فهموا منه التمثيل أو التشبيه، أو الذين ردوه، أو الذين جعلوا معنى الصورة الصورة الخاصة، وليست الصورة العامة التي بمعنى الصفات (١).
الوجه الخامس: وجوب الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، وأنه حق، والإيمان بظاهر الكتاب والسنة .
اعلم أن أعظم ما يحتاج إلى معرفة مراده هو الله تعالى ورسوله ﷺ ، لأن على هذه المعرفة ينبني الاعتقاد والعمل (٢).
قال ابن تيمية. وَلَا بُدَّ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالحدِيثِ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ مَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِ الله وَرَسُولِهِ مِنْ الْأَلفَاظِ وَكَيْفَ يُفْهَمُ كَلَامُهُ (٣).
والقاعدة عند أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة: أنهم يجرونها على ظاهرها، معتقدين أنه هو الحق الذي يوافق مراد الله تعالى، ومراد رسوله ﷺ ، لا سيما ما ليس للرأي فيه مجال كنصوص الصفات والمعاد، وغيرها من أمور الغيب (٤).
قَال الشَّافِعِيُّ: آمَنْت بِالله، وَبِمَا جَاءَ عَن الله، عَلَى مُرَادِ الله، وَآمَنْت بِرَسُولِ الله، وَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، عَلَى مُرَادِ رَسُولِ الله ﷺ (٥).
ولو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه؛ بل بما يدل على نقيض مراده، وأراد منه فهم النفي بما يدل على غاية الإثبات (٦).
стр. 1402
والله تعالى يقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ويقول جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]، ويقول عن نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وعلى هذا فالواجب حمل نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، واعتقاد أنه حق، فمن رام غير هذا مؤثرًا تحريفات المبطلين وتأويلات الجاهلين على بيان رب العالمين الذي قال عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وبيان رسوله الصادق الأمين الذي قال له ربه ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء ٦٣)، فقد خاب وخسر وضل عن الصراط المستقيم والطريق القويم (١).
وهناك أدلة من الكتاب والسنة على أن ظاهر الكتاب والسنة يجب إجراؤه على ظاهره، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢]، وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي (٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩].
стр. 1403
قال ابن تيمية: فَقَدْ لَعَنَ كَاتِمَهُ - يعني كاتم العلم - وَأَخْبَرَ أَنَّهُ بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ، فكَيْفَ يَكُونُ قَدْ بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ قَدْ كَتَمَ الْحَقَّ وَأَخْفَاهُ وَأَظْهَرَ خِلَافَ مَا أَبْطَنَ؟ فَلَوْ سَكَتَ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ كَانَ كَاتِمًا، وَمَنْ نَسَبَ الْأَنْبِيَاءَ إلَى الْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ مَعَ كَوْنِهِ يَقُولُ: إنَّهُمْ أنبِيَاءُ فَهُوَ مِنْ أَشَرِّ الْمُنَافِقِينَ وَأَخْبَثِهِمْ وَأَبْيَنِهِمْ تَنَاقُضًا (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
قال ابن القيم: تيسيره للذكر يتضمن أنواعًا من التيسير:
إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ.
الثاني: تيسير معانيه للفهم.
الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.
ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرًا له؛ بل كان معسرًا عليه فهكذا إذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني، أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير وهو مناف للتيسير (٢).
ومن أدلة السنة على أن الأصل في النصوص حملها على ظاهرها:
قوله ﷺ في حديث الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ: "ترَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ" (٣).
والبيضاء: الحجة الظاهرة القوية التي لا لبس فيها ولا اشتباه (٤).
وقوله ﷺ كما في حديث جابر بن عبد الله ﵁: "قد ترَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ
стр. 1404
اعْتَصَمْتُمْ بِهِ؛ كِتَابُ الله، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَال: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ اللهمَّ اشْهَدْ! اللهمَّ اشْهَدْ! ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" (١).
فالرسول ﷺ قد أخبر أنه تركنا على المحجة البيضاء الواضحة البينة، ظاهرها وباطنها سواء، والصحابة شهدوا بأنه قد بلغ، وهذا يعني أن ظاهر كلامه مطابق لمراده؛ لأن هذا مقتضى البلاغ وحسن الأداء وكمال النصح (٢).
ومن أدلة العقل على ذلك:
فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة (٣).
وقال الشافعي: كلام كان عامًا ظاهرًا في سنة رسول الله ﷺ فهو على ظهوره وعمومه حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض. (٤)
وقال ابن تيمية: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ - أي الصحابة - يَعْتَقِدُ فِي خَبَرِهِ وَأَمْرِهِ مَا يُنَاقِضُ ظَاهِرَ مَا بَيَّنَهُ لَهُمْ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ، وَلِهذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ تَأَوَّلَ شيئًا مِنْ نُصُوصِهِ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ اللهُ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ (٥).
الوجه السادس وصف الإله في الكتاب المقدس
في سفر (التكوين ١/ ٢٧): فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ الله خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.
١ - شبهات: النزول .
الشبهة الأولى: النزول إلى السماء الدنيا .
نص الشبهة:
الله ينزل للسماء الدنيا؟ .
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ ".
وأن الله ينزل على جمل يوم الجمعة.
وأن الله ينزل للسماء الدنيا بروحه فتنتفض روحه، وتنتفض الملائكة.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: نزول الله جل وعلا ليس كنزول البشر .
الوجه الثاني: لا يُسأل عن كيفية النزول.
الوجه الثالث: الرد على قولهم: كيف ينزل مع اختلاف الليل في البلاد؟ .
الوجه الرابع: أقوال أهل العلم في إثبات النزول.
