال ابن خزيمة بهذا الحديث. ٣ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه، قال ابن خزيمة عن هذه الأحاديث: تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عالمًا من أهل الجهل والغباوة، حملهم الجهل بمعنى الخبر على القول بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل وجهه، الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفي الهلاك عنه (٥). قال ابن بطال: إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته، فزجره النبي ﷺ عن ذلك؛ لأنه قد سب الأنبياء ﵈ والمؤمنين وخص آدم بالذكر؛ لأنه هو الذى ابتدئت خِلقة وجهه على الحدِّ الذى تخلَّق عليها سائر ولده، فالهاء على هذا الوجه كناية عن المضروب في وجهه (٦).

стр. 1389

وقال ابن قتيبة: وزاد قوم في الحديث أنه ﷺ مر برجل يضرب وجه رجل آخر فقال: لا تضربه؛ فإن الله تعالى خلق آدم ﵇ على صورته أي على صورة المضروب (١). القول الرابع: أن الضمير يعود على آدم نفسه: قال النووى في قوله (على صورته): هَذِهِ الرِّوَايَة ظَاهِرَة فِي أَنَّ الضَّمِير فِي (صورَته) عَائِد إِلَى آدَم، وَأَنَّ المُرَاد أنَّهُ خُلِقَ فِي أَوَّل نَشْأَته عَلَى صورَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْأَرْض، وَتُوُفِّيَ عَلَيْهَا، وَهِيَ طُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَلَمْ يَنْتَقِل أَطْوَارًا كَذُرِّيتِهِ، وَكَانَتْ صورَته فِي الجنَّة هِيَ صورَته فِي الْأَرْض لَمْ تَتَغَيَّر (٢). وقال ابن حجر: وَاخْتُلِفَ إِلَى مَاذَا يَعُود الضَّمِير؟ فَقِيلَ: إِلَى آدَم، أَيْ خَلَقَهُ عَلَى صورَته الَّتِي اِسْتَمَرَّ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ أُهْبِطَ وَإِلَى أَنْ مَاتَ؛ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَظُنّ أنَّهُ لمَّا كَانَ فِي الجنَّة كَانَ عَلَى صِفَة أُخْرَى (٣). وقال في قوله (سِتُّونَ ذِرَاعًا): وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَال إِنَّ الضَّمِير لِآدَم، وَالمعْنَى أَنَّ الله تَعَالى أَوْجَدَهُ عَلَى الْهَيْئَة الَّتِي خَلَقَهُ عَلَيْهَا لَمْ يَنْتَقِل فِي النَّشْأَة أَحْوَالًا، وَلَا ترَدَّدَ فِي الْأَرْحَام أَطْوَارًا كَذُريَّتِهِ (٤). وقال ابن منده: اختلف أهل التأويل في معنى هذا الحديث، وتكلموا على ضروب شتى، والأحسن أن الله تعالى خلق آدم على صورته، معناه: لم يخلقه طفلًا ثم صبيًّا ثم كهلًا ثم شيخًا، هو الأصح منها، وإنما أراد النبي ﷺ بهذا الكلام أن الله ﷺ خلق بني آدم على صورة آدم ﵇ فإذا شتم أحد من ولده ومن يشبه وجهه فقد شتم آدم ﵇، فنهى عن ذلك (٥).

стр. 1390

قال ابن بطال: قال ابن فورك: فذهب طائفة إلى أن الهاء من "صورته" راجعة إلى آدم ﵇، وأفادنا بذلك ﵇ إبطال قول الدهرية أنه لم يكن قط إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان فيما مضى ويأتي، وليس لذلك أول ولا آخر (١). قال المناوى في فيض القدير: أي على صورة آدم التي كان عليها من مبدأ فطرته إلى موته لم تتفاوت قامته، ولم تتغير هيئته بخلاف بنيه (٢). قال الكلاباذى: ومعنى قوله: خلق الله آدم على صورته التي كان عليها يوم قبض أي: لم يكن علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم مكسوا لحما؛ بل خلق على الصورة التي كان بها (٣). وقال العينى: قوله "على صورته" أي: على صورة آدم، لأنه أقرب أي خلقه في أول الأمر بشرًا سويًّا كامل الخلقة طويلًا ستين ذراعًا كما هو المشاهد بخلاف غيره (٤). وممن قال بذلك أبو ثور، وابن ثور، وابن خزيمة، والخطابي، وأبو الشيخ الأصبهاني، وابن منده، والبيهقي، فقد نقل قول الخطابي وأقره عليه (٥)، والقاضي عياض (٦)، والقرطبي (٧). وعزاه ابن قتيبة إلى أهل الكلام (٨)، وهو كما قال (٩)، فإن هذا القول لا يُعرف لأحد من أهل السنة غير أبي ثور، وابن خزيمة، وأبي الشيخ، وابن منده ﵏. قال أبو ثور: إنما هو على صورة آدم ليس هو على صورة الرحمن (١٠).

