١٤ - شبهة: الرعد منطق الله .
نص الشبهة:
أثار هؤلاء شبهة على ما ورد في أحد كتب التفسير عن الرعد والبرق فقالوا: الرعد هو منطق الله والبرق هو ضحك الله.
عَنْ شَيْخ مِنْ بَنِي غِفَار أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: "إِنَّ الله يُنْشِئ السَّحَاب، فَيَنْطِق أَحْسَن النُّطْق، وَيَضحَك أَحْسَن الضَّحِك".
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ماذا في الحديث ؟
عَنْ شَيْخ مِنْ بَنِي غِفَار أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: "إِنَّ الله يُنْشِئ السَّحَاب فَيَنْطِق أَحْسَن المنطْق وَيَضحَك أَحْسَن الضَّحِك (١).
الوجه الثاني: المعنى المستقيم للحديث .
قال ابن كثير: والمراد - والله أعلم - أن نطقَها الرعدُ، وضحكها البرقُ.
وقال موسى بن عبيدة، عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث، فلا أحسن منه مضحكا، ولا آنس منه منطقا، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد.
وكذا روي عن ابن عباس، والأسود بن يزيد، وطاوس: أنَّهم كانوا يقولون كذلك.
وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة.
وروي عن علي ﵁، أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من سَبَّحت له. (٢)
٧ - شبهات في حق الله
وفيها:
١ - شبهة: ادعاؤهم أن الله عنده كلب.
٢ - شبهة: حول العرش.
٣ - شبهة: علم الله للغيب.
٤ - شبهة: القسم.
٥ - شبهة: أنَّ الله يدعو إلى الفجور.
٦ - شبهة: أنَّ الله يميل إلى النساء.
٧ - شبهة: ادعاؤهم أن الله قوَّاد.
٨ - شبهة: أنَّ الله يُضل الناس.
٩ - شبهة: ما ينزل من السماء.
١٠ - شبهة: ادعاؤهم أن الله يمرض ويجوع.
стр. 1474
١ - شبهة: ادعاؤهم أن الله عنده كلب .
نص الشبهة:
هل الله عنده كلب ويسلطه على الناس؟ .
واحتج هؤلاء بما روي عن هَبَّار بْن الْأَسْوَد ﵁ أَنَّ عُتْبَة بْن أَبِي لَهَبٍ لَمَّا خَرَج فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّام، قَال لِأَهْلِ مَكَّةَ: اعْلَمُوا أَنِّي كَافِرٌ بِالَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى، فَبَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ ﷺ فَقَال: "سَيُرْسِلُ الله عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابه" قَال هَبَّار: فَكُنْت مَعَهُمْ. فَنزلْنَا بِأَرْضٍ كَثِيرَة الْأُسْدِ، قَال: فَلَقَدْ رَأَيْت الْأَسَد جَاءَ فَجَعَلَ يَشُمُّ رُءُوس الْقَوْم وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى تَخَطَّى إِلَى عُتْبَة فَاقْتَطَعَ رَأْسه مِنْ بَيْنهمْ.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما نسب الله تعالى إلى نفسه ونسبه له رسوله ﷺ فنحن نثبته له مع التنزيه.
الوجه الثاني: حديث "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك" لا يثبت.
الوجه الثالث: ماذا في كتب النصارى عن الله؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ما نسب الله تعالى إلى نفسه، ونسبه له وسوله ﷺ -.
فنحن ننسبه كما جاء مع تنزيه الله تعالى عن التشبيه بالخلق، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧].
وقال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧] (يوسف: ٨٧).
وقد وردت أحاديث كثيرة في بيت الله، وأسد الله، وسيف الله، ونحوها مما أضافه النبي ﷺ إلى الله تعالى.
стр. 1475
قال ابن تيمية: فالصفات إذا أضيفت إليه كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك: دلت الإضافة على أنَّها إضافة وصف له قائم به؛ ليست مخلوقة؛ لأن الصفة لا تقوم بنفسها، فلا بد لها من موصوف تقوم به، فإذا أضيفت إليه علم أنَّها صفة له.
لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول بها:
فيسمى المقدور قدرة، والمخلوق بالكلمة كلامًا، والمعلوم علمًا، والمرحوم به رحمة. كقول النبي ﷺ : "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة". (١)
وقوله تعالى فيما يروي عنه نبيه ﷺ أنه قال للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء". (٢) ويقال للمطر والسحاب هذه قدرة قادر، وهذه قدرة عظيمة، ويقال في الدعاء: غفر الله لك علمه فيك، أي: معلومه.
وأما الأعيان إذا أضيفت إلى الله تعالى: فإما أن تضاف بالجهة العامة التي يشترك فيها المخلوق، مثل كونها مخلوقة ومملوكة له، ومقدورة، ونحو ذلك، فهذه إضافة عامة مشتركة. كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١].
وقد يضاف لمعنى يختص بها يميز به المضاف عن غيره مثل: (بيت الله)، (وناقة الله)، (وعبد الله)، (وروح الله)، فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة، واختصاص العبد الصالح الذي عبد الله، وأطاع أمره. وكذلك الروح المقدسة التي امتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح.
فإن المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره. وهذه الإضافة لا اختصاص فيها، ولا فضيلة للمضاف على غيره، وامتاز بعضها بأن الله يحبه ويرضاه ويصطفيه ويقربه إليه ويأمر به أو يعظمه ويحبه؛ فهذه الإضافة
стр. 1476
يختص بها بعض المخلوقات؛ كإضافة البيت والناقة والروح، وعباد الله من هذا الباب وقد قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء: ٩١].
وقال في سورة التحريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١١، ١٢].
