كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ: ٣٣].
- وقال تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ [فاطر: ٤٣].
- وقال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ [غافر: ٤٥].
القسم الثاني: ما ذكر فيه مكر الله تعالى:
لم يذكر مكر الله في أي آية إلا صفة فعل مقابل لما يفعله أهل الضلال، ولم تذكر الصفة مفردة، ومن أجل ذلك لا تطلق الصفة إلا مقارنة بالكفار كما ذكرت في القرآن، ولا يتخذ منها اسمًا أو صفة مستقلة. ولنأخذ مثالا على ذلك:
منها: قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].
قال البغوي: قوله تعالى: (وَمَكَرُوا) يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر، وبَرُّوا في قتل عيسى ﵇، وذلك أن عيسى ﵇ بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله، وتواطؤوا على الفتك به فذلك مكرهم قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء؛ لأنه في مقابلته كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشَبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى ﵇ حتى قتل. (١)
стр. 1437
وقال أيضًا: وجملته: أنَّ أسماء الله تعالى على التوقيف؛ فإنه يسمى جوادًا ولا يسمى سخيًا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيمًا ولا يسمى رفيقًا، ويسمى عالمًا ولا يسمى عاقلًا، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار؛ بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك. (١)
وقال الشيخ السعدي: قال تعالى هما (ومكروا) أي: الكفار بإرادة قتل نبي الله، وإطفاء نوره (ومكر الله) بهم جزاء لهم على مكرهم (والله خير الماكرين) رد الله كيدهم في نحورهم، فانقلبوا خاسرين. (٢)
وجاء في التفسير الميسر: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل بعيسى ﵇، بأن وكَّلوا به من يقتله غِيْلة، فألقى الله شَبَه عيسى على رجل دلَّهم عليه فأمسكوا به، وقتلوه وصلبوه ظنًا منهم أنه عيسى ﵇، والله خير الماكرين. وفي هذا إثبات صفة المكر لله - تعالى - على ما يليق بجلاله وكماله؛ لأنه مكر بحق، وفي مقابلة مكر الماكرين. (٣)
ومن المواضع الأخرى:
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ
стр. 1438
مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ [يونس: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾ [الرعد: ٤٢].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦].
الوجه السابع: أقوال أهل العلم في المكر، وأن الله لا يوصف بالمكر إلا مقيدًا .
قال الراغب الأصفهاني: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة.
وذلك ضربان:
مكر محمود: وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل على ذلك قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
ومكر مذموم: وهو أن يتحرى به فعل قبيح، قال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ وقال في الأمرين: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾.
وقال بعضهم: من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين ﵁: من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله. (١)
وعلى التقديرين فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجازها.
وقال ابن القيم: وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله، فيقابل مكرهم السيء بمكره الحسن فيكون المكر منهم أقبح شيء، ومنه أحسن شيء؛ لأنه عدل ومجازاة وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر (٢).
стр. 1439
وقال ﵀: وكذلك المكر ينقسم إلى محمود ومذموم؛ فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه، ليتوصل به إلى مراده. فمن المحمود مكره تعالى بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم بجنس عملهم قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]. (١)
وقال أيضًا: فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأولى مذموم والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده، وأما السيئة فهي فيعلة مما يسوء ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها فهي سيئة له حسنة من الحكم العدل. (٢)
وقال ناصر الفهد: والصحيح في هذه الصفات إثباتها على الوجه اللائق بالله سبحانه، وكون الاستهزاء والمكر والكيد ونحوها صفات مذمومة من البشر لا يقتضي هذا نفيها عن الله سبحانه لأمرين:
الأمر الأول: أنَّ الله لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يقاس بخلقه - كقياسات المعتزلة مشبهة الأفعال - فيجعل كل ما حسن من البشر حسن منه، وما قبح منهم قبح منه، فإن هذا لا يكون إلا للنظيرين، والله سبحانه لا نظير له، فقد يحسن منه ما لا يجوز للبشر الاتصاف به كالعظمة والكبرياء، وقد يحسن من خلقه ما ينزه عنه سبحانه كالعبودية.
стр. 1440
الأمر الثاني: إن كون الاتصاف بهذه الصفات مذموم ليس على الإطلاق، لأن هذه الصفات ونحوها لها حالتان:
الحالة الأولى: يكون الاتصاف بها مذمومًا وهو إذا ما تضمن ذلك الظلم والكذب والغش ونحوها.
الحالة الثانية: يكون الاتصاف بها محمودًا وهو ما كان بحقٍ وعدلٍ ومجازاةٍ، فمن مكر بظلم فيحسن أن يمكر به بحقٍ وبعدلٍ.
فمثل هذه الصفات ليست كمالًا على الإطلاق، وليست نقصًا على الإطلاق؛ بل فيها تفصيل، ومثلها يرد إطلاقها على الله سبحانه في حالة كونها كمالا وهي التي تكون على سبيل المقابلة، لذلك فليس من أسمائه سبحانه (المستهزئ) ولا (الماكر) ولا (الكائد) ونحوها؛ لأنَّها ليست محمودة على الإطلاق، والله سبحانه لم يصف نفسه بها إلا على وجه المقابلة والجزاء لمن فعل ذلك بغير وجه حق. (١)
قال ابن القيم: عن صفات المكر والخداع والكيد والاستهزاء ونحوها -: (لا ريب أن هذه المعاني يذم بها كثيرًا، فيقال: فلان صاحب مكر وخداع وكيد واستهزاء، ولا تكاد تطلق على سبيل المدح بخلاف أضدادها، وهذا هو الذي غر من جعلها مجازًا في حق من يتعالى ويتقدس عن كل عيبٍ وذم.
والصواب: أنَّ معانيها تنقسم إلى محمود ومذموم، فالمذموم منها يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما لكونه متضمنًا للكذب والظلم أو لهما جميعًا، وهذا هو الذي ذمه الله تعالى لأهله ... فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازًا، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنًا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان
стр. 1441
منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم حسُن من المجازي له أن يخدعه بحقٍ وعدلٍ - إلى أن قال - إذا عرف ذلك فنقول: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى - إلى أن قال - أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد عُلِم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه؟ ، وهذا إذا نزلنا على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وأنه سبحانه منزه عما يقدر عليه مما لا يليق بكماله، ولكنه لا يفعله لقبحه وغناه عنه، وإن نزلنا ذلك على نفي التحسين والتقبيح عقلًا وأنه يجوز عليه كل ممكن ولا يكون قبيحًا، فلا يكون الاستهزاء والمكر والخداع منه قبيحًا البتة، فلا يمتنع وصفه به ابتداءً لا على سبيل المقابلة على هذا التقرير. اهـ. (١)
الوجه الثامن: ماذا في كتبهم المقدسة لديهم من صفة المكر ؟
ولنعرض هنا بعض ما جاء في كتبهم ورسائلهم المقدسة من صفة المكر.