стр. 1391

وقال ابن خزيمة: فصورة آدم ستون ذراعًا، التي أخبر النبي ﷺ أن آدم خُلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته، جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار، قد نزه الله نفسه وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (١). وقال الخطابي: الهاء كناية عن اسمين ظاهرين فلا يصح أن يضاف إلى الله لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فكان مرجعها إلى آدم ﵇ فالمعنى أن ذرية آدم إنما خُلقوا أطوارًا كانوا في مبدأ الخلقة نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم صاروا صور أجنة إلى أن تتم مدة الحمل فيولدون أطفالا، وينشؤون صغارًا إلى أن يكبروا فتطول أجسامهم، يقول: إن آدم لم يكن خلقه على هذه الصفة، لكنه أول ما تناولته الخلقة وجد خلقًا تامًا طوله ستون ذراعًا (٢). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ... ). قال القاضي عياض: قوله هنا (طوله ستون ذراعًا) يبين الإشكال ويزيح التشابه ويوضح أن الضمير راجع إلى آدم نفسه (٣). وقال ابن حجر: بعد ذكره لهذا الحديث: وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَال: إِنَّ الضمِير لِآدَم، وَالمَعْنَى: أَنَّ الله تَعَالى أَوْجَدَهُ عَلَى الهَيْئَة الَّتِي خَلَقَهُ عَلَيْهَا لَمْ يَنتقِل فِي النَّشْأَة أَحْوَالًا (٤).

стр. 1392

٢ - أن حمل هذا الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه، فالحامل لهم على هذا التأويل هو الفرار من التشبيه (١). الوجه الثالث: إثبات الصورة لله ﵎، وترجيح القول الأول، والرد على الأقوال الأخرى . مما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف على ما جاء في القول الأول، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع. أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢). قال ابن تيمية: هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في الحديث عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك ... ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصفهاني، وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة (٣). قال ابن قتيبة: والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست أعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من

стр. 1393

هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن. ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد (١). وقال القاضي أبو يعلى: والوجه فيه: أنه ليس في حمله على ظاهره، ما يزيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه، لا كالصور، كما أطلقنا تسمية: ذات، ونفس، لا كالذوات والنفوس (٢). وقد جاءت عدة أحاديث صحيحة في إثبات الصورة لله تعالى غير ما تقدم، ومن ذلك ما يلي: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال أُناسٌ يَا رَسولَ الله هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَال: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالوا: لَا يَا رَسولَ الله. قَال: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالوا: لَا يَا رَسولَ الله. قَال: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ. يَجْمَعُ الله النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمْ الله فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِالله مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أتانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمْ الله فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنا رَبُّكُمْ، فَيَقُوُلونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ (٣). قال ابن حجر: المعْنَى: يَأْتِيهِمْ الله بِصورَةِ - أَيْ بِصِفَةٍ - تَظْهَر لهمْ مِن الصُّوَر المخْلُوقَة الَّتِي لَا تُشْبِهُ صِفَة الْإِلَه لِيَخْتَبِرَهُمْ بِذَلِكَ، فَإِذَا قَال لَهُمْ هَذَا الملَك: أنا رَبّكُمْ وَرَأَوْا عَلَيْهِ مِنْ عَلَامَة المَخْلُوقِينَ مَا يَعْلَمُونَ بِهِ أنَّهُ لَيْسَ رَبَّهُمْ اِسْتَعَاذُوا مِنْهُ لِذَلِكَ (٤). وقال النووى: فَالمُرَاد بِالصُّورَةِ هُنَا الصِّفَة، وَمَعْنَاهُ: فَيَتَجَلَّى الله لهُمْ عَلَى الصِّفَة الَّتِي يَعْلَمُونَهَا وَيَعْرِفُونَهُ بِهَا، وَإِنَّما عَرَفُوهُ بِصِفَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَقَدَّمَتْ لهُمْ رُؤْيَة لَهُ