فذكر امرأة فرعون التي ربت موسى بن عمران، وجمعت بينه وبين أمه، حتى أرضعته أمه عندها، وذكر مريم أم المسيح التي ولدته وربته، فهاتان المرأتان ربتا هذين الرسولين الكريمين، فلما قال هنا: (فنفخنا فيه) أي: في المرأة، و (فيه) أي: في فرجها، (من روحنا)، وقال هنا: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ (مريم: ١٧) إلى قوله: ﴿قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ [مريم: ١٩] دل على أن قوله: (روحنا) ليس المراد به أنه صفة لله؛ لا الحياة ولا غيرها، ولا هو رب خالق، فلا هو الرب الخالق، ولا صفة الرب الخالق؛ بل هو روح من الأرواح التي اصطفاها الله وأكرمها، كما تقدم في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾، وأن الأكثرين على أنه جبريل.
وهذا الأصل الذي ذكرناه من الفرق فيما يضاف إلى الله بين صفاته، وبين مملوكاته، أصل عظيم ضل فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلهم؛ فإن كتب الأنبياء التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها أضافت إلى الله أشياء على هذا الوجه، وأشياء على هذا الوجه، فاختلف الناس في هذه الإضافة:
стр. 1477
فقالت المعطلة - نفاة الصفات من أهل الملل -: إن الجميع إضافة ملك، وليس لله حياة قائمة به، ولا علم قائم به، ولا قدرة قائمة به، ولا كلام قائم به، ولا حب ولا بغض، ولا غضب ولا رضى؛ بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته.
وهذا أول ما ابتدعته في الإسلام الجهمية، وإنما ابتدعوه بعد انقراض عصر الصحابة، وأكابر التابعين لهم بإحسان، وكان مقدمهم رجل يقال له: الجهم بن صفوان فنسبت الجهمية إليه، ونفوا الأسماء والصفات، واتبعهم المعتزلة، وغيرهم، فنفوا الصفات دون الأسماء، ووافقهم طائفة من الفلاسفة أتباع أرسطو.
وقالت الحلولية: بل ما يضاف إلى الله قد يكون هو صفة له، وإن كان بائنًا عنه؛ بل قالوا: هو قديم أزلي، فقالوا: روح الله قديمة أزلية صفة لله، حتى قال كثير منهم: إن أرواح بني آدم قديمة أزلية وصفة لله، وقالوا: إن ما يسمعه الناس من أصوات القراء ومداد المصاحف قديم أزلي، وهو صفة لله، وقال حذاق هؤلاء: بل غضبه ورضاه، وحبه وبغضه، وإرادته لما يخلقه قديم أزلي، وهو صفة الله، وكلامه الذي سمعه موسى قديم أزلي، وأنه لم يزل راضيا محبًا لمن علم أنه يطيعه قبل أن يخلق، ولم يزل غضبانًا ساخطًا على من علم أنه يكفر قبل أن يخلق، ولم يزل ولا يزال قائلًا: يا آدم! ، يا نوح! ، يا إبراهيم قبل أن يوجدوا، وبعد موتهم، ولم يزل: ولا يزال يقول يا معشر الجن والإنس قبل أن يخلقوا، وبعد ما يدخلون الجَنَّة والنار.
وأما سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين المشهورون بالإمامة فيهم، كالأربعة وغيرهم، وأهل العلم بالكتاب والسنة، فيفرقون بين مملوكاته، وبين صفاته، فيعلمون أن العباد مخلوقون، وصفات العباد مخلوقة، وأجسادهم، وأرواحهم، وكلامهم، وأصواتهم بالكتب الإلهية، وغيرها ومدادهم وأوراقهم والملائكة والأنبياء وغيرها، ويعلمون أن صفات الله القائمة به ليست مخلوقة؛ كعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحياته، وسمعه، وبصره، ورضاه، وغضبه، وحبه، وبغضه؛ بل هو موصوف بما وصف به
стр. 1478
نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولون كلام الله بغير ما أراده، ولا يمثلون صفات الخالق بصفات المخلوق؛ بل يعلمون أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ بل هو موصوف بصفات الكمال، منزه عن النقائص، وليس له مثل في شيء من صفاته، ويقولون: إنه لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، لم يزل متكلمًا إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالمًا، ولم يزل قادرًا، ولم يزل حيًّا سميعًا بصيرًا، ولم يزل مريدًا، فكل كمال لا نقص فيه يمكن اتصافه به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متصفًا بصفات الكمال، منعوتا بنعوت الجلال والإكرام ، والنصارى من أعظم الناس اضطرابًا في هذا الأصل. (١)
الوجه الثاني: حديث (اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك) لا يثبت . (٢)
стр. 1479
الوجه الثالث: ماذا في كتب النصارى عن الله ؟
يعتبر هؤلاء أن ما وجد في السنة من إضافة النبي ﷺ لله تعالى كلبًا له، عيبًا ويتندرون به على المسلمين، فماذا قالوا هم عن الله تعالى ذاته؟
١ - الله كالدب:
ونجد هذا الوصف في سفر مراثي إرميا (٣: ١٠) فيصف النبي إرميا الرب فيقول: (هُوَ لِي كَدُبٍّ مُتَرَبِّصٍ).
٢ - الله كالحشرة:
ونجد هذا الوصف في سفر هوشع ٥: ١٢: يقول الرب: فَأَنَا لأَفْرَايِمَ كَالْعُثِّ، وَلبَيْتِ يَهُوذَا كَالسُّوسِ.
والعث: هي حشرة تتغذي على الثياب وتتلفه (معجم الكلمات الصعبة للكتاب المقدس).
٣ - الله كلبوة .
стр. 1480
ونجد هذا الوصف في سفر هوشع (١٣: ٤ - ٨): يقول الرب: وَآكُلُهُمْ هُنَاكَ كَلَبْوَةٍ.
٤ - الله كالدودة .
ونجد هذا الوصف في سفر هوشع (٥: ١٢) يقول الرب: فَأَنَا لأَفْرَايِمَ كَالْعُثِّ، وَلبَيْتِ يَهُوذَا كَالسُّوسِ.
والسُّوْس: دودٌ يقع في الصوف والثياب والطعام والشجر.
٥ - الله كبنات آوى .