جاءت صفة المكر في كتبهم مقارب للمعنى الذي ذكرناه.
أولًا: كونه صفة مذمومة
جاء في مزامير داود (١١٩: ١١٨): احْتَقَرْتَ كُلَّ الضَّالِّينَ عَنْ فَرَائِضِكَ، لأَنَّ مَكْرَهُمْ بَاطِلٌ.
ثانيًا: وورد كصفة حسنة:
جاء في سفر التكوين: فَقَال: "قَدْ جَاءَ أَخُوكَ بِمَكْرٍ وَأَخَذَ بَرَكَتَكَ". (التكوين ٢٧: ٣٥).
فإذا كانت البركة شيء محمود فأخذها شيء محمود، فالمكر هنا شيء محمود، وإذا كان المكر عندهم مذموم مطلقًا؛ فإن هذا سبة في يعقوب الذي أخذ بركة أبيه بدلًا من أخيه مكرًا.
وجاء في مزامير داود: لأَنَّهُمْ لَا يَتكَلَّمُونَ بِالسَّلَامِ، وَعَلَى الْهَادِئِينَ فِي الأَرْضِ يَتَفَكَّرُونَ بِكَلَامِ مَكْرٍ. (مز ٣٥: ٢٠)
стр. 1442
فإذا كان الهدوء شيء ممدوح فالمكر شيء ممدوح، وإذا كان المكر مذموم فالهدوء مذموم، وبذلك قد خالفتم الفطرة والعقل.
وفي حق الرب:
جاء في سفر أرمياء (٩: ٦): مَسْكَنُكَ فِي وَسْطِ الْمَكْرِ. بِالْمَكْرِ أَبَوْا أَنْ يَعْرِفُونِي، يَقُولُ الرَّبُّ. فهذا الرب يأمر بالمكر، فهل يقصد المكر المذموم وهو خديعة أهل الحق للإيقاع بهم في شر؟ أم يقصد إمهال أهل الباطل حتى يقعوا في شرهم الذي نصبوه لغيرهم؟
فإذا كان الأول: فلما تعيبون على غيركم؟
وإذا كان الثاني! فلم يكون الكيل بمكيالين؟ ! تحملون كلامكم على الوجه الحسن وكلامنا على الوجه السيئ.! !
ونجد المكر والخديعة بصورة أخرى للرب عند النصاري:
ونجدها في الرسالة الثانية إلى تسالونكي ٢) ٢: ١١: ) "وَلأَجْلِ هذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ اللهُ عَمَلَ الضَّلَالِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِبَ" (وفي سفر حزقيال ١٤: ٩): "فَإِذَا ضَلَّ النَبِيُّ وَتَكَلَّمَ كَلَامًا، فَأَنَا الرَّبُّ قَدْ أَضْلَلْتُ ذلِكَ النَّبِيَّ."
وهل يجوز للرب أن يرسل عمل الضلال على أساس أنه الحق ليصدقوا الضلال؟ أم أن الله تعالى في شرعه إلى الخلق يبين لهم الهدى من الضلال فمن سار في الضلال فبإرادته سلك الطريق، ومن سلك طريق الضلال فبإرادته سلك الطريق؟ هذا هو الحق؛ أم كون الله تعالى يظهر الضلال في صورة الهدى ليضل الناس! فهذا ليس برب ناصح لعباده. وهل يضل الله النبي الذي اصطفاه من خلقه ليكون إمامًا وقدوة للناس؟ ! كيف يكون ذلك، والأصل أن الأنبياء يجب أن يكونوا على جانب كبير من الهدى والحق.
ولذلك جاء في القرآن أن الله تعالى يملك الهداية والضلال، فيضل من عباده من علم الله فيه أنه يسلك طريق الضلال، ويهدي من عباده من علم فيه أنه يسلك طريق الهداية فقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧].
وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي
стр. 1443
إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾ [الرعد: ٢٧].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ [مريم: ٧٥].
وهذا هو استدراج الله تعالى بالعبد بسبب تركه للهدى واتباع طريق الضلالة.
الوجه التاسع: نبذة يسيرة عما في كتبهم من وصف الله تعالى بصفات لا تليق:
١ - الرب خروف:
جاء في رؤيا يوحنا: (هؤُلَاءِ سَيُحَارِبُونَ الْخَرُوفَ، وَالخَرُوفُ يَغْلِبُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ) (رؤيا يوحنا ١٧/ ١٤).
فهل هناك عقل يقبل أن يكون رب الأرباب خروفًا؟ ! !
٢ - الرب يستيقظ كالسكران:
جاء في المزامير: (فَاسْتَيْقَظَ الرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ الْخَمْرِ.) (مز ٧٨: ٦٥)
فهل هناك رب يشرب الخمر وينام ويترنح من السكر؟ ! ! سبحانك ربي تعالى عما يصفون.
٣ - الرب يستهزئ بالناس:
كما جاء في سفر الأمثال: لَعْنَةُ الرَّبِّ فِي بَيْتِ الشِّرِّيرِ، لكِنَّهُ يُبَارِكُ مَسْكَنَ الصِّدِّيقِينَ. ٣٤ كَمَا أَنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالمُسْتَهْزِئِينَ، هكَذَا يُعْطِي نِعْمَةً لِلْمُتَوَاضِعِينَ. (أمثال ٣: ٣٣، ٣٤) قد يقال هذا مدح على سبيل المقابلة.
وكما جاء في سفر الحكمة: (يبصون ويزدرون والرب يستهزئ بهم (الحكمة ٤: ١٨).
стр. 1444
ملحقات هذه الشبهة:
وقد أثار المعترضون شبهات تلحق بما ذكرنا وهي لفظ: وهو خادعهم، يستهزئ بهم، وأكيد كيدا، ونحوها:
الله مخادع يخدع الناس: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
عن الزبير بن العوام أنه كانتئ عنده أم كلثوم بنت عقبة، فقالت له وهي حامل: طيب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت، فقال: ما لها خدعتني خدعها الله ثم أتى النبي ﷺ فقال سبق الكتاب أجله اخطبها إلى نفسها. (١)
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنَّنا ذكرنا في جواب شبهة المكر أن الفعل - سواء كان المكر أو الخداع أو الكيد - من العبد له معنى مذموم، وهو خداع أهل الخير لإيقاعهم في شر.
ومعنى محمود: وهو استدراج العدو حتى يقع هو فيما يخدع به غيره من غير خيانة له.
وذكرنا أنه من الله تعالى: محمود مطلقًا: لأن العبد من خلق الله تعالى وهو سبحانه أعلم بحقيقة عبده، وما يريد أن يفعله قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهو سبحانه يعلم بخداعه وقد جعل الله لمن خادع أو مكر بمؤمن أن خداعة لا يرجع إلا على نفسه كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية ٤٣).
فهناك مكر سيئ، وهناك مكر محمود، فالسيئ لا يضر إلا بأهله، والمكر المحمود يعود نفعه على كل الناس.