الوجه الخامس: إذا كان من العيب أن يوصف الرب بالنزول، فهل هذا دلالة على خطأ كتابهم المقدس في ذكر النزول؟ .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: نزول الله جل وعلا ليس كنزول البشر
صفة النزول لله صفة فعل، تليق بجلاله وعظمته، يفعل ذلك سبحانه متى يشاء، لا يشبه نزول المخلوق؛ لأن الخالق غير المخلوق في الذات والصفات، فلا يجوز أن نشبه الله بخلقه في ذلك، أو أن نتوهم أنَّها صفة تشابه صفة الخلق، ومن وقع له ذلك في قلبه فليتهم نفسه.
ولقد سبق الجهمية لهذا الزيغ وقلبوا المعاني، فقيض الله لهم من يبطل كلامهم بالحجة والبرهان، وإليك بعضًا من ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: روى أبو بكر الأثرم عن الفضيل بن عياض قال: ليس
стр. 1408
لنا أن نتوهم في الله كيف؟ وكيف؟ ؛ لأن الله وصف فأبلغ فقال: قل هو الله أحد الله، الصمد، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه.
ومثل هذا النزول والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الاطلاع، كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم أن ينزل عن مكانه كيف؟ وكيف؟ .
وإذا قال لك الجهمي: أنا كفرت برب ينزل.
فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
وقال البخاري في كتاب "خلق الأفعال" والفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه.
فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
قال البخاري: وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي.
وروى الخلال عن سليمان بن حرب أنه سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث ينزل الله إلى السماء الدنيا أيتحول من مكان إلى مكان؟
فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء وهذا نقله الأشعري في كتاب "المقالات" عن أهل السنة والحديث، فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ، ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، ولا يحدثون في دينهم ما لم يأذن به الله، ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢].
وإن الله يقرب من خلقه كما يشاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦] ثم قال الأشعري: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب.
стр. 1409
وقال أبو عثمان النيسابوري الملقب في رسالته المشهورة في السنة قال: ويثبت أهل الحديث نزول الرب سبحانه في كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف؛ بل يثبتون له ما أثبته له رسول الله ﷺ ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله، وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء، والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة، وقوله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وقال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله ابن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن راهويه - فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟
فقال: . فقال بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال كيف ينزل؟ قال: أثبته فوق؛ حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته فوق؟ فقال إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢].
فقال له الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة.
فقال إسحاق: أعز الله الأمير! من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ ! !
وروى بإسناده عن إسحاق قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب! هذا الحديث الذي تروونه عن النبي ﷺ : "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا" كيف ينزل؟
قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف ينزل؟ ، إنما ينزل بلا كيف - أي بلا كيف معلوم لنا - وبإسناده أيضًا عن عبد الله بن المبارك أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان؟ .
فقال عبد الله: يا ضعيف ليلة النصف، أي وحدها؟ ! هو ينزل في كل ليلة.
فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن! كيف ينزل، ألم يخل ذلك المكان؟
стр. 1410
فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء.
قال أبو عثمان النيسابوري: فلما صح خبر النزول عن النبي ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه، وعلموا، وعرفوا، واعتقدوا، وتحققوا أن صفات الرب لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق سبحانه وتعالى عما يقول المشبهة والمعطلة علوًا كبيرًا.
وعن إسحاق بن راهويه قال: جمعني وهذا المبتدع - يعني ابن صالح - مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول؟ فثبتها، فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم. (١)
الوجه الثاني: لا يُسأل عن كيفية النزول .
فمن سأل عن كيفية نزول الرب فنقول له: كيف هو في ذاته؟ فعندئذ لا يستطيع أن يتكلم؛ لأن القول في الصفات كالقول في الذات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات.
فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟
قيل له: كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ﵃: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة.
لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟
فإذا قال: لا أعلم كيفيته.
стр. 1411
قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم. (١)
الوجه الثالث: الرد على قولهم، كيف ينزل مع اختلاف الليل في البلاد ؟
وقد يتساءل البعض: الليل يختلف من بلد إلى أخرى، فحين يكون ثلث الليل في بلد يكون نهار في بلاد أخرى فكيف التوفيق؟
ونقول: إذا كنا بدايةً آمنا بالله ، وأن رب الكون كله علويه وسفليه، لا يشاركه فيه أحد لا في خلق ولا في تدبير، وأن الله تعالى له القدرة التامة والمشيئة الكاملة، وأنه لا يشبه المخلوق لا في ذات ولا في صفات، وأنه يفعل في ملكه ما يشاء، فنحن نؤمن بأن ما جاء به حق وأن ما جاء به رسوله حق، فما كان متعلق بصفاته وذاته فنؤمن به من غير كيف، لأننا لم نرَ ربنا حتى نستطيع أن نكيفه.
فإذا أخبر رسوله ﷺ الأمين الصادق في قوله ونقله، وقد شهد له العدو قبل الحبيب بالصدق والأمانة بقوله عن ربه أن ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، فنحن نؤمن بذلك من غير نظر في مجريات الكون وتغير الزمن والحال؛ لأن كل ذلك من خلق الله.
وقد أجاب عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك وهذا نص الجواب:
الحمد لله رب العالمين، أما القائل الأول الذي ذكر نص النبي ﷺ ؛ فقد أصاب فيما قال؛ فإنَّ هذا القول الذي قاله قد استفاضت به السنة عن النبي ﷺ ، واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك، وتلقيه بالقبول، ومن قال ما قاله الرسول فقوله حق وصدق، وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه
стр. 1412
من المعاني، فإنَّ أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد النبي، قال هذا الكلام وأمثاله علانية، وبلغه الأمة تبليغا عاما لم يخص به أحدا دون أحد، ولا كتمه عن أحد، وكانت الصحابة والتابعون، تذكره وتأثره وتبلغه وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تُقرأ في الجالس الخاصة والعامة كصحيحي البخاري ومسلم، وموطأ مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن أبى داود، والترمذي، والنسائي، وأمثال ذلك من كتب المسلمين، لكن من فهم من هذا الحديث، وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه كتمثيله بصفات المخلوقين، ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه؛ فقد أخطأ في ذلك، وإن أظهر ذلك مُنع منه، وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضًا في ذلك، فإن وصفه في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات كوصفه بالاستواء إلى السماء، وهي دخان ووصفه بأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، ووصفه بالإتيان والمجيء في مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر: ٢٢)، وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وأمثال ذلك من الأفعال التي وصف الله تعالى بها نفسه. (١)
الوجه الرابع: أقوال أهل العلم في إثبات النزول .