ونجد هذا الوصف في سفر ميخا (١: ٨) يقول الرب عن نفسه: (لِهَذَا أَنُوحُ وَأُوَلْوِلُ وَأَمْشِي حَافِيًا عُرْيَانًا، وَأُعْوِلُ كَبَنَاتِ آوَى، وَأَنْتَحِبُ).
* * *
стр. 1481
٢ - شبهة: حول العرش وأنه محمول على حيوانات .
نص الشبهة:
يقولون: إن عرش الرحمن قائم على حيوانات، ويحتجون على ذلك بما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧] أن النبي ﷺ قال: هُمْ ثَمَانِيَة أَمْلَاك عَلَى صُورَة الأَوْعَال.
وقال أيضًا: ملك على صورة سيد الصور وهو ابن آدم، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآية على ما ورد عن أهل العلم مع تحقيق القول الصحيح فيها .
الوجه الثاني: تحقيق القول في العرش وحملته.
الوجه الثالث: القرآن يوجب أن لله عرشًا يُحمل.
الوجه الرابع: أن العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه، وكالسقف بالنسبة إلى ما تحته.
الوجه الخامس: إضافة العرش إلى الله إضافة اختصاص.
الوجه السادس: بعض ما ذكر في العرش.
الوجه السابع: ماذا قال الكتاب المقدس عن العرش؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآية على ما ورد عن أهل العلم مع تحقيق القول الصحيح فيها.
قال الطبري: وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، اختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله: ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾، فقال بعضهم: عني به ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدّتهن إلا الله.
ذكر من قال ذلك:
أولًا: ابن عباس. (١)
стр. 1482
ثانيًا: عن الضحاك قال في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال بعضهم: ثمانية صفوف لا يعلم عدتهنّ إلا الله. (١)
وقال بعضهم: ثمانية أملاك على خلق الوعلة.
وقال آخرون: بل عني به ثمانية أملاك.
ذكر من قال ذلك:
قال ابن زيد في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية أملاك، وقال، قال رسول الله ﷺ : "يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، وَيَوْم القِيامَةِ ثَمَانِيَةٌ"، وقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أقْدامَهُمْ لَفِي الأرْضِ السَّابِعَةِ، وَإنَّ مَنَاكِبَهُمْ لخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَوَاتِ عَلَيْهَا الْعَرْشُ". قال ابن زيد: الأربعة، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لَمَّا خَلَقَهُمُ اللهُ قال: تَدْرُون لِمَ خَلَقْتُكُمْ؟ قالوا: خَلَقْتَنَا رَبَّنا لِمِا تَشَاءُ، قال لَهُمْ: تَحْمِلُونَ عَرْشِي، ثُمَّ قال: سَلُوني مِنَ القُوَّةِ ما شئْتُمْ أجْعَلْها فِيكُمْ، فَقال وَاحِدٌ مِنْهُمْ: قَدْ كانَ عَرْشُ رَبِّنَا على المَاءِ، فاجْعل فيَّ قُوَّةَ المَاءِ، قال: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ المَاءِ، وقال آخرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ السَّمَوَاتِ، قال: قَدْ جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ السَّمَوَاتِ، وقال آخَرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ الأرْضِ، قال: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الأرْضِ والجِبالِ، وقال آخَرُ: اجْعَلْ فِيَّ قُوَّةَ الرِّياحِ، قال: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الرِّياح، ثُمَّ قال:
стр. 1483
احْمِلُوا، فَوَضَعُوا العَرْش على كَوَاهِلِهِمْ، فَلَمْ يَزُولُوا؛ قال: فَجاءَ عِلْمٌ آخَرُ، وإنَّمَا كانَ عِلْمُهُمُ الَّذِي سأَلُوهُ القُوَّةَ، فَقال لَهُمْ: قُولُوا: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بالله، فقالوا: لا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إلا بالله، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِمْ مِنْ الحَوْلِ والقُوَّةِ ما لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُهُمْ، فَحَمَلُوا". (١)
قال الحافظ ابن كثير: وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة. ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش: العرش العظيم، أو: العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب. وفي حديث عبد الله بن عَميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، في ذكر حَمَلة العرش أنهم ثمانية أوعال. (٢)
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: حملة العرش ثمانية، ما بين مُوق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام. (٣)
وأخرج أيضًا عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أُذِنَ لي أن أحدثكم عن ملك من حَمَلة العرش: بُعْدُ ما بين شحمة أذنه وعنقه يخفق الطير سبعمائة عام" (٤).
وقد رواه أبو داود في كتاب "السنة" من سننه: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش: أنَّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام". (٥)
стр. 1484
وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة (١)(٢).
قال البغوي: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: فوق رءوسهم يعني الحملة (يَوْمَئِذٍ) يوم القيامة (ثَمَانِيَة) أي ثَمَانية أملاك.
جاء في الحديث: "لكل ملك منهم وجه رجل، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر". (٣)
ثم ساق البغوي بسنده عن عبد الله بن عميرة، عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ بالبطحاء فمرت سحابة فقال: النبي ﷺ : "أتدرون ما هذا؟ قلنا: السحاب. قال: والمزن؟ قلنا: والمزن، قال: والعنان؟ فسكتنا، فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؛ ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكذلك غِلظ كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض ثم بين ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن
стр. 1485
وركبهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله تعالى فوق ذلك، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء" (١). (٢)
قال السيوطي: قال الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الأَرْضَ السَّابِعَةَ وَالْعَرْشُ عَلَى مِنْكَبِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ أَيْنَ كُنْتَ وَأَيْنَ تَكُونُ". (٣)
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، ويقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت". (٤)
стр. 1486
وعن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في حملة العرش أربعة أملاك: ملك على صورة سيد الصور وهو ابن آدم، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور، في زال غضبان منذ يوم عبد العجل إلى ساعتي هذه، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر". (١)
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ خرج على أصحابه فقال ما جمعكم؟ فقالوا: اجتمعنا نذكر ربنا، ونتفكر في عظمته فقال: لن تدركوا التفكير في عظمته، ألا أخبركم ببعض عظمة ربكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إن ملكًا من حملة العرش يقال له: إسرافيل، زاوية من زوايا العرش على كاهله، قد مرقت قدماه في الأرض السابعة السفلى، ومرق رأسه من السماء السابعة العليا، في مثله من خليقة ربكم. (٢)
وعَنْ أُمِّ سَعْدٍ اِمْرَأةٍ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْعَرْشُ عَلَى مَلَكٍ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ فِي صُورَةِ دِيكٍ، رِجْلاهُ فِي التُّخُومِ السُّفْلَى، وَعُنُقُه مَثْنِيةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَجَنَاحَاهُ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَإِذَا سَبَّحَ اللهَ ذَلِكَ الْمَلَكُ، لَمْ يَبْقَ شَيءٌ إِلَّا سَبَّحَ". (٣)
стр. 1487
وعلى هذا لم يصح حديث عن رسول الله ﷺ في أن صفة ملائكة العرش كصفة الأوعال. فلا عبرة بما قيل بعد ذلك.