стр. 1445
الوجه الثاني: سنة الله في عباده .
وقد اطردت سنته الكونية سبحانه في عباده بأن من مكر بالباطل مكر به، ومن احتال احتيل عليه، ومن خادع غيره خدع قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: ٤٣)، فلا تجد ماكرًا إلا وهو ممكور به، ولا مخادعًا إلا وهو مخدوع، ولا محتالا إلا وهو محتال عليه. (١)
الوجه الثالث: أعلى مراتب الحسن .
وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني، وما هو منها حكمة وحق وصواب وجزاء للمسيء، وذلك غاية العدل والحق كقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (الطارق: ١٥، ١٦). وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٥٤) وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة: ١٥) وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٢) وقوله: " ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (الأعراف: ١٨٣).
فهذا منه سبحانه في أعلى مراتب الحسن، وإن كان من العبد قبيحًا سيئًا؛ لأنه ظالم فيه؛ وموقعه بمن لا يستحقه؛ والرب تعالى عادل فيه موقعه بأهله؛ ومن يستحقه سواء قيل: إنه مجاز للمشاكلة الصورية أو للمقابلة، أو سماه كذلك مشاكلة لاسم ما فعلوه، أو قيل: إنه حقيقة وإن مسمى هذه الأفعال ينقسم إلى مذموم ومحمود واللفظ حقيقة في هذا وهذا. (٢)
الوجه الرابع: وماذا في كتبهم عن صفة الخداع ؟
جاء في سفر أشعيا: هكَذَا تُكَلِّمُونَ حَزَقِيَّا مَلِكَ يَهُوذَا قَائِلِينَ: لَا يَخْدَعْكَ إِلهُكَ الَّذِي أَنْتَ مُتَوَكِّلٌ عَلَيْهِ، قَائِلًا: لَا تُدْفَعُ أُورُشَلِيمُ إِلَى يَدِ مَلِكِ أَشُّورَ. (أشعيا ٣٧: ١٠).
* * *
стр. 1446
٦ - شبهة: البغض والكره .
نص الشبهة:
عاب النصارى على أن الله يبغض ويكره بعض عباده لمخالفتهم أمر الله تعالى فقالوا:
الله يبغض ويكره الناس، ويفرض على جبريل أن يبغضهم ويكرههم، ويفرض ذلك على كل أهل السماء والأرض كما في الحديث.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا؛ فأحبوه، فيحبه أهل السماء. قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانًا؛ فأبغضه، قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا؛ فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: صفة الكره ثابتة لله.
الوجه الثاني: صفة البغض، وكلام أهل العلم في صفة البغض.
الوجه الثالث: صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله حق.
الوجه الرابع: صفة البغض في كتبهم.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: صفة الكره ثابتة لله تعالى .
الدليل من القرآن: قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: ٤٦].
الدليل من السنة: حديث المغيرة أَنَّه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله كَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَال، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ". (١)
стр. 1447
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال". (١)
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ قَال: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ". (٢)
قال الشيخ مُحَمَّد خَلِيل هَرَّاس: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ إِثْبَاتَ بَعْضِ صِفَاتِ الْفِعْلِ مِنَ الرِّضَى لله، وَالْغَضَبِ، وَاللَّعْنِ، وَالْكُرْهِ، وَالسَّخَطِ، وَالمُقْتِ، وَالْأَسَفِ.
وَهِيَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ صفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ لله ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَلَا تُشْبِهُ مَا يَتَّصِفُ بِهِ المُخْلُوقُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا مَا يَلْزَمُ فِي الْمَخْلُوقِ. (٣)
الوجه الثاني: صفة البغض، وكلام أهل العلم في صفة البغض .
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله بالأحاديث الصحيحة.
الدليل:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَال: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ - قَال - فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِى فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ - قَال - ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ. وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ - قَال - فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضوهُ - قَال - فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ" (٤).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها". (٥)
стр. 1448
يقول ابن القيم: إن ما وصف الله سبحانه به نفسه من المحبة والرضى والفرح والغضب والبغض والسخط من أعظم صفات الكمال. (١)
وفي "تهذيب اللغة": "وقال الليث: البغض: نقيض الحب". (٢)
قال الشيخ عبد الرزاق في عبد المحسن البدر: "والبغض" أي: ومن أوصافه الثابتة له سبحانه: البغض، فهو سبحانه يبغض الكفر والكافرين، والعصيان والعصاة.
ومن أدلة ثبوت هذه الصفة قول النبي ﷺ : "إنَّ الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأَحِبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إنَّ الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض".
وهذا الحديث العظيم، هو في بيان شأن ومقام الذين يحبهم الله من عباده - وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم بمنه وكرمه - فهو سبحانه ينادي في السماء: يا جبريل إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل لحب الله تعالى له، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء إنَّ الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يطرح له القبول في الأرض. وهذا هو معنى قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم تطرح له البغضاء في الأرض، فهناك أهل محبة وأهل بغضاء، وإذا آمن العبد بذلك فعليه أن يعرف الأوصاف
стр. 1449
والأشخاص الذين يحبهم الله، وقد جاء في الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله" (١).
فهذا الحديث من تحقيق الإيمان بصفة الحب وصفة البغض لله ؛ لأن العبد مأمور أن يحب ما يحبه الله، وأن يبغض ما يبغضه الله.
إذا علمنا هذا، عرفنا الانقطاع الشاسع الكبير الذي وقع فيه الجهمية ومن تأثر بهم، الذين يقولون: إنَّ الله لا يُحب ولا يبغض ولا يرضى ولا يسخط. فما أضرَّ تعطيل صفات الله ﵎ أو تعطيل شيء منها على عبادة الإنسان وسلوكه، فكم أوجد فيهم هذا المعتقد من الانحرافات التعبدية والسلوكية.
فعقيدة الجهمية كما أنَّها انحراف في المعتقد هي كذلك انحراف في العبادة والسلوك، وبحسب ما يقع فيه العبد من التعطيل لصفات الله تعالى يكون الخلل في عبادته وسلوكه؛ إذ كلامهم الباطل في صفات الله تعالى قطع عليهم الطريق لتحصيل الآثار التي تقع من العبد إثر إيمانه بهذه الصفات العظيمة. (٢)
ولهذا يقول ابن القيم: تجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف؛ لجهلهم بالنصوص ومعانيها وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم، وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتهم أتم بصيرة وأقوى إيمانًا وأعظم تسليمًا للوحي وانقيادًا للحق" (٣)؛ لأنهم على السنة والفطرة.
وهذا يجعلنا نتنبه، فكما أكرمنا الله بالإيمان بهذه الصفة: صفة المحبة وصفة البغض، فعلينا أن ننهض بأنفسنا، وأن نسعى جادين - مستعينين بالله - في معرفة الأمور التي يحبها الله لنفعلها فننال محبته، ولنعرف الأمور التي يبغضها فنجتنبها لنسلم من بغضه ﵎ لنا.