قال الإمام أحمد: قال حنبل بن إسحاق، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن
стр. 1413
الأحاديث التي تروى عن النبي ﷺ إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا نرد شيئًا منها إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، حتى قلت لأبي عبد الله ينزل الله إلى سماء الدنيا، قال: قلت: نزوله بعلمه بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، ما لك ولهذا؟ امض الحديث على ما روي بلا كيف، ولاحد، وإنما جاءت به الآثار وبما جاء به الكتاب، قال الله ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾، ينزل كيف يشاء بعلمه، وقدرته، وعظمته، أحاط بكل شيء علما، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب (١).
قال أبو سعيد - الدارمي -: فهذه الأحاديث (أحاديث النزول) قد جاءت كلها، وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها. (٢)
قال ابن خزيمة: باب أخبار ثابتة السند صحيحة القوام، رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفيه نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل. والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم.
فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية؛ إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول.
وفي هذه الأخبار ما بأن وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا أنه ينزل إليه؛ إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في
стр. 1414
الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل. (١)
قال الآجري: الإيمان والتصديق بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة.
قال محمد بن الحسين ﵀: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يردد هذا إلا المعتزلة.
وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف؛ لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ : أنَّ الله ، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد وكما قبل العلماء منهم ذلك، كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يحذرونه ويحذرون منه. (٢)
قال الذهبي: وأحاديث نزول الباري تعالى متواترة قد سُقت طرقها، وتكلمت عليها بما أُسال عنه يوم القيامة فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. (٣)
الوجه الخامس: إذا كان من العيب أن يوصف الرب بالنزول، فهل هذا دلالة على خطأ كتابهم المقدس في ذكر النزول ؟
فقد جاء في (الخروج ٣٤: ٥): فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي السَّحَابِ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ هُنَاكَ وَنَادَى بِاسْمِ الرَّبِّ.
وجاء أيضًا: فَنزلَ الرَّبُّ فِي سَحَابَةٍ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ، وَأَخَذَ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي عَلَيْهِ وَجَعَلَ عَلَى السَّبْعِينَ رَجُلًا الشُّيُوخَ. فَلَمَّا حَلَّتْ عَلَيْهِمِ الرُّوحُ تَنَبَّأُوا، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَزِيدُوا. (العدد ١١: ٢٥).
فهل ينكرون هم ذلك؟ وهل لو أثبتوها أثبتوا المماثلة لله والمشابهة بخلقه؟ أم أنهم لا يدرون ولا يدرون أنهم لا يدرون! ! !
стр. 1415
الله ينزل على جبل سيناء بالنار
فقد جاء في سفر الخروج (١٩: ١٨): وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبِّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ، وَارْتَجَفَ كُلُّ الجبَلِ جِدًّا.
وفي هذا تجسيم صريح وتنقيص من الله تعالى، فكونه ينزل على جبل معناه: أن الجبل أكبر منه! فهل يعقل أن يقال هذا عن الله تعالى؟ !
الرب ينزل أمام الشعب:
جاء في سفر الخروج (١٩: ١١): وَيَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ. لأَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَنْزِلُ الرَّبُّ أَمَامَ عُيونِ جَمِيعِ الشَّعْبِ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ.
الرب يخرج وينزل ويمشي على الأرض:
فَإِنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ يَخْرُجُ مِنْ مَكَانِهِ وَيَنْزِلُ وَيَمْشِي عَلَى شَوَامِخِ الأَرْضِ، (ميخا ١: ٣).
الرب ينزل لينظر إلى برج آدم:
فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ المُدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. (التكوين ١١: ٥).
الرب ينزل في السحاب:
فَنزلَ الرَّبُّ فِي السَّحَابِ، فَوَقَفَ عِنْدَ هنَاكَ وَنَادَى بِاسْمِ الرَّبِّ. (الخروج ٣٤: )
الرب ينزل في عمود سحاب ويقف على باب الخيمة:
فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي عَمُودِ سَحَابٍ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ. (عدد ١٢: ٥)
* * *
стр. 1416
٢ - شبهة: التردد .
نص الشبهة:
قالوا: الله يتردد - سبحان الله عما يصفون -.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يصثي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته". (١)
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث .
الوجه الثاني: ما وصف به الله في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا حديث شريف، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد رد هذا الكلام طائفة، وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، فإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة التردد، والتحقيق: أن كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس، وأجهلهم وأسوئهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور، فإنه لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا، فإن الله ليس كمثله شيء، ثم هذا باطل على إطلاقه؛ فإن الواحد
стр. 1417
يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه، ويكره من وجه، كما قيل:
الشيب كره، وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب.