قال أبو حيان: وذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالًا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحًا. (١)
الوجه الثاني: تحقيق القول في العرش وحملته .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: للناس في أن الله فوق العرش والعالم قولان مشهوران لعامة الطوائف من المتكلمين، وأهل الحديث، والصوفية، والفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم:
أحدهما: أنَّه مجرد نسبة وإضافة بين المخلوقات والخالق، وبين العرش والرب، تجددت بخلقه للعرش من غير أن يكون هو في نفسه تحرك أو تصرف بنفسه شيئًا.
وهذا قول من يقول: يمتنع حلول الحوادث بذاته وتمتنع الحركة عليه.
والقول الثاني: هو المشهور عن السلف، وأئمة الحديث، وكثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفية من الطوائف الأربعة وغيرهم، أنه استوى عليه بعد خلق السماوات والأرض كما دل عليه القرآن، فيكون قد استوى عليه بعد أن لم يكن مستويًا عليه، وكذلك استواؤه إلى السماء ومجيؤه وإتيانه كما وردت بذلك النصوص المتواترة الصحيحة، وعلى هذا التقدير فليس في ذلك انقلاب لذاته، بل قد ذكر أنه ليس في الأدلة العقلية ما يحيل ذلك.
وللناس في حملة العرش قولان:
أحدهما: أنَّ حملة العرش يحملون العرش ولا يحملون من فوقه.
والثاني: أنَّهم يحملون العرش ومن فوقه كما تقدم حكاية القولين.
فيذكر ما يقوله الفريقان في جواب هذه الحجة فإنهم ينازعونه في المقدمتين جميعًا.
стр. 1488
فيقال: من جهة الأولين لا نسلم أن من حمل العرش يجب أن يحمل ما فوقه إلا أن يكون ما فوقه معتمدًا عليه، وإلا فالهواء والطير وغير ذلك مما هو فوق السقف ليس محمولًا لما يحمل السقف، وكذلك السماوات فوق الأرض وليست الأرض حاملة السماوات، وكل سماء فوقها سماء وليست السفلى حاملة للعليا، فإذا لم يجب في المخلوقات أن يكون الشيء حاملًا لما فوقه، بل قد يكون وقد لا يكون، لم يلزم أن يكون العرش حاملًا للرب تعالى إلا بحجة تبين ذلك، وإذا لم يكن العرش حاملًا لم يكن حملة العرش حاملة لما فوقه بطريق الأولى.
الوجه الثاني: أنَّ الطائفة الأخرى تمنع المقدمة الثانية، فيقولون: لا نسلم أن العرش وحملته إذا كانوا حاملين لله لزم أن يكون الله محتاجًا إليهم، فإن الله هو الذي يخلقهم ويخلق قواهم وأفعالهم فلا يحملونه إلا بقدرته ومعونته، كما لا يفعلون شيئًا من الأفعال إلا بذلك، فلا يحمل في الحقيقة نفسه إلا نفسه، كما أنه سبحانه إذا دعاه عباده فأجابهم وهو سبحانه الذي خلقهم وخلق دعاءهم وأفعالهم؛ فهو المجيب لما خلقه وأعان عليه من الأفعال، وكذلك إذا فرح بتوبة التائب من عباده، أو غضب من معاصيهم، وغير ذلك مما فيه إثبات نوع تحول عن أفعال عباده، فإن هذا يقوله كثير من أهل الكلام مع موافقة جمهور أهل الحديث وغيرهم فيه مقامان مشكلان:
أحدهما: مسألة حلول الحوادث.
والثانية: تأثير المخلوق فيه.
وجواب المسألة الأولى مذكور في غير هذا الموضع.
وجواب السؤال الثاني:
أنه لا خالق، ولا بارئ، ولا مصور، ولا مدبر لأمر الأرض والسماء إلا هو فلا حول ولا قوة إلا به، وكل ما في عباده من حول وقوة فبه هو سبحانه فيعود الأمر إلى أنه هو المتصرف بنفسه الغني عما سواه.
стр. 1489
وهؤلاء يقولون: هذا الذي ذكرناه أكمل في صفة الغني عما سواه، والقدرة على كل شيء مما يقوله النفاة، فإن أولئك يقولون: لا يقدر أن يتصرف بنفسه، ولا يقدر أن ينزل ولا يصعد ولا يأتي ولا يجيء، ولا يقدر أن يخلق في عباده قوة يحملون بها عرشه الذي هو عليه، ويكونون إنما حملوه وهو فوق عرشه بقوته.
ولولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة ولا السماوات ولا الأرض ولا من فيهن، ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته؛ فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، وكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقله والعرش أكبر من السماوات السبع والأرضين السبع؟ ! !
ولو كان العرش في السماوات والأرضيين ما وسعته؛ ولكنه فوق السماء السابعة فكيف تنكر هذا؟ ! وأنت تزعم أن الله في الأرض في جميع أمكنتها؟ ! ! ، والأرض دون العرش في العظمة والسعة، فكيف تقله الأرض في دعواك ولا يقله العرش الذي هو أعظم منها وأوسع؟ ! !