стр. 1450
الوجه الثالث: صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه ووصفها به رسوله حق .
نؤمن بها كما جاءت من غير تحريف، ولا تشبيه، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تعطيل، فالغضب والرضى والضحك والبغض والحب، ونحو ذلك مما وصف الله به نفسه ووصفه بها رسوله حق نؤمن بها وهي صفات كمال لله تعالى، غير صفات المخلوق فهي صفات نقص مناسبة لعجزه وفقره وفنائه.
الوجه الرابع: صفة البغض في كتبهم .
جاءت صفة البغض في كتبهم المقدسة كثيرة ومتناقضة
١ - الرب يبغض من النصب:
وفيه: وَلَا تُقِمْ لَكَ نَصَبًا. الشَّيْءَ الَّذِي يُبْغِضُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ. (التثنية ١٦: ٢٢).
٢ - الرب يبغض الستة:
وفيه: هذه السِّتَّةُ يُبْغِضُهَا الرَّبُّ، وَسَبْعَةٌ هِيَ مَكْرُهَةُ نَفْسِهِ (أمثال ٦: ١٦).
٣ - الرب يبغض النفاق وأعمال السوء:
جاء: (كل رجس مبغض عند الرب وليس بمحبوب عند الذين يتقونه (سيراخ ١٥: ١٣)، وكما جاء في أشعيا (٦١: ٨): لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُحِبُّ الْعَدْلِ، مُبْغِضُ المخْتَلِسِ بِالظُّلْمِ. وَأَجْعَلُ أُجْرَتهمْ أَمِينَةً، وَأَقْطَعُ لهمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا.
٤ - الرب يبغض سكان أرضه المقدسة:
وجاء أيضًا في (الحكمة ١٢: ٣): فإنك أبغضت الذين كانوا قديمًا سكان أرضك المقدسة.
٥ - ونجد التناقض أن الرب لو بغض شيئًا لا يخلقه:
كما جاء في سفر الحكمة (١١: ٢٥): لأنك تحب جميع الأكوان ولا تمقت شيئًا مما صنعت فإنك لو أبغضت شيئًا لم تكونه.
٦ - ونجد أن المسيح يأمر ببغض كل الناس:
كما جاء في إنجيل لوقا (١٤: ٢٦): إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلَا يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلَادَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أيضًا، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا.
* * *
стр. 1451
٧ - شبهة: الملل .
نص الشبهة:
أثار هؤلاء المعترضون شبهة في حديثٍ عن النبي ﷺ ، وادعوا أن الله تعالى له صفة الملل فقالوا: الله يمل ويسأم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ فَقَال: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: فُلَانَةُ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا، فَقَال: مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنْ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. (١)
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما صح عن النبي ﷺ في حق الله تعالى سواء كان وصفًا أو اسمًا .
فنحن نؤمن به على مراد الله تعالى مع تنزيه الله عن كل نقص وعيب، وقد ذكرنا ذلك سابقا، وهذا هو منهج الصحابة ومن سار على منهجهم من التابعين وتابعيهم بإحسان.
الوجه الثاني: توضيح معنى الملل هنا
قال ابن قتيبة: وتحن نقول: إن التأويل لو كان على ما ذهبوا إليه كان عظيمًا من الخطأ فاحشا، ولكنه أراد فإن الله سبحانه لا يمل إذا مللتم. ومثال هذا قولك في الكلام: هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل، لا تريد بذلك أنه يفتر إذا فترت، ولو كان هذا هو المراد ما كان له فضل عليها؛ لأنه يفتر معها، فأية فضيلة له؛ وإنما تريد أنه لا يفتر إذا فترت، وكذلك تقول في الرجل البليغ في كلامه الغزير: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه؛ تريد أنه لا ينقطع إذا انقطعوا، ولو أردت أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له في هذا القول فضل على غيره، ولا وجبت له به مدحة. وقد جاء مثل هذا بعينه في الشعر المنسوب إلى ابن أخت تأبط شرا ويقال إنه لخلف الأحمر:
صليت مني هذيل بخرق لا يمل الشر حتى يملوا
لم يرد أنه يمل الشر إذا ملوه، ولو أراد ذلك ما كان فيه مدح له؛ لأنه بمنزلتهم وإنما
стр. 1452
أراد أنهم يملون الشر وهو لا يمله. (١)
قال أبو إسحاق الحربي: قوله: "لا يَمَلُّ الله حتى تملوا": أخبرنا سلمة عن الفراء؛ يقال: مللت أمَلُّ: ضجرت، وقال أبو زيد: ملَّ يَمَلُّ ملالة، وأمللته إملالًا، فكأنَّ المعنى لا يملُّ من ثواب أعمالكم حتى تملُّوا من العمل. (٢)
قلت: وهذا ليس تأويلًا، بل تفسير الحديث على ظاهره.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: "فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملُّوا": من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري، لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاء والخداع فيما يتبادر. (٣)
وقال الشيخ ابن عثيمين: هل نستطيع أن نثبت صفة الملل والهرولة لله تعالى؟ فأجاب: "جاء في الحديث عن النبي ﷺ قوله: "فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملوا".
فمن العلماء من قال: إنَّ هذا دليل على إثبات الملل لله، لكن، ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ إنَّ ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله، فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالا.
ومن العلماء من يقول: إنَّ قوله: "لا يَمَلُّ حتى تملوا"؛ يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل، فإنَّ الله يجازيك عليه؛ فاعمل ما بدا لك، فإنَّ الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا، فيكون المراد بالملل لازم الملل.
ومنهم من قال: إنَّ هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقًا؛ لأنَّ قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني، وهذا أيضًا: "لا يمل حتى تملوا"، لا يستلزم ثبوت الملل لله .
стр. 1453
وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أنَّ الله تعالى مُنَزَّه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أنَّ هذا الحديث دليل على الملل؛ فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق". (١)
الوجه الثالث: ماذا في كتب النصارى ؟
جاء في سفر أرميا: أَنْتِ تَرَكْتِنِي، يَقُولُ الرَّبُّ. إِلَى الْوَرَاءِ دمِرْتِ. فَأَمُدُّ يَدِي عَلَيْكِ وَأُهْلِكُكِ. مَلِلْتُ مِنَ النَّدَامَةِ. (أرميا ١٥: ٦).
فهذا هو الرب عندهم يمل من الندامة ولا يمل من ترك العبد الطاعة.
* * *
стр. 1454
٨ - شبهة: التحسر .
نص الشبهة:
قالوا عن الله: إنه يتحسر (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا).
ويحتجون بقول الله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآية .
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: يا حسرةً من العباد على أنفسها، وتندّمًا وتلهفًا في استهزائهم برسل الله ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ من الله ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وذكر أن ذلك في بعض القراءات (يَاحَسْرَةَ العِبَادِ عَلى أنْفُسِهَا) (١).