стр. 1394

سُبْحَانه وَتَعَالى؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ لَا يُشْبِه شيئًا مِنْ مَخْلُوقَاته، وَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لَا يُشْبِه شيئًا مِنْ مَخْلُوقَاته، فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ رَبّهمْ فَيَقُولُونَ: أنتَ رَبّنَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصُّورَةِ عَنْ الصِّفَة لمُشَابَهَتِهَا إِيَّاهَا، وَلمُجَانَسَةِ الْكَلَام فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْر الصُّورَة (١). قال القاضي أبو يعلى: اعلم أن هذا الخبر يدل على إثبات الصورة وعلى الإتيان ... ، وأنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور (٢). وأيضًا من الأدلة على إثبات الصورة حديث أبي سعيد الخدري في الرؤية، وهو بمعنى الحديث السابق وفيه: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أتاهُمْ رَبُّ الْعَالمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا (٣). الرد على الأقوال الأخرى: أولًا: الرد على القول بأن الضمير يعود على غير الله تعالى، إما على المضروب وإما على آدم ﵇: فنقول: هذا تأويل بعيد جدًّا عن ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، كما أن في هذا القول موافقة لأهل الكلام المحرفين لنصوص الصفات عن ظاهرها، ولهذا قال الإمام أحمد: هذا التأويل من تأويلات الجهمية، وأنكره أشد الإنكار (٤). فقال: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي (٥). وعند التأمل نجد أن الشبهة التي أوقعت إمام الأئمة ابن خزيمة وغيره في هذا التأويل هي: توهم التشبيه، ولذلك اجتهد في تأويله وصرفه عن ظاهره، فجعل متعلق الضمير في كل حديث غيره في الحديث الآخر، ففي حديث (إذا قاتل أحدكم ... )، جعل الضمير

стр. 1395

عائدًا إلى المضروب، فلما أتى إلى حديث (خلق الله آدم على صورته)، ورأى أن هذا التأويل لا يستقيم جعله عائدًا إلى آدم ﵇. ولما أتى إلى حديث ابن عمر: (فإن ابن آدم خُلق على صورة الرحمن)، فجعله على فرض صحته من باب إضافة الخلق إلى خالقه، كل ذلك فرارًا من التشبيه، فهذا يؤكد أنه لجأ إلى تأويل هذا الحديث، لتوهمه أن حمله على ظاهره يقتضي التشبيه، فأوَّله تنزيهًا لله تعالى عن صفات المخلوقين. وقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب كتاب الترغيب والترهيب: أخطأ محمد بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه ذلك؛ بل لا يُؤخذ عنه هذا فحسب. قال أبو موسى المديني (ناقل هذا الكلام): أشار بذلك إلى أنه قَلَّ من إمام إلا وله زلة، فإن تُرك ذلك الإمام لأجل زلته، تُرك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يُفعل (١). قال الذهبي: وقد تأول ابن خزيمة في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف، فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه، وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه (٢). ثم إن هذا الحديث ليس في حمله على ظاهره ما يقتضي التشبيه؛ بل نحن نثبته ونجريه على ظاهره مع نفي التشبيه. ثانيا: الرد على القول بأن الضمير يعود على الله، وجعل إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه: والرد على ذلك من وجوه:

стр. 1396

أحدها: أنه لم يكن قبل خلق آدم صورة مخلوقة خلق آدم عليها، فقول القائل: على صورة مخلوقة لله، وليس هناك إلا صورة آدم بمنزلة قوله: على صورة آدم، وقد تقدم إبطال هذا. ثانيها: أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها كالناقة والبيت والأرض والفطرة التي هي مفطورة، فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة، إذا أُضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، وهذا هو الفرق بين الأمرين. ثالثها: أن هذا الوجه المضروب هو في كونه مخلوقًا مملوكًا لله بمنزلة الصورة المملوكة لله، فلو كان قد نهى عن ضرب هذا لكونه ذاك، لكان التشبيه من باب العبث؛ لأن العلة في المشبه به، مثل من يقول لأحد بنيه: إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة. رابعها: أن العلم بأن الله خلق آدم هو من أظهر العلوم عند العامة والخاصة، فإذا لم يكن في قوله (على صورته) معنى، إلا أنها الصورة التي خلقها وهي ملكه، لكان قوله (خلق آدم كافيًا) (١). الوجه الرابع: المعنى الصحيح لقوله: (خلق الله آدم على صورته) . بعد ما أثبتنا الصورة لله ﵎، وقلنا: إن معنى هذا الحديث أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، فماذا يكون المعنى الصحيح للحديث؟ . فنقول مستعينين بالله: للعلماء فيه قولان: القول الأول: إمرار اللفظ كما جاء، فنؤمن به من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تأويل. القول الثاني: أن يكون له معنى لا يخرج عن مذهب أهل السنة والجماعة، ويليق بجلال الله ﵎. فممن قال بالقول الأول: قوام السنة إسماعيل التيمي قال: فصل في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة أن لله وجهًا ويدين وسائر ما أخبر