وأدخل هذا القياس الذي أدخلت علينا في عظم العرش وصغره وكبره على نفسك وعلى أصحابك في الأرض وصغرها؛ حتى تستدل على جهلك، وتفطن لما يورد عليك حصائد لسانك، فإنك لا تحتج بشيء إلا هو راجع عليك وآخذ بحلقك.
أفلا تدري أيها المعارض أن حملة العرش لم يحملوا العرش ومن عليه بقوتهم وبشدة أسرهم إلا بقوة الله. (١)
الوجه الثالث: القرآن يوجب أن لله عرشًا يُحْمَل .
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧]. وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧].
стр. 1490
وهذا يوجب أن لله عرشًا يُحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية فإن الملك هو مجموع الخلق، فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه يحملون عرشه وآخرون يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية إما ثمانية أملاك وإما ثمانية أصناف وصفوف وهذا إلى مذهب المثبتة أقرب منه إلى قول النافية بلا ريب. (١)
الوجه الرابع: أنَّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه، وكالسقف بالنسبة إلى ما تحته .
فإذا كان القرآن قد جعل لله عرشًا وليس هو بالنسبة إليه كالسقف علم أنه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره وذلك يقتضي أنه فوق العرش.
الوجه الخامس: إضافة العرش إلى الله إضافة اختصاص .
إن إضافة العرش مخصوصة إلى الله لقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ (الحاقة: من الآية ١٧) يقتضي أنه مضاف إلى الله إضافة تخصه كما في سائر المضافات إلى الله كقوله: ﴿بيت الله﴾، ﴿وناقة الله﴾ ونحو ذلك.
وإذا كان العرش مضافًا إلى الله في هذه الآية إضافة اختصاص؛ وذلك يوجب أن يكون بينه وبين الله من النسبة ما ليس لغيره، في يذكره الجهمية من الاستيلاء والقدرة وغير ذلك أمر مشترك بين العرش وسائر المخلوقات، وهذه الآية التي احتج بها تنفي أن يكون الثابت من الإضافة هو القدر المشترك، وتوجب اختصاصا للعرش بالله ليس لغيره كقوله: ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ وهذا إنما يدل على قول المثبتة هو إلى الدلالة عليه أقرب، وأيهما كان فقد دلت الآية على نقيض مطلوبه، وهو الذي ألزمناه فلم يذكر آية من كتاب الله على مطلوبه إلا وهي لا دلالة فيها؛ بل دلالتها على نقيض مطلوبه أقوى. اهـ. (٢)
الوجه السادس: بعض ما ذكر في العرش .
أولًا: في القرآن
الموضع الثاني: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
هذه جملة ما ذكر فيها عرش الله تعالى في كتابه، ومعنى الاستواء في الآياتِ: الارتفاع، والاستقرار، والصعود، والعلو.
قال ابن تيمية: ما ذكره الخلال وغيره عن إسحاق بن راهويه حدثنا بشر بن عمر قال سمعت غير واحد من المفسرين يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] أي ارتفع. (١)
وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: استوى إلى السماء: ارتفع.
وقال مجاهد: استوى: علا على العرش.
وقال البغوي في تفسيره: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: استوى إلى السماء ارتفع إلى السماء. وكذلك قال الخليل بن أحمد.
وروى البيهقي عن الفراء: استوى أي صعد، وهو كقول الرجل: كان قاعدًا فاستوى قائمًا وروى الشافعي في مسنده عن أنس بن مالك أنه قال عن يوم الجمعة: وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش.
ثانيًا: في السنة:
فضل العرش على الكرسي .
عن أبي ذر الغفاري قال دخلت المسجد الحرام، فرأيت رسول الله ﷺ وحده فجلست إليه، فقلت: يا رسول الله أي آية نزلت عليك أفضل؟ قال: "آية الكرسي، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة". (٢)
стр. 1494
العرش له قوائم:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلا أَدْرِي أَفاقَ قَبِلي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ". (١)
هذا جزء مما يتعلق بالعرش في عقيدة أهل الإسلام، لا تشعر فيها إلا بالعظمة للخالق .
أما عن قولهم: إن الله يجلس على العرش والعرش له أطيط وصرير من ثقله ويشبه الراكب على الرحل. فهذا لا يصح لأنهم يعتمدون على حديث ضعيف وبيانه كالتالي:
عن جُبَيْرٍ بن مُحَمَّدِ بن جُبَيْر بن مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَال: جَاءَ رَسُولَ الله ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَال: يَا رَسُولَ الله جَهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَضَاعَ الْعِيَال، وَهَلَكَتِ الأَمْوَال، وَنَهَكَتِ الأَنْعَامُ، فَاسْتَسْقِ الله لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، وَنَسْتَشْفِعُ بِالله عَلَيْكَ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : وَيْحَكَ تَدْرِي مَا تَقُولُ؟ ، فَسَبَّحَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَمَا زَال يُسَبِّحُ، حَتَّى عَرَفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَال: وَيْحَكَ لا يُسْتَشْفَعُ بِالله عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، شَأْنُ الله أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ تَدْرِي مَا الله ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ، وَأَرْضِهِ هَكَذَا، وَقَال بِإِصْبَعَيْهِ: مِثْلُ الْقُبَّةِ، وَإِنَّهُ لَيَئطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِب. (٢)
الوجه السابع: ماذا قال الكتاب المقَدس عن العرش ؟
٣ - شبهة: علم الله للغيب .
نص الشبهة:
ادعى المعترضون أن الله لا يعلم الغيب واستدلوا - بالفهم الخاطئ - لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنفال: ٦٥]، وبقول الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٦].
وبقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤] من الآية ٩٤).
وبقول الله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت: ١١].