عن قتادة ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ أي: يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضَيَّعت من أمر الله، وفرّطت في جنب الله. قال: وفي بعض القراءات: (يَاحَسْرَةَ العِبَادِ عَلى أنْفُسِهَا). (٢)
قال ابن كثير: ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله؟ فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ أي: يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق. (٣)
الوجه الثاني: من المتحسر ؟
قال ابن الجوزي: قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ قال الفراء: المعنى: يا لها حَسْرَة على العباد. وقال الزجاج: الحَسْرَةُ أن يَرْكَبَ الإِنسان من شِدَّة الندم ما لا نهاية له حتى يبقى قلبُه حَسِيرًا.
стр. 1455
وفي المتحسِّر على العباد قولان:
أحدهما أنَّهم يتحسَّرون على أنفسهم، قال مجاهد والزجاج: استهزاؤهم بالرُّسل كان حسرة عليهم في الآخرة. وقال أبو العالية: لمَّا عايَنوا العذاب، قالوا: يا حسرتنا على المرسَلين، كيف لنا بهمُ الآن حتى نؤمِن.
والثاني: أنَّه تحسُّر الملائكة على العباد في تكذيبهم الرُّسل، قاله الضحاك. (١)
* * *
стр. 1456
٩ - شبهة: صفة العَجب .
نص الشبهة:
استغرب المعترض أن لله تعالى صفة العَجَب، وظنوا أن هذا منقصة في حق الله تعالى، فاستهزأوا وقالوا: الله يعجب ويتعجب (سبحان الله) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ [الصافات: ١٢] ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الله تعالى ليس كمثله شيء .
كل ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة في وصف الله تعالى نؤمن على مراد الله من غير تحريف ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل.
فصفة العجب ثابتة لله تعالى بالسنة الصحيحة، نؤمن بها مع إيماننا أنه (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته.
الوجه الثاني: صحة القراءة الثانية (بضم التاء) .
قال ابن خالويه: قوله تعالى (بل عجبت) يقرأ بضم التاء وفتحها، فالحجة لمن ضم أنه من إخبار الله تعالى عن نفسه. ودليله قوله النبي ﷺ : "عجب ربكم من آلكم وقنوطكم"، فالعجب من الله إنكار لأفعالهم من إنكارهم البعث، وسخرياتهم من القرآن، وازدرائهم بالرسول جرأة على الله وتمردًا وعدوانًا وتكبرًا فهذا العجب من الله ، والفرق بينه وبين عجب المخلوقين أن المخلوق لا يعجب إلا عند نظره إلى ما لم يكن في علمه، ولا جرت العادة بمثله فبهره ما رأى من ذلك فيتعجب من ذلك، وقد جاء في القرآن ما يقارب معنى ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، وكقوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وكقوله ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فالمكر من الله والاستهزاء والحبة على غير ما هي من الخلق وبخلافها، فكذلك العجب منه بخلاف ما هو من المخلوقين؛ لأنَّها منه على طريق المجازاة بأفعالهم وإتيان اللفظ مردودًا على اللفظ، والحجة لمن فتح أنه جعل التاء للنبي ﷺ .
стр. 1457
ومعناه: بل عجبت يا محمد من وحي الله إليك وهم يسخرون. (١)
والقراءة بضم التاء متواترة قرأ بها حمزة والكسائي وخلف. (٢)
الوجه الثالث: صفة العجب .
الْعَجَبُ صفةٌ من صفاتِ الله الفعليَّة الخبريَّة الثابتة له بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
١ - قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ [الصافات: ١٢].
قال ابن جرير قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾؛ اختلفت القرَّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرَّاء الكوفة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾؛ بضم التاء من ﴿عَجِبْتَ﴾؛ بمعنى: بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكًا وتكذيبهم تَنْزيلي وهم يسخرون، وقرأ ذلك عامة قرَّاء المدينة والبصرة وبعض قرَّاء الكوفة ﴿عَجِبْتَ﴾؛ بفتح التاء؛ بمعنى: بل عجبت أنت يا محمد ويسخرون من هذا القرآن.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قرَّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ؛ فمصيب.
فإن قال قائل: وكيف يكون مصيبًا القارئ بهما مع اختلاف معنييهما؟ ! قيل: إنهما وإن اختلف معنياهما؛ فكلّ واحد من معنييه صحيح، قد عجب محمد مما أعطاه الله من الفضل، وسخر منه أهل الشرك بالله، وقد عجِب ربنا من عظيم ما قاله المشركون في الله، وسَخِر المشركونَ مما قالوه". (٣)
وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن زنجلة: قرأ حمزة والكسائي: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾؛ بضم التاء، وقرأ الباقون بفتح التاء ... "، ثم قال: "قال أبو عبيد: قوله:
стр. 1458
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾؛ بالنصب: بل عجِبت يا محمد من جهلهم وتكذيبهم وهم يسخرون منك، ومن قرأ: (عَجِبْتُ)؛ فهو إخبار عن الله . (١)
وقد صحت القراءة بالضم عن ابن مسعود ﵁ كما سيأتي.
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥].
نقل ابن جرير في تفسير هذه الآية بإسناده إلى قتادة قوله: "قوله: (﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾: إن عجِبت يا محمد؛ فعَجَبٌ ﴿قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: عجِب الرحمن ﵎ من تكذيبهم بالبعث بعد الموت". (٢)
قال ابن زنجلة بعد ذكر قراءة ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بالضم: "قال أبو عبيد: والشاهد لها مع هذه الأخبار قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾، فأخبر ﷻ أنه عجيب". (٣)
الدليل من السنة:
١ - حديث أبي هريرة ﵁: "لقد عَجِبَ الله (أو: ضحك) من فلان وفلانة"، بلفظ: "قد عَجِب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة". (٤)
٢ - حديث أبي هريرة ﵁: "عَجِبَ الله من قوم يدخلون الجَنَّة في السلاسل". (٥)
٣ - عن أبي وائل شقيق بن سلمة؛ قال: "قرأ عبد الله (يعني: ابن مسعود) ﵁: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾؛ قال شريح: إنَّ الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم.