стр. 1397

الله تعالى به عن نفسه موجبًا تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي ﷺ : (خلق الله آدم على صورته) بموجبة نسبة التشبيه إليهم؛ بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله فهو حق، قول إله حق وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول، ورسوله أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم، وحسبنا الله ونعم الوكيل (١). فالواجب إذا جاءت الآية من كتاب الله تعالى أو صح الحديث عن رسول الله ﷺ الإيمان والتصديق بهما، واعتقاد ما جاء فيهما، والتسليم والانقياد لهما، ولا يجوز السؤال عن كيفية ما جاء فيهما من الصفات، فإن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا عن كيفية هذه الصفات، فنكل علمها إلى الله تعالى، مع اعتقادنا أنها لا تماثل صفات المخلوقين، فالله تعالى قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢). قال ابن بطة: كل ما جاء من هذه الأحاديث، وصحت عن رسول الله ﷺ ففرض على المسلمين قبولها، والتصديق بها، والتسليم لها، وترك الاعتراض عليها، وواجب على من قبلها، وصدَّق بها أن لا يضرب لها المقاييس، ولا يتحمل لها المعاني والتفاسير، لكن تُمر على ما جاءت، ولا يقال فيها: لم؟ ولا كيف؟ إيمانًا بها وتصديقًا، ونقف من لفظها وروايتها حيث وقف أئمتنا وشيوخنا، وننتهي منها حيث انتُهي بنا، كما قال المصطفى نبينا ﷺ بلا معارضة، ولا تكذيب، ولا تنقير، ولا تفتيش، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل، فإن الذين نقلوها إلينا هم الذين نقلوا إلينا القرآن وأصل الشريعة، فالطعن عليهم، والرد لما نقلوه من هذه الأحاديث طعن في الدين، ورد لشريعة المسلمين ومن فعل ذلك فالله حسيبه، والمنتقم منه بما هو أهله (٣).

стр. 1398

وقال الكرجي: بعد ما ساق عددًا من أحاديث الصفات والتي منها (خلق الله آدم على صورته) ... إلَى غَيْرِهَا مِن الْأَحَادِيثِ، هَالتْنَا أَوْ لَمْ تَهُلْنَا، بَلَغَتْنَا أَوْ لم تَبْلُغْنَا، اعْتِقَادُنَا فِيهَا وَفِي الْآيِ الْوَارِدَةِ فِي الصِّفَاتِ: ألَا نَقْبَلُهَا وَلَا نُحَرِّفُهَا، وَلَا نُكَيِّفُهَا، وَلَا نُعَطِّلُهَا، وَلَا نَتَأَوَّلُها، وَعَلَى الْعُقُولِ لَا نَحْمِلُهَا، وَبِصِفَاتِ الْخَلْقِ لَا نُشَبِّهُهَا، وَلَا نُعْمِلُ رَأيَنا وَفِكْرَنَا فِيهَا، وَلَا نَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا نَنْقُصُ مِنْهَا؛ بَلْ نُؤْمِنُ بِهَا وَنَكِلُ عِلْمَهَا إلَى عَالمِهَا كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَهُمْ الْقُدْوَةُ لَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ (١). وقال الذهبي: أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء (٢). قال محمد بن الحسين: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين (٣). وقال النووي: هذا من أحاديث الصفات ومذهب السلف أنَّهُ لَا يُتكَلَّم فِي مَعْنَاهَا؛ بَلْ يَقُولُونَ: يَجِب عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِن بِهَا وَنَعْتَقِد لَهَا مَعْنًى يَلِيق بِجَلَالِ الله تَعَالى مَعَ اِعْتِقَادنَا الجْازِم أنَّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء، وَهَذَا الْقَوْل اختاره جَمَاعَة مِنْ محققي المتكَلِّمِينَ، وَهُوَ أَسْلَم، وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُتَأَوَّل عَلَى مَا يَلِيق بِهَا عَلَى حَسَب مَوَاقِعهَا (٤). وأما من قالوا بأن له معنى يليق بالله، ولا نشبه فيه الله بالمخلوقين، فهو أن نقول: إن آدم ﵇ خُلق ذا وجه متصفًا بصفة السمع والبصر والكلام، كما أن الله تعالى كذلك، فهو مخلوق على صورة الله من هذه الحيثية، ولا يلزم من ذلك المماثلة.