والجواب عن الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ ما قالوه مناقض تمامًا لما هو مذكور في الكتاب والسنة؛ ولما هو موجود في الفطر السليمة، والعقول القويمة، من أن الله وحده هو الذي يعلم الغيب .
الوجه الثاني: تفسير الآياتِ التي استشهدوا بها.
الوجه الثالث: في كتبهم الله لا يعلم الغيب.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أنَّ ما قالوه مناقض تمامًا لما هو مذكور في الكتاب والسنة، ولما هو موجود في الفطر السليمة، والعقول القويمة، من أن الله وحده هو الذي يعلم الغيب.
أولًا: من القرآن .
فكثير من الآياتِ تتحدث عن تفرد الله تعالى بعلمه للغيب منها:
١ - قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
٢ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ
٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ وَهُوَ يَقُولُ: "لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا الله". (١)
ثالثًا: العقل والفطرة .
فإنه من المعلوم لدى العقلاء أن الذي يقدر أن يخلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن عالم بكل شيء قبل خلقه لهذه الأشياء، وأن علمه للغيب والشهادة لا يملكه مخلوق سواء أكان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا إلا من أطلعه الله تعالى على بعض هذه الغيبيات. فيستحيل في العقول السليمة أن يساوي علم المخلوق علم الخالق، فضلا عن أن يفوقه.
الوجه الثاني: تفسير الآيات التي استشهدوا بها .
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنفال: ٦٥].
هذه الآية خبر من الله تعالى تدل على علمه بالغيب وليس نفي علم الغيب عنه، وذلك أن علم الله تعالى بالمؤمنين أنهم يستطيعون أن يغلبوا أكثر بما يعادل أن يغلب الواحد عشرة أفراد، لكن قد يكون هذا شاقًا عليهم، وإن كانوا يستطيعون ذلك فخفف الله تعالى عنهم فصار الأمر أن لو فر رجل من أكثر من اثنين فلا لوم عليه في ذلك. أما إذا كان الوضع كما هو الحال الأول، فإن الواحد لو فر من عشرة فيأثم لذلك.
قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال:
стр. 1499
٦٦]، ولأجل ذلك نجد في التاريخ الإسلامي كم من جيش مسلم عدده عشرون ألفًا، ومع ذلك غلب جيشا وعدده أكثر من مائتي ألف من غير المسلمين.
قال ابن كثير: ثم قال تعالى مُبَشِّرًا للمؤمنين وآمرا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كل واحد بعشرة ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة.
قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخِرِّيت عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.
وروى البخاري من حديث ابن المبارك، نحوه. (١)
وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم ألا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين. (٢)
وروى البخاري، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، به ونحوه. (٣)
وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة الفًا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ
стр. 1500
ضَعْفًا﴾ والآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدو لهم لم ينبغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم. (١)
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، ﵄: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: نزلت فينا أصحاب محمد ﷺ (٢)
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤].
قال الطبري: يعني تعالى ذكره: ليختبرنكم الله، أيها المؤمنون، ببعض الصيد في حال إحرامكم، كي يعلم أهلَ طاعة الله والإيمان به، والمنتهين إلى حدوده وأمره ونهيه، ومن الذي يخاف الله فيتقي ما نهاه عنه، ويجتنبه خوف عقابه "بالغيب"، بمعنى: في الدنيا، بحيث لا يراه. (٣)
وقال ابن كثير: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: أنَّه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرًّا وجهرًا ليظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. (٤)
الآية الثالثة: خلطوا بين آيتين:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٣].
стр. 1501
والثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١].
المقصود في هاتين الآيتين هو كشف الله تعالى المؤمن الصادق من الذي يدعي الإيمان لعلمه تعالى الأزلي بأحوال العباد قبل خلقهم.
الآية الأولى:
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: ولقد اختبرنا الذين من قبلهم من الأمم، ممن أرسلنا إليهم رسلنا، فقالوا مثل ما قالته أمتك يا محمد بأعدائهم، وتمكيننا إياهم من أذاهم، كموسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل، فابتليناهم بفرعون وملئهم، وكعيسى إذ أرسلناه إلى بني إسرائيل، فابتلينا من اتبعه بمن تولى عنه، فكذلك ابتلينا أتباعك بمخالفيك من أعدائك ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ منهم في قيلهم: آمنَّا ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ منهم في قيلهم ذلك، والله عالم بذلك منهم قبل الاختبار، وفي حال الاختبار، وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك: ولَيُظْهِرَنَّ الله صدق الصادق منهم في قيل آمنا بالله من كذب الكاذب منهم بابتلائه إياه بعدوّه، ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه، على نحو ما قد بيَّناه فيما مضى قبلُ. (١)
والآية الثانية:
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وليعلمنّ الله أولياء الله، وحزبه أهل الإيمان بالله منكم أيها القوم، وليعلمنّ المنافقين منكم حتى يميزوا كلّ فريق منكم من الفريق الآخر، بإظهار الله ذلك منكم بالمحن والابتلاء والاختبار وبمسارعة المسارع منكم إلى الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، وتثاقل المتثاقل منكم عنها. (٢)
وبعدُ فقد تبين من خلال عرض تفسير هذه الآياتِ التي استشهدوا بها أنَّها على غير مقصدهم وفهمهم، والله يهدي الجميع إلى سواء السبيل.
الوجه الثالث: في كتبهم الله لا يعلم الغيب .
стр. 1502
١ - الله لا يعلم الغيب الحاضر:
جاء في سفر التكوين: (٣ وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الجنَّةِ فَقَال الله: لَا تَأْكُلَا مِنْهُ وَلَا تمَسَّاهُ لِئَلَّا تَمُوتَا". ٤ فَقَالتِ الحيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: "لَنْ تَمُوتَا! ٥ بَلِ الله عَالمٌ أَنهُ يَوْمَ تَأْكُلَانِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَالله عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ". ٦ فَرَأَتِ المُرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أيضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. ٧ فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهَما مَآزِرَ. ٨ وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتَهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الجنَّةِ. ٩ فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَال لَهُ: "أَيْنَ أنتَ؟ ". ١٠ فَقَال: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتبَأْتُ". ١١ فَقَال: "مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْهَا؟ " ١٢ فَقَال آدَمُ: "المُرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ". ١٣ فَقَال الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: "مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟ " فَقَالتِ المُرْأَةُ: "الحْيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ". (سفر التكوين ٣/ ١٣: ٣).