стр. 1459
قال الأعمش: فذكرت لإبراهيم، فقال: إنَّ شريحًا كان يعجبه رأيه، إنَّ عبد الله كان أعلم من شريح، وكان عبد الله يقرأها: (بَلْ عَجِبْتُ). (١)
قال أبو يعلى الفراء بعد أن ذكر ثلاثة أحاديث في إثبات صفة العَجَب: "اعلم أنَّ الكلام في هذا الحديث (يعني: الثالث) كالكلام في الذي قبله، وأنه لا يمتنع إطلاق ذلك عليه وحمله على ظاهره؛ إذ ليس في ذلك ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه؛ لأنا لا نثبت عَجَبًا هو تعظيم لأمر دَهَمَه استعظمه لم يكن عالمًا به؛ لأنه مما لا يليق بصفاته؛ بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا غيرها من صفاته". (٢)
وقال قوَّام السُّنة الأصبهاني: "وقال قوم: لا يوصف الله بأنه يَعْجَبُ؛ لأن العَجَب ممَّن يعلم ما لم يكن يعلم، واحتج مثبت هذه الصفة بالحديث، وبقراءة أهل الكوفة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾؛ على أنه إخبار من الله عن نفسه". (٣)
وقال ابن أبي عاصم في (السُّنة): "باب: في تَعَجُّبِ ربنا من بعض ما يصنع عباده مما يتقرب به إليه"، ثم سرد جملة من الأحاديث التي تثبت هذه الصفة لله . (٤)
الوجه الرابع: ماذا في كتبهم عن التعجب ؟
يسوع الرب عندهم يتعجب
كما جاء في إنجيل لوقا (٧: ٩): وَلمَّا سَمِعَ يَسُوعُ هذَا تَعَجَّبَ مِنْهُ، وَالْتَفَتَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي يَتْبَعُهُ وَقَال: "أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلَا فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا! ".
* * *
стр. 1460
١٠ - شبهة: الله الطبيب .
نص الشبهة:
ظن المعترض أن اسم الطبيب الذي ذكره النبي ﷺ لله فيه غضاضة أو تنقص لله تعالى فقالوا: الله طبيب، كما في حديث أبي رمثة ﵁، أنه قال للنبي ﷺ : "أرني هذا الذي بظهرك؛ فإني رجل طبيب، قال: "الله الطبيب؛ بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها". (١)
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: كل اسم محلى بالألف ووافق شروط التسمية لله من التنزيه فنحن نؤمن به على الوجه اللائق بالله سبحانه، والاسم منسوب لله تعالى فنحن نسميه بهذا الاسم .
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]، فالملك والقدوس والسلام والمؤمن والمهيمن والعزيز والجبار والمتكبر من أسماء الله تعالى، وهي أسماء بالغة الحسن تحمل صفات الكمال لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الوجه الثاني: اسم الله الطبيب .
يوصف الله بأنه (الطَّبيب)، وهذا ثابت بالحديث الصحيح.
وقد دل على ذلك:
١ - حديث أبي رمثة ﵁، أنه قال للنبي ﷺ : أرني هذا الذي بظهرك، فإني رجل طبيب. قال: "الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها". (٢)
٢ - حديث عائشة ﵄: قالت: ثم مرض رسول الله ﷺ فوضعت يدي على صدره فقلت: اذهب البأس، رب الناس، أنت الطبيب، وأنت الشافي، وكان رسول الله يقول:
стр. 1461
"ألحقني بالرفيق الأعلى، وألحقني بالرفيق الأعلى". (١)
قال ابن فارس: الطِّبُّ: هو العلم بالشيء، يقال: رجل طَبٌّ وطبيبٌ؛ أي: عالمٌ حاذق. (٢)
وقال الأزهري بعد أن أورد حديث أبي رمثة ﵁: "طبيبها الذي خلقها": معناه: العالم بها خالقها الذي خلقها لا أنت. (٣)
وقال شمس الدين الحق أبادي: "الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق"؛ أي: أنَّت ترفق بالمريض، وتتلطفه، والله هو يبرئه ويعافيه. (٤)
الوجه الثالث: أنَّ الشفاء بيد الله تعالى .
وذلك أن المرض والدواء بيد الله، فإذا صادف الدواء الداء كان الشفاء بإذن الله تعالى، ولا يعلم مصادفة الداء للدواء إلا الله .
لذلك فالأطباء ما هم إلا مجربين للدواء ولا يعلمون حقيقة الشفاء.
ولذلك جعل إبراهيم ﵇ الشفاء بيده سبحانه لا بيد غيره، وهذا من علامات الربوبية لله.
قال تعالى على لسان إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠].
فكون الله هو الطبيب: أي هو الأعلم بمواطن الداء، والأعلم بمصادفة الدواء له، وهل سينجو منه صاحبه أم لا؟ ولذلك علم النبي ﷺ أن هذا مرضه الأخير، وعلم أن الطب لا يفيد في ذلك، وأنه يرغب في ملاقاة الله تعالى.
الوجه الرابع: ماذا في كتابهم المقدس ؟
ورد الشفاء في كتابهم على يد المسيح والرب كما هي عقيدتهم.
стр. 1462
١ - الرب يشفي:
جاء في المزامير: الَّذِي يَغْفِرُ جَمِيعَ ذُنُوبِكِ. الَّذِي يَشْفِي كُلَّ أَمْرَاضِكِ. (مزمور ١٠٣: ٣).
يَشْفِي المُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيَجْبُرُ كَسْرَهُمْ. (مز ١٤٧: ٣).
فَقَال لَهُ بُطْرُسُ: "يَا إِينِيَاسُ، يَشْفِيكَ يَسُوعُ المَسِيحُ. قُمْ وَافْرُشْ لِنَفْسِكَ! ". فَقَامَ لِلْوَقْتِ. (أعمال الرسل ٩: ٣٤).
٢ - المسيح يطوف في البلاد ويداوي المرضى:
كما جاء في إنجيل متى: وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الجْلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب. (متى ٤: ٢٣).
وكما جاء في نفس الإنجيل: وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ. (متى ٩: ٣٥).
٣ - والتناقض موجود:
بأن المسيح ليس ربًا؛ وإنما مرسل من قبل الرب الأعلى، كما جاء في أعمال الرسل: يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ، الَّذِي جَال يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ المُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ. (أعمال الرسل ١٠: ٣٨).
٤ - المسيح طبيب:
جاء في إنجيل لوقا: (فَقَال لهمْ: "لَا شَكَّ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ لِي هَذَا الْمَثَلَ: أَيُّهَا الطَّبِيبُ اشْفِ نَفْسَكَ! فَاصْنَعْ هُنَا فِي بَلْدَتِكَ مَا سَمِعْنَا أَنَّهُ جَرَى فِي كَفْرَنَاحُومَ ... " ٢٤ ثُمَّ أَضَافَ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَا مِنْ نَبِيٍّ يُقْبَلُ فِي بَلْدَتِهِ.).
* * *
стр. 1463
١١ - شبهة: شم رائحة فم الصائم .
نص الشبهة:
أضاف هؤلاء صفة الشم لله تعالى، ولم ترد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ولكنهم تأولوها من الأحاديث التي وردت في فضل خلوف فم الصائم فقالوا: الله يشم رائحة فم الصائم ويحب رائحة فمه أكثر من المسك.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إثبات صفة استطابة الروائح .
قال ابن القيم: ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمَثَّلَ النبي ﷺ هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم، ونسبةُ استطابة ذلك إليه كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه، وغضبه، وفرحه، وكراهته، وحبه، وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم، وهو يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا، ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله الرضا، فإن قال: رضا ليس كرضا المخلوقين، فقولوا: استطابة ليس كاستطابة المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب. (١)
الوجه الثاني: ليس في الحديث صفة الشم لله .