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه؛ بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: "حفت النار بالشهوات، وحفت الجَنَّة بالمكاره"، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في الحديث، فإنه قال: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل، التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة، بحيث يحب ما يحبه محبوبه، ويكره ما يكره محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده محبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه، والله - سبحانه - قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولابد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته". (١)
وقال في مكان آخر: "فبين سبحانه أنه يتردد؛ لأن التردد تعارض إرادتين، فهو
стр. 1418
سبحانه يحب ما يحب عبده، ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال: "وأنا أكره مساءته"، وهو سبحانه قد قضى بالموت فهو يريد أن يموت، فسمى ذلك ترددًا، ثم بين أنه لابد من وقوع ذلك". (١)
الوجه الثاني: هل هذا الكلام مثل ما ذكروه هم عن الله حين وصفوه بالندم، والحزن، وغيرها من صفات النقص ؟
كما جاء في سفر التكوين في (الإصحاح ٦: العدد ٥ - ٨): "ورَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ فِكْرِ قَلْبِهِ يَتَّسِمُ دَائِمًا بِالإِثْمِ، فَمَلأَ قَلبَهُ الأَسَفُ وَالحزْنُ؛ لأَنَّهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ، وَقَال الرَّبُّ: أَمْحُو الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالزَّوَاحِفِ وَطُيُورِ السَّمَاء؛ لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي خَلَقْتُهُ".
فهل الندم والحزن يليقان بعظمة الله تعَالى؟ ! كما أنهم يستهزئون بالتردد ولم يثبت ذلك، ولو ثبت لكان له معنىً آخر غير ما يظنون.
* * *
стр. 1419
٣ - شبهة: النفخ في فرج مريم .
نص الشبهة:
أثاروا شبهة حول مريم بنت عمران عندما نفخ في فرجها، واعتبروا هذا منقصة في حق الله تعالى. فقالوا: الله ينفخ في الفروج (تعالى الله عما تقولون)، ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآية .
الوجه الثاني: تكريم الله لمريم بنت عمران.
الوجه الثالث: هل الروح صفة لله أو مخلوقة؟
الوجه الرابع: ماذا في كتبهم؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآية.
قبل الشروع في الرد على الشبهة نورد ما ذكره أهل التفسير في الآية:
قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي حفظته وصانته.
والإحصان: هو العفاف والحرية، ﴿فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: بواسطة المَلَك، وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشرٍ سَوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇، ولهذا قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ أي: بقدره وشرعه ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (١).
ومن هنا يتضح أن الذي تولى النفخ هو جبريل بأمر الله تعالى، وليس الله مباشرة كما زعم المعترضون. وأن الذي نُفخ فيه هو جيب درعها، وليس فرجها بالمعنى الغالب
стр. 1420
والمقصود بكلمة الفرج.
الوجه الثاني: تكريم الله لمريم بنت عمران .
في هذه الآية تكريم من الله تعالى لمريم بنت عمران ورفعها فوق النساء، وقد ضرب بها المثل الصالح، ولم ترفع بأكثر من قدرها كعبد لله تعالى.
بعكس ما فعلوه هم، حيث جعلوا لها زوجًا، وهو يوسف النجار، ولم يثبت لها الزواج منه، وجعلوا ابنها ولدًا ليوسف النجار، وهو لم يكن له أب.
وغالوا فيها، فمنهم من جعلها إلهًا، ومنهم من جعلها أم الرب. وغير ذلك من خرافاتهم التي يمجها العقل الخرب فضلًا عن السليم.
الوجه الثالث: هل الروح صفة لله أو مخلوقة ؟
الروح مخلوقة وليست صفة من صفات الله تعالى، وهي هنا مضافة إليه إضافة تشريف لا إضافة وصف.
الرُّوْحُ: الرُّوح، بالضم: خلقٌ من مخلوقات الله ، أضيفت إلى الله إضافة مُلكٍ وتشريفٍ لا إضافة وصف؛ فهو خالقها ومالكها، يقبضها متى شاء ويرسلها متى شاء سبحانه، وقد وردت في الكتاب والسنة مضافة إلى الله في عدة مواضع.
ذكرها في الكتاب:
١ - قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
٢ - وقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩].
٣ - وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ [مريم: ١٧].
ذكرها في السنة: حديث أبي هريرة ﵁ في الشفاعة، وفيه: "يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه ... فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه". (١)
стр. 1421
أقوال العلماء في (الرُّوح) المضافة إلى الله تعالى:
قال ابن تيمية فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له؛ بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق، كقوله تعالى: (بيت الله)، و (ناقة الله)، و (عباد الله)، بل وكذلك (روح الله) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره، مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله ... ونحو ذلك، كان صفة له". (١)
وقال أيضًا: "وقال النبي ﷺ : "الريح من روح الله"؛ أي: من الروح التي خلقها الله، فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك، لا إضافة وصف، إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عينًا قائمة بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به، فهو صفة لله، فالأول كقوله ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾، وهو جبريل، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾، وقال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، وقال عن آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
- حديث أبي هريرة ﵁ في استفتاح الجَنَّة، وفيه: "فيأتون آدم ... ثم موسى ﵉، فيقول: اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه ... ". (٢)
وقال ابن القيم: فصل: هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة؟ وإذا كانت محدثة مخلوقة، وهي من أمر الله؛ فكيف يكون أمر الله محدثًا مخلوقًا؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه، فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنَّها قديمة أم لا؟ وما حقيقة هذه الإضافة، فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة؟ .
стр. 1422
فهذه مسألة زلَّ فيها عالم، وضل فيها طوائف من بني آدم، وهدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على أنَّها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ كما يُعلم بالاضطرار من دينهم أنَّ العالم حادث، وأن معاد الأبدان واقع، وأن الله وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم - وهم القرون المفضلة - على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة، حتى نبغت نابغة ممَّن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم أنَّها قديمة غير مخلوقة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق، وبأن الله تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة ... ".