٢ - الرب لا يعلم ما حدث من خلقه فندم على خلقه:
جاء في سفر التكوين: (فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ). (تكوين ٦: ٦).
٣ - الرب يندم على فعل الشر لأنه لم يكن يعلم ما سيكون من عاقبته:
كما جاء في سفر الخروج: (فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَال إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ). (سفر الخروج ٣٢: ١٤).
وكما جاء في صموئيل: (وَبَسَطَ المُلَاكُ يَدَهُ عَلَى أُورُشَلِيمَ لِيُهْلِكَهَا، فَنَدِمَ الرَّبُّ عَنِ الشَّرِّ، وَقَال لِلْمَلَاكِ الْمُهْلِكِ الشَّعْبَ: "كَفَى! الآنَ رُدَّ يَدَكَ". وَكَانَ مَلَاكُ الرَّبِّ عِنْدَ بَيْدَرِ أَرُونَةَ الْيَبُوسِيِّ) (صموئيل الثانى ٢٤: ١٦).
٤ - الرب يسأل قايين عن أخيه لأنه لا يعلم مكانه:
كما جاء في سفر التكوين: (فَقَال الرَّبُّ لِقَايِينَ: "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟ " فَقَال: "لَا أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟ " (تكوين ٤: ٩).
٤ - شبهة: حول القسم .
نص الشبهة:
ادعى هؤلاء أن الله تعالى له صفات بشرية، ومن هذه الصفات أنه يقسم كما يقسم البشر فقالوا: يقسم برب المشارق والمغارب.
كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾ [المعارج: ٤٠].
وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التساوي في الأسماء لا يقتضي التساوي في المسميات .
الوجه الثاني: ما الفائدة من قسم الله تعالى ؟
الوجه الثالث: القسم في كتابهم المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: التساوي في الأسماء لا يقتضي التساوي في المسميات.
بمعنى أن الله تعالى يقسم، وأن المخلوق يقسم، فليس معنى ذلك أن الله كالمخلوق، كباقي الصفات.
فإن المخلوق يتفاوت في صفاته من إنسان لآخر، ومن إنسان لحيوان، ومن حيوان لآخر وهكذا. وقد تكون الأسماء واحدة، كالقدم والعين والوجه والمشي وغير ذلك.
الوجه الثاني: ما الفائدة من قسم الله تعالى؟
قال ابن القيم ﵀: هو سبحانه يقسم بأمور على أمور؛ وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته وآياته المستلزمة لذاته وصفاته. وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته؛ فالقسم: إما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: من الآية ٢٣].
وإما على جملة طلبية كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ (الحجر: ٩٢، ٩٣).
مع أن هذا قد يراد به تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القسم.
стр. 1505
والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه، فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ذلك، كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها، فأما الأمور الظاهرة المشهورة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها، وما أقسم عليه الرب فهو من آياته، فيجوز أن يكون مقسمًا به ولا ينعكس (١).
الوجه الثالث: القسم في كتابهم المقدس .
يوجد كثير من الفقرات في كتابهم المقدس فيه أن الرب يقسم، فإذا كانوا يعتبرون أن هذا صفة نقص في حق الإله فعليهم أن ينكروا كتبهم.
١ - الرب يقسم بذاته .
كما جاء في سفر التكوين: (وَقَال: "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَك). (تكوين ٢٢/ ١٦)
وكما ورد في أشعياء (بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، خَرَجَ مِنْ فَمِي الصِّدْقُ كَلِمَةٌ لَا تَرْجعُ: إِنَّهُ لِي تَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، يَحْلِفُ كُلُّ لِسَانٍ). (أشعياء ٢٣/ ٤٥).
وكما ورد في أرمياء: (أَنِّي بِذَاتِي حَلَفْتُ، يَقُولُ الرَّبُّ، إِنَّ بُصْرَةَ تَكُونُ دَهَشًا وَعَارًا وَخَرَابًا وَلَعْنَةً، وَكُلُّ مُدُنِهَا تَكُونُ خِرَبًا أَبَدِيَّةً) (أرمياء ٤٩/ ١٣).
٢ - الرب يقسم .
كما جاء في سفر العدد (فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَأَقْسَمَ قَائِلًا) (سفر العدد ٣٢: ١٠).
وكما جاء في سفر التثنية: (انظُرْ قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكُمُ الأَرْضَ. ادْخُلُوا وَتَمَلَّكُوا الأَرْضَ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُمْ وَلِنَسْلِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ). (سفر التثنية ١/ ٨).
стр. 1506
وكما جاء في أعمال الرسل: (وَكَمَا كَانَ يَقْرُبُ وَقْتُ الْوْعِدِ الَّذِي أَقْسَمَ الله عَلَيْهِ لإِبْرَاهِيمَ، كَانَ يَنْمُو الشَّعْبُ وَيَكْثر فِي مِصْرَ). (أعمال الرسل ٧/ ١٧)
٣ - المخلوق يقسم .
كما جاء في سفر العدد: (إِذَا نَذَرَ رَجُلٌ نَذْرًا لِلرَّبِّ، أَوْ أَقْسَمَ قَسَمًا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِلَازِمٍ، فَلَا يَنْقُضْ كَلَامَهُ حَسَبَ كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ فَمِهِ يَفْعَلُ) (سفر العدد ٣٠/ ٢).
وكما جاء أيضًا: (كُلُّ نَذْرٍ وَكُلُّ قَسَمِ الْتِزَامٍ لإِذْلَالِ النَّفْسِ، زَوْجُهَا يُثْبِتُهُ وَزَوْجُهَا يَفْسَخُهُ) (سفر العدد ٣٠/ ١٣).