стр. 1399

قال ابن القيم: وقوله: (خلق آدم على صورة الرحمن)، لم يُرد به تشبيه الرب وتمثيله بالمخلوق، إنما أراد به تحقيق الوجه، وإثبات السمع والبصر والكلام صفةً ومحلًا، والله أعلم (١). قال الشوكاني: قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيًّا عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا مدبرًا حكيمًا، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته "يعني: على صفاته التي تقدم ذكرها. قلت: وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]. (٢) وقال ابن باز: والمعنى والله أعلم أنه خلق آدم على صورته ذا وجه وسمع وبصر يسمع ويتكلم ويبصر ويفعل ما يشاء، ولا يلزم أن يكون الوجه كالوجه والسمع كالسمع والبصر كالبصر .. وهكذا لا يلزم أن تكون الصورة كالصورة (٣). قال ابن تيمية: من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم بين جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر صورة السماوات والقمر في الماء أو في مرآة في غاية الصغر، ويقال هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السماوات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر (٤). وقال ابن عثيمين: الذي قال: "إن الله خلق آدم على صورته" رسول الذي قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، والرسول ﷺ لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسل، والذى قال: "خلق آدم على صورته": هو الذى قال: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر"،

стр. 1400

فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه؟ فإن قلت بالأول، فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين، وليس لهم آناف، وليس لهم أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار. وإن قلت بالثاني، زال الإشكال، وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه (١). وخلاصة الكلام أن الصورة هنا بمعنى الصفة؛ لأن الصورة في اللغة تطلق على الصفة كما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر" يعني على صفة القمر من الوضاءة والنور والضياء، فقوله ﷺ (إن الله خلق آدم على صورته)؛ يعني خلق آدم على صورة الرحمن؛ يعني على صفة الرحمن، ووجود الصفة في المخلوق لا يماثل وجودها في الخالق، فالله له سمع وجعل لآدم صفة السمع، والله موصوف بصفة الوجه وجعل لآدم وجها، وموصوف بصفة اليدين وجعل لآدم صفة اليدين، وهكذا. فإذن هذا الحديث ليس فيه غرابة كما قال ابن قتيبة قال: (وإنما لم يألفه الناس فاستنكروه) (٢). وهذا اشتراك في الصفة، والاشتراك في الصفة لا يعني الاشتراك في الكيفية؛ لأن هذا باطل، فالله جعل لآدم مثل الصفات التي ذكرنا، وكما جاء في الحديث هذا (خلق الله آدم على صورته)؛ و (على) ليست للتمثيل وليست للتشبيه، وإنما هي في اللغة للاشتراك، وهذا الاشتراك حاصل بدلالة النصوص، والصورة في اللغة هي الصفة، وكذلك من الصفات التي جاءت في الأحاديث أن لله صورة ليست كصورة المخلوق، وهذا بمعنى الصورة الخاصة، وهو سبحانه له صورة يعني له صفات، وجعل المخلوق له من الصفات على صفات الرحمن سبحانه، وهذا هو التحقيق في معنى الحديث، خلافًا لمن

стр. 1401

فهموا منه التمثيل أو التشبيه، أو الذين ردوه، أو الذين جعلوا معنى الصورة الصورة الخاصة، وليست الصورة العامة التي بمعنى الصفات (١). الوجه الخامس: وجوب الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، وأنه حق، والإيمان بظاهر الكتاب والسنة . اعلم أن أعظم ما يحتاج إلى معرفة مراده هو الله تعالى ورسوله ﷺ ، لأن على هذه المعرفة ينبني الاعتقاد والعمل (٢). قال ابن تيمية. وَلَا بُدَّ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالحدِيثِ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ مَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِ الله وَرَسُولِهِ مِنْ الْأَلفَاظِ وَكَيْفَ يُفْهَمُ كَلَامُهُ (٣). والقاعدة عند أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة: أنهم يجرونها على ظاهرها، معتقدين أنه هو الحق الذي يوافق مراد الله تعالى، ومراد رسوله ﷺ ، لا سيما ما ليس للرأي فيه مجال كنصوص الصفات والمعاد، وغيرها من أمور الغيب (٤). قَال الشَّافِعِيُّ: آمَنْت بِالله، وَبِمَا جَاءَ عَن الله، عَلَى مُرَادِ الله، وَآمَنْت بِرَسُولِ الله، وَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، عَلَى مُرَادِ رَسُولِ الله ﷺ (٥). ولو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه؛ بل بما يدل على نقيض مراده، وأراد منه فهم النفي بما يدل على غاية الإثبات (٦).