ثم نقل كلام الحافظ أبي عبد الله بن منده، والحافظ محمد بن نصر المروزي، وهما ممن يقولان بأنها مخلوقة، ثم قال: "ولا خلاف بين المسلمين أنَّ الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومَن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكوَّنها واخترعها، ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (١)
وقال ابن كثير: فقوله في الآية والحديث: ﴿وَرُوْحٌ مِنْهُ﴾؛ كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾؛ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض ... ، بل هي لابتداء الغاية، وقد قال مجاهد في قوله: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، أي ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول، أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله. (٢)
стр. 1423
لكن روى الإمام أحمد حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم رُوح الرحمن ".
قال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده ضعيف"، ولكن الغريب أنه علق على الحديث بقوله: "روح الرحمن من الصفات التي يجب الإيمان بها دون تأويل أو إنكار، من غير تشبيه ولا تمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، .
قلت: هذا مردود بما سبق، والحديث ضعيف. (١)
نقل أبو موسى المديني في "المجموع المغيث" كلامًا نافعًا جدًّا لأبي إسحاق إبراهيم الحربي عن الاختلاف في قراءة وتفسير (الرّوْح)؛ فراجعه إن شئت.
قال ابن تيمية لم يعبر أحدٌ من الأنبياء عن حياة الله بأنها رَوْحُ الله، فمن حمل كلام أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب. (٢)
الوجه الرابع: ماذا في كتبهم ؟
الله في كتبهم ينفخ:
كما ورد في سفر التكوين (٢: ٧): وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً.
والرب ينفخ في البوق:
كما جاء في زكريا (٩: ١٤): وَيُرَى الرَّبُّ فَوْقَهُمْ، وَسَهْمُهُ يَخْرُجُ كَالْبَرْقِ، وَالسَّيِّدُ الرَّبُّ يَنْفُخُ فِي الْبُوقِ وَيَسِيرُ فِي زَوَابعِ الْجَنُوبِ.
روح القدس هو الذي أحبل مريم:
كما جاء في إنجيل متى (١/ ١٨): أَمَّا وِلَادَةُ يَسُوعَ المُسِيحِ فكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
* * *
стр. 1424
٤ - شبهة: صفة الضحك .
نص الشبهة:
قالوا: الله يضحك، فعن جابر ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ، وعن الأعمش حدثنا أبو صالح عن جابر عن النبي ﷺ مثله، فقال رجل لجابر: فإن البراء يقول: اهتز السرير، فقال: إنه كان بين هذين الحيين ضغائن، سمعت النبي ﷺ يقول: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. (١)
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجَنَّة. فقالوا: كيف يا رسول الله؛ ؟ قال: يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيُسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأبو كريب قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي الزناد بهذا الإسناد مثله. (٢)
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: صفة الضحك لله تعالى .
الوجه الثاني: ماذا في كتب النصارى حول ضحك الرب؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: صفة الضحك لله تعالى.
فإن الله كما ورد في الأحاديث المتقدمة قد وصف نفسه بالضحك، وهي صفة فعل له متعلقة بمشيئته؛ إذا شاء ضحك وإذا شاء لم يضحك. صفة تليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه لأحد من خلقه، أو تمثيل، أو تكييف، أو تعطيل، أو إلحاد فيها، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة خلافًا لأهل البدعة.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً ... فَيَقُولُ اللهُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ، أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ
стр. 1425
الدُّنْيَا وَمثْلَهَا مَعَهَا؟ قَال: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالِمَينَ". فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَال: أَلَا تَسْأَلُونِّي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالوا: مِمَّ تَضحَكُ؟ قَال: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ . فَقَالوا مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: "مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالِمَينَ حِينَ قَال: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالمَينَ؟ فَتقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ". (١)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال أُنَاسٌ يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَال: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ " قَالوا: لَا يَا رَسولَ الله. قَال: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَاب؟ " قَالوا: لَا يَا رَسُولَ الله ... الحديث (٢).
قال ابن خزيمة: باب ذكر إثبات ضحك ربنا ، بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه، ولا يشبّه ضحكه بضحك المخلوقين وضحكهم كذلك؛ بل نؤمن بأنه يضحك كما أعلم النبي ﷺ ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله استأثر بصفة ضحكه لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي ﷺ ، مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه. (٣)
وقال محمد بن الحسين الآجري ﵀: باب الإيمان بأن الله يضحك. اعلموا - وفقنا الله، وإياكم للرشاد من القول والعمل - أن أهل الحق يصفون الله وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وبما وصفه به الصحابة ﵃.
وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به: أنَّ الله يضحك، كذا روي عن النبي ﷺ ، وعن صحابته ﵃، فلا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق. (٤)
стр. 1426
وقال ابن تيمية: وقول القائل: إن الضحك خفة روح ليس بصحيح، وإن كان ذلك قد يقارنه، ثم قول القائل: خفة الروح إن أراد به وصفًا مذمومًا فهذا يكون لما لا ينبغي أن يضحك منه وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا قدر حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه، والآخر لا يضحك قط كان الأول أكمل من الثاني، ولهذا قال النبي ﷺ : ينظر إليكم الرب قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب، فقال له أبو رزين العقيلى: يا رسول الله أوَ يضحك الرب؟ قال: نعم. قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا.
فجعل الأعرابي العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلًا على إحسانه وإنعامه؛ فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود وأنه من صفات الكمال، والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب إنه يومًا عبوسًا قمطريرًا، وقد رُوي أن الملائكة قالت لآدم: حياك الله وبياك أي أضحكك، والإنسان حيوان ناطق ضاحك، وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال، فكما أن النطق صفة كمال فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزمًا لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك، وذلك الأكثر مختص لا عام فليس حقيق الضحك مطلقًا مقرونة بالنقص، كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص، ووجودنا مقرون بالنقص، ولا يلزم أن يكون الرب مُوجِدًا، وأن لا تكون له ذات. (١)
الوجه الثاني: ماذا في كتب النصارى حول ضحك الرب ؟
ففي كتابهم المقدس عندهم صفة الضحك للرب.