وإنما هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، فصفات الله - تعالى - نوردها كما جاءت في كتاب الله تعالى، وكما جاءت في السنة الصحيحة، وتأتي على ظاهرها لا تأويلًا ولا استنباطًا.
стр. 1464
الوجه الثالث: فضل الصائم .
في هذا الحديث الذي ذكروه حث على عبادة الصيام، وأنها العبادة التي لا يستطيع الإنسان أن يرائي فيها؛ لأنَّها بين العبد وربه، ولذلك كان جزاؤها بين العبد وربه.
ورائحة فم الصائم تكون متغيرة وغير مقبولة عند الناس، ولكن عند الله هذه الرائحة أطيب من المسك، ليس معنى ذلك إثبات الشم لله، وإنما تذكير للعباد، كما أنهم يفرون من الرائحة غير المقبولة أو الكريهة ويذمون صاحبها، ويتنعمون بالرائحة الطيبة؛ ويمدحون صاحبها، فإن رائحة فم الصائم ممدوح صاحبها عند الله تعالى أطيب من مدح رائحة المسك عند الناس، والله أعلم.
الوجه الرابع: ماذا في كتبهم عن الرائحة ؟
الرب يطلب البخور والرائحة الطيبة:
كما جاء في سيراخ: (اصطفاه من بين جميع الأحياء ليقرب التقدمة للرب البخور والرائحة الطيبة ذكرًا وتكفيرًا عن شعبه (سيراخ ٤٥: ٢٠)
فعلى حسب هذا النص: الرب يشم كما يشم البشر، بل يطلب البخور والرائحة الطيبة.
الرب له رائحة:
كما جاء في رسالة كورونثوس ٢ (٢: ١٤ - ١٥): وَلكِنْ شُكْرًا لله الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ لله، فِي الَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي الَّذِينَ يَهْلِكُونَ.
وكما جاءَ فيَ أفسس: وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أيضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَة للهِ رَائِحَةً طَيِّبَة. (أفسس ٥: ٢).
* * *
стр. 1465
١٢ - شبهة اختلاق الأسف لله .
نص الشبهة:
ظن هؤلاء المعترضون من خلال نظرهم في القرآن أن الله يأسف، على بعض ما وقع من الناس فقالوا: الله يشعر بالأسف، في قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: معنى الأسف .
قال ابن منظور: الأَسَفُ: المُبالغةُ في الحُزْنِ والغَضَبِ، وأَسِفَ أَسَفًا، فهو أَسِفٌ وأَسْفان وآسِفٌ وأَسُوفٌ وأَسِيفٌ، والجمع أُسَفَاء.
وقد أَسِفَ على ما فاتَه وتأَسَّف أَي تَلَهَّفَ، وأَسِفَ عليه أَسَفًا أَي غَضِبَ.
وآسَفَه: أَغْضَبَه، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، معنى آسَفُونا أَغْضَبُونا، وكذلك قوله : ﴿إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. (١)
الوجه الثاني: تفسير الآية .
قال ابن جرير الطبري: يقول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ يعني بقوله: اسفونا: أغضبونا. (٢)
وقال الشيخ محمد خليل هراس: وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَلَمّا آسَفُونَا) .. إِلَخْ، فَالْأَسَفُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى شِدَّةِ الحزْنِ، وَبِمَعْنَى شِدَّةِ الْغَضَبِ وَالسَّخَطِ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيةِ.
وَالانْتِقَامُ: المُجَازَاةُ بِالْعُقُوبَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ النِّقْمَةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْكَرَاهَةِ وَالسَّخَطِ. (٣)
فتبين من ذلك أن الأسف في الآية بمعنى الغضب وليس بمعنى الحزن كما هو مشاع عند العامة.
стр. 1466
الوجه الثالث: الأدلة على أن الله يغضب .
أولًا من القران:
قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ [الأعراف: ١٥٢]، قال : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]، قال : ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَال عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ [طه: ٨٦]، قال : ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩]، قال : ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ [الشورى: ١٦]، قال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ [المجادلة: ١٤]، قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ [الممتحنة: ١٣].
ثانيًا من السنة: في حديث الشفاعة الطويل، وفيه أن الأنبياء يقولون:
" إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله". (١)
عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لمَّا خَلَقَ الله الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ - هُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهْوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ - إِنَّ رَحْمَتِى تَغْلِبُ غَضَبِي". (٢)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله". (٣)
стр. 1467
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قومًا في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله". (١)
قال الطحاوى: والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى. (٢)
الوجه الرابع: ماذا في كتبهم عن الأسف ؟
جاءت فقرات كثيرة في كتابهم المقدس في وصف الرب بالأسف والحزن.
١ - الرب يحزن ويتأسف في قلبه:
كما جاء في سفر التكوين (٦: ٦): فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأسَّفَ فِي قَلْبِهِ.
وهذا الفعل من علامات الندم، والله - تعالى - منزه عن ذلك، فهو سبحانه القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
٢ - الرب يحزن على خلق الإنسان:
كما جاء في سفر التكوين (٦: ٧): فَقَال الرَّبُّ: "أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ".
٣ - المخلوق يحزن، والحزن صفة قبيحة:
كما جاء في سيراخ (٣٨: ٢١): لا تسلم قلبك إلى الحزن بل اصرفه ذاكرًا الأواخر.
* * *
стр. 1468
١٣ - شبهة: القتل والرمي .
نص الشبهة:
أثار هؤلاء شبهاتٍ في الآياتِ، الله يرمي، ويقتل، ويقاتل، ويحارب في الحروب: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ [الأنفال: ١٧].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: آجال العباد بيد الله تعالى:
الأجل بيد الله تعالى، فهو الذي حدد لكل إنسان أجله، فعندما رمى الرامي قد يصيب برميته بإذن الله تعالى، وقد لا يصيب برميته أيضًا بإذن الله تعالى، فعاد الرمي والقتل بيد الله ، وليس للمخلوق؛ قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف: ٣٤]، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ [النحل: ٦١].
عَنْ عَبْدِ الله قَال: قَالتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : اللهمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ الله ﷺ ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، قَال؛ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شيئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شيئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ الله أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَاب فِي النَّارِ أَوْ عَذَاب فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ". (١)
الوجه الثاني: تفسير الآية:
قال الطبري: القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
стр. 1469
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ ؛ فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم، ولكن الله قتلهم.
وأضاف - جل ثناؤه - قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين؛ إذ كان - جل ثناؤه - هو مسبِّب قتلهم، وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم، ففي ذلك أدلُّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صُنْعٌ به وَصَلوا إليها.
وكذلك قوله لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، فأضاف الرميَ إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين، والمسيِّب الرمية لرسوله.