وفي الواقع والحس أن المخلوق يقسم. فهل الله مخلوق وتعتبر هذه صفات نقص؟ ! !
٤ - الرب يحلف .
كما جاء في سفر الخروج: (وَيَكُونُ مَتَى أَدْخَلَكَ الرَّبُّ أَرْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ كَمَا حَلَفَ لَكَ وَلآبَائِكَ، وَأَعْطَاكَ إِيَّاهَا) (خروج ١٣/ ١١).
وكما جاء في سفر التثنية: (وَإِنْ وَسَّعَ الرَّبُّ إِلهُكَ تُخُومَكَ كَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ، وَأَعْطَاكَ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي قَال إِنَّهُ يُعْطِي لآبَائِكَ) (تثنية ١٩/ ٨).
وكما جاء في أعمال الرسل: (فَإِذْ كَانَ نَبِيًّا، وَعَلِمَ أَنَّ الله حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الجْسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ) (أعمال الرسل ٢/ ٣٠).
٥ - المخلوق يحلف .
كما ورد في التكوين: (فَوَضَعَ الْعَبْدُ يَدَهُ تَحْتَ فَخْذِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَاهُ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى هذَا الأَمْرِ) (تكوين ٢٤/ ٩).
وكما ورد في اللاويين: (وَلَا تَحْلِفُوا بِاسْمِي لِلْكَذِبِ، فَتُدَنِّسَ اسْمَ إِلهِكَ. أَنَا الرَّبُّ) (لاويين ١٩/ ١٢).
وكما جاء في متى: (وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَال لَهُ: "أَسْتَحْلِفُكَ بِالله الحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحَ ابْنُ الله؟ ) (متى ٢٦/ ٦٣).
٦ - المخلوق يحلف بغير الله عندهم .
كما جاء في متى: (وَمَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِالسَّاكِنِ فِيه) (متى ٢٣/ ٢١).
стр. 1507
وجاء أيضًا فيه: (وَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ الله وَبِالجْالِسِ عَلَيْهِ) (متى ٢٣/ ٢٢).
جاء فيه أيضًا: (وَمَنْ حَلَفَ بِالمُذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِم) (متى ١٨/ ٢٣)
فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالمُذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِكُلِّ مَا عَلَيْهِ (متى ٢٣/ ٢٠)
٧ - ونجد في كتبهم النهي عن الحلف بالسماء والرأس .
كما جاء في متى: (وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لَا بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ الله) (متى ٥/ ٣٤).
وجاء أيضًا فيه: (وَلَا تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ) (متى ٥/ ٣٦).
ففي إنجيل واحد نجد التناقض بين الحلف والنهي عن الحلف.! !
* * *
стр. 1508
٥ - شبهة أن الله يدعو إلى الفجور
نص الشبهة:
يقولون: إن الله يدعو إلى الفجور وفهموا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨].
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: في بيان معنى الآية وتفسير العلماء لها .
الوجه الثاني: ماذا قالوا عن الله في كتابهم؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: في بيان معنى الآية وتفسير العلماء لها.
الله ﵎ خلق الخير والشر، فكل فجور هو شر، وكل تقوى هي خير، فبين للإنسان طريق الخير وطريق الشر. وطلب منه فعل الخير والسير في طريقه، ورتب على ذلك الجَنَّة ثوابًا لمن امتثل أمر الله تعالى.
ونهاه عن الشر والسير في طريقه، ورتب على من عصاه نارًا وقودها الناس والحجارة.
وجعل له حرية الاختيار حتى لا يظلمه. فإن دخل النار دخلها بعدل الله تعالى فيه.
وإن دخل الجَنَّة جراء فعله للخير؛ دخلها برحمة الله تعالى؛ لأن الذي خلقه هو الله والذي رزقه العقل والطعام والشراب ووفقه للحق هو الله تعالى، فلو عبده آلاف السنين ما استطاع أن يوفي نعم الله تعالى عليه. ولو حاسبه الله على ذلك لأهلكه. فمن هنا كانت رحمة الله تعالى بخلقه، وأنها وسعت كل شيء.
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾.
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
стр. 1509
نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩].
قال ابن جرير: وقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ يقول تعالى ذكره: فبين لها ما ينبغي لها أن تأتي أو تذر من خير، أو شرّ أو طاعة، أو معصية. (١)
ذكر من قال ذلك:
عن ابن عباس، قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ يقول: بَيَّنَ الخيرَ والشرَّ. (٢)
عن مجاهد ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ قال: عَرَّفَها. (٣)
عن قتادة ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾: فبَيَّن لها فجورها وتقواها. (٤)
عن الضحاك بن مزاحم ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ قال: الطاعةَ والمعصيةَ. (٥)
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنَّ الله جعل فيها ذلك.
ذكر من قال ذلك:
قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ قال: جعل فيها فجورَها وتقواها. (٦)
الوجه الثاني: الرب يضلل الناس في كتبهم المقدسة
стр. 1510
إذا كانوا يفهمون خطأ بأن الله يدعو للفجور، فهم يزعمون أن الرب يضلل الناس. كما جاء في أشعيا: (لمَاذَا أَضْلَلْتَنَا يَا رَبُّ عَنْ طُرُقِكَ، قَسَّيْتَ قُلُوبَنَا عَنْ مَخَافَتِكَ؟ ارْجعْ مِنْ أَجْلِ عَبِيدِكَ، أَسْبَاطِ مِيرَاثِكَ) (اشعياء ٦٣/ ١٧)
وكما جاء في حزقيال: (فَإِذَا ضَلَّ النَّبِيُّ وَتَكَلَّمَ كَلَامًا، فَأَنَا الرَّبُّ قَدْ أَضْلَلْتُ ذلِكَ النَّبِيَّ، وَسَأَمُدُّ يَدِي عَلَيْهِ وَأُبِيدُهُ مِنْ وَسْطِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ) (حزقيال ١٤/ ٩)
* * *