١ - الرب يضحك يستهزئ بالناس
كما جاء في المزامير (٢: ٤): السَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ.
وأيضًا في المزامير (٥٩: ٨): أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فتضْحَكُ بِهِمْ. تَسْتَهْزِئُ بِجَمِيعِ الأُمَمِ.
стр. 1427
٢ - الرب يضحك من القدر
كما جاء في المزامير (٣٧: ١٣): الرَّبُّ يَضْحَكُ بِهِ لأَنَّهُ رَأَى أَنَّ يَوْمَهُ آتٍ!
٣ - الرب يضحك شماتة
كما جاء في الأمثال (١: ٢٦): فَأَنَا أيضًا أَضْحَكُ عِنْدَ بَلِيَّتكُمْ. أَشْمَتُ عِنْدَ مَجِيءِ خَوْفِكُمْ. فهل قرأوا هذه الفقرات في كتبهم؟ واطلعوا عليها قبل أن يتسهزءوا بغيرهم؟ ! !
* * *
стр. 1428
٥ - شبهة: ويمكرون ويمكر الله .
نص الشبهة:
أثار المعترضون شبهة أن الله ماكر، ويمكر، واعتبروا أن هذا نقص، وكيف يكون إله وله هذه الصفة المذمومة؟ ، فحرفوا الكلم عن مواضعه وقالوا: الله ماكر ويمكر ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ [النمل: ٥٠].
وعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يدعو يقول: رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليَّ، رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا، لك رهابًا، لك مطواعًا، لك مخبتًا، إليك أواها منيبا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري. (١)
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: المكر في اللغة.
الوجه الثاني: المكر بمعنى الاحتيال أو الخديعة ليس مذمومًا مطلقًا.
الوجه الثالث: التشابه في الأسماء لا يلزم التشابه في المسميات.
الوجه الرابع: الألفاظ في النصوص الشرعية قد تتشابه في مواضع بين الخالق والمخلوق.
الوجه الخامس: إذا اتفقنا أن صفات الله غير صفات المخلوق.
الوجه السادس: صفة المكر كما وردت في القرآن.
الوجه السابع: أقوال أهل العلم في المكر.
الوجه الثامن: ماذا في كتبهم المقدسة لديهم من صفة المكر؟
الوجه التاسع: نبذة يسيرة عما في كتبهم من وصف الله تعالى بصفات لا تليق.
وإليك التفصيل
стр. 1429
الوجه الأول: المكر في اللغة .
يأتي بمعاني: منها:
١ - المَكْرُ: احتيال في خُفية.
٢ - ابن سيده: المَكْرُ الخَدِيعَة والاحتيال.
٣ - والمَكْرُ: المَغْرَةُ. وثوب مَمْكُورٌ ومُمْتَكَرٌ: مصبوغ بالمَكْرِ، وقد مَكَرَه فامْتَكَرَ أَي خَضَبه فاخْتَضَبَ.
٤ - والمكر: نوع من النبات.
٥ - والمكر: السقيا. (١)
٦ - المكر التدبير والتخطيط. فيقال: فلان يمكر لك: أي يدبر ويخطط له.
فكلمة المكر في لغة العرب ليست على معنى واحد.
الوجه الثاني: المكر بمعنى الاحتيال أو الخديعة ليس مذمومًا مطلقًا .
وذلك أن العرب كانت تطلق صفة المكر على معنين:
المعنى الأول: معنى محمود: وهو أن المكر والدهاء يطلقان على من يستدرج عدوه، أو من لا يغلبه عدوه، فكانوا يمدحون من كانت هذه صفته.
المعنى الثاني: مذموم: وذلك يطلق على من يمكر بأوليائه ومن كان قريبًا منه، لاحتلال مكانته إذا كان ذا جاه أو سلطان، أو لنيل مال أو امرأة أو غير ذلك مما يتنازع عليه الناس في أمور الدنيا. وهذا يحتاج إلى تدبير وتخطيط وتفكير.
الوجه الثالث: التشابه في الأسماء لا يلزم منه التشابه في المسميات .
من المعلوم أن القرآن نزل بلغة العرب، وتفهم مفرداته بحسب لغة العرب، وذلك باختيار المعنى المناسب للنص، ووروده فيه، فقد تأتي لفظة في القرآن أو السنة، وتتكرر، ويقصد بها في موضع معنى، وفي موضع آخر معنى مختلف، وهكذا.
стр. 1430
ومن أمثلة ذلك:
* الرجس: جاء معناها في اللغة: القَذَارة، والنجاسة، والعذاب، والإثم، والشك، والعمل القبيح الذي يؤدي إلى العذاب. (١)
وقد وردت في القرآن بمعنى مثل ذلك وكذلك السنة.
* أما في القرآن فالرجس بمعنى النجاسة كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وبمعنى الحرام والإثم: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾.
وبمعنى العذاب: قال تعالى: ﴿قَال قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١].
وبمعنى العمل القبيح: قال تعالى: (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ [التوبة: ٩٥].
وفي السنة كذلك:
* عن أسامة بن زيد ﵁ قال رسول الله: الطاعون رجس، أُرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه. (٢)
فمعنى رجس هنا: أي عذاب.
* عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس. (٣)
стр. 1431
ومعناه هنا: النجاسة.
ونحو ذلك من المعاني، فكون إنسان يحكم على لفظة بمعنى لفظة أخرى، فهذا من الجهل بالمعاني.
الوجه الرابع: الألفاظ في النصوص الشرعية (الكتاب والسنة) قد تتشابه في مواضع بين الخالق والمخلوق ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
لأن صفات الخالق غير صفات المخلوق، بمعنى إذا كنا نؤمن بأن الخالق منزه عن مشابهة المخلوق في صفاته وذاته، فهنا لا نستطيع أن نأتي بلفظة لمخلوق مشابهة للفظة في حق الخالق ونسوي بينها.