فيقال للمنكرين: ما ذكرنا قد علمتم إضافة الله رَمْيِ نبيه ﷺ المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيَّه به، وإضافته إليه، وذلك فعلٌ واحد، كان من الله تسبيبه وتسديده، ومن رسول الله" ﷺ الحذفُ والإرسال، في تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتسابُ بالقُوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولًا إلا ألزموا في الآخر مثله، وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل (١).
قال ابن تيمية: إن قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُ اللهَ تَعَالى - كما تَظُنُّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الغالطين - فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَال لِكُلٍّ أَحَدٍ حَتَّى يُقَال لِلْمَاشِي: مَا مَشَيْت إذْ مَشَيْت وَلَكِنَّ الله مَشَى وَيُقَال لِلرَّاكِبِ: وَمَا رَكِبْت إذْ رَكِبْت وَلَكِنَّ الله رَكِبَ وَيُقَال لِلْمُتكلِّمِ: مَا تَكَلَّمْت إذْ تَكَلَّمْت وَلَكِنَّ الله تَكَلَّمَ وَيُقَال مِثْلُ ذَلِكَ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ وَالصَّائِمِ وَالمُصَلِّي وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَطَرْدُ ذَلِكَ: يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُقَال لِلْكَافِرِ مَا كَفَرْت إذْ كَفَرْت وَلَكِنَّ الله كَفَرَ وَيُقَال لِلْكَاذِبِ مَا كَذَبْت إذْ كَذَبْت وَلَكِنَّ الله كَذَبَ. وَمَنْ قَال مِثْلَ هَذَا: فَهُوَ كَافِرٌ مُلْحِدٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
١٤ - شبهة: الرعد منطق الله .
نص الشبهة:
أثار هؤلاء شبهة على ما ورد في أحد كتب التفسير عن الرعد والبرق فقالوا: الرعد هو منطق الله والبرق هو ضحك الله.
عَنْ شَيْخ مِنْ بَنِي غِفَار أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: "إِنَّ الله يُنْشِئ السَّحَاب، فَيَنْطِق أَحْسَن النُّطْق، وَيَضحَك أَحْسَن الضَّحِك".
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ماذا في الحديث ؟
عَنْ شَيْخ مِنْ بَنِي غِفَار أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: "إِنَّ الله يُنْشِئ السَّحَاب فَيَنْطِق أَحْسَن المنطْق وَيَضحَك أَحْسَن الضَّحِك (١).
الوجه الثاني: المعنى المستقيم للحديث .
قال ابن كثير: والمراد - والله أعلم - أن نطقَها الرعدُ، وضحكها البرقُ.
وقال موسى بن عبيدة، عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث، فلا أحسن منه مضحكا، ولا آنس منه منطقا، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد.
وكذا روي عن ابن عباس، والأسود بن يزيد، وطاوس: أنَّهم كانوا يقولون كذلك.
وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة.
وروي عن علي ﵁، أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من سَبَّحت له. (٢)
٧ - شبهات في حق الله
وفيها:
١ - شبهة: ادعاؤهم أن الله عنده كلب.
٢ - شبهة: حول العرش.
٣ - شبهة: علم الله للغيب.
٤ - شبهة: القسم.
٥ - شبهة: أنَّ الله يدعو إلى الفجور.
٦ - شبهة: أنَّ الله يميل إلى النساء.
٧ - شبهة: ادعاؤهم أن الله قوَّاد.
٨ - شبهة: أنَّ الله يُضل الناس.
٩ - شبهة: ما ينزل من السماء.
١٠ - شبهة: ادعاؤهم أن الله يمرض ويجوع.
стр. 1474
١ - شبهة: ادعاؤهم أن الله عنده كلب .
نص الشبهة:
هل الله عنده كلب ويسلطه على الناس؟ .
واحتج هؤلاء بما روي عن هَبَّار بْن الْأَسْوَد ﵁ أَنَّ عُتْبَة بْن أَبِي لَهَبٍ لَمَّا خَرَج فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّام، قَال لِأَهْلِ مَكَّةَ: اعْلَمُوا أَنِّي كَافِرٌ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى، فَبَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ ﷺ فَقَال: "سَيُرْسِلُ الله عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابه" قَال هَبَّار: فَكُنْت مَعَهُمْ. فَنزلْنَا بِأَرْضٍ كَثِيرَة الْأُسْدِ، قَال: فَلَقَدْ رَأَيْت الْأَسَد جَاءَ فَجَعَلَ يَشُمُّ رُءُوس الْقَوْم وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى تَخَطَّى إِلَى عُتْبَة فَاقْتَطَعَ رَأْسه مِنْ بَيْنهمْ.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما نسب الله تعالى إلى نفسه ونسبه له رسوله ﷺ فنحن نثبته له مع التنزيه.
الوجه الثاني: حديث "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك" لا يثبت.
الوجه الثالث: ماذا في كتب النصارى عن الله؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ما نسب الله تعالى إلى نفسه، ونسبه له وسوله ﷺ -.
فنحن ننسبه كما جاء مع تنزيه الله تعالى عن التشبيه بالخلق، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧].
وقال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧] (يوسف: ٨٧).
وقد وردت أحاديث كثيرة في بيت الله، وأسد الله، وسيف الله، ونحوها مما أضافه النبي ﷺ إلى الله تعالى.
стр. 1475
قال ابن تيمية: فالصفات إذا أضيفت إليه كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك: دلت الإضافة على أنَّها إضافة وصف له قائم به؛ ليست مخلوقة؛ لأن الصفة لا تقوم بنفسها، فلا بد لها من موصوف تقوم به، فإذا أضيفت إليه علم أنَّها صفة له.
لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول بها:
فيسمى المقدور قدرة، والمخلوق بالكلمة كلامًا، والمعلوم علمًا، والمرحوم به رحمة. كقول النبي ﷺ : "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة". (١)
وقوله تعالى فيما يروي عنه نبيه ﷺ أنه قال للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء". (٢) ويقال للمطر والسحاب هذه قدرة قادر، وهذه قدرة عظيمة، ويقال في الدعاء: غفر الله لك علمه فيك، أي: معلومه.
وأما الأعيان إذا أضيفت إلى الله تعالى: فإما أن تضاف بالجهة العامة التي يشترك فيها المخلوق، مثل كونها مخلوقة ومملوكة له، ومقدورة، ونحو ذلك، فهذه إضافة عامة مشتركة. كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١].
وقد يضاف لمعنى يختص بها يميز به المضاف عن غيره مثل: (بيت الله)، (وناقة الله)، (وعبد الله)، (وروح الله)، فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة، واختصاص العبد الصالح الذي عبد الله، وأطاع أمره. وكذلك الروح المقدسة التي امتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح.
فإن المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره. وهذه الإضافة لا اختصاص فيها، ولا فضيلة للمضاف على غيره، وامتاز بعضها بأن الله يحبه ويرضاه ويصطفيه ويقربه إليه ويأمر به أو يعظمه ويحبه؛ فهذه الإضافة