стр. 1402

والله تعالى يقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ويقول جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]، ويقول عن نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وعلى هذا فالواجب حمل نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، واعتقاد أنه حق، فمن رام غير هذا مؤثرًا تحريفات المبطلين وتأويلات الجاهلين على بيان رب العالمين الذي قال عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وبيان رسوله الصادق الأمين الذي قال له ربه ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء ٦٣)، فقد خاب وخسر وضل عن الصراط المستقيم والطريق القويم (١). وهناك أدلة من الكتاب والسنة على أن ظاهر الكتاب والسنة يجب إجراؤه على ظاهره، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢]، وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩].

стр. 1403

قال ابن تيمية: فَقَدْ لَعَنَ كَاتِمَهُ - يعني كاتم العلم - وَأَخْبَرَ أَنَّهُ بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ، فكَيْفَ يَكُونُ قَدْ بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ قَدْ كَتَمَ الْحَقَّ وَأَخْفَاهُ وَأَظْهَرَ خِلَافَ مَا أَبْطَنَ؟ فَلَوْ سَكَتَ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ كَانَ كَاتِمًا، وَمَنْ نَسَبَ الْأَنْبِيَاءَ إلَى الْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ مَعَ كَوْنِهِ يَقُولُ: إنَّهُمْ أنبِيَاءُ فَهُوَ مِنْ أَشَرِّ الْمُنَافِقِينَ وَأَخْبَثِهِمْ وَأَبْيَنِهِمْ تَنَاقُضًا (١). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]. قال ابن القيم: تيسيره للذكر يتضمن أنواعًا من التيسير: إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ. الثاني: تيسير معانيه للفهم. الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال. ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرًا له؛ بل كان معسرًا عليه فهكذا إذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني، أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير وهو مناف للتيسير (٢). ومن أدلة السنة على أن الأصل في النصوص حملها على ظاهرها: قوله ﷺ في حديث الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ: "ترَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ" (٣). والبيضاء: الحجة الظاهرة القوية التي لا لبس فيها ولا اشتباه (٤). وقوله ﷺ كما في حديث جابر بن عبد الله ﵁: "قد ترَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ

стр. 1404

اعْتَصَمْتُمْ بِهِ؛ كِتَابُ الله، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَال: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ اللهمَّ اشْهَدْ! اللهمَّ اشْهَدْ! ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" (١). فالرسول ﷺ قد أخبر أنه تركنا على المحجة البيضاء الواضحة البينة، ظاهرها وباطنها سواء، والصحابة شهدوا بأنه قد بلغ، وهذا يعني أن ظاهر كلامه مطابق لمراده؛ لأن هذا مقتضى البلاغ وحسن الأداء وكمال النصح (٢). ومن أدلة العقل على ذلك: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة (٣). وقال الشافعي: كلام كان عامًا ظاهرًا في سنة رسول الله ﷺ فهو على ظهوره وعمومه حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض. (٤) وقال ابن تيمية: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ - أي الصحابة - يَعْتَقِدُ فِي خَبَرِهِ وَأَمْرِهِ مَا يُنَاقِضُ ظَاهِرَ مَا بَيَّنَهُ لَهُمْ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ، وَلِهذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ تَأَوَّلَ شيئًا مِنْ نُصُوصِهِ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ اللهُ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ (٥). الوجه السادس وصف الإله في الكتاب المقدس في سفر (التكوين ١/ ٢٧): فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ الله خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.

стр. 1405

حتى أنهم يعبدون ربهم على أنه خروف: (رؤيا ١٧/ ١٤): هؤُلَاءِ سَيُحَارِبُونَ الْخَرُوفَ، وَالْخَرُوفُ يَغْلِبُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ مَدْعُوُّونَ وَمُخْتَارُونَ وَمُؤْمِنُونَ. (رؤياه/ ٦): وَرَأَيْتُ فَإِذَا فِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ وَفِي وَسَطِ الشُّيُوخِ خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ، لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ وَسَبْعُ أَعْيُنٍ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ الله المُرْسَلَةُ إِلَى كُلِّ الأَرْضِ. والرب عندهم يجلس وله أذيال (إشعياء: ٦/ ١): فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ. * * *
следующие страницы →