ومثال على ذلك:
الله وصف نفسه في كتابه بأنه رحيم ورؤوف.
فقال تعالى في حق نفسه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠]
فهاتان صفتان لله تليق بجلاله وعظمته. وهما من صفات الكمال في حقه سبحانه كخالق ورب للعالمين.
وقال سبحانه في حق نبيه محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فقد وصف نبيه ﷺ بأنه رؤوف رحيم، ووصف نفسه بأنه رؤوف رحيم، فهل نستطيع أن نقول: إن صفة الرحمة في حق الله تتشابه مع صفة الرحمة في حق النبي ﷺ ؟
من يقدر الله سبحانه حق قدره؛ لا يقع في التشابه.
فصفة الرحمة في حق النبي ﷺ هي صفة كمال بشري، مناسبة لحالته البشرية القابلة للفناء والنقص والزيادة.
أما صفة الله تعالى: فهي صفة كمال في حق الخالق الباقي الذي لا يفنى سبحانه.
стр. 1432
وهكذا كثير من الصفات.
ولذلك قاعدة مهمة عند أهل السنة وهي: (التشابه في الأسماء لا يقتضي التشابه في المسميات)
بمعنى: إذا نظرنا إلى حالة الخلق من حولنا وأخذنا مثالًا على ذلك (القدم):
فلو نظرنا إلى لفظة القدم وعضو القدم نجده موجودًا في الفيل والحصان والنملة والإنسان.
فهل هذه الصفات تتشابه؟ والجواب بالبديهة: لا تتشابه.
فكذلك الصفة إذا وصف بها مخلوق ووصف بها الخالق، فلا يقتضي ذلك التساوي في المعنى والكيفية؟
الوجه الخامس: إذا اتفقنا أن صفات الله غير صفات المخلوق .
فصفات الله صفات كمال، وصفات المخلوق صفات نقص. استطعنا أن نفرق بين مكر الله ومكر المخلوق، وإذا كان مكر المخلوق ليس مذمومًا مطلقًا، فلماذا جعلنا مكر الله مذمومًا مطلقًا؟ ! أليس هذا من الجهل والظلم؟ !
الوجه السادس: صفة المكر كما وردت في القرآن .
وردت صفة المكر ومشتقاتها في القرآن في واحد وأربعين موضعًا، في ثلاث وعشرين آية:
وهي على قسمين:
القسم الأول: وردت خاصة بأهل الزيغ والضلال من أعداء الرسل كصفة مذمومة.
والقسم الثاني: وردت في آيات كصفة للمخلوق، وردَّ الله عليهم بصفة له سبحانه فلم تأت هذه الصفة كصفة مستقلة لله .
ونبدأ بالكلام على القسم الأول، فنقول:
الموضع الأول: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ [الأنعام: ١٢٣].
стр. 1433
قال ابن كثير: والمراد بالمكر هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرفٍ من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ [نوح: ٢٢]. (١)
الموضع الثاني: قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ [الأنعام: ١٢٤].
قال الطبري: تأويل قوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ مُعْلِمُه ما هو صاح بهؤلاء المتمردين عليه: سيصيب يا محمد الذي اكتسبوا الإثم بشركهم بالله وعبادتهم غيره صَغار يعني ذلة وهوان. (٢)
وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾؛ لما كان المكر غالبًا إنما يكون خفيًا، وهو التلطف في التحيل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقًا، ولا يظلم ربك أحدا كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: ٩].
أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر. وجاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يُنصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان"؛ والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل. (٣)
الموضع الثالث: قال تعالى: ﴿قَال فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾ [الأعراف: ١٢٣].
стр. 1434
قال ابن جرير: قال فرعون للسحرة إذ آمنوا بالله يعني: صدقوا رسوله موسى ﵇ لما عاينوا من عظيم قدرة الله وسلطانه (آمنتم) يقول: أصدقتم بموسى وأقررتم بنبوته قبل أن آذن لكم بالإيمان به؟ (إن هذا) يقول: تصديقكم إياه وإقراركم بنبوته (لمكر مكرتموه في المدينة) يقول: لخدعة خدعتم بها من في مدينتنا لتخرجوهم منها. (١)
الموضع الرابع: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ [يوسف: ٣١].
عن ابن إسحاق قال: لما أظهر النساء ذلك من قولهن: تراود عبدها؛ مكرا بها لتريهن يوسف وكان يوصف لهن بحسنه وجماله، فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئًا. (٢)
وهكذا باقي الآياتِ في مكر هؤلاء تدور حول الخداع، والتضليل، والتدبير للمؤمنين لإيقاعهم في الباطل أو قتلهم.
- قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ [يوسف: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦].
- وقال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ [النحل: ٢٦].
стр. 1435
قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ برسلهم وأرادوا إخراجهم من بلادهم؛ فمكر الله بهم وجعل العاقبة للمتقين كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥٠، ٥١]، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ (النمل: من الآية ٥٢) الآيتين، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٤٢]، أي أنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر، ويجزي كل عامل بعمله وسيعلم الكافر، والقراءة الأخرى: الكفار لمن عقبى الدار، أي لمن تكون الدائرة والعاقبة لهم أو لأتباع الرسل، كلا بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة ولله الحمد والمنة. (١)
- قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾ [النحل: ٤٥].
- وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النحل: ١٢٧].
- وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥١].
- وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾ [النمل: ٧٠].
- وقال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ
стр. 1436
كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ: ٣٣].
- وقال تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ [فاطر: ٤٣].
- وقال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ [غافر: ٤٥].
القسم الثاني: ما ذكر فيه مكر الله تعالى:
لم يذكر مكر الله في أي آية إلا صفة فعل مقابل لما يفعله أهل الضلال، ولم تذكر الصفة مفردة، ومن أجل ذلك لا تطلق الصفة إلا مقارنة بالكفار كما ذكرت في القرآن، ولا يتخذ منها اسمًا أو صفة مستقلة. ولنأخذ مثالا على ذلك:
منها: قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].
قال البغوي: قوله تعالى: (وَمَكَرُوا) يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر، وبَرُّوا في قتل عيسى ﵇، وذلك أن عيسى ﵇ بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله، وتواطؤوا على الفتك به فذلك مكرهم قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء؛ لأنه في مقابلته كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشَبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى ﵇ حتى قتل. (١)
стр. 1437
وقال أيضًا: وجملته: أنَّ أسماء الله تعالى على التوقيف؛ فإنه يسمى جوادًا ولا يسمى سخيًا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيمًا ولا يسمى رفيقًا، ويسمى عالمًا ولا يسمى عاقلًا، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار؛ بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك. (١)
وقال الشيخ السعدي: قال تعالى هما (ومكروا) أي: الكفار بإرادة قتل نبي الله، وإطفاء نوره (ومكر الله) بهم جزاء لهم على مكرهم (والله خير الماكرين) رد الله كيدهم في نحورهم، فانقلبوا خاسرين. (٢)
وجاء في التفسير الميسر: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل بعيسى ﵇، بأن وكَّلوا به من يقتله غِيْلة، فألقى الله شَبَه عيسى على رجل دلَّهم عليه فأمسكوا به، وقتلوه وصلبوه ظنًا منهم أنه عيسى ﵇، والله خير الماكرين. وفي هذا إثبات صفة المكر لله - تعالى - على ما يليق بجلاله وكماله؛ لأنه مكر بحق، وفي مقابلة مكر الماكرين. (٣)
ومن المواضع الأخرى:
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ
стр. 1438
مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ [يونس: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾ [الرعد: ٤٢].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦].
الوجه السابع: أقوال أهل العلم في المكر، وأن الله لا يوصف بالمكر إلا مقيدًا .
قال الراغب الأصفهاني: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة.
وذلك ضربان:
مكر محمود: وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل على ذلك قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
ومكر مذموم: وهو أن يتحرى به فعل قبيح، قال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ وقال في الأمرين: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾.
وقال بعضهم: من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين ﵁: من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله. (١)
وعلى التقديرين فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجازها.
وقال ابن القيم: وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله، فيقابل مكرهم السيء بمكره الحسن فيكون المكر منهم أقبح شيء، ومنه أحسن شيء؛ لأنه عدل ومجازاة وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر (٢).
стр. 1439
وقال ﵀: وكذلك المكر ينقسم إلى محمود ومذموم؛ فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه، ليتوصل به إلى مراده. فمن المحمود مكره تعالى بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم بجنس عملهم قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]. (١)
وقال أيضًا: فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأولى مذموم والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده، وأما السيئة فهي فيعلة مما يسوء ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها فهي سيئة له حسنة من الحكم العدل. (٢)
وقال ناصر الفهد: والصحيح في هذه الصفات إثباتها على الوجه اللائق بالله سبحانه، وكون الاستهزاء والمكر والكيد ونحوها صفات مذمومة من البشر لا يقتضي هذا نفيها عن الله سبحانه لأمرين:
الأمر الأول: أنَّ الله لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يقاس بخلقه - كقياسات المعتزلة مشبهة الأفعال - فيجعل كل ما حسن من البشر حسن منه، وما قبح منهم قبح منه، فإن هذا لا يكون إلا للنظيرين، والله سبحانه لا نظير له، فقد يحسن منه ما لا يجوز للبشر الاتصاف به كالعظمة والكبرياء، وقد يحسن من خلقه ما ينزه عنه سبحانه كالعبودية.
стр. 1440
الأمر الثاني: إن كون الاتصاف بهذه الصفات مذموم ليس على الإطلاق، لأن هذه الصفات ونحوها لها حالتان:
الحالة الأولى: يكون الاتصاف بها مذمومًا وهو إذا ما تضمن ذلك الظلم والكذب والغش ونحوها.
الحالة الثانية: يكون الاتصاف بها محمودًا وهو ما كان بحقٍ وعدلٍ ومجازاةٍ، فمن مكر بظلم فيحسن أن يمكر به بحقٍ وبعدلٍ.
فمثل هذه الصفات ليست كمالًا على الإطلاق، وليست نقصًا على الإطلاق؛ بل فيها تفصيل، ومثلها يرد إطلاقها على الله سبحانه في حالة كونها كمالا وهي التي تكون على سبيل المقابلة، لذلك فليس من أسمائه سبحانه (المستهزئ) ولا (الماكر) ولا (الكائد) ونحوها؛ لأنَّها ليست محمودة على الإطلاق، والله سبحانه لم يصف نفسه بها إلا على وجه المقابلة والجزاء لمن فعل ذلك بغير وجه حق. (١)
قال ابن القيم: عن صفات المكر والخداع والكيد والاستهزاء ونحوها -: (لا ريب أن هذه المعاني يذم بها كثيرًا، فيقال: فلان صاحب مكر وخداع وكيد واستهزاء، ولا تكاد تطلق على سبيل المدح بخلاف أضدادها، وهذا هو الذي غر من جعلها مجازًا في حق من يتعالى ويتقدس عن كل عيبٍ وذم.
والصواب: أنَّ معانيها تنقسم إلى محمود ومذموم، فالمذموم منها يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما لكونه متضمنًا للكذب والظلم أو لهما جميعًا، وهذا هو الذي ذمه الله تعالى لأهله ... فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازًا، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنًا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان